البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

فلسفة القيمة (معناها ودلالاتها من سقراط إلى أزمنة الحداثة)

الباحث :  جميل قاسم
اسم المجلة :  الإستغراب
العدد :  4
السنة :  السنة الثانية - صيف 2016 م / 1437 هـ
تاريخ إضافة البحث :  July / 13 / 2016
عدد زيارات البحث :  6661
تحميل  ( 250.565 KB )
فلسفة القيمة
معناها ودلالاتها من سقراط إلى أزمنة الحداثة
جميل قاسم[*]

مؤدى هذا البحث الوقوف على فلسفة القيمة من خلال التعريف الاصطلاحي واللغوي وكذلك من خلال موقعها في الحقل المعرفي الغربي. ثم ينتقل إلى عرض السجال الذي دار حولها من زاوية نقديّة تبدأ من التأسيس الإغريقي لفلسفة الأخلاق وصولاً إلى أزمنة الحداثة وما بعدها.
المحرر
ترجع فلسفة أو علم القيم (القيمة) أو نظرية القيم إلى كلمة أكسيوس axios اليونانية، وتدل على ما هو «قيم» أو «ثمين» أو «جديد»، والإكسيولوجيا axiology هو العلم الذي يبحث في ما هو «قيم» و»ثمين» و «جديد»، وتكون الفلسفة المتصلة به فلسفة القيم Philosophy of values أو نظرية القيم، أو القيمة.
ويعرّف العلامة المصري عادل العوا القيمة ب أنّها «كل ما له شأو في التصور وفي الفعل لدى أفراد وجماعات»[1]. وكلمة شأو، باللغة العربية، تعني القيمة «الجدارة»، «الكمال» «الوزن» «والسعر» و»القدرة» و»الطاقة». والقيمة، مشتقة من القوام أي «العدل» وحسن الطول، وحسن القامة، وهي تعني في اللغة القدر، وقوم السلعة أي قدّرها، وفي القرآن الكريم (فيها كتب قيمة)[2]، أي مستقيمة، تبين الحق من الباطل على استقراء وبرهان. وقوام كل شيء، ما استقام به، وقوام العيش: عماده، وقوام الجسم: تمامه. والتقويم: عملية التفضيل والترجيح، والشيء الراجح، في اللغة العربية، هو الوازن، والتفاضل بين القوم هو أن يكون بعضهم أفضل من بعض[3].
والقيمة عند فردريك نيتشه تعني جينالوجية القيمة، أي تقييم القيمة، أو إعادة تقييم القيمة، بحثاً عن بعدها الدلالي، لا العباري وحسب.
والقيمة في الفكر الحديث طراز من التفكير الفلسفي يراد تسميته بصيغة علم مستحدث تدل عليه كلمة إكسيولوجيا axiologie.
رأى لولي لافيل Lavelle، «إننا نشعر أحياناً بأنّ مشكلة القيمة مشكلة جديدة، ولكن ليس من جديد سوى الاسم، وفي أيامنا في وسعنا إقامة علم مستقل نطلق عليه اسم الأكسيولوجيا»[4].
أما العوّا فيذهب إلى القول: «إن مفهوم القيمة هو نشاط ذهني يتصور أمراً ذا شأن ويسميه قيمة، وهذا التصور الفكري متصل أشد الاتصال بالفعل، وما الفعل الواعي إلاّ استبصار واختيار، ونحن ما أن نتخذ قرارا بتفضيل إمكان على إمكان حتى يتم صنع الفكر، أي صنع اختيار القيمة وتحديدها[5]، وإذا رجعنا إلى الاشتقاق اللغوي لهذا الاسم «أكسيولوجيا» في أصله الإغريقي لوجدناه يدل على ما هو «ثمين» أو جدير بالثقة، وهذا يعني أن الإكسيولوجيا علم يبحث في ما هو ثمنين بتقدير قيمته، وتكون الفلسفة المتصلة به فلسفة قيم أو نظرية قيم. ويضيف: إنّ الفكر ليطرح مشكلة القيمة منذ أن يتساءل عن شأن الوجود وقيمته[6].
