البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

المفكر المصري محمود إسماعيل عبد الرزاق (مشكلتنا أننا تخلينا باسم الدين عن البعد الأخلاقي للدين)

الباحث :  أجرت الحوار: نجلاء مكاوي
اسم المجلة :  الإستغراب
العدد :  4
السنة :  السنة الثانية - صيف 2016 م / 1437 هـ
تاريخ إضافة البحث :  July / 12 / 2016
عدد زيارات البحث :  1185
تحميل  ( 399.416 KB )
المفكّر المصري محمود إسماعيل عبد الرزاق
مشكلتنا أننا تخلّينا باسم الدين عن البعد الأخلاقي للدين

أجرت الحوار: نجلاء مكاوي[1][*]
في هذا الحوار مع المفكّر والأكاديمي المصري محمود إسماعيل عبد الرزاق، نجدنا أمام رزمة من الإشكاليات الفكرية والمعرفية المعاصرة، وهي تؤلف على الجملة دائرة النقاش الراهن بين النخب العربية والإسلامية.
لقد سعينا في حوارنا معه إلى معاينة مشهدية التناظر العربي الإسلامي مع حركة الحداثة الغربية النيوليبرالية، والآثار المعرفية المترتبة عليها. ولسوف يلاحظ القارئ إلى أي مدى حرص البروفسور محمود إسماعيل على تقديم أطروحات تشكل خلاصات تجربته وتثير إشكاليات نختلف معه في بعضها، ولا سيما لجهة ما توصّل إليه من استنتاجات وقوله بإمكان التوافق التامّ بين الدين والعلمانيّة.
المحرر
ـ شكلت ثنائية "نحن والغرب" في خلال الحقبة المعاصرة، القضية المحورية في صياغة اتجاهات التفكير في العالمين العربي والإسلامي.. ماذا لو توقفتم بدايةً بتعليق على هذه الأطروحة؟
ـ هذه قضية كبرى، وهي قضية تاريخية بالأساس، وعلى الرغم من أنّك تحدِّدينها بالمرحلة المعاصرة، فلابد من تعقب جذورها لتتبعها، وإلقاء مزيد من الضوء عليها. فالصراع بين الغرب والشرق يشكل نغمة سائدة في العلاقات بينهما طوال عصور التاريخ. جرى ذلك منذ الصراع الفارسي ـ اليوناني، والصلة التي جمعت بين الحضارة الشرقية والحضارة الأوروبية، على اعتبار أن الجذور والأصول الأساسية للحضارة اليونانية إنما هي شرقية (الشرق الأدنى القديم، ومصر الفرعونية). فالشرق عند المؤرخين والمفكرين الذين اعتمدوا الرؤية الإثنية، تسكنه شعوب بربرية، شعوب لا تصلح حتى لأن تقود نفسها بنفسها، وإذا ما قدر لها أن تصل إلى درجة من القوة؛ فأول ما ستفكر فيه هو هدم الغرب. ولذلك تكونت عند الغرب فكرة ـ وهي الفكرة المحورية ـ تقول بأنّه يتعين أن يكون الشرق شرقاً والغرب غرباً، فعلى صعيد الدين؛ كل الأديان السماوية ومعظم الأديان الوثنية في الشرق، فيجب أن يبقى في مخمله الديني، ومن ثم يمكن استثمار هذا المخمل في عمليات تعويقه، وهو ما يحدث الآن.
أما على صعيد الفكر؛ فالشائع أن شعوب الشرق عاطفية وانفعالية، كما كان اليونانيون يصفونها فهي متخلفة وبربرية، وقد أصّل أرسطو لهذه الفكرة، عندما علمها للإسكندر الأكبر، وقال له: لكي يقوم في الغرب مجتمع حر لابدّ أن يقوم على أكتاف المجتمع المُسترق، أي الشرق. لكن الإسكندر كان أعظم من أستاذه، فخرج بفكرة أن الشعوب كلها لا فواصل بينها، رأى أن حملاته على الشرق كانت من أجل التزواج بين الشرق والغرب. فعندما قَدِمَ إلى مصر وتُوِّجفي في معبد آمون، ثم ذهب إلى الشام ووصل فارس، بُهر بحضارة الشرق، حتى أنّه قضى عمره كله في الشرق، وتزوج وأمر كبار قادته الزاوج من فارسيات وطبعت حضارة الشرق نفسها على الإسكندر، فكان بذلك يمثل نغمة نشاز بالنسبة لمنظومة العلاقات بين الشرق والغرب، التي استبعدت الفكرة "الإنسانويّة"، أو الممازجة، واستبعدت حقيقة أن الحضارة الغربية إنما لها وجود وامتداد في كل الحضارات. وبينما آمن الإسكندر بذلك قديماً، ثمة آخرون كانت لهم رؤية حديثة حيال ما هو سائد، مثل أرنولد توينبي، الذي أتى إلى القاهرة، في ستينيات القرن العشرين. خلال حديثه بجامعة القاهرة ـ ووقتها كان رائد الفضاء السوفيتي يوري جاجارين قد وصل إلى الفضاء ـ ذكر عبارتين مهمتين، وهما من وجهة نظري، تهزَّان المنظومة المعرفية لدى نخبنا ومثقفينا الكلاسيكية والمعاصرة، القائمة على أن الصراع بين الشرق والغرب إنّما هو صراع أعداء: الشرق تهويم، والغرب عقلانية، وإنجاز وعلم. يومها قال توينبي أنّه لولا الدور الذي لعبه الإنسان الأول في الحضارة الشرقية، وهو يصارع الوحوش ويبتكر كتلة من الحجر يدافع بها عن حب البقاء، ما وصل جاجارين إلى الفضاء، وانتهى إلى أن الحضارة قسمة بين الشعوب، وأنها أشبه بموقد يتداول عبر المكان وطوال الزمان ليصب فيه كل شعب من الشعوب زيته الخاص فيزداد اشتعالاً.
