البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

قيم الحداثة (المباني النظرية والمعرفية والحضارية)

الباحث :  محمد رضا خاكي قراملكي
اسم المجلة :  الإستغراب
العدد :  4
السنة :  السنة الثانية - صيف 2016 م / 1437 هـ
تاريخ إضافة البحث :  July / 12 / 2016
عدد زيارات البحث :  1505
تحميل  ( 311.329 KB )
قيم الحداثة
المباني النظريّة والمعرفيّة والحضاريّة
محمد رضا خاكي قراملكي[1] [2][*]
محور اشتغال هذه الدراسة، استخراج الأسس النظرية القيمية التي قامت عليها الحداثة الغربية، كما تعمل على تقديم تصوّر عن ماهيّة وطبيعة الحداثة كقيمة تاريخية وحضارية ولا سيما في ما يرتبط بمبانيها وأهدافها وعناصرها. وعلى الرغم من تعرّفنا إلى الحداثة وفهمنا لهويّتها على نحو الإجمال، يسعى الباحث الإيراني محمد رضا خاكي قراملكي إلى بسط القول في قيم الحداثة والتفصيل في هذا الأمر. وهو ما يشكل مدخلاً لا مناص منه للوقوف على حقيقة القيم الحداثية وبواعثها المعرفية والأخلاقية والحضارية.
المحرر
المباني والأسس المعرفية هي العنصر الجوهريّ والأصيل الذي أدّى إلى حدوث هذا التحوّل الخطير في القيم العملية النظرية للغرب الحديث. إنّ نظريّة المعرفة الحداثيّة منطلق أساس أدّى إلى تبدّل فهم الإنسان لنفسه وللوجود، كما ولّد نظرة مختلفة إلى مسيرة الفهم والإدراك البشريّ. ثمّة قراءة جديدة مختلفة بين نظرية المعرفة الحديثة وبين ما قبلها عن مصادر المعرفة وأدواتها. فنظرية المعرفة الحداثيّة ترى أنّ الفهم الإنساني يمكن اعتماده كوسيلة من وسائل الهندسة الاجتماعيّة وأداة لتحسين أوضاع المجتمع الإنسانيّ. ففي هذه النظرية المعرفية يُحكم على صحة الفهوم مقدمة بمعايير دنيويّة وبشريّة محضة. ففي هذه النظريّة المعرفية لم يعد الدين والتعاليم الدينيّة فقط معياراً للحجم والتقييم، بل إنّ الأدوات التي وفّرها الدين للإنسان وأعطاه إيّاه ليستعين بها كأدوات، هذه كلّها ألقيت جانباً، وصار الدين فاقداً لأيّ شكلٍ من أشكال الحجيّة. ويمكن القول بصراحةٍ وضرسٍ قاطع أنّ المعرفة الحداثويّة لم يعد يقلقها كشف الحقيقة بقدر ما يهمّها تأسيس نظام معرفيٍّ علمانيٍّ وفاعلٍ، يمكن الاستفادة منه في إحداث تحوّلٍ وتطوّر في الحياة وفي الواقع المعيش. ويمكن تلمّس وقصّ أثر هذه الرؤية (الفعاليّة والتأثير) في جميع ثنايا المباني النظريّة للحداثة. والتطوّر أو التحوّل في سائر مباني الحداثة أي في الفلسفة والنظرة إلى الوجود وإلى الإنسان لا يمكن أن يتحقّق إلاّ عبر قناة التحوّل في النظام المعرفيّ المشار إليه آنفاً.
