البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

مراجعة كتاب: الصهيونية المسيحية ( 1891- 1948)

الباحث :  ادارة التحرير
اسم المجلة :  الاستغراب
العدد :  43
السنة :  صيف 2026م / 1448هـ
تاريخ إضافة البحث :  September / 22 / 2026
عدد زيارات البحث :  74
تحميل  ( 418.25 KB )
مراجعة كتاب


الصهيونية المسيحية ( 1891- 1948)

إدارة التحرير


الكاتب: بول مركلي

المترجم: فاضل جتكر

الناشر: قدمس للنشر والتوزيع

سنة النشر: 2004

مكان النشر: سوريا

عدد الصفحات: 360

الفصل الأول: ها أنَذَا: نموذج ثنائي هرتسل وهتشلر

يتناول هذا الفصل من كتاب الصهيونية المسيحية (1891–1948) العلاقة المبكرة بين مؤسس الصهيونية السياسية تيودور هرتسل والقس البريطاني وليم هنري هتشلر، ويعرض كيف شكّل لقاؤهما سنة 1896 نقطة تحول في تاريخ الحركة الصهيونية وعلاقتها بالصهيونية المسيحية.

بدأت القصة بعد صدور كتاب هرتسل الشهير دولة اليهود عام 1896، حين زار هتشلر مكتب هرتسل في فيينا معلنًا أنه تنبأ منذ سنوات بظهور قائد يعيد اليهود إلى فلسطين. اعتبر المؤلف هذا اللقاء أول اتصال رسمي بين الصهيونية اليهودية والصهيونية المسيحية، إذ كان هتشلر يؤمن بأن عودة اليهود إلى فلسطين تحقيق لنبوءات دينية توراتية، بينما كان هرتسل يسعى إلى مشروع سياسي حديث لتأسيس دولة يهودية.

يكشف النص عن شخصية هرتسل النفسية والفكرية في تلك المرحلة. فعلى الرغم من تقديمه نفسه كرجل عقلاني وحداثي يؤمن بالعلم والسياسة الواقعية، إلا أن مذكراته تُظهر حالة من الحماسة الشديدة والتقلب النفسي، حتى إنه شعر أحيانًا بأنه يؤدي رسالة تاريخية كبرى. وقد كتب أن «تاريخ العالم بدأ» مع مشروعه الصهيوني. كما احتفظ بمذكرات خاصة وثّق فيها أفكاره وخططه لإنشاء الدولة اليهودية، متخيلًا تحالفات مع قياصرة وأمراء أوروبا، وواضعًا تصورات لدستور وجيش وهيكل رمزي للدولة المستقبلية.

ويبين النص أن هرتسل لم يكن متدينًا بالمعنى التقليدي، بل نشأ في عائلة يهودية مندمجة في الثقافة الأوروبية الحديثة، تميل إلى الاندماج الاجتماعي والثقافي أكثر من الالتزام الديني. درس في مدارس علمانية، وتأثر بالقومية الألمانية في شبابه، بل كان في البداية مؤيدًا لفكرة اندماج اليهود الكامل في المجتمعات الأوروبية، حتى إنه رأى أحيانًا أن التحول إلى المسيحية قد يكون حلًا لمشكلة معاداة السامية.

لكن تجربة العداء لليهود في أوروبا، غيّرت نظرته جذريًا. فقد استنتج أن اندماج اليهود في المجتمعات الأوروبية لم ينهِ معاداة السامية، بل ربما زادها، لأن اليهود أصبحوا «مخفيين» داخل المجتمع الأوروبي، ما جعلهم هدفًا دائمًا للشك والاتهام عند الأزمات الاقتصادية والسياسية. ومن هنا بدأ يقتنع بأن الحل يكمن في إقامة وطن قومي مستقل لليهود.

ويركز أيضًا على الجانب «القدري» أو شبه الصوفي في تفكير هرتسل. فقد كان يرى أحيانًا أن المصادفات السياسية تؤكد صحة مشروعه، مثل وفاة البارون موريس دي هيرش، أحد أبرز الداعمين المحتملين للمشروع الصهيوني، بالتزامن مع بدء اتصالات هتشلر له مع أمراء أوروبا. وقد فسّر هرتسل هذه الأحداث كأنها إشارات تدفعه نحو النجاح السياسي.

أما هتشلر، فقد صُوِّر كشخصية ذات نفوذ وعلاقات واسعة داخل البلاط الألماني والبريطاني، مستفيدًا من عمله الدبلوماسي وصلاته بالعائلة الحاكمة الألمانية. وكان يؤمن بأن قيام دولة يهودية جزء من خطة إلهية ونبوءة توراتية، ولذلك سعى إلى تقديم هرتسل إلى شخصيات سياسية مؤثرة مثل قيصر ألمانيا. وهكذا أصبح هتشلر جسرًا بين الصهيونية السياسية الناشئة والدوائر المسيحية المؤيدة لعودة اليهود إلى فلسطين.

ويرى المؤلف أن أهمية هتشلر لم تكن رمزية فقط، بل عملية أيضًا، لأن دعمه فتح أمام هرتسل أبواب العمل الدبلوماسي الدولي. ويذهب المؤلف إلى أن المشروع الصهيوني ربما لم يكن لينجح بالصيغة التي عرفها التاريخ لولا هذه الشراكة المبكرة بين الرجلين، التي مهّدت لاحقًا لتطورات كبرى مثل وعد بلفور والانتداب البريطاني على فلسطين.

إذًا، يقدم المؤلف في هذا الفصل صورة مركبة لهرتسل: رجل عقلاني وسياسي من جهة، لكنه أيضًا صاحب رؤية شبه نبوئية وشعور استثنائي بالرسالة التاريخية من جهة أخرى. كما يبرز الدور الحاسم الذي لعبته الصهيونية المسيحية في دعم المشروع الصهيوني منذ بداياته، ليس فقط بدوافع سياسية، بل أيضًا بدوافع دينية مرتبطة بتفسير نبوءات الكتاب المقدس.

في القسم الثاني من هذا الفصل، يتناول المؤلف تطور شخصية القس البروتستانتي وليم هنري هتشلر ودوره المحوري في الربط بين الصهيونية المسيحية والصهيونية السياسية التي قادها تيودور هرتسل. ويعرض الخلفيات الدينية والسياسية والفكرية التي جعلت هتشلر واحدًا من أوائل الداعمين المسيحيين المنظمين للمشروع الصهيوني.

يبدأ بسيرة هتشلر، الذي وُلد في الهند عام 1845 لأسرة تبشيرية بروتستانتية ألمانية–إنجليزية. كان والده مبشرًا متأثرًا بفكرة «إعادة اليهود» إلى فلسطين، ومؤمنًا بأن المسيحيين مطالبون دينيًا بمساعدة اليهود على العودة إلى «أرض الميعاد». نشأ هتشلر في بيئة دينية إنجيلية محافظة، وتعلم الإنجليزية والألمانية، ودرس اللاهوت والتاريخ الكتابي والآثار، واحتفظ بتفسير حرفي لنبوءات العهد القديم رغم اطلاعه على المدارس النقدية الحديثة في أوروبا.

يبرز المؤلف اهتمام هتشلر المبكر بما يسمى «اللاهوت الأخروي»، أي الاعتقاد بأن عودة اليهود إلى فلسطين شرط لاقتراب آخر الزمان وعودة المسيح. لذلك انشغل بجمع الخرائط والنصوص والنماذج المتعلقة بالقدس والهيكل، وأصدر لاحقًا كتابًا بعنوان «إعادة اليهود إلى فلسطين طبقًا للنبوءة». وكان مقتنعًا بأن الأحداث السياسية في أوروبا والشرق الأوسط ليست مجرد وقائع تاريخية، بل إشارات إلهية تمهد لتحقيق النبوءات التوراتية.

ثم ينتقل النص إلى الحديث عن «أبرشية القدس البروتستانتية»، وهي مشروع مشترك بين بريطانيا وبروسيا تأسس في القرن التاسع عشر لتعزيز الحضور البروتستانتي في فلسطين. ويربط المؤلف هذا المشروع بصعود تيار ديني وسياسي داخل بريطانيا يرى أن دعم عودة اليهود إلى فلسطين جزء من رسالة الإمبراطورية البريطانية. يوضح الكاتب أن الصهيونية المسيحية لم تكن مجرد تعاطف ديني مع اليهود، بل مشروعًا سياسيًا أيضًا. فقد تصور بعض القادة البريطانيين والبروسيين إقامة كيان يهودي في فلسطين تحت رعاية القوى البروتستانتية الأوروبية، ورأوا أن ذلك سيحقق مصالح دينية واستراتيجية معًا. ولهذا ظهرت فكرة إنشاء كنيسة «عبرية» في القدس، مدعومة من إنجلترا وبروسيا، لتكون مركزًا روحيًا وسياسيًا للمشروع الجديد.

ويركز الفصل على تأثر هتشلر العميق بالمذابح التي تعرض لها يهود روسيا في ثمانينيات القرن التاسع عشر. فقد سافر إلى روسيا والتقى بالمفكر الصهيوني ليون بنسكر، صاحب كتاب التحرر الذاتي. وكان الخلاف بينهما أن بنسكر كان مستعدًا لقبول أي وطن لليهود، بينما أصر هتشلر على أن فلسطين وحدها هي الأرض التي حددها الرب لعودة اليهود. واستند في ذلك إلى نصوص من أسفار الأنبياء مثل إشعيا وإرميا وعاموس. ويشير المؤلف إلى أن هتشلر نجح تدريجيًا في التأثير على بعض الزعماء اليهود وإقناعهم بربط المشروع الصهيوني بفلسطين تحديدًا.

