الباحث : روبرتو مازا
اسم المجلة : الاستغراب
العدد : 43
السنة : صيف 2026م / 1448هـ
تاريخ إضافة البحث : September / 22 / 2026
عدد زيارات البحث : 82
الحملة الصليبية الأخيرة والصهاينة الأوائل: الدين، والإمبراطورية، وصناعة فلسطين الحديثة[1]
روبرتو مازا[2]
يتناول هذا المقال الأبعاد الدينية المهملة للسياسة الإمبراطورية البريطانية تجاه فلسطين خلال الحرب العالمية الأولى، مجادلًا بأن العلاقة بين وعد بلفور والاحتلال البريطاني للقدس تمثّلُ ما هو أبعد بكثير من مجرّد صدفة زمنيّة. وبدلًا من النظر إلى السياسة من خلال عدَسات استراتيجيّة بحتة، توضح هذه الدراسة كيف وفّرت الصهيونية المسيحية، والإسرائيلية البريطانية، والخطاب الصليبي أطرًا أساسية لشخصيّات رئيسة مثل ديفيد لويد جورج وآرثر بلفور. لقد أثّرت الشبكات الإنجيليّة العابرة للحدود التي امتدّت عبر بريطانيا وأمريكا في هذه القرارات، وعملت كمنظّمات لجمع المعلومات الاستخباراتية ومصادر للدعم السياسي في آن واحد. ساعدت هذه الشبكات في خلق «فلسطين التوراتية» -وهي مشهد متخيّل فُرض على الأرض الواقعية- حيث شكّلت القناعة الدينية الحسابات الإمبراطورية. ومع ذلك، فإنّ محاولات الجمع بين أطر دينية متعدّدة قد أوجدت تناقضات جوهرية؛ وعلى وجه التحديد، تعارض الدعم الصهيوني المسيحي للعودة اليهودية في كثير من الأحيان مع الصور الصليبية التي تؤكّد على الهيمنة المسيحية. وقد أسهمت الفجوة بين هذه التوقّعات الإنجيلية وواقع الحكم العملي في حدوث توتّرات مستمرّة أدّت إلى تصعيد الصراع بين السكان اليهود والعرب، مما قوّض في نهاية المطاف السلطة البريطانية طوال فترة الانتداب. لا يمكن فهم فشل السياسة البريطانية فهمًا كاملًا دون إدراك كيف شكّلت الدوافع الدينية التزامات أوّلية ثبّتت استحالة الوفاء بها. علاوة على ذلك، يفترض المقال أن هذه الشبكات الدينية قد نجت من التدهور الإمبراطوري، وتحوّلت إلى حركات معاصرة لا تزال تؤثّر في سياسات الشرق الأوسط، لا سيما فيما يتعلّق بالدعم الإنجيلي الأمريكي لإسرائيل. وفي النهاية، يوضح هذا الفحص كلًّا من قوّة القناعة الدينية وحدودها كأساس للعمل السياسي في العلاقات الدولية، والتحدّيات المعقّدة لحكم المجتمعات المتنوّعة في عالم مترابط.
الكلمات المفتاحية: الصهيونية المسيحية، الإمبراطورية البريطانية، وعد بلفور، الشبكات الدينية، فلسطين.
مقدمة
إن العلاقة بين وعد بلفور الصادر في نوفمبر من عام 1917 وبين الاحتلال البريطاني للقدس في ديسمبر من العام نفسه، تمثّل ما هو أبعد بكثير من مجرّد صدفة زمنية. يجادل هذا المقال بأن كِلا الحدثين قد انبثقا من مصفوفة معقّدة ضمّت شبكات إنجيلية عابرة للحدود الوطنية، وحسابات إمبراطورية، ومخيّلة دينية ظلّت تتطوّر على مدى أكثر من قرنين من الزمان. وبدلًّا من النظر إلى السياسة البريطانية في فلسطين من خلال عدسات استراتيجيّة أو سياسية بحتة، يجب علينا أن نفهم كيف شكّلت القناعات الدينية الراسخة -ولا سيما الصهيونية المسيحية والصور الصليبية- عملية صنع القرار لدى شخصيّات رئيسة مثل ديفيد لويد جورج[3]، وآرثر بلفور[4]، ومستشاريهم.
لا يسعى هذا المقال إلى استبدال التفسيرات الاستراتيجية أو الاقتصادية أو السياسية البحتة للسياسة البريطانية في فلسطين خلال الحرب العالمية الأولى بتفسيرات دينية، بل يجادل، بدلًا من ذلك، بأن القناعة الدينية قد وفّرت إطارًا أساسيًا -لطالما جرى إهماله- عملت ضمنه الاعتبارات الأخرى. وكما يلاحظ إيلان بابي[5] في عمله الأخير «الضغط من أجل الصهيونية»[6]، فإنه بالنسبة لكل من المؤيّدين المسيحيّين واليهود للصهيونية، «لم تكن فلسطين بحدّ ذاتها موجودة في أذهانهم؛ بل حلّت محلها الأراضي المقدّسة، وفي الأراضي المقدّسة، ومنذ البداية، لم يكن هناك سكّان أصليّون - بل مجتمع صغير من المسيحيين المؤمنين واليهود الأتقياء الذين بقوا بعد أن طردت الإمبراطورية الرومانية معظم أبناء دينهم بشكل عام»[7]. إن عملية إعادة التصوّر الديني لفلسطين هذه، وهي ما أطلق عليه موريس هولباكس[8] مبكرًا اسم «الذاكرة الجماعية»[9]، قد خلقت ما يصفه بابي بأنّه «مشهد متخيّل تمّ استحضاره خلال العصور الوسطى في أوروبا وفُرض على مشهد فلسطين»[10].
لقد كشفت الدراسات الحديثة عن المدى الذي تمكّنت فيه الشبكات الإنجيلية الممتدّة عبر بريطانيا، وأمريكا، وفلسطين ذاتها من خلق كلٍّ من الإطار الفكري والقنوات العملية التي أثّرت الدوافع الدينية من خلالها في السياسة الإمبراطورية. إن أعمال دونالد لويس[11]، وجوناثان شنير[12]، وإيلان بابي، وإيتان بار-يوسف[13]، التي تُبنى على دراسات سابقة لباحثين مثل باربرا توخمان[14] وريجينا شريف[15]، توضح أن القناعة الدينية لم تكن هامشية في السياسة البريطانية، بل كانت مركزية لفهم الأسباب التي دفعت بريطانيا إلى الالتزام بكل من دعم الصهيونية واحتلال القدس[16]. ويجب التوضيح منذ البداية أن هذا المقال لا يفترض ولا يبحث عن الدليل الدامغ المألوف أو ما يُعرف بـ «المسدس المدخّن» والذي لا وجود له في حدّ ذاته، ولكنه يشير إلى أنه بالنظر إلى الظروف التاريخية، وفاعليّة الشخصيّات الفرديّة، يمكننا أن نشرح بشكل أفضل كيف تكشّفت الأحداث التاريخية من خلال تضمين الرؤى الدينية الشخصية المطبَّقة على السياق التاريخي ذاته.
يتناول هذا المقال عدّة ظواهر مترابطة؛ أولًا: تطوّر الشبكات الصهيونية المسيحية العابرة للحدود الوطنية والتي وفّرت التبرير اللاهوتي والدعم العملي للعودة اليهودية إلى فلسطين؛ ثانيًا: ظهور الخطاب الصليبي الذي أطّر الحملة الفلسطينية باعتبارها تحقيقًا للطموحات المسيحية في العصور الوسطى؛ ثالثًا: تأثير الإسرائيلية البريطانية وغيرها من الأطر الأسطورية التي تربط بريطانيا بإسرائيل التوراتية؛ ورابعًا: الطرق التي تقاطعت بها هذه التيّارات الدينية في السياسات المحدّدة المحيطة بوعد بلفور واحتلال القدس. ومما له أهمية حاسمة أن هذا التحليل يكشف كيف شكّلت الدوافع الدينية المختلفة -والتي كان بعضها متكاملًا وبعضها الآخر متناقضًا- السياسة الإمبراطورية البريطانية بطرق لا تزال تؤثّر في السياسة المعاصرة.
لقد ظلّ الخط الفاصل بين الإمبريالية، والحماس الديني، وحتى المنهج العلمي المطبق على رسم خرائط فلسطين ضبابيًا في ظل ما يمكن أن نطلق عليه «فلسطين التوراتية»[17]. ويبقى فهم هذه الأبعاد الدينية أمرًا جوهريًا لاستيعاب كلّ من التطوّرات التاريخية والسياسات المعاصرة، لا سيما في ظلّ بقاء الشبكات الصهيونية المسيحية وتحوّلها امتدادًا إلى القرن الحادي والعشرين[18].
1. الجذور التاريخيّة للصهيونية المسيحية (عقد 1640 - القرن التاسع عشر)
برزت الأسس الفكرية للصهيونيّة المسيحيّة خلال الاضطرابات الدينية التي شهدتها إنجلترا في القرن السابع عشر، عندما شرع اللاهوتيون البيوريتانيّون[19] في وضع تفسيرات جديدة للنبوءات التوراتية والتي سيكون لها تداعيات عميقة على السياسة الإمبراطورية اللاحقة. وقد طوّر البيوريتانيون، بوصفهم بروتستانت متشدّدين يسعون إلى القضاء على التأثيرات الكاثوليكيّة في كنيسة إنجلترا، شغفًا خاصًا بروايات العهد القديم التي بدت وكأنّها توازي صراعات إنجلترا ضد القوى الكاثوليكية[20].
يتطلّب فهم الصهيونية المسيحية إدراك أن «نقطة الانطلاق للمسائل الإسكاتولوجية (الأخروية) لكل من اليهود والمسيحيين هي دعوة إبراهيم كما وردت في سفر التكوين، الإصحاح 12، الآيتين 1 و7». ومع ذلك، فإن «هذا الوعد لم يتحقّق بالكامل لليهود قط - فهم لم يحتلّوا مطلقًا كامل المنطقة الموعودة لهم، كما أنّ حيازتهم لأرض كنعان لم تكن مستمرّة»[21]. وفي عصر الإصلاح الديني، اضطر اللاهوتيون البروتستانت إلى إعادة التفكير في العديد من القضايا اللاهوتية، وفي خضمّ هذه العملية بدأ الكثيرون في التشكيك في المواقف الراسخة منذ أمد بعيد تجاه اليهود وأهمّيتهم. وبينما كان الفكر الكاثوليكي في العصور الوسطى يؤكّد على أن «الأمّة اليهودية قد توقّفت عن الوجود» و«لم يعد لها أيّ أهمية في خطّة الربّ للمستقبل»، أكّدت وجهة نظر أخرى أن «اليهود كشعب سوف يتحوّلون في نهاية المطاف إلى المسيحيّة»[22].
كان اللاهوت الكاثوليكي التقليدي قد فسّر النفي اليهودي على أنه عقاب إلهي لرفضهم المسيح، مما جعل «الأمة اليهودية» مجرّد أثر من آثار التاريخ التوراتي لا دور مستقبليًا له في خطة الربّ. غير أنّ اللاهوتيين البيوريتانيين بدأوا في تحدّي هذا التفسير الإحلالي، مجادلين بأن النبوءات التوراتيّة قد وعدت بعودة اليهود إلى فلسطين كشرط مسبق للمجيء الثاني للمسيح[23].
وانبثق هذا الابتكار اللاهوتي من الاهتمامات البيوريتانية الأوسع نطاقًا بالإسكاتولوجيا والتوقّعات الألفية باقتراب نهاية الزمان.
شكّل عهد أوليفر كرومويل[24] (1653-1658) أوّل ترجمة لهذه الأفكار اللاهوتية إلى سياسة عمليّة. فبتأثير من النقاشات البيوريتانية حول العودة اليهودية، وسعيًا منه للحصول على دعم التجار اليهود الأثرياء المطرودين من إنجلترا منذ عام 1290، أنهى كرومويل فعليًا الحظر الذي فُرض في العصور الوسطى على الاستيطان اليهودي[25]. والأهمّ من ذلك، تلقّت حكومته التماسات عديدة من البيوريتانيين الإنجليز تدعو إلى الدعم النشط لعودة اليهود إلى فلسطين، والتي كانت حينذاك أرضًا عثمانية مقسّمة إلى ولايات مختلفة. وقد مثّل الالتماس الذي قدمه إبنزر وجوانا كارترايت[26] في عام 1649 نموذجًا لهذا التوجّه، حيث أعلنا فيه أن «أمّة إنجلترا هذه، مع سكان الأراضي المنخفضة، ستكون أوّل وأسرع من ينقل أبناء وبنات إسرائيل في سفنهم إلى الأرض الموعودة لأجدادهم»[27].
ودون قراءة التاريخ بأثر رجعيّ، ودون تقديم ادّعاءات بعيدة الاحتمال، وبالنظر إلى الظروف التاريخية، يمكن القول إن هذه التطورات التي شهدها القرن السابع عشر قد أرست سوابق حاسمة من شأنها أن تؤثر في السياسة البريطانية تجاه اليهود وفلسطين لقرون قادمة. وقد ترسخت الفكرة القائلة بأن إنجلترا لها دور خاص تلعبه في تحقيق النبوءة التوراتية في الثقافة السياسية البروتستانتية، مما خلق «قالبًا لاهوتيًا» لفهم المهمة الإمبراطورية لإنجلترا[28]. وعلى الرغم من أن التأثير المباشر لهذه الأفكار قد تضاءل بعد وفاة كرومويل، إلّا أنّها استمرّت داخل المجتمعات الدينية المنشقّة، والتي عُرفت لاحقًا باسم الكنائس غير الطائفية، لتطفو على السطح بقوة متجدّدة خلال الصحوة الإنجيلية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.