وفي نظرية المعرفة الحداثويّة نواجه مقاربات مختلفة تفاوتت آثارها ونتائجها على مسيرة الحداثة وتطوّرها. وبعبارة أخرى: نشاهد في كلّ عصر ومرحلة من تاريخ الحداثة تطوّراً في البنى العلمية والنظم الفلسفيّة والكلامية والأدوات والتقانة، متناسباً مع الطاقة الاستيعابيّة للمباني المعرفيّة لتلك المرحلة. ومضافاً إلى تأثير المباني المعرفية التي نحن بصدد الحديث عنها في الرؤية الفلسفيّة إلى الوجود والإنسان والكلام واللاهوت، نشهد تأثيراً لهذه المباني في ميادين أخرى مثل العلوم الأساسيّة والبنى العلميّة في الغرب؛ بحيث تركت هذه المباني أثرها على صعيد إنتاج نظريّات وأفكار في الفيزياء والكيمياء وعلوم الحياة. ومن هنا يمكننا الحديث عن تأسيس نظام من المفاهيم والعلوم الحديثة مبنيّ على المعرفة ونظريّة المعرفة الحداثويّة.
وثمّة تياريّن في مجال المعرفة في عصر الحداثة كانا على الدوام كفرسي رهان، هما:
1 ـ المعرفة العقليّة.
2 ـ المعرفة الحسيّة. وما سوى هذين التيّارين ليس إلاّ تنقيحاً ونسخة أخرى معدّلة لأحد هذين التيّارين[3].
أ) الاتجاه العقلي في نظرية المعرفة
يبتني هذا الاتجاه على قاعدة العقل ويرى في العقل أساساً ومصدراً موثوقاً وحيداً أو شبه وحيد للمعرفة، وقد كان لهذا الاتّجاه دور فاعلٌ في الحداثة وفي كثير من المدارس التي ولدت في رحمها، بل يمكن دعوى أنّ هذا التيّار هو أحد ضمانات استمرار الحداثة ودوامها. وربّما يمكن عدّ ديكارت أهمّ بناة الاتّجاه العقليّ في مسيرة الحداثة، وهو كان يؤمن بأنّ العقل هو المصدر الوحيد والأساس للمعرفة، ولم يكن يُرى يُعطي مثل هذا الدور للحسّ وللتجربة الحسيّة، بل كان يؤكّد دور الشهود العقلاني ّالمحض ويرى فيه معياراً داخليّاً للتمييز والحكم بالصحّة أو الفساد على أيّ فكرة معرفيّة[4].
وقد أفرط أصحاب هذا الإتّجاه وتطرّفوا في تقويمهم لدور العقل، ما أدّى إلى حكمهم على الأفكار الدينيّة والوحي بالتعطيل والعجز عن توليد المعرفة وتشكيل الإدراك. حتّى لو لم يصرّحوا بإنكار الدين أو رفضه بالكامل.
ب) الاتّجاه الحسّي في نظرية المعرفة
ويقبع على الضفّة المقابلة للتيار السابق ألا وهو العقلانيّة الجافّة والمتطرّفة تيّارٌ آخر هو التيّار الذي يُعلِي من قيمة التجربة الحسيّة ويجعل منها أساساً للمعرفة الحقيقيّة. ومن أبرز أعلام هذا الاتّجاه جان لوك، وهوبز، وهيوم الذين اشتهروا بتبنّيهم للاتّجاه التجريبيّ.
ويُلاحِظ المراقب لتاريخ نظريّة المعرفة في عصر الحداثة أنّ الفيلسوف الألماني كانط يرواح بين التيّارين. فلا هو ينكر التجربة وكونها مصدراً للمعرفة، ولا يعترف للعقل بالحجّية بوصفه أداة ومصدراً من مصادر المعرفة، بل نجده يقبل كلّاً من التجربة والعقل كمصدرين من مصادر المعرفة على علّاتهما وضعف فعاليّتهما في بعض الأبعاد والجوانب[5].
وقد تطوّر الاتّجاه التجريبي الذي انتشر في عصر الحداثة إلى نسخة جديدة هي الوضعيّة المتطرّفة من الإتّجاه التجريبيّ، والسمة البارزة في هذه المدرسة الجديدة هي موقفها من الميتافيزيقا والفلسفة. وتنقسم هذه المدرسة بدورها إلى اتّجاهين هما: الوضعيّة المنطقيّة والوضعيّة الفلسفيّة. أحد هذين الاتّجاهين لا يرى معنًى لغير القضايا التجريبيّة، والآخر وعلى الرغم من قبوله التجربة بوصفها أساساً للمعرفة فإنّه يعترف للقضايا الميتافيزيقية بالمعنى، بيد أنّه يرى تجرّد هذه القضايا من القيمة المعرفيّة[6].
