الباحث : الدكتورة أسماء أحمد محمود
اسم المجلة : الاستغراب
العدد : 43
السنة : صيف 2026م / 1448هـ
تاريخ إضافة البحث : September / 22 / 2026
عدد زيارات البحث : 161
الخلاصة
في ظل التحولات العميقة التي تشهدها المنطقة ، وما تكشف عنه التطورات الراهنة في فلسطين من استمرار الصراع حول الأرض والهوية والشرعية السياسية، تبرز الحاجة إلى إعادة النظر في الخلفيات الفكرية والدينية والسياسية التي أسهمت في تشكيل المشروع الصهيوني، وفي مقدمتها ظاهرة الصهيونية المسيحية. فهذه الظاهرة لا يمكن فهمها بوصفها مجرد اتجاه ديني هامشي، بل بوصفها تيارًا فكريًا وسياسيًا تداخل، عبر مسار تاريخي طويل، مع التحولات التي شهدها الفكر البروتستانتي والسياسة الأوروبية ثم الأمريكية، وأسهم في توفير أرضية فكرية وسياسية لدعم المشروع الصهيوني.
ومن هنا يأتي هذا الحوار مع الدكتورة أسماء أحمد محمود، المتخصصة في فلسفة التاريخ والحضارة، للبحث في الجذور التاريخية والفكرية للصهيونية المسيحية، وتحولاتها، وعلاقتها بالمصالح الاستراتيجية للقوى الغربية، وصولًا إلى حضورها المعاصر، ولا سيما في الولايات المتحدة. كما يتناول الحوار موقع الفكر العربي والإسلامي والمسيحي في نقد هذه الظاهرة، وأبرز الإسهامات التي قدمها المفكرون العرب، وفي مقدمتهم الدكتور عبد الوهاب المسيري، الذي قدم في مشروعه الفكري قراءة سوسيولوجية وفلسفية للصهيونية، متجاوزًا التفسيرات التقليدية إلى تحليلها باعتبارها ظاهرة تاريخية واستيطانية ذات أبعاد غربية ووظيفية.
ويتوقف الحوار بصورة خاصة عند إسهامات المسيري النظرية ومفاهيمه المركزية، مثل «الجماعة الوظيفية»، و«الدولة الوظيفية»، و«الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة»، ومدى قدرة هذه المفاهيم على تفسير الواقع الذي تشهده المنطقة اليوم. المحور الأول: تاريخ الحركة الصهيونية
السؤال الأول: باعتباركم من المتخصصين في مجال التاريخ والحضارات، نتمنى منكم في البداية أن تعرضوا بشكل موجز تاريخ الحركة الصهيونية؟ ومتى بدأت فعليا؟ وما هي جذورها الفكرية في التاريخ؟
في البداية قبل الحديث عن تاريخ الحركة الصهيونية أريد أن أوضح بشيء من الإيجاز ما المقصود بالصهيونية ؟
الصهيونية بمعناها الشائع هي الحركة الرامية إلى تأسيس وطن قومي لليهود في فلسطين. ومن ثم، فالصهيوني هو من يدعو إلى تهجير اليهود إلى فلسطين وتوطينهم فيها. وتشير كلمة «صهيون» في التراث الديني اليهودي إلى جبل صهيون والقدس، بل وإلى الأرض المقدسة ككل، ويشير اليهود إلى أنفسهم باعتبارهم «نبت صهيون». وتمثل فكرة العودة إلى صهيون فكرة محورية في المعتقد الديني اليهودي. أما عن صياغة مصطلح «الصهيونية» فيعد النمساوي نثان بيرنباوم Nathan Birnbaum أول من صاغ هذا المصطلح واستخدمه في تسعينيات القرن التاسع عشر في مجلة الانعتاق الذاتي، وشرح معناه أن الصهيونية تعني من منظوره إقامة منظمة تضم الحزب القومي السياسي. وصرح في المؤتمر الصهيوني الأول في بازل 1897 أن الصهيونية ترى أن القومية والعرق والشعب شيء واحد. استلهم بيرنباوم المصطلح من «صهيون» وهو جبل يقع خارج سور القدس الجنوبي، ويشير عند اليهود إلى الأرض المقدسة كما ذكرت منذ قليل. تولى برنباوم رئاسة المنظمة الصهيونية العالمية، لكنه في وقت لاحق رفض الأيديولوجيا الصهيونية والقومية اليهودية، ثم انتهى به المطاف ليصبح مفكرًا أرثوذكسيًا مناهضًا للصهيونية.
يعتقد البعض أن تاريخ الصهيونية يرجع إلى ثيودور هيرتزل وكتابه «الدولة اليهودية»، لكن هذا الرأي غير صحيح، فقد انطلقت الصهيونية كحركة تنادي بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، من الكنيسة المسيحية البروتستانتية، واستمرت ما يقارب من ثلاثمئة عام قبل أن يعقد المؤتمر الصهيوني الأول في بازل 1897. احتلت الأدبيات الدينية اليهودية موقعًا كبيرًا مع وجود حركة الإصلاح، حيث نشر الراهب الألماني مارتن لوثر كتابه «المسيح ولد يهوديًا» عام 1523. وتدور الأدبيات اليهودية التي تسربت إلى العقيدة المسيحية حول ثلاثة أمور: أولًا: أن اليهود هم شعب الله المختار. ثانيًا: أنه ثمة ميثاقًا إلهيًا يربط اليهود بالأرض المقدسة في فلسطين. ثالثًا: هو ربط الإيمان المسيحي بعودة السيد المسيح وقيام دولة صهيون، أي بإعادة تجميع اليهود في فلسطين. هذه الأمور الثلاثة هي التي تؤلف الصهيونية المسيحية التي تربط الدين بالقومية، والتي تُسخّر الاعتقاد الديني المسيحي لتحقيق مكاسب يهودية. وتعزو فكرة عودة اليهود إلى فلسطين إلى توماس برايتمان 1607 في كتابه«Apocalypisi Apocalypisi »؛ يقول فيه إن اليهود كشعب سيعودون مرة ثانية إلى فلسطين وطن آبائهم الأوائل لا من أجل الدين، بل لكي لا يكافحوا كغرباء ونزلاء لدى الأمم الأجنبية. وتكريسًا لهذا التحول، أصبح العهد القديم المرجع الأعلى لفهم العقيدة المسيحية وبلورتها. ومنذ القرن السادس عشر تجاوزت اليهودية حدود العقيدة الدينية، وأصبحت أمة ورمزًا للقومية، وتحول العهد القديم من كتاب دين إلى كتاب سياسي يقوم على العهد الإلهي بالأرض المقدسة للشعب اليهودي المختار.
في القرن السابع عشر وجه عالمان من علماء اللاهوت وهما جوانا وألينزر كارترايت مذكرة إلى الحكومة البريطانية طالبا فيها بأن يكون للشعب الإنجليزي شرف حمل أبناء إسرائيل على متن سفنهم إلى الأرض التي وعد الله بها إبراهيم وأبنائه ومنحهم إياها إرثًا أبديًا. كان أوليفر كرومويل أول سياسي بريطاني يتبنى مضمون هذه المذكرة، ودعا إلى عقد مؤتمر 1655 والذي تم من خلاله ربط الصهيونية المسيحية بالمصالح الاستراتيجية لبريطانيا. وهنا يمكن القول إن توظيف الدافع الديني لتحقيق مكاسب سياسية ذات بعد استراتيجي أسس القاعدة الثابتة للصهيونية المسيحية في بريطانيا أولًا، وأوروبا وبعد ذلك في الولايات المتحدة. ففي بريطانيا ظهرت أفكار دينية تقول إن المعاناة التي واجهتها بريطانيا في الحرب الأهلية بسبب سوء معاملة اليهود. وفي أوروبا تكونت جمهورية هولندا على أساس المبادئ البروتستانتية . وقد أدى انتصار البروتستانتية على الكاثوليكية في الحرب الدينية إلى انتشار تيار المسيحية الصهيونية في أوروبا.
