البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

قلب النسر لاحتضان نجمة داود: الجذور القوميّة للصهيونيّة المسيحيّة الألمانيّة

الباحث :  جورج فيثفول
اسم المجلة :  الاستغراب
العدد :  43
السنة :  صيف 2026م / 1448هـ
تاريخ إضافة البحث :  September / 22 / 2026
عدد زيارات البحث :  72
تحميل  ( 492.663 KB )

قلب النسر لاحتضان نجمة داود: الجذور القوميّة للصهيونيّة المسيحيّة الألمانيّة[1]


جورج فيثفول[2]

الخلاصة

تتناول المقالة الجذور القوميّة للصهيونيّة المسيحيّة في ألمانيا، مبيّنةً أنّها نشأت في سياق مختلف عن نظيرتها الأمريكية؛ إذ ارتبطت بالشعور الجماعي بالذنب تجاه اليهود بعد المحرقة أكثر من ارتباطها بالنزعة القومية التقليدية. وتركّز على فكر كلاارا شلينك وجماعة أخوية مريم الإنجيليّة، اللتين قدَّمَتا نموذجًا للصهيونية المسيحية يقوم على التوبة الوطنيّة الألمانيّة، والاعتراف بالمسؤوليّة الأخلاقيّة عن اضطهاد اليهود، ودعم دولة إسرائيل باعتبارها جزءًا من الخطة الإلهيّة. كما توضح المقالة كيف أعادت شلينك توظيف بعض مفاهيم القومية الألمانية في إطار لاهوتي جديد يجعل خدمة الشعب اليهودي واجبًا دينيًا، مع الإبقاء على الاعتقاد بخصوصيّة اليهود ودورهم في تاريخ الخلاص. وتناقش الدراسة كذلك تأثير اللاهوت الأخروي، ودور النساء في تشكيل هذا التيار، وأنشطة الأخوية في خدمة اليهود والترويج للصهيونية المسيحية داخل ألمانيا وخارجها. وتخلص إلى أن الصهيونية المسيحيّة الألمانيّة تمثّل إعادة صياغة للقوميّة الألمانية في ثوب دينيٍّ يقوم على التوبة والدعم غير المشروط لإسرائيل.

الكلمات المفتاحية: الصهيونيّة المسيحية الألمانية، كلاارا شلينك، القوميّة الألمانية، المحرقة، أخويّة مريم الإنجيلية.

المقدمة

ليس سرًّا أن الصهيونية المسيحية في الولايات المتحدة قد اقترنت منذ أمد بعيد بالوطنية الأمريكية[3]. فمنذ «مذكّرة»[4] ويليام بلاكستون[5] في عام 1891 على الأقلّ، أعلن الصهاينة المسيحيّون الأمريكيّون أن دعمهم لتأسيس وطن يهودي يعزّز من علاقة بلادهم المميزة مع الربّ[6]. غير أنّ الأقل وضوحًا هو ذلك الارتباط بين القومية الألمانية والصهيونية المسيحية في ذلك البلد خلال الفترة التي أعقبت الرايخ الثالث[7]. وفي حين اتّسمت الصهيونية المسيحية الأمريكية بالنزعة العسكرية والانتصارية، اتّخذت النسخة الألمانية، لأسباب مفهومة، طابعًا تكفيريًّا في أعقاب المحرقة. ومع ذلك، سيوضح هذا البحث أن القوميّة الألمانيّة قد وفّرت أساسًا للصهيونيّة المسيحيّة في ألمانيا في منتصف القرن العشرين. وفي هذا السياق، كانت الصهيونية المسيحيّة تمثّل التزامًا روحيًّا في طور التحوّل إلى أيديولوجيا، حيث عمل المسيحيّون على تعزيز رفاه الشعب اليهودي بوصفه وسيلة للمضيِّ قُدمًا في تحقيق مقاصد الرب على الأرض.

شكّلت أخوية مريم المسكونية[8] نموذجًا لهذه الأيديولوجيا الوليدة. وقد قادت كلارا شلينك[9]، المعروفة أيضًا باسم الأم باسيليا[10]، هذه الجماعة الدينية البروتستانتية في بداياتها. وصاغ إيمانُ شلينك بالذنب القومي الجماعي والمصير القومي الجماعي رؤيةَ الأخوية. وفي حين وُجد صهاينة مسيحيّون في ألمانيا قبل المحرقة، إلّا أنّهم كانوا أفرادًا منعزلين مالوا إلى تكريس الصور النمطيّة السلبيّة عن اليهود، وكانوا أكثر اهتمامًا بتحويلهم إلى المسيحية من اهتمامهم بتأسيس دولة يهودية. ومن ناحية أخرى، روّجت أخوات مريم المسكونيّات لتأسيس دولة إسرائيل بوصفه ضرورة، ورفضن كافّة الصور النمطية السلبيّة عن اليهود. وفي أواخر الستينات، عزلت الأخوات أنفسهنّ عن التيّار الرئيسي لحياة الكنيسة البروتستانتيّة الألمانية باحتجاجاتهنّ ضدّ الثورة الجنسية[11]. وتزامنت هذه الفترة مع تغيير اسم الجماعة إلى أخوية مريم الإنجيليّة[12]. وحتى تلك اللحظة، أسفرت دعوتهن للتوبة القومية عن عدد كبير من الأتباع والداعمين، وهو ما يمثّل ربما الحالة المبكرة الأولى لأيّ كيان يشكّل حركة صهيونية مسيحية في ألمانيا.

ابتكرت بازيليا شلينك شكلًا مميّزًا من الصهيونية المسيحية بناءً على حزنها على المحرقة وقراءتها للكتاب المقدّس العبريّ، وهما العاملان اللذان صاغا فهمها لمصطلح الفولك (الشعب) الألمانيّ. وسعت شلينك إلى التوبة عن الماضي القريب لأمّتها وإسقاط معاداة السامية؛ وفي قيامها بذلك، صاغت قومية مناهضة لألمانيا، وهي أيديولوجيا مضادّة للتيّارات الرئيسة للنازيّة. وبدلًا من تطوير رؤية للعالم خالية من الأمم والقوميّات، أذعنت للمصالح القومية لإسرائيل والشعب اليهودي. باختصار، كانت شلينك وأخوات مريم المسكونيات ألمانيات أمميات تائبات دَعَمَن الأمّة اليهودية، مدفوعاتٍ بفكرة أن الألمان مذنبون جماعيًا عن المحرقة.

الجيل السابق من الصهاينة المسيحيين في ألمانيا

وُجد صهاينة مسيحيّون في ألمانيا قبل المحرقة. وقد مال هؤلاء الأفراد إلى تكريس الصور النمطية المعادية للسامية، على الرغم من أنه ينبغي ملاحظة أن هذا كان متسقًا مع الصهيونية المسيحية في أماكن أخرى خلال تلك الحقبة. ومن بين هذه الأمثلة القليلة بعض معلِّمي شلينك ومرشديها.

كانت بيبيلهاوس مالش[13] كلّية كتابية صغيرة للنساء تُعِدُّ المبشّرات المرتَقَبات بالقرب من برلين، حيث كانت شلينك طالبة، ثم عملت بالتدريس فيها خلال عشرينات القرن العشرين. وقد تأثر بعض أعضاء هيئة التدريس بالتدبيريّة الأنجلو-أمريكية، مختلطةً بالمعتقدات الأَلْفية المحلّية التي كانت سائدة في أوروبا في أعقاب الحرب العالمية الأولى. ومن بينهم، كانت جان فاسرتسوغ[14] نفسها تنحدر من أصول يهودية ومن عائلة أبدَت تفانيًا بالغًا في التوسّع التبشيري للكنيسة، لا سيما في الشرق الأوسط. وقد علَّمت أن الشعب اليهودي سيلعب دورًا خاصًّا في تاريخ الخلاص[15].

ومن بين أعضاء هيئة التدريس في بيبيلهاوس مالش أيضًا، ترجمَتْ غيرترود ترادر[16] الكتابَ المقدس المرجعي لسكوفيلد[17] إلى اللغة الألمانية[18]. وفي العالم الناطق باللغة الإنجليزية، ساهم عمل سكوفيلد في نشر التدبيرية[19] من خلال تقديم مقاربة حرفية ورؤيويّة للكتاب المقدّس، مؤكّدًا على الوعود التي لم يَفِ بها الربّ بعدُ للشعب اليهودي، وداعيًا إلى القبأَلْفية[20]، التي تتطلّع إلى الحكم السلمي للمسيح على الأرض لمدّة ألف عام قبل الدينونة الأخيرة[21].

وكما أصرّت شلينك لاحقًا، فقد علَّمت غيرترود ترادر أن اليهود هم شعب الربّ المختار، وأنّ وعوده لهم في الكتاب المقدّس العبري لا تزال سارية. وقد تزوّجت من ساتورنين[22]، شقيق جان فاسرتسوغ، والذي عمل مبشّرًا في الشرق الأوسط، وأسّست معه لاحقًا مدرسة كتابيّة في سويسرا[23].