إن كل نظرة ممعنة في تاريخ الفكر الفلسفي توضح أن كل فلسفة تنطوي على مسعى قيمي، ولكن مشكلة القيمة لم تطرح بصورة منعزلة عن سواها إلاّ في العصر الحديث، حين حرص الباحثون على استغلال مشكلة القيمة دون سائر المشكلات الفلسفية والميتافيزيائية المحضة، بل والنظر إلى هذه المشكلات الميتافيزيائة ذاتها من وجهة نظر قيمية.
كذلك لم ينفكّ الباحثون عن مسعاهم للإحاطة بمشكلة القيمة في علاقتها بالحاجات الإنسانية، سواء اتصلت بمجال الحياة الاقتصادية، أو العاطفية، أو العقلية، أو الأخلاقية، أو الروحية، أو السياسية أو التربوية أو الفنية.
إن ذيوع أفهوم الإكسيولوجيا، اليوم، يتيح لنا القول «في البدء كانت القيمة»، وهكذا ما فتئت الفلسفة تنزل القيمة منزلة الصارة من حيث اهتمامها الفعلي، وإن كان علم الإكسيولوجيا حديثاً، كعلم للقيمة[7].
ولأن الفلاسفة أخذوا يقربون الكائن من الكمال، وبدا البحث في قرب الكائن من الكمال أو بعده عنه منطلق تفاؤل أو تشاؤوم.
وكان كمال الكائن في نظر أرسطو يتمثل في «صورته» في علاقة المادة بالصورة، وهذه الصورة تسوغ وجود الكائن، أي الأمر الذي يجعل الشيء مرغوباً به أو مراراً.
والكمال، في هذا المعنى، خاصة حيادية، أو حال إنجاز، وترجيح وتفضيل.
والثابت أن الفلسفات الكبرى، تتكشف عن أنّها فلسفات قيمة ما دامت تدّعي تقديم قواعد للفكر ذاته وقواعد للعمل والسلوك، وتقيم تسلسلاً قيمياً بين مختلف أشكال الكائن، كما أنّها تسعى لإقامة هذا التسلسل القيمي على مستوى الحكمة، أي الفعل التأملي المسؤول.
وتنفرد فلسفة القيم والتفكير القيمي بإتاحة الفرصة أمام العقل الإنساني، كيما يضفي على الحياة والوجود معنى قيمياً.
وقد شبه شارل لالو ch.lalo دور القيمة في الفكر الحديث بفكرة «الطاقة» أو فكرة «القوة» في العلم الحديث [8].
والقوة بالمعنى النيتشوي، هي إرادة القوة المقومة للأشياء والموضوعات، وهي قوة أو طاقة جينالوجية (تقويمية) يتعذر تحديدها كقوة، أو طاقة، إلاّ من خلال ظواهريتها (الظواهر ذاتها) أي من حيث تأثيرها في نشاط الأفراد، والجماعات، في تطورها التاريخي والانطولوجي.
والقيمة، هي قوة وطاقة استحضار واستبصار خلاقة، أي خالقة للقيم.
ويذهب ريمون رويه R. Ruyer إلى أن القيمة هي التي تفسر القوى المرئية (واللامرئية)[9].
نشأة فلسفة القيم:
يمكن الكلام على ثلاث مراحل كبرى في تطور الفكر البشري. وهذه المراحل تطابق ثالوث أقسام التاريخ السياسي المدرسية وهي: «العصر القديم» وينتهي بنشأة الفكر الفلسفي في اليونان. وقد كانت نهايته في العام 529م، عندما أغلق الإمبراطور جوستيبان مدرسة أثينا وشتت شمل ممثلي المذهب الأفلاطوني ـ الجديد، ثم رحلة «العصر الوسيط ويليها «عصر النهضة» وفيه ازدهرت الفلسفة العربية بوجه خاص، وكان من انتقالها إلى أوروبا الإسهام في نشأة النهضة وتحقق الانبعاث في الغرب، وما تلاه ذلك من تطور فكري ميز «العصر الحديث» في القرن السابع عشر حتى اليوم[10].
أـ العصر اليوناني:
عني الفكر اليوناني بالكائن من حيث هو كائن، وبالوجود من حيث هو موجود، وقد بلغ البحث عن الكائن أوجه في الأفلاطونية التي تنادي بأنّ سبب الوجود هو الخير (أو القيمة). وتضم فكرة الخير المطلق فكرتي الحق المطلق والجمال المطلق، أمّا الكائنات الأخرى فهي ظلال متفاضلة لهذا الثالوث «الإلهي»[11].
