الباحث : روزماري رادفورد روثر
اسم المجلة : الاستغراب
العدد : 43
السنة : صيف 2026م / 1448هـ
تاريخ إضافة البحث : September / 22 / 2026
عدد زيارات البحث : 68
الصهيونية المسيحية والكنائس المسيحية الغربية الرئيسية[1]
روزماري رادفورد روثر[2]
الخلاصة
تناقش المقالة جذور الصهيونية المسيحية وتطوّرها داخل الكنائس المسيحية الغربية الرئيسية، موضحةً أنّها ليست مقتصرة على التيّارات الإنجيليّة الأصولية، بل تمتدّ إلى مؤسّسات كنسية وسياسية مؤثّرة في بريطانيا والولايات المتحدة. وتعرض الكاتبة كيف ارتبطت الصهيونية المسيحيّة بالفكر الإمبراطوري الغربي، وبفكرة «الأمّة المختارة»، مما أسهم في دعم المشروع الصهيوني منذ القرن التاسع عشر وصولًا إلى وعد بلفور وقيام دولة إسرائيل. كما تبيّن أن هذا الدعم استند إلى مبرّرات دينية ولاهوتيّة، ثم تعزّز بعد المحرقة عبر لاهوت التوبة، الذي أدّى في كثير من الأحيان إلى الحدّ من انتقاد السياسات الإسرائيليّة تجاه الفلسطينيين. وتستعرض المقالة التحوّلات التي شهدتها بعض الكنائس الغربية في العقود الأخيرة، مع بروز أصوات مسيحيّة ويهوديّة ناقدة تدعو إلى العدالة للفلسطينيين وإلى الفصل بين الحوار الديني والصراع السياسي. وتخلص إلى أن تحقيق سلام عادل يتطلّب تجاوز التفسيرات اللاهوتية المنحازة، والاعتراف بحقوق جميع الشعوب على أساس العدالة والمساواة.
الكلمات المفتاحية: الصهيونية المسيحية، الكنائس الغربية، وعد بلفور، فلسطين، لاهوت ما بعد المحرقة.
مقدمة
ثمّة خطر يكمن في مناقشة الصهيونية المسيحية وكأنّها مجرّد ظاهرة لنوع معيّن من الأصوليّة الألْفية المسيحيّة[3]، وبالتالي اعتبارها وجهة نظر يمكن للكنائس الرئيسية أن تتجاهلها بوصفها حَرْفية ومتعصّبة. وما يثير الإشكالية بالقدر نفسه، وربما ما هو أكثر أهمية من حيث التأثير الجيوسياسيّ، تلك الأشكال الأكثر انتشارًا، وإن كانت غير مسمّاة، من الصهيونيّة المسيحيّة الموجودة في الكنائس الرئيسيّة. تتداخل هذه الأشكال من الصهيونية المسيحيّة تداخلًا عميقًا مع الإمبرياليّة المسيحية الغربية تجاه الشرق الأوسط، والتي تمثّلت في الإمبراطورية البريطانية، وتتمثّل الآن في الإمبراطورية الأمريكية.
تتجذّر الصهيونية المسيحية بعمق في تماهي بريطانيا وأمريكا مع ذاتيهما بوصفهما أممًا مختارة، وورَثة لاختيار الله لإسرائيل. ويُفسَّر هذا الاختيار على أنّه واجب لرعاية الشعب اليهودي من خلال إعادته إلى وطنه القومي في فلسطين تحت رعاية إمبراطورية مسيحية عالميّة، سواء أكانت بريطانية أم أمريكية. وفي إطار نقد لاهوت الاستبدال المسيحي الكلاسيكي، غالبًا ما يُتجاهل هذا النوع من الاسترداديّة، المتجذّر في التراث البيوريتاني.
في الفكر الاستردادي، تظلّ علاقة المسيحية باليهود علاقة الكونية بالخصوصية. ولكن بدلًا من نفي الخصوصية اليهودية ومطالبتها بطمس ذاتها في الكونية المسيحية، فإنّها تسعى إلى إعادة اليهود إلى مكانتهم كأمّة في أرضهم القوميّة تحت الرعاية الإمبراطورية المسيحيّة. ويُفترض بذلك أنّهم سيعملون كمتعاونين مع الإمبراطورية المسيحيّة في سياق الشرق الأوسط.