بعد ذلك يصل الكاتب إلى أهم محاور الفصل: العلاقة بين هتشلر وهرتسل. فبعد نشر هرتسل كتاب دولة اليهود، زاره هتشلر في فيينا وأبدى اقتناعًا بأن هرتسل قد يكون الأداة التي ستتحقق عبرها النبوءات التوراتية. دعا هتشلر هرتسل إلى منزله، وأطلعه على خرائط ضخمة لفلسطين ونماذج للهيكل، وأخذ يشرح له المواقع التي يجب أن تقوم عليها «الدولة اليهودية» والهيكل الجديد. وقد وصف هرتسل هذه الزيارة بدهشة كبيرة، إذ وجد نفسه أمام رجل مسيحي مهووس بالنبوءات، لكنه في الوقت نفسه يمتلك علاقات واسعة مع البلاط الألماني والدوائر السياسية الأوروبية.

كان هرتسل يدرك غرابة شخصية هتشلر، لكنه رأى فيه فرصة سياسية ثمينة، خاصة بسبب علاقاته مع فيلهلم الثاني وأمراء ألمانيا. ولهذا قبل التعاون معه رغم تحفظاته على نزعاته الدينية. ويصف الكاتب كيف بدأ هتشلر بالتحرك لترتيب لقاءات بين هرتسل والقيصر الألماني وأمراء بادن، محاولًا إقناعهم بأن دعم المشروع الصهيوني يحقق النبوءات ويخدم المصالح الأوروبية في الوقت نفسه.

ويعرض الرسائل التي كتبها هتشلر إلى أمير بادن، والتي أكد فيها أن «عودة اليهود بدأت بالفعل»، وأن معاداة السامية الأوروبية ليست إلا جزءًا من «محنة يهوذا» التي تنبأ بها الكتاب المقدس. كما اقترح أن تتولى ألمانيا وبريطانيا حماية دولة يهودية مستقبلية في فلسطين، وأن تصبح فلسطين دولة محايدة شبيهة ببلجيكا.

ويبين أن هرتسل، رغم علمانيته وعدائه التقليدي للحماسة الدينية، بدأ يتأثر تدريجيًا بالأجواء «القدرية» التي أحاطه بها هتشلر. فقد شعر أحيانًا أن مشروعه يتجاوز السياسة العادية ويتحول إلى رسالة تاريخية كبرى. ولهذا بقيت شخصية هتشلر تؤثر فيه بعمق، حتى إنه وصفه بأنه «أكثر أتباعه إخلاصًا»، مع اعترافه في الوقت نفسه بأن الرجل غريب ومعقد، يجمع بين الذكاء والسذاجة، والحماسة الدينية والدهاء السياسي.

ويؤكد المؤلف أن العلاقة بين هتشلر وهرتسل كانت أكثر من مجرد صداقة شخصية؛ فقد مثلت التحالف المبكر بين الصهيونية المسيحية والصهيونية السياسية. فهتشلر رأى في هرتسل أداة لتحقيق نبوءات الكتاب المقدس، بينما رأى هرتسل في هتشلر جسرًا نحو الدوائر الملكية والسياسية الأوروبية. ومن هذا التلاقي نشأت شبكة دعم ديني وسياسي ساعدت الحركة الصهيونية على اكتساب شرعية ونفوذ دولي متزايد في أوروبا.

في القسم الثالث من الفصل الأول، يتناول المؤلف مرحلة التحالف السياسي والدبلوماسي بين تيودور هرتسل والقس البروتستانتي وليم هنري هتشلر من جهة، ودوائر الحكم الألمانية والعثمانية من جهة أخرى، مع التركيز على العلاقة مع فيلهلم الثاني والسلطان العثماني.

يبدأ بالكلام حول محاولات هرتسل المبكرة لإقناع الدولة العثمانية بالموافقة على مشروع استيطاني يهودي في فلسطين. فمنذ عام 1896 قام بعدة رحلات إلى إسطنبول، آملًا في الحصول على امتياز سياسي يسمح لليهود بالاستيطان الواسع تحت حماية رسمية. وكان السلطان مهتمًا أساسًا بإمكانية استخدام النفوذ المالي اليهودي للحصول على قروض وإنقاذ الوضع المالي للدولة العثمانية، بينما حاول هرتسل أن يوحي بامتلاكه علاقات واسعة مع كبار المصرفيين اليهود، رغم أن الواقع لم يكن كذلك تمامًا.

خلال هذه المرحلة لعب هتشلر دور الوسيط والمروج للمشروع الصهيوني داخل الأوساط الأرستقراطية الألمانية والبريطانية. فقد استمر في كتابة الرسائل إلى الأمراء الألمان، خاصة أمير بادن، موضحًا أن «عودة اليهود» ليست مجرد مشروع سياسي بل تحقيق لنبوءات الكتاب المقدس. وكان يرى أن اليهود الأرثوذكس والفقراء متحمسون للعودة إلى فلسطين، بينما يقف اليهود الأثرياء والعلمانيون عقبة أمام هذا المشروع، لكنه توقع أنهم سينضمون إليه بعد نجاح الدولة اليهودية.

كما يوضح أن هتشلر كان مقتنعًا بأن كتاب هرتسل دولة اليهود ينسجم بصورة «إعجازية» مع نبوءات العهد القديم، رغم أن هرتسل نفسه لم يكن مؤمنًا بهذه النبوءات أو مطلعًا عليها بعمق. وهكذا استمر هتشلر في تفسير كل تطور سياسي باعتباره علامة على اقتراب «تحقق الوعد الإلهي».

مع تعثر المفاوضات مع السلطان العثماني، بدأ هرتسل وهتشلر في توجيه جهودهما نحو تنظيم الحركة الصهيونية عالميًا، فكان انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول في مدينة بازل السويسرية سنة 1897 حدثًا مركزيًا حيث حضر هتشلر المؤتمر بصفة مراقب مسيحي، وكان وجوده رمزًا واضحًا للتحالف بين الصهيونية المسيحية والصهيونية السياسية.

ثم ينتقل الفصل إلى تطور الاتصالات مع البلاط الألماني. فقد تمكن هتشلر عبر علاقاته من فتح أبواب اللقاءات أمام هرتسل، خاصة مع الأمير فيليب أويلنبورغ ووزير الخارجية الألماني فون بولو. وكانت الفكرة الأساسية التي طرحها هرتسل تتمثل في إقامة وطن يهودي في فلسطين تحت نوع من الحماية أو الرعاية الألمانية، مع موافقة السلطان العثماني. أما القيصر فلهلم الثاني فكان ينظر إلى المشروع من زاوية سياسية واستعمارية، معتقدًا أن توطين اليهود قد يخفف من «المشكلات الاجتماعية» في أوروبا، وخاصة ما كان يعتبره نفوذًا لليهود الاشتراكيين والمرابين.

ويصف الكاتب كيف كان هتشلر يحيط هذه التحركات السياسية بأجواء دينية وأخروية. فقد كان مقتنعًا بأن عودة اليهود إلى فلسطين مقدمة مباشرة لعودة المسيح، وأن الأحداث الجارية ليست مجرد سياسة بل تحقيق لنبوءات الأنبياء. بل إنه كان يتحدث أحيانًا عن قرب اكتشاف «تابوت العهد» وآثار توراتية أخرى، معتبرًا أن الاكتشافات الأثرية ستثبت صدق الكتاب المقدس وتدحض الشكوك الحديثة.

في عام 1898 وصل التعاون بين هرتسل وهتشلر إلى ذروته مع زيارة القيصر الألماني للقدس وفلسطين. وقد أراد القيصر أن يجعل من الزيارة عرضًا ضخمًا للقوة والنفوذ الألماني في الشرق، حتى إنه أصر على فتح ثغرة في سور القدس ليدخل المدينة ممتطيًا جواده في مشهد احتفالي مهيب. وانتشرت آنذاك شائعات بأن القيصر قد يعلن نفسه حاميًا لليهود في فلسطين، مع هرتسل ممثلًا لهم.

كان هرتسل ينظر إلى هذه التطورات بحماسة كبيرة، متخيلًا أن الحماية الألمانية قد تمنح المشروع الصهيوني شرعية قانونية ودولية. وقد وصف شعوره أثناء لقائه القيصر في إسطنبول بأنه أشبه بمواجهة «كائن أسطوري»، معبرًا عن انبهاره بالقوة الإمبراطورية الألمانية.

لكن الفصل يبين أن المفاوضات لم تحقق النتائج التي كان الصهاينة يأملونها. فالقيصر لم ينجح في إقناع السلطان العثماني بمنح امتياز رسمي للمشروع الصهيوني، كما بدأت الدوائر الألمانية تتراجع تدريجيًا عن الحماسة الأولى. وعندما تم اللقاء الشهير بين هرتسل والقيصر في القدس، كان واضحًا أن الموقف الألماني أصبح أكثر تحفظًا. فقد تحدث القيصر بلغة عامة عن تحسين الزراعة وتنمية فلسطين، من دون تقديم أي التزام سياسي واضح تجاه المشروع الصهيوني.

ويعرض الفصل أيضًا التوتر الذي سببه هتشلر في فلسطين بسبب حماسته الدينية المفرطة، إذ انتشرت تقارير بأنه يبشر بقرب المجيء الثاني للمسيح، وأن بعض الناس ظنوا أن هرتسل نفسه قد يكون شخصية «مخلِّصة». وقد أزعج ذلك هرتسل، الذي كان يسعى لتقديم الصهيونية كحركة سياسية حديثة لا كحركة دينية نبوئية.

ورغم فشل المشروع الألماني في النهاية، يؤكد المؤلف أن هتشلر لعب دورًا حاسمًا في إدخال هرتسل إلى عالم الدبلوماسية الأوروبية العليا، وأنه ساعد في تأسيس شبكة علاقات ستتحول لاحقًا نحو بريطانيا بدلًا من ألمانيا. فبعد وفاة هرتسل عام 1904 بقي هتشلر مخلصًا للحركة الصهيونية، واستمر في دعمها حتى الحرب العالمية الأولى.

