البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

العيش في ساعة الاسترداد: الصهيونية المسيحية، والهجرة، والعلياه

الباحث :  فايدرا ل. شابيرو
اسم المجلة :  صيف 2026م / 1448هـ
العدد :  43
السنة :  صيف 2026م / 1448هـ
تاريخ إضافة البحث :  September / 22 / 2026
عدد زيارات البحث :  66
تحميل  ( 405.559 KB )
العيش في ساعة الاسترداد: الصهيونية المسيحية، والهجرة، والعلياه[1]


فايدرا ل. شابيرو[2]









الخلاصة

تتناول المقالة رؤية الصهيونية المسيحية للهجرة اليهودية إلى إسرائيل (العلياه) بوصفها حدَثًا دينيًّا وأخرويًّا يتجاوز كونه مجرّد حركة سكانية. وتوضح أن الصهاينة المسيحيين يعدّون عودة اليهود إلى إسرائيل تحقيقًا للوعود الإلهية الواردة في الكتاب المقدّس، ودليلًا على اقتراب مراحل الخلاص واسترداد إسرائيل. كما تستعرض الكاتبة الدور العملي الذي تؤدّيه المنظّمات الصهيونية المسيحيّة في دعم الهجرة اليهودية من خلال التمويل، والمساعدات اللوجستية، والتشجيع الروحي، معتبرة أنّ هذا الدعم يعكس طبيعة الحركة العابرة للحدود والقائمة على الارتباط الديني بإسرائيل. وتناقش المقالة التباين بين الموقف الإيجابي للصهاينة المسيحيين تجاه العلياه، وبين مواقف بعض الإنجيليين المتحفّظة تجاه الهجرة عمومًا، مفسّرة ذلك بالخصوصية اللاهوتية التي تمنحها الصهيونية المسيحيّة للهجرة اليهوديّة. كما تبيّن أن هذا التصوّر لا يطابق تمامًا الرؤية الصهيونية اليهودية، بل يستند إلى سرديّة مسيحية ترى في العلياه جزءًا من خطة إلهية لاسترداد الشعب اليهودي وتهيئة العالم لتحقيق الخلاص، مع استمرار بعض الانتقادات المحدودة لسياسات إسرائيل عندما تُعد مخالِفة للفهم الديني للصهاينة المسيحيين.

الكلمات المفتاحية: الصهيونية المسيحية، العلياه، الهجرة اليهودية، الاسترداد، إسرائيل.

مقدّمة

إنه لمن المثير أن أعرف أنني لم أُولد قبل 500 عام، أو 1000 عام، بل إنّني أعيش بالفعل في ساعة استرداد إسرائيل وعودة الشعب اليهودي، وأنّ هناك دورًا يجب أن ألعبه، وليس لألعبه فقط، بل لأشجع أشخاصًا آخرين من غير اليهود على المشاركة... تشجيع الشعب اليهودي الذي قد لا يكون مدرِكًا لدوره، نتيجة وجوده في الشتات لفترة طويلة، غير مدرك أن الله قد يكون له في النهاية دور لهم للعودة إلى إسرائيل. وأن تكون قادرًا على معرفة الأزمنة، وأن تكون قادرًا على أن تشاركهم بأن الله قد يكون لديه خطة لهم في إسرائيل هو أمر مثير.

— القس سميث[3]

إن الصهيونية المسيحية هي تسمية عامة لتوجّهٍ محدّد وتركيزٍ خاصّ داخل الحركة الإنجيلية، يُضفي أهمّية لاهوتيّة حيوية، وغالبًا ما تكون أُخروية، على اليهود الذين يعيشون في إسرائيل. ويتميّز الصهاينة المسيحيّون عن الإنجيليين على نطاق أوسع بتركيزين شديدين ومتشابكين: إسرائيل واليهود. ويجمع هذان الشغفان المسيحيِّين من مختلف الأطياف الإنجيلية في هيئات مسيحية دولية واسعة وموازية للكنيسة، مثل السفارة المسيحية الدولية في القدس[4]، أو منظّمة مسيحيون متّحدون من أجل إسرائيل[5]، بالإضافة إلى منظّمات محلّية وهيئات أصغر. ويرى الصهاينة المسيحيون أن صهيونيّتهم تمثّل امتدادًا منطقيًّا لالتزامهم تجاه الله وكلمته. ففي قراءتهم للكتاب المقدّس، قضى الله بدور ومكانة خاصين لليهود، تُوِّجا في عهد أبدي مع وعد بردّهم إلى أرضهم. وبالتالي، يرى الصهاينة المسيحيون أن تضامنهم مع اليهود وإسرائيل الحديثة يمثّل إجلالًا لإله إسرائيل.

تتناول هذه المقالة مواقف الصهيونية المسيحية تجاه الهجرة، وتحديدًا الهجرة اليهودية إلى إسرائيل (عَلياه[6]). وفي مسعى لفهم دعم الصهيونية المسيحية للعلياه، تطمح هذه المقالة إلى تقويم مدى تفرّد هذا الدعم. هل يعكس دعم الصهيونية المسيحية للهجرة اليهودية إلى إسرائيل موقفًا إنجيليًا أوسع تجاه الهجرة بشكل عام، أم مواقف الصهيونية اليهودية تجاه العلياه، أم أنّه ببساطة موقف غير نقدي تجاه السياسة العامة الإسرائيلية؟ وسأجادل بأن دعم الصهيونية المسيحية للعلياه يتّسم بعدّة مكوِّنات فريدة، مما يعكس مزيجها الخاص من التركيز العابر للحدود القوميّة واللاهوتيّة على إسرائيل.

النزعة العابرة للحدود القوميّة

تُعدّ الصهيونية المسيحية ظاهرة تُعرَّف بنزعتها العابرة للحدود القومية. فهي حركة عالمية، ولكنّها متجذّرة محلّيًا، وذات تركيز مادّي ورمزيّ وروحيّ هائل على إسرائيل؛ وأعضاؤها هم من الإنجيليين المنخرطين في بلدانهم المحلّية، ولكنّهم في الوقت ذاته يشاركون باستمرار في إسرائيل بطرق تشمل الدعاء، والسياحة المتكرّرة، والدعم المالي، والنشاط السياسي، والجهود التطوّعية.