شافتسبري[4] والهوية البريطانية
كما بيّنت باربرا توخمان، فقد تماهى البريطانيّون لفترة طويلة مع إسرائيل بوصفهم شعب الله المختار الجديد[5]. وقد طوّر البيوريتانيون الإنجليز في القرن السابع عشر آمالًا بأن يُعاد اليهود المهتدون، تحت الرعاية الإنجليزية، إلى وطنهم في فلسطين، ليصبحوا بذلك طليعة الألفية القادمة[6]. وقد أُحييت هذه الأفكار وطُوِّرت من قِبل جماعات إنجيليّة جديدة، مثل إخوة بليموث[7] تحت قيادة جون نيلسون داربي[8]، في منتصف القرن التاسع عشر في إنجلترا[9].
ولكن مثل هذه الآراء لم تقتصر على الجماعات الطائفية فحسب؛ بل صاغت أيضًا حزبًا إنجيليًا في الكنيسة الأنجليكيّة، وأصبحت ذات تأثير في السياسة الإمبراطورية البريطانية في الشرق الأوسط، مما أدّى في النهاية إلى إعلان بلفور عام 1917. ومن الشخصيات الرئيسيّة هنا أنتوني آشلي كوبر[10]، اللورد شافتسبري[11]. [12]
كان شافتسبري مؤمنًا جادًّا بتفسير إنجيلي لنبوءات الكتاب المقدّس، والذي يُعدّ فيه استرداد اليهود لوطنهم شرطًا أساسيًا لعودة المسيح وتأسيس الأَلْفية على الأرض. وقد كرس حياته كلها، منذ ثلاثينات القرن التاسع عشر وحتى وفاته عام 1885، من أجل هذا الحدث العظيم. كما كان على صِلة بأرفع القيادات السياسية البريطانية في عصره، مثل اللورد بالمرستون[13]، وزير الخارجية البريطاني، وسعى إلى ترجمة حماسه للاسترداد القومي اليهودي في فلسطين إلى مفاهيم تهدف إلى تسويق هذا المسعى بما يخدم المصالح الإمبراطورية البريطانية في الشرق الأوسط.
كان شافتسبري فاعلًا رئيسًا في قرار كنيسة إنجلترا بتأسيس أسقفية أنجليكية في القدس. وبوصفه قائدًا في «جمعية لندن لتعزيز المسيحية بين اليهود»[14]، تصوّر شافتسبري مشروعًا خلاصيًا واسعًا يعود فيه اليهود غير المهتدين إلى فلسطين، ليصبحوا في خضم تلك العملية مسيحيين أنجليكانيين. وهاتان الحادثتان من شأنهما أن تمهِّدا الطريق للمجيء الثاني للمسيح. وقد كان أوّل شاغل اختير لكرسي أسقفيّة القدس الأنجليكانية هذه، عن قصد، يهوديًا مهتديًا، وهو القس الدكتور مايكل سولومون ألكسندر[15]، أستاذ اللغتين العبرية والعربية في كليّة الملك[16].
وفي رؤية شافتسبري لعصر الخلاص المستقبلي سيعود المسيح ليحكم أمّة يهودية مستردّة تتألّف من يهود مسيحيين أنجليكيّين. وقد جعلت «جمعية اليهود»[17]، كما كانت تُسمّى، من إعادة اليهود إلى وجودهم القومي في فلسطين جزءًا لا يتجزّأ من هدفها. كما عارض شافتسبري «مشروع قانون التحرير»[18] الذي كان من شأنه أن يزيل القيود المفروضة على اليهود ليتمكّنوا من المشاركة الكاملة في الحياة السياسية والثقافية الإنجليزية. وهكذا، سار حماسه لعودة اليهود إلى فلسطين جنبًا إلى جنب مع رفضه القبول بمساواتهم الكاملة كمواطنين في وطنه.
على الرغم من وفاة شافتسبري عام 1885 قبل أن يرى أمة يهودية مُستعادة في فلسطين، إلّا أن تأثير أفكار الاستعادة المسيحية استمر ليمتدّ إلى الجيل التالي من السياسيين البريطانيين. التقى اللورد آرثر بلفور بقادة الحركة الصهيونية اليهودية الصاعدة، مثل حاييم وايزمان، وكان على دراية بمطالبهم الرامية إلى جعل فلسطين الوطن الوحيد المناسب لليهود. وبعد الحرب العالميّة الأولى، تعاون البريطانيون مع الفرنسيّين لتأسيس أقاليم الانتداب في الأراضي العثمانية السابقة في الشرق الأوسط. وعشية دخول الجنرال البريطاني اللنبي إلى القدس لتأسيس مقرّ الانتداب البريطاني هناك، أصدر بلفور وعد بلفور الذي أعلن فيه دعم بريطانيا لإقامة «وطن قومي للشعب اليهودي».