ومقابل أفلاطون « الإلهي» الذي يرى أن المثل الأعلى، أو الله، مقياس الأشياء كلها، وهو قيمة القيم. نجد بروتاغوراس « الإنساني» يرى بأنّ « لكل إنسان حقيقته» وبأن للقيمة بذاتها واقعاً ذاتيًا، وليست كامنة في المثل الأعلى. وبالتالي فالإنسان هو معيار كل شيء.
كما يرى لأن بروتاغوراس هو أول من تجرّأ على إخضاع الإنسان للحقيقة والقيمة باعتباره « مقياس الأشياء كلها» ولكنه يرى بأنّ صيغة بروتاغوراس تحفل بالإبهام[12].
لقد حاول سقراط الوصول إلى ربط القيمة بالمنفعة، باعتبار القيمة سمة كلية معيارها الإنسان.
أما أفلاطون فقد اهتم بتعميق محاولة سقراط، من خلال ربط الكائن بالقيمة بالمثل الأخلاقي الأعلى، باعتبار أن جميع الموجودات تستمد وجودها وماهيتها من الخير الأعلى، وهي فضيلة التشبه بالله.
وخلافاً لسابقيه فقد اعتمد أرسطو على ثنائية المادة والصورة بدل ثنائية القيمة والواقع. ورأى أن القيمة متجسدة في الواقع تجسد الصورة في الهيولى وأن تحقق القيمة هو انتاج الطبيعة ذاتها بذاتها.
عند أرسطو أن للمادة وجودًا بالقوة يصبح وجودًا بالفعل ناجمًا عن اجتذاب الصورة المادة. خاصة وأن التسلسل الطبيعي لمختلف صور الوجود ينتهي في التأمل أو الخير المحض، أو الكمال، وبه تتحد النفس البشرية بالعقل الإلهي، وتسهم في حياة الخلود، لأن الله سعيد بذاته، وهو في وقت واحد عقل صرف وفعل صرف. ويجعل أوستيب القورينائي ـ متأثرًا بتعليم سقراط، من الوجود والخير الأقصى على معيار أو غاية للذة الحسية، شرط أن تكون اللذة فاضلة.
وقد امتازت فلسفة ابيقور النظرية باعتبارها اللذة التي تقوم على الحكمة، والحكمة اقتصادًا في اللذة أو لذة فاضلة. وشهدت النزعة الحسية أوج تطرفها مع الديونيسية الغريزية التي تعتبر اللذة لذة جسدية، وذوقية كلية: خمر، ومال وجنس (النزعة الكلبية ـ السوقية Cinique التي تقوم على إشباع الغرائز الحسية.
وفي الفترة الهلينتسية حاول افلوطين التوفيق في نظريته للواحد، بين اليونان والمسيحية فرأى أن القيمة هي ينبوع حياة النفس والمبدأ المشترك بين المعرفة والوجود، بإخضاع الروح للفكر أو المثل الأعلى.
ب ـ القيمة في العصر الوسيط
لقد شهد العصر الوسيط، المسيحي، إحلال «الشخص» محل الكائن. وفي ظل النظام اللاهوتي أو الديني السائد في العصر الوسيط، صار من المتعذر بلوغ الكائن إلاّ من حيث صلته بالشخص (الأنا) وخضعت الأنا لتراتبية المنظور اللاهوتي المسيحي، حيث المادة هي الأدنى، ثم الجسد، والروح، المثال الأعلى في ثالوث اللاهوت المقدس، من ذروة الله، إلى حضيض العدم.
أما المسيحية فقد ألحقت على فكرة الإله ـ الإنسان المجسد الوسيط للقيمة في الوجود، باعتبار أن الله ذاته شخص وأنه يقتضي أن يعيش خلقه كافة حياة شخصية باتحاد معه ولا تكون الحياة سوى الوسط الذي يتم فيه هذا الاتحاد[13]. وبناء على إناطة الاتحاد باللطف الإلهي باتت القيمة كلها قيمة دينية. وبهذا تكون قد خرجت عن المفهوم الفلسفي – العقلي للقيمة نحو منظور لاهوتي.