1 - 1. صحوة القرن التاسع عشر: التطوّر المؤسسي
ظلّت فكرة العودة اليهودية والمجيء الثاني للمسيح كامنة حتى بداية القرن التاسع عشر عندما أدّى التغلغل الأوروبي في الشرق الأوسط إلى تفجير الحماس المسيحي الإنجليزي تجاه الأراضي المقدسة. ولم تعتبر الإمبراطورية البريطانية في البداية فلسطين ذات أهمّية استراتيجيّة حاسمة، ولكن بالنسبة للمؤمنين المسيحيّين ظلّت فلسطين أرض الرب. وقد أدّى الغزو النابليوني لمصر في بداية القرن التاسع عشر وما تلاه من حكم محمد علي منذ عام 1805 إلى زيادة التدخل البريطاني في الشرق الأوسط، مما فتح الأبواب أمام فلسطين بطريقة شجّعت على تأسيس الحركات والمنظّمات الدينية[29].
في عام 1809، تأسّست جمعية لندن لتعزيز المسيحية بين اليهود[30] (والمعروفة أيضًا باسم جمعية يهود لندن[31]) على يد كريستيان فريدريش فراي[32]، وهو يهوديّ ألمانيّ اعتنق المسيحية[33]. وقد عكست الأهداف الرئيسة للجمعية العلاقة المعقّدة بين التحوّل الدينيّ والعودة والتي ميّزت الصهيونية المسيحية: التبشير بالدور المسيحانيّ ليسوع بين اليهود؛ وتعليم المسيحيين عن جذورهم اليهودية؛ وتشجيع العودة المادية لليهود في فلسطين؛ وبشكل عام تشجيع الحركة المسيحية اليهودية[34].
وعلى الرغم من الأهداف الطموحة والعديد من المبشّرين الذين أُرسلوا إلى فلسطين، فقد أثبتت جهود الجمعية في التحويل الديني عدم نجاحها إلى حدّ كبير. ولم تتمكّن المنظمة من تحويل أكثر من سبعة يهود سنويًا خلال سنوات عملها الثلاث عشرة الأولى، ولم يكن أيٌّ منهم من الزعماء الدينيين[35]. وأفادت مجلّة الجمعية، أخبار التبشير اليهودي[36]، في ديسمبر 1911 أن يهوديين اثنين فقط قد تمّ تحويلهما وتعميدهما بين أغسطس وديسمبر من ذلك العام[37]. ومع ذلك، فإنّ النجاح المحدود الذي حقّقته الجمعية في التحويل الديني قد حجب إنجازات أكثر أهمّية في مجالات أخرى. فقد لعبت المنظمة دورًا حاسمًا في نشر الأفكار حول العودة اليهودية، في حين اتّخذ الصهاينة المسيحيون البريطانيون إجراءات سياسية نشطة لدعم معتقداتهم[38]. وعلى الرغم من معدّلات التحويل الضئيلة، فقد نجت الحركة من خلال تغيير تركيزها من التحويل الديني إلى حماية اليهود. كما أثبتت الجمعية دورها الفعال في تأسيس أسقفية أنجليكانية في القدس وإنشاء مدارس ومرافق تعليمية في فلسطين في منتصف القرن التاسع عشر[39].
بحلول أوائل القرن العشرين، كانت جمعية يهود لندن[40] تدير مستشفى واحدًا في القدس يخدم في المقام الأول المرضى اليهود، إلى جانب مدارس متعدّدة بما في ذلك مؤسسات منفصلة للبنين والبنات[41]. وقد وفّرت هذه المؤسّسات قواعد دائمة في فلسطين وأقامت علاقات مستمرّة مع كلٍّ من المجتمعين اليهودي والعربي، والتي أثبتت قيمتها في جمع المعلومات الاستخباراتية والنفوذ السياسي[42].
على المدى الطويل، أصبحت المؤسّسات الأنجليكانية في القدس منقسمة، مما يعكس انقسامات لاهوتية وسياسية أعمق داخل الحركة الإنجيلية البريطانية. على سبيل المثال، أصبحت كنيسة المسيح[43]، وهي المقرّ الرئيسيّ للجمعيّة، ولا تزال حتى اليوم مركزًا للنشاط الأنجليكاني المؤيّد للصهيونية، في حين برزت كاتدرائية القديس جورج[44] كنقطة ارتكاز للمشاعر المناهضة للصهيونية والتي كان يرتادها في الغالب العرب المحلّيون[45]. وقد جسّد هذا الانقسام المكانيّ نقاشات أوسع داخل المسيحية البريطانية حول العلاقة بين الإرسالية المسيحية والعودة اليهودية.
1 - 2. الاندماج السياسي: اللورد شافتسبري وتأثير الحكومة
دخلت الصهيونية المسيحية الدوائر الحكومية البريطانية من خلال اللورد شافتسبري[46] (1801-1885)، وهو مصلح اجتماعي وعضو برلمان عن حزب المحافظين، والذي صرّح بأنه كان مدفوعًا دائمًا بمبادئ المجيء الثاني[47]. امتدّ تأثير شافتسبري إلى ما هو أبعد بكثير من القناعة الفردية، ليشمل شبكات تضمّنت دعمًا ماليًّا من رجال أعمال إنجيليين رأوا فرصًا اقتصادية في دعم العودة اليهودية، مما خلق تقاربات بين المعتقد الديني والمصلحة التجارية. إن إعلان شافتسبري بأنه كان «مدفوعًا دائمًا في حياته بمبادئ المجيء الثاني» لم يعكس مجرّد تقوى شخصية، بل عكس إطارًا لاهوتيًا منهجيًا نظر إلى التوسّع الإمبراطوري البريطاني باعتباره تحقيقًا لمقاصد إلهية[48]. وللتوضيح، من الأهمية بمكان التأكيد على أنه في حين كان شافتسبري يجادل من أجل عودة اليهود إلى فلسطين، فإنه عارض تحرّر اليهود في بريطانيا، مما يوضح كيف كان أنصار الصهيونية المسيحية وعودة اليهود إلى فلسطين في كثير من الأحيان معادين للسامية بشكل أو بآخر[49]. وقد أثبت هذا التناقض أنّه سِمة مميزة للفكر الصهيوني المسيحي طوال فترة تطوّره؛ أي الدعم المتزامن للعودة اليهودية، والافتراضات المعادية للسامية الكامنة حول مكانة اليهود في المجتمع المسيحي.
تضمّنت الشبكات الإنجيلية الداعمة لشافتسبري شخصيّات بارزة في جميع أنحاء المجتمع البريطاني، مما خلق «اقتصادًا سياسيًا إنجيليًا» نظر إلى التوسّع التجاريّ والبعثات الدينية كأهداف متكاملة وليست متنافسة[50]. لذا، ليس من المستغرَب أنه منذ حرب القرم في عام 1856 فصاعدًا، أصبحت فكرة وجود دولة يهودية عميلة في فلسطين تحظى بشعبية متزايدة، بالنظر إلى أن هذه الدولة كان يمكن أن تكون بمثابة رابط للمصالح البريطانية في المنطقة والهند[51]. وقد أرست هذه الشبكات أنماطًا من الدعم من شأنها أن تؤثّر في مواقف الأحزاب السياسية البريطانية تجاه فلسطين خلال الحرب العالمية الأولى وما بعدها.
اختلفت هذه الصحوة الثانية للمشاعر الصهيونية المسيحية خلال القرن التاسع عشر بشكل كبير عن سابقتها في القرن السابع عشر من حيث توجهها العملي وتطوّرها المؤسسي. فبدلًا من البقاء حبيسة التكهّنات اللاهوتية، طوّرت الصهيونية المسيحية في القرن التاسع عشر هياكل تنظيمية، وموارد مالية، وعلاقات سياسية مكّنتها من التأثير في السياسة الحكومية. وقد وفّر نجاح الحركة في إنشاء مؤسّسات دائمة في فلسطين كلًّا من التحقّق الرمزي من الادّعاءات اللاهوتية، والمنصّات العملية للنفوذ السياسي.
ومن الشخصيّات التي تمثّل هذا التحوّل لورانس أوليفانت[52]، والذي قد يتطلّب تناوله مجلّدًا كاملًا. ولد أوليفانت في عام 1829 فيما يُعرف اليوم بجنوب إفريقيا، وبرز كمدافع قوي عن إعادة التوطين اليهودي في فلسطين، ليصبح شخصية مبجّلة بين الصهاينة. وقد ألّف أوليفانت العديد من الكتب التي أثّرت في شخصيات مثل هرتزل وغيره من القادة الصهاينة[53].
2. الشبكات العابرة للحدود الوطنية وأنظمة الاستخبارات (عقد 1880 - 1914)
لا يمكن فهم الحركة الصهيونية المسيحية التي أثّرت في السياسة البريطانية خلال الحرب العالمية الأولى على أنها ظاهرة بريطانية بحتة. فقد ظلّت الشبكات الإنجيلية التي تربط بين بريطانيا، وأمريكا، وفلسطين ذاتها تتطوّر منذ أوائل القرن التاسع عشر، مما خلق ما يسميه شالوم جولدمان[54] «علاقة ثلاثية»[55] بين الجمعيات التبشيرية البروتستانتية، والمجتمعات اليهودية، والمسؤولين الإمبراطوريين[56].
وبحلول أربعينات القرن التاسع عشر، كانت جمعيّات مماثلة لجمعية يهود لندن[57] تعمل في برلين، وبازل، وفي جميع أنحاء الشمال الشرقي الأمريكي، مما خلق «أممية إنجيليّة»[58] تشاركت في دعم الأفراد والتمويل والأطر اللاهوتيّة[59]. وقد أثبتت هذه الشبكات أهمّيتها الحاسمة ليس في الأنشطة الدينية فقط، بل في دورها كمنظّمات لجمع المعلومات الاستخباراتية التي وفّرت لصناع السياسة البريطانيين معلومات مفصّلة حول الأوضاع في فلسطين والشرق الأوسط الأوسع.
تكشف أبحاث يارون بيري[60] أن الجمعيات التبشيرية حافظت على شبكات مراسلة واسعة النطاق عملت كقنوات دبلوماسية غير رسمية[61]. وتُظهر ملفّات مراسلات جمعية يهود لندن تواصلًا منتظمًا مع القادة الإنجيليين الأمريكيين مثل ويليام بلاكستون[62]، الذي حظي التماسه في عام 1891 الداعم للعودة اليهودية بتوقيع شخصيات بارزة من الصناعيين والسياسيين، بمن فيهم جون دي روكفلر[63] وسايروس ماكورميك[64]. [65] ويثبت هذا البعد الأمريكي أهميته الحاسمة في فهم كيفية اكتساب الأفكار الصهيونية المسيحية لزخم سياسي على جانبي المحيط الأطلسي، ناهيك عن أهمّيته في فهم التطوّر المستقبلي للصهيونية المسيحية بين الكنائس الإنجيلية في أمريكا. ومع ذلك، تطوَّرَ الدعم الإنجيلي الأمريكي للعودة اليهودية بشكل مستقلّ عن المبادرات البريطانية مع الحفاظ على تواصل وثيق مع الصهاينة المسيحيين البريطانيين. وقد أوجدت العلاقةُ بين الصهيونية المسيحية الأمريكية والبريطانية شبكةً عبر أطلسية من شأنها أن تلعب دورًا فعالًا في بناء الدعم السياسي لوعد بلفور والسياسة البريطانية اللاحقة في فلسطين.
2-1. شبكات الاستخبارات والمعلومات الاستراتيجية
أبلغت جمعية يهود لندن والمنظمات المماثلة التقييمات البريطانية حول القوة العثمانية، والقومية العربية، وإمكانات الاستيطان اليهودي طوال القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين[66]. وقد عملت هذه الشبكات غير الرسمية جنبًا إلى جنب مع المؤسسات الدبلوماسية الرسمية، ومنظّمات أخرى مثل صندوق استكشاف فلسطين[67] الذي تأسّس عام 1865، وضمّ أيضًا القنصل البريطاني في القدس بالإضافة إلى عميد كنيسة وستمنستر[68]، آرثر ستانلي[69]. [70]
يساعد البعد الاستخباراتيّ للنشاط التبشيري في تفسير سبب أخذ شخصيّات مثل مارك سايكس[71] الحجج الصهيونية المسيحية على محمل الجد رغم توجّهاتهم العلمانية الأكثر وضوحًا - فقد كان سايكس كاثوليكيًّا. وقد استند اتفاق سايكس مع فرانسوا جورج بيكو[72] إلى تقارير تبشيريّة مفصّلة حول الانقسامات الطائفية في سوريا وفلسطين، وهي معلومات حاسمة لفهم المشهد السياسي الذي سترثه بريطانيا بعد الهزيمة العثمانية [73].
وفّرت شبكات الاستخبارات التبشيريّة للمسؤولين البريطانيين معلومات لم تكن متاحة من خلال القنوات الدبلوماسية التقليدية. وجعلت القيود العثمانية المفروضة على النشاط الدبلوماسي الأوروبي التقارير التبشيرية ذات قيمة خاصّة لفهم الظروف المحلّيّة، والديناميكيات السكانيّة، والتوتّرات السياسيّة. وقدّمت شبكة المدارس والمستشفيات والمؤسّسات الدينية التابعة لجمعية يهود لندن منصّات لجمع المعلومات الاستخباراتية التي كملت المصادر العثمانية الرسمية، وتناقضت معها في بعض الأحيان.