وفي عام 1934، نشرت فاسرتسوغ-ترادر[24] كتيِّبًا صغيرًا أعلنت فيه أن «شعب إسرائيل هو أعظم معجزة في تاريخ العالم»، وأن الكتاب المقدّس وحده هو القادر على تفسير سبب اختلافه الشديد عن كافة الشعوب الأخرى[25]. وبالنسبة لفاسرتسوغ-ترادر، كما هو الحال بالنسبة لشلينك، كان الشعب اليهودي متميّزًا وإعجازيًّا. وتحسّرت فاسرتسوغ-ترادر على رغبة اليهود في تسمية أنفسهم «إنجليزًا، وألمانًا، وأمريكيين أولًا، ثم يهودًا»[26]. وأكّدت أن وعد الرب بأرض إسرائيل-فلسطين كان وعدًا أبديًّا للشعب اليهودي، وأن اليهود سيعودون قريبًا إلى هناك حتى يتمكّن المسيح من العودة والحكم في القدس لحقبة ألْفية. وكان من أقوى المؤشّرات على التزام فاسرتسوغ-ترادر برؤيةٍ أمريكيةِ الطراز للتبشير الإنجيلي، استضافة مَدرَستها الكتابية السويسريّة في عام 1948 للمؤتمر الدولي لمنظّمة شباب من أجل المسيح[27]، وهي منظّمة إرساليّات أمريكيّة، وكان من بين المتحدّثين البارزين فيه بيلي جراهام[28] وبوب جونز الابن[29]. [30]

وبغض النظر عن أوجه الشبه بينهما، فقد كانت هناك اختلافات لا لبس فيها بين شلينك وفاسرتسوغ-ترادر. وعلى غرار شلينك، وصفت فاسرتسوغ-ترادر علاقة الرب بشعب إسرائيل بأنها علاقة حبّ دائم. ومع ذلك، وبخلاف شلينك، أكّدت فاسرتسوغ-ترادر على السبل التي سيجعل بها الرب اليهود يقاسون المعاناة بغية تقويمهم. وفي كتاباتها خلال فترة اتسمت بتنامي معاداة السامية، أصرت فاسرتسوغ-ترادر على أنه قبل أن يتوب اليهود ويعودوا إلى المسيح، فإنهم سيصطفّون إلى جانب المسيح الدجّال، وسيقوم الأخير بخيانتهم، ومن ثم سيكابدون معاناة شديدة[31]. ويُسهم السياق السابق للمحرقة، الذي كُتبت فيه هذه التصريحات، في تفسير الكيفية التي استطاعت بها فاسرتسوغ-ترادر أن تكنّ الحب للشعب اليهودي وتسيء إليه في آنٍ واحد. ويبقى هذا اختلافًا جليًّا عن شلينك، التي كان تقويمها لليهود إيجابيًا على الدوام، بالرغم من أن «اليهود» شكّلوا بناءً أيديولوجيًا بالنسبة لكل من فاسرتسوغ-ترادر وشلينك.

كما امتلك الأب الروحي لأخوية شلينك، القس الميثودي بول ريدينغر[32]، لاهوتًا متطوّرًا يقوم على القبألفية. ففي عام 1916، نشر كتابًا يرمي إلى كشف العلاقة الحقيقية بين الحرب العالمية الأولى والشعب اليهودي. لقد أعلن أن اليهود هم الأمة الأكثر حظوة بالبركة، والأمّة المختارة الوحيدة. وقد كشفت الحرب العالمية الأولى عن عوزهم الشديد؛ وحان الوقت الآن ليشرق شعب إسرائيل، الشعب الذي يتوقّف عليه تجلّي مجد الربّ على الأرض[33]. وعلى غرار شلينك، آثر ريدينغر الإشارة إلى اليهود بـ «شعب إسرائيل»[34]. وأسوة بغيره من الصهاينة المسيحيين، فقد نادى بالوعود التي مُنحت لإسرائيل، والمتمثّلة في: الأرض، والبركة، والخلاص لذاتها، وللأمم الأخرى من خلالها[35].

وقد أصرّ ريدينغر على ضرورة أن يعترف الشعب اليهودي بذنبه قبل أن يتمكّن من نيل فيض بركات الرب، بما في ذلك حيازة أرض الميعاد. وعلى وجه الخصوص، فقد اتَّهم اليهود بالجشع وممارسة نفوذ مفسِد على الصحافة، وهو ما يعكس استمراره في إعادة إنتاج الصور النمطية المعادية للساميّة [36]. لقد برهن تاريخ إسرائيل على أمانة الرب من جهة، وعلى أن أولئك الذين يحدون عن دربه سيكابدون المعاناة من جهة أخرى. فكل ما قد يحلّ باليهود من تدبير الرب هو ما قضى به استحقاقًا لهم بما يتكافأ مع خطاياهم. وفي رؤيته الأخروية للشعب اليهودي، توقّع ريدينغر أن تسبق الصحوةُ الروحيةُ الانبعاثَ السياسي لإسرائيل كأمّة[37].

الحرفيّة الكتابيّة عند شلينك

على الرغم من عزلتهم في صهيونيتهم المسيحية، كان كل من فاسرتسوغ، وفاسرتسوغ ترادر، وريدينغر مرشدين لكلارا شلينك. وُلدت شلينك عام 1904، وتتلمذت على يد فاسرتسوغ وفاسرتسوغ-ترادر في أواخر العشرينيات من القرن العشرين، ثم عملت إلى جانبهم عندما انضمّت إلى هيئة التدريس في بيبيلهاوس مالشي[38] بعد ذلك بوقت قصير[39]. شاركت شلينك في تأسيس أخوية مريم المسكونية لمريم عام 1947. وقد عمل ريدينغر كأب روحي لهذه الأخوية الناشئة منذ عام 1944 وحتى وفاته عام 1949[40]. وقد وسّعت شلينك من رؤية مرشديها وطهّرتها من أيّ آثار لمعاداة السامية، وعمدت في سياق ذلك إلى قلب مفاهيم القومية الألمانية بدلًا من رفضها رفضًا قاطعًا.

في أعقاب حقبة الرايخ الثالث، تبنّت شلينك فكرة الذنب الألماني الجماعي، مردّدةً بذلك صدى بعض معاصريها، مثل الموقّعين على إقرار شتوتغارت بالذنب[41] عام 1945 وبيان دارمشتات[42] عام 1947، على الرغم من أن كلتا الوثيقتين قد عُنيتا بذنب الألمان في الحرب العالمية الثانية ولم تشيرا البتة إلى اليهود أو الهولوكوست[43]. وكان السبب الصريح الذي دفع شلينك إلى اعتناق فكرة الذنب الجماعي هو قراءتها للكتاب المقدس العبري. إذ أكّد تفسيرها على الهوية الجماعية لكل شعب. وتطلّعت إلى الأنبياء الذين وعظوا بأن شعبًا بعينه قد أخطأ، وأن هذا الشعب برمّته بحاجة إلى التوبة الجماعية.

ووفقًا لشلينك، فإن كل أمّة مدعوّة لاتّباع الإله الواحد الحقّ. ويمكن لأيّ أمّة أن تكون بارةّ وأمينة لله. وفي المقابل، يمكنها أن تخطئ وتراكم على نفسها ذنبًا عميقًا، وفي هذه الحالة يتوجّب عليها التوبة؛ لئلّا تواجه دينونة الله، كما هي الحال مع شعب إسرائيل التوراتي. أمّا بالنسبة للأمميين، فقد قدّمت مدينة نينوى نموذجًا يُحتذى به. حيث دعا النبي يونس أهلها إلى التوبة أو تكبَّد غضب الله؛ فاستجابوا ونالوا بركته. وبالمثل، يمكن للأمم الأخرى أن تخاطر بالتعرّض لغضب الله إذا ما ضلّت عنه وتقاعست عن التوبة. ومنذ عام 1945 على الأقل، وفي المرحلة التمهيدية لتأسيس نظامهم الرهباني، صلّت العضوات المستقبليات في أخوية مريم المسكونية من أجل أن يتوب شعبهنّ كما فعل أهل نينوى. وفي عام 1949، شرَعت شلينك في الترويج لفكرة أن ألمانيا تواجه دينونة الله. لقد كان الله متدخّلًا في مجريات التاريخ البشري؛ وكانت تقع على عاتق كل أمّة مسؤوليّة روحية لاتباع الله، ويمكن أن تتحمّل المسؤولية الأخلاقية[44].

كانت الأمم تمثّل ذواتًا فاعلة أخلاقيًّا. وشكّلت الوصايا العشر، وهي عهد الله الأخلاقي مع بني إسرائيل في سيناء، معاييره الأخلاقية لجميع الشعوب[45]. وفي أوّل عمل أساسي منشور لها عن اليهود في عام 1956 أكّدت شلينك أنّه «وفقًا للكتاب المقدّس، فإنّ خطيئة شعب المرء هي أيضًا خطيئته الشخصيّة»، مستشهدة بالنبي دانيال كمثال، والذي رثى في بابل مصير شعبه[46]. وقد طَبَّقَتْ هذا المبدأ على الشعب الألماني في إصرارها على أنّهم انتهكوا الوصايا العشر بشكل جماعي.