ج ـ القيمة في العصر الحديث
وفي العصر الحديث (عصر النهضة والأنوار) تنوس فلسفة القيمة بين الوضعية (بيكون) والمثالية العقلية (ديكارت) وتغدو القيمة مماثلة في السيطرة على الطبيعة والواقع في قواعد الفكر والسلوك.
وفي هذا العصر ثار ديكارت على فلسفة العصر الوسيط ورأى أن لا نهائية الكائن وكمال القيمة لا ينفصلان. ولقد ميّز ديكارت بين قرابة خمسة وأربعين لونًا من ألوان الهوى، يمكن إرجاعها إلى ستة أنواع رئيسية: هي الرغبة (الشهوة) اللذة والتألم والدهشة (أو الإعجاب) والحب، والكره. وفي وسع الإرادة أن تغير موضوع الهوى بأنّ تربط بين الأفكار بحيث يتمكن الإنسان من تغلب الأهواء المشروعة، أي أنواع اللذات والرغبات المعتدلة.
ورأى ديكارت أن كل لذة ينبغي أن تقاس بحسب قاعدة العقل ولما كان الخير الأسمى معرفة الحقيقة (أنا أفكر إذن أنا موجود) فإنّ الخير لا يمكن أن يتجلى إلاّ على الوجه العقلي، لأن من كمالنا نملكه. وبأ، القيمة تقوم على الذات المفكرة (الكوجيتو).
تخطى باسكال، جفاف العقل الديكارتي ويميز ما يسميه نظام القلب» ضمن ثالوث أنظمة هي نظام الأجسام ونظام العقول ونظام الإحسان. يقول باسكال: «إن جميع الأجسام، السماء، والنجوم، والأرض وممالكها، لا تساوي أدنى فكر. لأن الفكر يعم ذلك كله، ويعلم ذاته، والأجسام لا تعلم شيئًا. وإن الأجسام جميعًا، والعقول جميعًأ، وجميع ما تنتج، طل ذلك لا يساوي أدنى حركة من حركات المحبة، فالمحبة ترجع إلى نظام أرقى بما لا نهاية له.
وذهب سبيوزا إلى أن لا نهائية الكائن تستغرق كمال القيمة، بالرغم من أن القيمة تتصل بالحكمة والمعرفة. ورأى بأنّ اليمة هي قيمة مدنية، كاملة.
واشتهر ليبنتز بتفاؤله المذهبي، ووجد أن فكرة الأفضل أو الأبدع هي وحدها القادرة على ربط الماهيات بعالم الموجودات.
وإذا كان عالمنا أفضل العوالم فذلك لأنّه ليس في الإمكان مما كان، لأن للقيمة في هذا العالم فاعلية أو فعل دينامي. وقد أكد ليبنتز أن العقل الإلهي عقل الحاسوب الأعظم، الذي يتصور سلفًا الممكنات كلها، وليس لهذا التصور معنى إلاّ بالنسبة للاختيار الذي ستقوم به تلك الإرادة المبدعة التي لا تقرر إلاّ باختيار الأفضل.
وعلى هذا فإنّ ليبنتز يقرر تضامن القيمة والأمكان، في علاقة النسبي بالمطلق في منهجه المونادولوجي الذري المطلق.
تأويلية كانط للقيمة
كانط فيلسوف العقل قال بالعقل الذي هو عقلان، نظري وعملي، وميز بينهما من حيث الاهتمام والوظيفة والمجال. فعنده أن العقل يتناول شؤون العلم والمعرفة. أمّا العقل العملي فإنّه يتناول الجانب العملي.
تتجلى وظيفة هذا العقل العملي في توجيه أعمالنا وأفعالنا، ويتم ذلك على نحوين: فإما أن يفيد العقل العملي من معطيات التجربة ويدرك علاقات الحوادث بعضها ببعض بغية استثمار ارتباطها وتعاقبها وتحقيق هدف ما، عندما تتوافر شروطه وأسبابه، أو عقل عملي محض ينص على أن القيمة الأخلاقية العليا هي ضرورة إطاعة الواجب لأنّه واجب، وأياً كان مادته، وسواء أكانت هذه المادة سارة أو مؤلمة، وهذا العقل العملي المحض هو في نظر كانط الوجدان الأخلاقي الصحيح، والقيمة الصحيحة.
وقد أبرز كانط مفهومي الجدارة والقيمة كمقومين لفلسفيته الأخلاقية، باعتبار أن جدارة الإنسان وأهميته تمثلان معيار القيمة والأخلاق.