لقد عكس تحوّل الجمعيات التبشيريّة من منظّمات دينية بحتة إلى شبكات استخباراتية تغيّرات أوسع في العلاقة بين الدين والإمبراطورية خلال القرن التاسع عشر. وقد خلق توسّع السيطرة الإمبراطورية الأوروبية فرصًا جديدة للنشاط التبشيري، في حين ولّد طلبًا على المعرفة المحلّية التي كان المبشّرون في وضع فريد لتقديمها.
2-2. الأطر الأسطورية: الإسرائيلية البريطانية
إلى جانب الصهيونية المسيحية المنظمة، شهدت الثقافة البريطانية خلال أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين تطوّر نظريات أكثر تأملية تربط بريطانيا بإسرائيل التوراتية. وكانت أهمّها الإسرائيلية البريطانية، وهي مجموعة معقّدة من المعتقدات التي تدّعي أن الشعب البريطاني ينحدر من أسباط إسرائيل العشرة المفقودة[74].
لقد انبثقت الإسرائيلية البريطانية من ذات الوسط الثقافي الذي أنتج الصهيونيّة المسيحية، غير أنّها طوّرت دلالات مختلفة لفهم علاقة بريطانيا بالعودة اليهودية. ففي حين دعم الصهاينة المسيحيّون العودة اليهودية إلى فلسطين باعتبارها تحقيقًا للنبوءة التوراتية، ادّعى الإسرائيليّون البريطانيّون أن البريطانيين أنفسهم هم الورثة الحقيقيّون لإسرائيل التوراتية، مما جعل توسّعهم الإمبراطوري شكلًا من أشكال العودة بدلًا من كونه دعمًا لعودة الآخرين[75].
اكتسبت النظريّة تعبيرًا منهجيًّا في كتاب جون ويلسون[76] محاضرات حول أصلنا الإسرائيلي[77] (1840)، والذي حاول تتبّع هجرة الأسباط المفقودة من السبي الآشوري إلى الجزر البريطانية من خلال أدلّة لغوية وجغرافية[78]. وقد عكس نهج ويلسون افتتانًا أوسع خلال القرن التاسع عشر بالنظريّات العرقيّة واللغويات التاريخية، مما قدّم حججًا بدَت معقولة للقرّاء المعاصرين على الرغم من افتقارها إلى الأدلّة الدقيقة. وصلت النظريّات الإسرائيليّة البريطانية إلى ذروة تأثيرها خلال عشرينات القرن الماضي، عندما ادّعت الحركة أن لديها حوالي خمسة آلاف عضو رسميّ، وربما مليوني متعاطف[79]. ومع ذلك، لم تطوّر الحركة قط التنظيم المؤسّسي أو النفوذ السياسي الذي حظيَت به الصهيونية المسيحيّة، وعملت بدلًا من ذلك كـ «حركة غير منظّمة» تجتذب الدعم من المهنيين من الطبقة الوسطى، والضبّاط العسكريين، وبعض الأرستقراطيين، في حين ظلّت هامشية بالنسبة للمؤسّسات الرئيسة[80].
يعكس دليل حول الصهيونية[81] الصادر عن وزارة الخارجية لعام 1919، والمُعدّ للمسؤولين الحاضرين في مؤتمر باريس للسلام، العلاقة الغامضة بين الإسرائيلية البريطانية والسياسة الرسمية. فمع تجنّب التأييد المباشر للادّعاءات الإسرائيلية البريطانية، اقترح الدليل أن الأسباط المفقودة ربما تكون قد هاجرت إلى مواقع مختلفة بما في ذلك الجزر البريطانية على الأرجح، مما يترك مجالًا للقرّاء لاستخلاص استنتاجاتهم الخاصّة[82]. ويُظهر تأسيس فرع لحركة إسرائيل البريطانية في القدس، والذي يتجلّى في نشر مجلة الحقيقة[83] التي حرّرها سولومون فاينغولد[84]، الأبعاد الدولية لهذه النظريات التأمّليّة[85].
إن الفكرة القائلة بأن لبريطانيا صِلات خاصّة بإسرائيل التوراتية، سواء من خلال دور نبوي أو سلف مشترك، قد وفّرت إطارًا لاهوتيًّا لفهم التوسّع الإمبراطوري والذي أكمل المبرّرات الإستراتيجيّة والاقتصادية التقليدية. وقد ساعد هذا البعد الديني في خلق شعور بـ «العودة الروحية إلى الوطن»[86] عندما تولّت بريطانيا السيطرة على فلسطين[87].
٣. الدوافع الدينيّة ووعد بلفور (١٩١٤-١٩١٧)
أدّى الكشف عن أوراق إضافية لمجلس الوزراء ومجموعات خاصّة منذ تسعينات القرن العشرين إلى مراجعة كبيرة في فهم أصول وعد بلفور[88]. وبدلًا من أن ينبثق الإعلان عن دافع مهيمن واحد، سواء كان استراتيجيًا أو اقتصاديًا أو دينيًا، فقد ظهر نتيجة «تقارب في المصالح» جعل الحسابات الدينية والإمبريالية يعزّز بعضها بعضًا[89]. وتُظهر مناقشات مجلس الوزراء خلال ربيع وصيف عام ١٩١٧ أن لويد جورج وبلفور قد استندا صراحةً إلى حجج الصهيونية المسيحيّة لتبرير دعمهما لإقامة وطن قومي لليهود. وفي اجتماع حاسم لمجلس الوزراء في يونيو/حزيران من عام ١٩١٧، استشهد لويد جورج بنبوءات الكتاب المقدّس إلى جانب الاعتبارات الاستراتيجيّة، مجادلًا بأن الدعم البريطاني للصهيونية من شأنه أن يحقّق الإرادة الإلهية والضرورة الإمبريالية على حدٍّ سواء[90]. ويمثّل هذا خروجًا مهمًا عن الحسابات العلمانية البحتة التي هيمنت على الروايات السابقة لصنع السياسات البريطانية. ووفقًا لرينتون[91]، فقد اعتقد البريطانيون أنّ «اليهود كانوا أمّة نابعة من تصوّر عام للمجموعات العرقية ككيانات عنصرية متماسكة وحميمة يحرّكها وعيّ قومي عميق». وفي حين قد يبدو هذا إيجابيًا في ظاهره، يلاحظ رينتون أن «هذا يشير إلى أمر خبيث إلى حدّ ما؛ وهو أن اليهود كانوا أمة قائمة بذاتها، وليسوا جزءًا من الأمّة البريطانية أو أيّ أمّة أخرى، وذلك بسبب انتمائهم العرقيّ»[92]. وقد تقاطع هذا التفكير العنصري مع الأطر الدينية بطرق معقّدة، حيث عزّزت كل من الافتراضات الصهيونية المسيحية والمعادية للسامية الدعم لترحيل اليهود إلى فلسطين. ولا يزال عمل جيمس رينتون يحظى بأهمّية بالغة في فهم الكيفية التي استوعب بها البريطانيون الصهيونية والهوية اليهودية، والأسباب التي دفعت المسؤولين البريطانيين إلى اختيار التحالف مع المنظّمة الصهيونية، ومع ذلك لم يُؤخذ البعد الديني في الاعتبار بشكل كامل[93].
وتكشف محاضر اجتماعات حكومة الحرب، المحفوظة في المذكرات التفصيلية لموريس هانكي[94]، عن المدى الذي برزت فيه الحجج الدينية في مناقشات السياسات رفيعة المستوى. لم تكن إشارات لويد جورج إلى الجغرافيا التوراتية، واستشهاداته بنبوءات العهد القديم، وحججه حول دور بريطانيا الذي رسمته العناية الإلهية مجرّد زخارف بلاغية عابرة، بل كانت مكوّنات منهجية في إطار سياسته[95]. وقد اكتسبت هذه الحجج الدينية وزنًا إضافيًا من تقاطعها مع التقويمات الاستراتيجية حول ترتيبات ما بعد الحرب في الشرق الأوسط.
تكشف معارضة إدوين مونتاغو[96] للإعلان عن مدى تعقيد ردود الفعل اليهودية تجاه الصهيونية داخل الدوائر السياسية البريطانية[97]. فقد جادل مونتاغو في مذكّرته التي وُزّعت على زملائه في مجلس الوزراء في أغسطس/آب من عام ١٩١٧ تحت عنوان «مذكّرة حول معاداة السامية»[98]، بأن الإعلان من شأنه أن يضفي الشرعية على الادّعاءات المعادية للساميّة القائلة إنّ الولاء الأساسي لليهود كان لأمّتهم الخاصّة، وليس للبلدان التي يحملون جنسيّتها[99]. ويرى إشعيا فريدمان أن حجج مونتاغو قد أثّرت على الصياغة النهائية للإعلان، وخاصّة العبارة الحاسمة المتعلّقة بـ «المجتمعات غير اليهودية الموجودة في فلسطين»، مما يشير إلى أن حتى معارضي الصهيونية قد ساهموا في تشكيل آليّة تنفيذها[100].
٣-١. الرؤية التوراتية للويد جورج
أكّدت أعمال السير الذاتية الحديثة وعمّقت فهمنا للدوافع الدينية للويد جورج؛ إذ تكشف السيرة الذاتية التي أعدّها كينيث مورغان، بالاستناد إلى أوراق العائلة، عن المدى الذي شكّلت فيه نشأةُ لُويد جورج المعمدانيّة الويلزية نهجَه تجاه الشؤون الدولية طوال مسيرته المهنية[101]. إن تعليقه الشهير حول معرفته بجغرافية فلسطين أفضل من معرفته بجغرافية الجبهة الغربية لا يعكس مجرّد معرفة توراتية عابرة، بل يعكس إطارًا لاهوتيًّا منهجيًّا ينظر إلى التوسّع الإمبرياليّ البريطانيّ باعتباره تحقيقًا للمقاصد الإلهية. وتُظهر مراسلات لويد جورج مع قادة الصهيونية المسيحية سعيًا حثيثًا لحشد الدعم الإنجيليّ لسياساته تجاه فلسطين[102]. كما تكشف الرسائل المتبادلة مع شخصيّات مثل إف. بي. ماير[103] وجي. كامبل مورغان[104] عن رئيس وزراء كان يرى نفسه منفّذًا للنبوءة التوراتية من خلال السياسة الإمبريالية. فقد زوّد ماير، وهو قسّ معمداني بارز مؤيّد لفكرة العودة اليهودية، لويد جورج بحجج لاهوتيّة عزّزت ميوله السياسية، في حين قدّم مورغان، قس كنيسة وستمنستر[105]، دعمًا منبريًا لسياسة الحكومة ساعد في تعبئة الرأي العام الإنجيلي[106].
ويبدو أن تأثير خالِ لويد جورج، الذي كان عضوًا في طائفة معمدانية ويلزية، يُعدّ أمرًا حاسمًا لفهم رؤيته التوراتيّة للعالم. وتكشف المراسلات العائليّة المحفوظة ضمن أوراق لويد جورج عن نقاشات مستفيضة حول التفسير النبويّ والتوقّعات الأخروية التي شكّلت فهم رئيس الوزراء المستقبلي للأحداث المعاصرة[107]. لقد أوجدت هذه الخلفية الدينية أطرًا تفسيريّة جعلت الحجج الصهيونية المسيحيّة تبدو سليمة من الناحية اللاهوتيّة وحكيمة من الناحية السياسيّة في آنٍ واحد.
اعتمد خطاب لويد جورج السياسي طوال مسيرته المهنية بشكل كبير على الصور التوراتية واللغة النبويّة التي لاقت صدى لدى الجماهير الإنجيليّة، في حين رسّخت في الوقت ذاته مكانته كمدافع عن الحريّة الدينية. وقد تمّت صياغة دعمه لفك ارتباط الكنيسة في ويلز، والحكم الذاتي الإيرلندي، والإصلاح الاجتماعي، باستمرار في مصطلحات دينية تؤكّد على العدالة الإلهية والالتزام الأخلاقي[108]. واستمرّ هذا النمط البلاغيّ خلال قيادته في زمن الحرب، حيث استندت حجج دعم الصهيونية إلى موضوعات مشابهة تتعلّق بالعناية الإلهية والضرورة الأخلاقية.
وتكشف علاقة رئيس الوزراء بحاييم وايزمان، الزعيم الصهيوني البريطاني، الموثّقة في كل من مراسلات الزعيمين ومذكّراتهما، عن التفاعل المعقّد بين القناعة الدينية والتأثير الشخصي الذي صاغ السياسة البريطانية. ومن المؤكّد أن الإسهامات العلمية التي قدّمها وايزمان للمجهود الحربي قد أتاحت له الوصول إلى الدوائر الحكومية، لكن قدرته على الحفاظ على هذا النفوذ اعتمدت على مهارته في تقديم الحجج الصهيونية بمصطلحات تتوافق مع رؤية لويد جورج الدينية للعالم [109].
٣-٢. القناعات الدينية لبلفور
أصبحت الدوافع الدينية لآرثر بلفور، التي طالما كانت موضع شكّ ولكن كان من الصعب توثيقها، أكثر وضوحًا من خلال الوصول إلى أوراقه الخاصة. وتكشف مراسلات بلفور مع زوجة شقيقه، أليس جيمس[110]، عن سياسي يصارع أسئلة لاهوتية حول العودة اليهودية والأخرويات المسيحية طوال الفترة التي سبقت الإعلان[111]. ولم يعكس دعمه للصهيونية مجرّد حسابات سياسية، بل عكس قناعة دينية حقيقية حول دور بريطانيا في تحقيق النبوءة التوراتية.