ويختتم الفصل بعرض السنوات الأخيرة من حياة هتشلر. فقد أصبح مقتنعًا بأن بريطانيا، لا ألمانيا، هي القوة التي ستقود مشروع «إعادة اليهود». وبعد صدور وعد بلفور وحصول بريطانيا على انتداب فلسطين، رأى في ذلك تحقيقًا جديدًا للنبوءات. كما حذر في سنواته الأخيرة من احتمال وقوع كارثة كبرى بحق يهود أوروبا، متنبئًا بمذابح تفوق الحروب الصليبية ومحاكم التفتيش الإسبانية، لكن تحذيراته لم تؤخذ بجدية قبل وفاته عام 1931.

وهكذا يقدم الفصل صورة عن التداخل العميق بين الدين والسياسة في بدايات الحركة الصهيونية، موضحًا كيف تحولت النبوءات الدينية لدى الصهيونية المسيحية إلى أدوات دعم دبلوماسي وسياسي للمشروع الصهيوني في أوروبا والشرق الأوسط.

الفصل الثاني: عصبة قورش

يتناول الفصل الثاني من الكتاب الجذور التاريخية والفكرية لما يسميه المؤلف «تراث الإعادة» في بريطانيا، أي الفكرة القائلة بضرورة إعادة اليهود إلى فلسطين باعتبار ذلك تحقيقًا لنبوءات الكتاب المقدس ومصلحة سياسية للإمبراطورية البريطانية في الوقت نفسه. ويعرض الفصل كيف تطورت هذه الأفكار منذ القرن السابع عشر حتى نهاية القرن التاسع عشر، لتصبح جزءًا من التفكير الديني والسياسي البريطاني.

يبدأ بفكرة أن التدخل البريطاني لاحقًا في قضية فلسطين لم يكن حدثًا مفاجئًا، بل نتيجة تقاليد فكرية ودينية طويلة. ويقتبس المؤلف من إسرائيل زانغويل قوله إن بريطانيا ألقت «ظلها» على مستقبل فلسطين اليهودية قبل تحقق ذلك بوقت طويل.

ثم يعود إلى عهد أوليفر كرومويل في القرن السابع عشر، موضحًا أن كرومويل كان من أوائل القادة الإنجليز الذين ربطوا بين عودة اليهود إلى إنجلترا وعودتهم المستقبلية إلى فلسطين. ففي عهده رُفع الحظر القديم المفروض على اليهود منذ عهد الملك إدوارد الأول، وبدأت تنتشر بين البروتستانت الإنجليز أفكار «الإعادة» المستندة إلى تفسير نبوءات العهد القديم، خاصة سفر إشعيا. وكان البيوريتانيون يرون أن إنجلترا قد تؤدي دورًا إلهيًا في جمع اليهود وإعادتهم إلى «أرض الميعاد».

ويبين النص أن هذه النزعة لم تكن مقتصرة على المتدينين المتشددين، بل امتدت إلى مفكرين وفلاسفة كبار مثل جون لوك وإسحاق نيوتن. فقد رأى لوك أن الله سيعيد اليهود إلى وطنهم ويمنحهم الازدهار، بينما انشغل نيوتن في سنواته الأخيرة بدراسة نبوءات الكتاب المقدس، حتى إنه تعلم العبرية والآرامية لتحليل نصوص دانيال وسفر الرؤيا. وخلص إلى أن «أمر العودة» قد يأتي من «مملكة صديقة» لا من اليهود أنفسهم، وهي فكرة فسّرها لاحقًا كثير من البريطانيين على أنها إشارة إلى دور بريطانيا.

ويركز الفصل على التأثير الكبير لنصوص سفر إشعيا، خاصة الإصحاح الستين، الذي يتحدث عن «سفن ترشيش» و«جزر البحر» التي ستعيد أبناء إسرائيل من المنافي. وقد فسّر دعاة الإعادة البريطانيون هذه العبارات باعتبارها نبوءة عن بريطانيا البحرية والإمبراطورية البريطانية، التي ستقوم بإعادة اليهود إلى فلسطين وحمايتهم هناك.

بعد ذلك ينتقل النص إلى نهاية القرن الثامن عشر وحملة نابليون بونابرت على مصر وفلسطين. فقد رأى بعض البريطانيين في مشروع نابليون تهديدًا مباشرًا لمصالحهم في الشرق والهند، لكنهم لاحظوا أيضًا أن نابليون دعا اليهود صراحة إلى استعادة «وجودهم السياسي» في فلسطين. ورغم أن نابليون لم يكن مدفوعًا بدوافع دينية، فإن دعاة الإعادة البريطانيين اعتبروا تصريحاته تأكيدًا جديدًا لفكرة إعادة اليهود، بل رأوا فيها دليلًا على أن القوى الأوروبية بدأت تتعامل مع فلسطين باعتبارها قضية دولية مرتبطة بمستقبل اليهود.

ويعرض الفصل بعد ذلك دور اللورد شافتسبري، الذي يعده المؤلف أحد أهم رواد الصهيونية المسيحية البريطانية في القرن التاسع عشر. فقد جمع شافتسبري بين الإيمان الديني بالنبوءات والمصالح الاستراتيجية البريطانية. وكان مقتنعًا بأن بريطانيا يجب أن تتولى حماية فلسطين وتشجيع اليهود على العودة إليها، ليس فقط تحقيقًا للنبوءات، بل أيضًا لخدمة النفوذ البريطاني في الشرق.

ويبين النص أن شافتسبري نجح في التأثير على وزير الخارجية البريطاني اللورد بالمرستون، الذي بدأ ينظر إلى اليهود باعتبارهم قوة يمكن استخدامها لتقوية النفوذ البريطاني داخل الدولة العثمانية ومواجهة مشاريع محمد علي أو النفوذ الفرنسي والروسي. ولهذا بعث بالمرستون برسائل إلى السفير البريطاني في إسطنبول يشجعه فيها على إقناع السلطان العثماني بالسماح لليهود بالعودة إلى فلسطين، لأنهم سيجلبون الثروة والاستقرار، وسيشكلون حاجزًا سياسيًا يخدم المصالح البريطانية.

كما يتناول الفصل دور الجمعيات التبشيرية البروتستانتية، خاصة «جمعية لندن لنشر المسيحية بين اليهود»، التي دعمت النشاط البريطاني في فلسطين. فقد أُرسل دبلوماسيون وقناصل بريطانيون إلى القدس لحماية اليهود وتشجيع الوجود البريطاني هناك، وكان كثير منهم مقتنعين بأن إعادة اليهود جزء من الخطة الإلهية. ومن أبرز هؤلاء القنصل البريطاني وليم ينغ، الذي عمل على حماية الجاليات اليهودية من تعسف السلطات العثمانية.

وفي الوقت نفسه يوضح الكاتب أن هذه الحركات التبشيرية لم تحقق نجاحًا كبيرًا في تحويل اليهود إلى المسيحية، رغم اعتقاد قادتها بأن اليهود باتوا أكثر استعدادًا لقبول فكرة أن المسيح هو يسوع الناصري. ومع ذلك استمرت العلاقة الوثيقة بين الدعم السياسي البريطاني والاهتمام الديني باليهود وفلسطين.

ثم يناقش مشروع التعاون البريطاني–الألماني في فلسطين، الذي كان يطمح إليه القس وليم هنري هتشلر. فقد تخيل هتشلر قيام «إسرائيل شرق أوسطية» تحت ضمانات مشتركة من بريطانيا وألمانيا، شبيهة بوضع بلجيكا في أوروبا. وكان يعتقد أن الضغط المشترك من القوتين على الدولة العثمانية وروسيا قد يجعل مشروع إعادة اليهود أمرًا واقعًا.

لكن المؤلف يوضح أن هذا الحلم انهار بسبب تصاعد النزعة الإمبريالية الألمانية في عهد القيصر فيلهلم الثاني. فبدلًا من التعاون مع بريطانيا، اتجه القيصر نحو التنافس البحري والاستعماري معها، وسعى إلى فرض نفوذ ألماني مستقل على الدولة العثمانية. وهكذا تراجع مشروع «الرعاية المشتركة» لفلسطين، وتحولت المنطقة إلى ساحة تنافس إمبراطوري انتهى لاحقًا بالحرب العالمية الأولى.

ويخلص القسم الاول من هذا الفصل إلى أن الصهيونية المسيحية البريطانية لم تكن مجرد حركة دينية هامشية، بل جزءًا من ثقافة سياسية وفكرية عميقة داخل بريطانيا. فقد امتزجت التفسيرات التوراتية بالنظرة الإمبراطورية والاستراتيجية، مما مهّد لاحقًا لسياسات مثل وعد بلفور والانتداب البريطاني على فلسطين. كما يوضح أن فكرة «إعادة اليهود» سبقت ظهور الصهيونية السياسية اليهودية بزمن طويل، وأن بريطانيا كانت البيئة الأكثر استعدادًا لاستقبال المشروع الصهيوني ودعمه بسبب هذا التراث الديني والسياسي المتراكم.

في القسم الثاني من هذا الفصل يتناول الكتاب التحول التدريجي لمركز الثقل الصهيوني من ألمانيا إلى بريطانيا، والدور الحاسم الذي لعبه حاييم وايزمن في بناء التحالف بين الحركة الصهيونية ودوائر الحكم البريطانية، وهو التحالف الذي مهد في النهاية إلى صدور وعد بلفور.