إن مفهوم القيمة لايزم مفهوم الشخص الإنساني، وفق قاعدة كانطية شهيرة: إعمل دائماً، على نحو تعتبر به الشخص الإنساني في نفسك وفي الآخرين غاية لا واسطة.
واعتبر أن للكائن العقال كرامة، وهذه الكرامة تميزه عن سائر الكائنات التي ليس لها في ذاتها غاية، كالآلة والحيوان وغيرها من الوسائل، أمّا الكائنات العاقلة فغايتها في ذاتها[14].
وفي مجال الدين يتميز كانط برفضه الادعاء بأنّ الدين أساس الأخلاق وقوله على العكس أن الأخلاق أساس الدين، بل إنّ الدين، هو نفسه، أخلاقية Moralitat، الأمر الذي ناهضته فيما بعد البراغماتية وكان له أثر كبير على تطور القيم وتوظيفها مادياً ومصلحياً.
وقد وافقه هيجل حيث اعتبر الدين قضية أخلاقية، والقيمة الأخلاقية قيمة عقلية كلية. وقد وحد هيجل العقل بالموجود، باعتبار كل موجود معقول، وكل معقول موجود، في الجدل الديالكتيكي الكلي.
وهكذا فقد انبنى التصور الهيجلي على فكرة «الوعي الشقي» الذي تقوم عليه الأخلاق المسيحية اللاهوتية، وهو منظور يقوم على الاستلاب والاغتراب الإنساني.
وإذ يبدو جدل هيجل أساساً للجدل، الذي يقود إلى الفكر المثالي، أو (الروح) فإنّ ماركس، في تبنيه للجدل الهيجلي (جدل الطريحة والنقيضة والجمعية) يرى أن للعالم المادي، وجوداً موضوعياً مستقلاً عن الوعي، في ثنائية ـ وجدلية ـ الوعي والمادة، أمّا القيمة بالمفهوم الماركسي فهي قيمة اقتصادية، تقوم على العامل الاقتصادي أو القيمة الاقتصادية كمقوم لكل قيمة أخلاقية، وجمالية وحقوقية.
ماركس وفائض القيمة
عني ماركس بتحليل القيمة الاقتصادية (فائض القيمة) كأداة لسيطرة رب العمل على العامل، ذلك أن صاحب العمل لا يدفع للعامل قيمة عمله الحقيقية، وهي تقدر بجهده وعمره، وإنما يدفع إليه ما يسد رمقه، إنّ لم نقل أقل من كفافه، ويستخلص ماركس من تحليل القيمة الاقتصادية وعلاقات الانتاج والتوزيع والاستهلاك اغتراب الطبقة العاملة في التاريخ، أو انخلاعها، ولا سيما في الحقبة الرأسمالية، وقد دعا في كتابه «رأس المال» إلى الثورة من أجل الاشتراكية الشيوعية communism التي تقوم على التكافل الاجتماعي والاقتصادي في العصر الحديث[15]، فالصراع الطبقي عند ماركس يشكل تأسيساً وعاملاً مهماً جداً على صعيد توفر القيم وتطورها والتمسك بها وترسيخها.
وصفوة القول، أن مفهوم القيمة بدا على أن إعراب عن مثل أعلى إنساني، مختلفاً بذلك عن مفكري العصر القديم، وإذ رأوا أن الفلسفة هي التي تحدد مكانته في إطار النظام الطبيعي، الأمر الذي نشأ اعتقاد هؤلاء بأنّ على المرء أن يحيا بحسب الطبيعة.
ونظر الفكر اليوناني «اللوغرقراطي» إلى الإنسان بما هو موجود، في علاقة العقل بالموجود، والخير بالقيمة، في عالم المثل (أفلاطون) أو عالم المادة والصورة (أرسطو).
وخرج بروتاغوراس على المفهوم الميتافيزيقي باعتبار «الإنسان معيار كل شيء» باعتبار أن لكل امرئ حقيقة.
وحلت «الكلمة» المسيحية محل اللوغوس الهليني، وتوحد بها، وأصبحت القيمة لاهوتية.
وفي عصر النهضة، وهو الذي يعني «البعث» الإغريقي عاد عصر النهضة إلى مفهوم الإنسان، والعقل (اللوغوس) ليحل نظام أنطولوجي جديد ـ إنساني، بدل النظام اللاهوتي.