ويُظهر التطوّرُ الفكري لبلفور، المتتبَّع من خلال كتاباته الفلسفية ومراسلاته الخاصة، انخراطًا مستمرًّا في الأسئلة المتعلّقة بالحقيقة الدينية والعناية الإلهية التاريخية التي شكّلت نهجه تجاه القضايا السياسية. وكشف كتابه «أسس الإيمان»[112] (١٨٩٥) عن سياسي أخذ الأسئلة اللاهوتية على محمل الجدّ مع احتفاظه بالشكوك حول الادّعاءات الدينية التقليدية. وجعل هذا الإطارُ الفكريُ بلفور متقبّلًا لحجج الصهيونية المسيحية التي بدت وكأنها توفّق بين القناعة الدينية وبين التحليل العقلاني [113].
وتبرهن علاقة وزير الخارجية بالقادة الصهاينة، لا سيما مراسلاته المكثّفة مع حاييم وايزمان وناحوم سوكولوف[114]، على اهتمامه الحقيقي بالتاريخ اليهوديّ والتطلّعات اليهودية المعاصرة[115]. ولم تكن هذه العلاقات مجرّد توافقات سياسية، بل عكست فضول بلفور الفكري الأوسع حول الإسهامات اليهودية في الحضارة الأوروبية والقوى التاريخية التي شكّلت العلاقات اليهودية المسيحية. وتكشف خطب بلفور دفاعًا عن الإعلان في البرلمان والمنتديات العامة عن الإطار الديني الذي فَهِم من خلاله السياسة البريطانية تجاه فلسطين. وقد دمجت حجّته القائلة إنّ دعم العودة اليهودية يمثّل سدادًا لدَين تاريخي، الالتزام الأخلاقي مع القناعة الدينية بطرق جعلت السياسة تبدو عادلة ومقدّرة من العناية الإلهية في آنٍ واحد[116]. وقد تعزّزت هذه التصريحات العامة من خلال المراسلات الخاصة التي تُظهر أن بلفور قد أخذ التداعيات اللاهوتية لقرارات السياسة البريطانية على محمل الجد. ويشير الاستمرار بين اهتمام بلفور بقضايا اليهود قبل الحرب ودعمه للصهيونية في زمن الحرب إلى أن القناعة الدينية وفّرت إلى حدٍّ ما الأساس لتفضيلات السياسة التي تعزَّزت لاحقًا بالاعتبارات الاستراتيجيّة والسياسيّة. وقد أدّى انخراطه المبكر مع الدوائر الفكرية اليهودية في لندن، واهتمامه بالإسهامات اليهودية في الفلسفة والعلوم، وقلقه إزاء الاضطهاد المعادي للسامية، إلى خلق استعدادات مسبقة جعلت حجج الصهيونية المسيحية تبدو مقنِعة عند ظهورها في مناقشات السياسات في زمن الحرب.
٣-٣. الرابط الأمريكي: ويلسون والصهيونية المسيحية العابرة للأطلسي
لقد سُلِّط الضوء بشكل كبير على البعد الأمريكي لوعد بلفور من خلال الدراسات الأكاديمية الحديثة التي شملت أيضًا إطلاق «مجلة دراسات الصهيونية المسيحية»[117] الجديدة، مما يوضح مدى أهمية هذه الظاهرة[118]. بالإضافة إلى ذلك، تكشف الأبحاث المتعلّقة بلويس برانديز[119] عن المدى الذي حشد فيه القادة الصهاينة الأمريكيّون الدعم الإنجيلي المسيحي، مما أدّى إلى خلق شبكة عابرة للأطلسي عزّزت السياسة البريطانية [120]. وقد شكّلت عريضة ويليام بلاكستون[121] عام ١٩١٦، التي حظيت بدعم شخصيات إنجيلية وقيادات أعمال أمريكية بارزة، ضغطًا على إدارة ويلسون تكامل مع المبادرات البريطانية وعكس في الوقت ذاته اهتمامًا أمريكيًّا مستقلًّا بالعودة اليهودية[122].
تُظهر الخلفية الدينية للرئيس ويلسون رئيسًا جعلته قناعاته المشيخية متقبِّلًا للحجج المتعلّقة بالعودة اليهودية إلى فلسطين[123]. ولم يعكس دعم ويلسون لوعد بلفور مجرّد حسابات استراتيجية بشأن الناخبين اليهود الأمريكيين، بل عكس قناعة لاهوتيّة حقيقية حول دور أمريكا في تحقيق النبوءة التوراتيّة. وقد أوجدت مسيرة والده المهنية كقسّ مشيخي، إلى جانب تعليمه اللاهوتي الخاص، أطرًا تفسيرية جعلت حجج الصهيونية المسيحية تبدو سليمة دينيًا وحكيمة سياسيًا في آنٍ واحد.
أوجدت الشبكة الإنجيلية العابرة للأطلسي الداعمة للصهيونية «أممية دينيّة»[124] تجاوزت الحدود الوطنية ووفّرت إطارًا لاهوتيًا لفهم تسوية ما بعد الحرب في الشرق الأوسط[125]. ويساعد هذا البعد الدوليّ في تفسير الأسباب التي جعلت كلًّا من القادة البريطانيين والأمريكيين يجدون الحجج الصهيونية مقنعة على الرغم من الصعوبات العملية الواضحة التي اعترضت سبيل إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين. وقد تغلغل تأثير الصهيونية المسيحية الأمريكية على سياسة إدارة ويلسون من خلال قنوات متعدّدة تجاوزت الاتصالات الدبلوماسية الرسمية. وأصدر المجلس الفيدرالي للكنائس[126]، الذي يمثّل الطوائف البروتستانتية الرئيسية، بيانات تدعم العودة اليهودية، مما عزّز جهود الضغط الصهيونية[127]. واستخدم قادةٌ إنجيليون بارزون نفوذهم السياسي لدعم السياسات التي تتماشى مع قناعاتهم اللاهوتية، مما أدّى إلى خلق ضغط داخلي تكامل مع التطوّرات الدولية.
٤. سردية «الحملة الصليبية الأخيرة»: الخطاب الديني والثقافة الشعبية (١٩١٤-١٩١٨)
إلى جانب الصهيونية المسيحية، برزت ظاهرة أخرى، بشكل مؤقّت، أثناء الحرب ومباشرة في أعقابها. إذ كان لظهور الخطاب الصليبي خلال الحرب العالمية الأولى جذور عميقة في الثقافة الدينية البريطانية امتدّت إلى ما هو أبعد من المتطلّبات الدعائية الفورية. ونشأت فكرة الحرب بوصفها «حربًا مقدّسة» في الأوساط الكنسية، حيث بدأ أساقفة أنجليكانيون مثل آرثر وينينغتون-إنغرام[128]، ومحرّرون منشقون[129] مثل ويليام روبرتسون نيكول[130] في تأطير الصراع بمصطلحات دينية صريحة منذ مراحله الأولى[131]. وقدّمت عظات وينينغتون-إنغرام في كاتدرائية القديس بولس، التي حضرها مسؤولون حكوميون وقادة عسكريون، الحرب على أنها صراع بين الحضارة المسيحية والوثنية الجرمانية يتطلّب التزامًا تامًّا وتضحية قصوى[132]. واستند خطابه صراحةً إلى الصور الصليبية، واصفًا الجنود البريطانيين بأنّهم «فرسان الله» المنخرطون في مهمة مقدّسة للدفاع عن القيم المسيحية ضد الأعداء البرابرة. وقد تعزّزت هذه الموضوعات الدينية من خلال مقالات نيكول في صحيفة بريتيش ويكلي[133]، والتي وصلت إلى جماهير إنجيلية مؤثّرة وساعدت في إرساء الأطر اللاهوتية لفهم الصراع[134].
وقد عكس تحوّلُ الخطاب الصليبي العام إلى ادّعاءات محدّدة حول فلسطين تَقُاربَ القناعة الدينية مع التطوّرات العسكرية. فأتاحت نجاحات القوات البريطانية ضد الجيوش العثمانية فرصًا لتقديم الحملة الفلسطينية على أنّها تحقيق للطموحات الصليبية في العصور الوسطى، في حين وفّرت السيطرة البريطانية على القدس تصديقًا رمزيًا للادّعاءات المتعلّقة بالعناية الإلهية والمصير التاريخي[135].
٤-١. القساوسة العسكريون والإطار الديني
لعب القساوسة العسكريون دورًا حاسمًا في تعزيز الخطاب الصليبي خلال حملة فلسطين[136]. وقد توصل فرانشيسكو كوتولو[137] إلى استنتاج مماثل من خلال تركيزه على خطاب الكنيسة الكاثوليكية الإيطالية. وعلى الرغم من التشابه في الصياغة، إلا أن ذلك الخطاب كان مختلفًا تمامًا في طبيعته وأهدافه [138]. وقد عمل الخطاب الديني في هذه الحالة داخل الهياكل العسكرية ذاتها، مما شكّل الطريقة التي فهم بها الجنود مهمّتهم في فلسطين، وأوجد أطرًا لاهوتية تبرّر وجودهم في الأرض المقدّسة. وقد تضمّن القساوسة الملحقون بقوات أَلِنبي[139] عددًا من القادة الإنجيليين البارزين الذين سبق لهم دعم قضايا الصهيونية المسيحيّة في السياقات المدنية. فقد خدم القس إي. إن. ميليش[140]، الملحق بقوّة التجريدة المصرية، في جمعية يهود لندن[141] قبل الحرب، وجَلَب معه إلى خدمته العسكرية معرفةً واسعة بفلسطين والتزامًا بالعودة اليهودية[142]. كما كان القس إتش. سي. فوستر[143]، كبير القساوسة في الفيلق الحادي والعشرين، نشطًا في الأوساط الإنجيلية الداعمة للعمل التبشيري بين اليهود، ورأى في الحملة الفلسطينية ترتيبًا من العناية الإلهية لتعزيز أهداف الصهيونية المسيحية[144].
وقد ربطت عظات وكتابات القساوسة العسكريين صراحةً حملة فلسطين بالمُثُل الصليبية في العصور الوسطى، في حين دعمت في الوقت ذاته العودة اليهودية إلى فلسطين[145]. ويمثّل هذا خروجًا مهمًّا عن الخطاب الصليبي التقليدي، الذي كان يُصوّر اليهود عادةً كأعداء بدلًا من حلفاء للقوات المسيحية. ويعكس الابتكار اللاهوتي المطلوب للتوفيق بين الصور الصليبية ودعم الصهيونية تأثير أفكار الصهيونية المسيحية على الثقافة الدينية العسكرية. وقد امتدّ تأثير القساوسة إلى ما هو أبعد من الخدمات الدينية الرسمية ليشمل أنشطة ثقافية أوسع شكّلت فهم الجنود لمهمّتهم. فقد أدت الزيارات المنظّمة إلى المواقع التوراتيّة، والمحاضرات حول التاريخ المسيحي في فلسطين، وتوزيع الأدبيّات الدينيّة التي تربط الأحداث المعاصرة بالسرديات التوراتية، إلى خلق تجارب غامرة عزّزت المواضيع الصليبية وتلك المتعلّقة بالصهيونية المسيحية[146].
٤-٢. التغطية الصحفية وردود الفعل الاستعمارية
لم تكن السردية الصليبية مجرّد فرض من الدعاية الحكومية، بل انبثقت من تفاعل معقّد بين السياسة الرسمية، والتأثير الديني، والثقافة الدينية الشعبية، مما أدّى إلى خلق دوائر ذاتية التعزيز من التوقّعات والتفسيرات[147]. وتُظهر تغطية صحيفة مانشستر غارديان[148] كيف استندت حتى الصحف الليبرالية إلى الصور الصليبية لشرح الأهداف البريطانية في فلسطين[149]. وقد وفّرت العلاقة الشخصية التي ربطت سي. بي. سكوت بكل من لويد جورج وحاييم وايزمان للصحيفة إمكانية الوصول إلى مناقشات السياسة الحكومية، في حين جعلته قناعاته الدينية داعمًا موثوقًا للسياسات التي تجمع بين التوسّع الإمبريالي ودعم العودة اليهودية[150]. وقدّمت التغطية الصحفية باستمرار السياسة البريطانية في فلسطين على أنّها ضرورة استراتيجيّة ومبرَّرة أخلاقيًّا في آنٍ واحد، مما أدّى إلى خلق دعم شعبي لالتزامات ربما كانت لتبدو مرهِقة أو مثيرة للجدل لولا ذلك. وكشفت تغطية صحيفة التايمز[151] عن أنماط مشابهة، حيث وظّف الخطاب الديني لتبرير التوسّع الإمبريالي البريطاني بمصطلحات تجاوزت الحسابات الاستراتيجية الضيّقة. واستند تصوير الصحيفة لدخول أَلِنبي إلى القدس صراحةً إلى سوابق من العصور الوسطى في حين دعم في الوقت ذاته الأهداف الصهيونية الحديثة، مما أدى إلى خلق «أيديولوجية إمبريالية توفيقيّة» جمعت بين العناصر التقليدية والحديثة[152].
ومع ذلك، أحدث الخطاب الصليبيّ توتّرات بالغة مع المتطلَّبات العملية لحكم إمبراطورية متعدّدة الأديان. وتُظهر استجابة القوات المسلمة العاملة في صفوف القوات البريطانية كيف أسفر الخطاب الديني عن مشكلات عملية للقادة العسكريين الذين اعتمدوا على الجنود المسلمين والدعم المدني[153]. وتكشف ردود فعل المسلمين الهنود تجاه الخطاب الصليبي، الموثَّقة في تقارير الاستخبارات الاستعمارية، عن قلق واسع النطاق بشأن النوايا البريطانية تجاه الأماكن المقدسة الإسلامية في فلسطين[154].