وفي دفاعه عن هذا القرار عام 1922 أمام مجلس اللوردات، أوضح بلفور التشابك بين المصالح الإمبراطورية البريطانية والمصالح الدينية المسيحية. وأعلن أن القرار لم ينبع من جدواه السياسية فحسب، بل وبشكل أكبر من دين العرفان العميق الذي ينبغي للمسيحيين، أمثاله وأمثال أعضاء مجلس اللوردات، أن يشعروا به تجاه اليهود باعتبارهم أسلاف ديانتهم:
«إن السياسة التي انتهجناها من المرجّح أن تثبِت نجاحها. لكننا لم ندّعِ قط أن هذا الإعلان قد نبع في الأصل من هذه الاعتبارات المادية البحتة... لقد جاء هذا الإعلان لكي نبعث برسالة تخبرهم أن العالم المسيحي ليس غافلًا عن عقيدتهم، وأنه ليس متناسيًا للخدمة التي قدّموها لأديان العالم، وعلى وجه الخصوص الدين الذي تدين به الغالبية العظمى من أعضاء مجلس لورداتكم الموقّر، ولأنّنا نرغب، بأقصى ما في وسعنا، في أن نمنحهم تلك الفرصة للتطوّر في سلام وطمأنينة تحت الحكم البريطاني، وإيصال تلك المواهب العظيمة إلى مرحلة الإثمار بعد أن أُجبروا حتى الآن على استثمارها في بلدان لا تعرف لغتهم ولا تنتمي إلى عِرقهم. هذا هو المثل الأعلى الذي أرغب في رؤيته يتحقّق، وهذا هو الهدف الذي يكمن في جذور السياسة التي أحاول الدفاع عنها؛ ورغم أنه يمكن الدفاع عنها من كافة الجوانب، إلّا أنّ هذا هو الدافع الأساسي الذي يحرّكني»[19].
أمّا كيف كان من المفترض أن يشعر الفلسطينيون حيال هذا الإعلان الذي يعتبر وطنهم «الوطن القومي للشعب اليهودي»، فهو أمر لم تجرِ مناقشته. صحيح أن الإعلان ينصّ على أنّه من المفهوم بوضوح أنه «لن يُفعَل أيّ شيء قد يضرّ بالحقوق المدنية والدينية للمجتمعات غير اليهودية الموجودة في فلسطين». إلّا أن الإشارة إليهم فقط على أنهم «غير يهود» يحمل في طيّاته تضمينًا بأنهم لا يملكون أي مطالب قومية خاصّة بهم في هذه الأرض.
الأمّة المختارة الجديدة والدولة اليهودية
ورثت الولايات المتحدة هذا الدعم البريطاني لفلسطين بوصفها «وطنًا قوميًا للشعب اليهودي»، ولعبت دورًا حاسمًا في تحويله إلى دولة يهودية. كما يمتلك الأمريكيون تماهيًا دينيًا قوميًّا مع أنفسهم بصفتهم «أمّة مختارة» جديدة، ويربط التقليد البيوريتاني هذا الأمر بعودة اليهود إلى وطنهم القوميّ. وقد كثرت الجماعات التي تروّج للاستعادة في الولايات المتحدة خلال القرن التاسع عشر. وأثمرت هذه الحركة عن عريضة بلاكستون[20] لعام 1891 التي نظّمها ويليام بلاكستون[21]، مؤلِّف الكتاب الرؤيوي الشهير «يسوع قادم»[22] (1878)، ووقّع عليها 413 من كبار الشخصيات الأمريكيّة مثل جون دي روكفلر[23]، وسايروس ماكورميك[24]، وجي بيربونت مورغان[25]، إلى جانب شخصيّات بارزة من أعضاء مجلس الشيوخ ورجال الدين ومحرّري الصحف. أُرسلت هذه العريضة إلى الرئيس هاريسون توصيه بإقامة دولة مُستعادَة لليهود في فلسطين[26]. ومما له دلالة كبيرة، أن القادة اليهود الأمريكيين عارضوا هذه المبادرة بشدّة، حيث رأوا فيها حيلة لمنع اللاجئين اليهود الفارّين من المذابح في روسيا من القدوم إلى الولايات المتحدة[27].