يبدأ بمقارنة بين وايزمن وتيودور هرتسل. فبينما وصل هرتسل إلى الصهيونية متأخرًا عبر تجربة سياسية وفكرية مرتبطة بمعاداة السامية الأوروبية، نشأ وايزمن منذ طفولته في بيئة يهودية شرقية كانت فكرة العودة إلى فلسطين جزءًا من ثقافتها الدينية والقومية. وقد تأثر بالحركات الصهيونية المبكرة مثل جمعية «أحباء صهيون» ومنظمة «بيلو»، ولذلك نظر إلى الصهيونية باعتبارها مشروعًا طبيعيًا ومتجذرًا في التاريخ اليهودي، لا مجرد حل سياسي للمشكلة اليهودية.

انتقل وايزمن إلى ألمانيا لدراسة الكيمياء، وهناك احتك باليهود الألمان المندمجين في المجتمع الأوروبي. وقد رأى أن نجاحهم الاجتماعي جعلهم يبتعدون عن الوعي القومي اليهودي. وعندما قرأ كتاب هرتسل دولة اليهود أُعجب بقدرته التنظيمية والسياسية، لكنه انتقد جهله بالحركات الصهيونية السابقة وتجاهله النسبي لفلسطين واللغة العبرية. ومع ذلك أدرك أن هرتسل يمتلك ما يفتقر إليه الآخرون: القدرة على تحويل الأحلام الصهيونية إلى مشروع سياسي عملي.

ثم ينتقل إلى ما يسميه المؤلف «الانطلاقة الإنجليزية». فبعد خيبة الأمل التي أصابت الحركة الصهيونية من الموقف الألماني، بدأ وايزمن يقتنع بأن بريطانيا هي الدولة الأقدر على تبني المشروع الصهيوني. وقد تعزز هذا الاعتقاد خلال زيارته لإنجلترا عام 1903 أثناء معركته ضد «مشروع أوغندا»، الذي اقترح إقامة وطن لليهود في شرق أفريقيا بدلًا من فلسطين. كان وايزمن يرى أن الصهيونية لا يمكن أن تقوم إلا على فلسطين، وأن أي بديل آخر يمثل انحرافًا عن جوهر الفكرة الصهيونية.

بعد انتقاله إلى مدينة مانشستر للعمل أستاذًا للكيمياء، ازدادت ثقته بالمجتمع البريطاني ونظامه السياسي. فقد رأى في بريطانيا نموذجًا مختلفًا عن روسيا القيصرية التي فر منها كثير من اليهود. كما لاحظ وجود نخبة يهودية مؤثرة اقتصاديًا وسياسيًا، إضافة إلى صحف ومؤسسات قادرة على التأثير في الرأي العام وصنع القرار.

ومن أهم الأحداث اللقاء الشهير بين وايزمن وآرثر جيمس بلفور. فقد حاول بلفور فهم سبب رفض الصهاينة لمشروع أوغندا رغم أنه بدا حلًا عمليًا لمعاناة اليهود. ورد وايزمن بأن فلسطين ليست مجرد أرض بديلة، بل جوهر الهوية اليهودية نفسها. وعندما سأله وايزمن: «لو عُرضت عليك باريس بدلًا من لندن فهل تقبل؟»، أجاب بلفور: «لكن لندن لنا». فرد وايزمن قائلًا: «كنا نملك القدس عندما كانت لندن مستنقعًا». وقد أصبحت هذه الحادثة من أشهر الروايات في تاريخ العلاقات البريطانية–الصهيونية، لأنها ساعدت بلفور على فهم البعد العاطفي والتاريخي للمطلب الصهيوني.

ويشير إلى أن وايزمن أصبح أكثر اقتناعًا بأن بريطانيا ستتبنى المشروع الصهيوني، لكنه كان في الوقت نفسه محبطًا من كثير من اليهود البريطانيين المندمجين في المجتمع الإنجليزي. فقد رأى أنهم فقدوا الإحساس بمعاناة يهود أوروبا الشرقية، وأن نجاحهم الاجتماعي جعلهم أكثر تحفظًا تجاه الصهيونية خشية إثارة الشبهات حول ولائهم الوطني.

ثم يناقش مرحلة الحرب العالمية الأولى، حيث لم يكن التحالف بين الصهيونية وبريطانيا أمرًا محسومًا منذ البداية. فالكثير من الصهاينة كانوا يميلون إلى ألمانيا والنمسا بسبب عدائهم لروسيا القيصرية، العدو التقليدي ليهود أوروبا الشرقية. لكن مع تطورات الحرب بدأ وايزمن يركز جهوده على كسب التأييد البريطاني، مقتنعًا بأن مستقبل المشروع الصهيوني مرتبط بلندن أكثر من برلين.

نجح وايزمن تدريجيًا في بناء شبكة علاقات داخل النخبة البريطانية، مستفيدًا من علاقته برئيس تحرير صحيفة مانشستر غارديان ومن اتصالاته مع شخصيات نافذة مثل ديفيد لويد جورج. وبحلول نهاية عام 1914 كانت فكرة إقامة وطن يهودي تحت الرعاية البريطانية قد بدأت تُناقش داخل الدوائر الحكومية البريطانية.

كما يبرز الكاتب الدور الذي لعبه وايزمن بوصفه عالمًا. فقد تمكن من تطوير طريقة صناعية لإنتاج الأسيتون، وهو مادة مهمة للمجهود الحربي البريطاني. وأدى ذلك إلى تعزيز مكانته لدى الحكومة، وفتح أمامه أبواب شخصيات مؤثرة مثل ونستون تشرشل، الذي أصبح لاحقًا من أبرز المؤيدين للمشروع الصهيوني.

ويركز على الخلفية الفكرية والدينية للقادة البريطانيين المؤيدين للصهيونية. فبحسب وايزمن، لم يكن دعم شخصيات مثل بلفور ولويد جورج وتشرشل مجرد حسابات إمبراطورية، بل كان متأثرًا أيضًا بالتراث البروتستانتي البريطاني الذي رأى في عودة اليهود إلى فلسطين تحقيقًا لنبوءات الكتاب المقدس. وقد اعتقد هؤلاء أن المشروع الصهيوني ينسجم مع تقاليد دينية وثقافية متجذرة في التاريخ البريطاني.

كما يناقش تقييم قادة الحركة الصهيونية لاحقًا لوعد بلفور. فقد رأى وايزمن وستيفن وايز أن الوعد لم يكن مجرد صفقة سياسية أو ثمنًا لخدمات يهودية أثناء الحرب، بل نتاج تقليد بريطاني طويل من «الصهيونية المسيحية» وفكرة إعادة اليهود إلى فلسطين. وفي المقابل عبّرا عن خيبة أمل كبيرة من السياسات البريطانية اللاحقة، خاصة في أربعينيات القرن العشرين، معتبرين أن الحكومات اللاحقة تخلت عن الروح التي دفعت جيل بلفور ولويد جورج إلى إصدار الوعد.

ويختتم هذا القسم بإبراز رؤية وايزمن الأوسع للصراع العالمي. فقد كان يعتقد أن القيم الليبرالية والديمقراطية البريطانية أكثر انسجامًا مع المشروع الصهيوني من الأنظمة السلطوية في أوروبا الوسطى. كما بدأ يركز اهتمامه على الولايات المتحدة، متوقعًا أن يصبح يهود أمريكا القوة اليهودية الأكبر والأكثر تأثيرًا في العالم. ومن هنا بدأت تتشكل الاستراتيجية الجديدة للحركة الصهيونية، القائمة على التحالف مع بريطانيا أولًا ثم مع الولايات المتحدة لاحقًا، وهو المسار الذي سيحدد مستقبل القضية الصهيونية خلال العقود التالية.

في القسم اللاحق من هذا الفصل يتناول الكاتب الجذور الدينية والثقافية والسياسية لفكرة «إعادة اليهود إلى فلسطين» في الولايات المتحدة، مبينًا أن الدعم الأمريكي اللاحق للصهيونية لم ينشأ فجأة في القرن العشرين، بل استند إلى تراث ديني وفكري متراكم منذ بدايات الاستيطان الأوروبي في أمريكا.

يبدأ بالحديث عن الإرث البيوريتاني (التطهري) الذي حمله المهاجرون الإنجليز إلى العالم الجديد. فقد اعتقد البيوريتانيون أن لهم دورًا خاصًا في التاريخ الإلهي، وأنهم يشبهون بني إسرائيل في رحلة الخروج من مصر. ورأوا أن هجرتهم من أوروبا إلى أمريكا ليست مجرد انتقال جغرافي، بل تكرار رمزي لتجربة الشعب المختار. ولذلك ربطوا مصيرهم بمصير اليهود، واعتقدوا أن مباركة اليهود وإعادتهم إلى فلسطين ستجلب البركة لأمتهم الجديدة.

ويعرض النص كيف تحولت هذه الفكرة إلى جزء من الهوية الأمريكية المبكرة. فالمستوطنون البيوريتانيون وصفوا أنفسهم بأنهم «إسرائيل الجديدة»، وشبّهوا قادتهم بشخصيات توراتية مثل موسى ويوشع. وقد ساعد هذا التصور على ترسيخ تعاطف عميق مع اليهود، حتى في الفترات التي كان عدد اليهود داخل المجتمع الأمريكي محدودًا للغاية. ومن ثم نشأت قناعة بأن للولايات المتحدة رسالة خاصة مرتبطة بمستقبل اليهود وعودتهم إلى الأرض المقدسة.

بعد ذلك ينتقل إلى تطور فكرة أن الولايات المتحدة نفسها مذكورة في النبوءات التوراتية. ففي أوائل القرن التاسع عشر ظهرت كتابات عديدة حاولت تفسير نصوص العهد القديم على أنها تشير إلى الدور الأمريكي في التاريخ المقدس. ويبرز المؤلف بشكل خاص كتابًا نشره القس جون مكدونالد عام 1814، زعم فيه أن الفصل الثامن عشر من سفر إشعيا يتنبأ بدور الولايات المتحدة في إعادة اليهود إلى فلسطين.