ـ إذن، مع قِدم الرؤية والأفكار؛ متى وكيف تطورت وتعاظمت هذه الأفكار، ما في الصراع بين الشرق والغرب؟
ـ تعاظم الصراع بين الشرق والغرب بعد ظهور الإسلام وتوسعه على حساب الدولة الرومانية الشرقية، في شمال أفريقيا ومصر وصولاً إلى القسطنطينية. كذلك فقد زاد تعاظمه مع سيطرة المسلمين على الأندلس، بل إنهم حاولوا أن يصلوا إلى جنوب فرنسا في معركة تور بواتييه. فالعداء كان موجوداً، عداء على المستوى الذهني، والعقلي، والتفكيري. فظلت رؤية الغرب عن الإسلام موجودة، والمفهوم الكنسي له طغى لمدة طويلة من الزمن، وظلت الكنيسة تروج له بصورة أو بأخرى. لكن مع دخول أوروبا عصر النهضة، ومع انسلاخها تدريجياً من الإقطاعية وفكرها المنغلق، ونظامها الاقتصادي المنكفئ، ومع تغير نمط الحياة وإفاقتها وازدهار التفكير العقلاني؛ بدأت تظهر نزعة "الإنسانويّة"، وإحساس بفضل الحضارة العربية الإسلامية، ومن ثم أخذت العلاقات تتحسن تدريجياً بدرجة أو بأخرى. بعد أن تحولت أوروبا البورجوازية إلى رأسمالية، تنكرت للأفكار والقيم العظيمة وحق الشعوب والدولة الوطنية الحديثة، وبدأ الصراع يتجسّد فيما يسمى بحركة الاستعمار الأوروبي. إذا انتقلنا إلى الحقبة المعاصرة، وجدنا أن الأطماع في الشرق تبقى كما هي، فقد قال ادوارد سعيد في كتابه “Covering Islam”، الذي كنت أول من كتب عنه وقت صدوره، بأنّ الغرب يُعِد بديلاً ضرورياً للعدو السوفييتي، وهذا العدو هو الإسلام. ازداد الأمر تأزماً باندلاع الثورة الإيرانية، فخشية الغرب منها جاءت على أساس أنّها نهضة للإسلام حتى أنهم أسموها “Revolutionary Islam”، والأوربيون والمستشرقون يعرفون أن الإسلام هو دين المستقبل، فكيف يوقفون الإسلام الثوري؟. من خلال الجماعات الأصولية التي دعمها الغرب بفكرها الديني المتطرّف ومرجعياتها، التي يصب وجودها في مصلحة الغرب، بعد أن انتهى الاستعمار الاستيطاني، وأصبح هناك استعماراً بديلاً يسيطر على الاقتصاد والسوق العالمي، وفي المقابل دولاً عربية وإسلامية تعيش على الاستدانة.
مركزيّـة الحضارة الإسلاميّـة
ـ ما هو موقع الحضارة الإسلامية، والفكر الإسلامي في هذا المسار على امتداده الطويل؟
ـ عندما كانت أوروبا المسيحية في العصور الوسطى تعيش في الكهوف، كانت الحضارة الإسلامية، بفضل الإسلام، في أوج ازدهارها، والسؤال هنا لماذا؟ الحضارة العربية الإسلامية نشأت لأن العرب الفاتحين كانوا منشغلين بالحكم والسياسة والجيش، فتركوا الحضارات الموجودة في بلاد المشرق والمغرب تتحاور في مراكز كبرى، فكان من الطبيعي أن تتولد نهضة عظيمة. إنّ الإسلام نفسه دين حضاري يحض على العقل والعلم، فبُهر الغرب بهذه الحضارة، وقد ساعدت التجارة بين الشرق والغرب على ذلك، فعندما أتى التجار الأوروبيون إلى الشرق، وكان العالم الإسلامي يتحكم في أهم السلع في العصور الوسطى (البخور والعطور، والتوابل).
حينذاك كانت البورجوازية التجارية قد ظهرت في أوروبا، ومع البورجوازية يبدأ التفتح العقلي، بل أيضاً بحث الأوروبيون عن الأفكار. بينما كان للعرب الفضل الأول في الاحتفاظ بالتراث الهيلليني القديم (التراث اليوناني الروماني)، قبع اللاهوت في تفكير الأوربيين في العصور الوسطى، وزاد بترسيخ النظام الإقطاعي، في حين أن العالم الإسلامي كان قد انعتق إلى حد كبير من الإقطاعية، فما كان يوجد هو نمط هش، يسمى إقطاع منفعة أو استغلال، ومع ذلك كان ثمة ردود أفعال ضد الفكر والعقلانية، ولكنها لا تقاس بحال من الأحوال بالنسبة لما حدث في أوروبا.