ولكن بعد الحرب العالمية الثانية والمحرقة اليهودية، سنحت الفرصة لرئيس أمريكي لدفع قرار في الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين، ومنح 55 بالمئة من أراضيها لإقامة دولة يهودية. كما وقفت الولايات المتحدة موقف المتفرِّج بينما تبخرت نسبة الـ 45 بالمئة المخصّصة لإقامة دولة فلسطينية؛ حيث ضُمت نسبة 28 بالمئة إلى الدولة اليهودية، واحتلّت الأردن ومصر الجزء المتبقّي، مع تشتيت مليون فلسطيني كلاجئين. ومنذ ذلك الحين، قدّمت الولايات المتحدة دعمًا لا محدودًا لإسرائيل، سواء من خلال المساعدات السنوية التي تتراوح بين ثلاثة وأربعة مليارات دولار، أو من خلال التأييد اللفظي المستمر. وعلى الرغم من ادّعاء الولايات المتحدة بأنها «وسيط نزيه» لحقوق كلا المجموعتين، إلّا أنّه لا يمكن لأيّ باحث يتفحّص هذا التاريخ أن يشك في أن دولة إسرائيل تشكّل، وبشكل كاسح، الحليف الأساسي والاهتمام الأول لأمريكا.
ما هي مصلحة أمريكا في هذا الدعم لإسرائيل، وهو دعم أحادي الجانب راسخ في الثقافة السياسية الأمريكية لدرجة أنه لا يجرؤ أي سياسي تقريبًا على توجيه ولو انتقاد طفيف له دون تعريض مكانته للخطر؟ أود أن أجادل بأنّنا نجد هنا تشابكًا عميقًا بين الهوية والمصالح السياسية والدينية الأمريكية. فمن ناحية، وتحديدًا منذ أن أرست حرب الأيّام الستة عام 1967 التفوّق العسكري الإسرائيلي في الشرق الأوسط، نظرت الولايات المتحدة إلى إسرائيل بوصفها مساعدًا في الحفاظ على توازن القوى الخاص بها في المنطقة. والأهمّ من ذلك، أن جيشي البلدين متشابكان بعمق، مع تبادل مستمر للتكتيكات العسكرية والأسلحة. ويرى جيف هالبر[28]، وهو ناقد إسرائيلي للاحتلال الإسرائيلي، أن هذا التماهي الوثيق بين النظامين العسكريين هو بمثابة «الفيل في الغرفة» الحقيقي الذي يربط بين الدولتين[29].
إن التماهي الديني للمسيحيين الأمريكيين مع إسرائيل بوصفها دولة يهودية هو تماهٍ عميق للغاية أيضًا. ويتّفق معظم المسيحيّين الأمريكيين مع القول بأنّ الله قد وهب أرض فلسطين للشعب اليهودي هبة حصرية ودائمة. وهذا الادّعاء، الذي يُزعم أنه يستند إلى الكتاب المقدس، يجرّد الفلسطينيين فعليًا من أي حقوق قومية في الأرض. ويشكّل هذا الادّعاء التوراتي بالأرض الأساسَ المرجعي الأول لتماهي المسيحيين الأمريكيين مع إسرائيل.
وقد تعزّز هذا الاعتقاد، لا سيما منذ عام 1967، بلاهوت مسيحي ما بعد المحرقة[30] يدّعي أن المسؤوليّة المسيحية عن المحرقة تتطلّب التوبة في شكل دعم غير محدود لإسرائيل. ويُصاغ هذا الطرح في إطار كونه نوعًا من السداد أو التعويض عن الخطايا المسيحية ضد اليهود، وكذلك بوصفه حماية ضرورية للشعب اليهودي ضد أي محرقة مستقبلية. وأعتقد أن حجّة الحق الحصري في الأرض هي الأساس الأول لتماهي المسيحيين الأمريكيين مع إسرائيل، عبر مختلف الأطياف السياسية والدينية، في حين أن حجة الذنب والتوبة قد عزّزت ذلك بشكل أساسي بين المسيحيين الناقدين لذواتهم[31].