فسّر مكدونالد عبارة «الأرض المظللة بالأجنحة» بأنها إشارة إلى الولايات المتحدة، معتبرًا أن النسر الأمريكي هو المقصود بـ«الأجنحة»، وأن موقع أمريكا البعيد وراء البحار يطابق الوصف الوارد في النص التوراتي. كما رأى أن «الرسل» المذكورين في النبوءة هم السفراء والدبلوماسيون الأمريكيون الذين سيعملون مستقبلًا على إعادة اليهود إلى صهيون. وبذلك أصبحت فكرة الدور الأمريكي في «تحقيق النبوءات» جزءًا من الأدبيات الدينية المنتشرة في القرن التاسع عشر.

ثم يناقش كيف ساهم الاهتمام المتزايد بالأرض المقدسة في تعزيز هذه التصورات. فقد شهد القرن التاسع عشر تطورًا كبيرًا في الدراسات التوراتية وعلم الآثار، خاصة بعد أعمال الباحث إدوارد روبنسون الذي أجرى مسوحًا ميدانية واسعة في فلسطين والقدس منذ ثلاثينيات القرن التاسع عشر. وأدت كتبه وتقاريره إلى جعل فلسطين أكثر حضورًا في الوعي الأمريكي، ليس كمكان ديني مجرد، بل كواقع جغرافي وتاريخي ملموس.

كما يوضح النص دور الإرساليات التبشيرية الأمريكية في إبقاء الاهتمام بفلسطين واليهود حيًا داخل المجتمع الأمريكي. فقد أُرسلت بعثات تبشيرية إلى فلسطين منذ عام 1819 بدعم رسمي من الحكومة الأمريكية. ورغم أن هذه البعثات لم تنجح كثيرًا في تحويل اليهود إلى المسيحية، فإن تقاريرها وقصصها ورسائلها ساهمت في نشر صورة فلسطين بين الأمريكيين، وربط مستقبل الأرض المقدسة بمستقبل اليهود. وبحلول منتصف القرن التاسع عشر أصبح من الصعب، في المخيلة الشعبية الأمريكية، التفكير في فلسطين من دون ربطها بعودة اليهود إليها.

بعد ذلك ينتقل إلى بدايات الاهتمام الرسمي الأمريكي بالمسألة اليهودية. ويعتبر المؤلف أن «قضية دمشق» عام 1840 كانت أول اختبار مهم لهذا الاهتمام. فعندما تعرض يهود دمشق للاضطهاد على خلفية اتهامات دينية تقليدية، أصدرت الحكومة الأمريكية تعليمات لقناصلها بالتدخل الدبلوماسي دفاعًا عن اليهود المضطهدين. ويرى المؤلف أن هذه الحادثة شكلت سابقة مهمة في السياسة الخارجية الأمريكية، إذ بدأت واشنطن تعبر علنًا عن اهتمامها بأوضاع اليهود داخل الدولة العثمانية.

كما يبين أن قضية اليهود أصبحت أكثر حضورًا في السياسة الأمريكية خلال ثمانينيات القرن التاسع عشر بسبب تدهور أوضاع اليهود في الإمبراطورية الروسية. فقد دفعت المذابح والاضطهادات مئات الآلاف إلى الهجرة نحو الولايات المتحدة، بينما ازداد في الوقت نفسه التأييد لفكرة الهجرة إلى فلسطين بين قطاعات واسعة من اليهود. وأمام هذه التطورات بدأت الحكومة الأمريكية تمارس ضغوطًا دبلوماسية على روسيا احتجاجًا على السياسات المعادية لليهود. وقد عبّر الرئيس بنجامين هاريسون عام 1891 عن قلق حكومته من الإجراءات الروسية ضد اليهود، مؤكدًا أن هذه القضية لم تعد شأنًا داخليًا روسيًا فحسب، بل مسألة ذات اهتمام دولي.

ويخلص هذا القسم من الكتاب إلى أن الدعم الأمريكي اللاحق للصهيونية لم يكن نتيجة اعتبارات سياسية حديثة فقط، بل استند إلى قرون من التفكير الديني والثقافي الذي ربط مصير الولايات المتحدة بمصير اليهود. فقد أسهم التراث البيوريتاني، والتفسيرات النبوئية للكتاب المقدس، والاهتمام بالأرض المقدسة، والنشاط التبشيري، والتعاطف مع اليهود المضطهدين في أوروبا، في تكوين بيئة أمريكية مهيأة لتقبل فكرة إعادة اليهود إلى فلسطين. ويرى المؤلف أن هذه الخلفية الفكرية والدينية ستصبح لاحقًا عاملًا مهمًا في انخراط الولايات المتحدة المتزايد في القضية الصهيونية خلال القرن العشرين.

في القسم التالي من هذا الفصل يتناول شخصية المبشر الأمريكي وليم يوجين بلاكستون، ودوره في تحويل فكرة إعادة اليهود إلى فلسطين من عقيدة دينية بين بعض البروتستانت الأمريكيين إلى مشروع سياسي طُرح أمام أعلى مستويات الدولة الأمريكية. ويركز بصورة خاصة على ما عُرف بـ«مذكرة بلاكستون» الصادرة عام 1891، التي يعدها المؤلف أحد أهم الوثائق السابقة للصهيونية السياسية المنظمة.

يبدأ النص بزيارة بلاكستون إلى فلسطين في أواخر القرن التاسع عشر، حيث أُعجب بالنشاط الزراعي والاستيطاني اليهودي المتزايد، واعتبره دليلًا على أن اليهود قادرون على إحياء البلاد وأن عودتهم ستعود بالنفع على فلسطين والدولة العثمانية معًا. كما رأى في هذه التطورات علامة على اقتراب تحقق النبوءات التوراتية التي كان يؤمن بها.

بعد عودته إلى الولايات المتحدة نظم بلاكستون مؤتمرًا في شيكاغو بعنوان «ماضي إسرائيل وحاضرها ومستقبلها»، جمع شخصيات يهودية ومسيحية من اتجاهات متعددة. وخلال المؤتمر ظهر تباين واضح داخل الأوساط اليهودية؛ إذ رفض بعض الحاخامات الإصلاحيين فكرة العودة إلى فلسطين، معتبرين أن أوطانهم الحالية هي أوطانهم الحقيقية، وأن اليهودية لم تعد مشروعًا قوميًا يحتاج إلى دولة مستقلة. ومع ذلك اتفق المشاركون على إدانة الاضطهاد الذي كان يتعرض له يهود روسيا والدعوة إلى حمايتهم دوليًا.

ومن هذا المناخ انطلقت «مذكرة بلاكستون» عام 1891، التي وُجهت إلى الرئيس الأمريكي بنجامين هاريسون ووزير خارجيته. طالبت المذكرة الولايات المتحدة بالعمل مع القوى الأوروبية لعقد مؤتمر دولي يبحث القضية اليهودية ويؤيد إعادة اليهود إلى فلسطين بوصفها وطنهم التاريخي. واستندت إلى منطق سياسي وإنساني أكثر من اعتمادها على الحجج الدينية الصريحة، إذ قارنت بين منح دول أوروبية أراضيها لشعوبها القومية في مؤتمر برلين، وبين ضرورة إعادة فلسطين إلى اليهود. ويرى المؤلف أن الوثيقة مثلت، عمليًا، برنامجًا سياسيًا قريبًا مما ستطرحه الصهيونية لاحقًا، وذلك قبل صدور كتاب هرتسل دولة اليهود بخمس سنوات وقبل المؤتمر الصهيوني الأول بستة أعوام.

ورغم أن النص الرئيسي للمذكرة استخدم لغة إنسانية وقانونية، فإن بلاكستون أرفق بها رسالة خاصة أوضح فيها دافعه الديني، معتبرًا أن الله يدعو الأمم إلى إعادة اليهود إلى أرضهم، وأن الولايات المتحدة تملك فرصة تاريخية للمشاركة في تنفيذ هذا المقصد الإلهي.

ويشير الكاتب إلى أن أهمية المذكرة لا تكمن في مضمونها فقط، بل أيضًا في الشخصيات التي وقعتها. فقد حملت توقيعات أكثر من أربعمئة شخصية أمريكية بارزة، من بينهم رؤساء مؤسسات سياسية وقضائية ورجال أعمال كبار مثل جون دي روكفلر وجون بيربونت مورغان، إضافة إلى صحفيين ورجال دين وقادة رأي. وقد استلم الرئيس هاريسون المذكرة وأبدى اهتمامًا بها، كما درست وزارة الخارجية الفكرة وإن لم تتبنَّها رسميًا. ومع أن المبادرة لم تتحول إلى سياسة عملية آنذاك، فإنها ساعدت في ترسيخ فكرة أن للولايات المتحدة دورًا محتملًا في قضية اليهود وفلسطين.

كما يعرض ردود الفعل اليهودية المتباينة على المذكرة. فقد رحبت بها بعض الصحف اليهودية باعتبارها تعبيرًا عن التعاطف والدعم، بينما نظر إليها آخرون بعين الريبة، معتبرين أنها تخفي أهدافًا تبشيرية مسيحية أو أنها قد تؤدي إلى زيادة معاداة السامية. ومع ذلك وجد بعض الكتّاب اليهود أن التعاون مع المسيحيين الداعمين للاستيطان في فلسطين قد يكون مفيدًا، بصرف النظر عن دوافعهم اللاهوتية.