لم تغب الحضارة الإسلامية في تأسيس النهضة الأوروبية، فالنهضة الإيطالية مؤسسة على الفكر العربي والإسلامي، والجامعات الأوروبية، جامعات جنوب الألب التي أصبحت فيما بعد أنموذجا للجامعات في شمال الألب في أوروبا، استندت إلى التنظيم العلمي عند المسلمين، والنظم الجامعية هناك مأخوذة عن الشرق. إذن؛ النهضة الأوروبية ثم الثورة الصناعية والعصر الليبرالي في القرن الثامن عشر، وما أنجزته أوروبا من نهضة فكرية، وفي العلم التجريبي، كانت إنجازات العلماء المسلمين حاضرة وبقوة: ابن رشد، بما أسهم به فكره في حركة الإصلاح الديني، والحسن ابن الهيثم، الذي سبق فرانسيس بيكون وأخذ الأخير عنه، وطب الرازي الذي ظلّ يدرس في الجامعات الأوروبية إلى القرنين السابع عشر والثامن عشر. إنّ العلماء المسلمين والعرب أسهموا بإنجازاتهم في قيام النهضة الأوروبية الحديثة. لكن، مع ظهور الطبقة الوسطى في أوروبا وبدايات ازدهار الفكر العقلاني، والمنهج العلمي التجريبي على حساب اللاهوت وبالتحرر منه، وتعاظم النزعة الإنسانويّة، حدث في العالم الإسلامي العكس، فكان أن حصل الانكفاء بدلاً من النهوض والتقدّم.
في تنميطي، وتحديدي، وإعادة تحقيبي التاريخ الإسلامي، قلت إنّ العالم الإسلامي شهد قرنين يتيمين من الزمان، ما حدث فيهما أسميه «صحوة بورجوازية»، وليس «ثورة بورجوازية»، وُأدت في الصفحة الأخيرة، في منتصف القرن الخامس عشر هجري، لكنها وقفت وراء ظهور حركة ليبرالية عقلانية أنجزت حركة الترجمة وحركة تدوين العلوم خلال هذين القرنين اليتيمين في مسار التاريخ الإسلامي على امتداده. وبينما أوروبا البورجوازية التجارية تحولت إلى بورجوازية صناعية ثم رأسمالية. فحدثت ثورة رأسمالية، ولم يحدث في العالم الإسلامي ثورة رأسمالية، هذا سر التخلف، فالطبقة الوسطى الموكل إليها قيادة التطور لم تتكون، فكانت البورجوازية التجارية الضعيفة ذات الارتباط بمصالح الدولة المسيطرة على قوى الإنتاج، وأصبح العالم الإسلامي تابعاً، والأفكار العلمية والعقلانية أهيل عليها التراب، وحُرِّمت وجُرِّمت، وأتيح للاهوت أن يحل محلها. ظهرت العلوم الدينية القائمة على النقل، فلا عقل ولا إبداع، بل حورب أصحابهما حرباً ضروس، ودخل العالم الإسلامي مرحلة انحطاط فكري ازداد في فترة الاستعمار الأوروبي، مع استثناءات تمثلت في محاولات تنويرية قضي عليها. أتت الحقبة المعاصرة بمعطياتها السياسية الدولية، التي تركت أثراً كبيراً في اتساع مساحة وجود القوى الدينية واللاهوتية والمتطرفة في العالم الإسلامي، وخاصة المنظَم من تلك القوى، وقد كتبت في العام 1991 ثلاث مقالات عن النظام العالمي الجديد في ظل الهيمنة الأميركية، قلت فيها إنّ الأميركي اليانكي أصبح غير مؤهل لقيادة العالم، والرأسمالية في سبيلها إلى السقوط، وعندما تكون الامبراطوريات في حالة سقوط؛ فإنّها تحاول الاستنهاض، تمثل هذا في السياسات الطائشة التي اتبعتها أمريكا في أفغانستان والعراق، وبالتوزاي تنظيم حركة لما يسمى الوعي الجديد وخلق تحالفات جديدة، فصب ذلك كله في دعم تيار فكري منغلق أصولي في العالم الإسلامي، أصبح هو السائد الآن، فوجوده وسيادته يصبان في مصالح الرأسمالية وأمريكا بشكل مباشر.
ـ بالنسبة لنخب الشرق العربي والإسلامي، وبينما كانت منشغلة ومأخوذة بهمومها وأسئلتها ومساعيها إلى تجاوز مقولة التأخر، وإنجاز التقدم الاجتماعي، وتحقيق الاستقلال الوطني، كيف تلقت تلك النخب تدفُّقات الحداثة على المستويين النظري والتطبيقي، وكيف تعاملت معها؟
ـ هنا نتكلم عن مفهوم النهضة الحديثة في أواخر القرن الثامن عشر، ثم التاسع عشر، وحتى أوائل العشرين، التي هي نتيجة الاحتكاك بالغرب، وتحديداً بعد حملة نابليون الفرنسية على مصر، التي معها بدأت الصدمة، وتبعتها حركة إفاقة، من ممثليها على سبيل المثال: الشيخ حسن العطار، الذي حاول تجديد الخطاب الديني، وجمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، وهذا كان التيار التجديدي الذي قال أصحابه بالعودة إلى التراث بإحياء الأفكار العقلانية والعلمية التجريبية الحقيقية، مع الرجوع والإفادة من علوم الغرب، ومحمد عبده قام بدور مهم في هذه المسألة. لكن للأسف أصيب هذا التيار، بمحاولة وَأده، نظراً لوقوع العالم العربي تحت حكم الاستعمار الغربي الغرب لم يسمح به كما لم يسمح ببواكير رأسمالية جنينية؛ لتعارضها مع مصالحه، فكلمت واجه إرهاصات بورجوازية رأسمالية وطنية، وواجه معها رصيدها الفكري العقلاني والتنويري، كما حدث في مصر. إذن؛ فالهدف كان أن يظل العالم الإسلامي في سباته.