وتكتسب حجّة الذنب والتوبة أهمية خاصّة في الكنائس الرئيسية، رغم أنها تمثّل عاملًا أقلّ إقناعًا بالنسبة للإنجيليين الأَلْفيِّين[32] الذين تجتذبهم توليفة ادّعاء الحق الحصري في الأرض والاعتقاد بأن استعادة اليهود توشك أن تمهّد الطريق للألفية الخلاصية. وعادة ما تتّخذ حجّة التوبة شكل دحض ساحق لأيّ جهد يبذله المسيحيّون الذين يدركون الظلم الواقع على الفلسطينيين ويسعون إلى انتقاد إسرائيل. إذ عادة ما يُواجَه أي مسيحي ينتقد إسرائيل باحتجاج شديد من المتحدِّثين اليهود مفاده أنّهم «معادون للساميّة»، وأنّهم يهدّدون أمن إسرائيل، بل ويسعون إلى «تدمير» إسرائيل.
الحوار اليهودي المسيحي بعد المحرقة
لقد عزّز فصيل من المسيحيين داخل الكنائس الرئيسية هذا الاحتجاج على مر السنين من خلال الحوار المسيحي اليهودي ولاهوت ما بعد المحرقة المسيحي. وبالتالي، فإن المسيحيين الذين يدعون إلى شيء من العدالة الموازية للفلسطينيين إما أن يتم إسكاتهم تمامًا، أو أن تُصدر الطائفة في النهاية بيانًا توافقيًا يزيل أيّ دعوة لتغيير حقيقي في مشاريع إسرائيل الأمامية المتمثّلة في الاحتلال ومصادرة الأراضي، مع التأكيد بشدّة في الوقت ذاته على التزام الكنيسة بأمن إسرائيل. لقد تمّ إسكات أيّ نقد لإسرائيل في الكنائس المسيحية الغربية، خاصّة في الولايات المتحدّة، ولكن في كندا وأوروبا أيضًا، وذلك بشكل فعّال من خلال الجمع بين هاتين الحجّتين.
ومع ذلك، في السنوات الأولى القليلة من القرن الحادي والعشرين، بدأ وضع الإسكات هذا يتغيّر قليلًا، وإن لم يكن بشكل حاسم بعد. وقد نتج هذا عن عاملين. أولًا: أصبحت سياسات إسرائيل تجاه الفلسطينيين في الأراضي المحتلّة أكثر تطرّفًا باطراد؛ إذ إنّ جدار الفصل، الذي يصادر مساحات شاسعة من الأراضي والمياه داخل خط هدنة عام 1967، يمزّق المجتمعات الفلسطينية بحظر التجوّل ونقاط التفتيش، مما يجعل من الصعب عليهم أكثر من أيّ وقت مضى الاستمرار في حياتهم اليومية، ويجعل حلّ الدولتين أقل إمكانية من خلال إزالة القاعدة الإقليمية لمثل هذه الدولة. وقد كثّف أولئك المسيحيون الذين هم على تواصل مع الفلسطينيين جهودهم لتوعية المسيحيين الآخرين بشأن الظلم الفادح الذي يفرضه هذا الوضع على الفلسطينيين.
أما العامل الرئيسي الثاني فهو ظهور قطاع من اليهود الأمريكيين الذين يساورهم القلق إزاء هذا الظلم المتزايد. وقد أخذ هؤلاء اليهود يعيدون تعريف ولائهم لإسرائيل، حيث يرون أن هذا الولاء يجب أن يتضمّن تغييرًا عميقًا من جانب إسرائيل لاستيعاب الحقوق الفلسطينية، إما من خلال إعادة الأراضي من أجل حلّ محتمل قائم على دولتين، أو من خلال قبول حلّ دولة ثنائية القومية. وبالنسبة لهم، فإنّ إسرائيل تدمّر نفسها من خلال التحوّل إلى دولة عدوانية على نحو غير قابل للاستدامة. ومن الضروري إحداث تحوّل في هذه الثقافة، سواء لإنقاذ إسرائيل أو للسماح بإيجاد حل عادل للفلسطينيين.