ولم يقل التأثير الكبير الذي أحدثته المسيحية من قبل، في منظور الفكر الفلسفي القديم.
وفي العصر الحديث اكتشف الإنسان تعذر بلوغه الكائن إلاّ من حيث علاقته بالأنا (الفاعل)، ولم يعد الكائن مركز البحث بل المعرفة، وتشوق الفكر الحديث إلى امتلاك الطبيعة والسيطرة عليه، وما فتئ هذا الفكر ينوس في إطار المعرفة بين ضروب الوضعية والمثالية بحسب إلحافه التماس الموضوع، والسيطرة عليه باستثمار معرفة قوانينه، أمّا القيمة فإنّها تتمثل في ممارسة هذه السيطرة، وهي تتحقق بالعمل العقلي في المجال النظري، وبالفعل الأخلاقي في المجال العملي، ويجد الإنسان في فكره ذاته القدرة الخلاقة في السيطرة على الطبيعة قوانينها من قبل أن تملي عليه مشيئتها باستعمالها.
دلالة القيمة ومغزاها
هو ذا إذاً، التطور العام لفكرة القيمة في العصور القديمة والوسطى والحديثة.
ما مغزى ودلالة القيمة: قد يرى البعض القيمة في الكمال، أو الجمال، أو الحق، أو الحقيقة، أو الجدة، أو الاستقامة أو الثبات أو الثبوتية، وقد تكون القيمة ذات معنى علمي، كنظرية الجاذبية، أو نظرية التطور، أو نظرية النسبية، فيقال عنها نظريات قيمة؟!، أو على العكس، فقد تكون القيمة لاهوتية، يقوم فيها مغزى الخير والحق والجمال على أساس ديني (لاهوتي) كمفهوم الدين القيم في القرآن الكريم (وذلك دين القيمة) و"فيها كتب قيمة"، (البينة، الآية 8).
وقد يكون للقيمة معنى جمالي (فني) فيقال عن العمل الفني بأنه عمل قيّم كالموناليزا في الرسم، والأهرامات في فن الهندسة، وأبي الهول (السفينكس) في فن النحت، وبرج إيفل في فن العمارة الحديدية، والأعمال الفنية الانطباعية، والتعبيرية، والتكعيبية والتجريدية والتجريبية الخ، أعمالاً قيمة.
وقد تكون القيمة ذات مغزى علمي، كاكتشاف علم الميكانيكا، والثورة المعلوماتية، وعلم الجينوم، ويقال عن هذه الاكتشافات ب أنّها قيمة.
وقد يكون للاقتصاد دور في ترسيخ القيمة والمعنى، كنظريات التبادل، والانتاج والتوزيع والتراكم وفائض القيمة، ورأس المال، فيقال عن هذه المصطلحات بأنه مفاهيم قيمة، لا نعلم بدونها دورة الحياة الاقتصادية الحديثة والمعاصرة.
وقد يكون للقيمة معنى سياسي، كتعريف أرسطو لأنظمة الحكم، الملكية، والديمقراطية، والبلوتوقراطية، والأوليغارشية في علم السياسة، ويقال عن هذه النظريات ب أنّها قيّمة وهامة.
وقد يكون ثمة استعمال سيكولوجي للقيمة، فيقال أن نظرية «اللاوعي» الفرويدية قد أحدثت قطيعة أبستمولوجية في مجال القيمة السيكولوجية، وقد يضاف بأنّ نظريات علم النفس الفردي، وعلم النفس الاجتماعي، وعلم الشكل الكلي (الجشطالت) هي نظريات قيمة وهامة.
وقد تضاف القيمة إلى كل إنجاز علمي، ورياضي وفولكوري، وانتربولوجي الخ.
وترتبط القيمة أيضاً بالأخلاق، تبعاً لاستخدام لفظ القيمة في محال فلسفة «الخير» في علاقة فلسفة القيمة بالحاجات الإنسانية، والميول، والرغبات، والأمنيات، والخلاص، والدين والدينونة والوجود في العالم، والعالم الآخر، سواء اتصلت بالحياة، والموت والاقتصاد، والاعتقاد، والشؤون الروحية والسياسية والتربوية والجمالية.