وأثبتت استجابة القوات المصرية العاملة تحت القيادة البريطانية أنّها تمثّل إشكاليّة خاصّة، حيث شارك الجنود المسلمون المصريون بشكل مباشر في حملة فلسطين، في حين أعرب قادتهم الدينيون عن قلقهم إزاء التداعيات الصليبيّة[155]. ووجد القادة البريطانيون أنفسهم عالقين بين القيمة الدعائية للخطاب الصليبي الموجّه إلى الجمهور المحلّي وبين الضرورة العملية المتمثّلة في الحفاظ على الدعم الإسلامي للعمليات العسكرية.
وغالبًا ما تبنّت قوّات المستعمرات القادمة من أستراليا ونيوزيلندا وجنوب إفريقيا الخطاب الصليبي بحماس فاق نظيراتها البريطانية، مما يشير إلى أن الأيديولوجيا الإمبرياليّة قد عملت بآليّات مختلفة في الأجزاء المتفرّقة من الإمبراطورية[156]. وعكست المطبوعات من قبيل «الصليبيّون الأستراليون»[157] مشاعر شعبية حقيقيّة بدلًا من الدعاية الرسمية، مما يبرهن على الكيفية التي لاقت بها الموضوعات الصليبية صدى لدى الثقافة البروتستانتية في المستعمرات[158].
٥. القدس المحتلّة: آليّات التنفيذ والتناقضات (١٩١٧-عشرينات القرن العشرين)
أحدث توقيتُ الاستيلاء على القدس، بعد أسابيع فقط من إعلان وعد بلفور، أصداءً رمزية أدرك كل من المسؤولين البريطانيين وخصومهم أهمّيتها البالغة. ومثل دخول ألِنبي المنسّق بعناية إلى المدينة محاولة متعمّدة للموازنة بين الرمزية الدينية والمتطلَّبات السياسية العملية [159]. ومن الأهمية بمكان التأكيد مجدّدًا على أن الحدَثين قد وقعا في الوقت ذاته تقريبًا، وإن كان ذلك نتيجة لصدفة أكثر منه نتاجًا لتخطيط مسبق. ومع ذلك، لا يعني هذا أن الصدفة المذكورة لم تُستغل.
وعَكَس قرار دخول القدس سيرًا على الأقدام بدلًا من امتطاء الجياد، والذي نُقل على نطاق واسع بوصفه إظهارًا للاحترام للأهمية الدينية التي تحظى بها المدينة، مخاوفَ بريطانية أعمق حيال إدارة الحساسيّات الدينيّة في إمبراطورية متعدّدة الأديان. وتكشف الوثائق المعاصرة عن تخطيط واسع النطاق من قبل المسؤولين العسكريين والمدنيين لضمان أن يبدو الاحتلال بمظهر التحرير وليس الغزو[160]. وتشاور طاقم ألِنبي مع المرجعيّات الدينيّة من الطوائف المسيحية واليهوديّة والإسلاميّة لوضع بروتوكولات من شأنها تقليص مشاعر الاستياء إلى حدّها الأدنى، مع تعظيم الأثر الرمزيّ للسيطرة البريطانية في الوقت ذاته.
وتكشف ردود الفعل الدولية إزاء الاستيلاء على القدس عن الأهمية العالميّة التي أُنيطت بالسيطرة على المدينة المقدّسة[161]. وأصدر القادة الكاثوليك الأوروبيّون بيانات ترحّب بالسيطرة المسيحية مع الإعراب عن قلقهم إزاء الهيمنة البروتستانتية. واحتفلت الطوائف البروتستانتية الأمريكية بالنجاح البريطاني في حين دَعت إلى حماية الحقوق اليهودية. وطالبت الكنائس الأرثوذكسية بضمانات لامتيازاتها التقليدية، بينما احتجّت السلطات الإسلامية على فقدان السيطرة الإسلامية. وولّدت ردود الفعل الدولية هذه ضغوطًا على صنّاع السياسات البريطانيين لبلورة ترتيبات حُكم ترضي الطوائف الدينية المتعدّدة مع الحفاظ في الوقت ذاته على السيطرة الإمبراطورية البريطانيّة. وأثّر تعقيد هذه السياسات الدينية على تطوّر نظام الانتداب وشكل السياسة البريطانية طوال فترة ما بين الحربين[162].
٥-١. التحدّيات الإدارية: من الخطاب إلى السياسة
أثبت تحويل الخطاب الديني، سواء أكان مسيحيًا صهيونيًا أو مرتبطًا بالحملات الصليبية، إلى سياسة عملية أنه أكثر صعوبة مما أوحت به تصريحات زمن الحرب. فقد كافح الإداريون البريطانيون للتوفيق بين الصور الصليبية والمتطلَّبات العملية لحكم سكان متنوّعين[163]. وأدّت التناقضات بين دعم العودة اليهوديّة والحفاظ على السيطرة المسيحيّة على الأماكن المقدّسة إلى خلق توتّرات مستمرّة أثّرت على السياسة البريطانية طوال فترة الانتداب. وقد مثّل تعيينُ هربرت صموئيل[164] كأوّل مندوب سامٍ محاولةً لحل هذه التوتّرات من خلال وضع مسؤول يهوديّ مكلّف بتنفيذ السياسة الصهيونية. ومع ذلك، فإنّ التوجّه العلماني لصموئيل والتزامه بالإدارة المحايدة قد أوجدا مشكلات جديدة مع الداعمين الإنجيليين الذين توقعوا نهجًا مسيحيًا أكثر وضوحًا في حكم الأرض المقدسة[165]. وعكست سياسات صموئيل تجاه الهجرة اليهودية، وشراء الأراضي، والتنمية الاقتصادية توازنًا دقيقًا بين التطلّعات الصهيونية والقيود العملية، بدلًا من الدعم الحماسي الذي توقّعه الداعمون المسيحيون الصهاينة.
ومثّل تعيينُ ويندهام ديديز[166] في منصب السكرتير الأوّل تسويةً أرضت الداعمين المسيحيين الصهاينة مع الحفاظ على القيادة اليهودية للإدارة. وقد أثّرت قناعات ديديز الإنجيلية، الموثّقة بشكل أكمل في أعمال السير الذاتية الحديثة، على السياسة تجاه الاستيطان اليهودي والأنشطة التبشيرية المسيحية طوال عشرينات القرن العشرين [167]. ووفّر التزامه الشخصي بالعودة اليهودية استمرارية للدوافع الدينية في زمن الحرب، في حين مكّنت خبرته الإدارية من التنفيذ العملي للسياسات المعقّدة. وتطلّب إرساء الحكم البريطاني في القدس مفاوضات معقّدة مع طوائف دينية متعدّدة كانت قد طوّرت أنظمة متشعّبة من الحقوق والامتيازات والتسويات المتبادلة على مدى قرون من الحكم العثماني. واكتشف الإداريون البريطانيون أن حكم المدينة المقدّسة لم ينطوِ على إدارة التوتّرات السياسية المعاصرة فحسب، بل شمل أيضًا إدارة المظالم التاريخية والمطالب المتنافسة التي امتدّت جذورها في الزمن، كما هو الحال في «الوضع الراهن» للأماكن المقدسة[168].
٥-٢. تراجع التأثير الدينيّ
من المرجّح أن فترة ولاية تشرشل كوَزيرٍ للمستعمرات قد تأثّرت بقناعاته المسيحية الصهيونية الخاصة، والتي ورثها عن مربّيته الإنجيلية السيّدة إيفرست[169] وتعزّزت من خلال صداقته مع حاييم وايزمان[170]. وعَكَس «الكتاب الأبيض» لعام ١٩٢٢ الذي أصدره تشرشل، والذي حدّد السياسة البريطانية تجاه الاستيطان اليهودي والحقوق العربية، التأثيرَ المستمر للأطر الدينية على تطوير السياسات. وقد دمجت حجّته القائلة بأن العودة اليهودية تمثّل تحقيقًا للعدالة التاريخية بين المنطق السياسي العلماني والقناعة الدينية بطُرق حافظت على الدعم الإنجيلي مع معالجة المخاوف العملية بشأن المعارضة العربية[171]. ومع ذلك، فإن التراجع التدريجي للتأثير الديني على السياسة البريطانية تجاه فلسطين، بدءًا من ثلاثينات القرن العشرين، قد عكس تغيّرات أوسع في الثقافة السياسية البريطانية بدلًا من كونه حلًّا للمشكلات العملية في فلسطين ذاتها. ومع تضاؤل النفوذ الإنجيلي داخل الدوائر السياسية البريطانية، أصبحت سياستهم تجاه فلسطين أكثر استجابة للاعتبارات الاستراتيجية والاقتصادية[172].
٥-٣. مفارقة الأطر الدينية المتعدّدة
أدّت محاولة الجمع بين الدعم المسيحي الصهيوني للعودة اليهودية والصور الصليبية التي أكدت على الهيمنة المسيحية إلى خلق تناقضات جوهرية أثّرت على السياسة البريطانية طوال فترة الانتداب. فقد صوّر الخطابُ الصليبي التقليدي اليهودَ كأعداء للقوّات المسيحية، في حين تطلَّب لاهوتُ الصهيونية المسيحية العودةَ اليهودية كشرط أساسي للتحقّق المسيحي[173]. وعكس الابتكارُ اللاهوتيُ المطلوبُ للتوفيق بين هذه الأطرِ الدينيةِ المتنافسةِ توتّراتٍ أوسع داخل الأيديولوجيا الإمبريالية البريطانية بين الإمبريالية المسيحية التقليدية والقومية العلمانية الحديثة. وأدّت محاولةُ الحفاظ على كل ٍّمن المواضيع الصليبية والمسيحية الصهيونية إلى خلق ارتباك حول الأهداف البريطانية مما عقّد تنفيذَ السياسات وساهم في توليد توقّعات غير واقعيّة بين مختلف الأطراف المعنيّة[174].
عكسَ تعليق مارك سايكس بأن الحملة الصليبية ستكتمل عند طرد الأتراك إحدى المحاولات لحلّ هذه التناقضات من خلال تحديد الأهداف الصليبية بعبارات سلبية[175]. ومع ذلك، فشل هذا النهج في معالجة المضمون الإيجابي لكلٍّ من الرؤى الصليبية أو الصهيونية المسيحية، مما ترك السياسة البريطانية دون أهداف واضحة طويلة المدى تتجاوز الحفاظ على السيطرة الإمبراطورية.
٥-٤. الفجوة بين التوقّعات الدينية وبين الواقع السياسي
أثبتت التوقّعات الدينية التي حفّزت التدخّل البريطاني في فلسطين استحالة تحقيقها من خلال الإدارة الإمبراطورية التقليدية، فقد توقّع الداعمون المسيحيّون الصهاينة هجرة يهودية سريعة، وتنمية زراعية، وتحقيقًا للسيطرة السياسية اليهودية في نهاية المطاف، في حين ترقّب المتحمّسون للحملات الصليبية هيمنة ثقافية مسيحية ونهضة دينية في الأرض المقدسة[176].
وقد حالت القيود العملية المتمثّلة في حكم سكّان متنوّعين، وإدارة المطالب المتنافسة على الأراضي والموارد، والحفاظ على الدعم الدولي للإدارة البريطانية، دون تحقيق أيٍّ من مجموعتي التوقّعات الدينية. ووجد المسؤولون البريطانيون أنفسهم عالقين بين المطالب المتضاربة للدوائر الدينية التي وفّرت دعمًا حاسمًا للالتزامات السياسية الأوّليّة[177]. وخلق تطوّر القومية العربية والمعارضة المنظّمة للاستيطان الصهيوني تعقيداتٍ إضافية لم يتوقّعها الداعمون الدينيون. إذ ركّز لاهوت الصهيونية المسيحية على العودة اليهودية في حين تجاهل إلى حدّ كبير السكّان العرب، بينما افترض الخطاب الصليبي خضوع المسلمين للحكم المسيحي بدلًا من المقاومة النشطة[178].
وعكس التخلّي التدريجي عن المبرّرات الدينية الصريحة للسياسة البريطانية في فلسطين الظروفَ المتغيّرةَ بدلًا من التحقيق الناجح للأهداف الدينية. وقد أدى نموّ الصهيونية العلمانية، وتطوّر القومية العربية، والأنماط المتغيّرة للسياسة الداخلية البريطانية إلى الحد من تأثير الحجج الدينية على تطوير السياسات[179].
٦. بقاء الصهيونية المسيحية وتحوّلها: من الإمبراطورية إلى السياسة الحديثة
في حين انتهت السلطة الإمبراطورية البريطانية في فلسطين عام ١٩٤٨، فإنّ الشبكات الدينية والأطر اللاهوتية التي أثّرت على السياسة الإمبراطورية لم تختفِ. بل خضعت لتحوّل كبير، ووجدت تعبيرات جديدة في سياقات سياسية مختلفة، وأثبتت الشبكات الإنجيلية العابرة للحدود الوطنية، التي ربطت بين بريطانيا وأمريكا خلال الفترة الإمبراطورية، متانة ملحوظة، حيث تكيّفت مع الحقائق الجيوسياسية الجديدة مع الحفاظ على التزاماتها اللاهوتية الأساسية.
وفّرت الأطرُ اللاهوتية التي طُوّرت خلال الفترة الإمبراطوريةِ الأساسَ لما سيصبح واحدًا من أهمّ الحركات الدينية والسياسية في أواخر القرن العشرين وأوائل القرن الحادي والعشرين. وقد أصبح الدعم الإنجيلي الأمريكي لإسرائيل، والذي تعود أصوله الفكرية إلى المصادر ذاتها التي أثّرت على السياسة البريطانية خلال الحرب العالمية الأولى، عاملًا رئيسًا في سياسات الشرق الأوسط المعاصرة[180].