ويرى البرفسور صديقي أنّ العلم هو منشأ الحداثة ومنطلقها، وقد أدّى العلم بحسب صديقي دور القوّة العظيمة المدمّرة، وما الحداثة بحسبه سوى انتفاضة على كلّ تقليد وسلطة دينيّة. وهو يقول في هذا المجال:
«تحلّ الحداثة العقل محلّ العاطفة. والحداثة عقلانيّة أي تولي العقل والعلم كلّ الاهتمام وتمنحه كلّ الأهميّة، وهي طبيعيّة أي تهدف إلى تفسير الطبيعة الداخليّة والخارجيّة بعيداً عن أيّ افتراض غير طبيعيّ أو من خارج حدود الطبيعة. وتمتدّ جذور الحداثة على مستوى نظرية المعرفة في تُربَة الوضعيّة والتجريبيّة والعقلانيّة. وبحسب الحداثة تمثّل التجربة المصدر المأمون الوحيد للمعرفة بالواقع. والوحي لا صلة له بالعقل وبالتالي لا يمكن أن يكون مصدراً للعلم. والمعرفة الحداثويّة اختزاليّة، ولا تتوفّر على نظرة شموليّة إلى الحياة...»[7].
ويقول الدكتور حسين نصر في هذا المجال:
«لقد استطاعت المدرسة الحسيّة في المعرفة تحويل الواقع العالمي واختزاله في ظواهر يمكن درسها بواسطة التجربة، وذلك إثر سيطرتها على الأفق الفكريّ عند الإنسان الغربيّ. وهي بهذا العمل قيّدت معنى الواقعيّة وضيّقته، وألغت إمكانيّة صدق مفهوم الواقعيّة والواقعيّة عن مفاهيم من قبيل الإله. وإنّ مثل هذا التصرّف في مفهوم الواقع ليس أقلّ من فاجعة، أدّت إلى تحويل مفهوم الإله بل كلّ الساحات المعنويّة إلى أمور انتزاعيّة وفي نهاية المطاف غير واقعيّة. وقد سلّ الإنسان الحداثويّ يده وسحبها من يد مصدرين معرفيّين هما الدين والعقل، وحرم نفسه من التجربة المعنويّة التي تكشف له مراتب عالية من الوجود. ومن هنا نجده قد حصر نفسه في مساحة ضيّقة من الواقع وهجر الله ونسيه»[8].
وبشكل عامٍّ يمكن عدّ خصائص نظرية المعرفة الحداثويّة عل النحو الآتي:
1 ـ نظرية المعرفة الحداثويّة تؤمن بالعقل الأداتي، وهذا العقل هو العقل المنفصل عن الوحي والشهود، ولا يعترف هذا العقل للدين بأيّ مستوى من الحجيّة والاعتبار. ومن هنا يمكن وصفه بأنّه عقل ذاتيٌّ مستقلٌّ.
2 ـ وهذه العقلانية المستقلّة ليست ماديّة وعلمانية من الأساس فحسب، بل هي تحلّل الفهم والإدراك بطريقة ماديّة دنيويّة، محكومة بالمعادلات الكميّة والرياضيّة.
3 ـ نظرية المعرفة الحداثويّة ذاتية (subjective): فهي ترى أنّ الإنسان هو فاعل المعرفة، وسائر الأمور والظواهر هي موضوعات للمعرفة الإنسانيّة، ومن هنا تنظر إلى جميع الظواهر التي تتعلّق بها المعرفة بنظرة موضوعانية.
