البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

مراجعة كتاب: النبوءة والسياسة

الباحث :  ادارة التحرير
اسم المجلة :  الاستغراب
العدد :  43
السنة :  صيف 2026م / 1448هـ
تاريخ إضافة البحث :  September / 22 / 2026
عدد زيارات البحث :  72
تحميل  ( 485.981 KB )
مراجعة كتاب:


النبوءة والسياسة

إدارة التحرير


الكاتب: جريس هالسل

المترجم: محمد السماك

الناشر: دار الشروق

سنة النشر: الطبعة الثانية- 2003

مكان النشر: لبنان

عدد الصفحات: 152

المقدمة

تعتبر مقدمة هذا الكتاب بمثابة التمهيد لطرح الإشكالية الأساسية التي دفعت الكاتبة للتأليف حول موضوع الصهيونية المسيحية، تبدأ كلامها عن نفسها، ونشأتها، حيث تؤكد أنها ولدت وترعرعت في كنف أب وأم مسيحيين، تؤمن معهما كما يؤمن المسيحيون بأن تاريخ الإنسانية سوف ينتهي بمعركة تدعى «هرمجدون»، وأن هذه المعركة سوف تنتهي بعودة المسيح، الذي سيحكم بعودته جميع الأحياء والأموات على حد سواء.

كما يؤمن المسيحيون – بحسب الكاتبة- أن اليهود هم شعب الله المختار، وأن الله أعطى الأرض المقدسة لهم، ولأن اليهود هم شعبه المختار فإن الله يبارك الذين يباركون اليهود ويلعن لاعنيهم.

اللافت أن منهج غريس هالسل في التأليف كان معتمدًا على أسلوب اثنوغرافي وانثروبولوجي في تجميع المعلومات مضافًا للجهد المكتبي والتوثيقي، فلقد زارت بنفسها الشرق الأوسط، لتعرف ماذا يفكر اليهود هناك، وتعتبر نفسها تشكل نموذجًا للعديد من الأميركيين لأن الأفكار التي كانت تحملها عن الشرق الأوسط كانت منطلقة بشكل أساسي من الكتاب المقدس.

في لقاءاتها الأولى في فلسطين، قابلت أحد الفلسطينيين الذي أخبرها كيف أنه أجبر من خلال التهديد بالسلاح، على مغادرة أرضه التي زرعها أجداده وأجداد أجداده. وقد اقامت في بعض المستوطنات اليهودية غير الشرعية في الضفة الغربية حيث صرح لها بعض المستوطنين من الأصول الأميركية أن استيلاءهم على الأراضي بقوة السلاح إنما هو لأنهم يهود والله أعطى الأرض المقدسة لهم.

في هذه اللحظات وجدت نفسها أمام السؤال المركزي: هل صحيح أن لله شعبًا مختارًا؟ وكيف يمكن لـ«دولة» حديثة تدعى إسرائيل أن تصنّف على أنها هي صهيون التوراتية الأسطوية؟

تنتقل الكاتبة بعد ذلك لتوثق تصريحات وكلمات الكثير من الإنجيليين الذين يشكلون نموذجًا ممثّلًا لحوالي 40 مليون إنجيلي أصولي الذين يعتقدون أن أرض صهيون التوراتية هي عين الكيان الإسرائيلي الحديث، وأن أهم ما يميز هذه العقيدة هي الاعتقاد بأن البشرية لا بد أن تمر بسبع مراحل زمنية تتضمن واحدة منها معركة هرمجدون الرهيبة حيث يكشف عن أسلحة نووية مدمرة تمامًا، وحيث إن الدم سوف يسيل كالأنهار، وكل مرحلة من هذه المراحل تدعى بالتدبيرية، والمبشرون بهذا الاعتقاد، يصورون نظامهم الإيماني على أسس أصولية أرثوذوكسية تقوم على تفسير لفظي للكتاب المقدس.

إن نظام الإيمان هذا يقرّ بأن لله مخططين، وأن عند الله مجموعتين من الناس، يتعامل معهما، وأن إسرائيل كانت مملكة الله على الأرض وأن الكنيسة المسيحية كانت مملكة الله في السماء.

ثم إنهم يعتقدون أن النبوءة الإنجيلية تقضي بأن على اليهود تدمير مسجد الصخرة المتعلق بالمسلمين وبناء هيكل يهودي مكانه، وإن المسيحيين المؤمنين بهذه العقيدة يعتقدون بأن علينا نحن أن ندمر الأرض تمهيدًا للعودة الثانية للمسيح في معركة هرمجدون النووية.

ثم ذكرت عددًا من الذين يقدمون برامج تلفزيونية وإذاعية دينية حيث يبشرون بنظرية هرمجدون، وفي الختام، تذكر أن النظام الإيماني الذي يكون من هذا النوع، والذي يصور المسيحية الكاملة على أنها تتضمن مأساة نووية تدمرنا جميعًا لا بد من متابعته ورصد شخصياته وبناته.

مع جيري فولويل في أرض المسيح (معركة هرمجدون)

تستمر الكاتبة في هذا الفصل ببيان أفكارها المستمدة من رحلتها الميدانية إلى فلسطين، حيث بدأ الأمر منذ العام 1980 حيث اعتادت الاستماع إلى جيري فولويل في البرنامج الذي يقدمه كل يوم أحد لمدة ساعة على شاشة التلفزيون. ولأجل التعمق أكثر حول نظرية هرمجدون اشتركت في رحلة إلى الأراضي المقدسة التي نظمها فولويل عام 1983.

وهناك التقت بأحد المتعمقين في هذه النظرية وبدأت بطرح الأسئلة الكثيرة عليه، حيث دونتها مع الإجابات في هذا الفصل، وأهم ما جاء في الإجابات أن معركة هرمجدون الأخيرة تم الاستدلال على كونها ستقع في فلسطين من خلال تركيب لغوي بين كلمتي « هار» وتعني الجبل و «مجيدو» التي هي منطقة في الاراضي المقدسة، وبانضمام هاتين الكلميتن يمكن الاستنباط ان « هرمجدون» هي هنا.