وتتجلى فلسفة القيم على نحو «ذاتي» على صفة ما يقدره إنسان ما (قيمة ذاتية) أو نحو اجتماعي، أو جماعي، أو قانوني (قيمة موضوعية).
القيمة الذاتية يطلبها الناس كوسيلة لتحقيق غاية ذاتية، باختلاف الأفراد، وحاجاتهم، واختلاف الفئات الثقافية، والطبقية، فقيمة السيارة مرهونة بما تؤديه من خدمات، لكن نوع و (موديل) السيارة، وثمنها، قد تؤشر إلى قيمة خارجية «تدل على الغنى، والموقع الاجتماعي، والطبقة الاجتماعية.
أما القيمة الموضوعية، فلا تتحدد بزمان ولا مكان، ولا درجة، أو طبقة، أو غني، أو فقير، كالموت، والحياة، والعلم، والارتقاء، والتطور، والعقل، وهنا قد يكون الفقير بالمال غنياً بالعلم، كقيمة، وقد يكون الوضيع بالحسب والنسب عالماً ورائداً في العالم، وقد يكون الأمي رياضياً فذّاً (الملك بيله في كرة القدم) وقد يكون العبد فارساً، وشاعراً مفوّهاً (عنترة) وقد يكون الأعمى أديباً (أبو العلاء، طه حسين).
والقيمة رغم ذلك، ليست بديهية، وقد رأى نيتشه في العصر الحديث أن القيمة تفاضلية (في ما يتعدى الخير والشر) تقوم على الرغبة، وإرادة القوة، والسيادة والعبودية (أخلاقية الأسياد وأخلاقية العبيد).
وحتى بالمعنى السيكولوجي فإنّ القيم ترتبط بالعقل، والرغبة، والذوق والغريزة. وعلى سبيل المثال، فأنواع الطعام والرداء، واللحن والموسيقى ليست متطابقة، بل متفاضلة differencial فقد يكون لها قيمة عند فرد، ولا يكون لها ذات القيمة عند فرد آخر، وقد تثير الإشمئزاز والكراهية عند فرد ثالث. من هنا الاختلاف باختلاف الأفراد، والجماعات والزمان، والمكان والظروف والأحوال، مما يؤكد على الطابع النسبي للقيمة، وقد يكون للقيمة معنى حدّي hedomic كما يقول سبينوزا بهذا الصدد «نحن لا نرغب في شيء لأنّه قيم، بل إنّه قيم لأننا نرغب فيه».
ويرى رينيه جيرار أن المحاكاة بين البشر تقوم على الرغبة بالاستحواذ على «الملكية» وهذه الرغبة من طبيعة نزاعية تقوم على الرغبة بالاستحواذ على ما يملكه الآخر بنوع من الهيمنة والتسلط والحسد والغيرة، والرغبة بتحقيق الذات التيمولوجية (التيموس)، وهي تأخذ شكلين سلبي وإيجابي (تحقيق الذات، بالمعنى الإيجابي، وتحقيق الذات من أجل الهيمنة على الذوات الأخرى، بالمعنى السلبي)[16].
وقد يعتقد المرء بأنّ القيم كونية، بدأت مع شريعة حمورابي، مروراً بأديان التوحيد الكبرى التي تنص على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والبغي (لا تقتل، ولا تزن، لا تسرق، لا تعامل الآخرين بما لا تحب أن يعاملوك به، التقوى، الإيمان، ولكن العصر الحديث في الغرب يعد القيم وجودية (لا دينية ولاهوتية) وتقدم الوجودية الذات والذاتية الإنسانية على الذات والذاتية الإلهية (في فصل الوجود عن الماهية، واعتبار الإنسان معيار ومناط القيمة والمعنى (فلسفة الإنسان الأعلى).
والقيم المرادفة للوجودية في العصر الحديث هي القيم الليبرالية، القائمة على مفهوم الحرية، والمنفعة والمصلحة، بالمعنى الاقتصادي، ويقابلها الاشتراكية، كنظرية تؤكد على أن المنفعة والمصلحة، بالمعنى الاقتصادي ينبغي أن تكون اجتماعية (اشتراكية) وليست فردية.
وثمة معان موضوعية للقيمة، بالمعنى القانوني والحقوقي، وهي معان ضرورية، ودائمة (ولكنها قابلة للتعديل) تتخطى الأهواء الفردية ولا تتبدل بتبدل الأهواء والرغبات الذاتية.