وفي هذه المعرفة الذاتية يُبالغ في دور العقل ومكانته وقدرته على المعرفة وتوسّع دائرة التعرّف العقليّ إلى كلّ موضوع كائناً ما كان، وبالتالي فكلّ من يسلم قياده لأداة المعرفة هذه يُحرم من الاعتراف بقيمته المعرفيّة، ويطرد إلى ساحة المقدّس وعالم الأساطير ويوصم بأنّه من موانع التكامل البشريّ.
وهذه الرؤية إلى المعرفة والإدراك هي العقلانية الحسابيّة التي تسعى إلى تحويل جميع الظواهر إلى أرقام وأعداد ومعادلات رياضيّة. وعلى حدّ تعبير رينيه غينون ليس حاصل هذه الرؤية المعرفية سوى سيطرة الكمّ وتجفيف سائر مصادر المعرفة:
«كيف حاصر الإنسان الحداثيّ نفسه في حدود ما ينطبع على حواسّه وحكم على ذاته بعدم القدرة على النفوذ في أيّ شيء يقع وراء الحواسّ؟! ولم تنحسر القوى المدركة عند هذا الإنسان فحسب، بل بدأ ميدان الإدراك الحسيّ عنده يضيق بالتدريج... وبعبارة أخرى: في البداية بدأ الإنسان يُقصِي من دائرة معرفته بعض الأمور التي كانت قابلة للمعرفة تقليديّاً، ثمّ بعد ذلك بدأ يصف الأمور القابلة للإدراك بحسب هذه الرؤية الجديدة ب أنّها أمور طبيعيّة. وبعد ذلك وبكلّ بساطة وسهولة حصر الواقع والواقعيّة بهذه الأمور. ولمّا كانت هذه الرؤية تقتضي انحسار الأمور البشريّة لحظة بلحظة، فقد ذهبوا إلى محاصرة الإنسان واختزاله بالجسد. وبالتالي كل ما يُصنّف على أنّه «فوق بشريّ» حكم عليه بأنّه غير واقعيّ وغيبيّ. ولم تكتسب النظريّات الميكانيكية والماديّة القدرة على النفوذ والتأثير إلاّ عندما خرجت من دائرة الفلسفة إلى ميدان العلم. وإنّ ما هو مربوط بميدان العلم، أو ما يوصف بالصحّة أو الخطإ هو ما يمكن وصفه بأنّه علميٌّ... وقد فقد كلّ ما هو كيفيّ وفلسفيّ قيمته واعتباره... وقد مهّدت النظرية الميكانيكية السبيل أمام الماديّة، وقد نجم عن هذا المذهب في المعرفة تضييق أفق الذهن البشريّ بحدود الجسد، ولم يعد شيء غير المادّة يحظى بالاعتراف ولا ينال وسام الواقعيّة... وفي هذا الزمان دخل الإنسان عصر «سيطرة الكمّ»[9].
4 ـ سوف تنتهي نظرية المعرفة الحداثويّة إلى السقوط في فخّ النسبية؛ وذلك لاستنادها إلى العقلانية المستقلّة، وعدم اعترافها بأيّ مصدر خارجيّ غير عقلانيّ للمعرفة. وتوضيح هذا أنّ بناء المواقف على العقلانيّة يؤدّي بشكلٍ طبيعيٍّ إلى اختلاف الفهوم والعقول.
«الإيمان بالعقل الذي يدور مدار النفس الإنسانيّة، سوف يؤدّي حتماً إلى الوقوع في النسبيّة. وذلك لأنّ هذه الرؤية تقوم على إنكار أو بالحدّ الأدنى تجاهل أيّ مصدر خارجيّ مثل الوجود المطلق أو المقدّس في مجال الأحكام والحدود الأخلاقيّة والقيم. وهذا أمرٌ طبيعيٌّ لأنّ الأهواء الإنسانيّة متكثّرة. ولا يتوقّع غير هذه النتيجة من جعل العقل تابعاً للنفس الإنسانيّة أو مرهوناً بالتجربة الحسيّة. غاية الأمر أنّ هذه النسبيّة (relativism) تارة تكون صريحة كما تعبّر عنها الوضعيّة وطوراً تكون مضمرةً كما تعبّر عنها فلسفات كانط وهيغل وبعض أفكار ماركس الذين تختفي نسبيّتهم تحت ستار الشموليّة والمواقف الكليّة العامّة[10].