قوميّة شلينك

لم تعارض شلينك القوميةَ، شريطة أن تكون مناصرة لليهود. وكما أعاد الصهاينة اليهود في ألمانيا في أوائل ومنتصف القرن العشرين توظيفَ عناصر من الأيديولوجيا القومية الألمانية في فهمهم لأنفسهم، كذلك أدمجت شلينك موادًا من القومية الألمانية في رؤيتها الصهيونية المسيحية[47].

ويمكن تمييز آثار محتملة لقومية زمن الحرب في كتابات شلينك حتى بعد فترة طويلة من انتهاء الحرب العالمية الثانية. ففي عام 1949، شَبَّهت النصر الروحي للأفراد بالانتصارات العسكرية للأمم[48]. وفي عام 1956، ومستحضِرةً مفردات عسكرية[49]، تحدّثتْ عن أهمية التضحية بالنفس للجنود الأفراد نيابة عن الشعب ومن أجل الوطن كتشبيه للتضحية الروحية الشخصية[50]. كان كل مؤمن بمثابة جندي من جنود الإيمان، يخوض معارك شخصيّة ضدّ الخطيئة ومن أجل الخلاص، تمامًا كما حارب كل شعب من أجل النصر، مطالبًا قوّاته بالتضحية بالنفس لتحقيق هذه الغاية. وقد قدّمت شلينك هذه المبادئ باعتبارها حقائق بديهية.

لم تكن بلاغتها العرضية فحسب، بل جوهر حجج شلينك هو ما يبرهن على تأثير القومية. فقد كانت مقتنعة بأن كل شعب قومي[51] كان موحَّدًا بمصير تاريخي وروحي مشترك. وقد أحجمت عن أن تنسب إليه روح الشعب[52]، ولكنّها بخلاف ذلك شدّدت على أن كل شعب يمتلك رابطة مشتركة وهوية جماعية متماسكة، وهو تقليد يعود تاريخه على الأقل إلى يوهان غوتفريد فون هيردر[53] في أواخر القرن الثامن عشر[54]. وقد استشفّ المؤرّخ الألمانيّ هارموت ليمان[55] موضوعات وإشارات واضحة من العهد القديم في الخطاب القومي الألماني في القرن التاسع عشر[56]. وهذا التلاقح يعزّز ببساطة الحجّة الحالية: فقد تداخلت موضوعات العهد القديم والقومية الألمانية وعزّزت الوعي القومي للعديد من الألمان المحدَثين، بما في ذلك شلينك، التي أدمجت الموضوعات القومية الألمانية في صهيونيّتها المسيحية.

ألمان شلينك

على الرغم من أن ألمانيا لم تصبح دولة قومية إلّا منذ عام 1871، إلّا أنّ مفاهيم الألمان كشعب كانت متداولة على الأقل منذ حركة الإصلاح الديني، وخاصّة منذ العصر الرومانسي[57]. ولأن الألمان افتقروا إلى دولة موحَّدة يعتبرونها وطنهم، فقد عرّف الشعراء والفلاسفة الشعبَ الألماني بأنه يمتلك لغة، وروحًا، ومصيرًا، ومسؤولية أخلاقية مشتركة[58]. وقد استغلّ النازيون هذه المفاهيم الراسخة وطوّعوها[59]. وقد تحدّثتْ شلينك نفسُها عن ذنب الفولك الألماني والطبيعة المختارة للشعب اليهودي، وهو ما قُوبل بالتباين مع الرسالة الزائفة التي اعتقدت أن هتلر قد بشّر بها حول كون الألمان هم الشعب المختار الحقيقي[60].

ووفقًا لشلينك، كانت ألمانيا أمّة على شفا الدمار روحيًا ووجوديًا، وليس مجرد دمار سياسي ومادي، كما اعتقد الكثيرون في سنوات ما بعد الحرب مباشرة. لقد ادّعى الألمانُ، بوصفهم شعبًا، أنّهم أمةٌ مسيحية، غير أنهم قتلوا شعب الله المختار؛ ونتيجة لذلك، فقد باتوا مهدَّدين بغضب الله. وقد وقع عليهم وعلى الأمم الأخرى التي تُدعى مسيحية لوم المحنة التي ألمّت باليهود، ولوم كل الصور النمطية التقليدية الموجّهة ضدهم. في عام 1958، كتبت شلينك: «لقد كنّا نحن من أجبر اليهود على أن يصبحوا مرابين وتجار خردة، وحبسناهم في غيتوهات[61] كأنّها قبور... نحن، «الشعوب المسيحية»، من جرّدنا اليهود من حقوقهم على هذا النحو»[62]. إن كون المرء ألمانيًا كان يعني الانتماء إلى شعب ذي هوية موحَّدة، مهما بلغ حجم الانقسام السياسي بين الشرق والغرب بعد عام 1949. وقد كانت شلينك واضحة في أن الهوية الألمانية اتّسمت بمكوِّن أخلاقي وروحي قوي، وأنها لم تكن سياسية في جوهرها. ومع ذلك، فقد التزمت الصمت إزاء ما إذا كانت هذه الهوية ثقافية، أو إثنية، أو لغوية، أو عرقية، وإلى أي مدى قد تكون كذلك. لقد قدّمت شلينك تعاليم ضمنية مفادها أن تكون ألمانيًا يعني أن تكون أمميًا (أي غير يهودي) ومسيحيًا، بالاسم على أقل تقدير؛ إذ كانت الشعوب المسيحية مرادفة للأمم الغربية[63].

علّمت شلينك أن الله أحب ألمانيا. وأن الله قد عمل دائمًا عبر التاريخ لتحقيق المنفعة الروحية للشعب الألماني، بغض النظر عن مدى إدراكهم لحجم معاناتهم في الوقت الحاضر. وفي عام 1949، أصرّت شلينك على أن الله يعلم تصميمه البديع، والذي بدا فوضويًا وغير مترابط لأولئك الذين كانوا في خضمّه[64]. وسيستمرّ الله في العمل لصالح الألمان، كما فعل دائمًا، بغض النظر عمّا إذا كانوا قد أدركوا ذلك أو قدّروه. ومع ذلك، فإن طبيعة عمل الله لصالحهم يمكن أن تتّخذ شكل الدينونة.

وأصرّت شلينك على أن الله قد خلق الألمان، تمامًا كما خلق جميع الشعوب، وأنه يتوق إلى عودتهم إليه. لم يخلق الله الألمان كأفراد فحسب، كما خلق جميع البشر، بل خلق الشعب الألماني كشعب[65]. وبناءً على ذلك، علّمت شلينك أن الله هو خالق كل شعب، وأنه قد أرسى الأساس لهويته. إن الفكرة القائلة بأن الله خلق جميع الشعوب كشعوب كانت مفهومًا شائعًا عبر طيف الفكر القومي في القرن الماضي، كما يتجلّى ذلك عند جوزيف دي ميستر[66]، وجوزيبي مازيني[67]، ودبليو. إي. بي. دو بويز[68]. [69]

وإذا كان الله قد خلق الشعب الألماني كشعب، فإن هويّته قد انتقلت منذ نشأتها عبر شكل من أشكال الوراثة. ورغم أن شلينك لم تلجأ في أي مرحلة إلى اللغة العلمية أو شبه العلمية لعلم الوراثة أو العرق، إلّا أنها نقلت مع ذلك فكرة أن لكل شعب هوية موروثة ذات أصل إلهي؛ فالشعب الألماني لم يكن مجرد بناء بشري، بل خلقه الله. كان وصف شلينك لمصطلح الشعب ذا طابع قومي ألماني في أسلوبه، على الرغم من كونه مؤيِّدًا بصلابة لليهود ومنتقصًا للذات في مضمونه النهائي. وعلى الرغم من تأثّرها بالقومية الألمانية، فقد جعلت شلينك خدمة الله والشعب اليهودي في صدارة أولويّاتها؛ إذ كانت مهمة الشعب الألماني هي دعم الله وعمله لصالح الشعب اليهودي. وكان الألمان حمقى إذا توقّعوا من الأمم الأخرى أن تساعدهم أو تعاملهم كشعب مميز[70].

كانت شلينك وجماعة أخوات مريم المسكونية تدركان تمامًا محنة إخوانهن الألمان. وقد صلّين من أجل توبة أمّتهنّ التي شبهتها شلينك بالأمم المعارضة لله ولشعب الله في العهد القديم. وبينما كانت البلاد لا تزال قابعة تحت الأنقاض، قارنت شلينك في عام 1949 الألمان بشعب نينوى، الذين واجهوا قرار التوبة أو الهلاك. لقد كان الشعب الألماني يعاني وسيستمر في المعاناة لأن الله عادل ولأن هذا الشعب يستحق مثل هذه المعاملة؛ والواقع أنه كان بحاجة إلى هذه المعاملة من أجل تصحيح مساره[71].