لا تخفي هالسل استغرابها من طريقة الاستنباط وتساءلت أنه على كل التقادير فلعل جبل مجيدو لا يعدو كونه اسم منطقة لا ربط له بمعركة في آخر الزمان وهذا ما يرفضه هذا المتعمق في نظرية آخر الزمان « هرمجدون»،

ثم بعد أن تطلب المزيد من المعلومات حول كلمة « هرمجدون» يتبين أن هذه الكلمة لم تطرح إلا مرة واحدة في الانجيل، ولا تخفي إرباكها أن الأنجيل يتكلم عن هرمجدون بوصفها مكانًا بينما النظرية تصر على أنها معركة.

وفي التفاصيل، يعطي القديس جون في كتاب «سفر الرؤية» وصفا حول ما ستكون عليه هذه المعركة النهائية، إن 200 مليون رجل من جيش الشرق سوف يتقدمون نحو الغرب لمدة عام. إن هذا الجيش سوف يمر عبر مجيدو وسوف يدمر معظم المناطق الآهلة في العالم قبل أن يصل إلى نهر الفرات، حيث سيكون جافًا مما يمكن ملوك الشرق من اجتيازه إلى إسرائيل.

ومن ثم يأتي المسيح ليوجه الضربة الأولى، ويكشف عن سلاح جديد، وذلك لإقامة حكم الله ولتحقيق السلام العالمي، وسوف يتولى زمام قيادة العالم. وسوف يقوم بذلك كله من مركز قيادته في القدس.

وإن ثلثي اليهود الذين يعيشون في الأرض المقدسة سوف يقتلون، وبذلك فإن الله يخبرنا أن اليهود الذين سيقتلون أكثر من كل اليهود الذين قتلوا على أيدي النازية.

النهاية قريبة

تكمل الكاتبة في هذا الفصل الكلام حول رحلتها وجولاتها الميدانية الاستقصائية لاستخراج المعلومات حول الرؤية الإنجيلية الصهيونية، فتذكر أنها لدى عودتها من الرحلة التي تم الكلام حولها في الفصل السابق، أجرت تحقيقًا حول ما يقوله الإنجيليون الأصوليون في موضوع هرمجدون، خاصة وأنهم يعتقدون بأن العالم الآن يتحرك بسرعة كبيرة نحو هرمجدون وأن الجيل الحالي – والكلام يرجع لقائله عام 1970- من الشباب قد يكون آخر جيل في التاريخ.

وفي الكلام حول المؤلف هال ليندسي الذي كتب «آخر أعظم كرة أرضية» فإنه يعتبر أن «دولة» إسرائيل هي الخط التاريخي لمعظم أحداث الحاضر والمستقبل. وأن النبوءات كلها تشير إلى أن العالم كله سوف يتمركز على الشرق الأوسط، وخاصة على إسرائيل في الأيام الأخيرة، وإن كل الأمم سوف تصبح متورطة بما يجري هناك.

ويقول ليندسي، أن الجيل الذي ولد منذ عام 1948 سوف يشهد العودة الثانية للمسيح. ولكن قبل ذلك لا بد من خوض حربين: الأولى ضد يأجوج ومأجوج، والثانية هي هرمجدون، والمأساة سوف تبدأ هكذا: كل العرب بالتحالف مع السوفيات سوف يهاجمون إسرائيل.

وإن القوة الشرقية وحدها سوف تزيل ثلث العالم، وعندما تصل الحرب الكبرى إلى هذا المستوى، بحيث يكون كل شخص تقريبًا قد قتل، يحين ساعة اللحظة العظيمة، فينقذ المسيح الإنسانية من الاندثار الكامل.

ويذكر بعض من نقلت كلماتهم أنه وبالرغم من الآمال الوردية وغير الواقعية تمامًا التي أبدتها الولايات المتحدة الأميركية حول اتفاق كامب دايفيد بين مصر وإسرائيل فإن هذه الاتفاقيات لن تدوم، ولن يكون هناك سلام حقيقي في الشرق الأوسط إلى أن يأتي فيه المسيح ويجلس على عرش داوود في القدس.

ريغان: التسلح من أجل هرمجدون حقيقية

ترصد الكاتبة في هذا الفصل رصدًا مركزًا دون إعمال تحليل معمق وتعليق على ما ترصده، كلمات وتصريحات ومؤشرات تدل على أن رونالد ريغان يعتقد بجدية بأن العالم بانتظار معركة هرمجدون والمجيء الثاني للمسيح، وتنقل عن أندرو لانغ من مدينة واشنطن ومدير الأبحاث في المعهد المسيحي ما توصل إليه في دراسته المعمقة عن ريغان وعن نظرية هرمجدون مثبتًا أن ريغان كان بالفعل من المؤمنين الأشداء بنظرية هرمجدون.

فهو يعتقد بأن الكتاب المقدس يتنبأ بالعودة الحتمية الثانية للمسيح بعد مرحلة من الحروب النووية العالمية أو الكوارث الطبيعية والانهيار الاقتصادي والفوضى الاجتماعية.

ثم تذكر الكاتبة بناء على الرصد السابق لحياة وتصريحات ريغان، أن بإمكننا أن نرى تأثير طفولته على تبنيه هذه الأفكار، حيث تأثر ريغان بأمه حيث كانت تؤمن بالتعاليم الإنجيلية بطريقة عميقة وشديدة، وبالإضافة إلى والدته تأثر ريغان بأصدقائه المقربين، والعديد منهم يعتنق التدبيرية، ويؤمن بأن الله سوف يقدم امتيازات خاصة لشعبه المختار وأنه سوف يعاقبهم.