ثم ينتقل إلى نشاط بلاكستون بعد المذكرة. فقد واصل كتابة المقالات والكتيبات التي تدعو إلى إقامة وطن يهودي في فلسطين، مؤكدًا أن البلاد تملك إمكانات اقتصادية وزراعية كبيرة، وأن قيام حكومة يهودية مستقلة سيشجع هجرة واسعة إليها. كما ربط ذلك بإمكانية إعادة بناء الهيكل، وهو عنصر مهم في معتقداته الأخروية. واستمر في مخاطبة الرؤساء والسياسيين الأمريكيين، حتى إنه أعاد تقديم مذكرته إلى الرئيس تيودور روزفلت عام 1903.

ويصف الكاتب كيف ظل بلاكستون طوال حياته متمسكًا بالتفسير الحرفي للنبوءات التوراتية. فقد سافر في أنحاء العالم، وواصل البحث عن أدلة تؤكد رؤيته الدينية للتاريخ، واعتبر الأحداث الدولية والحروب مؤشرات على اقتراب تحقق النبوءات المتعلقة بإسرائيل وعودة المسيح. كما أعادت الحرب العالمية الأولى إحياء الاهتمام بكتاباته بين الأوساط الإنجيلية الأمريكية.

لكن أخيرًا يوضح أن الحماسة الأمريكية الرسمية لقضية إعادة اليهود بدأت تتراجع بعد تسعينيات القرن التاسع عشر. فبينما تعاطف الرأي العام مع اليهود المضطهدين في روسيا، كان كثير من الدبلوماسيين والمسؤولين الأمريكيين يرون أن مشروع توطين أعداد كبيرة من اليهود في فلسطين غير واقعي وخطير. وقد عبّر بعض القناصل الأمريكيين في القدس عن اعتقادهم بأن فلسطين غير مهيأة لاستقبال هذه الأعداد، وأن اليهود أنفسهم غير مستعدين لإدارة دولة مستقلة.

كما يشرح المؤلف أن النخب السياسية والثقافية الأمريكية كانت تنظر باستخفاف إلى التيارات الإنجيلية الأصولية التي تبنت فكرة إعادة اليهود، معتبرة إياها جزءًا من أدبيات «نهاية العالم» لا من التفكير السياسي الرصين. وفي الوقت نفسه تحولت اهتمامات البعثات التبشيرية الأمريكية تدريجيًا من اليهود إلى العرب المسيحيين والمسلمين في الشرق الأوسط، مما أدى إلى ظهور تعاطف متزايد مع السكان العرب داخل بعض دوائر السياسة الأمريكية. وقد ساهمت المؤسسات التعليمية التبشيرية، مثل ما أصبح لاحقًا الجامعة الأمريكية في بيروت، في تشكيل هذا التوجه.

ويخلص إلى أن «مذكرة بلاكستون» لم تحقق أهدافها المباشرة، لكنها تركت أثرًا طويل المدى. فقد كانت أول محاولة أمريكية واسعة ومنظمة لطرح فكرة إعادة اليهود إلى فلسطين على مستوى السياسة الدولية، وأسهمت في ترسيخ تقليد فكري وسياسي سيعود للظهور بقوة خلال الحرب العالمية الأولى وما بعدها. كما يراها المؤلف حلقة مهمة في تطور الصهيونية المسيحية الأمريكية قبل أن تنتقل قيادة الحركة الصهيونية العالمية تدريجيًا إلى الولايات المتحدة في العقود اللاحقة.

ثم ينتقل الكاتب ببيان التحول الكبير الذي أصاب الحركة الصهيونية مع اندلاع الحرب العالمية الأولى سنة 1914. فالحركة الصهيونية العالمية وجدت نفسها في وضع صعب، لأن معظم قياداتها كانت تقيم في أوروبا المنقسمة بين دول متحاربة، وأصبح كثير من الصهاينة مواطنين لدول متقاتلة، الأمر الذي شلّ قدرة القيادة التقليدية على العمل والتنسيق.

في هذه الظروف برز اسم لويس برانديز، الذي كان آنذاك الشخصية اليهودية الأمريكية الأكثر نفوذًا واحترامًا. فقد رأت مجموعة من القادة الصهاينة الموجودين في الولايات المتحدة أن مركز القيادة الفعلي للحركة يجب أن ينتقل من أوروبا إلى أمريكا، بسبب شلل المؤسسات الأوروبية أثناء الحرب. وأُرسلت الدعوات لعقد مؤتمر طارئ في نيويورك لوضع خطة لإنقاذ المؤسسات الصهيونية ومشروعاتها في فلسطين.

ويصف المؤلف ما حدث بأنه أشبه بـ«انقلاب داخل البيت الصهيوني»، إذ انتقلت القيادة العملية للحركة إلى مجموعة صغيرة من الصهاينة الأمريكيين بقيادة برانديز. فبينما كانت القيادة الأوروبية عاجزة بسبب ظروف الحرب، بدأ الأمريكيون يتصرفون بوصفهم مركز القرار الجديد للحركة الصهيونية العالمية.

كما يوضح النص أن حاييم وايزمن أيّد هذا التحول بقوة، مقتنعًا بأن مستقبل الصهيونية أصبح مرتبطًا بالديمقراطيات الغربية، وخاصة بريطانيا والولايات المتحدة، أكثر من ارتباطه بالقوى الأوروبية التقليدية. ولذلك اعترف عمليًا بقيادة الصهاينة الأمريكيين للحركة خلال سنوات الحرب.

أما العلاقة مع وودرو ولسن، فيبدو من السياق الذي يمهّد له المؤلف أن الأهمية الكبرى لبرانديز لم تكن فقط داخل الحركة الصهيونية، بل أيضًا بسبب قربه من الرئيس ولسن ومكانته داخل النخبة السياسية الأمريكية. ومن خلال هذا النفوذ بدأت الصهيونية تكتسب منفذًا مباشرًا إلى دوائر صنع القرار في واشنطن، وهو ما سيصبح عاملًا مهمًا في المواقف الأمريكية من القضية الصهيونية خلال الحرب العالمية الأولى وما بعدها.

يرى المؤلف أن نجاح الحركة الصهيونية في الولايات المتحدة لم يعتمد فقط على النشاط السياسي الذي قاده لويس برانديز، بل أيضًا على قدرتها على مخاطبة الخلفية الدينية للرئيس وودرو ولسن. فإن ولسن نشأ في بيت ديني بروتستانتي وكان ابن قسيس، الأمر الذي جعله يتعامل مع قضايا الكتاب المقدس والتاريخ اليهودي بحساسية خاصة.

ويؤكد المؤلف أن قادة الصهيونية الأمريكيين، وخاصة برانديز والحاخام ستيفن وايز، أدركوا أهمية هذا الجانب مبكرًا. لذلك لم يكتفوا بالضغوط الدبلوماسية أو الحجج السياسية، بل سعوا إلى تقديم المشروع الصهيوني لوِلسن بوصفه قضية تنسجم مع إيمانه المسيحي وفهمه للكتاب المقدس. وقد خاطبوه باعتباره رجلًا يؤمن بأن العناية الإلهية قد تمنح الولايات المتحدة دورًا خاصًا في التاريخ، وأن منصبه الرئاسي ربما يضعه أمام مسؤولية تاريخية تجاه الشعب اليهودي.

ويذهب المؤلف إلى أبعد من ذلك، إذ يرى أن كثيرًا من المؤرخين ركزوا على المفاوضات السياسية بين الصهاينة والحكومتين البريطانية والأمريكية، وأهملوا العامل الديني في شخصية ولسن. بينما كان برانديز ووايز مقتنعين بأن الطريق إلى كسب تأييده يمر عبر مخاطبة قناعاته الدينية العميقة بقدر ما يمر عبر المصالح السياسية.

كما يوضح الكاتب أن برانديز نجح في تحويل الحركة الصهيونية الأمريكية من تنظيم صغير محدود التأثير إلى حركة واسعة الانتشار. فخلال قيادته ارتفع عدد الأعضاء من نحو عشرين ألفًا عام 1914 إلى ما يقارب مئتي ألف عام 1918، كما كوّن شبكة من المثقفين والقانونيين والحاخامات الشباب الذين أصبحوا لاحقًا من أبرز قادة الصهيونية الأمريكية.

وفي سياق السعي لكسب ولسن، أعاد برانديز ووايز إحياء الإرث الذي خلفته «مذكرة بلاكستون»، معتبرين أنها دليل على وجود تأييد بروتستانتي أمريكي واسع لفكرة الوطن اليهودي. وقد حرصا على إبقاء الرئيس مطلعًا على هذا التأييد الشعبي والديني، لإقناعه بأن دعم المشروع الصهيوني لا يتعارض مع المزاج العام للمجتمع الأمريكي المسيحي.

ويخلص المؤلف إلى أن العلاقة بين برانديز وولسن لم تكن مجرد علاقة بين ناشط سياسي ورئيس دولة، بل كانت أيضًا تفاعلًا بين خطاب صهيوني جديد وبين رئيس أمريكي تشكل وعيه داخل الثقافة البروتستانتية الإنجيلية. ومن هذا التلاقي بين السياسة والإيمان نشأت البيئة التي ساعدت لاحقًا على تقبل المواقف المؤيدة للصهيونية خلال سنوات الحرب العالمية الأولى وما بعدها.

الفصل الثالث: لم شمل الصهاينة المسيحيين

يتناول هذا الفصل مرحلة مهمة من تاريخ العلاقة بين الصهيونية السياسية والصهيونية المسيحية في الولايات المتحدة، وهي مرحلة محاولة تحويل التأييد المسيحي لفكرة إقامة وطن يهودي في فلسطين من تعاطف ديني وفردي إلى قوة جماهيرية منظمة تؤثر في الرأي العام والسياسة الأمريكية. ويركز الفصل بصورة أساسية على تجربة «اتحاد أمريكا الموالي لفلسطين»، والصراع الذي نشأ بين هذه المنظمة وبين المؤسسات الصهيونية اليهودية الرسمية حول قيادة حركة التأييد الشعبي للمشروع الصهيوني.