مباني النظرة الحداثية إلى الإنسان
ما كان الغرب الحديث ليظهر لولا ظهور الإنسان الحديث الحامل لهذا الفكر الجديد. وما الحداثة في الواقع، وعلى الرغم من تنوّع خصائصها وسماتها، سوى تجلٍّ للصفات النفسيّة والخصائص الداخليّة للإنسان الغربيّ المعاصر. فالإنسان الحديث هو الذي تنعكس هويّته في الحداثة أو تنعكس هويّة الحداثة فيه. فقد ظهرت في الحداثة العلاقات الداخليّة المعقّدة في الإنسان والجدل بين أبعاد وخصائصه النفسيّة. وعليه ففي نظام الحداثة الإنسانُ هو محور التحوّلات والانفصالات التاريخيّة والاجتماعيّة... ففاعلية الإرادة الإنسانيّة هي كسرت طوق العبودية عن رقبة الإنسان الحديث حرّرته من الخضوع لكلّ ما يقع خارج حدود الإنسان والإنسانيّة، ودعته إلى التحرّر وممارسة الفعل الإلهيّ في التغيير والتصرّف في جميع المجالات. والإنسان الحديث هو الذي شبّ عن طوق العقد التي حمّله إيّاها الاستبداد الدينيّ لقرون متمادية. سلب الإرادة الحرّة عن الإنسان أفضى به إلى عدم القدرة على تحمّل قيود التراث والتقليد، وتحوّل هذا الجبر التاريخيّ إلى ما يشبه الطاقة الخفيّة التي تبحث عن متنفّسٍ. هذا من جهة ومن جهة أخرى وجد الإنسان بعد كسره القيود التقليديّة التي كانت تحاصره قادراً على التمرّد وقادراً على فعل كثير ممّا كان يحسب أنّه لا يستطيع فعله. وقد رأي هذا الإنسان الحديث أنّه حقٌّ، وأنّ له الحقّ في منح نفسه مقام الألوهيّة بعيداً عن قيود التقليد والتراث المعيقة. هذا الإنسان هو موضوع المعرفة ومحورها، وهو الذي يرى في نفسه محور الوجود كلّه.
«يفترض قيام الذات وجود فرد؛ لكنّ مفهوم الفرد لا يعني شيئاً إنّ لم يشتمل على مهفوم الذات. ينبغي أن يكون التعريف الأول للذات في البدء بيولوجيّاً. إنّه منطق التوكيد الذاتي للفرد الحيّ وذلك باحتلاله مركز عالمه الخاصّ، وهذا ما يتّفق مع مفهوم الأنويّة... إنّ قدرة الذات هذه على أن تنظر إلى نفسها كموضوع (الأنا) دون الكفّ عن كونها (أنا) هي التي تتيح لها الاضطلاع بوجودها الذاتيّ والموضوعيّ في الوقت نفسه... والنقطة الرئيسة هي أنّ كلّ ذات إنسانيّة يمكن أن تعتبر نفسها ذاتاً وموضوعاً في الوقت نفسه، وأن تحكم كذلك موضوعيّاً على الآخر دون الكفّ عن الاعتراف به كذات»[11].