يشكّل الصهاينة المسيحيون مجتمعًا مسيحيًا في أرض إسرائيل بطريقة تختلف إلى حدّ ما عن الوجود المسيحي التاريخي في الأراضي المقدّسة؛ إذ لا تمتلك الجماعات البروتستانتية في بعض الأحيان البنية التحتية المؤسسية والتنظيمية التي تتمتّع بها الكنائس الأرثوذكسية والكاثوليكية. وينطبق هذا بشكل أكبر على حالة الإنجيليين، الذين يشكّل أتباعهم تجمّعًا فضفاضًا للعديد من الطوائف المختلفة، وغالبًا ما ينتمون إلى زمالات وكنائس لا تتبع طائفة معيّنة، فليس للإنجيليين منظّمة، أو زعيم، أو كنيسة واحدة يمكن أن تتحدّث نيابة عنهم جميعًا، مما يجعل من المستحيل على دولة إسرائيل إقامة أيّ علاقات رسمية معهم ككنيسة معترف بها. إن الصهاينة المسيحيين الإنجيليين هم من الأجانب بشكل شبه كامل، ونادرًا ما يعيشون في إسرائيل بوضع إقامة دائمة. ومع ذلك، فهم يستثمرون بعمق في إسرائيل من بعيد، بصفتهم زوّارًا ومتطوّعين منتظمين وعائدين، ومؤيّدين سياسيين في الخارج، ومساهمين في توفير الموارد الماليّة الحيوية التي تدعم بعض الخدمات الاجتماعية الأكثر إلحاحًا في البلاد.

لعلّه نتيجةً لشيوعها، تُعدّ العَبر-قومية[7] فئةً تتّسم حدودها بمرونة مثيرة للقلق في بعض الأحيان.[8] وهو مصطلح يمكن تمييزه بشكل بنّاء عن العولمة، والتي:

«تشير إلى العمليات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والديموغرافية التي تحدث داخل الأمم، ولكنّها تتجاوزها في الوقت ذاته... وتتداخل العبر-قومية مع العولمة، ولكنها عادةً ما تكون ذات نطاق محدود أكثر. وفي حين أنّ العمليّات العالمية تكون إلى حدّ كبير لامركزية بالنسبة لأقاليم وطنية محدّدة وتحدث في فضاء عالمي، فإنّ العمليّات العابرة للقوميات ترتكز في دولة قومية أو أكثر وتتجاوزها».[9]

إذن، تتمحور العبر-قومية بالأساس حول الروابط الديناميكيّة عبر الحدود الوطنية، وتدفّقات الموارد التي يمكن أن تشمل الأشخاص، والأموال، والأشكال الثقافية، والمعلومات، واللغات. ولا توجد هذه التدفّقات المحددة العابرة للقوميات في فراغ، بل إنها تؤثّر وتتأثر بالديناميكيّات العالمية الأوسع.

العلياه

مما لا شك فيه أن النشاط العابر للقوميّات الأكثر أهميّة للصهيونية المسيحيّة هو إنتاجها وترويجها لعناصر أخرى عابرة للقوميّات متمثّلةً بالهجرة اليهودية إلى إسرائيل. وبالنسبة للصهاينة المسيحيّين، تُعدّ العلياه — أي الهجرة اليهودية إلى إسرائيل — واحدة من أهمّ الأحداث في عصرنا. وعندما يتعلّق الأمر باليهود وإسرائيل، فإنّ الصهاينة المسيحيّين لا يكتفون بمجرّد تقبّل الهجرة فحسب؛ بل يعملون كداعمين نشطين ومعجبين متحمّسين لها، حيث يشجعون الهجرة اليهودية بالأموال، والصلوات، والمنظّمات المُكرَّسة لمساعدة كل من عملية الهجرة والمهاجرين المحتاجين الذين استقرّوا في بلدهم الجديد.

تتلقّى منظّمة نيفيش بنيفش[10]، والتي لعلّها تُعدّ الوكالة الخاصّة الأشهر التي تتمثّل مهمتها في تيسير الهجرة اليهودية من البلدان الناطقة باللغة الإنجليزية، دعمًا بملايين الدولارات من المانحين المسيحيين الإنجيليّين من خلال الزمالة الدولية للمسيحيين واليهود[11] وخدمات جون هاجي[12]. ويدير المسيحيّون الإنجيليّون منظّمات مثل مؤسّسة سايروس[13]، التي يتركّز عملها على تشجيع علياه من أمريكا الشمالية والجنوبية، وذلك في المقام الأول من خلال تقديم الدعم المالي لتكاليف السفر وشحن الممتلكات. وتقوم عملية الخروج التابعة لصندوق إبنيزر[14] وعملية جابوتينسكي التابعة لمنظّمة كلمة الحياة[15] بالدور ذاته، على الرغم من أنّهما تخدمان شريحة سكّانية مختلفة إلى حدّ ما، وتلبّيان مجموعة مغايرة من الاحتياجات، حيث تعملان بالأساس مع اليهود في الاتحاد السوفييتي السابق. بالإضافة إلى ذلك، هناك العديد من المنظّمات الصهيونية المسيحية التي تجمع الأموال لتشجيع العلياه من دول مثل إثيوبيا والهند، فضلًا عن المنظّمات المسيحيّة التي تقدّم كافّة أشكال الخدمات الاجتماعية للمهاجرين المحتاجين بمجرّد استقرارهم في إسرائيل. لقد عزّزت هذه المنظّمات بنشاط وبشكل ملموس هجرة مئات الآلاف من اليهود إلى إسرائيل.

ولا تقتصر المنظّمات الصهيونية المسيحية على دعم العلياه من الناحية المادية فحسب؛ بل تحتفي بها روحيًا أيضًا، ففي إحدى المؤسّسات الدينية التي أجريتُ فيها عملًا ميدانيًا، في بلدة صغيرة في أونتاريو بكندا، يوجد جدار كامل مليء بصور اليهود الذين ساعدتهم المؤسّسة على الهجرة إلى إسرائيل[16]. كما تُعد الصلاة والشفاعة أجزاءً حيوية من الدعم الصهيوني المسيحي للعلياه، بما في ذلك الصلوات من أجل المهاجرين، ومن أجل الدولة التي ترحّب بهم، ومن أجل اليهود الذين لم يسمعوا بعد «نداء العودة»، ومن أجل دول العالم لتمهيد السبل والوسائل لليهود للوصول إلى «أرض الموعد»، ومن أجل كنيسة الأغيار لتستيقظ على مسؤوليتها في مساعدة اليهود على العودة إلى وطنهم.