يبدأ الفصل بالإشارة إلى ظهور منظمة عُرفت باسم «اتحاد أمريكا الموالي لفلسطين» (Pro-Palestine Federation of America)، والتي مثّلت محاولة لجمع المسيحيين الأمريكيين المتعاطفين مع الصهيونية وحشدهم للدفاع عن فلسطين والالتزام بوعد بلفور. ويرى المؤلف أن قصة هذه المنظمة تكشف جانبين متناقضين من تاريخ العلاقة بين الصهاينة اليهود وحلفائهم المسيحيين: فمن جهة تُظهر قوة التعاطف المسيحي مع الصهيونية، ومن جهة أخرى تكشف التوتر والشكوك التي تعامل بها بعض القادة الصهاينة اليهود مع هذه المبادرات المستقلة.

ويشير المؤلف إلى أن المصادر الرسمية للحركة الصهيونية لم تعطِ هذه المنظمة اهتمامًا كبيرًا، بل إن وجودها غالبًا ما ظهر في الوثائق بصورة عرضية. فلم ترد إشارات مهمة إليها في مذكرات بعض القادة الصهاينة مثل ستيفن وايز أو إمانويل نيومن. إلا أن دراسة الوثائق غير المنشورة تكشف أن الاتحاد كان يمكن أن يصبح أداة مهمة لتعبئة التيار المؤيد لإعادة اليهود إلى فلسطين داخل المجتمع الأمريكي، لو تعاملت معه القيادة الصهيونية الرسمية بدرجة أكبر من التعاون بدلًا من الشك والاحتواء.

تأسس الاتحاد في منطقة شيكاغو على يد مجموعة من المسيحيين الأمريكيين المهتمين بتشجيع الحوار اليهودي–المسيحي ودعم القضية الصهيونية. عقد مؤسسوه اجتماعات عدة، وأصدروا منشورات تدعو إلى تعزيز التفاهم بين اليهود وغير اليهود، ومواجهة خطاب الكراهية العنصري والديني، وتعريف الأمريكيين بالمشكلات التاريخية التي واجهها اليهود، إضافة إلى الدفاع عن وعد بلفور والتأكيد على ضرورة التزام القوة المنتدبة على فلسطين بروح ونص الانتداب.

وقد كانت أهداف الاتحاد تجمع بين بعدين:

الأول إنساني وأخلاقي، يتمثل في محاربة معاداة السامية وتحسين العلاقات بين اليهود والمسيحيين.
والثاني سياسي، يتمثل في دعم المشروع الصهيوني والمطالبة بالحفاظ على التزامات بريطانيا تجاه فلسطين.

لكن ظهور هذه المنظمة في الوقت الذي كانت فيه الحركة الصهيونية الأمريكية تعمل على إنشاء مؤسساتها الرسمية أثار قلق بعض القادة الصهاينة. فقد رأى هؤلاء أن أي نشاط صهيوني خارج السيطرة التنظيمية الرسمية قد يؤدي إلى تضارب الرسائل أو إضعاف القيادة المركزية للحركة.

بعد فترة قصيرة اقترح بعض الصهاينة في شيكاغو أن يتولى تشارلز إدوارد راسل رئاسة الاتحاد. وقد أدى هذا الاقتراح إلى تغيير كبير في طبيعة المنظمة، إذ أصبح على رأسها شخصيات أمريكية بارزة من الوسط الأدبي والأكاديمي والديني، من بينهم راسل، وجون هاينز هولمز، وبيير فان باسن، إضافة إلى آخرين من المثقفين المعروفين في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين.

وكان اختيار راسل مهمًا بشكل خاص، فقد كان صحفيًا مشهورًا، وناشطًا تقدميًا، ومرتبطًا بحركات إصلاحية أمريكية عديدة. كما كان من مؤسسي الرابطة القومية للنهوض بالملونين، وكان قريبًا من التيار التقدمي الذي دعم قضايا العدالة الاجتماعية.

ويعرض المؤلف شخصية راسل باعتبارها نموذجًا للمسيحي الليبرالي الذي دعم الصهيونية لا بسبب نبوءات دينية فقط، بل بسبب اعتقاده بأن الحضارة الإنسانية مدينة بإسهامات الشعب اليهودي. فقد روى راسل أن لقاءه المبكر مع ستيفن وايز في نهاية القرن التاسع عشر جعله يتعرف إلى الصهيونية لأول مرة، وأن هذا اللقاء غيّر نظرته إليها، حتى أصبح يرى نفسه مدينًا لليهود بدين أخلاقي يدفعه للعمل من أجل فلسطين.

ورغم وجود شخصيات مسيحية بارزة داخل الاتحاد، بقيت العلاقة مع القيادة الصهيونية الرسمية متوترة. فقد كان إمانويل نيومن يخشى أن تتحول المنظمة إلى مصدر منافسة أو مشكلة للحركة الرسمية. ومع أنه اعترف بقدرة الاتحاد على جمع الأموال وتنظيم النشاط، فإنه رأى في استقلاليته سببًا للقلق.

كما لعب العامل التنظيمي دورًا مهمًا في هذا الخلاف. فقد كانت منظمة أمريكا الصهيونية تعمل على بناء مؤسساتها الخاصة، ورأت أن أي حركة شعبية مؤيدة للصهيونية يجب أن تكون مرتبطة بها مباشرة. لذلك حاول نيومن لاحقًا توجيه الموارد والدعم نحو مشروع صهيوني رسمي جديد هو «لجنة فلسطين الأمريكية» بدلًا من دعم الاتحاد.

ويكشف الفصل هنا عن مشكلة أعمق: فقد كانت القيادة الصهيونية ترغب في الاستفادة من التأييد المسيحي، لكنها في الوقت نفسه لم تكن مستعدة دائمًا لمنح المسيحيين المؤيدين للصهيونية استقلالية حقيقية. وهكذا ظهر تناقض بين الحاجة إلى الحلفاء المسيحيين وبين الرغبة في التحكم الكامل بالحركة.

ثم يركز الفصل على شخصية بن إلياس، الذي كان من أكثر المدافعين عن استمرار الاتحاد. فقد رأى أن دوره الأساسي هو العمل كحلقة وصل بين القادة المسيحيين المؤيدين للصهيونية وبين المؤسسات اليهودية الصهيونية.

كان إلياس يؤمن بأن نجاح الحركة يحتاج إلى شراكة حقيقية بين اليهود والمسيحيين المتنورين، وأن وجود مسؤول يهودي داخل منظمة مسيحية مؤيدة للصهيونية ليس تناقضًا، بل ضرورة عملية لضمان التواصل والتنسيق.

وكان يرى أن مثل هذه المنظمات يمكن أن تحشد آلاف المسيحيين الأمريكيين للدفاع عن فلسطين، ومواجهة الدعاية المعادية لليهود، ودعم السياسة الصهيونية المتعلقة بالانتداب والهجرة اليهودية إلى فلسطين.

لكن شخصية إلياس كانت مثيرة للجدل. فقد اتهمه بعض القادة الصهاينة بالمبالغة في مطالبه وبأسلوبه الصعب في التعامل، بينما رأى هو نفسه أنه يؤدي دورًا نبويًا شبيهًا بشخصيات الكتاب المقدس، وأنه يتحمل عبئًا كبيرًا لإنقاذ قضية عظيمة. وذكر أنه أنفق آلاف الدولارات من ماله الخاص وأموال اقترضها للحفاظ على المنظمة، بينما لم تحصل المنظمة إلا على دعم محدود من المؤسسات الصهيونية الرسمية.

من أهم القضايا التي يناقشها الفصل السؤال حول هوية الاتحاد: هل هو منظمة مسيحية حقيقية أم أداة صهيونية يقودها اليهود؟

انتقد بعض الصهاينة وجود يهود في قيادة الاتحاد، معتبرين أن منظمة تدّعي تمثيل الضمير المسيحي يجب أن تكون بقيادة مسيحيين. لكن إلياس رفض هذا الاعتراض، مؤكدًا أن دوره هو فقط دور الوسيط بين الطرفين، وأن مشاركة اليهود لا تلغي الطابع المسيحي للمنظمة.

ويرى المؤلف أن هذا الجدل يكشف مشكلة أعمق في العلاقة بين الصهيونية اليهودية والصهيونية المسيحية: فكل طرف كان يحتاج إلى الآخر، لكنه كان يختلف حول طبيعة العلاقة وحدود النفوذ.

ويخلص الفصل إلى أن تجربة اتحاد أمريكا الموالي لفلسطين تمثل مثالًا مهمًا على قوة التأييد المسيحي للصهيونية في الولايات المتحدة، لكنها تكشف أيضًا الصعوبات التي واجهتها هذه العلاقة. فقد كان هناك عدد كبير من المسيحيين الأمريكيين المستعدين للدفاع عن المشروع الصهيوني بدوافع دينية أو إنسانية أو سياسية، لكن القيادة الصهيونية الرسمية لم تستثمر دائمًا هذا الدعم بالشكل الأمثل، بسبب رغبتها في السيطرة التنظيمية والخوف من المبادرات المستقلة.

ويؤكد أن المنظمات المسيحية المؤيدة للصهيونية لعبت دورًا مهمًا في تشكيل الرأي العام الأمريكي، وأن نجاح الحركات اللاحقة مثل لجنة فلسطين الأمريكية لم يكن ممكنًا إلا بوجود هذا التقليد السابق من النشاط المسيحي المؤيد لفلسطين. لكن قصة الاتحاد تبقى مثالًا على التوتر الدائم بين الحاجة إلى الحلفاء المسيحيين وبين رغبة الحركة الصهيونية في إدارة مشروعها السياسي من خلال مؤسساتها الخاصة.