مباني النظرة الحداثية إلى الإنسان تحاول بيان أنّ الحداثة وجدت بناء على محوريّة الإنسان؛ بل الحداثة هي تجلٍّ للإنسان اللادينيّ الدنيويّ. ولا يمكن فهم الحداثة وفكّ أسرارها ورموزها دون فهم مباني نظرتها إلى الإنسان. وإن أهمّ التحوّلات التي طرأت على النظرة إلى الإنسان هي تبدّل النظرة إلى موقعه من الوجود ومنزلته منه. فالإنسان في الفكر الدينيّ كان أشرف المخلوقات، وكان هذا يرتّب عليه تبعات وتكاليف دينيّة يجب عليه القيام بها. ولكنّ تبدل صورة الكون في ذهن الإنسان نتيجة الاكتشافات العلمية الجديدة، ومعرفة الإنسان أنّ الكرة الأرضيّة لم تعد مركز الكون وأخذ الشمس هذا المقام من الأرض، أدّى إلى الشكّ في مقام الإنسان ومنزلته، ونجمت عن هذا التحوّل العلمي والمعرفيّ آثار نفسية عدّة: لم يعد الإنسان محور الكائنات التي كان يعتقد أنّها خُلِقت من أجله، وصار يشعر بأنّه ملقًى في الفضاء اللامتناهي، معلّقاً بين قوّتي الدفع والجذب اللتان تنازعانه، وقد فقد ذلك الإحساس بالاستقرار الذي ينعم به من قبل. إنّ «مركزيّة الأرض» لم تكن مجرّد نظرية علميّة بل كانت معتقداً دينيّاً، وقد أدّى بطلان هذه النظرية إلى الشكّ في لوازمها وعلى رأسها منزلة الإنسان الذي يسكن هذه الأرض التي فقدت مركزيّتها. وكأنّ التفسير الدينيّ للإنسان والأرض تنازل عن موقعه للتفسير العلميّ والأرضيّ الجديد، ولم يعد الإنسان مخلوقاً سماويّاً بل صار كغيره من الموجودات مخلوقاً أرضيّاً مع ما يترتّب على هذه الكلمة من معنى. وهذا التفسير الجديد للكون مرهونٌ لجهود كوبرنيكوس وغاليليو ونيوتن. ولم يقتصر الأمر على التحوّلات التي طرأت في علوم الفلك والكونيّات، بل تضامنت علومٌ أخرى و«تآمرت» على الإنسان فأفقدته تلك المنزلة التي كان فيها، وأزالته عنها، ومن هذه العلوم البيولوجيا التي وضعت الإنسان في مصافّ سائر الكائنات الحيّة. ولم يعد الإنسان مولوداً لآدم وحوّاء، بل صار نتيجة من نتائج التطوّر والنشوء والارتقاء من خليّة بسيطة أخذت شكلها الحاليّ الذي هي عليه الآن والمسمّى إنسان. وتحوّل الانتساب الكائنات إنسانيّة جاهزة إلى انتساب إلى كائنات تقع في درجة أسفل من سلّم الرقيّ الحيويّ. وهذا ما «أهدته» نظريّة داروين إلى الإنسان المعاصر. يقول إيان باربور في هذا المجال:
«كان يُعدّ الإنسان في الحضارة الغربية موجوداً فريداً متميّزاً عن سائر الموجودات. فهو كائنٌ عاقلٌ يتميّز عقله وإدراكه عن سائر أشكال الإدراك الموجودة عند غيره من الكائنات الحيّة. والإنسان وحده هو الذي كان يتوفّر على روح خالدة، وهذه الروح هي التي كانت تميّزه في علاقته مع الله. وهذه السمات التي كان يحسب الإنسان أنّه يتحلّى بها هي التي أعطته بعداً فوق طبيعيّ، على الرغم من اشتراكه مع سائر الموجودات في الاستناد إلى الله، والتناهي، والتزمّن. وما لبثت نظريّة التطوّر أن نقضت هذه النظرة إلى الإنسان وأزالته عن ذلك المقام الذي يحسب نفسه فيه. وحاصل نظريّة داروين وأتباعه هي استصغارهم للسمات التي تميّز الإنسان عن سائر الحيوانات. فالإيمان بالتطوّر يعني الإيمان بـ«أنّ الإنسان ما هو إلاّ حيوان»... وهذا الفهم الفلسفيّ المترتّب على نظرية التطوّر فيه هتك لحرمة الإنسان وإضرارٌ بقداسته، وهو في الوقت عينه فاقدٌ للدليل؛ أي هو نتيجة غير مبنيّة على المعطيات الحسيّة المتوفّرة»[12].