على الرغم من فقرهم المادي الأولي ومعاناتهم الشديدة، عاش الألمان بعد الحرب العالمية الثانية في زمن تجلّت فيه نعمة الله غير المستحقّة، كفترة راحة قبل نهاية العالم الوشيكة التي سيواجهون فيها هلاكًا محتومًا ما لم يتوبوا. كان هذا هو إعلان شلينك. وبفعل التوتّرات بين قوى الحرب الباردة، لم يخبو الحماس الأخروي لدى شلينك خلال حياتها، وكما يمكن القول إنه لم يخبُ في جماعة الأخوات منذ وفاتها في عام 2001 [72]. لقد أدركت شلينك أن الحالة الروحية للشعب الألماني بعد الرايخ الثالث كانت تتّسم بالحاجة الماسّة. فإذا تاب الشعب الألماني ككلّ، فإنّ الصحوة الروحية اللاحقة قد تصل إلى شعوب العالم الأخرى وتَجْلِبُ المجد لله. أما إذا استمرّ الألمان في عنادهم الروحي بالسعي وراء الأمور الدنيوية، وتجاهلوا الله وفداحة خطاياهم تجاه اليهود، فإنّهم سيخاطرون بالتعرّض للفناء[73]. وقد شجّعت شلينك أبناء جلدتها من الألمان على الصلاة لله وطلب الرحمة والمغفرة. وفي تلك المرحلة، كان الله الآب والابن والروح القدس يتحسّرون على ألمانيا، كما يتحسّرون على جميع الشعوب التي، في مجموعها، أعرضت عنهم؛ فقد رفض الألمان اليهود، شعب الله، ومن يرفض شعب الله فإنما يرفض الله نفسه[74].

يهود شلينك

وفقًا لشلينك، خلق الله الشعب اليهودي تمامًا كما خلق الشعب الألماني وجميع الشعوب الأخرى. ومع ذلك، وعلى عكس الألمان، تم اختيار الشعب اليهودي بشكل فريد ليكون محطّ محبة الله بدرجة أكبر من الشعوب الأخرى[75]. ومثل جميع الشعوب الأخرى، كان الشعب اليهودي مذنبًا وغير معصوم؛ ولكن الآن، وبعد قرون من المعاناة، تم التكفير عن ذنب اليهود. وبينما رفضت شلينك الصور النمطية التي تُنسب إليهم تقليديًا، فقد أشارت إلى خصائص عامة إيجابية أخرى يتمتّع بها اليهود: كالجدارة بالاحترام، ونبل الأخلاق، والكفاءة المهنية، والقداسة، والتفرّد، والمثابرة[76]. وبفضل سلوكهم هذا، كشف اليهود عن زيف الأكاذيب التي قيلت ضدهم. فلم يكن شعبهم شعبًا دونيًا. لقد أثبت الشعب اليهودي أنه لا يزال «شعب الله»[77] و«شعب العهد»[78]، وهو عهد أُبرم في البداية بين الله وإبراهيم، ثم استمر وتوسّع عبر إسحاق، ويعقوب، وموسى، وداود، ويسوع، والذين كانوا جميعًا يهودًا بامتياز[79].

دمجت شلينك بين بني إسرائيل في العهد القديم والشعب اليهودي في العصر الحديث وبين الإسرائيليين. وفي حين أن تبنّي الإسرائيليين باعتبارهم بني إسرائيل كان موضوعًا معياريًا للصهيونية المسيحية في الأوساط الإنجيليّة الأنجلو-أمريكية، إلّا أنّ موقف شلينك الجذري المؤيّد لإسرائيل كان يُعدّ استثنائيًا في ألمانيا. ويشير مارتن غريشات إلى أنه بحلول ستينات القرن العشرين، افترض العديد من الألمان أنه يمكنهم التمييز بين الصهيونية وسياسات إسرائيل، حيث دعموا الأولى من حيث المبدأ، بينما انتقدوا الأخيرة في كثير من الأحيان تعاطفًا مع محنة الفلسطينيين[80]. غير أن شلينك لم تضع مثل هذه الفروق؛ بل كانت ثابتة ولا تتزعزع في دعمها للصهيونية بشكل عام ولإسرائيل باعتبارها حقيقة يهودية أقرّتها الإرادة الإلهية[81].

صوّرت شلينك يسوع بوصفه المسيح اليهودي. وكان حريًّا باليهود أن يتوّجوه ملكًا عليهم، إذ كانوا شعبه، وكان مجيئه لخلاصهم على رأس أولويّاته؛ بيد أنه لم يكن نمط الملوك الذي توقّعه شعبه، فقد أتى بملكوت المحبة عوضًا عن ملكوت القوة. وعوضًا عن الإيمان به، نبذوه وحكموا عليه بالموت[82]. وفي هذا الصدد، دحضت شلينك التفسير التقليدي الذي ينسب إلى اليهود ذنبًا موروثًا بوصفهم «قتلة المسيح»، معلنةً أن دم المسيح قد حلّ عليهم بالفعل، ولكن بوصفه دم الفداء، لا دم الإدانة[83].

وجهرت شلينك بأن يسوع كان يتلوّع أسًى لرؤية اليهود يؤوبون إليه. وكان ألمه في الوقت الحاضر لا يقلّ عن ألمه إبان مجيئه الأول عندما نبذه اليهود بادئ ذي بدء. ولما كان الشعب اليهودي لم يعتنق الإيمان كشعب بأسره، فقد ظلّ مصدر شجن لأقانيم الثالوث الثلاثة كافة؛ ولهذا السبب، ابتهلت شلينك إلى الله الابن كي يقيم أنبياء في إسرائيل يتولّون تهيئة شعبه لاستقباله[84].

وقد نظرت شلينك إلى تأسيس إسرائيل بوصفه إحدى أعظم المعجزات في التاريخ، وآية ملموسة تبرهن على وجود الله. ولم تعتبر الوجود السياسي المستحدَث للدولة اليهودية قطيعة حادّة مع الماضي، بل رأته بالأحرى جزءًا من علاقة المحبّة الإلهية الطويلة والممتدّة مع شعب إسرائيل[85]. بيد أن جلّ اهتمام شلينك، والأكثر إلحاحًا حيال اليهود، كان يتعلّق بسلامتهم الروحية. إذ فسّرت الإصحاح السابع والثلاثين من سفر حزقيال، وهو النص الذي يتناول وادي العظام الجافة، بوصفه نبوءة تبشّر باعتناق اليهود للمسيحية عبر مرحلتين. تتجلّى أولاهما في التئام العظام المشتّتة وتلاحمها لتشكيل أجساد متماسكة؛ وهو ما تحقّق بالفعل بعودة الشعب اليهودي إلى أرض إسرائيل-فلسطين. وتتمثّل ثانيتهما في دبيب الحياة في تلك العظام من جديد؛ وهو ما يشير إلى الأوبة الوشيكة لليهود إلى رحاب الله. وقد استندت شلينك إلى نصوص كتابية أخرى لتعضيد يقينها القاطع بأن الشعب اليهودي سيؤوب عما قريب إلى الله في ملئه، وهو المتجلّي للأمم قاطبة في شخص المسيح[86]. فاستمرارية وجود الشعب اليهودي، رغم كل الصعاب، تمثّل برهانًا ساطعًا على وجود الله ووفائه بوعوده، وأن وعود الله لليهود ستكتمل وتبلغ تمامها حين يعتنقون يسوع مسيحًا لهم[87].

ظلّت شلينك غامضة في كتاباتها حول تفاصيل اعتناق اليهود للمسيحية. فلم تحدّد ما إذا كان يتوجّب عليهم أن يصبحوا مسيحيين بالاسم، لكنها كانت واضحة في أنهم بحاجة إلى يسوع. ولم تمارس التبشير بين اليهود، ولكن ليس لغياب الرغبة لديها؛ بل كان سبب امتناعها هو أن شعور المسيحيين بالذنب، ولا سيما الألمان، قد جرّد التبشير الموجّه لليهود من مصداقيّته. ومع ذلك، ظلّت تعتقد أن اليهود بحاجة إلى التحوّل والإيمان بشخص المسيح بوصفه مسيحهم المخلّص. وعوضًا عن مقاربة التبشير بشكل مباشر، شجّعت شلينك إخوانها المسيحيين على الصلاة من أجل الشعب اليهودي، وتذكير اليهود بوعود الله لهم في الكتاب المقدس[88]. ورغم أن موقف شلينك كان تصالحيًا واعتذاريًا في نبرته، إلّا أنه لم يحِدْ عن الحصرية المسيحية التقليدية فيما يتعلّق بالخلاص.