كان نابليون بونابرت أول رجل دولة أوروبي يدعو اليهود إلى إقامة وطن لهم في فلسطين خلال حملته على مصر والشرق. والبيان الذي وجهه إلى اليهود جاء قبل 118 سنة من صدور وعد بلفور بإنشاء وطن قومي لليهود في 1917، أيضًا كان نابليون أول رجل دولة يتبني موقفًا سياسيًا من نبوءات دينية يهودية. وبذلك، يعد بيان نابليون أول ترجمة سياسية للصهيونية المسيحية . ورغم أن مشروع نابليون لم يتحقق، إلا أن الدعوة لاقت رواجًا واسع النطاق لفكرة البعث اليهودية وخاصة في عهد لويس الرابع عشر على يد رئيس الحكومة كولبير. كانت فرنسا في ذلك الوقت تدعي حماية الأقليات المسيحية الكاثوليكية في الشرق، وكانت روسيا تدعي حماية الأقليات المسيحية الأرثوذكسية، ولم تكن الدعوة الإنجيلية قد وصلت إلى الشرق، فكان طبيعيًا ان يبحث اللورد بالمرستون عن أقلية حتى تدعي بريطانيا حمايتها، وقد وجد في اليهود تحقيق هدفه، وهكذا تكاملت المصلحة الاستراتيجية البريطانية مع الصهيونية المسيحية. أنشأ اللورد بالمرستون أول قنصلية بريطانية في القدس 1838، استجابة لإلحاح اللورد شافتسبري. حتى ذلك الوقت لم تكن الصهيونية اليهودية قد ظهرت في أوروبا، لأن يهود أوروبا كانت الأولوية لديهم الحصول على حريتهم الدينية والسياسية في أوروبا وليس الهجرة إلى فلسطين. وفي عام 1841 كتب تشارلز تشرشل أحد أنصار الصهيونية المسيحية رسالة إلى المجلس اليهودي في لندن يقول فيها «إن استعادة اليهود لوجودهم كشعب في فلسطين أمر ميسور إذا تولى اليهود طرح موضوع العودة على الصعيد العالمي. وينبغي على أن تبادر القوى الأوروبية إلى دعمهم تحقيقًا لهذا الهدف». وقد كانت هذه الدعوة أول دعوة تحريضية من الصهيونية المسيحية لقيام الصهيونية اليهودية. وكانت أيضًا أول تحريض للعمل على تجميع القوى الأوروبية وراء مشروع الاستيطان اليهودي في فلسطين.
بدأ التمهيد للاستيطان منذ عام 1865 من خلال بعثات الاستكشاف إلى فلسطين. كان هناك القسيس هشلر الذي كان يشغل منصبًا في السفارة البريطانية أخذ ينظم عملية تهجير اليهود الروس إلى فلسطين. وفي عام 1894 نشر كتابًا بعنوان «عودة اليهود إلى فلسطين» صدر هذا الكتاب قبل عامين من صدور كتاب الدولة اليهودية لـ ثيودور هرتزل 1896 وهو الكتاب الذي بلور بعد ذلك مؤتمر بازل 1897. تزامن الإعلان عن البرنامج السياسي للمؤتمر الصهيوني اليهودي الأول مع تدفق يهود اوروبا الشرقية إلى بريطانيا والولايات المتحدة. لم يكن جوزيف تشمبرلين مرتاحًا لهذه الهجرة، لأنها قد تؤدي لانعكاسات سلبية على الاقتصاد البريطاني. لذلك، وجد في تبني المشروع الصهيوني وسيلة لتحويل المهاجرين اليهود من بريطانيا إلى العريش أو أوغندا. ثم اجتمع تشمبرلين مع هرتزل في لندن، وقد أرسى هذا اللقاء قاعدة اللقاء الذي سيتم بين آرثر بلفور ووايزمان 1914.كان بلفور أول مسؤول بريطاني يمنح اليهود أرض أوغندا لإقامة دولتهم عليها، غير أن المؤتمر الصهيوني الرابع الذي عقد 1903، رفض هذا العرض تمسكًا بأرض فلسطين. استجاب بلفور لهذا الطلب واعد مذكرة حول موضوع الاستيطان اليهودي. ونظرًا لعدم قدرة بريطانيا على احتلال فلسطين ، اقتضت المصالح البريطانية والصهيونية المشتركة فرض الانتداب البريطاني على فلسطين تمهيدًا للوقت المناسب الذي يتمكن فيه اليهود من إعلان قيام دولتهم. وفي نوفمبر 1917 صدر وعد بلوفر. وفي عام 1922 منحت الأمم المتحدة بريطانيا حق الانتداب رسميًا، وتكون قد أقرت ضمنًا أيضًا مضمون الوعد بإقامة وطن قومي لليهود. فور صدور وعد بلفور، تحرك اليهود لتنفيذه. في العام 1918 وصل إلى فلسطين وفد يهودي يضم وايزمان وجميس روتشلد للعمل كلجنة ارتباط بين اليهود والسلطة البريطانية، وبلغ عدد اليهود في تلك الفترة 55 ألف شخص. ثم عينت بريطانيا هيربرت صموئيل منصب المندوب السامي في فلسطين، كان صموئيل يهوديًا وكان هدفه أن يستوطن فلسطين 4 أو 5 ملايين يهوديًا، ولتنفيذ ذلك كانت الأراضي العربية تصادر من أصحابها وتحول إلى مستوطنات لليهود. نتيجة لذلك، تضاعف عدد اليهود في فلسطين ووصل إلى 17 بالمئة من السكان، وعندما قاوم العرب الهجرة والاستيطان ومصادرة الأراضي وتواطؤ المندوب السامي، كون اليهود المنظمات الإرهابية التي تحولت إلى النواة الأولى للجيش الإسرائيلي عام 1948. تبنى الكونجرس الأمريكي قرار المؤتمر الصهيوني الذي في نيويورك عام 1942، وفي عام 1944 اتخذ قرارًا تتعهد الولايات المتحدة بموجبه بذل قصارى جهدها من أجل فتح أبواب فلسطين أمام اليهود . ولم يكن الإعلان الرسمي بقيام إسرائيل عام 1948 حتى بادرت الولايات المتحدة بتقديم منحة لها قدرها مئة مليون دولار مخصصة لمشاريع التنمية. وعقب انتهاء الانتداب البريطاني فلسطين وإعلان قيام دولة إسرائيل اندلعت الحرب بين العرب وإسرائيل في 15 مايو 1948. تفوقت إسرائيل في الحرب على الجيوش العربية، وسيطرت على نحو 78% من مساحة فلسطين التاريخية. كان هذا عرض موجز لتاريخ الحركة الصهيونية. انتقل بعد ذلك للإجابة على الجزء الثاني من السؤال الخاص بالجذور الفكرية للحركة الصهيونية بشكل موجز.