ـ إذا كان هذا عن الاستعمار، وتأثيره، كعامل خارجي، فماذا عن النخب نفسها، ألا توجد أسباب ذاتية، وداخلية ؟
ـ التيار الديني كان له الغلبة، لأن السلطة كانت معه والاحتلال أيضاً، والتاريخ يحدثنا عن علاقته بهما. مع ذلك، فأي صحوة فكرية، ولأنها خيّرة، وتكتسي قوتها داخلها، لا يقضى عليها وتستأصل تماماً، بل تظل موجودة، بدليل المدرسة الفكرية التنويرية في مصر والعالم العربي، وقد ذكرت لك بعض الأسماء سابقاً، كذلك كان في تونس خير الدين التونسي، وفي الفكر الديني نفسه الحركة السنوسية التي كانت صوفية الطرقية وتحولت إلى حركة ثورية، والمهدية في السودان كحركة ضد الاستعمار.. إلخ. عموماً فإنّ الرواد كان لهم تلاميذ استكملوا مسيرتهم وإن بتعثر، فبُثت روح التنوير بهدف التثوير، وكل هذا معناه أن العرب بدأوا بالإفاقة. لكن كما قلتِ انشغلت النخبة المفكرة في العالم العربي كله بقضيتين مهمتين أساسيتين، وهما: التحرر الوطني، وقضية الدستور، التي عبّر النضال من أجلها عن بداية التأثر بالحداثة، والدستور كان يعني الدولة المدنية الحديثة، والدستور والحداثة يفرضان توديع فكرة الخلافة الإسلامية المضببة المغيبة، التي كتبت عنها في أحد كتبي وقلت أنّها «أحط نظام عرفه التاريخ». لا زلت أصر على أن الغرب موجود وحاضر في محاولة إحيائه وكونه مطلباً تجمع عليه كافة التيارات الدينية الأصولية على اختلاف ألوانها. فمع الاتجاه إلى التحديث بعد انقشاع الموجة الاستعمارية، وظهور حركات التحرر في العالم الثالث، والصراع بين المعسكرين الشرقي والغربي، الذي بانتهائه خلت الساحة للرأسمالية العالمية، التي واجهت محاولات للتحديث عبر طرق شتى وشجعت، وأرغمت الحكام على اتباع سياسة المهادنة في معظم الأحيان مع الحركات الأصولية.
غلبة التيّار الديني
عن الظروف الذاتية أيضاً؛ يمكن القول بأنّه مع ظهور الجامعة المصرية وتأسيسها العلمي، الذي استفادت منه الجامعات العربية والإسلامية كلها، بل والأفريقية. بدأت في مصر حركة تنويرية جديدة لكنها كانت مراهقة، ولغلبة وقوة التيار القديم، لأنّه كان متجسد في الماضي بكابوسه ورهبوته، وما يملكه من تراكم ضخم تصعب زحزحته، كلّ محاولة للتحرر تبقى مقيدة بالبقاء داخله والحذر الشديد والتبرير، فظلت المرجعية القديمة وثقل عبء كابوس الماضي القديم بالنسبة للغرب؛ فكان الأمر بين اتجاهين، الأول الانبهار الكامل به من قبل النخبة، وهذا ما أراده، ومَثَّل هذا الإتجاه من ابتعثوا للجامعات الأوروبية ثم عادوا “خواجات” متأثيرن بما درسوه في العلوم التطبيقية وحتى الإنسانية، التي أخضعوها عندما أخذوا يدرسون مجتمعاتهم وظواهرها لقولبة نظرية غربيّة. ترك الأنموذج الغربي للحداثة المُبهر أثره على أعين أصحاب هذا التيار، الذين دعوا إلى إهمال الماضي كلية، بينما أغفلوا حقيقة أن الحداثة نفسها في أوروبا بدأت بحركة إحياء للتراث الكلاسيكي القديم لأرسطو وأفلاطون والفكر التجريبي إلخ، وأنه لابدّ من وجود أساس إذا استهدفنا البناء، لكن للأسف هذا التيار من نخبتنا انبهر بالحضارة الأوروبية دون أن يفهمها أو يفهم مغزاها.
على الجانب الآخر، كان تيار العودة إلى الماضي وتكريس العقل اللاهوتي القديم، ولذلك فإنّ التيار الفكري الحداثي الذي حاول الجمع بين إحياء العقل من التراث والاستفادة من الغرب، أي دون استغراب أو سبات في الماضي، عانى أصحابه كثيراً، سواء بمصادرة كتبهم، أو الزج بهم في السجون أو بهجرتهم، فعدد كبير من العقول هاجر إلى أوروبا، و"تأورب"، وظلت الساحة خاوية باستثناء حركة ظهرت على استحياء بعد 1967، وكان لها مردود كبير بين الإنتلجنسيا العربية، وكنتُ أحدهم، وقت وجودي في المغرب، حيث بدأت فكرة المشروعات العلمية التي تحاول الوقوف على الأسئلة الرئيسية والمشكلات المرتبطة بهذا الموضوع: نحن وحضارة الآخر، مشكلات الأنا والآخر، مشكلات الدولة المدنية، مشكلة الدساتير الخ... لكن كل هذه المحاولات كانت جهوداً فردية ومعظمها مراهق، وللأسف أيضاً أسهمت السلطة في تشتيتها فكان الإسهام محدوداً، ولم يخلق تيار عام.
ـ هنا ننتقل لسؤال مهم، وهو: ماذا عن الدرس المعرفي الذي حصَّلته البيئات الفكرية العربية على اختلاف مبانيها المعرفية وتياراتها الأيديولوجية، لدى معاينتها اختبارات الحداثة سحابة قرون متصلة من تاريخ الحداثة وما بعدها؟.