الهجرة أم العلياه؟

لقد أُنجزت دراسات مهمة حول دور الدين في تشكيل التوجّهات السياسية، مما أسفر عن وفرة في البيانات التي تُظهر أن الإنجيليين الأمريكيين يميلون إلى اتخاذ مواقف محافظة تجاه السياسات العامة، بما في ذلك مسألة الهجرة. وقد أظهر الباحثون وجود عداء مسيحي إنجيليّ تجاه الهجرة على المستويين الاقتصادي والرمزي.[17] وأظهر استطلاع رأي لمركز بيو للأبحاث[18] عام 2006 أن الإنجيليين البيض يُبْدُون قلقًا خاصًّا تجاه المهاجرين على أسس اقتصادية وثقافية، حيث يشعر 63 في المئة منهم أنّهم يهدّدون «القيم والعادات الأمريكية التقليدية»، ويرى 64 في المئة أنّ المهاجرين يمثّلون «عبئًا لأنّهم يستولون على وظائفنا، ومساكننا، ورعايتنا الصحية». وفي كلتا الحالتين، تتجاوز هذه المواقف السلبية بكثير تلك الخاصّة بعموم الشعب الأمريكي.[19]

ومن العوامل المحتمَلة في الدعم الصهيوني المسيحي للهجرة اليهودية إلى إسرائيل هو أنها تنطوي على قدر منخفض من المخاطر، فلا توجد تهديدات اقتصادية متصوّرة (المهاجرون سيهدّدون مصالحي الخاصّة) ولا تهديدات رمزية ظاهرية (المهاجرون لا يفهمون قيمنا الأمريكية) في دعم الهجرة اليهودية إلى إسرائيل. وببساطة، يبدو من السهل والرومانسي دعم الهجرة إلى بلد لا يعيش فيه المرء، نظرًا لأنّ المخاطر الشخصيّة قليلة، إن وُجدت.

كما استكشف كل من إريك مكدانيل[20]، وعرفان نور الدين[21]، وأليسون إف. شورتل[22] دور القومية المسيحية في فهم المواقف المتضاربة للمسيحيين الإنجيليين بشأن الهجرة، مع التركيز على الهجرة باعتبارها تهديدًا محتملًا للشعور الإنجيلي بالاستثنائية الأمريكية. ويشيرون إلى أنّ «أهمّية الولايات المتّحدة الأمريكية في خطة الله ينبغي أن تجعل أولئك الذين يلتزمون بنظام المعتقدات هذا منتبهين للغاية لمن هو جزء من الأمّة»[23]. وبالتالي، لا ينبغي اعتبار الدعم الصهيوني المسيحي الإنجيلي للعلياه أمرًا مُسلّمًا به، بالنظر إلى التحيّز المناهض للهجرة الذي يتّسم به جزء كبير من الحركة الإنجيلية الأمريكية.

تُولي شريحة كبيرة من الإنجيليين، سواء في أمريكا أو في جميع أنحاء العالم، تركيزًا خاصًّا على إسرائيل باعتبارها «بوصلة حقيقية» تجلب معها توجّهًا مميّزًا. وفي حين أنه ليس كل الإنجيليين صهاينة مسيحيين نشطين، فإنّ غالبية الإنجيليين في الولايات المتحدة، والذين يُقدَّر عددهم بنحو 60 مليونًا، هم بالفعل من المؤيّدين لإسرائيل. وقد جاهر بعض أشهر الشخصيّات الإنجيلية الأمريكية في القرن العشرين، ومن بينهم جيري فالويل[24]، وبيلي غراهام[25]، وبات روبرتسون[26]، بصهيونيّتهم. وتنشط المنظّمات المسيحية التي تدعم بحماس إسرائيل وعودة اليهود إلى وطن أجدادهم في العديد من البلدان حول العالم، بما في ذلك جنوب إفريقيا، ونيجيريا، والبرازيل، وكوريا الجنوبية، وفي جميع أنحاء أوروبا وأمريكا الشمالية.

وعلى النقيض من القومية المسيحية، التي يُجادل مكدانيل وزملاؤه بأنّها تكمن في صميم المواقف المتضاربة للإنجيليين الأمريكيين تجاه المهاجرين، فإن الصهيونية المسيحية تُعرَّف من خلال طابعها العابر للقوميّات، حيث لا يتفوّق على الاستثنائية الأمريكية فيها سوى الاستثنائية الإسرائيليّة. لقد كان النشاط الاستردادي لويليام بلاكستون[27] هو ما مهّد الطريق حقًّا لأمريكا لتلعب دور «أمّة مُخلِّصة»[28] من الأغيار ينبغي لها أن تيسّر تحقيق خطّة الله لليهود. وفي عريضته لعام 1891، عرض بلاكستون على الولايات المتحدة — وتحديدًا الرئيس هاريسون[29] — هذا الدور بالذات:

«يبدو أنّ هناك العديد من الشواهد التي تدلّ على أنّنا قد بلغنا الحقبة، في السجلّ العظيم للقرون، التي يرفع فيها إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب الأزليّ يده للأمم (إشعياء 22:49) ليأتي بأبنائه وبناته من بعيد، كي يزرعهم مرة أخرى في أرضهم، حزقيال، وما إلى ذلك. فطوال أربعة وعشرين قرنًا، منذ أيام كورش، ملك فارس، لم تُتِح لأيّ إنسان فانٍ مثل هذه الفرصة الاستثنائية لتعزيز مقاصد الله تجاه شعبه القديم»[30].

وبعد مرور سنوات، سيشير الرئيس ترومان إلى نفسه باسم كورش في ضوء جهوده الرامية إلى تأسيس إسرائيل. وتستدعي هذه الإشارات إلى شخصية كورش التوراتية صورة قوّة غير يهودية تساهم في تجسيد خطة الله المتمثّلة في إعادة اليهود إلى وطنهم الموعود.

ولذلك ففي حين يهتمّ الصهاينة المسيحيون اهتمامًا بالغًا بأمريكا، فإنهم يعتقدون أن نجاحها — ونجاح كافة الأمم غير اليهودية — ينبع من مدى دعمها أو إعاقتها لخطّة الله تجاه إسرائيل. ويُمكّن هذا الأمر الصهاينة المسيحيين من تقليل تركيزهم على التهديدات التي يشكّلها المهاجرون لأمريكا، وزيادة تركيزهم على البركة الإلهية التي ستنالها أمريكا لقاء تسهيلها للهجرة اليهودية إلى إسرائيل.

وقد يكون من المغري الإشارة إلى أن الدعم الصهيوني المسيحي للعلياه هو مجرّد نتاج لنهج غير نقديّ تجاه إسرائيل، وأنه باعتبارها سياسة تتبنّاها هذه الدولة التي تحظى بإشادة واسعة، فإنّ دعمها من قِبل المسيحيين الإنجيليّين يُعدّ أمرًا متوقّعًا. ومع ذلك، فإن الأمر ليس كذلك؛ إذ لا يجد الصهاينة المسيحيّون غضاضة في توجيه الانتقادات لسياسات وخيارات وتصرّفات معيّنة للدولة الإسرائيلية عندما يشعرون أنّها تتعارض مع مشيئة الله. فعلى الرغم من مكانتها الخارقة للطبيعة والفريدة من نوعها، فإنّ إسرائيل أيضًا غير معصومة من الخطأ وتخضع لكافّة تقلّبات الدولة القومية الديمقراطية الحديثة؛ إذ يمكن لإسرائيل — وكثيرًا ما تفعل — أن تتّخذ خيارات خاطئة، متمثّلة في اتّخاذ قرارات سياسية والتسامح مع ممارسات اجتماعية يرى الصهاينة المسيحيّون أنها تتعارض مع مشيئة الله، وبالتالي تحمل تداعيات وطنيّة وروحيّة خطيرة؛ ولذلك يجد الصهاينة المسيحيون أنفسهم أحرارًا — بل ومضطرين — لرفع الصوت ضد سياسات معيّنة لإسرائيل، مثل إتاحة الإجهاض، والسماح لمسيرة فخر المثليّين بالمرور عبر شوارع القدس، وفكّ الارتباط مع غزة عام 2005. ومن الواضح إذن أن دعم العلياه ليس نتاجًا للدعم الأعمى وغير النقدي لإسرائيل، وهو الدعم الذي غالبًا ما يُتّهم به الصهاينة المسيحيون من قِبل منتقديهم.