ووفقًا لشلينك، وسواء أكانوا مسيحيين أم لا، فقد أشار اليهود إلى المسيح بحكم نسبه البشري. وعلى الرغم من أن الله قد يبدو بعيدًا من المنظور البشري، وقد يشعر الأفراد اليهود بالبعد عنه، إلّا أنّهم حظوا بعلاقة وثيقة معه بفضل محبته الفريدة لهم. ونتيجة لذلك، كان لزامًا على جميع المسيحيين محبّة اليهود؛ ولأن اليهود قد جسّدوا بشكل جماعي آلام المسيح، فقد وفّروا وسيلة ملموسة للمسيحيين الذين يطمحون إلى التقرّب من الله في شخص المسيح. ولخدمته، لم يكن على جميع المسيحيين سوى خدمة اليهود[89]. ومن الملائم الإشارة إلى أن تفسير شلينك للإصحاح الثالث والخمسين من سفر إشعياء، والذي رأى في الشعب اليهودي تذكيرًا بالمسيح بوصفه العبد المتألم، لا يبتعد كثيرًا عن أحد التفسيرات اليهودية القياسية لهذا النص[90]. فبالنسبة لشلينك، مثّل الشعب اليهودي في معاناته المسيح.

وبوصفهم شعب الله المختار بشكل فريد، كان اليهود ممثلي الله. وفيما يخص شلينك، فإن أولئك الذين يحبون الله حقًا سيحبون اليهود، لأنهم شعبه. أما أولئك الذين كرهوا اليهود فكانوا أعداء الله، بغض النظر عن أي ولاء لفظي أظهروه لله. وإن إلحاق الأذى بالشعب اليهودي يعني إلحاق الألم بالله؛ هكذا كانت الشفقة العميقة التي يكنّها الله لهم[91]. وكان المسيحيون أيضًا أصدقاء لله، والمسيحيون الحقيقيّون هم من يجلّون علاقة الله الخاصة والراسخة مع الشعب اليهودي. ولهذا السبب، أطلقت شلينك على الشعب اليهودي لقب «أخينا الأكبر»، مؤكِّدة على هوية الآب السماوي المشترك لليهود والمسيحيين، إله يسوع[92].

دور الجندر في الصهيونية المسيحية عند شلينك

دون أن تصرّح بذلك علنًا، لعب الجندر دورًا مهمًا في فكر بازيليا شلينك وممارستها الدينية، مما ترك تداعيات على صهيونيتها المسيحية. وقد وفّر تاريخ شلينك وأخوية مريم المسكونية بوصفهنّ نساءً مستقلّاتٍ الأساس الملموس الأبرز لهذا الادعاء. فقد كنّ يتمتّعن بالحرية في السعي وراء أيديولوجيا غير تقليدية بقدر حرّيتهن في اتباع ممارسات غير تقليدية؛ ولذلك، وبمجرد التزامهنّ بحياة دينية قائمة على النذور (وهي حالة استثنائية في البروتستانتية)، وبمجرد رفضهنّ للسلطة الذكوريّة (وهي حالة استثنائية في المسيحية)، غدا تبنّي أيديولوجيا غير مألوفة كالصهيونية المسيحية في ألمانيا أمرًا ممكنًا باطّراد داخل مجتمعهنّ؛ إذ قد يكتسب المرء حرّية معيّنة في تجاوز المعايير؛ فبمجرد أن يرفض تقليدًا ما، فمن المرجّح أن تتبعه تقاليد أخرى بالرفض. ولأنهنّ عشنَ على هوامش المجتمع، سواء بحكم جندرهن أو ممارساتهنّ الدينية، فربما كانت الأخوات أكثر استعدادًا للتماهي والتعاطف مع أولئك الذين يعيشون أيضًا على الهوامش، كما كانت الحال بالنسبة لليهود الذين يعيشون في العصر الحديث.

كان موقع الجندر في لاهوت شلينك متّسقًا مع موقعه لدى مرشدتيها، جين فاسرتسوغ[93] وغيرترود فاسرتسوغ ترادر. ومثل شلينك، كنّ نتاجًا للحركة النسائية الخاصّة بالطبقة الوسطى التي بدأت في القرن السابق، فقد أكّدن على القيم الاجتماعية التقليدية للطبقة الوسطى، بينما احتفين بالفرص المتزايدة للخدمة الرعوية المتاحة للنساء. وعلى غرار تيريزا الأفيليّة[94]، وماري دي لانكارناسيون[95]، وغيرهنّ من القيادات النسائية في الكنيسة من قبلهنّ، تبنّين «استراتيجيات تمكين خفيّة»، حيث صغن رؤية لتحدّي الوضع الراهن المتمركز حول الذكور، لا سيما في مجال الروحانية الشخصية، مبطنةً بالتواضع والهشاشة الأنثوية المعلنة[96]. وقد اهتمّت جميع الطالبات والعاملات في دار بيبلهاوس مالخه[97] بجهود التبشير النسائية الموجّهة إلى جميع شعوب العالم التي لم تبلغها الدعوة، بما في ذلك اليهود. وكنّ أقلّ اهتمامًا باللاهوت النظري مقارنة بالحاجة العملية الملحّة التي أدركنها، والتي لم تكن الصهيونية المسيحية سوى امتداد لها. وبسبب السوابق الجندرية التي وفرها لهن تقليدهن الخاص، ربما كانت شلينك ومرشدتاها، فاسرتسوغ-ترادر وفاسرتسوغ، مهيآت مسبقًا للتماهي مع الضحايا في وسطهن، أي اليهود. وقد أضحت المظلومية اليهودية أكثر جلاءً في أعقاب الهولوكوست.

إن رؤية شلينك لماهية الشعب اليهودي كاشفة فيما أغفلته بقدر ما هي كاشفة فيما أكّدته. فقد أحالت شلينك الذنب اليهودي إلى الماضي، على المستويين الفردي والجماعي؛ أما الآن، فقد أصبح كل يهودي ضحيّة. وقد وصفتْ باليهودية حتى أولئك الذين اندمجوا في المجتمع أو أنكروا تراثهم، فضلًا عن ذوي الأصول اليهودية الجزئية، ففي عقل شلينك، كان كل يهودي محتمل عضوًا في الشعب اليهودي، حتى أولئك الذين تعارضت تصوّراتهم الذاتية مع هذه الادعاءات.

ومما غاب أيضًا عن أعمال شلينك المكتوبة الاعترافُ بأهمية المسيحيين اليهود، على الرغم من أن بعضهم كانوا أعضاء في مجتمعها. فلم تأتِ في كتاباتها على ذكر المسيحيين اليهود، سواء في زمانها أو في تاريخ الكنيسة، رغم أن مصطلح المسيحية اليهودية[98] كان عنصرًا أساسيًا في التيار السائد للدراسات اللاهوتية والكتابية الألمانية منذ منتصف القرن التاسع عشر[99]. وقد شكّل تفسيرُ شخصياتِ يسوع ومريم والمسيحيين الأوائل على أنهم يهود اتجاهًا بارزًا في الأوساط الأكاديمية خلال فترة حياة شلينك[100]. إن إخفاقها في تناول الهوية اليهودية للشخصيات المركزية في روحانيتها يدلّ على عزلتها الفكرية بقدر ما يدلّ على عجزها عن دمج الخيوط المتنوّعة لفكرها.

التوبة والخدمة: العيش في ضوء رؤية شلينك

لقد أخطأ الشعب الألماني بحق الشعب اليهودي وكان بحاجة إلى التوبة؛ وبخلاف ذلك، كان ينبغي للألمان أن يوقنوا بأن الله سيهلكهم في يوم الدينونة. ففي عام 1949، نشرت شلينك عملًا توضح فيه أن معاناة ألمانيا في الحرب كانت نتيجة لدينونة الله. وما كانت صراعات ألمانيا في فترة ما بعد الحرب سوى مقدمة لغضب الله. وكان بإمكان المسيحيين الذين أخلصوا لله بشكل خاص أن يَمْثُلوا أمامه في الصلاة، ليتشفعوا نيابة عن أمّتهم في توبة على أمل درء دينونة الله[101].

وفي عام 1955، بدأت شلينك في استخدام عبارة «ذنبنا الألماني» فيما يتعلّق بالهولوكوست[102]. ويسبق هذا بكثير التقويمات السائدة للهولوكوست في الحياة العامة الألمانية، والتي لم تبدأ إلّا في الستينات، ولم تصل إلى مرحلة النضج إلّا في الثمانينات[103]. وفي عام 1955، سافرت شلينك إلى إسرائيل سعيًا لطلب المغفرة والمصالحة مع اليهود بصفتها ألمانية ومسيحية. وفي العام التالي، نشرت أوّل كتاب من بين عدة كتب تتناول إخفاقات المسيحيين في محبّة اليهود وتكريمهم، مشيرة بشكل خاص إلى ذنب الشعب الألماني تجاه اليهود وتجاه الله في الهولوكوست[104]. وفي عام 1959، أسست دارًا للرعاية في القدس للعناية بالناجين من الهولوكوست[105]. وفي السنوات اللاحقة، أسّست فرقة أخرى من الراهبات في القدس لخدمة السائحين في جميع أنحاء الأراضي المقدسة من خلال توزيع المنشورات الدينية وتمييز المواقع المهمّة بلوحات تذكارية. وقد نُقشت عليها آيات من الكتاب المقدّس، وكلمات للأم باسيليا تشرح أهمية المواقع التي تميزها، سواء في قصة شعب إسرائيل أو في حياة المسيح[106].