ـ بالطبع حصَّلت الكثير. على سبيل المثال الفكر الاشتراكي، وفكرة الثورة لدى المفكر النهضوي شبلي شميل، وغيرها من الأفكار الي انعكست في ظهور أحزاب شيوعية قوية في مصر والسودان والعراق وسوريا. هذه الأفكار وتمظهراتها التنظيمية حوربت بفكر مضاد يدينها، ثم أصبحت بعد ذلك مجرد ضجيج، وهنا نرجع لأوروبا والحداثة في النظام الرأسمالي، فقد دُعِمت الطبقة الجديدة بأمراء مستنيرين. كلّ فكر مهما كان إيجابياً وعظيماً لا يمكن أن ينهض إذا حاربته السلطة، وهذا ما قاله محمد عبده الذي اصطدم بعباس حلمي الثاني، وبالأزهر نفسه، فبقي ينجز لكن في ظل السلطة. الانتكاسة التي لاقتها الكثير من الأفكار الاشتراكية والقومية وغيرها، ومع الدخول في مرحلة جديدة تحت نظم جديدة، جعلت المناخ غير مواتياً على الإطلاق للقلة القليلة المتشرذمة الذاتية التي في أحسن الأحوال انكبت على نفسها لعلاج الأزمة على المستوى النظري، لكن على المستوى التطبيقي لم يحدث على الإطلاق اختبار جدي للحداثة، وحتى محاولة بناء نظم حداثية من قبل الأنظمة فرِّغت من مفاهيمها الحداثية (دساتير وبرلمانات)، وأصبحت تلك المفاهيم نتيجة التجربة والمعاناة معها، جعجعة بدون طحن.
عيوب الليبرالية الجديدة
ـ ما الذي تتوقعونه من وعود ما بعد الحداثة كأفكار، وكحدث تاريخي وحضاري، في زمن تتعاظم فيه أسئلة الشك حول جدواها في الحياة الإنسانية المعاصرة.. ذلك، فضلاً عن سلسلة الإخفاقات التي مُنِيت بها في ميدان الاجتماع السياسي، ناهيك عن موجات النقد التي وجِّهت وتوجّه إليها اليوم من طيفٍ واسع من الفلاسفة والمفكرين المعاصرين في الغرب؟
ـ كتبت عشر مقالات عن ما بعد الحداثة تحت عنوان «الليبرالية الجديدة محاولة تجميل لوجه الرأسمالية القبيح»، وأقول بأنّ الرأسمالية دائماً تجدد نفسها، ليس فقط اعتماداً على قوتها الذاتية، وإنما أيضاً على إخصاء القوى الجديدة أو المناوئة. بالنسبة للعولمة وطبيعتها، فمن حيث الشكل تبدو عظيمة، الفكرة الإنسانويّة؛ وثورة المعلومات، وما أتاحته من تسهيلات، لكن تكمن خطورتها في عملية التخدير والاستغلال بأشكال جديدة، وهنا تدخل الميديا كعنصر فاعل ورئيسي. وعلى صعيد العلوم الإنسانية طرحت مثلاً فكرة النسبية، أي اللاثبات،
واللاثبات استوعبه الغرب، بينما نحن في طور المراهقة، وما زلنا نحبو، ونريد الخروج إلى النور. النسبية في جوهرها عدم التبلور حول اتجاه بعينه، أو نمط، أو مبدأ؛ العدمية باسم الفكر، فإذا كانت علوم الغرب لم تنهض إلاّ بعد اكتشاف المنهج العلمي، فإنّ ما بعد الحداثة تنفي وجود المنهج باعتباره قيوداً على الباحث، وعليه أن ينطلق حراً كالجواد البري، فهي دعوة حق يراد بها باطل، أو بأحرى دساً للسم في العسل، فيأتي التنظيم المعرفي والفكري لفكرة التجزئ في العلوم الإنسانية، بالإلحاح على ما يسمى الميكروسكوبيات، أي تجزئ الظواهر، واكتفاء الباحث بعملية الوصف، دون أسئلة حول أسباب الظاهرة، أي لماذا؟. وفي هذا مصادرة لإمكانية الإفاقة، وقضاء على الوعي الناجم عن العلم والمعرفة والحقيقة، التي تبقى نسبية.
ـ إذن فأنت في نقدك هذا لها، ترى فيها خطراً ما؟
ـ بالطبع هي خطر، لأنها مبهرة، ولأن الشخصية العربية الجاهلة لا تزال تتملكها «عقدة الخواجة»، وقد سبق أن استعارت ورددت مفاهيم البنيويّة والبنيويّة الوظيفيّة، دون تمحيصها، بينما هي هدفها الأساسي لا بنيات، وفي التحليل الأخير لا طبقات، فعلاقتها ببعضها ليست علاقة صراع وإنما علاقة تكامل ووظائف، وكل يؤدي دوره، فالعامل له دور، والإداري له دور، وكذلك صاحب المصنع، وغيره، الجميع يتكاملون.
ـ إذا كان بعض المفكرين الغربيين قد وجهوا إليها موجات من النقد، فماذا عن النخبة العربية؟
ـ بعض المفكرين العرب، بوعي أو دون وعي، أسهموا في تكريس أفكار التمزيق، والتجزئة، وكانوا ضمن أسلحة الرأسمالية، وعلى سبيل المثال، كانت لي معارك وسجالات كثيرة مع عابد الجابري عندما كنت في المغرب ـ حتى أن البعض كان يقول بأنّه «صديق محمود إسماعيل اللدود» الذي قال بوجود قطيعة إبيستمولوجية بين المشرق والمغرب، وما صاحب ذلك من تأكيد لاختلاف بلاد المغرب عن المشرق. الدين الإسلامي في المغرب مختلف، والمغرب له صيرورة خاصة تختلف عن المشرق، بالإضافة إلى الفواصل الجغرافية، وفي هذا تأكيد لمبدأ الإقليمية وفكرة التجزئة، ولذلك سميته الاستشراق العربي الجديد. لذلك أنا أرى أن المناهج التفكيكية تساعد في الغزو اللا مباشر للعقول العربية، الذي يعززه الانبهار بالغرب كسمت رئيسي ومقيم لم تتحرر منه النخب العربية.