6-1. الإرث الإنجيلي الأمريكي
اكتسب البُعد الأمريكي للصهيونية المسيحيّة، والذي كان يتطوّر جنبًا إلى جنب مع الحركات البريطانية منذ القرن التاسع عشر، أهمية خاصّة بعد تراجع القوة الإمبريالية البريطانية. وقد وفّرت شبكات الضغط التي دعمت وعد بلفور نماذج للمشاركة السياسية الإنجيلية الأمريكية في وقت لاحق[181]. وأصبحت الحجج اللاهوتية التي طوّرتها شخصيات مثل ويليام بلاكستون[182] خلال أوائل القرن العشرين نصوصًا تأسيسية للحركات الصهيونية المسيحية الأمريكية اللاحقة.
وقدّم الإطار اللاهوتي التدبيري، الذي اكتسب مكانة بارزة في الأوساط الإنجيلية الأمريكية خلال أوائل القرن العشرين، نسخة أكثر منهجيّة وتأثيرًا من الناحية السياسية للالتزامات اللاهوتيّة الأساسية ذاتها التي حفّزت الصهاينة المسيحيين البريطانيين. وقد أوجد هذا النظام اللاهوتيّ، الذي انتشر من خلال مؤسّسات مثل كلّية دالاس اللاهوتية[183] ومطبوعات مثل الكتاب المقدّس المرجعي لسكوفيلد[184]، قاعدة جماهيرية واسعة لسياسات الصهيونيّة المسيحيّة فاقت بكثير أيّ شيء تمّ تحقيقه خلال الفترة الإمبراطورية[185]. وأصبح التأثير السياسي للصهيونية المسيحية الأمريكية بالغ الأهمية بشكل خاص بعد تأسيس إسرائيل عام ١٩٤٨. وادّعت منظّمات مثل: «مسيحيّون متّحدون من أجل إسرائيل»[186]، التي أسسها جون هاجي[187]، امتلاكها لملايين الأعضاء ومارست نفوذًا كبيرًا على السياسة الخارجية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط. وقد عمل هذا النفوذ من خلال القنوات ذاتها -العلاقات الشخصية مع القادة السياسيين، والتبرير اللاهوتي للمواقف السياسية، وتعبئة الدوائر الدينية- التي ميّزت الصهيونية المسيحية البريطانية خلال الفترة الإمبراطورية[188].
6-2. التداعيات المعاصرة
تطوّرت الصهيونية المسيحية الحديثة متجاوزة أصولها التي تعود إلى الحقبة الإمبراطورية مع الحفاظ على التزاماتها اللاهوتية الأساسية. وطوّرت الحركات المعاصرة أطرًا لاهوتيّة أكثر تطوّرًا تعالج بعض التناقضات التي ابتُليت بها النسخ السابقة، مع خلق تطبيقات سياسية جديدة في الوقت ذاته. وقد تمّ تحويل التركيز على النبوءة التوراتيّة والتوقّعات الأخرويّة، الذي ميّز الصهيونية المسيحيّة في الحقبة الإمبراطورية، إلى مخطّطات تفسيريّة مفصّلة تضفي أهميّة دينيّة على التطوّرات السياسية المعاصرة[189].
ولا تزال العلاقة بين الصهيونية المسيحية ومعاداة السامية، والتي أحدثت توتّرات خلال الفترة الإمبراطورية، معقّدة في السياقات المعاصرة. وفي حين تنبذ حركات الصهيونية المسيحية الحديثة عمومًا معاداة السامية الصريحة وتعرب عن دعم قوي للرفاه اليهودي، يجادل النقّاد بأنّ الافتراضات اللاهوتيّة الكامنة حول اعتناق اليهود للمسيحية والتفوّق المسيحي لا تزال مستمرّة في أشكال معدّلة[190].
ومع ذلك، يختلف السياق المعاصر أيضًا بشكل كبير عن الفترة الإمبراطورية؛ إذ إنّ وجود دولة إسرائيليّة قائمة، وتطوّر القومية الفلسطينية، والتعقيد الذي تتّسم به سياسات الشرق الأوسط المعاصرة، يخلق تحدّيات لم تتوقّعها الرؤية الصهيونية المسيحية الأصلية. وتستمرّ الفجوة بين التوقّعات اللاهوتية والواقع السياسي التي ميّزت الفترة الإمبراطورية في السياقات المعاصرة، مما يؤدّي غالبًا إلى خلق حالة من الإحباط والارتباك بين الداعمين المتديّنين.
الخاتمة: الدين والإمبراطورية وصناعة فلسطين الحديثة
تكشف الأبعاد الدينية للسياسة البريطانية تجاه فلسطين خلال الحرب العالمية الأولى عن أنماط مهمّة عدّة تمتدّ إلى ما هو أبعد من السياق التاريخي المحدّد.
أوّلًا: يُظهر التحليل كيف أمكن للقناعة اللاهوتية أن تشكّل السياسة الإمبريالية بطرق تجاوزت الحسابات الاستراتيجية أو الاقتصادية المباشرة. ويبرهن استمرار التأثير الديني على السياسة البريطانية طوال عشرينات القرن العشرين على ديمومة هذه الدوافع الروحية حتى عندما جعلت الظروف العملية تنفيذها أمرًا متزايد الصعوبة.
ثانيًا: يكشف فحص الأطر الدينية المتعدّدة -الصهيونية المسيحية، والخطاب الصليبي، والإسرائيلية البريطانية[191]، وغيرها- عن الكيفية التي استطاعت بها تقاليد لاهوتية مختلفة أن تدعم في الوقت ذاته النتائج السياسية ذاتها مع خلق تناقضات داخلية عقّدت تنفيذ السياسة.
ثالثًا: تبرهن الطبيعة العابرة للحدود الوطنية للشبكات الدينية على أهميّة فهم عمليّة صنع القرار الإمبرياليّ ضمن سياقات دولية تتجاوز الحدود الوطنيّة. وقد أوجدت الروابط الإنجيليّة بين بريطانيا وأمريكا التي دعمت السياسة الصهيونية أنماطًا من التعاون والالتزام المشترك التي لا تزال تؤثّر على دبلوماسية الشرق الأوسط المعاصرة.
رابعًا: يكشف تحويل الخطاب الديني إلى سياسة عملية عن مدى تعقيد تنفيذ الرؤى اللاهوتية من خلال مؤسّسات حكومية مصمّمة للإدارة العلمانية. وتقدّم التناقضات بين التطلّعات الدينية والضرورة الإدارية التي ميّزت الحكم البريطاني في فلسطين دروسًا مهمة لفهم العلاقة بين الدافع الروحي والسلطة السياسية في سياقات تاريخية ومعاصرة أخرى.
لا يمكن فهم الفشل النهائي للسياسة البريطانية في فلسطين دون إدراك الكيفية التي شكّلت بها الدوافع الدينية التزامات أوليّة أثبتت استحالة الوفاء بها. وقد أحدثت الفجوة بين التوقّعات الإنجيلية والإمكانيّات العملية توتّرات مستمرّة ساهمت في تصعيد الصراع بين السكان اليهود والعرب، في حين قوّضت السلطة البريطانية والدعم الدولي لنظام الانتداب. ولا يزال هذا النمط من الدوافع الدينية التي تخلق التزامات سياسية تتجاوز القدرات العملية ذا صلة بفهم الديناميكيات السياسية المعاصرة.
تكشف قصّة القدس في المخيّلة البريطانية خلال الحرب العالمية الأولى عن الكيفية التي عزّزت بها القناعة الدينية والحسابات الإمبريالية بعضها بعضًا بطرق شكّلت العالم الحديث. وقد أدّى التقارب بين اللاهوت الإنجيلي والسياسة الإمبريالية إلى خلق التزامات استمرّت إلى ما بعد الظروف المحدّدة لصنع القرار في زمن الحرب، مما أثّر على تطوّر كلّ من إسرائيل وفلسطين بطرق لا تزال تؤثّر على العلاقات الدولية اليوم.
يبرهن بقاء الشبكات الصهيونية المسيحية وتحوّلها في الفترة المعاصرة على الأهمية الدائمة للأنماط التي أُسست خلال الحرب العالمية الأولى. ولا تزال الأطر اللاهوتية التي شكّلت الدعم البريطاني للعودة اليهودية مؤثّرة في الأوساط الإنجيلية الأمريكية والسياقات الدولية الأخرى، مما يخلق روابط مستمرة بين القناعة الدينية والدعم السياسي لإسرائيل تحاكي الأنماط التي أُرسيت خلال الفترة الإمبراطورية.
يظلّ فهم هذه الأبعاد الدينية أمرًا جوهريًا لاستيعاب كلّ من التطوّرات التاريخية والسياسة المعاصرة في الشرق الأوسط. ويبرهن استمرار التأثير الديني على العلاقات الدولية، والذي يتجلّى في الدعم المسيحيّ الصهيوني المستمرّ لإسرائيل والردود الإسلامية على السياسات الغربية في الشرق الأوسط، على أنّ الأنماط التي أُرسيت خلال الحرب العالمية الأولى لا تزال تشكل التطوّرات السياسية.
وبالتالي، فإن فحص العوامل الدينية في السياسة الإمبرياليّة البريطانيّة تجاه فلسطين يقدّم رؤًى تمتدّ إلى ما هو أبعد من الحالة التاريخية المحدّدة. فهو يبرهن على أهمّية أخذ الدوافع الدينية على محمل الجدّ في التحليل السياسي، مع إدراك مخاطر السماح للأطر اللاهوتية بتجاوز الاعتبارات العمليّة في الوقت ذاته. ويكشف كيف يمكن للشبكات الدينية العابرة للحدود الوطنية أن تؤثّر على السياسة في دول متعدّدة، بينما يُظهر في الوقت ذاته كيف يمكن لهذه الشبكات أن تخلق التزامات يثبت صعوبة الحفاظ عليها. والأهمّ من ذلك، أنه يوضح كلًّا من قوّة وحدود القناعة الدينية كأساس للعمل السياسي، وهي دروس تظلّ ذات صلة بفهم العلاقات الدولية المعاصرة والتحدّيات المستمرّة لحكم مجتمعات متنوّعة في عالم مترابط.
المصادر والمراجع
Adams, R. J. Q., Balfour: The Last Grandee (London: John Murray, 2007).
Adelson, Roger, London and the Invention of the Middle East: Money, Power, and War, 1902-1922 (New Haven: Yale University Press, 1995).
Amit, Thomas, ‘Laurence Oliphant: Financial Sources for his Activities in Palestine in the 1880s,’ Palestine Exploration Quarterly 139, no. 3 (2007).
Ariel, Yaakov, “A Neglected Chapter in the History of Christian Zionism in America: William E. Blackstone and the Petition of 1916,” in Jews and Messianism in the Modern Era, ed. J. Frankel (Oxford: Oxford University Press, 1991).
ـــــــــــــــ, Evangelizing the Chosen People: Missions to the Jews in America, 1880-2000 (Chapel Hill: University of North Carolina Press, 2000).
Arthur James Balfour Papers, TNA: FO 800/193, correspondence with Alice James, 1916-1818.
Balfour Papers, FO 800/193, correspondence with Chaim Weizmann and Nahum Sokolow, 1916-1918.
Balfour, Arthur James, The Foundations of Belief (London: Longmans, Green, 1895).
Barkun, M., Religion and the Racist Right: The Origins of the Christian Identity Movement (Chapel Hill: University of North Carolina Press, 1997).
Bar-Yosef, Eitan, ‘The Last Crusade? British Propaganda and the Palestine Campaign, 1917-1918,’ Journal of Contemporary History 36, no. 1 (2001).
ـــــــــــــــ, The Holy Land in English Culture 1799-1917 (Oxford: Oxford University Press, 2005)
ـــــــــــــــ, Holy Land in English Culture, 234-267; TNA: FO 395/123, ‘Press Coverage of Palestine Campaign, 1917-1918.’
Bell, G. K. A., Randall Davidson: Archbishop of Canterbury (London: Oxford University Press, 1935).
Ben-Arieh, Yehoshua, Jerusalem in the 19th Century: The Old City (Jerusalem: Yad Izhak Ben-Zvi Institute, 1984).
Bernard Wasserstein, The British in Palestine: The Mandatory Government and Arab-Jewish Conflict 1917-1929, 2nd edition (Oxford: Basil Blackwell, 1991).
Bowes, J., The Aussie Crusaders (London: Oxford University Press, 1920).
Bridgeman, Charles T., ‘Michael Solomon Alexander: First Bishop of the Church England in Jerusalem 1841-1845,’ Historical Magazine of the Protestant Episcopal Church, 12, no. 1 (March 1943).
C.P. Scott Papers, Manchester Guardian Archive, John Rylands Library, Manchester, correspondence with Lloyd George and Weizmann, 1917-1918.
Coates Ulrichsen, Kristian, The First World War in the Middle East (London: Hurst, 2014).
Cohen, Michael J., Britain’s Moment in Palestine: Retrospect and Perspectives, 1917-1948 (London: Routledge, 2014).
Collinson, Patrick, The Elizabethan Puritan Movement (London: Jonathan Cape, 1967)
Cook, Tim, At the Sharp End: Canadians Fighting the Great War 1914-1916 (Toronto: Viking Canada, 2007).
Cooper, John Milton Jr., Woodrow Wilson: A Biography (New York: Knopf, 2009).
Cutolo, Francesco, ‘L’Ultima Crociata? Il cattolicesimo Italiano davanti alla presa di Gerusalemme (1917),’ Rivista di Storia del Cristianesimo 1 (2019).