لم تقف أدبيات الصهيونية المسيحية عند حدود الكنيسة، فمن أجل تأصيل هذه الأدبيات وتعميمها على جميع شرائح المجتمع، كان لابد من هيكل أدبي فوق قواعدها الفكرية. ترجم ذلك ميلتون Milton في قصيدته الفردوس المفقود Paradise Lost حيث يقول: «إن الله سيشق لليهود طريق البحر ليعودوا مسرورين إلى وطنهم، كما شق لهم طريق البحر الأحمر ونهر الأردن عندما عاد آباؤهم إلى أرض الميعاد». وبالإضافة إلى ميلتون، ترددت أفكار مشابهة في قصائد وأعمال أدبية للورد بايرون Lord Bayron، وكولريدج Colridge، وألكسندر بوب، كما ترددت في كتابات جان راسين Jean Racine، وجاك بوسيه Jacque Bousset. وتعد رواية جورج آليوت George Eliot دانيال ديروندا (Daniel Deronda) من الأدبيات التوراتية التي تنبأت بقيام إسرائيل كجمهورية تسود فيها العدالة والحرية والرخاء.
لعب فلاسفة ألمانيا وبريطانيا وفرنسا دورًا في فلسفة هذه التوجهات في القرن السابع عشر حتى أصبحت جزءًا لا يتجزأ من القناعات التي تفرض في اتحاذ القرار السياسي داخل حكومات الدول الأوروبية. في ظل هذه البيئة الفكرية ظهرت «جمعية لندن لتعزيز المسيحية بين اليهود»، وكان اللورد شافتسبري أحد أبرز أركانها. فقد نشر مقالًا أكد فيه أن اليهود سيظلون غرباء حتى يعودوا إلى فلسطين, وفي هذا المقال أيضًا رفع لأول مرة شعار «وطن بلا شعب لشعب بلا وطن». وكان وزير خارجية بريطانيا بالمرستون أبرز سياسي يتبنى مشروع اللورد شافتسبري.
السؤال الثاني: بحسب بعض الكتب والنصوص، فإن الحركة الصهيونية وجدت أصداءها في الفكر المسيحي البروتستانتي، لماذا تميز هذا التيار المسيحي بالاهتمام بالصهيونية، وما سبب عدم وجود هكذا امر عند التيارات الاخرى كالكاثوليك والارثوذوكس؟
نعم، لقد ولدت الصهيونية في أحضان المسيحية البروتستانتية؛ فهي كانت أنشودة مسيحية قبل أن تصبح حركة سياسية على يد هرتزل. وإذا رجعنا إلى بدايات هذا التيار والمسيحية الصهيونية، فإن مصطلح الإصلاح البروتستانتي يشير إلى الاضطرابات الدينية، والثقافية، والاجتماعية التي انتشرت في أوروبا في القرن السادس عشر، ويؤرخ له- وهو الرأي الشائع –بانشقاق مارتن لوثر وظهور كتابه «المسيح ولد يهوديًا». فمنذ ذلك الحين بدأ الموقف المسيحي تجاه اليهود يتغير مع حركة الإصلاح البروتستانتي، حيث تصدت للكنيسة في احتكار تفسير الكتاب المقدس، ومن ثم، تم إحياء النص التوراتي، وبدأ التفسير الحرفي للنصوص المتعلقة باليهود يحل محل التأويلات والتفسيرات التي تبنتها الكنيسة الكاثوليكية. كانت علاقة المسيحية الغربية باليهود في معظمها علاقة رفض واضطهاد. ومنذ بدايات القرن السابع عشر نظرت البروتستانتية إلى اليهود على أنهم شعب مميز، وبناءً على تفسيراتهم الحرفية اعتقدوا أن عودة اليهود إلى فلسطين شرط لتحقيق المجيء الثاني للمسيح الذي يحمل معه الخلاص والسلام. ومن هنا نشأت المسيحية الصهيونية وهي عبارة عن تيار من الإنجيليين البروتستانت يؤمن بأن : عودة اليهود إلى فلسطين، وإقامة وطن لهم، هي جزء من خطة الله. وجدير بالذكر، أن نشير إلى أن اول من رفع شعار : «فلسطين أرض بلا شعب لشعب بلا أرض» -الذي يتبناه اليهود- هم أصوليون مسيحيون. وبذلك، مهدت الصهيونية المسيحية لظهور الصهيونية اليهودية ودعمتها لتنفيذ مشروعها الاستيطاني في فلسطين.
إن قراءة الأحداث التاريخية تؤكد لنا ان الكنيسة البروتستانتية لعبت دورًا هامًا في قيام الصهيونية عن طريق حشد الرأي العام الغربي إلى جانب الصهاينة، وجمع الأموال وتشجيع الهجرة إلى فلسطين. ولمدة 150 عامًا كان المسيحيون المدافعين الوحيدين عن الصهيونية. وعمل البروتستانتيون بمفردهم في إصرارهم على توطين اليهود في فلسطين. والسبب في تبني البروتستانت هذه الحركة ربما كان نتيجة التطورات في القانون الدولي الأوروبي التي قادت إلى مزيد من الليونة. وقد يكون بسبب اتساع الدور الاقتصادي لليهود في التجارة العالمية. وأن نظريات الاصلاح بتأكيدها على العهد القديم ركزت الاهتمام على اليهود بدرجة كبيرة، حتى إن الطوائف اليهودية ذات النفوذ اليهودي القوي برزت من خلال الكنائس البروتستانتية. وبعض العلماء صنفوا الاصلاح على إنه إحياء لليهودية ، حيث تقبل البروتستانتيون الأوائل مظاهر من التقاليد اليهودية منها عودة المسيح ، والألفية أي حكم السلام لمدة ألف سنة على الأرض. وخلال حركة الاصلاح تقبل المسيحيون البروتستانت الكتاب المقدس على أساس أنه يشكل السلطة العليا للاعتقاد والسلوك. فبدلًا من كنيسة معصومة كالتي يمثلها البابا في روما وافق البروتستانت على كتاب مقدس معصوم. ومع ترجمة النصوص توجه البروتستانتيون الأوائل إلى العهد القديم، ليتعرفوا على تاريخ وقصص العبرانيين وأرض فلسطين، ومن هنا بدأ الكثير من البروتستانت يفكر في أن فلسطين أرض يهودية. أيضًا كان للمسيحين الصهاينة أسبابًا سياسية، والدليل على ذلك، في عام 1841 نشرت كولونيال تايمز اللندنية مذكرة إلى ملوك اوروبا البروتستانت تدعوهم بإعادة اليهود إلى فلسطين، وتذكر ان الموضوع أكثر من مجرد رغبة دينية، بل هو هدف سياسي أيضًا. وبصرف النظر عن أسباب تأييد الاصلاحية البروتستانتية فكرة إنجلترا وأوروبا متحررة من كل اليهود، فإن العديد من اليهود الصهيونيون ينسبون الفضل إلى المسيحية الصهيونية في مساعدتهم لتحقيق هدفهم، وهو خلق دولة يهودية لا يرحب بغير اليهودي مواطنًا فيها.
أما عن الشق الثاني من السؤال ، فإن السبب في عدم ظهور هذه الحركة عند الكاثوليك أو الأرثوذوكس ، لأن الكنيسة الكاثوليكية تتمسك باعتقادها بأن ما يسمى بالأمة اليهودية قد انتهى. وأن الله طرد اليهود من فلسطين إلى بابل عقابًا على صلب المسيح. كانت الكنيسة تعتقد أيضًا أن النبوءات الدينية التي تتحدث عن العودة تشير إلى العودة من بابل، وأن هذه العودة قد تمت بالفعل على يد الامبراطور الفارسي قورش. لكن هذا الموقف الرافض للحركة الصهيونية اختلف في الكنائس الغربية عن الكنائس المشرقية.