ثم إن هناك مؤشرات عديدة تنقلها الكاتبة في فترات ريغان الأخيرة تكشف عن أنه كان حتى أواخر عمره مؤمنا بالتدبيرية ومعجبًا بإسرائيل ومصدقًا بأيديولوجية هرمجدون.

استراحة في الناصرة

تنتقل هالسل في هذا الفصل لسرد أحداث رحلتها مع فولويل عام 1983 إلى «إسرائيل» حيث تبدأ مسيرة المفاجآت في هذه الرحلة عندما تمر أثناء الرحلة في الضفة الغربية وترى الفلسطينيين هناك، غير أن الدليل السياحي لم يخبرهم شيئًا عن الضفة الغربية ولا عن الفلسطينيين، مضافًا إلى أن الدليل أصلًا لم يسم هذه الأرض باسم الضفة الغربية بل أطلق عليها للسيّاح اسمها الانجيلي القديم : يهودا والسامرة، مع العلم بأنها بالنسبة لأكثر من 3 ملايين مسيحي هي: فلسطين والضفة الغربية.

لقد كان جلّ سكان هذه المنطقة من الضفة الغربية من الفلسطينيين حتى قيام حرب 1967، ومع نهاية الحرب التي انتهت بنصر إسرائيل، بدأ الإسرائيليون بناء المستوطنات اليهودية على أرض فلسطين، مع العلم بأن هذه المستعمرات قد تمت إدانة بنائها من قبل قادة العالم، وحكم عليها باللاشرعية في سائر المحافل الدولية، ومع ذلك فقد تزايدت وتيرة المستوطنات ويعتقد الكثيرون أن الضفة الغربية هي الآن في طريقها لأن تصبح جزءًا من الامبراطورية الصهيونية.

تعيد الكاتبة لتؤكد أن معلوماتها عن الشرق الأوسط إنما هي معلومات مأخوذة من الكتاب المقدس، حيث درست في قصص العهد القديم عن تجمع الشعب العبراني في فلسطين وعن حروب ملوك إسرائيل وعن معاملات الله الخاصة بالشعب المختار. ومن أجل ذلك لم يتم التركيز على شعب فلسطين قبل مجيء اليهود، وكأنها أرض بلا شعب! بل إن أمثال هالسل عندما بدؤوا بالقراءة عن شعوب أخرى في الشرق الأوسط، لم يتم تقبلهم كشعوب حقيقية إنما كاعداء للعبرانيين وبالتالي كأعداء لله.

ومن بين التعاليم الخطيرة التي تذكرها حول اليهود، أنهم وبسبب كونهم شعب الله المختار فلا يمكن تطبيق القوانين الوضعية عليهم.

من هنا فإن الصهيونية – كأي نوع من أنواع العنصرية- لا يمكنها أن تتقبل التنوع السياسي والديني والثقافي الموجود، بل إن الإيمان بالشعب المختار، يجعل الصهيوني يخسر قدرته على فهم واستيعاب مثل هذه المشاعر التعددية، وبالتالي يصعب على من يعتقد بالعقيدة الصهيونية أن يدرك أن الفلسطينيين المسيحيين والمسلمين يشاركون في الصورة الإنسانية وفي الوجود الإنساني مع غيرهم من المسيحيين الصهيونيين.

وأيضًا تلفت الكاتبة أن في هذه الرحلة تم تجاهل المسيحيين الفلسطينيين بشكل تام، وتم تصوير أن جميع الفلسطينيين على أنهم من المسلمين الإرهابيين «أعداء الله وشعبه المختار»، بل وبذل المعنيون جهودًا خاصة للفصل بين المسيحيين الفلسطينيين والمسيحيين الاميركيين الذين يعيشون في الأرض المقدسة، وفي يوم من أيام الآحاد لم يسمحوا للسياح التوجه إلى أحد الكنائس للصلاة وأبلغوهم أن الصلاة ستؤدى في أحد الفنادق الاسرائيلية.

في الختام، تشير هالسل إلى أن فولويل لم يرشد أتباعه إلى أن شعب فلسطين الحقيقي يتشكل من ثلاثة أديان تكافح من أجل التعايش على أرض يعتبرها الثلاثة ارضًا مقدسة، ولكنه قدم الارض المقدسة وكأنها وفاء إلهي بوعود لمجموعة واحدة من الشعب، وأما البقية فكما قالت غولدا مائير فلا وجود لهم.

استحسان المسيح العسكري

تستمر هالسل في هذا الفصل ببيان ملاحظاتها الميدانية من فلسطين، حيث تبدأ السرد بحادثة لقائها وبقية افراد الرحلة مع وزير الدفاع الاسرائيلي عام 1983 موشي ارينز، حيث تسجل مفاجأتها بكثرة العسكريين الاسرائيليين في الكيان الاسرائيلي بحيث تبلغ نسبتهم جندي لكل 22 شخص في هذا الكيان، وهي أعلى نسبة في العالم، مما يوضح عسكرة هذا الكيان، وفي الاثناء وفي سياق الكلام حول الاجتياح الاسرائيلي للبنان في ذلك الوقت، يأتي التبرير أن غزو لبنان كان عملًا من إرادة الله، لقد كانت حربًا مقدسة، لأنه ينسجم مع العهد القديم ولأنه يؤكد النبوءة التوراتية الإنجيلية، وهذا يعني الاقتراب من هرمجدون.