David Lloyd George Papers, Parliamentary Archives, LG/F/23/4/15, correspondence with F.B. Meyer, 1917-1918; LG/F/89/2/12, correspondence with G. Campbell Morgan, 1917.
Deedes Papers, Middle East Centre Archive, St. Antony’s College, Oxford, GB165-0083.
Edwin Montagu Papers, Trinity College, Cambridge, MONT II/4/7.
Epstein, L. J., Zion’s Call: Christian Contributions to the Origins and Development of Israel (Lanham: University Press of America, 1984).
Federal Council of Churches Archives, Presbyterian Historical Society, Philadelphia, ‘Statements on Palestine, 1917-1918.’
Fraser, A., Cromwell: Our Chief of Men (London: Phoenix, 2002)
Frederick, Marla, Colored Television: American Religion Gone Global (Stanford: Stanford University Press, 2015).
Friedman, Isaiah, British Pan-Arab Policy, 1915-1922: A Critical Appraisal (New Brunswick: Transaction Publishers, 2010).
George Papers, LG/G/family correspondence, 1870s-1880s.
Gilbert, Martin, Winston S. Churchill, Volume 4: The Stricken World 1916-1922 (London: Heinemann, 1975).
Goldberg, Michelle, Kingdom Coming: The Rise of Christian Nationalism (New York: W.W. Norton, 2006).
Goldman, Shalom, God’s Sacred Tongue: Hebrew and the American Imagination (Chapel Hill: University of North Carolina Press, 2004).
ـــــــــــــــ, Zeal for Zion: Christians, Jews and the Idea of the Promised Land (Chapel Hill: University of North Carolina Press, 2009).
Gonen, R., The Quest for the Ten Lost Tribes of Israel (New Jersey: Book-Mart Press, 2002).
Gorenberg, Gershom, The End of Days: Fundamentalism and the Struggle for the Temple Mount (New York: Free Press, 2000).
Gregory, Adrian, The Last Great War: British Society and the First World War (Cambridge: Cambridge University Press, 2008).
ـــــــــــــــ, The Last Great War, 234-267; David Ayerst, Guardian: Biography of a Newspaper (London: Collins, 1971).
Grigg, John, Lloyd George: The People’s Champion 1902-1911 (London: Eyre Methuen, 1978).
Halsell, Grace, Prophecy and Politics: The Secret Alliance Between Israel and the U.S. Christian Right (Chicago: Lawrence Hill Books, 1986).
Hashash, Yali, ‘Gender, Religion, and Secularism in the English Mission Hospital of Jerusalem, 1844-1880,’ Journal of Levantine Studies 7, no. 5 (2017).
Hilton, Boyd, The Age of Atonement: The Influence of Evangelicalism on Social and Economic Thought, 1795-1865 (Oxford: Oxford University Press, 1988).
Hughes, Matthew, Allenby and British Strategy in the Middle East, 1917-1919 (London: Frank Cass, 1999).
Randall, Ian, What a Friend We Have in Jesus: The Evangelical Tradition (London: Darton, Longman & Todd, 2005).
Idinopulos, T. G., Weathered by Miracles: A History of Palestine from Bonaparte and Muhammad Ali to Ben-Gurion and the Mufti (Chicago: Ivan R. Dee, 1998).
Imperial War Museum, Allenby Papers, 69/21/4, ‘Instructions for Occupation of Jerusalem.’
Imperial War Museum, Papers of Reverend E.N. Mellish, Chaplain to the Forces, Palestine 1917-1918, IWM 77/156/1.
Imperial War Museum, Papers of Reverend H.C. Foster, Senior Chaplain, XXI Corps, IWM 88/52/1.
India Office Records, British Library, IOR/L/PS/10/387, ‘Muslim Opinion on Palestine Campaign, 1917-1918.’
IWM 77/156/1, Mellish Papers, ‘Sermons in Palestine, 1917-1918’; IWM 88/52/1, Foster Papers, ‘Religious Services and Biblical Sites.’
Jewish Missionary Intelligence 1, no. 12 (December 1911).
Kamel, Lorenzo, Imperial Perceptions of Palestine: British Influence and Power in Late Ottoman Times (London: I.B. Tauris, 2015)
Katz, David, The Jews in the History of England 1485-1850 (Oxford: Oxford University Press, 1994).
Khalidi, Rashid, Palestinian Identity: The Construction of Modern National Consciousness (New York: Columbia University Press, 1997).
Larsen, Timothy, A People of One Book: The Bible and the Victorians (Oxford: Oxford University Press, 2011).
Lemire, Vincent, Jerusalem 1900: The Holy City in the Age of Possibilities (Chicago: University of Chicago Press, 2017).
Leppäkari, M., The Apocalyptic Representation of Jerusalem in Islamic, Jewish and Christian Traditions (Leiden: Brill, 2006)
Levine, Amy-Jill, The Misunderstood Jew: The Church and the Scandal of the Jewish Jesus (New York: HarperOne, 2006).
Lewis, Donald, The Origins of Christian Zionism (Cambridge: Cambridge University Press, 2010)
Magid, Shaul, ‘Christian Supersessionism, Zionism, and the Contemporary Scene: A Critical Reading of Peter Ochs’s Reading of John Howard Yoder,’ Journal of Religious Ethics 45 (2017).
Makovsky, Michael, Churchill’s Promised Land: Zionism and Statecraft (New Haven: Yale University Press, 2007).
Mazza, Roberto, “The Last Crusade and the First Zionists: Religion, Empire, and the Making of Modern Palestine.” Filistin Araştırmaları Dergisi, no. 18 (2025): 1-28. http://doi.org/10.34230/fiad.1772685.
Mazza, Roberto, and Idir Ouahes, ‘For God and La Patrie: Antonin Jaussen, Dominican Priest and French Intelligence Agent in the Middle East, 1914-1920,’ First World War Studies 3, no. 2 (2012).
ـــــــــــــــ, Jerusalem From the Ottomans to the British (London: I.B. Tauris, 2009).
Merkley, Paul Charles, The Politics of Christian Zionism 1891-1948 (London: Frank Cass, 1998).
ـــــــــــــــ, American Presidents, Religion, and Israel: The Heirs of Cyrus (Westport: Praeger, 2004).
Monroe, Elizabeth, Britain’s Moment in the Middle East 1914-1971 (London: Chatto & Windus, 1981).
ـــــــــــــــ, Britain’s Moment in the Middle East, 45-67; TNA: FO 371/2767, ‘Missionary Intelligence Reports, Palestine 1900-1914.’
Morgan, Kenneth O., Lloyd George (London: Weidenfeld and Nicolson, 1974).
Moscrop, James, Measuring Jerusalem: The Palestine Exploration Fund and British Interests in the Holy Land (Leicester: Leicester University Press, 2000).
Observer (Manchester), December 16, 1917.
Omissi, David, The Sepoy and the Raj: The Indian Army, 1860-1940 (London: Macmillan, 1994).
Ovendale, Ritchie, Britain, the United States, and the End of the Palestine Mandate, 1942-1948 (Woodbridge: Boydell Press, 1989).
Pappe, Ilan, Lobbying for Zionism on Both Sides of the Atlantic (London: Oneworld Publication, 2024).
ـــــــــــــــ, Lobbying for Zionism; Nur Masalha, The Bible and Zionism: Invented Traditions, Archaeology and Post-Colonialism in Palestine-Israel (London: Zed Books, 2007).
Parfitt, T., The Lost Tribes of Israel: The History of a Myth (London: Phoenix, 2002).
Parliamentary Debates (Commons), 5th series, vol. 95, cols. 2021-2035, 19 June 1917.
Pedersen, Susan, The Guardians: The League of Nations and the Crisis of Empire (Oxford: Oxford University Press, 2015).
Perry, Yaron, British Mission to the Jews in 19th Century Palestine (London: Frank Cass, 2003).
ـــــــــــــــ, British Mission, 179-183; Yaron Perry and Efraim Lev, ‘The Medical Activities of the London Jews’ Society in Nineteenth-Century Palestine,’ Medical History 47 (2003).
Polley, Gabriel, Palestine in the Victorian Age: Colonial Encounters in the Holy Land (London: I.B. Tauris, 2022).
Posner, Sarah, God’s Profits: Faith, Fraud, and the Republican Crusade for Values Voters (Sausalito: PoliPointPress, 2008).
Presland, John, Deedes Bey: A Study of Sir Wyndham Deedes, 1883-1923 (London: Macmillan, 1942).
Renton, James, The Zionist Masquerade: The Birth of the Anglo-Zionist Alliance, 1914-1918 (London: Palgrave Macmillan, 2007).
Said, Edward, Orientalism (New York: Pantheon Books, 1978).
Schneer, Jonathan, The Balfour Declaration: The Origins of the Arab-Israeli Conflict (New York: Random House, 2010)
Schölch, A., ‘Britain in Palestine, 1838-1882: The Roots of the Balfour Policy,’ Journal of Palestine Studies 22, no. 1 (Autumn 1992).
Schwake, Norbert, ‘Hospitals and European Colonial Policies in the 19th and Early 20th Centuries,’ in Health and Disease in the Holy Land, ed. Manfred Waserman and Samuel Kottek (New York: Edwin Mellen Press, 1996).
https://studychristianzionism.org/ last accessed 30/07/2024.
Segev, Tom, One Palestine, Complete: Jews and Arabs under the British Mandate (New York: Metropolitan Books, 2000).
Sharif, Regina, ‘Christians for Zion 1600-1919,’ Journal of Palestine Studies 5, no. 3/4 (Spring-Summer 1976).
ـــــــــــــــ, Non-Jewish Zionism: Its Roots in Western History (London: Zed Press, 1983)
Siberry, Elizabeth, The New Crusaders: Images of the Crusades in the 19th and Early 20th Centuries (Aldershot: Ashgate, 2000).
Sizer, S.R.,” Christian Zionism: A British Perspective,” in Holy Land Hollow Jubilee, eds. N. Ateek and M. Prior (London: Melisende, 1999).
ـــــــــــــــ, ‘Christian Zionism and the Church of England: Historic Beginnings,’ Journal for the Study of Christian Zionism 1 (2024).
ـــــــــــــــ, Christian Zionism, Road-Map to Armageddon? (Leicester: Inter-Varsity Press, 2004)
Snape, Michael, God and the British Soldier: Religion and the British Army in the First and Second World Wars (London: Routledge, 2005) .
Spector, Stephen, Evangelicals and Israel: The Story of American Christian Zionism (New York: Oxford University Press, 2009).
The Truth (Jerusalem), August 9, 1912, no. 127; The Truth (Jerusalem), September 23, 1913, no. 147.
TNA: CAB 63/22, Maurice Hankey’s notes on War Cabinet meetings, 1917.
TNA: CO 733/16, ‘Churchill White Paper, 1922’.
TNA: WO 106/718, ‘Plans for Entry into Jerusalem,’ November-December 1917.
TNA: WO 33/946, ‘Reports on Morale of Egyptian Forces, Palestine Campaign 1917-1918’.
TNA: WO 95/4368, War Diary of Senior Chaplain, Egyptian Expeditionary Force, 1917-1918.
Trevor-Roper, H., Catholics, Anglicans and Puritans: Seventeenth Century Essays (London: Fontana, 1989)
Tsimhoni, Daphne, ‘The Anglican (Evangelical Episcopal) Community in Jerusalem and the West Bank,’ Oriente Moderno, no. 1-2 (1983).
Tuchman, Barbara, Bible and Sword, 118; Anthony O’Mahony, ‘Christianity in the Holy Land: The Historical Background,’ The Month (December 1993).
ـــــــــــــــ, Bible and Sword: England and Palestine from the Bronze Age to Balfour (New York: New York University Press, 1956)
Urofsky, Melvin, Louis D. Brandeis: A Life (New York: Pantheon Books, 2009).
Vereté, M., ‘Why Was a British Consulate Established in Jerusalem?’ The English Historical Review 85, no. 335 (1970).
Vital, David, Zionism: The Crucial Phase (Oxford: Oxford University Press, 1987).
Wasserstein, Bernard, Herbert Samuel: A Political Life (Oxford: Oxford University Press, 1992).
Weber, Timothy, On the Road to Armageddon: How Evangelicals Became Israel’s Best Friend (Grand Rapids: Baker Academic, 2004).
Weizmann, Chaim, Trial and Error (New York: Harper, 1949).
William E. Blackstone Papers, Moody Bible Institute Archives, Chicago.
William Robertson Nicholl Papers, National Library of Scotland, MS 12345.
Zionism: Handbook prepared under the direction of the Historical Section of the Foreign Office, No. 164 (London: HMSO, February 1919).
[1]. المصدر:
“The Last Crusade and the First Zionists: Religion, Empire, and the Making of Modern Palestine.” Filistin Araştırmaları Dergisi, no. 18 (2025): 1-28. http://doi.org/10.34230/fiad.1772685.
[2]. روبرتو مازا (Roberto Mazza)؛ دكتور، برنامج كيمان للدراسات التركية الحديثة (Keyman Modern Turkish Study Program) ، معهد بافيت للشؤون العالمية (Buffett Institute for Global Affairs)، جامعة نورث وسترن، robbymazza@gmail.com، معرّف الباحث ومساهمته (ORCID): 0000-0003-3627-9878.
[3]. David Lloyd George
[4]. Arthur Balfour
[5]. Ilan Pappe
[6]. Lobbying for Zionism
[7]. Pappe, Lobbying for Zionism on Both Sides of the Atlantic, 1-2.
[8]. Maurice Halbwachs
[9]. collective memory
[10]. Pappe, Lobbying for Zionism, 1-2.