جادلت شلينك بأن التوبة كانت الاستجابة الإيمانية المشروعة الوحيدة لإدراك المرء لذنبه[107]. وكان هذا صحيحًا بالنسبة للأفراد والشعوب بأسرها، ولكن لكي تتوب أمة بأكملها، كان لزامًا على نخبة مختارة أن تأخذ زمام المبادرة[108]. وقد اعتبرت شلينك وعضوات أخويتها أنفسهن جزءًا من هذه النخبة. فكنّ يتُبن عن خطاياهنّ الشخصية، ويوبّخن بعضهن بعضًا باستمرار على ما يلاحظنَه من خطايا. وكلّما ساءت الأمور في حياة الأخوية، كما حدث خلال مشاريع البناء العديدة التي قمن بها في الخمسينات والستينات من القرن العشرين، كنّ يفترضن أن إحداهن مذنبة بخطيئة لم تعترف بها، فكنّ يبادرن إلى التوبة[109]. ولأنهنّ طهرن أنفسهنّ روحيًا أمام الله، كان بوسعهنّ تقديم صلوات وتوبة مقبولة كألمانيات نيابة عن الشعب الألماني[110].

وفي كل يوم، تقضي الأخوات استراحة القهوة الصباحية واقفات في صمت، إحياءً لذكرى نداء الاصطفاف الصباحي الذي قاصاه الضحايا اليهود في معسكرات الاعتقال[111]. وكشأن المسيحيين في جميع أنحاء العالم، تحتفل الأخوات بقيامة المسيح في صباح يوم الأحد. وعلاوة على ذلك، في الساعة الثالثة من كل يوم جمعة، وهي الساعة التقليدية لوفاة المسيح، فإنهنّ يندبن ويتبن عن ذنبهنّ تجاهه. وعند غروب شمس كل يوم جمعة، وهو بداية يوم السبت اليهودي، تصلي الأخوات من أجل الشعب اليهودي ويتبن عن خطايا المسيحيين بحقّهم[112].

وقد واصلت أخوية مريم تطوّرها ونموها. ومن خلال فروعها المنتشرة في القارات الست المأهولة بالسكان، تنشر الأخوات رسالتهنّ المتمثّلة في الصهيونية المسيحية القائمة على التوبة. ويبلغ عدد الأخوات حوالي مئتين، وتتمركز معظمهنّ الآن في الدير الأم، حيث تنشغل الكثيرات منهنّ برعاية العضوات الأكبر سنًّا. وتميل الأخوات الأصغر سنًا إلى أن يكنّ من المنضمّات من الفروع الخارجية. ومنذ الصراعات العربية الإسرائيلية في أواخر الستينات وأوائل السبعينات، أصبحت رسالة الأخوات أقل تركيزًا على الهوية الألمانية على وجه التحديد، وأكثر شمولية من الناحية المسيحية، وأكثر اتّسامًا بالإلحاح الأخروي. وقد أظهرت الأخوية استعدادًا للتحالف مع الحركة الإنجيلية الأنجلو-أمريكية، حيث قامت بنشر أعمالها المترجمة من خلال دور النشر الإنجيلية في الولايات المتحدة والمملكة المتّحدة. ومن العلامات الأخرى على هذا التحالف، أنه عندما غيّرت الأخوات اسمهنّ من أخويّة مريم المسكونية إلى الأخوات المريميات الإنجيليات[113] في عام 1964، اخترن ترجمة اسمهن بشكل خاطئ قليلًا إلى اللغة الإنجليزية ليصبح أخوية مريم الإنجيلية[114]. [115] وتولي الأخوات الآن اهتمامًا أكبر بخطايا المسيحيين ضد اليهود في الحاضر مقارنة بالماضي، سواء أكانت خطايا الآخرين أم خطاياهنّ، فضلًا عن اهتمامهنّ بتحقيق وعود الله لليهود في المستقبل.

وتقدّم أخوية مريم المسكونية مثالًا مقنعًا على الكيفية التي تشكّلت بها مواقف المسيحيين الألمان في فترة ما بعد الحرب تجاه اليهود، متأثّرة بتجاربهم الحديثة مع القومية الألمانية. لقد اختلفت الصهيونية المسيحية الألمانية في الجيل الذي أعقب الهولوكوست اختلافًا جذريًا عن القومية الألمانية التي سبقتها، غير أن كلتا الأيديولوجيّتين تشاركتا في هياكل ومضامين متشابهة، مع التحفّظ بأن الأولى قد قلبت الثانية رأسًا على عقب، وعكست أولويّاتها. فالقومية الموالية لليهود والمناهضة للألمان تظلّ، في نهاية المطاف، قوميّة. وكلما زاد فهمنا لمثل هذه النماذج من الصهيونية المسيحية وأسباب تطورها، زادت قدرتنا على تحليل الظاهرة الأوسع للصهيونية المسيحية خارج النطاق الأنجلو-أمريكي.



المصادر والمراجع:

Ariel, Yaakov, On Behalf of Israel: American Fundamentalist Attitudes toward Jews, Judaism, and Zionism, 1865–1945 (Brooklyn: Carlson, 1991).

Barth, Markus, Jesus the Jew, Israel and the Palestinians (Atlanta: John Knox, 1978).

Biographisch-Bibliographisches Kirchenlexikon, s.v. “Wasserzug, Gertrud Margarete Elisabeth, geb. Traeder,” http://www.bautz.de/bbkl/w/wasserzug_g_m_e.shtml (accessed 3May 2011).

Brunner, Otto, et al., eds., Geschichtliche Grundbegriffe (Stuttgart: Klett-Cotta, 1979, 1992).

Davis, Natalie Zemon, Women on the Margins: Three Seventeenth Century Lives (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1995).

Evangelical Sisters of Mary, This Is Our God: As We Have Experienced Him for 25 Years (Darmstadt-Eberstadt, West Germany: Evangelische Marienschwesternschaft, 1973).

Evangelische Marienschwesternschaft, Gottes Treue durch 50 Jahre Evangelische Marienschwesternschaft, 1947–1997 (Darmstadt-Eberstadt, Germany: Evangelische Marienschwesternschaft, 1997).

Faithful, George, Mothering the Fatherland: A Protestant Sisterhood Repents for the Holocaust (New York: Oxford University Press, 2014).

Gerlach, Wolfgang, Als die Zeugen schwiegen: Bekennende Kirche und die Juden (Berlin: Institut Kirche und Judentum, 1987).

Gillerman, Sharon, Germans into Jews: Remaking the Jewish Social Body in the Weimar Republic (Stanford, CA: Stanford University Press, 2009).

Greschat, Martin, Der Protestantismus in der Bundesrepublik Deutschland(1945-2005) (Leipzig: Evangelische Verlagsanstalt, 2010).

ـــــــــــــــ, Die evangelische Christenheit und die Deutsche Geschichte nach 1945: Weichenstellungen in der Nachkriegszeit (Stuttgart: W. Kohlhammer, 2002).

ـــــــــــــــ, ed., Im Zeichen der Schuld: 40 Jahre Stuttgarter Schuldbekenntnis, eine Dokumentation (Neukirchen-Vluyn: Neukirchener Verlag, 1985).

Herzog, Dagmar, “‘Sexy Sixties?’ Die sexuelle Liberalisierung der Bundesrepublik zwischen Säkularisierung und Vergangenheitsbewältigung,” in Christina von Hodenberg and Detlef Siegfried, eds., Wo “1968” liegt: Reform und Revolte in der Geschichte der Bundesrepublik (Göttingen: Vandenhoeck & Ruprecht, 2006).

ـــــــــــــــ, “Between Coitus and Commodification: Young West German Women and the Impact of the Pill,” in Axel Schildt and Detlef Siegfried, eds., Between Marx and Coca-Cola: Youth Cultures in Changing European Societies, 1960–1980 (New York: Berghahn, 2006).

ـــــــــــــــ, Sex after Fascism: Memory and Morality in Twentieth-Century Germany (Princeton, NJ: Princeton University Press, 2005).

Jackson-McCabe, Matt, “What’s in a Name? The Problem of ‘Jewish Christianity,’” in Matt Jackson-McCabe, ed., Jewish Christianity Reconsidered (Minneapolis: Fortress Press, 2007).

Janowski, Bernd, and Peter Stuhlmacher, The Suffering Servant: Isaiah 53 in Jewish and Christian Sources (Grand Rapids: Eerdmans, 2004).

Klemperer, Victor, LTI: Lingua Tertii Imperii, Sprache Des Dritten Reichs: Notizbuch Eines Philologen (Leipzig: Reclam, 1990).