تساءلت هالسل: لماذا علينا نحن المسيحيين الذين نتبع المسيح المعذب أن نستمع ونصفق للمسيح العسكري؟ لقد زاد إرباكها تواصلها مع المسيحيين الأصيلين في فلسطين، والذين عاشوا منذ أكثر من ألف سنة في هذا المكان، وبحسب بعض من تنقل عنه إن الهدف الأساسي للعسكرية الصهيونية هو السيطرة على قلوب وعقول المسيحيين الاميركيين، فإذا استطاعوا إقناع المسيحيين الاميركيين بأن الشعب الفلسطيني غير موجود وأنه غير مهم، عند ذلك سيوافق المسيحيون على كل ما يفعله الاسرائيليون. وهذا الأمر يجري في عين تجاهل المسيحيين الأصليين في الأرض المقدسة من غير الصهاينة.

إن المسيحيين الصهاينة يفسدون تعاليم المسيح، إن سياستهم لا علاقة لها بالأخلاق أو القيم أو بمواجهة المشاكل الحقيقية. إنهم يدعون أتباعهم للإيمان بإسرائيل إيمانًا فوق الإنسانية، والأهم من كل هذا إنهم يهملون وجود المسيحيين الفلسطينيين الذين يتم انتظار موتهم واندثارهم كي لا يبقى أي شرعية مسيحية تقابل الصهيونية.

بحث عن حياة فولويل

أرادت هالسل أن تتعرف أكثر على حياة المسيحي الصهيوني فولويل وسر تحالفه العميق مع إسرائيل، وما الذي حصل عليه بالمقابل، فتعرفت أولًا على امبراطورية فولويل وحياته الفارهة، الطائرة النفاثة التي تم اهداؤه إياها من قبل إسرائيل، ولاحظت تبدل أفكاره من فصل التبشير المسيحي عن السياسة إلى تسخير هذا التبشير لتقوية الكيان الإسرائيلي، واعتبار اسرائيل هي الوعد الإنجيلي تمهيدًا لعودة المسيح الثانية.

حصل هذا التحول بشكل واضح بعد الانتصار العسكري لإسرائيل عام 1967 على العرب، حيث دخل السياسة واصبح من كبار مؤيدي الدولة الصهيونية، فكان السؤال: لماذا جعل الانتصار العسكري لإسرائيل من فولويل صهيونيًا؟

كانت بعض الاجابات ترجح أن الانتصار العسكري لإسرائيل كان له الأثر الكبير على العديد من الاميركيين، لأنه حصل في الوقت الذي كانت الولايات المتحدة منغمسة في حرب فييتنام وكان شعور الهزيمة والعجز يخيم على الكثيرين، والانتصار العسكري الاسرائيلي أعطى دفعًا جديدًا لكثير من الاميركيين، ولكن فولويل نظر إلى الامور بصورة مختلفة، لقد قال لم تكن هناك وسيلة ليربح الاسرائيليون لو لم يكن هناك تدخل من الله. إن الله يحب أميركا لأن أميركا تحب اليهود، وعلى المسيحيين الاميركيين أن يتدخلوا في السياسة بطريقة تضمن استمرار بقاء أميركا صديقة للاسرائيليين، وأما في غير هذه الحالة فلن تبقى أميركا مهمة بالنسبة إلى الله.

إن فولويل يتحدث عن المسيح العسكري، إنه يحب إسرائيل ليس رغم عدوانيتها المسلحة، ولكن لأن عدوانيتها مسلحة، إنه معجب بإسرائيل لأن عندها جيشا قويا مستعدا، وقوة كبيرة، وعددا كبيرا من الدبابات والسلاح النووي.

في عام 1985 قامت الكاتبة برحلة منظمة ثانية إلى الأرض المقدسة وخلال هذه الجولة تعرفت أكثر لماذا يؤمن أكثر من 40 مليون أصولي إنجيلي بأن الله يفضل اليهود على العرب، واكتشفت أن بعض الأميركيين يعتقدون بأن أية عملية سلام على حساب حق الاسرائيليين بالارض المقدسة هي عمل آثم ولا ثمرة له لأنه مقابل ارادة الله.

زيارة الجبل المقدس

خلال الجولة التي قامت بها الكاتبة إلى فلسطين عام 1985، زارت مع مجموعة من الحجاج مدينة القدس، ووصلت لأحد أهم الصروح الاسلامية في المدينة وهو قبة الصخرة والمسجد الاقصى، قال لهم الدليل: هناك سنبني الهيكل الثالث، لقد أعددنا جميع الخطط لبناء الهيكل.

تساءلت هالسل عن سبب عدم ذكر مصير الصروح الاسلامية عند بناء الهيكل، وكان الجواب: سوف ندمر هذه الصروح.

وفي مناقشاتها لهذه العقيدة والدعوى تتساءل الكاتبة: ألا يبدو معقولا أن النص حول بناء هيكل يتعلق بالوقت الذي كتب فيه النص وليس بأحداث القرن العشرين؟ فيأتي الجواب من بعض الصهاينة بالنفي، مؤكدًا أن الامر يتعلق بآخر الزمان بحسب التوراة. وإن توقيت إعادة بناء الهيكل سيشكل الخطوة التالية في الاحداث المؤدية إلى عودة المسيح الثانية.

وبمنهجها الاثنوغرافي الميداني، تنقل هالسل بأنها في أثناء هذه الرحلة تركت مجموعة الحجاج وبدأت تتسوق في المحلات التجارية وتوجهت وحيدة إلى الحرم الشريف، كان ذلك يوم جمعة، فلاحظت بوضوح أن هذه الأرض لا يمكن تصويرها بأنها بلا شعب، بل هي طوال تاريخها عربية، ولقد حافظ المسلمون على القدس 13 قرنًا من الزمن، ولا تخفي استغرابها من تجاهل مشاعر المسلمين عند الاصولية المسيحية الصهيونية، وهل قادة الأصولية المسيحية الانجيلية لا يدركون ولا يكترثون وحتى يحتقروا مشاعر حوالي مليار مسلم في 60 دولة في العالم؟!