السرديّات الصهيونية المسيحية للعلياه: الاسترداد، والمصالحة، والخلاص

بالنسبة للصهاينة المسيحيين، يُعدّ من البديهيّات أن إسرائيل القوميّة المعاصرة تقع على ذات الأراضي الموعودة لنسل إبراهيم في الكتاب المقدّس العبري. ومن المُسلَّم به بالقدر ذاته أن أولئك الأحفاد هم يهود اليوم، في جميع أنحاء العالم.

إن ما قد يبدو «مجرّد» انخراط سياسي مع إسرائيل هو في واقع الأمر تعبير عن معتقد دينيّ راسخ يتمثّل في الارتباط المُقدَّر إلهيًّا بين الشعب اليهودي والأرض. وفي بيان أُلقي أمام مجلس الشيوخ الأمريكي عام 2001، أوضح السيناتور جيمس إنهوف الرابط بين المظهر السياسي والحقيقة الدينية الكامنة في أساسه:

«أنا أؤمن بشدّة أنه ينبغي علينا دعم إسرائيل؛ وأن لها الحقّ في الأرض، وهذا هو السبب الأهم؛ لأنّ الله قال ذلك... ابحثوا عن ذلك في سفر التكوين... إن الله هو من يتحدّث. يقول الكتاب المقدّس إن أبرام نقل خيمته وأتى وأقام في سهول ممرا، التي تقع في حبرون، وبنى هناك مذبحًا للرب. وتقع حبرون في الضفة الغربية. وفي هذا المكان ظهر الله لأبرام وقال: «أنا أعطيك هذه الأرض»، أي الضفة الغربية. هذه ليست معركة سياسية على الإطلاق. بل هي صراع حول ما إذا كانت كلمة الله حقيقية أم لا».[31]

بالنسبة للصهاينة المسيحيين، تُعدّ إسرائيل استثنائية، وذلك بأمر إلهيّ. إنّها الدولة القومية الوحيدة في العالم التي تحظى بأهمية، من منظور خارق للطبيعة، ويُستشعر أن الأرض ذاتها متحالفة كونيًا مع قوى الخير، ويُنظر إلى إسرائيل على أنّها أرض الله، تلك التي اصطفاها وحدّد معالمها بأسلوب خاصّ لتكون إرثًا لشعب مختار بغية تحقيق رسالتهم المميّزة. إنها فريدة من نوعها بفضل أصلها ودورها، بحيث إن «جميع الأمم الأخرى خُلقت بفعل البشر، غير أنّ إسرائيل خُلقت بفعل الله! المنحة الملكية للأرض التي أُعطيت لإبراهيم ونسله من خلال إسحاق ويعقوب بعهد أبديّ وغير مشروط»[32]. إنها «قطعة الأرض الوحيدة على وجه الأرض التي اعتبرها الله ثمينة للغاية، وقيّمة جدًا، لدرجة أنّه أدرجها، جنبًا إلى جنب مع أبنائه، في عهد أبدي»[33].

وفي نظر الصهاينة المسيحيين، في حين أنّ الأرض تمتلك قوة كامنة بحكم اصطفاء الله لها، فإنّ حقيقة استعادة إسرائيل لاستقلالها السياسي كدولة يهوديّة تحديدًا في القرن العشرين لا تقلّ عن كونها معجزة، حيث تعمل كنقطة اتصال حيوية بين الماضي والمستقبل. وتُتّخذ عودة الشعب اليهودي إلى إسرائيل كدليل على الاعتقاد بأن الله يفي بوعوده السابقة لشعبه المختار. وعلى هذا النحو، تُعدّ العلياه بمثابة برهان على جدارة الله بالثقة فيما يخصّ ما سيأتي به المستقبل لكلّ من الأفراد والعالم أجمع. وبالنسبة للصهاينة المسيحيين، لا تُعدّ الهجرة اليهودية إلى إسرائيل مسألة متعلّقة بالسياسة العامة، بل هي بالأحرى قضية نبوءة إلهية. وكما أوضح لي القس سميث[34]، وهو زعيم صهيوني مسيحي في كندا:

«عندما أفكّر في الاسترداد، يتجلّى ذلك في حقيقة أن الله قد نطق بكلمته، وأنه يفي بها، وها هو الآن يعيد شعبه إلى أرض إسرائيل تمامًا كما تنبّأتْ كلمته. لقد عاد، وهو يرمّم الخرائب القديمة، تمامًا كما تنبّأتْ كلمته. وبالنسبة لي، هذا مدعاة للحماس. إنه لمن المثير أن أكون على قيد الحياة في وقت تتحقّق فيه بالفعل أجزاء كبيرة من كلمته المقدّسة لتقديم الدليل على أنه إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، وأنّه إله إسرائيل. إنه الإله الذي ينطق بكلمته ويفي بها».

على النقيض من المفكّرين المسيحيين الكلاسيكيين مثل جاستن الشهيد[35] وأوغسطينوس، الذين رأوا في المنفى عقابًا إلهيًا لليهود لرفضهم يسوع، يستدعي الصهاينة المسيحيون صورًا مختلفة، معتمدين بشكل أكثر صراحة على الكتاب المقدّس العبري. ويُعدّ القس هاريس[36] معلِّقًا صهيونيًا مسيحيًا بارزًا في القضايا السياسية والاجتماعية المعاصرة في إسرائيل. وكما أوضح لي:

«وفقًا للأنبياء... بعد الشتات، وبعد تشتّت الشعب اليهودي، الذين لم يُشتّتوا بسبب عدم إخلاصهم ليسوع، بل بسبب عدم إخلاصهم لله... لقد طُردتم [أيها اليهود] في جميع أنحاء العالم لفترة طويلة. وفي نهاية فترة من الزمن، قال الله إنه سيعيدكم [أيها اليهود]. سيعيدكم مادّيًا».