كما نمت مجموعات نقدية بين اليهود الإسرائيليين. وأصبح بعضهم نشطاء في المقاومة، حيث يعارضون هدم منازل الفلسطينيين. كذلك سعى المسيحيون الفلسطينيون الناقدون إلى إيصال أصواتهم، فطوّروا نسخًا من لاهوت التحرير الفلسطيني. وفي عام 2009، أصدروا وثيقة كايروس[33] جماعية تعبر عن صرختهم من أجل العدالة ورؤيتهم لمستقبل عادل لكلا الشعبين والديانات الثلاث في الأرض الواحدة. وقد ترابطت هذه المجموعات الأربع — المسيحيّون واليهود الناقدون في الولايات المتحدة (وفي أماكن أخرى في كندا وأوروبا)، واليهود الإسرائيليون الناقدون، والمسيحيون الفلسطينيون — وأصبحت تعمل معًا. وبدأ الترابط بين هذه المجموعات الأربع في خلق جبهة مشتركة قوية بما يكفي لتبدأ في تهديد هيمنة الصهيونية المسيحية في الطوائف الأمريكية الرئيسية.
ومن الأصوات المهمّة المعبّرة عن هذه الجبهة المشتركة الناشئة اليهوديُ الأمريكيّ مارك برافرمان[34]. ففي كتابه الصادر عام 2010 بعنوان العناق القاتل[35]، ينتقد برافرمان تطوّر لاهوت ما بعد المحرقة المسيحي الذي شوّه رفض الاستبدالية[36] ليحوّله إلى أداة دعم غير نقدي للسياسات الانتصارية التي تنتهجها إسرائيل. لقد نشأ لاهوت التوبة المسيحي هذا من أفضل النوايا ومن رحم الرعب المبرّر تجاه الدور الذي لعبه المسيحيون في اضطهاد اليهود في أوروبا على مر القرون، وهو ما أدّى إلى الترويج النشط أو الإذعان السلبي للإبادة الجماعية النازية.
ولكن اللاهوت الذي صاغه هؤلاء النقاد في الكنائس الرئيسية لمطالبة المسيحيين بالتوبة عن المحرقة، قد تحول إلى أداة لتعزيز عدوان إسرائيل ضد الفلسطينيين وإسكات أي نقد مسيحي. وقد حدث هذا التشويه نتيجة الخلط بين نقاشين مختلفين: حوار الأديان اليهودي المسيحي، والنقاش الداخلي والدولي حول الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.
ويُعدّ حوار الأديان اليهودي المسيحي في المقام الأول نقاشًا غربيًا، متجذّرًا في قرون من الهيمنة المسيحية في الغرب وفي اللاهوت المسيحي تجاه اليهود الذي تشكّل في ذلك السياق. فقد عاش المسيحيون واليهود في الشرق الأوسط منذ القرن السابع في سياق مختلف تمامًا، كأقليّات دينية في ظلّ الإسلام. وفي نهاية المطاف، قد ينشأ حوار يهودي مسيحي إسلامي في العالم الإسلامي، ولكن ليس هذا هو موضوع النقاش هنا.
بدلًا من ذلك، بدأ الحوار الغربي اليهودي المسيحي بتعرّف المسيحيين على الظلم الذي ألحقه المسيحيون باليهود، وبلوغهم مرحلة تقدير يهودية أكثر أصالة، رافضين الاستبدالية المعادية للساميّة، ومؤكّدين على الأصالة المستقلّة لليهودية. ومع ذلك، فقد بُني هذا الحوار بطريقة أحادية الجانب، حيث لا يُتوقّع من اليهود ولا يُقصد منهم أن يتعلّموا أيّ شيء من المسيحيين، بل يُراد منه ببساطة إشعار المسيحيين بالخزي لدفعهم إلى موقف الإذعان، سواء أكان علنيًّا أو ضمنيًّا، للمطالب السياسية اليهودية في الشرق الأوسط. وفي المقابل، يرى برافرمان نفسه وقد تغيّر جذريًا بفعل الحوار مع المسيحيين. فقد أدرك اليهود أمثاله ضرورة نقد إقصائيتهم العرقية الخفية، ودُعوا إلى تبنّي عالمية تعدّدية بصورة أكبر.
في نظر برافرمان، يجب ألّا يُستخدم حوار الأديان اليهودي المسيحي بعد الآن كأداة خفيّة لإسكات النقد الموجّه لإسرائيل وسياساتها تجاه الفلسطينيين. فالصراع الإسرائيلي الفلسطيني لا يتمحور في المقام الأول حول العلاقات بين الأديان (اليهودية والمسيحية والإسلامية)، بل هو، بالأحرى، قضية علاقات بين الشعوب، وقضية عدالة وظلم. وتمتلك الأديان الثلاثة وثقافاتها تقاليد تنتقد الظلم وتدعو إلى عدالة حقيقيّة تجاه الشعوب. وهذه هي التقاليد التي يجب أن تُفعّل لخلق تعايش عادل بين اليهود الإسرائيليين والفلسطينيين المسيحيين والمسلمين الذين يحتاجون إلى التشارك في أرض فلسطين التاريخية بسلام وعدل.