التحريض على الحرب المقدسة

تتحدث الكاتبة هنا حول ملاحظاتها في واشنطن حيث تنقل حديثها مع ريزنهوفر الذي يترأس منظمة تدعى «مؤسسة معبد القدس» التي أنشأها مع عدد آخر من الأميركيين لمساعدة الارهابيين اليهود على تدمير الاماكن المقدسة الاسلامية، و يعتبر ريزنهوفر نفسه «نهيميا جديدًا»، إن نهيميا التوراتي تفرغ لإعادة بناء القدس، ويعتقد ريزنهوفر أنه مدعو لإعادة بناء الهيكل على الرغم من أنه من العامة وعلى الرغم من أن معظم اليهود والمسيحيين والمسلمين لا يوافقون على برنامجه وعلى تكتيكه. كما ساعد ريزنهوفر في تنظيم وتزعم مؤسسة التعاون اليهودي المسيحي في أميركا . وكان له دور في دعم عصابات هزت العالم بالمجازر التي ارتكبتها ضد العرب من الرجال والنساء والاطفال.

ثم تنتقل الكاتبة في بقية تفاصيل هذا الفصل بسرد أفكار جملة من الشخصيات التي تصمم بعنف على بناء الهيكل وتدمير المعالم المقدسة للمسلمين، ومستندهم في ذلك النصوص التوراتية بحسب تفسيرهم لها. مع العلم أن هؤلاء كانوا يدعون المسيحيين في أميركا لدفع التبرعات لبناء الهيكل دون ذكر أن ذلك يتطلب تدمير مسجدين في نفس المكان.

كما تنقل عن بعضهم عدم اعتناءهم بكثرة بتدمير المسجد الاقصى وقبة الصخرة لتسليمهم بأنهما سيتم تدميرهما من قبل الله ولو من خلال عوامل طبيعية، وذلك لتنفيذ ارادته ببناء الهيكل في المكان نفسه.

في الوقت عينه تعكس الكاتبة مخاوف الحكومات الاسرائيلية من القيام بخطوة التدمير بسبب إن هذا الأمر سوف يؤدي إلى اثارة سخط المسلمين في العالم، حتى إن بعض علماء الاثار وبدعم من الحكومة الاسرائيلية كتب أن موقع الهيكل التاريخي يقع جنوب قبة الصخرة.

وعندما تسأل عن الفوائد السياسية لإسرائيل من وراء الدعم والترويج لدراسة تقول لا نريد تدمير المسجد لبناء الهيكل مع ان اعتقادهم خلاف ذلك؟ يكون الجواب البراغماتي، أن كثيرًا من الصهاينة يفضلون المضي في المخطط خطوة خطوة، فإذا لم ينسفوا المسجد فإنهم يتمنون أن ينظر إليهم كمعتدلين، بدلا من مخاطر الدخول في حر مقدسة مع 150 مليون مسلم يحيطون بإسرائيل.

وعندما تبدي استغرابها الاخلاقي تجاه تصرف يجعل الصهيونية مقابل مليون مسلم تخدش مشاعرهم الدينية، جاءها الجواب: إن الانجيليين الاصوليين الذين يجمعون الاموال لتدمير المسجد يمارسون نفس العقيدة التي مارسها أجدادهم من قبل، لقد ظنوا أنه من الشجاعة والصواب أن يذبحوا الهنود وأن يسيروا قدمًا بمدنية الابيض. فكما أن بعض المستوطنين المسيحيين وجدوا أنه من الصواب قتل الهنود فإن بعض المسيحيين يجدوا الآن أنه من الصواب تقديم المال إلى الصهاينة الذين يقتلون الفلسطينيين.

الدليل المسيحي الممنوع

تتعمق هالسل في هذا الفصل ببيان البعد السياحي في إسرائيل والاجراءات المتشددة التي تتخذها الحكومة الاسرائيلية والأموال التي تدرّها السياحة لدعم المزيد من عسكرة هذا الكيان.

لكن النقطة المحورية التي تركز عليها هي اجراءات توجيه السياحة نحو اليهود والمسيحيين الصهاينة او المسيحيين الذين لا يملكون أي فكرة عن حقيقة المسيحيين الفلسطينيين والذين هم على استعداد لتلقي السردية الاسرائيلية والمسيحية الصهيونية حول الارض المقدسة، واستنادًا إلى القانون الاسرائيلي، على كل مجموعة سياحية تسافر إلى إسرائيل أن يرافقها دليل إسرائيلي، مرخص من مكتب السياحة الحكومي. وكثير من هؤلاء الادلاء من المسيحيين الصهاينة الذين بالإضافة إلى دافع المال والمديح هناك سبب ثالث يحملهم على الذهاب إلى أرض المسيح من دون أن يتحدثوا عن المسيح ومن دون أن يلتقوا بالمسيحيين الفلسطينيين، إنهم يتنازلون عن الصلاة في الجبل المقدس، من أجل تعزيز إيمانهم بأرض اسرائيل، وبحسب قولهم: إن المسيح لا يستطيع أن يعود ما لم تكن هناك إسرائيل يعود إليها.

ثم إن المسيحيين الفلسطينيين يشعرون بصورة متزايدة أنهم في موقع لا يحسدون عليه، إنهم يعرفون أن الكثيرين من المسلمين الذين يسمعون الشيء الكثير عن المسيحيين الصهاينة ينظرون إلى هؤلاء على أنهم يمثلون المسيحية اليوم.

البحث عن صهيونية غير يهودية

في أواخر اغسطس 1985 شاركت الكاتبة في سويسرا بالمؤتمر المسيحي الصهيوني الأول، وسجلت ملاحظاتها حول الصهيونية مؤكدة أنها كانت صفة ليهود علمانيين غير مؤمنين أصلًا وكذلك لمسيحيين انجيليين، ولم يشر أحد من الحاضرين في المؤتمر إلى أننا جميعًا بشر يجب أن نتعلم كيف نعيش كجيران طيبين في العصر النووي، وبدلا من تقديم الامل من خلال اقتراح خطوات يستطيع من خلالها العرب واليهود وكل الاعداء أن يصلوا إلى التلاقي والسلام، فإن كل متحدث شدد على المخاوف التي تطارد اليهود بدلا من التشديد على ما هنالك من عناصر مشتركة بين العرب واليهود، العديد كانوا يوحون أن اليهود مختلفون!