فقد حافظت الكنائس الكاثوليكية والأرثوذكسية في الغرب -حتى عهد قريب- على موقف ثابت من اليهودية، يقوم هذا الموقف على رفض التصالح مع اليهود إلا إذا اعترفوا بالمسيح. ومن خلال العهد الجديد فسرت الكاثوليكية كل التنبؤات المتعلقة باليهود في الكتاب المقدس تفسيرًا جديدًا يستبعد أي مضمون سياسي للنصوص قد يعني عودة اليهود إلى فلسطين وإقامة وطن فيها. لكن بعد قيام الكيان الصهيوني بدأت بعض الكنائس الكاثوليكية في الغرب تعيد النظر في موقفها اللاهوتي من اليهود الأمر الذي استدعى مزيدًا من الدعم السياسي للكيان الصهيوني. وفي عام 1961 اصدر مجلس الكنائس العالمي الذي يضم كنائس بروتستانتية وأرثوذوكسية المنعقد في نيودلهي بيانًا أن العداء للسامية خطيئة ضد الله، وضد الإنسان.
لكن عكس ذلك تصدت الكنيسة الكاثوليكية في المشرق للصهيونية المسيحية ولأفكار التيار البروتستانتي، ووقفت ضد إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، وتصدت للمشاريع الصهيونية (المسيحية واليهودية). إن الصهيونية المسيحية في تناقض صارخ مع تعاليم المسيح التي تدعو إلى المحبة والتسامح والسلام مع الآخر، فهي لا علاقة لها بالدين، بل هي منهج لتفسير النصوص المقدسة تفسيرات حرفية، ومن ثم، صبغها بالصبغة المسيحية. لذلك كان موقف الكنائس المشرقية قويًا وحازمًا إذ قامت بقطع الصلة بينها وبين الصهيونية المسيحية، وظلت الكنائس الكاثوليكية والأرثوذكسية والكنائس الإنجيلية في الشرق حتى اليوم لا تتعامل معها وتقاطعها ولا تعترف بها.
المحور الثاني: الصهيونية المسيحية في زماننا المعاصر
السؤال الثالث: تركزت الصهيونية المسيحية في بداياتها في أوروبا، ولكن في هذه الايام نجد ان الفكر الانجيلي الاميركي من اكبر الداعمين لهذه الحركة، هل السياسة والمصالح هي التي تحرك مجالات حضور الصهيونية المسيحية؟ وبعبارة أخرى ما هو دور السياسة في تاريخ انتشار وتوزيع الصهيونية المسيحية؟
بالفعل، تركزت الصهيونية المسيحية في قرونها الثلاثة الأولى في أوروبا لا سيما في إنجلترا، وقد ترجع أسباب حماس الإنجليز لمساعدة اليهود بان الإنجليز أشد الناس تأثرًا بالتوراة، وقد ساعد تدين الإنجليز الذين يؤمنون بما جاء في التوراة بوجوب عودة اليهود إلى فلسطين وتحقيق آمالهم، ومن ثم، قدمت الكنيسة الإنجليزية في هذا الجانب أكبر المساعدات. وطبيعة الصهيونية هي البحث الدائم عن حامٍ ومعيل ، في البداية توجه الصهيونيون السياسيون إلى إنجلترا وبعد الحرب العالمية الثانية اعتمدوا كليًا على الولايات المتحدة. وقد تلاقت المصالح عندما ربط الاستراتيجيون الأوروبيون بين مصالح إمبراطورياتهم في المشرق العربي وبين هذه المعتقدات. وقد بدأ مخطط توطين اليهود في فلسطين ينتقل منذ 1841 إلى الميدان السياسي. حيث عبّر هنري تشرشل – ضابط الأركان البريطانية في الشرق الأوسط – عن رغبته في رؤية اليهود شعبًا لديهم دولة قومية، في تلك الأثناء وجه خطابًا إلى موسى مونتغيور وكان رئيس مجلس الممثلين اليهود في لندن؛ ناقلًا إليه رغبته في رؤية اليهود كشعب مستقل مع ضرورة مساعدة القوى الأوروبية لهم. وفي عام 1845 اقترح إدوارد بتفورد من مكتب المستعمرات في لندن إقامة دولة يهودية في فلسطين تكون تحت حماية بريطانيا. وترفع الوصاية عنهم بمجرد أن يصبح اليهود قادرين على حماية أنفسهم، وهذا ما سيضع بريطانيا في مركز القيادة في الشرق، بحيث تتمكن من مراقبة عملية التوسع والسيطرة. ونلاحظ هنا دور الحكومة والسلطة البريطانية في دعم الصهيونية المسيحية، حيث تلاقت مصالح الحركة الصهيونية المسيحية مع الحركة الصهيونية اليهودية، وأدى هذا التلاقي إلى دفع الأحداث في الشرق الأوسط باتجاه تجميع اليهود في فلسطين، ليس أملًا بتحقيق نبوءة دينية بالعودة الثانية للمسيح فقط، إنما رغبة في توظيف هذا التجميع لإقامة كيان ودولة تابعة تكون جسرًا لحماية المصالح الاستراتيجية لبريطانيا ثم للولايات المتحدة.
لعبت المصالح السياسية أيضًا دورًا في تدعيم الولايات المتحدة للصهيونية المسيحية، فهناك ثلاثة عوامل رئيسة لعبت دورًا في تولي الولايات المتحدة مسؤولية دعم الحركة الصهيونية أو الدولة الصهيونية وحمايتها منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية. العامل الأول: هو تنامي النفوذ الصهيوني المسيحي واليهودي وسيطرته على أسواق المال وعلى منابر الإعلام الأمريكية، ولذلك، تكمن خطورة هذه الحركة في قوة النفوذ والسلطة التي تمتلكها. العامل الثاني: هو تنامي الحركة الكنسية الإنجيلية التي تؤمن بالتفسيرات السياسية لنبوءات توراتية تربط بين عودة المسيح وقيام إسرائيل، وهذا أعطى دفعًا قويًا لحركة الصهيونية المسيحية. العامل الثالث: هو تنامي المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط لا سيما مصالحها من النفط. وتقوم على هذه العوامل الثلاثة ثوابت السياسة الأمريكية في المنطقة، حتى إنه ثمة اعتقادًا لدى الحركة الصهيونية بجناحيها اليهودي والمسيحي ان الله يحمي أمريكا لأنها بدورها تحمي إسرائيل.
السؤال الرابع: هل اهتم الفكر العربي الإسلامي بشكل جاد بمسألة الصهيونية المسيحية؟ ما هي أهم مساهمات العرب والمسلمين في هذا المجال وبالخصوص في مجال نقد الصهيونية المسيحية؟
نعم، لقد أولى الفكر العربي الإسلامي والمسيحي اهتمامًا كبيرًا بمسألة الصهيونية المسيحية. حيث نظر المفكرون العرب للصهيونية المسيحية كأداة استعمارية تخدم المشروع الصهيوني. وكشفوا عن زيفها اللاهوتي واعتبروها إساءة فهم للنصوص المقدسة. ومن أبرز المفكرين العرب الذين تصدوا للصهيونية المسيحية:
الدكتور عبد الوهاب المسيري: يعد من اهم المفكرين العرب الذين فككوا الفكر الصهيوني في موسوعته، موضحًا أن فكرة الصهيونية أصلها مسيحي وليس يهودي. هاجم الحركة الصهيونية ورأى أنها حركة استيطانية استعمارية، وقد وظفت الكتاب المقدس لدعم الاستيطان. لم يكتف الدكتور المسيري بتفكيك الصهيونية وكشف زيف ادعاءاتها في موسوعته فقط، بل ألف العديد من الكتب عن تاريخ الصهيونية ومسارها، والأيديولوجية الصهيونية والمنظمات التي تدعمها. صاغ المسيري في موسوعته تعريفًا جديدًا للصهيونية يشمل العناصر الرئيسة المكونة لهذه الحركة، والتي تمثل التعريف الحقيقي للصهيونية.