بالنسبة للصهاينة المسيحيين، تُتّخذ هجرة اليهود إلى إسرائيل ذات السيادة كدليل على وجود إله يفي بوعوده، وتكون بمثابة برهان على الحقيقة الأبدية لكلمة الله. وتسمح قراءتهم للنبوءات التوراتية، باستخدام تأويل مستقبلي، بأن تشير كلمات هوشع وزكريا وحزقيال إلى أحداث تقع بعد آلاف السنين في المستقبل في دولة إسرائيل المعاصرة. وأوضح السيد كوين[37]، الذي عمل لسنوات عديدة في إسرائيل في منظمة صهيونية مسيحية كبرى بقوله:

«هناك نمط توراتيّ للعودة إلى الأرض. لقد أخرج موسى الشعب من مصر، ودخل يشوع إلى الأرض. وكان أوّل شيء تعيّن عليه القيام به بمجرّد عودته إلى الأرض هو إقامة صلاة توبة وبناء مذبح للربّ، وجعل الأمّة تجتمع، وتتوب، وتستعيد علاقتها الصحيحة مع الله. وعندما عادوا من بابل، كان أوّل ما فعلوه هو إعادة بناء بيت الرب. وفي الإصحاح التاسع من سفر نحميا، يمكنك قراءة صلاة توبتهم أمام الله... إذن، هناك نمط للعودة. ولم تصل إسرائيل إلى هذه المكانة بعد... لا أعرف بالضبط أين يقف الشعب اليهودي مع الله في الوقت الراهن، لكنّني أرى عودة — موعدًا موعودًا وإلهيًّا بين الله والشعب اليهودي، بينكم وبين حبيبكم، في مكان لا يُسمح فيه إلّا لليهود. هذا من سفر هوشع، وهو من الإصحاح الرابع من سفر زكريا، ومن الإصحاح الثاني من سفر أيوب، وليس فقط من أسفار العهد الجديد. إن الأنبياء يعدّون بذلك حقًّا. إنّ العمليّة الخلاصيّة التي نعيشها اليوم هي عودة مادية إلى الأرض، وعودة روحية إلى الله. إن عبارة «سأعيدكم إلى الأرض ثمّ أرشّ عليكم ماءً نقيًا». ذلك هو حزقيال. ويقول إرميا: «سأعيدكم إلى الأرض، ثم سأقطع معكم عهدًا جديدًا». هناك موعد إلهي ما يجمع الله بالشعب اليهودي».

تأتي إحدى الصور الفاعلة في الفكر الاستردادي للصهيونية المسيحيّة من رؤية وادي العظام الجافّة في الإصحاح السابع والثلاثين من سفر حزقيال. وقد كانت صورة تجميع العظام معًا مادّيًا قبل أن تُبعث فيها الروح حاسمةً في تبرير سبب إمكانية استرداد اليهود إلى أرض الموعد في ظلّ عدم إيمانهم. ويؤكّد الصهاينة المسيحيون أن العودة الماديّة لليهود إلى إسرائيل ليست سوى مقدّمة لصحوة روحية؛ إذ إنّ العودة المادّية لليهود إلى دولة إسرائيل ما هي إلّا الفصل الأوّل من دراما متعدّدة الفصول. وكما قال القس هاريس[38]، وهو يستكشف معي هذه الصورة:

«يقول الله إنّه سيمدّ يده أوّلًا بحنان وحبّ وتعاطف؛ وإنه سيعيد اليهود مادّيًّا. سيجمع العظام معًا، كما يقول حزقيال، ويعيد بناء الأمة مادّيًّا؛ أولًا العظام، ثم الأوتار، ثم اللحم والجلد. ثم هناك نوع من التوقّف في القصة، لأنّهم ما زالوا موتى. ليس لديهم «رواخ»، أي لا توجد روح... بعد استردادهم المادّي، تحدث صحوة روحيّة — ليس مجرّد مهتدٍ هنا وهناك. ليس مجرّد «بعل تشوفاه»[39] هنا وهناك، بل كأمّة».

ويُعتقد أن الاسترداد المادي والروحي المُرتقب لليهود يحمل تداعيات بعيدة المدى. فإلى جانب ما يتعلّق بالشعب اليهودي وعلاقته المفترضة بالإله، يعكس دعم الصهاينة المسيحيين للهجرة اليهوديّة إلى إسرائيل اهتمامًا مسيحيًّا تقليديًّا بالبعد الكوني والشامل أكثر من اهتمامه بالبعد الخاصّ أو الحصريّ. ومن هذا المنظور، يُنظر إلى العلياه على أنّها حدث تترتّب عليه آثار تمتدّ إلى العالم بأسره، وتشمل اليهود وغير اليهود على حدّ سواء.

وعندما تحدّث القس سميث إلى مجموعته السياحية الصهيونية المسيحيّة عند قبر ديفيد بن غوريون، أوّل رئيس وزراء لإسرائيل، وصف بن غوريون بأنّه صاحب رؤية حقّق خطّة الله لعودة اليهود إلى إسرائيل. ومما أثار اهتمامًا خاصًّا حقيقة أن بن غوريون نفسه قد هاجر إلى إسرائيل (فلسطين العثمانية آنذاك) في عام 1906. وقد قُدّم هذا الحدث للمجموعة باعتباره مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بنهضة شارع أزوسا[40] عام 1906، والتي تُعدّ أهمّ صحوة في القرن العشرين وأذنت ببداية الحركة الخمسينية. أمّا أنْ تبدأ نهضة المطر المتأخّر[41] في عام 1948 — وهو العام الذي نالت فيه إسرائيل استقلالها السياسي — وتنبثق حركة يسوع[42] في عام 1967 — وهو عام الانتصار «المعجزة» في حرب الأيام الستّة والتوسّع الإقليمي — فمن المستبعد أن يكون مجرّد صدفة في نظر القس سميث ومجموعته السياحية. وكما أوضح قائلًا:

«إن كلّ ما يحدث في إسرائيل يرتبط ارتباطًا مباشرًا بما يحدث في الكنيسة؛ لأنه، كما ترون، في الوقت الذي تشهد فيه إسرائيل استردادها، تكتسب الكنيسة قوّة وفهمًا أكبر... نحتاج أن ندرك أن استرداد إسرائيل يُحدث تأثيرًا مباشرًا وعظيمًا للأغيار... ففي كلّ مرّة يحدث فيها أيّ شيء لاسترداد إسرائيل، أو يُجلَب شخص يهودي إضافي إلى هذه الأرض، فكأنّما تنظر السماء إلى أسفل وتقول: «مهلًا، يمكننا القيام بشيء إضافي بين غير اليهود»».

وفي وقت لاحق، خلال إحدى المقابلات، توسّع القس سميث في هذه الفكرة، مؤكِّدًا على أنّ وجود اليهود «في مكانهم» (إسرائيل) يتعلّق في الواقع باستعادة اليهود لعلاقتهم مع الله، ويتعلّق في نهاية المطاف بجميع الشعوب التي تلعب أدوارها المُقررة في الدراما الكونية:

«في نهاية المطاف، لا أعتقد أنّ الله يريد مجرّد إعادة الشعب اليهودي إلى أرض إسرائيل لكي يتمكّنوا من بناء منازل هناك. أعتقد أنه، في النهاية، يدعوهم للعودة إلى قلبه لكي يحبّوه ويعبدوه و... لنرى كمال كلمته يتحقّق لنا جميعًا... لأنه في نهاية المطاف، لا يحبّ الله الشعب اليهودي فحسب، بل يحب العديد من الشعوب الأخرى. لقد اختار الشعب اليهودي ليجلب هذا الوحي إلى الأرض بأكملها. وهكذا، يطلق الشعب اليهودي شرارة البداية، ثم يتولّى غير اليهود دورهم».