في أحد هذه اللقاءات حث المسيحيون الصهاينة كل الذين يعيشون خارج إسرائيل على ترك الدول التي يعيشون فيها والانتقال إلى الدولة العبرانية، وأن على كل مسيحي أن يسهل هذا الانتقال، كما حثوا اسرائيل على ضم الجزء المحتل من فلسطين الذي يدعى الضفة الغربية بسكانه المليون فلسطيني تقريبا.

تبدأ بعد ذلك الكاتبة بتحليل الاصرار المسيحي الصهيوني الداعم لاسرائيل الذي قد يفوق الآباء المؤسسين لنفس الكيان الاسرائيلي، فإن هرتزل الذي يعرف بأنه أبو السياسة الصهيونية لم يختلق حركة تشجيع اليهود للانتقال إلى فلسطين، لقد فعل ذلك المسيحيون البروتستانت الانجيليون قبل ثلاثة قرون من المؤتمر اليهودي الصهيوني الأول.

وهكذا فإن تأثير المسيحيين الصهاينة على الساسة الغربيين هو الذي ساعد اليهودية الصهيونية الحديثة على تحقيق هدفها في إعادة ولادة اسرائيل، ومن أجل مصادرة أرض فلسطين بضمير مرتاح، كان على الصهيونيين أن يحسبوا أن الشعب الذي يملك الأرض لم يكن موجودًا. وقد ادعى الصهيونيون السياسيون أنه لم يكن هناك فلسطينيون يعيشون في فلسطين، ودهش المهاجرون اليهود عندما اكتشفوا أن سكان فلسطين الآخرين يشكلون 93% من السكان.

كما حث المسيحيون الصهيونيون الأوائل يهود أوروبا على التوجه إلى فلسطين لمصادرة كل ما يستطيعون مصادرته من الأرض، كذلك فإن المسيحيين الصهيونيين يحثون اليهود على أن يذهبوا إلى ما يتعدى فلسطين، وأن يطالبوا بكل الأراضي العربية التي تمتد من نهر الفرات في الشرق إلى النيل في الغرب.

زواج المصالح... لماذا عقدت إسرائيل حلفًا مع اليمين المسيحي الجديد

تبدأ الكاتبة بحثها في هذا الفصل بأنها ربما تكون نموذجًا للمسيحي الذي ترعرع قبل أن توجد إسرائيل على الخريطة، كل المسيحيين الذين تعرفهم في عام 1948 رحبوا بخلق دولة يهودية في صلاتهم وتوسلاتهم، تقول أنها لم تقرأ ولم تسمع سوى المظاهر الجيدة عن اسرائيل، كان النظر إليهم على أنهم شعب كادح، منفتح العقل، يحرثون ويحبون السلام.

تصرح أنها لم تكن تعرف إسرائيلينين حينها، كل تصورها عن اسرائيل نتج بصورة اساسية من اليهود الاميركان الليبراليين الذين بذلوا جهودًا كبيرة من أجل قيام الدولة اليهودية، اليهود الليبراليون اعتبروا الفلسطينيين المسيحيين والمسلمين نقمة على الأرض، واعترفوا بمعاناة الفلسطينيين الذين أصبحوا بلا مأوى، وهكذا فإن اليهود الاميركيين، ربما أكثر من أية مجموعة أخرى، اعترفوا بمعاناة غيرهم من الاميركيين وعملوا على إزالتها، كالسود والهنود الذين ذاقوا طعم التمييز.

ولكن تحولت المصالح لتصبح بين اسرائيل واليمين المسيحي المتطرف في أميركا، لماذا حاول اليهود الاميركيون واليهود الاسرائيليون التحالف مع الاصوليين الانجيليين الاشد تطرفا؟

بحسب بعض النقولات التي تنقلها هالسل، إن كل شيء تغير بعد 1967، أصبح الايركيون ينطرون بصورة عامة إلى اسرائيل نظرة مختلفة. حتى عام 1967 كانوا يرون اسرائيل «داوود صغير» تستهدفه قوى عربية متفوقة عليه، وفجأة هاجم الاسرائيليون جيرانهم، ضربوا الطيران المصري على حين غرة، ودمروه على الارض ايضا، دخل الاسرائيليون إلى سيناء وسيطروا على الضفة الغربية والقدس العربية وكل قطاع غزة ومرتفعات الجولان.

ومن ثم شغل موضوع حدود اسرائيل الامم المتحدة أكثر من أي موضوع آخر، لقد كانت الامم المتحدة هي التي اوصت بإقامة اسرائيل كفلسطين يهودية إلى جانب فلسطين عربية، وحددت حدود اسرائيل في عام 1948، منذ ذلك الوقت غيرت اسرائيل حدودها باستمرار، لأن «الله اعطاها الارض» ولم تعترف باي امة على الارض التي اعطتها اسرائيل لنفسها.