ـ يعود السجال بين الفكر الديني من جهة، والعلمنة وفكرة الدولة المدنية من جهة ثانية، ليأخذ حيويته في العالم العربي الإسلامي إثر الهزات السياسية والأمنية التي عصفت بالمنطقة في ما عرف بالربيع العربي قبل نحو ست سنوات. كيف ترون صورة هذا السجال، وما هي أسبابه المباشرة والبعيدة؟
ـ ليس هناك تناقض بين العلمانية والإسلام، والعلمانية أو كما يسمونها في الغرب اللائكية، لم تبدأ مع القرن الثامن عشر، بل هي موجودة في الإسلام، الذي يتحدث عن عالمين: عالم الغيب، وعالم الشهادة، وفصل بينهما، الأول قال بأنّ لا نتحدث فيه، بينما نحن لا نتكلم سوى عن الغيب، أمّا عالم الشهادة، فهو العقل والعلم، وهنا الفصل بين المعتقد الديني وباعتباره أولاً علاقة بين الإنسان وربه، والله يقول: ﱫ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﱪ (الكهف: 29)، أي أن الله يقول بحرية الإنسان، وثانياً فالإسلام ليس فيه كهنوت، بخلاف المسيحية واليهودية وكل العقائد الوثنية إذن، فلا إكليروس في الإسلام. ولي مؤلفات كثيرة دافعت فيها عن فكرتي هذه، فقلت بعدم التعارض بينها وبين الإسلام كما جاء في كتابين لي «الإسلام السياسي بين الأصوليين والعلمانيين»، و «فصل المقال فيما بين الإسلامويين ونبوءة الدجال من اتصال»، فضلاً عن المقالات.
أما عن السبب المباشر لتصاعد هذا السجال؛ ففي رأي هو مشروع تأخير سقوط النظام الرأسمالي واستمرارية نهب خيرات العالم العربي، هذه هي المسألة الحقيقية. أمّا عن وجود خلاف جوهري علماني وغير علماني فغير صحيح، وبالأساس السبب سياسي، ولخدمة مشاريع سياسية، فمن يحملون فكراً دينياً متخلفاً وأفكاراً قطعيّة، حيث لا مجال للتفكير وإعمال العقل، هم جماعات هشة لا قوة لها، ولو تركت وشأنها ستأكل نفسها بنفسها، لأن القضية لديهم ليست قضية خطأ وصواب في الأفكار، وإنما قضية حلال وحرام، ثم تعاظمت إلى إيمان وكفر، ثم استباحة الدماء. هي جماعات هزيلة وغشيمة، ولها دور تؤديه.
ـ هل سيأتي يوم في العالم العربي يتمحور فيه النقاش بين نخبه حول ضرورة العثور على منطقة معرفية وسطى تتم فيها المصالحة بين الدين والعلمنة وتنهي هذه الشيزوفرينيا الفكرية التي طال أمدها في مجتمعاتنا؟
ـ البضاعة الدينية في ثوبها الرديء أصبحت هي السلعة الرائجة اليوم، والصراع بين الدين والعلمنة صراع مصطنع، ومن حاول أن يُعلِ صوته مواجهاً ذلك، لن يستمع إليه أحد. كتبت الكثير عن أن الإسلام دين العلمانية، والعلمانية ليست كفراً وليست إلحاداً، صحيح أنّها كانت في فرنسا، لكن ثمة ظروف تاريخية خاصة، حيث الكنيسة الفرنسية والبابوية وإلحاحها، لقد كان للبابوية ضرائب، والكنيسة أيضاً لها ضرائب أخرى، وعندما حدثت ثورات اجتماعية وحاول البابا قمعها مستعيناً بجيوش ملوك أوروبا، وواجهه الفرنسيون، وكان ثمة حركات تدعو للعدالة والحريات وتقف ضد الدين، فقد كفروا بالدين نفسه، وروبسبير دعا إلى عبادة العقل، كل ذلك لأن إلحاح الدين في فرنسا كان بشعاً، أمّا العلمانية في بقية أوروبا فكانت مختلفة وغير متعارضة مع الدين.
أعود للصراع عندنا، وأكرر أنّه مغلوط ومصطنع، ومن الأسف أن ما تسمى النخبة على عمومها لا تعِ ذلك. وعن كلمة «ثيوقراطية» فإنّ العالم الإسلامي لم يشهد في تاريخه وجود حكومة ثيوقراطية، وقد أثبت ذلك في كتابي «الخلافة الإسلامية بين الفكر والتاريخ»، وإذا كان المقصود اليوم بذلك هو إيران، فهذا بتعريف الغرب نفسه «إسلام ثوري» يحاربه الغرب، وبعض من النخب، لكن هنا لابدّ من طرح سؤال لماذا إيران تحديداً بينما كل الدعم للنظام السعودي وأتباعه، فكراً وتنظيماً؟. خلاصة القول؛ إنّ هذا الصراع لا أساس له، ولذلك سينتهي بزوال المؤثِّر، فنحن في حاجة إلى حركة تحرر وطني جديدة يتبعها تطور عقلي جديد، من أهم أسسه أنّه لا صراع بين الدين والعلمنة، وأن الإسلام لا يصادر على الإطلاق على العلمنة.