برأي برافيرمان، فقد بلغ الصراعان المذكوران أعلاه والخلط الزائف بينهما ذروتهما في اجتماع الجمعية العامة للكنيسة المشيخية[37] الذي عُقد في مينيابوليس في يوليو2010 [38]. وقد طوّر المشيخيّون مجموعة تزداد قوّةً تطالب بتحقيق العدالة للفلسطينيين. وفي عام 2006، دعت هذه المجموعة إلى سحب الاستثمارات بشكل نشط من قطاعات الاقتصاد الإسرائيلي التي تخدم الاحتلال. وقد جاءت هذه الدعوة صدًى لاستراتيجيّة سحب الاستثمارات الناجحة التي استُخدمت ضد دولة الفصل العنصري في جنوب إفريقيا في ثمانينات القرن العشرين. كما أعادت هذه الدعوة صياغة النقد الموجّه لإسرائيل ليصبح نقدًا لدولة فصل عنصريّ. وقد أثار ذلك قلق المدافعين اليهود عن إسرائيل، مما دفعهم إلى حشد حلفائهم من الصهاينة المسيحيين بين المشيخيين لمحاولة القضاء على فكرة سحب الاستثمارات هذه.
هدم الجدران
كُلّفت لجنة دراسة الشرق الأوسط التابعة للكنيسة المشيخية[39] بدراسة هذا الصراع، وتمخّضت عن وثيقة صِيغت بعناية فائقة تحت عنوان «هدم الجدران»[40]، ليتمّ التصويت عليها في الجمعية العامة لعام 2010. وقد عملت مجموعة قوية من المدافعين عن إسرائيل، والتي تمثّل مركز سيمون فيزنتال[41] والمجلس اليهودي للشؤون العامّة[42]، بالتعاون مع مجموعة مشيخيّون من أجل سلام الشرق الأوسط[43]، وهي مجموعة صهيونية مسيحيّة تتألّف من قساوسة مشيخيين وأساتذة معاهد لاهوتيّة، بتصميم وحزم على شيطنة البيان الصادر عن لجنة الدراسة. حيث شُجب البيان باعتباره معاديًا للسامية، وخيانة للصداقة التاريخية بين اليهود والمشيخيين، وسعيًا لتدمير إسرائيل. كما شُجبت وثيقة كايروس المسيحية الفلسطينية[44]، التي أوصت لجنة الدراسة بدراستها في الأوساط المشيخية، ووُصِفت أيضًا بأنها معادية للسامّية وإحلاليّة.
ولكن على خلاف السنوات السابقة، حضرت هذه المرّة مجموعة مضادّة من اليهود في الجمعية المشيخية. وكان هؤلاء أعضاء في منظّمة الصوت اليهودي من أجل السلام[45]، فضلًا عن مارك برافيرمان[46]، الذين ساندوا وثيقة الدراسة المشيخية وتصدّوا لحجج المؤسّسة اليهوديّة والمدافعين المشيخيّين عنها. ما هي النتيجة؟ أُقرّت وثيقة اللجنة في الجمعية مع إجراء بعض التعديلات عليها. والتزم المشيخيون بالسعي لإنهاء العنف من كلا الجانبين، وبدعوة إسرائيل إلى إعادة نقل الجدار العازل إلى حدود هدنة عام 1967، وإقرار حقوق متساوية للمواطنين الفلسطينيين في إسرائيل، ووقف ممارسات من قبيل العقاب الجماعي، وهدم المنازل، وإبعاد المعارضين. كما جرى الإبقاء على قرار سحب الاستثمارات. واستمرّت كذلك التوصية بوثيقة كايروس المسيحية الفلسطينية كوثيقة دراسية للمشيخيّين.
يرى برافيرمان أن تكتيكات إسكات النقد المسيحيّ لإسرائيل من خلال ضغوط المؤسّسة اليهوديّة والصهيونية المسيحية قد باءت بالفشل. ولم تفشل هذه التكتيكات لأن المشيخيين أصبحوا معادين للسامية، بل لأن ّالكثيرين منهم قد أدركوا على نحو أفضل حقيقةَ ما يجري في إسرائيل وفلسطين، وحدّدوا أين يقع حقًّا الخطّ الفاصل بين الظلم والعدالة والسلام الممكن بين الشعبين. في حين يرى آخرون أن الوثيقة المشيخية التي أُقرَّت تتّسم بقدر أكبر من المساومة، وأن الصراع بين الساعين لإسكات الكنائس وأولئك الذين يريدون الجهر بالعدالة لا يزال دون حلّ.