بصورة عامة، فإن استمرار الاحتلال الاسرائيلي غير المشروع للاراضي العربية، لم يحظ سوى باهتمام قليل من اكثرية المسيحيين الاميركيين الليبراليين، فقد بقوا على ولائهم لاسرائيل في قضايا الشرق الاوسط، وعدم الاهتمام هذا كان كافيًا لازعاج الصهيونيين، ومع ذلك، فإن القادة الاسرائيليين وقادة اليهود الاميركيين، كانوا على ثقة من أن الصف الأمامي من قادة الكنيسة لن يحتجوا بشدة على احتلالهم الاراضي العربية، وهذا ما حدث بالفعل، إن الصهيونيين يشعرون باطمئنان إلى أنه رغم أن بعض الافراد الليبراليين من قادة البروتستانت والكاثوليك استهجنوا معاناة الفلسطينيين، فإن القضية بالنسبة لهم لم تكن أكثر أهمية من قضايا أخرى مثل التمييز العنصري في جنوب أفريقيا، وسباق التسلح، وهناك سبب آخر لتحول مؤيدي اسرائيل إلى ما يسمى بالمسيحية المتشددة والصلبة، وهو أن العديد من قادتهم يعتقدون بحاجة اسرائيل إلى مزيد من السلاح، بجيوش أكبر، بقنابل أكثر، لتحقيق أهدافها بالقوة العسكرية.

باختصار، إن كلمات قادة اليهود واليمين المسيحي تخبرنا أنهم اقاموا تحالفا يريدون منه ويكافحون به من أجل تحقيق نفس الاهداف، إن القادة في المعسكرين يفضلون بناء قوة عسكرية غير محدودة من الاسلحة النووية، ومن غيرها من الاسلحة في اميركا واسرائيل، إن إسرائيل تملك حوالي 20 سلاحا نوويًا، ويقول المحافظون الانجيليون: انهم يتمنون لو أن اسرائيل تملك أكثر من ذلك. إن قادة اليمين الاسرائيلي، واليمين المسيحي هم وطنيون عسكريتاريون، لكل منهم عقيدة تحتل الاولوية المطلقة في حياتهم، عقيدة متمركزة حول اسرائيل وعبادة الارض.

إن تطور اسرائيل قوة استعمارية وعسكرية بالاضافة إلى تحالفها مع اليمين المسيحي المتطرف، يجعلان الكثيرين من اليهود الاميركيين يشعرون بالقلق وعدم التوازن.

مكاسب إسرائيل من التحالف: المال

تتلخص أهداف إسرائيل الثلاثة في الولايات المتحدة على النحو الآتي:

إن إسرائيل تريد المال.

إن إسرائيل تريد الكونغرس أن يكون مجرد خاتم للموافقة على أهدافها السياسية.

إن إسرائيل تريد سيطرة كاملة ومنفردة على القدس.

بالنسبة للهدف الأول – المال- تسأل الكاتبة: كم نقدم إلى إسرائيل؟ وهل ما نقدمه لها هو على شكل هبات أو قروض مع فائدة تدفعها أو إنها مجرد عطاءات؟

إن دافع الضرائب الاميركي أرسل في عام 1985 إلى إسرائيل خمسة مليارات دولار، هذا يعني ان الاميركيين يرسلون ما يعادل 1700 دولار لكل رجل وامرأة وطفل في إسرائيل، إن طبيعة الصهيونية هي البحث الدائم عن حام ومعيل، في البداية توجه الصهيونيون السياسيون إلى انكلترا، التي قدمت لهم ذلك، والآن يتوجه الصهيونيون ويعتمدون كليا على الولايات المتحدة، لقد اقاموا هذا الحلف مع اليمين المسيحي الجديد الذي يبرر أي عمل عسكري أو إجرامي تقوم به اسرائيل.

بالنسبة للمساءلة حول المساعدات والهبات المالية، فإن الكونغرس يستطيع أن يسأل، وهو يسأل بالفعل عن المساعدات التي ترسل إلى أية دولة أخرى، غير أن الكونغرس يوافق دائمًا على المساعدات لإسرائيل، إن إسرائيل بأربعة ملايين من السكان هي بلا منازع المستفيد الاول من برنامج المساعدة الاميركية، إنها تحصل على حوالي ثلث كل المساعدات الاميركية الخارجية.

ثم إن اللوبي الاسرائيلي استعمل اليمين المسيحي ليس فقط لإلحاق الهزيمة بمرشحين، إنما لتغيير عقول وقلوب مشرعين لم يكونوا صهيونيين. كما أن اليمين المسيحي الجديد ساعد الصهيونيين من اجل كسب منافذ أكبر إلى البيت الأبيض.

مكاسب اسرائيل من التحالف: مزيد من الأرض

الكثير من اليمنيين المسيحيين الجدد يشعرون بالنشوة لأنه حليف للرابح الاسرائيلي في معاركه مع العرب، مع العلم أنهم رغم اطلاعهم على نصوص التاريخ التوراتي، فهم جاهلون بما يتعلق بالصراع الاسرائيلي العربي المعاصر، هم ليسوا مهتمين لأنهم كانوا يعرفون مسبقا كل ما يعتقد أن الله يريد منه أن يعرفه.

بالإضافة إلى هذا الأمر، يعتقد المسيحيون اليمينيون أنهم يؤخرون وصول المسيح من خلال عدم مساعدة اليهود على مصادرة مزيد من الأرض من الفلسطينيين، فإن على اليهود أن يمتلكوا كل الارض التي وعدهم الله بها قبل أن يتمكن المسيح من العودة.

وكذلك تكتب هالسل أن التدبيريين المسيحيين يقدمون المال إلى الإسرائيلين لمساعدتهم على مصادرة الأرض من الفلسطينيين بأية وسيلة ممكنة، وهي ما يسمى عملية أرض الاحتيال، إن المهمة السياسية والعسكرية للصهيونية هي مصادرة كل أراضي الفلسطينيين، وفي عام 1918 كان الفلسطينيون يشكلون 90 بالمئة من السكان، وكانوا يملكون 92 بالمئة من الأرض، أما اليهود فكانوا يملكون 8 بالمئة من الارض فقط.

إن عدة ملايين من المسيحيين الأميركيين يعتقدون أن القوانين الوضعية لا تطبق على مصادرة اليهود واسترجاعهم كل أرض فلسطين، وإذا تسبب ذلك في نشوب حرب عالمية ثالثة – هرمجدون نووية، فإنهم يعتقدون أنهم تصرفوا بمشيئة الله.