محمد السماك: مفكر لبناني ومن أبرز الكتّاب العرب الذين تناولوا الصهيونية المسيحية. كتب في عدة صحف عربية منها الأهرام المصرية. ولم يكتفِ السماك بالتأليف والكتابة فقط عن الصهيونية المسيحية، بل ترجم للكاتبة والصحفية الأمريكية «جريس هالسل» التي كانت أحد اتباع الصهيونية المسيحية ، وكانت شاهدة على الاجتماعات، والخطط، والخطاب اللاهوتي والسياسي الذي يربط المصير الأمريكي بإسرائيل، وذلك قبل تحولها ونقدها للصهيونية المسيحية، لتصبح أول صوت إنجيلي يرتفع من داخل أمريكا ضد هذه الحركة. ترجم السماك لها كتابيّ النبوءة والسياسة وكتاب يد الله. أهتم السماك بالصهيونية المسيحية وقضى عدة أشهر بالولايات المتحدة يدرس أفكارها ومبادئها من داخلها ودونها في كتابه الصهيونية المسيحية.
القس دكتور منذر اسحق : هو راعي كنيسة الميلاد الإنجيلية في بيت لحم بفلسطين، ويعد من أبرز الأصوات العربية الناقدة للصهيونية المسيحية. أكد في لقاءاته على أنه لا يوجد شيء يسمى المسيحية الصهيونية، وإنما هناك مسيحيين يتبنون الحركة الصهيونية. كما أكد على أن استخدام الكتاب المقدس لتبرير الاحتلال يتناقض مع تعاليم المسيح . ومن أبرز مواقفه ضد الصهيونية المسيحية: أنه طرح «اللاهوت الفلسطيني» كبديل يقرأ الكتاب المقدس بعيون عربية، ومن منظور المعاناة والاضطهاد تحت الاحتلال، مؤكدًا أن إنجيل المسيح هو رسالة تحرير وسلام وعدالة، وليس أداة للاستعمار. كما حذر من أن الصهيونية المسيحية تغض الطرف عن معاناة الشعب الفلسطيني، وتتسبب في تقليص الوجود المسيحي التاريخي في الأراضي المقدسة. ويشير إلى أن أكثر من يواجه هذه الحركة ويتصدى لها هم المسيحين العرب بوجه عام والمسيحيين الفلسطينيين بوجه خاص، وذلك، من خلال المؤتمرات والكتابات، ومركز السبيل وإعلان كايروس فلسطين، ويأتي هذا التصدي في عدة جوانب منها أخلاقية وكتابية.
عبد الله معروف: باحث وكاتب أكاديمي فلسطيني يعمل أستاذًا للتاريخ الإسلامي ودراسات بيت المقدس في جامعة اسطنبول. يؤكد الدكتور عبد الله معروف أن المسيحية الصهيونية لا تمت للدين المسيحي بصلة، بل هي مشروع سياسي يقدس إسرائيل. وأن هذه الحركة توظف نصوصًا توراتية وإنجيلية وتؤولها بشكل حرفي لتبرير فكرة السياسات الاستيطانية. ويكشف معروف أن المسيحية الصهيونية تعمل على تحقيق مهمة مقدسة مزعومة، تهدف إلى التعجيل بنزول المسيح. وتكمن خطورة الصهيونية المسيحية في قوة نفوذها الإعلامية وسلطتها داخل الولايات المتحدة. كما يشير إلى أن التقاء الصهيونية المسيحية مع الصهيونية اليهودية يشكل تحالفًا استراتيجيًا يقود الدعم الغربي لإسرائيل.
المحور الثالث: الدكتور عبد الوهاب المسيري رائد نقد الصهيونية
السؤال الخامس: لمع اسم الدكتور عبد الوهاب المسيري في موسوعته حول اليهود واليهودية والصهيونية، اذا اردنا ان نقف عند مساهمته في هذا المجال، في البدء ما هي دوافعه التي كانت خلف تفرغه لمدة ربع قرن تقريبا لتأليف هذه الموسوعة؟
بداية، تعد موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية من ضمن مساعي الدكتور المسيري العديدة الرامية إلى إلقاء الضوء على حقيقة الحركة والدولة الصهيونية. وهي بمثابة تفكيك نقدي ومنهجي لكل ما هو يهودي. استغرق إعدادها ما يزيد عن ربع قرن ( 26 عامًا). لا تكمن أهمية موسوعة المسيري من كونها أول موسوعة تكتب عن اليهودية والصهيونية من شخص غير يهودي أو صهيوني، وإنما تكمن أهميتها في الرؤية الجديدة التي تقدمها عن اليهودية والصهيونية، تلك الرؤية التي أحدثت صدمة بين دعاة الصهيونية، والتي تلقى الدكتور المسيري بسببها خطابات تهديد بلغ عددها ثلاثة عشر خطابًا من مائير كاهانا (عضو الكنيست السابق ورئيس جماعة كاخ الصهيونية) لكي يتوقف عن مواصلة كتابة الموسوعة وعدم نشرها. لكنه استمر في مواصلة مشروعه حتى صدرت الموسوعة عام 1999. تقع الموسوعة في ثمانية مجلدات، يتناول كل مجلد موضوعًا محددًا. المجلد الأول: يتناول الإطار النظري والنماذج التفسيرية. المجلد الثاني: يتناول تاريخ الجماعات اليهودية. المجلد الثالث: يتناول الفكر والدين والتاريخ اليهودي القديم والحديث. المجلد الرابع: يتناول الحركات الدينية والفرق اليهودية. المجلد الخامس: يتناول اليهودية. المجلد السادس: الصهيونية. المجلد السابع: إسرائيل: المستوطن الصهيوني. والمجلد الثامن: إسرائيل النظام السياسي.
تتناول موسوعة الدكتور المسيري كل جوانب تاريخ العبرانيين في العالم القديم، وتواريخ الجماعات اليهودية بامتداد بلدان العالم، وتوزيعاتها وسماتها الأساسية، وعلاقات أفراد الجماعات اليهودية بالمجتمعات التي يوجدون بها وبالدولة الصهيونية. كما تتناول الموسوعة كل الجوانب المتعلقة بتاريخ اليهودية، وفرقها وكتبها الدينية ، وطقوسها وشعائرها، وعلاقاتها بالصهيونية ومعاداة السامية. وتغطي الموسوعة الحركة الصهيونية ونشاطاتها ومدارسها وأعلامها وبعض الجوانب الأساسية للدولة الصهيونية. كما تغطي الموسوعة أشهر الأعلام من اليهود مثل ( موسى بن ميمون) وغير اليهود ممن ارتبطت أسماؤهم بتواريخ الجماعات اليهودية مثل(نابليون بونابرت وهتلر).