وفي هذا الإطار يرى برتراند راسل أن عمومية القيم تعني الذاتية والموضوعية في آن معاً، فالقيم ذاتية من حيث هي صادرة عن الذات (الإنسانية) وموضوعية من حيث أنّها ملتقى الناس جمعياً، في علاقة الواقع بالمثل الأعلى.
طبيعة وتصنيف القيم:
وتصنف القيم، على الجملة إلى:
قيم نظرية، تقوم على نظرية المعرفة والحقيقة ـ لذاتها (على أساس ميتافيزيقي، وأنطولوجي، ومنطقي) كالقول بأنّ الخير هو العدل، أو الكمال، أو الاستقامة).
قيم مثالية: كالقول مع أفلاطون بأنّ القيمة العليا هي مثال المثل أو القول بأنّ القيمة الأخلاقية مناطها الفضيلة، وتعرف بما ينبغي عمله بناء على الوازع (العقلي) وهو موقف أرسطو في مؤلفه الأخلاق «إلى نيقوماخوس» وكتاب «السياسة».
وقد تقوم القيمة في العصور القيمة الحديثة على العمل (ماركس وماكس فيبر) أو الإرادة (نيتشه) أو المعرفة (العلم) أو القيمة الجمالية، وهو موقف يرى بناء على أسس جمالية وفنية مناطها حاسة الذوق الجمالية وهو موضوع تفاضلي بامتياز، أو القيمة الدينية واللاهوتية، وهو يرى الذي يرى بأنّ معيار الخير والحق والجمال هو الله، والتقوى، والإيمان بالله، والخلص الروحي، والثواب والعقاب، واليوم الآخر والقيامة الخ.
ولا ننسى البيئة، والفلسفة الأيكولوجية، التي تعد الحفاظ على البيئة والمجال الحيوي غاية الأخلاق.
وأخيراً ـ لا آخراً ـ الفلسفة النباتية، التي تجد أن أصل الشر في العنف ـ ضد الإنسان والحيوان، وأن سقوط الإنسان في العالم Direlection بدأ مع تراجيدية القتل الأخوي Fratricide (قابيل وهابيل) وتحول الإنسان، بسقوطه في العالم مع الطبيعة الملائكية إلى الطبيعة الحيوانية، وأن العودة إلى الأخلاق المثلى (الطبيعية) تكون بعودة الإنسان النباتي (أصلاً) إلى الطبيعة وتحوله إلى إنسان أعلى ـ أو إنسان كامل (ملائكي) في تخلّصه من عادة سفك الدماء واعتماد النظام الغذائي الطبيعي، والصحي، النباتية.

[1]*ـ أستاذ الفلسفة وعلم الجمال في الجامعة اللبنانية.
ـ العوا، عادل، العمدة في فلسفة القيم، دار طلاس، دمشق 1986، ص42.
[2]ـ سورة البينة، الآية 3.
[3]ـ ابن منظور، لسان العرب، مادة، قيمة، رجّح، فضّل.
[4]ـ العوا، مرجع سابق ص44.
[5]ـ العوا، العمدة، مرجع سابق ص44.
[6]ـ العوا، العمدة، مرجع سابق ص45.
[7]ـ العوا، العمدة، مرجع سابق ص45.
[8]ـ شارل للالو، الفن والأخلاق، ترجمة د. عادل العوا، دمشق 1970، ص120.
[9]ـ العوا، العمدة، م، س، ص50.
[10]ـ العوا، العدة، مرجع سابق ص56.
[11]ـ العوا، العمدة، مرجع سابق ص58.
[12]ـ العوا، العمدة، مرجع سابق ص67.
[13] - العوا، العمدة، م، س، ص73 – 74.
[14]ـ انظر: إيمانويل كانط في كتابيه المرجعين: "نقط العقل المحض" و "نقد العقلي العملي".
[15]ـ راجع: المزيد عن نظرية فائض القيمة في كتابيه "رأس المال" و "نقد الاقتصاد السياسي" طبعة دار التقدّم ـ موسكو 1969..
[16]ـ انظر: رينيه جيرار ـ المقدس والعنف، دار الحصاد، دمشق ـ 2002 ـ 75.