Lehmann, Hartmut, “The Germans as a Chosen People: Old Testament Themes in German Nationalism,” German Studies Review 14, no. 2 (1991).

Lemke, Hella, Judenchristentum: Zwischen Ausgrenzung und Integration (Münster: LIT, 2001).

Malone, Mary T., Women and Christianity (Maryknoll, NY: Orbis, 2003).

Marienschwesternschaft, Das tat Gottunter Deutschen Jugend.

Marienschwesternschaft, Oekumenische, Das tat Gott unter Deutscher Jugend 1944–1951: Werden und Wachsen der Oekumenischen Marienschwesternschaft (Darmstadt-Eberstadt, Germany: Oekumenischen Marienschwesternschaft, 1953).

Pecora, Vincent P., ed., Nations and Identities: Classic Readings (Malden, MA: Blackwell, 2001).

Poppel, Stephen M., Zionism in Germany,1897- 1933: The Shaping of a Jewish Identity (Philadelphia: The Jewish Publication Society 1976).

Prolingheuer, Hans, Wir sind in die Irre gegangen: Die Schuld der Kirche unterm Hakenkreuz, nach dem Bekenntnis des “Darmstädter Wortes” von 1947 (Cologne: Pahl-Rugenstein, 1987).

Rapaport, Lynn, Jews in Germany after the Holocaust (Cambridge: Cambridge University Press, 1997).

Riedinger, Paul, Der Weltkrieg und die Judenfrage in Lichte der Bibel (Vienna: S. Strauss, 1916).

ـــــــــــــــ, Von der Hütte Gottes—Dem irdischen und himmlischen Tempel: Wesen und Dienst des neutestamentlichen Priestertums (Lüdenscheid: Edel, 1991).

Ringeling, Hermann, Gedanken über das Priestertum des Christus Jesus (Stuttgart: Bauer, 1946).

ـــــــــــــــ, Theologie und Sexualität: Das private Verhalten als Thema der Sozialethik (Gütersloh: Gütersloher Verlagshaus, 1969).

Schille, Gottfried, Das vorsynoptische Judenchristentum (Stuttgart: Calwer, 1970).

Schlink, M. Basilea, “Kommunität aus der Busse,” Quatember 20 (1956).

ـــــــــــــــ, Busse–Glückseliges Leben (Darmstadt-Eberstadt, Germany: Evangelische Marienschwesternschaft, 1998).

ـــــــــــــــ, Das königliche Priestertum: Berufung zum Dienst Gottes nach neutestamentlichem Verständnis (Darmstadt-Eberstadt, Germany: Evangelische Marienschwesternschaft, 1973).

ـــــــــــــــ, Dem Überwinder die Krone (Darmstadt-Eberstadt, Germany: Evangelische Marienschwesternschaft, 1996).

Schlink, M. Basilea, For Jerusalems Sake I Will Not Rest (Basingstoke, England: Marshall Pickering, 1986).

ـــــــــــــــ, Gebetsleben: Anleitung und Gebete (Darmstadt-Eberstadt, Germany: Evangelische Marienschwesternschaft, 1995),

ـــــــــــــــ, Heiliges Land—Heute: Stätten des Lebens und Leidens Jesu (Darmstadt-Eberstadt, Germany: Evangelische Marienschwesternschaft, 1992).

ـــــــــــــــ, Israel mein Volk (Darmstadt-Eberstadt, Germany: Evangelische Marienschwesternschaft, 2001).

ـــــــــــــــ, Israel: Gottes Frage an uns (Darmstadt-Eberstadt, Germany: Oekumenische Marienschwesternschaft, 1956).

ـــــــــــــــ, Lass mein Lieben dich begleiten: Die Passion Jesu–Kurze Betrachtungen (Darmstadt-Eberstadt, Germany: Evangelische Marienschwesternschaft, 2007).

ـــــــــــــــ, Mirror of Conscience (Minneapolis: Bethany Fellowship, 1972).

ـــــــــــــــ, Oekumenische Marienschwesternschaft: Weg und Auftrag (Darmstadt-Eberstadt, Germany: Oekumenische Marienschwesternschaft, 1955).

ـــــــــــــــ, Realitäten: Gottes Wirken heute erlebt (Darmstadt-Eberstadt, Germany: Evangelische Marienschwesternschaft, 2007).

ـــــــــــــــ, Und keiner wollte es glauben: Positionslicht im Nebel der Zeit (Darmstadt Eberstadt, Germany: Evangelische Marienschwesternschaft, 1964).

ـــــــــــــــ, Wie ich Gott erlebte: Sein Weg mit mir durch sieben Jahrzehnte (Darmstadt Eberstadt, Germany: Evangelische Marienschwesternschaft, 1993).

Schoeps, Hans Joachim, Jewish Christianity: Factional Disputes in the Early Church (Philadelphia: Fortress Press, 1969).

Schönemann, Bernd, “Volk, Nation, Nationalismus, Masse,” in Otto Brunner, Werner Conze, and Reinhart Koselleck, eds., Geschichtliche Grundbegriffe (Stuttgart: Klett-Cotta, 1979, 1992).

Steinbacher, Sybille, Wie der Sex nach Deutschland kam: Der Kampf um Sittlichkeit und Anstand in der frühen Bundesrepublik (Munich: Siedler, 2011).

Wamhof, Georg, ed. Das Gericht als Tribunal, oder: Wie der NS Vergangenheit der Prozess gemacht wurde (Göttingen: Wallstein, 2009).

Wasserzug-Traeder, Gertrud, Deutsche Evangelische Frauenmissionsarbeit: Ein Blick in ihr Werden und Wirken (Munich: Chr. Kaiser, 1927).

ـــــــــــــــ, Gottes Wort ist Gottes Wort: Ein Zeugnis zur Inspiration der Bibel (Beatenberg, Switzerland: Bibelschule Beatenberg, [c. 1934]).

ـــــــــــــــ, Warum? Eine Antwort an das jüdische Volk (Beatenberg, Switzerland: Bibelschule Beatenberg, c. 1934).

Weber, Alison, Teresa of Avila and the Rhetoric of Femininity (Princeton, NJ: Princeton University Press, 1990).

Zillessen, Horst, ed., Volk—Nation—Vaterland: Der deutsche Protestantismus und der Nationalismus (Gütersloh: Gütersloher Verlagshaus Gerd Mohn, 1970).


[1]. المصدر:

“Inverting the Eagle to Embrace the Star of David: The Nationalist Roots of German Christian Zionism,” in Comprehending Christian Zionism: Perspectives in Comparison, edited by Göran Gunner and Robert O. Smith, Minneapolis: Fortress Press, 2014.


[2]. George Faithful


[3]. يمثل معظم هذا الفصل إعادةَ صياغةٍ وتأطيرٍ للمواد التي سبق للمؤلف أن نشرها في:

Mothering the Fatherland: A Protestant Sisterhood Repents for the Holocaust (New York: Oxford University Press, 2014).


[4]. Memorial


[5]. William Blackstone


[6]. Ariel, On Behalf of Israel, 51, 72, 89, 91, 92, 94, 100.


[7]. Third Reich


[8]. Ecumenical Sisterhood of Mary


[9]. Klara Schlink


[10]. Mother Basilea


[11]. Herzog, “Between Coitus and Commodification: Young West German Women and the Impact of the Pill,” 272; Herzog, “‘Sexy Sixties?’ Die sexuelle Liberalisierung der Bundesrepublik zwischen Säkularisierung und Vergangenheitsbewältigung,” 97; Herzog, Sex after Fascism, 148, 150; Steinbacher, Wie der Sex nach Deutschland kam, 290; Ringeling, Theologie und Sexualität, 189; Greschat, Der Protestantismus in der Bundesrepublik Deutschland(1945-2005), 113–15.


[12]. Evangelical Sisterhood of Mary


[13]. Bibelhaus Malche


[14]. Jeanne Wasserzug


[15]. Schlink, Wie ich Gott erlebte, 115–19.


[16]. Gertrud Traeder


[17]. Scofield Reference Bible


[18]. Ibid; Biographisch-Bibliographisches Kirchenlexikon, s.v. “Wasserzug, Gertrud Margarete Elisabeth, geb. Traeder,” 58–9; Wasserzug-Traeder, Deutsche Evangelische Frauenmissionsarbeit: Ein Blick in ihr Werden und Wirken, 1, 20–1.


[19]. dispensationalism


[20]. premillennial eschatology


[21]. Ariel, On Behalf of Israel, 48–50.


[22]. Saturnin


[23]. Biographisch-Bibliographisches Kirchenlexikon, s.v. “Wasserzug, Gertrud Margarete Elisabeth, geb. Traeder.”


[24]. Wasserzug-Traeder


[25]. Wasserzug-Traeder, Warum? Eine Antwort an das jüdische Volk, 3.


[26]. Ibid., 28.


[27]. Youth for Christ


[28]. Billy Graham


[29]. وكان ذلك جزءًا من الرؤية المشتركة بين آل فاسرتسوج والإنجيليين الأمريكيين لإعادة نشر المسيحية الإنجيلية في أوروبا خلال فترة ما بعد الحرب.