كان دافع المسيري من كتابة هذه الموسوعة تقديم تفسير يتجاوز ادعاءات الصهيونية، فجميع الحركات الفاشية حتى النازية كان لها شعارات إنسانية – كما يرى المسيري-، أما الصهيونية لا تملك أي أساس أخلاقي ولا قيم إنسانية، لكونها حركة استيطانية مجردة من الإنسانية. لذلك، رأى أنه ليس ثمة تعايش بين الوجود الصهيوني والوجود الفلسطيني. كما تهدف الموسوعة إلى توفير الحقائق التاريخية المعاصرة عن الظواهر اليهودية والصهيونية والإسرائيلية، وإلى تقديم رؤية جديدة للموضوعات التي تغطيها؛ محاولةً تطوير خطاب تحليلي لوصف الظاهرة اليهودية والصهيونية، وهو خطاب يسترجع البعد التاريخي لهذه الظاهرة، من حيث كونها ظاهرة اجتماعية يمكن فهمها والتعامل معها. ومن ثم، جاءت الموسوعة كمساهمة في حوار نقدي للصهيونية؛ بمعنى أن المسيري يتحاور مع الصهاينة من خلال توضيح رؤيته للأوهام الصهيونية العنصرية. أيضًا من اسهامات الموسوعة أنها تعطي كلًا من القارئ العربي وصانع القرار في الدول العربية خريطة تفصيلية لهذه الظاهرة اليهودية والصهيونية. فعلى المستوى القومي تزود صانع القرار العربي، مهما كانت اتجاهاته السياسية، بقدر كبير من المعلومات اللازمة لاتخاذ أي قرار. أيضًا تعد مرجعًا عربيًا رصينًا للعاملين في مجالي السياسة والإعلام، إذ تزودهم بالمعلومات الضرورية عن اليهود والصهيونية وإسرائيل.
ولا تتوقف الاستفادة فقط على الساسة والإعلاميين، بل أيضًا على المتخصصين في فروع المعرفة الأخرى الذين يتصدون لدراسة الظواهر اليهودية والصهيونية والإسرائيلية. لقد استطاع المسيري من خلال موسوعته وكتاباته الأخرى عن اليهودية والأيديولوجيا الصهيونية أن يواجه تلك الحركات بأساليب علمية، وكرس حياته لدراستهم بطريقة مستفيضة. مما أتاح للقارئ العربي معرفة طبيعة العدو الحقيقي والأفكار والمعتقدات التي يتبناها.
السؤال السادس: اذا اردنا أن نبدأ من التعريفات التي توصل إليها أو انطلق منها الدكتور المسيري، ما هو فهمه الخاص لليهود واليهودية والصهيونية؟ وكيف فسر هذه الأمور سوسيولوجيا وفلسفيًا؟
يعد التمييز بين هذه التعريفات الثلاثة: (اليهود واليهودية والصهيونية) هي الفكرة الأساسية التي تتمحور حولها موسوعة المسيري، وقد اعتمد في تعريفه لهذه المصطلحات على تفكيك المفاهيم والمقولات، ثم انتقل من التفكيك إلى التأسيس عبر طرح رؤية عربية بديلة ونحت مصطلحات جديدة لوصفها. ومن ثم، طرح تفسيرات مختلفة لتلك الظواهر أو التعريفات الثلاثة. والتي نعرضها كالتالي:
أولًا: اليهود: هم جماعات موجودة حول العالم تتأثر بالمجتمعات التي فيها. ونود أن نشير في تعريف المسيري لليهود أنه أسقط تعريف اليهود واستخدم بدلًا منه الجماعات اليهودية، لأن اليهود تعني وجود كتلة واحدة متماسكة تسمى اليهود لهم صفات تميزهم عن غيرهم، لكن عندما بحث عن تلك الصفات لم يستطع الوصول إليها أو لم يجدها. أما الجماعات اليهودية فلها مقدرة تفسيرية؛ مثلًا باستطاعة المرء أن يدرس الجماعات اليهودية في المجتمع الأمريكي في سياقها الأمريكي، وكذلك، الجماعة اليهودية في روسيا ويدرسها في سياقها الروسي، أي أن الجماعة اليهودية تعتمد طبيعة تفسيرها وفق سياق المجتمع الذي تنتمي إليه. وخلاصة القول فإن اليهود جماعات متباينة تعيش في مجتمعات مختلفة، وقد اكتسبوا هوياتهم وصفاتهم من المجتمعات التي يعيشون فيها.
ثانيًا: اليهودية: هي عقيدة ذات معيارية تختلف من عصر لآخر. والتوراة هي المرادف لليهودية، لكن يوضح الدكتور المسيري أن ثمة اختلافات بينهما؛ فمصطلح «اليهودية» يؤكد الجانب البشري، بينما يؤكد مصطلح «التوراة» الجانب الإلهي. ولذا، يمكن الحديث عن «اليهودية العلمانية» بينما يصعب الحديث عن «التوراة العلمانية». ويستخدم مصطلح «اليهودية» للإشارة إلى الجوانب التاريخية المتغيرة وإلى تفاعل اليهودية مع الحضارات الأخرى. ومن السمات الجوهرية التي تفصل اليهودية عن العقائد التوحيدية الأخرى. (أ) تتميز اليهودية كنسق ديني بعدم تجانسها؛ نظرًا لظهورها في مرحلة متقدمة نسبيًا من التاريخ، ونظرًا لاستيعابها كثيرًا من العناصر الدينية والحضارية من سائر الحضارات التي وجدت فيها. ونظرًا لعدم التجانس، ولاحتواء اليهودية على عناصر شتى، فقد وجد المسيري أنه من الصعب تعريف هوية اليهودي. (ب) تتسم اليهودية بأن تقاليدها الشفوية أصبحت اكثر من مجرد تقاليد، فقد أصبحت بمثابة شريعة شفوية. (ج) رغم أن العقيدة اليهودية تتضمن نزعة توحيديةـ، إلا ان معدلات الحلولية أخذت تتصاعد حتى هيمنت الحلولية على العقيدة اليهودية، فأصبحت يهودية اسمًا، وحلولية فعلًا. (د) السمة الرابعة والأخيرة هي استيلاء الصهيونية على اليهودية تمامًا بحيث خلقت في ذهن الكثيرين ترادفًا شبه كامل بين الصهيونية واليهودية.
ثالثًا: الصهيونية: يُعرف المسيري الصهيونية بأنها أيديولوجيا سياسية غربية ذات توجه استعماري استيطاني إحلالي وديباجات واعتذارات يهودية، وأنها وظفت المفاهيم الدينية لتحقيق أهدافًا سياسية. رفض المسيري التعريفات الشائعة لمصطلح الصهيونية؛ لأنها تعريفات تتسم بضعف مقدرتها التفسيرية. ومن ثم، كان لابد من طرح تعريف اكثر تركيبية وشمولية وله مقدرة تفسيرية أعلى. ذهب المسيري إلى أن ثمة صيغة صهيونية أساسية شاملة تشكّل التعريف الحقيقي للصهيونية، تُعرف بــ الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة، يشمل هذا التعريف العناصر الأساسية المكونة للصهيونية. ويلخصها فيما يلي: (أ) أن اليهود شعب عضوي منبوذ غير نافع (أي جماعة وظيفية فقدت وظيفتها)، يجب نقله خارج أوروبا ليتحول إلى شعب عضوي نافع. (ب) يُنقل هذا الشعب إلى بقعة خارج أوروبا، وبعد طرح عدة دول مثل: أوغندا والأرجنتين استقرت الآراء على فلسطين؛ بسبب مكانتها الدينية، وأهميتها الاستراتيجية للغرب، ليوطَّن فيها ويحل محل سكانها الأصليين. (ج) يتم توظيف هذا الشعب لصالح الغرب الذي سيقوم بدعمه وضمان بقائه. حاول المسيري من خلال تعريفه للصهيونية تحديد معناها اللفظي ومجالها الدلالي. وقد تم تهويد هذه الصيغة وأصبحت «الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة اليهودية» . لاحظ المسيري أن كثيرًا من الأسس التي تستند إليها الصيغة الشاملة قد اختفت بفعل التطورات التاريخية. فيهود الغرب قد تناقص عددهم واندمجوا في مجتمعاتهم، وبالتالي، لم يعد هناك مجالًا للحديث عن عدم نفعهم. كما أن عملية نقل اليهود ونفي العرب قد اكتملت معالمها لا سيما بعد قيام الدولة الصهيونية. وبذلك، لم يتبق من الصيغة الشاملة المكونة للصهيونية إلا الدولة الوظيفية التي يدعمها الغرب ويضمن بقاءها، وهذا ما يشكل أساس الاجماع الصهيوني.