وعلى النقيض من سرديّات المهاجرين التي تميل إلى التأكيد على تيمات القطيعة والتهجير، فإنّ الصهاينة المسيحيين يؤطّرون العلياه بعبارات معاكسة تمامًا: باعتبارها أشياء تتجمّع (تعود) معًا، وتتمحور حول العودة (الرجوع) إلى مكانها الصحيح. وبالتالي، بدلًا من المهاجرين، الذين يُعتبرون من الناحية السرديّة «في غير مكانهم»، يُنظر إلى العوليم[43] — أي المهاجرين اليهود إلى إسرائيل — على أنّهم يعودون إلى مكانهم الحقيقي المُقدَّر إلهيًّا في الأرض الموعودة لنسل إبراهيم. وتُعدّ الهجرة اليهودية إلى إسرائيل، بالنسبة للصهاينة المسيحيين، جزءًا من رؤية لاهوتيّة للاسترداد والمصالحة، حيث يُتغاضى عن التفاصيل الدنيوية لتجربة المهاجرين لصالح الأهمّيّة الكونية المُتصوَّرة للهجرة ذاتها. إنّ هجرة اليهود إلى الدولة اليهودية لا تتعلّق أبدًا بما حدّدته لويز روراباشر[44] على أنّه «جميع عناصر التجربة الإنسانية الحتميّة في عمليّة الهجرة، من الحنين إلى الوطن، والتكيّفات المؤلمة، وخيبات الأمل المريرة، وصولًا إلى النجاحات والإخفاقات النهائية».[45]

الصهيونية اليهودية والعلياه

لا يتفرّد الصهاينة المسيحيون البتة في تبنّي فكرة أن الهجرة اليهودية إلى إسرائيل تُعدّ فريدة من نوعها. ففي الواقع، بينما تُعتبر العلياه على أحد المستويات مجرّد شكل من أشكال الهجرة أُحيط بخطاب رمزي ودلالي مكثّف، إلّا أنّها تتمتّع ببعض السِمات الخاصة، حيث تعمل كركيزة أساسية للدولة على الصعيدين الهيكلي والأيديولوجي. ويحصل المهاجر اليهودي إلى إسرائيل على امتيّازات معيّنة كحوافز، بما في ذلك المواطنة الفورية، والدعم المالي، والخدمات المُصمَّمة خصيصًا لتلبية احتياجاته.

يُعزِّز الخطاب العام والسياسة الإسرائيلية فكرة العودة اليهودية إلى وطن الأجداد باعتبارها أمرًا فريدًا. وكما تشير جوديث شوفال[46]: «منذ مراحلها الأولى، بُنيت فكرة الهجرة إلى إسرائيل اجتماعيًا كظاهرة فريدة»[47]. ويتجلّى هذا بوضوح في استخدام اللغة العبرية: فالمهاجرون اليهود إلى إسرائيل يُطلق عليهم عوليم، وهم الذين يمارسون فعل العلياه، أي «الصعود». أما هجرة اليهود من إسرائيل فتُصوَّر على أنها يِريدا[48]، أي «الهبوط». وأما جميع الأشكال العامّة الأخرى للهجرة، بما في ذلك هجرة غير اليهود إلى إسرائيل، فهي تُسمّى ببساطة هجيراه[49]، وهي كلمة لا تُطلق أبدًا على اليهود ولا على هجرتهم إلى إسرائيل. وكما يلاحظ ديفيد بارترام «إنّ وصف الهجرة اليهودية إلى إسرائيل بأنها علياه هو إذًا استحسان لها على مستوى جوهري—كما يفعل بالفعل معظم اليهود الإسرائيليين».[50] وتستثمر الدولة بشكل كبير في فكرة أنّ الهجرة اليهودية إلى إسرائيل تُعدّ فريدة من نوعها.

ولذلك يجب أن نتساءل عمّا إذا كان الدعم الصهيوني المسيحي للعلياه يعكس ببساطة الخطاب الصهيوني اليهودي المعتاد حول تفرّد إسرائيل كوطن لليهود. وبغضّ النظر عن السِمة المسيحية المميّزة بوضوح للدعم الصهيوني المسيحي لإسرائيل، فمن المهمّ أن نتذكّر أن الأفكار المتعلّقة بمعنى الدولة اليهودية وأهميّتها ليست بأيّ حال من الأحوال بمنأى عن الجدل بين اليهود أنفسهم. فإنّ رؤية أيّ نوع من الفداء الإلهي في إسرائيل اليهودية يُعدّ أمرًا مرفوضًا بشدّة بالنسبة للصهاينة العلمانيين والمعادين للصهيونية من المتديّنين على حدّ سواء. كما أن المعارضة المبكرة للحركة الإصلاحية للصهيونية موثّقة بشكل جيّد. ولن يخطر ببال اليهود غير المنتمين تنظيميًا أو غير المتعلّمين في أمريكا الشمالية أبدًا أن يعتبروا «العودة» اليهودية إلى إسرائيل كجزء من تَحقُّق الخطّة الإلهية للخلاص.

وحتى داخل الصهيونيّة الدينيّة، تبرز انقسامات جوهرية حول هذه القضية تتجلّى في النقاشات المتعلّقة بأنواع الصلوات التي ينبغي أو لا ينبغي تلاوتها في يوم الاستقلال. وفي كتاباته عام 1998، أشار سيرجيو ديلا بيرجولا إلى تراجع أسطورة «تجميع المنفيّين» في تفسير الدعم الإسرائيلي للهجرة اليهوديّة[51]. وحتى بين المهاجرين اليهود الجدد إلى إسرائيل من أمريكا الشمالية، والذين تتميّز هجرتهم الطوعية بارتفاع عدد المهاجرين الذين يُصنّفون أنفسهم بأنّهم «متديّنون»، فإن الدوافع الفعلية للعلياه تُعدّ دوافع مركّبة وتشمل عوامل اقتصادية، وشخصية، وسياسية مهمّة.

من الواضح أن الفكرة الصهيونية المسيحية القائلة بأنّ العلياه هي جزء من خطّة الله لاستعادة الشعب اليهودي وخلاصه، ناهيك عن خطة الله لاستعادة العالم كلّه وخلاصه، لا تمثّل بأيّ حال من الأحوال مجرّد انعكاس للمعتقدات الصهيونية الأوسع لليهود.