المصادر والمراجع:
Blackstone, William E., “Palestine for the Jews: A Copy of the Memorial Presented to President Harrison, March 5, 1891,” reprinted in Christian Protagonists for Jewish Restoration: An Original Anthology, ed. Adolf Augustus Berle (New York: Arno, 1977).
Braverman, Mark, “Report from the Presbyterian General Assembly—Part 2, The Jewish Response,” http://markbraverman.org/2010/07/report-from-the-presbyterian-general-assembly-part-2-the-jewish-response (July 20, 2010).
Braverman, Mark, Fatal Embrace: Christians, Jews and the Search for Peace in the Holy Land (Austin, TX: Synergy, 2010).
Dugdale, Blanche, Arthur James Balfour (New York: Putnam, 1937).
M. Lewis, Donald, The Origin of Christian Zionism: Lord Shaftesbury and Evangelical Support for a Jewish Homeland (Cambridge: Cambridge University Press, 2010).
Sharif, Regina, Non-Jewish Zionism: Its Roots in Western History (London: Zed,1983).
Sizer, Stephen, Christian Zionism: Road Map to Armageddon? (Leicester: Inter-Varsity, 2004).
Steinstern, Joseph P., “Reform Judaism and Zionism, 1895–1984,” in Herzl Year Book (New York: Theodor Herzl Foundation, 1963).
Tuchman, Barbara, The Bible and the Sword: England and Palestine from the Bronze Age to Balfour (New York: Minerva, 1968)
[1]. المصدر:
“Christian Zionism and Mainline Western Christian Churches.” In Comprehending Christian Zionism: Perspectives in Comparison, edited by Göran Gunner and Robert O. Smith, 179–190. Minneapolis: Fortress Press, 2014.
[2]. Rosemary Radford Ruether
[3]. Christian millenarian fundamentalism
[4]. Shaftesbury
[5]. Tuchman, The Bible and the Sword: England and Palestine from the Bronze Age to Balfour.
[6]. Sharif, Non-Jewish Zionism: Its Roots in Western History.
[7]. Plymouth Brethren
[8]. John Nelson Darby
[9]. Sizer, Christian Zionism, 50-52.
[10]. Anthony Ashley-Cooper
[11]. Lord Shaftesbury
[12]. وقد فُصِّلت هذه القصة في:
Lewis, The Origin of Christian Zionism.
[13]. Lord Palmerston
[14]. London Society for Promoting Christianity among the Jews
[15]. Michael Solomon Alexander
[16]. King›s College
[17]. Jews’ Society
[18]. Emancipation Bill
[19]. Dugdale, Arthur James Balfour, 2:58.
[20]. Blackstone Memorial
[21]. William Blackstone
[22]. Jesus Is Coming
[23]. John D. Rockefeller
[24]. Cyrus McCormick
[25]. J. Pierpont Morgan
[26].Blackstone, “Palestine for the Jews: A Copy of the Memorial Presented to President Harrison, March 5, 1891”.
[27]. Steinstern, “Reform Judaism and Zionism, 1895–1984,” 5:11–31.
[28]. Jeff Halper
[29]. هذه عبارة سمعت جيف هالبر يرددها كثيرًا في محاضراته العامة.
[30]. Christian post-Holocaust theology
[31]. فيما يتعلّق بللاهوت ما بعد المحرقة المسيحي وعلاقته بالصهيونية المسيحية، انظر:
Braverman, Fatal Embrace, 105–22.
[32]. millenarian evangelicals
[33]. Kairos
[34]. Mark Braverman
[35]. Fatal Embrace
[36]. supersessionism
[37]. General Assembly of the Presbyterian Church
[38]. Braverman, “Report from the Presbyterian General Assembly—Part 2, The Jewish Response”.
[39]. Presbyterian Middle East Study Commission
[40]. Breaking Down the Walls
[41]. Simon Wiesenthal Center
[42]. Jewish Council on Public Affairs
[43]. Presbyterians for Middle East Peace
[44]. Palestinian Christian Kairos
[45]. Jewish Voice for Peace
[46]. Mark Braverman