فكك الدكتور المسيري تلك الظواهر الثلاث (اليهود واليهودية والصهيونية) في موسوعته متجاوزًا التفسيرات التقليدية والنصوص الدينية إلى مقاربة سوسيولوجية وفلسفية نقدية.
التفسير السوسيولوجي: حاول المسيري أن يجعل من اليهود ظاهرة اجتماعية تاريخية يمكن التعامل معها، ومن ثم، يمكن التعامل معها سلمًا أو حربًا. ورأى أن اليهودية ليست كتلة صلبة أو عرقًا نقيًا، بل هي عقيدة دينية انخرط معتنقوها في سياقات اجتماعية واقتصادية مختلفة. وقد اهتم بدراسة «الجماعات اليهودية» في إطار علم اجتماع الأقليات والجماعات الاثنية. ومن ثم، استخدم مفهوم الجماعة الوظيفية لتفسير تعامل الغرب تاريخيًا مع اليهودي باعتباره عضو أقلية، و أداة لأداء وظائف معينة. وهو ما يفسر تحويل اليهود إلى مادة بشرية لتحقيق أطماع القوى الكبرى في المنطقة. ولذلك، يرى المسيري أن نموذج الجماعات الوظيفية هو أكثر النماذج قدرة على تفسير واقع هذه الجماعات عبر تاريخها القديم والمعاصر.
مفهوم الجماعة الوظيفية: هي جماعة يكونها المجتمع من خارجه أو يجندها من داخله، ويعهد إليها بوظيفة معينة ويُعرفها في إطار هذه الوظيفة. مثال على ذلك المماليك، فالمسيري يرى أن المماليك جماعة قتالية عُرفت في ضوء وظيفتها. وبالمثل يعتقد أن اليهود أو الجماعات اليهودية كانت جماعات وظيفية عهد إليها بوظيفتين أساسيتين: التجارة والربا. ويؤكد أن المسألة ليست مرتبطة بالطبيعة الخاصة لليهود، وإنما مرتبطة بوضع اجتماعي معين. والمسألة اليهودية في جوهرها هي مسألة الجماعة الوظيفية التي أصبحت بلا وظيفة، وأنشأ الغرب وظيفة لهذه الجماعة وهي وظيفة استيطانية، أي أن يؤسس لهم دولة في فلسطين تصبح هذه الدولة قاعدة لمصالح الاستعمار الغربي، فهي تدافع عن المصالح الغربية نظير أن يدافع الغرب عن أمنها. ويطلق على هذه العلاقة (العلاقة التعاقدية) الموجودة بين الدولة الصهيونية الوظيفية والعالم الغربي.
الصهيونية كحركة استيطانية وظيفية: يرفض الدكتور المسيري فكرة أن الصهيونية تعد «حتمية تاريخية» أو امتداد طبيعي لليهودية. فقد فسرها سوسيولوجيًا على أنها «حركة استيطانية إحلالية» وهي بمثابة امتداد للاستعمار الغربي. ومن ثم، فقد وصف المشروع الصهيوني بأنه مشروع وظيفي يخدم مصالح الإمبريالية الغربية في المنطقة العربية، حيث استخدم اليهود كأداة لتحقيق أطماع الاستعمار الغربي.
التفسير الفلسفي: تم تداول مفهوم الصهيونية على نطاق واسع بين الفلاسفة والمفكرين والشعراء، ورأى المسيري أن الصهيونية نتاج للمشروع العلماني الغربي المادي الذي يفرغ العالم من الغايات الأخلاقية والميتافيزيقية، وقد وظفت المقولات الدينية اليهودية وحولتها إلى مفاهيم سياسية وقومية وجغرافية لخدمة مشروعها. ومع تزايد معدلات العلمنة في المجتمعات الغربية، ظهرت نزعات ومفاهيم صهيونية في أوساط الفلاسفة، ولا سيما الرومانسيين، تنادي بإعادة توطين اليهود في فلسطين باعتبارهم شعب عضوي منبوذ. وقد حاولت شخصيات مثل «احاد هعام» دمج تمجيد نيتشه لـ « السوبر مان» بالتقاليد الدينية اليهودية.
الرومانسية وعلاقتها بالصهيونية: يعد من اهم مصادر الفكر الصهيوني هو الفكر الرومانسي وما يتفرع عنه من أفكار أخرى مثل النيتشوية والداروينية والنازية. ظهر الفكر الرومانسي كرد فعل لفكر الاستنارة وكتعبير عن تغيرات بنيوية عميقة في المجتمع الغربي. ويمكن رؤية أثر الفكر الرومانسي على الحركة الصهيونية من خلال الأفكار الرومانسية الأساسية مثل فكرة العودة التي تأخذ أشكالًا عديدة في الفكر الرومانسي، فهناك العودة إلى الطبيعة التي تظهر في الأدب الرومانسي، وهناك العودة للتقاليد القديمة أو العودة للجذور . وإذا كانت «أسطورة العودة» في سياقها الثوري، هي صورة مجازية لتحطيم الحدود وعودة للأصول الإنسانية التي تضم كل البشر، أي أنها دعوة للمساواة والإخاء. فإن أسطورة العودة عند الصهاينة تتبنى المفهوم الرومانسي لتبرير تمركز الهوية الصهيونية حول نفسها. ويتضح المضمون السياسي العنصري لأسطورة العودة عند الصهاينة في قصيدة تشرنحوفسكي «أمام تمثال أبولو».
من الأفكار الفلسفية التي تبنتها الصهيونية فكرة التقدم والتي تعد مفهومًا محوريًا في فكر حركة التنوير الغربية، حيث ادعت الصهيونية أن المستوطنين الصهاينة هم حملة التقدم وأنهم عادوا للشرق لينقذوه من تخلفه ولينهضوا به. كما استوعب الصهاينة مفاهيم أخرى مثل الفلسفة «البرجماتية» وهي فلسفة علمانية عملية، والصهيونيون هم عمليون برجماتيون كما ذهب الدكتور المسيري. وذهب أيضًا للقول إن البرجماتية هي داروينية الضعفاء. فكل من البرجماتية والداروينية ينكر القيم المتجاوزة للواقع المادي، وكلاهما يؤمن بالقوة كآلية واحدة لحسم الخلافات. والداروني هو من ينجح في فرض إرادته، والبرجماتي هو من يهزم في المعركة.