الفصل الرابع: أنا قورش

يتناول الفصل الأخير من الكتاب الدور الذي لعبه الرئيس الأمريكي هاري ترومان في دعم قيام دولة إسرائيل عام 1948، ويركز على الخلفية الدينية والأخلاقية والسياسية التي شكلت موقفه من القضية الصهيونية. ويحاول المؤلف تفسير قرار ترومان بالاعتراف بدولة إسرائيل من خلال الجمع بين ثلاثة عوامل أساسية: شخصيته الدينية البروتستانتية، ونظرته الخاصة للتاريخ ودور الولايات المتحدة فيه، وتأثير الشخصيات الصهيونية التي التقى بها، وعلى رأسها حاييم وايزمن.

يبدأ الفصل بتوضيح أن دعم ترومان للصهيونية لم يكن مجرد نتيجة لضغوط انتخابية أو حسابات سياسية داخلية، بل كان مرتبطًا بتكوينه الفكري والديني العميق. فقد نشأ ترومان في بيئة أمريكية بروتستانتية، وكان يرى أن الإيمان المسيحي يجب أن يرتبط بالأخلاق والعمل العام. وفي خطاب ألقاه أمام المؤتمر المعمداني القومي عام 1959، تحدث عن أهمية العهدين القديم والجديد، وعن ارتباط رسالة المسيح بتعاليم الأنبياء مثل موسى وصموئيل وعاموس وإشعيا.

ويشير المؤلف إلى أن ترومان لم يكن متدينًا بالمعنى اللاهوتي التقليدي المتشدد، بل كان أقرب إلى الإيمان العملي الذي يركز على الأخلاق والسلوك. فقد كان معجبًا بكتاب توماس جيفرسون المعروف باسم «كتاب جيفرسون المقدس»، الذي جمع فيه تعاليم يسوع الأخلاقية من الأناجيل وحذف الجوانب الخارقة واللاهوتية. ومع ذلك بقي ترومان يكن احترامًا عميقًا للكتاب المقدس وللقيم المسيحية الأساسية.

ومن أهم الأفكار التي يركز عليها الفصل أن ترومان كان يرى فلسفته السياسية مستمدة من الموعظة على الجبل في إنجيل متى. فعندما سُئل عن الأساس الأخلاقي لسياساته، أحال الصحفيين إلى الإصحاحات الخامس والسادس والسابع من إنجيل متى، مؤكدًا أن هذه النصوص توضح فلسفته في الحكم. وكان يعتبر أن العدالة ومساعدة الضعفاء والعمل من أجل السلام هي تطبيق عملي للتعاليم المسيحية.

كما يوضح المؤلف أن ترومان احتفظ طوال حياته بصلاة كتبها وهو شاب ووضعها في محفظته، وكان يقرأها يوميًا. تضمنت هذه الصلاة طلبًا من الله بأن يكون صادقًا وعادلًا ومتسامحًا وقادرًا على فهم الآخرين، وهو ما يعكس نظرته إلى الحياة السياسية باعتبارها مسؤولية أخلاقية وليست مجرد صراع على السلطة.

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى تحليل رؤية ترومان للتاريخ. فقد كان الرئيس يرى التاريخ باعتباره سلسلة من أعمال الشخصيات العظيمة التي تغير مسار البشرية. وكان قارئًا واسع الاطلاع في التاريخ، واعتاد دراسة سير الأنبياء والقادة والسياسيين والعسكريين عبر العصور.

كان ترومان يضع شخصيات مثل إبراهيم وموسى وداود وسليمان إلى جانب قادة مثل قورش والإسكندر الأكبر ويوليوس قيصر وواشنطن ولنكولن وولسن، ويرى أن التاريخ تصنعه شخصيات تحمل رسائل كبرى وتترك أثرًا أخلاقيًا في العالم.

ولا يرى المؤلف أن فلسفة ترومان التاريخية كانت نظرية أكاديمية متطورة، بل كانت أقرب إلى تصور أخلاقي للتاريخ يقوم على فكرة أن الله يمنح بعض الشخصيات أدوارًا خاصة في لحظات حاسمة. ولذلك كان ترومان يميل إلى الاعتقاد بأن الولايات المتحدة نفسها تحمل مهمة تاريخية في الدفاع عن السلام والقيم الروحية في العالم.

فقد صرح بأن العناية الإلهية لعبت دورًا كبيرًا في تاريخ الولايات المتحدة، وأن بلاده وصلت إلى قوتها الحالية لغاية عظيمة، تتمثل في التعاون مع الأمم الأخرى من أجل السلام ومواجهة القوى التي تهدد القيم الأخلاقية.

بعد ذلك ينتقل الفصل إلى العلاقة بين ترومان والحركة الصهيونية. فقد وجد القادة الصهاينة الأمريكيون في ترومان شخصية مختلفة عن بعض السياسيين الأمريكيين السابقين، لأنه كان يجمع بين الحس الديني والأخلاقي وبين الاستعداد لاتخاذ قرارات سياسية مستقلة.

وكان أبرز من أثروا في موقفه حاييم وايزمن، الذي ترك انطباعًا قويًا لدى الرئيس. فقد رأى ترومان في وايزمن شخصية تاريخية استثنائية، وليس مجرد سياسي يهودي يطالب بمصلحة قومية. وتذكر المصادر أن كثيرًا ممن تحدثوا مع ترومان عن وايزمن قدموه له باعتباره رجلًا مختلفًا ومتميزًا.

ويركز الفصل على أن وايزمن نجح في مخاطبة الجانب التاريخي والديني لدى ترومان. فلم يقدم القضية الصهيونية باعتبارها مجرد مشروع سياسي، بل باعتبارها قضية مرتبطة بتاريخ طويل من معاناة اليهود وبفكرة العدالة وإصلاح الظلم التاريخي.

لكن موقف ترومان لم يكن سهلًا، فقد واجه معارضة قوية من داخل حكومته، خاصة من وزارة الخارجية ووزير الخارجية جورج مارشال. كان العديد من الدبلوماسيين الأمريكيين يخشون أن يؤدي الاعتراف بدولة إسرائيل إلى الإضرار بالعلاقات الأمريكية مع الدول العربية وإلى اضطراب المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط.

وفي عام 1948 وجد ترومان نفسه أمام خيار صعب: إما الالتزام بتعهده للصهاينة، أو الاستماع إلى تحذيرات مستشاريه ووزير خارجيته. وقد أبلغ مارشال الرئيس في اللحظات الأخيرة أنه لن يعارض علنًا القرار إذا اختار الاعتراف، لكنه كان يعتقد أن القرار قد يؤدي إلى أزمات داخلية وخارجية.

كما يوضح الفصل أن بعض مسؤولي وزارة الخارجية كانوا يعملون ضد السياسة التي اتجه إليها ترومان، إذ رأوا أن الاعتراف بإسرائيل خطأ استراتيجي. ويشير المؤلف إلى أن ترومان أصبح في بعض المراحل بعيدًا عن مستشاريه الرسميين بسبب اختلافه معهم حول القضية الفلسطينية.

ثم يتناول الفصل موقف ترومان من خطة تقسيم فلسطين التي أقرتها الأمم المتحدة عام 1947. فقد كان الطريق إلى التقسيم صعبًا، لكن القيادة الصهيونية استطاعت التأثير في مواقف عدد من الدول. ويذكر المؤلف أن حاييم وايزمن استخدم أحيانًا لغة توراتية عند مخاطبة القادة المسيحيين، مستشهدًا بنصوص من سفر إشعيا حول عودة المنفيين من بني إسرائيل.

ومع اقتراب نهاية الانتداب البريطاني، أصبح السؤال الأساسي: هل ستعلن الولايات المتحدة اعترافها بالدولة اليهودية فور إعلانها؟ فقد كان ترومان يدرك المخاطر، لكنه كان مقتنعًا بأن رفض الاعتراف سيعني التخلي عن التزام أخلاقي وتاريخي.

وفي 14 أيار/مايو 1948، وبعد إعلان قيام دولة إسرائيل، اتخذ ترومان قراره التاريخي بالاعتراف بها. وقد كان هذا القرار ثمرة تداخل عوامل متعددة: علاقته بالصهاينة، اقتناعه بمعاناة اليهود الأوروبيين بعد المحرقة، رؤيته الدينية للتاريخ، وإيمانه بأن الولايات المتحدة يجب أن تلعب دورًا أخلاقيًا في العالم.

في الختام يخلص الفصل إلى أن موقف هاري ترومان من الصهيونية لا يمكن تفسيره بعامل واحد فقط. فلم يكن مجرد استجابة لضغوط انتخابية يهودية، كما لم يكن مجرد قرار استراتيجي في السياسة الخارجية. بل كان نتيجة تفاعل بين شخصيته الدينية، ونظرته للتاريخ باعتباره مجالًا تتحقق فيه القيم الإلهية، وتأثره بشخصيات صهيونية استطاعت مخاطبة هذا الجانب من تفكيره.

ويرى المؤلف أن ترومان يمثل نقطة التقاء بين تقليد الصهيونية المسيحية الأمريكية القديم وبين الصهيونية السياسية الحديثة. فقد حمل معه إرثًا بروتستانتيًا يرى في اليهود شعبًا ذا مكانة خاصة في التاريخ الكتابي، لكنه عبر عن هذا الإرث من خلال قرار سياسي حديث أدى إلى الاعتراف الأمريكي الأول بدولة إسرائيل.

وبذلك يختم الكتاب مساره التاريخي الذي بدأ بالصهيونية المسيحية في القرن التاسع عشر مع دعاة مثل وليم بلاكستون ووليم هنري هتشلر، وانتهى بوصول هذه الأفكار إلى أعلى مستويات القرار السياسي الأمريكي مع هاري ترومان عام 1948.