العوليم كمهاجرين

لا يطرح الصهاينة المسيحيون أصلًا سؤال: «من هو المهاجر الجيّد؟» أو «ما الذي يجعل المهاجر جيّدًا؟» عندما يتعلّق الأمر بـ العلياه. فكلّ هجرة يهودية إلى إسرائيل تُعدّ هجرة جيّدة. ومما لا يثير الدهشة، أنّ المداولات الصهيونية المسيحية بشأن من هو اليهودي لا تعتمد أبدًا على التعريفات اليهودية الهالاخية[52]، مما يعكس ازدواجيّة كبيرة تجاه اليهودية الحاخامية. ولا يجد الصهاينة المسيحيون صعوبة تُذكر في الاعتماد على الدولة لتحديد الهوية اليهودية وفقًا لقانون العودة. وفي هذا السياق، فإنّ القضايا التي قد تثير إزعاج وتخبط الحاخامية الإسرائيليّة بشدّة لا تمثّل أي أهمّية بالنسبة للصهاينة المسيحيين؛ فاليهود هم أولئك الذين تعتبرهم الدولة يهودًا لأغراض المواطَنة. ومع ذلك، هناك استثناء جوهريّ: اليهود المسيانيون[53].

بموجب تعديل عام 1970 لقانون العودة، يحقّ لابن اليهودي، وحفيده، وزوجه، وكذلك زوج الابن وزوج الحفيد، المطالبة بحقوق اليهودي الذي يهاجر إلى إسرائيل. ويُستثنى من ذلك اليهودي الذي غيّر دينه طواعية[54]. وهذا يعني عمليًّا أن اليهود المسيانيين، باستثناء بعض الظروف المحدّدة للغاية، لا يمكنهم الهجرة إلى إسرائيل كيهود بموجب قانون العودة.[55]

تُجادِل رسالة مفتوحة وُجّهت عام 1990 إلى المحكمة العليا الإسرائيلية بشأن القرار الصادر عام 1989 ضد غاري وشيرلي بيريسفورد[56]، وهما يهوديان مسيانيان من جنوب إفريقيا سعيًا للحصول على الجنسيّة الإسرائيليّة كيهود بموجب قانون العودة، بأن إفراد الإيمان اليهودي بيسوع (يشوع) كعائق خاصّ أمام الهوية اليهودية هو أمر يفتقر إلى المنطق بشدّة:

«في إسرائيل، يمكن للمرء أن يكون ملحِدًا ويكون إسرائيليًّا، أو من أتباع البهائيّة ويكون إسرائيليًّا، أو هندوسيًّا، ويكون إسرائيليًا، أو بوذيًا ويكون إسرائيليًّا، أو حتى قاتلًا ويظلّ إسرائيليًّا. ومع ذلك، إذا تصادف أن يهوديًّا يتمسّك بصدق بهويّته الوطنيّة وتراث إيمانه، يؤمن بالطريقة التي آمن بها مئات وآلاف اليهود في القرن الأول، بأن يسوع الناصريّ هو مسيح إسرائيل ... يُقال له: «أنت لست جزءًا من الأمّة الإسرائيليّة» ...[نحن] نطلب بكل تواضع، كإخوة يهود وأتباع مخلصين للأسفار العبرية، أن نُمنح نفس الاحترام والاعتراف والحقوق التي تتمتّع بها بقية الأمّة التي نشاركها التراث والتاريخ والمصير... نحن يهود. وُلدنا يهودًا، وسنموت يهودًا»[57].

يجمع الصهاينة المسيحيّون من غير اليهود الكثيرَ من القواسم المشتركة مع اليهود المسيانيين: دعمهم لإسرائيل، واهتمامهم بالجذور اليهودية للمسيحية، ولاهوتهم الإنجيلي المشترك. بالنسبة للصهاينة المسيحيّين، يُعدّ اليهود المسيانيون أعضاءً في جسد المسيح ويهودًا في الوقت ذاته، وهو مزيج لا يمكن للتيّار اليهوديّ الرئيسيّ أن يتقبّله. إن حرمان إسرائيل لهم من حقوق المواطنة كيهود يهدّد المعتَقَد الراسخ للمسيحية الإنجيلية بأنّه يمكن للمرء أن يكون يهوديًا عرقيًّا ويؤمن بيسوع المسيح. ويُعدّ هذا الرفض لليهود المسيانيين كيهود لأغراض المواطَنة مثالًا آخر على سياسة إسرائيل التي ينتقدها الصهاينة المسيحيون. ومع ذلك، فإن هذا الانتقاد يبقى خافتًا بدافع الخوف من أن تؤدّي المناصرة الصاخبة لهذه القضية إلى استعداء العالم اليهودي السائد داخل إسرائيل وخارجها، والذي يُعدّ رفضه لليهودية المسيانيّة أمرًا قاطعًا.

الخاتمة

بالنسبة للداعمين المسيحيين الإنجيليين لإسرائيل، فإنّ هجرة اليهود إلى إسرائيل، ببساطة، ليست مجرّد هجرة. إن إيمان الصهيونية المسيحية بتفرّد الهجرة اليهودية إلى إسرائيل لا يمثّل مجرّد انعكاس للفكر الصهيوني اليهودي حول أهمّية العلياه. كما أنّه لا يعكس ذلك الموقف غير النقدي تجاه السياسات الإسرائيلية والذي قد يتوقّعه بعض المراقبين من هؤلاء الداعمين المتفانين لإسرائيل.

يفهم الصهاينة المسيحيّون هذا التعبير الخاص للهجرة ضمن إطار لاهوتي يستند إلى أفكار استردادية مبكرة. ويستمدّ هذا الإطار قوّته لدى أتباعه الإنجيليين من مصدره الذي يتّسم بسلطة ظاهرية (الكتاب المقدّس)، ومن اتّساعه الزمنيّ (من إبراهيم إلى المجيء الثاني)، ومن نطاق تأثيره (العالم بأسره، يهودًا وغير يهود على حدّ سواء).

ومع ذلك، ومما لا شكّ فيه، فإن ما يجعل هذه الرؤية للهجرة اليهودية إلى إسرائيل أكثر وجاهة وإقناعًا بالنسبة للصهاينة المسيحيين المعاصرين هو أنّها، في الواقع، قيد التنفيذ. فما كان بالنسبة لدعاة الاستردادية في القرن التاسع عشر مجرّد حلم رومانسي بعيد المنال، أصبح بالنسبة للصهاينة المسيحيّين مشروعًا مستمرًّا يمكن تعزيزه وتشجيعه، ومهمّة يمكن رؤية ثمارها تتجوّل في شوارع القدس بمئات الآلاف.


المصادر والمراجع:

Shapiro, Faydra, “Thank You Israel, for Supporting America’: the Transnational Flow of Christian Zionist Resources,” Identities: Global Studies in Culture and Power 19:5 (2012).