ـ لو عدنا مرة أخرى لنتساءل عن مصير السؤال الإبتدائي الذي طغى على الساحة الفكرية العربية سحابة قرن مضى: «لماذا تقدم الغرب وتأخر المسلمون؟» هل السؤال اليوم ما زال مجدياً لاستنتاج ما يمكن أن نعتبره مخرجاً معرفياً لمشكلة استعصاء سؤال النهوض في التفكير العربي؟
ـ بالطبع لا يزال مهماً، لسبب ضروري وملح، وهو معرفة الذات، فماذا نقرأ ونعرف عن تاريخنا، لقد صدرت وطغت أفكار وكتابات بعينها أقل ما توصف به أنّها لا تحمل سوى الجهل والخرافات، لكن أين ابن خلدون، وابن رشد، ومسكويه؟ لقد طبّق مسكويه الفارسي الفكر الحداثي قبل ظهور الحداثة، وتحدث في كتابه «تجارب الأمم وتعاقب الهمم» عن النبي
محمدs، وكيف كانت التدابير التي اتخذها، فكرة أنجبها عقله المستنير، وكيف طُبقت، وما هي نتائجها، فكانت معالجة متفردة لرجل عظيم، كل هذا أهيل عليه التراب.
والأزمة هنا تكمن في أن النخب لا تزال، وهي في حصارها داخل سؤال نحن والغرب، تنظر إلى الذات دون وعي حقيقي بها، فالإسلام ليس هو تراث من أدخلوه في نفق مظلم، لذا يتعين أن نعيد قراءة وفهم هذا التراث، ونحن نجيب على أسئلة الذات والآخر، وفي هذا السبيل ثمة كتابات جديدة، أعتبر تجربتي ومشروعي مع تلامذتي جزءاً منها، فإذا كنا نريد الانطلاق إلى الأمام يتعين أن ننطلق من رصيد، من جذور، ونحن نقوم بتقديم إجابة على سؤال لما تخلفنا وتقدموا، سنعرف أن الإجابة في أساسها هي أننا تخلينا باسم الدين عن الدين، وتخلينا عن العقل، وانغمسنا في ثقافة الاتباع، وقتلنا الإبداع.
ـ يبقى السؤال عن الخطاب الثقافي العربي، وكيف يمكن إعادة تشكيله اليوم تحت ضغط وإلحاح هذه اللحظة التاريخية الفارقة، وما تفرضه، بما يحرره من مضامينه الاغترابية، سواء لجهة البقاء في الماضي، أو الاستيراد من الغرب.
ـ قبل حوالي 18 عاماً، دعيت إلى ندوة في المجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة، كان عنوانها «نحو خطاب ثقافي عربي جديد»، وقد كتبت بحث بعنوان: «هل يمكن تحيين ابن رشد في ترشيد الخطاب العربي الجديد؟»، نعم نحن نحتاج إلى إعادة تشكيل الخطاب الثقافي العربي، نحتاج ابن رشد وغيره كقاعدة لنا. لقد انطلقت أوروبا من أرسطو وأفلاطون وغيرهم، الماضي لابدّ من الاستفادة منه، لكن أي ماضي؟ والاستفادة لا تعني التقوقع والبقاء فيه، فكما قلت يجب أن نعرف أنفسنا، وعندما نعود إلى الماضي سنجد نوره وظلمته، ولا انطلاق ولا تحديث دون أن نرى نوره ونستفيد منه. عندما ننطلق لابدّ أن نراعي اعتبارين: الأول؛ أن كل ما هو عقلاني وكل ما هو إنساني نافع، بغض النظر عن أصله وفرعه، وهذا ليس استيراد من الغرب، لابدّ أن نستلهم من الغرب. الثاني، أنّنا يمكننا بناء نهضة بدون الاستناد إلى الغرب وعلومه، بشكل مطلق. فقد سبق للعلماء المسلمين ومع حركة الترجمة، أن فكروا وانتقدوا ثم انتقلوا إلى مرحلة الإبداع والإضافة، وعموماً النهضة ليست قفزة، أو يمكن اختزال مراحلها، إنها بناء متكامل (عقول، ورؤى، وروح، ومناخ عام).
ـ أخيراً، نريد منك إلقاء الضوء على حجم إسهام كتاباتك كمؤرخ ومفكر إسلامي، وصاحب مشروع علمي وفكري، قدم إضافات معرفية في قضايا التراث والثقافة العربية والتاريخ الإسلامي، في التأسيس لخروج الفكر العربي مما يواجهه من أزمات، وتقديم إجابات لأسئلة التاريخ الراهن، على كثرتها وتعقيداتها وإلحاحها.
ـ كنت متمرداً، منذ إعدادي لأطروحة الدكتوراه، على كل ما اعتبرته يسيء إلى الإسلام، ديناً وتاريخاً، ومن منطلق ديني، فأنا أرى أن الإسلام دين عظيم، فكيف أسمح أن أدرسه وأدرِّسه للأجيال القادمة هكذا، فبدأت عملية التمرد في كتاب «الحركات السرية في الإسلام»، وأحدث ضجة كبيرة في العالم العربي وقت صدوره، وأعتبر هذه هي مرحلة الهدم، أسميها هدم الهدم، ما علق بالتراث وكان يستوجب الإزالة والتكسير. ثم رأيت ضرورة أن يكون لي مشروع لإعادة كتابة التاريخ الإسلامي، وتدريسه، وقد أنجزته في موسوعة «سوسيولوجيا الفكر الإسلامي»، وهي رؤية عقلانية مادية للتاريخ الإسلامي، مثله مثل كل التواريخ التي تدرس في العالم، سواء تاريخ وثنيين، أو بوذيين، أو مسيحيين، أو غيره، حولته إلى علم، فقيل إنّ محمود إسماعيل حول التاريخ الإسلامي من مناقب وأساطير وخرافات إلى ما يمكن أن يشبه معادلات رياضية، للمرحلة الأكسيومية في تاريخ العلم. وقد استغرق هذا المشروع ثلاثين عاماً، واستكملته مع تلاميذي، فكنت أول من لجأ إلى التاريخ الاقتصادي والاجتماعي، وأشرفت على 250 أطروحة فيه. أمّا عن علم التاريخ، فمن أجل تغيير أفكار من يدرسوه، كتبت ثلاثة مجلدات عن الفكر التاريخي: التكوين، الازدهار، الانهيار. وحاولت أن أقدم إضافة منهجية، باستحداث مناهج، يعتبرها كثيرون قدمت خدمة إلى علم التاريخ.