(Biographisch-Bibliographisches Kirchenlexikon, s.v. “Wasserzug, Gertrud Margarete Elisabeth, geb. Traeder.”)


[30]. Bob Jones Jr.


[31]. Wasserzug-Traeder, Warum?, 35.


[32]. Paul Riedinger


[33]. Riedinger, Der Weltkrieg und die Judenfrage in Lichte der Bibel, 6.


[34]. das Volk Israel


[35]. Ibid., 9, 15.


[36]. Ibid., 49.


[37]. Ibid., 30–31, 42–43, 49, 52–53, 61.


[38]. Bibelhaus Malche


[39]. Schlink, Wie ich Gott erlebte, 71–73, 115–19.


[40]. Ibid., 183–85, 205, 213.


[41]. Stuttgart Confession of Guilt


[42]. Darmstadt Statement


[43]. Gerlach, Als die Zeugen schwiegen, 7–20; Greschat, ed., Im Zeichen der Schuldr, 116, 118; Greschat, Die evangelische Christenheit und die Deutsche Geschichte nach 1945, 140–49; Prolingheuer, Wir sind i Irre gegangen, 117, 194.

كانت محاكمات أوشفيتز في فرانكفورت (1963–1965) من أوائل المناسبات التي واجه فيها الرأي العام في ألمانيا الغربية، من أبناء جيل ما بعد الحرب، الحقائق التفصيلية لما وقع في معسكرات الاعتقال النازية.

(Wamhof, ed. Das Gericht als Tribunal, oder, 101.)


[44]. Marienschwesternschaft, Das tat Gott unter Deutscher Jugend 1944–1951, 17, 35; Schlink, Das königliche Priestertum, 16.


[45]. Schlink, Busse–Glückseliges, 38–39; Schlink, Realitäten, 205; Schlink, For Jerusalems Sake I Will Not Rest, 27, 31, 68.


[46]. Schlink, Israel, 21.


[47]. Gillerman, Germans into Jews, 2–5; Poppel, Zionism in Germany1897- 1933, xv, 16, 106, 120–1; Rapaport, Jews in Germany after the Holocaust, 137.


[48]. Schlink, Dem Überwinder die Krone, 7.


[49]. مثل: Krieg, Sieg, Kampf وغيرها.


[50]. Schlink, Lass mein Lieben dich begleiten, 105.


[51]. national Volk


[52]. Volksgeist


[53]. Johann Gottfried von Herder


[54]. Schönemann, “Volk, Nation, Nationalismus, Masse,” 281–83.


[55]. Harmut Lehmann


[56]. Lehmann, “The Germans as a Chosen People: Old Testament Themes in German Nationalism,” 261–73.


[57]. Karl Ferdinand Werner in Geschichtliche Grundbegriffe, 7:171–86, 193–95, 214–15.


[58]. Zillessen, ed., Volk—Nation—Vaterland, 13–47.


[59]. Brunner et al., eds., Geschichtliche Grundbegriffe, 7:420–30; Klemperer, LTI: Lingua Tertii Imperii, Sprache Des Dritten Reichs: Notizbuch Eines Philologen, 2.


[60]. أحالت شلينك إلى راوشنينغ مصدرًا لمعلوماتها، إلّا أن مصداقيّته تُعدّ اليوم موضع تشكيك لدى كثير من الباحثين.

(Schlink, Israel mein Volk, 13.)


[61]. Ghettoes


[62]. Ibid., 16–17.


[63]. Ibid., 13.


[64]. Schlink, Dem Überwinder die Krone, 28–29.


[65]. Schlink, Gebetsleben, 161; Marienschwesternschaft, Das tat Gottunter Deutschen Jugend, 58.


[66]. Joseph de Maistre


[67]. Giuseppe Mazzini


[68]. W. E. B. DuBois


[69]. Pecora, ed., Nations and Identities, 109, 161, 191.


[70]. Schlink, Busse, 33–44.


[71]. Marienschwesternschaft, Das tat Gott unter Deutscher Jugend, 17–18; Schlink, Oekumenische Marienschwesternschaft, 12; Schlink, Das königliche Priestertum, 16.


[72]. يستند هذا الاستنتاج إلى المنشورات اللاحقة الصادرة عن الأخوية، ولا سيما تلك التي ألّفتها شلينك خلال ستينات وسبعينات القرن العشرين، وإلى زيارة المؤلِّف للبيت الأم للأخوية عام 2010.


[73]. Schlink, Gebetsleben, 155–57.


[74]. Schlink, Lass mein Lieben dich begleiten, 83. Cf. Schlink, Wie ich Gott erlebte, 615.


[75]. Schlink, Gebetsleben, 162.


[76]. Schlink, Israel mein Volk, 16, 25.


[77]. Gottesvolk


[78]. Bundesvolk


[79]. Schlink, Israel: Gottes Frage an uns, 7; Schlink, Israel mein Volk, 36.


[80]. Greschat, Der Protestantismus in der Bundesrepublik Deutschland, 107.


[81]. Schlink, Israel mein Volk, 15.


[82]. Schlink, Lass mein Lieben dich begleiten, 53, 149; Schlink, Israel: Gottes Frage an uns, 25.


[83]. Schlink, Lass mein Lieben dich begleiten, 107.


[84]. Ibid., 123, 127, 204.


[85]. Schlink, Israel mein Volk, 77–78.


[86]. Ibid., 79–80.


[87]. Schlink, Israel: Gottes Frage an uns, 9.


[88]. Ibid., 31–32; Schlink, Israel, mein Volk, 142.


[89]. Schlink, Israel: Gottes Frage an uns, 39–40.


[90]. Janowski and Stuhlmacher, The Suffering Servant, 431.


[91]. Schlink, Israel: Gottes Frage an uns, 32.


[92]. Ibid., 16; cf. ibid., 14, 19.


[93]. Jeanne Wasserzug


[94]. Teresa of Ávila


[95]. Marie de l’Incarnation


[96]. Weber, Teresa of Avila and the Rhetoric of Femininity, 15. Cf. Malone, Women and Christianity, 3, 82, 134; Davis, Women on the Margins, 105, 206.


[97]. Bibelhause Malche


[98]. Judenchristentum


[99]. Lemke, Judenchristentum, 12–16, 257–67.


[100]. Jackson-McCabe, “What’s in a Name? The Problem of ‘Jewish Christianity,’” 7–37; Barth, Jesus the Jew, Israel and the Palestinians, 16–18; Schille, Das vorsynoptische Judenchristentum, 7–12; Schoeps, Jewish Christianity, 1–8.


[101]. Schlink, Das königliche Priestertum, 7, 16, 19, 22, 32.


[102]. Schlink, Wie ich Gott erlebte, 343.


[103]. Gerlach, Als die Zeugen schwiegen, 7–20.


[104]. Schlink, Wie ich Gott erlebte, 344–48.


[105]. Ibid., 350, 352, 354–55.


[106]. Schlink, Wie ich Gott erlebte, 336, 352–54; Marienschwesternschaft, Gottes Treue durch 50 Jahre Evangelische Marienschwesternschaft, 1947–1997, 116–17; Evangelical Sisters of Mary, This Is Our God, 89; Schlink, Heiliges Land—Heute: Stätten des Lebens und Leidens, 10.


[107]. Schlink, Mirror of Conscience, 272, 303–4; Schlink, Busse, 15, 21, 18, 11.


[108]. Schlink, Das königliche Priestertum, 7, 22, 32; cf. Riedinger, Von der Hütte Gottes—Dem irdischen und himmlischen Tempel; Riedinger, Gedanken über das Priestertum des Christus Jesus.


[109]. Marienschwesternschaft, Das tat Gott unter Deutscher Jugend, 47–48; Schlink, Oekumenische Marienschwesternschaft, 47; Schlink, Realitäten, 23, 39–42.


[110]. Marienschwesternschaft, Das tat Gott unter Deutscher Jugend, 22.


[111]. Schlink, “Kommunität aus der Busse,” 162–64.


[112]. Schlink, Oekumenische Marienschwesternschaft, 63; Schlink, Israel, 29.


[113]. evangelische Marienschwestern


[114]. Evangelical Sisterhood of Mary


[115]. من الناحية الاصطلاحية الدقيقة، تعني الكلمة الألمانية evangelisch «بروتستانتي»، لا «إنجيلي». أما المقابل الأدقّ لكلمة «إنجيلي» فهو evangelikal. وفي الأوساط الناطقة بالألمانية، حرصت الأخوية على النأي بنفسها عن الحركة المسكونية، التي لم تعد ترى أنها ملتزمة بالعقيدة القويمة، كما سعت إلى توضيح أنّها ليست، في الواقع، كاثوليكية، ردًّا على أحد أكثر الاتهامات شيوعًا التي وُجِّهت إليها.

(Schlink, Und keiner wollte es glauben, 41, 49, 51, 61, 73; Schlink, Wie ich Gott erlebte, 335.)