Kearney, Michael, “The Local and the Global: The Anthropology of Globalization and Transnationalism,” Annual Review of Anthropology 24 (1995).

Knoll, B. R., “And Who Is My Neighbor? Religion and Immigration Policy Attitudes,” Journal for the Scientific Study of Religion 48:2 (2009).

McDaniel, Eric L., Irfan Nooruddin, and Allyson F. Shortle, “Divine Boundaries: How Religion Shapes Citizens’ Attitudes Toward Immigrants,” American Politics Research 39:1 (2011).

Smith, Gregory A., “Attitudes Toward Immigration: In the Pulpit and the Pew,” http://www.pewresearch.org/2006/04/25/attitudes-toward-immigration-in-the-pulpit-and-the-pew/ (accessed May 19, 2013).

Blackstone, William E., “Palestine for the Jews: A Copy of the Memorial Presented to President Harrison, March 5, 1891,” reprinted in Christian Protagonists for Jewish Restoration: An Original Anthology, ed. Adolf Augustus Berle (New York: Arno, 1977).

Inhofe, James M., “Senate Floor Statement of Senator Inhofe: America’s Stake in Israel’s War on Terrorism,” (December 4, 2001).

Ministries, John Hagee, “Why Christians Should Support Israel,” http://www.jhm.org/Home/About/WhySupportIsrael (accessed June 5, 2014).

Waller, Tommy, “HaYovel Update: The Freeze,” HaYovel Newsletter, November 2010.

Rorabacher, Louise E., ed., Two Ways Meet: Stories of Migrants in Australia (Melbourne: Cheshire, 1963).

Morera de la Vall, Elisa, “Looking Through Their Eyes,” in Martin Renes, ed., Lives in Migration: Rupture and Continuity, http://www.ub.edu/dpfilsa/ebook1contents.html (accessed May 31, 2013).

Shuval, Judith, “Migration to Israel: The Mythology of Uniqueness,” International Migration 36:1 (1998).

Bartram, David, “Migration, Ethnonationalist Destinations and Social Divisions: Non-Jewish Immigrants in Israel,” Ethnopolitics 10:2 (2011).

DellaPergola, Sergio, “The Global Context of Migration to Israel,” in Immigration to Israel: Sociological Perspectives, ed. Elazar Leshem and Judith T. Shuval (New Brunswick: Transaction, 1998).

The Jerusalem Post, International Edition, May 5, 1990.



[1]. المصدر:

“Living in the Hour of Restoration: Christian Zionism, Immigration, and Aliyah,” in Comprehending

Christian Zionism: Perspectives in Comparison, edited by Göran Gunner and Robert O. Smith, Minneapolis: Fortress Press, 2014.

[2]. Faydra L. Shapiro


[3]. تُحفظ هويات المشاركين في المقابلات في هذا الفصل من خلال استخدام أسماء مستعارة.


[4]. International Christian Embassy Jerusalem (ICEJ)


[5]. Christians United for Israel (CUFI)


[6]. aliyah


[7]. transnationalism


[8]. للاطلاع على دراسة أكثر تعمقًا حول العبر-قومية والصهيونية المسيحية، انظر:

Shapiro, “Thank You Israel, for Supporting America’: the Transnational Flow of Christian Zionist Resources,” 616–31.


[9]. Kearney, “The Local and the Global: The Anthropology of Globalization and Transnationalism,” 548.


[10]. Nefesh b’Nefesh


[11]. International Fellowship of Christians and Jews


[12]. John Hagee Ministries


[13]. Cyrus Foundation


[14]. Ebenezer Fund’s Operation Exodus


[15]. Word of Life’s Operation Jabotinsky


[16]. ومن باب الإفصاح الكامل، تجدر الإشارة إلى أن صورةً لعائلة الكاتبة معروضة على ذلك الجدار بوصفها عائلةً يهودية هاجرت إلى إسرائيل. ولم نتلقَّ أي دعم مالي مباشر من الصهاينة المسيحيين أو منظّمات الصهيونية المسيحية من أجل هجرتنا. غير أننا تلقّينا منهم التشجيع، وعلى الأرجح الدعوات والصلوات من أجل نجاح هجرتنا (العلياه) واستقرارها.


[17]. Knoll, “And Who Is My Neighbor? Religion and Immigration Policy Attitudes,” 313–31; and McDaniel et al., “Divine Boundaries: How Religion Shapes Citizens’ Attitudes Toward Immigrants,” 205–33.


[18]. Pew Research Poll


[19]. Smith, “Attitudes Toward Immigration: In the Pulpit and the Pew.”


[20]. Eric McDaniel


[21]. Irfan Nooruddin


[22]. Allyson F. Shortle


[23]. McDaniel et al., “Divine Boundaries: How Religion Shapes Citizens’ Attitudes Toward Immigrants,” 212.


[24]. Jerry Falwell


[25]. Billy Graham


[26]. Pat Robertson


[27]. William Blackstone


[28]. redeemer nation


[29]. President Harrison


[30]. Blackstone, “Palestine for the Jews: A Copy of the Memorial Presented to President Harrison, March 5, 1891,”, 17.


[31]. Inhofe, “Senate Floor Statement of Senator Inhofe: America’s Stake in Israel’s War on Terrorism”.


[32]. Ministries, “Why Christians Should Support Israel”.


[33]. Waller, “HaYovel Update: The Freeze”.


[34]. Pastor Smith


[35]. Justin Martyr


[36]. Pastor Harris


[37]. Mr. Quinn


[38]. Pastor Harris


[39]. penitent


[40]. Azusa Street Revival


[41]. Latter Rain Revival


[42]. Jesus Movement


[43]. Olim


[44]. Louise Rorabacher


[45]. Rorabacher, ed., Two Ways Mee, 13-14, quoted in Elisa Morera de la Vall, “Looking Through Their Eyes”.


[46]. Judith Shuval


[47]. Shuval, “Migration to Israel: The Mythology of Uniqueness,” 4.


[48]. yerida


[49]. hagirah


[50]. Bartram, “Migration, Ethnonationalist Destinations and Social Divisions: Non-Jewish Immigrants in Israel,” 237.


[51]. DellaPergola, “The Global Context of Migration to Israel,” 51-94.


[52]. halachic


[53]. Messianic Jews


[54]. وتشمل الاستثناءات الأخرى اليهود الذين يُعدّون خطرًا على سلامة دولة إسرائيل، أو اليهود ذوي السوابق الإجرامية الخطيرة.


[55]. وفي عام 2008، دفع استئناف ناجح أمام المحكمة العليا الإسرائيليّة بأن اليهود المسيانيين الذين ينحدرون من أب يهوديّ فقط لم يكونوا يهودًا في أيّ وقت مضى، وبالتالي لا يمكن القول إنّهم قد غيّروا دينهم.


[56]. Gary and Shirley Beresford


[57]. The Jerusalem Post, 4.