ثم أخذت في دراسة التاريخ في كل فروعه وعصوره، وأعدت تحقيبه مرة أخرى، ليس التحقيب وفقاً للأنظمة والأسر الحاكمة، بل على أساس معالم أساسية في حركة الواقع الاجتماعي والاقتصادي.
وفي سياق تقديم الجديد، بحثت عن مادة جديدة لكتابة التاريخ بعيداً عن كتب التاريخ الرسمي، فكانت كتابتي عن الإسطوغرافيا، حيث كنت أول من قال بأنّ التاريخ الإسلامي لا يُفهم حقيقة إلاّ بدراسة الفقه الإسلامي، لأن الفقه علم دنيوي موضوع، فيه حياة الناس ومشاكلهم، وهذا هو التاريخ الحقيقي. وقدمت إضافة أخرى عن الميثولوجيا، فكتبت كتاب هو الأول لمؤرخ «الإسطغرافيا والميثولوجيا»، عن كتابة التاريخ من خلال الميثولوجيا، كمصدر غني من مصادر التاريخ الإسلامي: الخرافات، الأساطير، الأمثلة الشعبية، واستطعت في هذا الكتاب أن أحل أكثر من عشر مشكلات تاريخية لم يجب عليها التاريخ الرسمي.
أخيراً أقول بأنّ إعادة كتابة وقراءة التاريخ ستقدم إجابات لأسئلة النهوض العربي الراهنة والملحة، فيجب أن نعرف كيف نصل إلى الحقيقة، وما وسائلنا ومناهجنا للوصول إليها، ولا نهضة دون معرفة الذات، تطورها وطبيعتها.

[1]*ـ باحثة وأستاذة جامعية ـ مصر.

محمود إسماعيل عبد الرزاق ـ سيرة ذاتية معرفيّة
مؤرخ ومفكر مصري متخصص في التاريخ والحضارة الإسلامية، صاحب نظريات خاصة في المعرفة التاريخية، ورائد مدرسة في التاريخ الاقتصادي والاجتماعي تحظى بتقدير كبير في العالم العربي وأواسط الاستشراق، سميت بالمدرسة المحمودية، كما لقب بفيلسوف المؤرخين العرب، أمضى عقودًا في إعادة كتابة التاريخ الإسلامي، وله مشروع فكري وعلمي كبير تبدى في إنتاجه الغزير، وموسوعة «سوسيولوجيا الفكر الإسلامي»، التي أثارت جدلاً بين المفكرين المعاصرين، واعتبرها آلان دوسولييه مانيفستو لتحرير الفكر الإسلامي من إسار الاستشراق. كما تتلمذ عليه عدد كبير من الباحثين والمؤرخين في المغرب والجزائر ومصر ومعظم الدول العربية.
كما حصل محمود إسماعيل على جائزة الدولة التقديرية في الآداب عام 2014.
- دكتوراه الآداب، عام 1970م.
- أستاذ مساعد التاريخ الإسلامى بكلية الآداب، جامعة عين شمس.
أهم المؤلفات:
له العشرات من الكتب في مجال الفكر الفلسفي والتاريخي والاجتماعي، نذكر منها ما يلي: - موسوعة سوسيولوجيا الفكر الإسلامي.
- فكرة التاريخ بين الإسلام والماركسية.
- مقالات في الفكر والتاريخ.
- الإسلام السياسي بين الأصوليين والعلمانيين.
- الخطاب الأصولي المعاصر.
- فرق الشيعة بين الدين والسياسة.
- إخوان الصفا، رواد التنوير في الفكر العربي.
- في نقد حوار المشرق والمغرب بين حنفي والجابري.
- الخطاب الديني المعاصر بين التقليد والتجديد.
- إشكالية المنهج في دراسة التراث.
- في نقد حوار المشرق والمغرب.
- العروبة والإسلام ـ بين الإرجاف والإنصاف.
- الخلافة الإسلامية بين الفكر والتاريخ.
- الاسطغرافيا والميثولوجيا ـ نظر وتطبيق. ـ الدولة الفاطمية ـ دعوة وثورة.
- جدل الأنا والآخر ـ سيرة ذاتي. ـ دراسات في حضارة الإسلام.
- فلسفه التاريخ.
النشاط الثقافي:
- عضو هيئة تحرير في عدد من المجلات الثقافية المصرية مثل العصور الجديدة والفجر.
- عضو لجنة التاريخ بالمجلس الأعلى للثقافة بمصر ( سابقاً).
- كتب عشرات الدراسات والبحوث في عدد من الدوريات الثقافية المصرية مثل الكاتب، والطليعة، والفكر المعاصر، والموقف العربي، وأوراق ثقافية، وأدب ونقد، والمنار، والهلال والعصور الجديدة، والمحيط الثقافي الخ.