مكاسب إسرائيل من التحالف: تجذير الدعم المسيحي

تسرد هالسل في هذا الفصل الكلام حول المنظمات المسيحية اليمينية التي تتخصص في تنظيم أحداث بارزة مثل مهرجانات التضامن مع إسرائيل أو تجمعات الوعي الاسرائيلي التي تقام في الكنائس الانجيلية، وبعضها يتولى تنظيم الجولات وإعداد المطبوعات وعقد المؤتمرات التنبئية والدعم الفكري وغير ذلك، وبعضها ينغمس في الدعم السياسي المباشر ويقوم بمختلف عمليات الضغط سواء عن طريق تنظيم استكتابات الرسائل أو عن طريق وسائل الاعلام التي تعبر بقوة عن تأييدها لإسرائيل.

ومن هذه المنظمات:

المؤتمر الوطني المسيحي

الاتحاد الاميركي من أجل سلامة أميركا

تاف الكاتدرائيات الانجيلية

الائتلاف الاميركي من أجل القيم التقليدية

الصوت المسيحي

مزج السياسة بالدين

الاسرائيليون يطالبون بفرض سيادتهم وحدهم على المدينة التي يقدسها مليار مسيحي ومليار مسلم وحوالي 14 مليون يهودي. وللدفاع عن ادعاءهم بأنهم يملكون بصورة مشروعة مدينة العقائد الثلاث، فإن الاسرائيليين – ومعظمهم لا يؤمن بالله- يقولون: إن الله أراد أن يأخذ العبرانيون أو اليهود، القدس إلى الأبد.

يعتقد المسيحيون الصهاينة أن اسرائيل وعدت بهذه العاصمة في الكتاب المقدس، وأعيدت هذه المناطق إليها تاريخيا بواسطة الانكليز، بينما الحقيقة أن المدينة القديمة من القدس يعيش فيها فلسطينيون مسيحيون ومسلمون بشكل كامل تقريبا، وأن الفلسطينين وأسلافهم عاشوا وكانوا الأكثرية الساحقة فيها مدة لا تقل عن 2000 سنة.

في المقابل، لم تعترف حكومة أي دولة رئيسة بحق إسرائيل المطلق في مدينة الديانات الثلاثة. ولا تقيم حكومة أية دولة رئيسة سفارة لها في القدس فإذا بادرت الولايات المتحدة بهذه الخطوة فستكون أول حكومة، وستكون الدولة الكبرى الوحيدة في العالم التي تعطي الشرعية لادعاء الحق المطلق لاسرائيل في مدينة الديانات الثلاثة.

الخاتمة

ختامًا إن العديد من الانجيليين المؤمنيين بالتدبيرية ألزموا أنفسهم سلوك طريق مع إسرائيل يؤدي بصورة مباشرة، باعترافهم أنفسهم، إلى محرقة أشد وحشية وأوسع انتشارًا من أي مجزرة يمكن أن يتصورها عقل أدولف هتلر الاجرامي.

إن مواعظ المؤمنين بالتدبيرية جعلت المؤلفة غريس هالسل تدرك من جديد أنها وبلايين البشر قبلها كانوا سعداء، أما الآن ولأول مرة في التاريخ فإن لدينا الرغبة في تدمير الوجود الثقافي والإنساني، وأن نقضي ليس فقط على أولئك الذين يعيشون اليوم، بل على كل المستقبل، وكل أيام الغد.

حاولت هالسل أن تبيّن في هذا الكتاب، أن الحلف الاسرائيلي-الأصولي ليس مجرد حشد للمبادئ النظرية والمعتقدات الروحية، إنما يقوم على عوامل سياسية وعسكرية أكثر منها نظرية. ولا يمكن أن يكون الأمر غير ذلك، لأن المقومات الدينية التي تميز الدولة اليهودية، تقوم على أصول يهودية تعتبر الاهتداء بالمسيحية – وهو هدف أساسي للاصولية- تهديدًا أساسيًا لوجود اليهود كمجموعة.

ملاحظات نقدية

في الحقيقة يمثل هذا الكتاب وثيقة اثنوغرافية وتوثيقية مهمة جدًا حول المسيحية الصهيونية، حيث حاولت الكاتبة من خلاله أن تتابع التصريحات السياسية والكلام الذي يصدر عن أفراد عاديين من المجتمع اليهودي والانجيلي حول أهم عقائد المسيحية الصهيونية كالتدبيرية ومعركة هرمجدون، بغية وضعها في سياق التأثير السياسي والاجتماعي والعالمي أيضًا.

على أهمية هذا الكتاب من الناحية التي ذكرناها، ولكن لا بد من عدم اعطاء الكتاب أكبر من حجمه – كما قد نجده في بعض الكلمات- إذ إن أهم ما أغفله هذا الكتاب هو الانتقال من مرحلة التوثيق إلى مرحلة التحليل الاكاديمي الدقيق، لم يتم مراقبة هذه العقيدة في سياقها السياسي الواقعي في الحروب المختلفة، كما لا بد أن نكون حذرين من تضخيم هذه العقيدة على حساب البراغماتية الاميركية في السياسات، وعدم الاستعجال في اعتبار أن المحرك الاقصى للسياسات هو هذه العقائد، إذ قد يكون الأمر معكوسًا بمعنى أن تكون العقائد هذه هي من صنع اصحاب المطامع السياسية لا أنها هي علة السلوك السياسي بالتمام.

على أي حال، هذا الكتاب، تكمن أهميته في التوثيق وجمع البيانات والملاحظة بالمشاركة وحفظ أمور لا يمكن الحصول عليها إلا بالمشاركة الواقعية وهذا ما قامت به الكاتبة باحتراف.