الداروينية والصهيونية: يرى الدكتور المسيري أن الفكر الصهيوني مثل الفكر النازي ، ترجمة للرؤية الداروينية، فالصهاينة قاموا بغزو فلسطين باسم حقوقهم اليهودية المطلقة التي تجبُّ حقوق الآخرين، كما أنهم جاءوا إلى فلسطين ممثلين للحضارة الأوروبية يحملون عبء الرجل الأبيض. ونظرًا لقوتهم العسكرية فهم يملكون مقدرة أعلى على البقاء. تعد النيتشوية أيضًا أحد التبديات المتطرفة والمتبلورة للرؤية الرومانسية، ويطلق عليها المسيري رومانسية عصر الإمبريالية والعنصرية، وهي التعبير الفلسفي عن الرؤية الداروينية للواقع.
ويعرف المسيري النيتشوية بأنها الفلسفة الفردية والعدمية الغربية التي تعبر عن الأوضاع الحضارية والاقتصادية للمجتمع الغربي في ذروة الثورة الرأسمالية والتوسع الإمبريالي. وقد تأثر كثيرًا من المفكرين الصهاينة بالنيتشوية وكان تأثرهم بالداروينية من خلال قراءتهم للنتيشوية. فالصهيونية نشأت في احضان الفلسفة الألمانية التي تقدس روح الشعب وتقدس حقوقه المطلقة. وتؤكد على فكرة علاقة الأرض بالدم.
وتتشابه النيتشوية و الفكر الصهيوني في عدة نقاط: أن النيتشوية مثلها مثل الصهيونية، ديانة داروينية تسبغ نوعًا من الروحية والقداسة على قانون التطور، وتجعل من القوة الأساس الوحيد لأي نسق أخلاقي. الحياة بالنسبة للنيتشوية توسع ونمو واستيلاء على الآخر وهزيمة له، وتمجيد لأخلاق السادة الأقوياء. وهذا هو جوهر الصهيونية التي لا يمكنها أن تعيش إلا على التوسع وعلى إلغاء الآخر. وإذا كان نيتشه قد دعا الإنسان إلى أن يعود لحالة الحيوية والطبيعة المقدسة، وينبذ العقائد الدينية وأخلاق الضعفاء، فقد طرحت الصهيونية نفسها باعتبارها الأيديولوجية التي ستحول يهود المنفى الذين يؤمنون بأخلاق الضعفاء إلى يهود يؤمنون بأخلاق القوة يحسمون كل القضايا بالقوة.
العقلانية الآداتية: وظف المسيري أطروحات مدرسة فرانكفورت وفلسفة الحداثة الغربية، معتبرًا أن الصهيونية هي تجسيد للعقل الآداتي الغربي الذي يهدف إلى الهيمنة وتوظيف البشر؛ لتحقيق غايات مادية بحتة. ومن ثم، رأى أن الصهيونية هي ابنة الحداثة الغربية المادية التي تهمش الروح وتحول الإنسان لمجرد أداة وظيفية. ولذلك، قدم المسيري مفهوم الإنسان الطبيعي لتفسير جوهر الفكر الصهيوني، فهو إنسان مادي برجماتي تحكمه المنفعة والقوة.
السؤال السابع: ما هي أهم الابداعات النظرية التي توصل إليها الدكتور المسيري في رؤيته حول الصهيونية وهل برأيكم وفق لتفسير الواقع الذي نشهده اليوم؟
نعم وُفّق الدكتور المسيري، في رؤيته التحليلية للمشروع الصهيوني، وما نشهده اليوم يدل على صدق تحليلاته ودقة وعمق قراءاته.
يقوم تحليل الدكتور المسيري للظاهرة الصهيونية على نقد ونقض استثنائها لنفسها من التاريخ الإنساني، وإصرارها على أن الجماعات اليهودية تمثل شعبًا عضويًا يعيش خارج التاريخ. انتقد الصهيونية كنزعة عنصرية همجية من الناحيتين الأخلاقية والسياسية. كانت من إبداعاته النظرية في رؤيته للصهيونية إنها نتاج غربي لا يهودي، حيث اكد على أن الصهيونية ليست حركة دينية نابعة من وجدان اليهود ، بل هي ظاهرة استعمارية غربية تبنت النموذج الإمبريالي الغربي. لذلك، فالدولة الصهيونية ليست دولة يهودية وما تستخدمه من مقولات وشعارات ليس سوى مجرد قناع لإخفاء طابعها الاستعماري، إذ تمثل امتدادًا للاستعمار الغربي، والتزام الغرب نحوها نفعي وظيفي وليس أخلاقيًا. أيضًا من إبداعاته نفي فكرة «الشعب اليهودي» دحض الدكتور المسيري المقولة الأساسية للصهيونية بأن اليهود يشكلون قومية واحدة، وأثبت أن الجماعات اليهودية المنتشرة في العالم لا يجمعها عرق واحد، بل هي انتماءات متباينة جمعتها الأيديولوجيا الاستيطانية.
من إبداعات الدكتور المسيري مفهومه للدولة الوظيفية التي وضح فيها علاقة الدولة الصهيونية بالغرب، حيث تعد قاعدة متقدمة لحماية المصالح الغربية، وليس مجرد دولة دينية، وهو ما يبرر الدعم المالي والعسكري اللامحدود الذي تتلقاه من القوى الإمبريالية. ونظرًا لاعتبارها حركة استيطانية احلالية مثل نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، أكد عل استحالة التعايش معها، وفسر استمرار حركات المقاومة الفلسطينية استجابة طبيعية لمشروع يهدف إلغاء وجود الشعب الأصلي، ومن ثم، باتت المقاومة خيارًا حتميًا.
تعد صياغته الجديدة للصهيونية والتي تمثلت في الصيغة الصهيونية الشاملة أحد الابداعات النظرية التي توصل إليها المسيري، فالصيغة الأساسية الشاملة هي القاسم المشترك بين كل الصهيونيات: صهيونية اليهود _ صهيونية غير اليهود – صهيونية اليهود المتدينين – وصهيونية اليهود العلمانيين. كما تصلح أساسًا للتفرقة بين الصهيونية وغيرها من الحركات التي توجهت للقضايا نفسها. أيضًا الصيغة الشاملة تصلح إطارًا لكتابة تاريخ عام للصهيونية باعتبارها حركة فكرية سياسية اقتصادية اجتماعية في الحضارة الغربية، بحيث لا يتم الفصل بين صهيونية اليهود وصهيونية غير اليهود، وإنما ينظر إليهما كمراحل مترابطة في سياق تاريخي حضاري. أضف على ذلك تعد الصيغة الشاملة هي الأساس الذي يستند إليه العقد الصهيوني بين الحضارة الغربية والحركة الصهيونية بشأن يهود الغرب، والذي يتيح الفرصة أمام يهود الغرب تحقيق ما فشلوا به خلال تواجدهم بالغرب.
من خلال مفهومه للدولة الاستيطانية الإحلالية رفض المسيري التعامل مع إسرائيل كمجرد احتلال عابر، بل صنفها كمشروع إحلالي يهدف إلى إفراغ الأرض من سكانها الأصليين لتوطين المستوطنين؛ معتبرًا تأسيسها أكبر عملية سطو مسلح في القرن العشرين. وهذا ما نشهده اليوم من سياسة التهجير التي تسعى لها باستمرار لتهجير أهل غزة، والتوسع في بناء المستوطنات في الضفة الغربية. كما تنبأ بوجود أزمات بنيوية داخلية بسبب التناقضات الاثنية والطبقية بين المستوطنين، أي اليهود الشرقيين واليهود الغربيين. وهذا ما يفسر الانقسامات الاجتماعية والسياسية التي يشهدها المجتمع الصهيوني.