[11]. Donald Lewis
[12]. Jonathan Schneer
[13]. Eitan Bar-Yosef
[14]. Barbara Tuchman
[15]. Regina Sharif
[16]. Lewis, The Origins of Christian Zionism; Schneer, The Balfour Declaration; Bar-Yosef, The Holy Land in English Culture 1799-1917; Tuchman, Bible and Sword; Sharif, Non-Jewish Zionism; Pappe, Lobbying for Zionism; Masalha, The Bible and Zionism.
[17]. Biblical Palestine
[18]. Kamel, Imperial Perceptions of Palestine, 14; Polley, Palestine in the Victorian Age, 23.
[19]. Puritan
[20]. Trevor-Roper, Catholics, Anglicans and Puritans, 156-189; Collinson, The Elizabethan Puritan Movement, 234-267; Sizer, Christian Zionism, 26-105.
[21]. Lewis, The Origins of Christian Zionism, 25-26.
[22]. Ibid, 27.
[23]. Sharif, Non-Jewish Zionism, 10-16; Leppäkari, The Apocalyptic Representation of Jerusalem in Islamic, Jewish and Christian Traditions, 20-32; Magid, “Christian Supersessionism, Zionism, and the Contemporary Scene: A Critical Reading of Peter Ochs›s Reading of John Howard Yoder”.
[24]. Oliver Cromwell
[25]. Fraser, Cromwell: Our Chief of Men, 234-267; Katz, The Jews in the History of England 1485-1850, 123-156.
[26]. Ebenezer and Joanna Cartwright
[27]. Sharif, “Christians for Zion 1600-1919,” 125.
[28]. Lewis, Origins of Christian Zionism, 23-45.
[29]. Monroe, Britain’s Moment in the Middle East 1914-1971, 23-45.
[30]. London Society for Promoting Christianity amongst the Jews
[31]. London Jews Society
[32]. Christian Friederich Frey
[33]. Perry, British Mission to the Jews in 19th Century Palestine, 12-13.
[34]. Sizer, “Christian Zionism: A British Perspective,”.
[35]. Epstein, Zion’s Call, 32.
[36]. Jewish Missionary Intelligence
[37]. Jewish Missionary Intelligence 1, no. 12 (December 1911): 180-181.
[38]. Schölch, “Britain in Palestine, 1838-1882: The Roots of the Balfour Policy,” 42-43.
[39]. Tuchman, Bible and Sword, 118; O›Mahony, “Christianity in the Holy Land: The Historical Background,” 470; Bridgeman, “Michael Solomon Alexander: First Bishop of the Church England in Jerusalem 1841-1845”.
[40]. London Jews Society
[41]. Hashash, “Gender, Religion, and Secularism in the English Mission Hospital of Jerusalem, 1844-1880”; Schwake, “Hospitals and European Colonial Policies in the 19th and Early 20th Centuries”.
[42]. Perry, British Mission, 179-183; Perry and Lev, “The Medical Activities of the London Jews’ Society in Nineteenth-Century Palestine”.
[43]. Christ Church
[44]. St. George›s Cathedral
[45]. Merkley, The Politics of Christian Zionism 1891-1948, 42; Tsimhoni, ‘The Anglican (Evangelical Episcopal) Community in Jerusalem and the West Bank,” 251-258.
[46]. Lord Shaftesbury
[47]. Tuchman, Bible and Sword, 115.
[48]. Ibid.
[49]. Sizer, “Christian Zionism and the Church of England: Historic Beginnings,” 12.
[50]. Hilton, The Age of Atonement.
[51]. Kamel, Imperial Perceptions of Palestine, 8-9.
[52]. Laurence Oliphant
[53]. Goldman, Zeal for Zion; Amit, “Laurence Oliphant: Financial Sources for his Activities in Palestine in the 1880s,” 205-212.
[54]. Shalom Goldman
[55]. triangular relationship
[56]. Lewis, Origins of Christian Zionism, 45-67; Goldman, Zeal for Zion, 123-145.
[57]. London Jews Society
[58]. evangelical international
[59]. Larsen, A People of One Book.
[60]. Yaron Perry
[61]. Perry, British Mission, 198-215.
[62]. William Blackstone
[63]. John D. Rockefeller
[64]. Cyrus McCormick
[65]. Goldman, God’s Sacred Tongue, 145-167; William E. Blackstone Papers, Moody Bible Institute Archives, Chicago.
[66]. Monroe, Britain’s Moment in the Middle East, 45-67; TNA: FO 371/2767, “Missionary Intelligence Reports, Palestine 1900-1914.”
[67]. Palestine Exploration Fund (PEF)
[68]. Westminster Abbey
[69]. Arthur Stanley
[70]. Moscrop, Measuring Jerusalem; Vereté, “Why Was a British Consulate Established in Jerusalem?”.
[71]. Mark Sykes
[72]. François Georges-Picot
[73]. Schneer, Balfour Declaration, 234-256; Adelson, London and the Invention of the Middle East, 156-189; Mazza and Ouahes, “For God and La Patrie: Antonin Jaussen, Dominican Priest and French Intelligence Agent in the Middle East, 1914-1920”.
[74]. Barkun, Religion and the Racist Right, 5.
[75]. Parfitt, The Lost Tribes of Israel, 52.
[76]. John Wilson
[77]. Lectures on Our Israelitish Origin
[78]. Barkun, Religion and the Racist Right, 7.
[79]. Ibid, 15.
[80]. Parfitt, The Lost Tribes of Israel, 52; Gonen, The Quest for the Ten Lost Tribes of Israel, 126.
[81]. Handbook on Zionism
[82]. TNA: FO 373/3/36, Zionism.
[83]. The Truth
[84]. Solomon Feingold
[85]. The Truth (Jerusalem), August 9, 1912, no. 127; The Truth (Jerusalem), September 23, 1913, no. 147.
[86]. spiritual homecoming
[87]. Idinopulos, Weathered by Miracles, 74.
[88]. Schneer, Balfour Declaration, 145-234; TNA: CAB 23/4, War Cabinet Minutes, 1917.
[89]. Wasserstein, The British in Palestine, 23-45.
[90]. TNA: CAB 23/4, War Cabinet 158, 3 June 1917.
[91]. Renton
[92]. Pappe, Lobbying for Zionism, 39.
[93]. Renton, The Zionist Masquerade.
[94]. Maurice Hankey
[95]. TNA: CAB 63/22, Maurice Hankey’s notes on War Cabinet meetings, 1917.
[96]. Edwin Montagu
[97]. Edwin Montagu Papers, Trinity College, Cambridge, MONT II/4/7.
[98]. Memorandum on Anti-Semitism
[99]. Edwin Montagu Papers, MONT II/4/7, “Memorandum on Anti-Semitism,” August 1917.
[100]. Friedman, British Pan-Arab Policy, 1915-1922.
[101]. Morgan, Lloyd George, 145-167.
[102]. David Lloyd George Papers, Parliamentary Archives, LG/F/23/4/15, correspondence with F.B. Meyer, 1917-1918; LG/F/89/2/12, correspondence with G. Campbell Morgan, 1917.
[103]. F.B. Meyer
[104]. G. Campbell Morgan
[105]. Westminster Chapel
[106]. Randall, What a Friend We Have in Jesus, 156-178.
[107]. Lloyd George Papers, LG/G/family correspondence, 1870s-1880s.
[108]. Morgan, Lloyd George, 89-123; Grigg, Lloyd George, 234-267.
[109]. Weizmann, Trial and Error, 234-267.
[110]. Alice James
[111]. Arthur James Balfour Papers, TNA: FO 800/193, correspondence with Alice James, 1916-1818.
[112]. The Foundations of Belief
[113]. Adams, Balfour: The Last Grandee, 234-267; Balfour, The Foundations of Belief.
[114]. Nahum Sokolow
[115]. Balfour Papers, FO 800/193, correspondence with Chaim Weizmann and Nahum Sokolow, 1916-1918.
[116]. Parliamentary Debates (Commons), 5th series, vol. 95, cols. 2021-2035, 19 June 1917.
[117]. Journal for the Study of Christian Zionism
[118]. https://studychristianzionism.org/ last accessed 30/07/2024.
[119]. Louis Brandeis
[120]. Urofsky, Louis D. Brandeis: A Life, 456-489.
[121]. William Blackstone
[122]. Yaakov, “A Neglected Chapter in the History of Christian Zionism in America: William E. Blackstone and the Petition of 1916,” 68-85.
[123]. Cooper Jr., Woodrow Wilson, 389-412.
[124]. religious international
[125]. Vital, Zionism, 234-267.
[126]. The Federal Council of Churches
[127]. Federal Council of Churches Archives, Presbyterian Historical Society, Philadelphia, “Statements on Palestine, 1917-1918.”
[128]. Arthur Winnington-Ingram
[129]. nonconformist
[130]. William Robertson Nicholl
[131]. Siberry, The New Crusaders, 87-88.
[132]. Bell, Randall Davidson, 734-756.
[133]. British Weekly
[134]. William Robertson Nicholl Papers, National Library of Scotland, MS 12345.
[135]. Bar-Yosef, “The Last Crusade? British Propaganda and the Palestine Campaign, 1917-1918,” 87-109.
[136]. Snape, God and the British Soldier, 145-178.
[137]. Francesco Cutulo
[138]. Cutolo, “L›Ultima Crociata? Il cattolicesimo Italiano davanti alla presa di Gerusalemme (1917),” 171-202.
[139]. Allenby
[140]. E.N. Mellish
[141]. London Jews Society
[142]. Imperial War Museum, Papers of Reverend E.N. Mellish, Chaplain to the Forces, Palestine 1917-1918, IWM 77/156/1.
[143]. H.C. Foster
[144]. Imperial War Museum, Papers of Reverend H.C. Foster, Senior Chaplain, XXI Corps, IWM 88/52/1.
[145]. IWM 77/156/1, Mellish Papers, “Sermons in Palestine, 1917-1918”; IWM 88/52/1, Foster Papers, “Religious Services and Biblical Sites.”
[146]. TNA: WO 95/4368, War Diary of Senior Chaplain, Egyptian Expeditionary Force, 1917-1918.
[147]. Gregory, The Last Great War, 234-267.
[148]. The Manchester Guardian
[149]. Gregory, The Last Great War, 234-267; Ayerst, Guardian: Biography of a Newspaper, 345-378.
[150]. C.P. Scott Papers, Manchester Guardian Archive, John Rylands Library, Manchester, correspondence with Lloyd George and Weizmann, 1917-1918.
[151]. The Times
[152]. Bar-Yosef, Holy Land in English Culture, 234-267; TNA: FO 395/123, “Press Coverage of Palestine Campaign, 1917-1918.”
[153]. Omissi, The Sepoy and the Raj, 178-201.
[154]. India Office Records, British Library, IOR/L/PS/10/387, “Muslim Opinion on Palestine Campaign, 1917-1918.”
[155]. TNA: WO 33/946, “Reports on Morale of Egyptian Forces, Palestine Campaign 1917-1918”; Kristian Coates Ulrichsen, The First World War in the Middle East (London: Hurst, 2014), 178-201.
[156]. Cook, At the Sharp End: Canadians Fighting the Great War 1914-1916, 234-267.
[157]. The Aussie Crusaders
[158]. Bowes, The Aussie Crusaders.
[159]. Hughes, Allenby and British Strategy in the Middle East, 1917-1919, 145-178; Mazza, Jerusalem From the Ottomans to the British, 129-143.
[160]. TNA: WO 106/718, “Plans for Entry into Jerusalem,” November-December 1917; Imperial War Museum, Allenby Papers, 69/21/4, “Instructions for Occupation of Jerusalem.”
[161]. Lemire, Jerusalem 1900, 234-267.
[162]. Pedersen, The Guardians, 123-156.
[163]. Segev, One Palestine, Complete, 118-145.
[164]. Herbert Samuel
[165]. Wasserstein, Herbert Samuel, 234-267.
[166]. Wyndham Deedes
[167]. Presland, Deedes Bey; Papers, Middle East Centre Archive, GB165-0083.
[168]. Ben-Arieh, Jerusalem in the 19th Century, 234-267.
[169]. Mrs. Everest
[170]. Makovsky, Churchill’s Promised Land: Zionism and Statecraft, 123-167.
[171]. TNA: CO 733/16, “Churchill White Paper, 1922”; Gilbert, Winston S. Churchill, Volume 4, 789-812.
[172]. Cohen, Britain’s Moment in Palestine, 234-289.
[173]. Siberry, The New Crusaders, 234-267; Bar-Yosef, “The Last Crusade,” 87-109.
[174]. Said, Orientalism, 234-267.
[175]. Observer (Manchester), December 16, 1917.
[176]. Schneer, Balfour Declaration, 345-378; Segev, One Palestine, Complete, 145-178.
[177]. Wasserstein, The British in Palestine, 267-345; Cohen, Britain’s Moment in Palestine, 156-189.
[178]. Khalidi, Palestinian Identity, 89-123.
[179]. Cohen, Britain’s Moment in Palestine, 234-289; Ovendale, Britain, the United States, and the End of the Palestine Mandate, 1942-1948, 167-201.
[180]. Merkley, American Presidents, Religion, and Israel; Spector, Evangelicals and Israel.
[181]. Pappe, Lobbying for Zionism, 189-234.
[182]. William Blackstone
[183]. Dallas Theological Seminary
[184]. Scofield Reference Bible
[185]. Weber, On the Road to Armageddon; Ariel, Evangelizing the Chosen People.
[186]. Christians United for Israel
[187]. John Hagee
[188]. Posner, God’s Profits; Goldberg, Kingdom Coming.
[189]. Gorenberg, The End of Days; Halsell, Prophecy and Politics.
[190]. Levine, The Misunderstood Jew; Frederick, Colored Television.
[191]. British Israelism