وقد أدّى نفي التفسير القدسي والماورائي للإنسان إلى سيادة التفسير الماديّ له وللعالم[13]. وقد ضرب نظام الفكر الغربيّ الحديث مكانة الإنسان، وقد كانت هذه الضربة ضربةً نفسية. وفتحت مثل هذه النظرة إلى الإنسان باب التفسير الجنسيّ لأفعال الإنسان وردود أفعاله، سواء في ذلك ما يصدر عنه في حياته الفرديّة والاجتماعيّة. وذلك أنّ أعمال الإنسان صارت تُفسّر على أنّها عقد نفسيّة كامنة في اللاوعي وناتجة عن الكبت الجنسيّ الذي يعاني منه عبر قرون. وقد تراكمت هذه العقد في اللاوعي ثمّ بدأت تظهر بأشكال مختلفة في الوعي. وتوسّع التفسير الجنسيّ للأفعال الإنسانيّة ليستوعب في دائرته الدين والأعمال والمناسك الدينيّة التي صارت بدورها نتيجة وأثراً من آثار الكبت الجنسيّ المتراكم في اللاوعي. ولا يخفى الربط بين هذه الأفكار وبين نظريّات عالم النفس السويدي سيغموند فرويد الذي يصف الضربات الثلاث التي أصابت الأنانية الإنسانيّة على النحو الآتي:
«سوف أثبت أنّ النرجسيّة الإنسانيّة العامّة، أي عشق الإنسانيّة لنفسها، تلقّت من العلم ثلاث ضربات أضرّت بها أيّما إضرار. فعندما تحرّك حبّ الاستطلاع عند الإنسان لأوّل مرّة تحرّك باتّجاه الأرض التي يسكن فيها، فوجدت في ذهنه فكرة أنّ هذه الأرض هي المركز الثابت للكون وكلّ ما سواها من الشمس والنجوم وغيرها من الأجرام تدور حولها. وقد جعلته هذه النظرة إلى الأرض يرى نفسه سيّد الكون ودرّة المخلوقات. ثمّ ما لبثت هذه الأوهام أن تلاشت من ذهن البشريّة مع ظهور نظريّات كوبرنيكوس في القرن التاسع عشر...
وعندما اعترف الإنسان بهذه الثورة العلميّة ونتائجها أصيبت نرجسيّته بالضرر بضربة من علم الفلك... وكلّنا نعلم أنّ أبحاث داروين منذ حوالى خمسين سنة وضعت حدّاً لتخرّصات الإنسان حول ماضيه وخفّفت من غلواء مبالغته في تقويم ذاته. وهذه الضربة أصابت النرجسيّة الإنسانيّة من علم البيولوجيا. والضربة الثالثة، ولعلّها الأكثر عمقاً هي الضربة النفسيّة (من علم النفس). فقد كان الإنسان حتّى الآن وعلى الرغم من إحساسه بضعفه في مواجهة سائر الموجودات إلاّ أنّه كان ما يزال معجباً بذاته على المستوى الداخليّ والروحيّ، وكان حتّى ذلك الحين راضياً عن تفوّقه على سائر الموجودات ولو نفسيّاً. ولكن سوف يتغيّر كلّ شيء عندما يعي هذا الكائن المغرور عجزه عن مقاومة غرائزه الجنسيّة، وعندما يتبيّن له أنّ العمليّات الذهنية والفكريّة هي في الواقع عمليّات غير واعية وهي تأتي عن طريق التصوّرات الناقصة التي لا يمكن الوثوق بها ولا الاعتماد عليها، وهذان الأمران قد كشف عنهما علم النفس، ما أدّى إلى اكتشاف الإنسان عدم سيادته على ذاته على المستوى الباطنيّ بعد أن كشفت له سائر العلوم عن عدم سيادته على الكون وضعفه تجاهها. هذه هي الضربات الثلاث التي أصابت النرجسيّة الإنسانيّة في الصميم»[14]. وقد أدّت هذه التحوّلات الثوريّة إلى ظهور العلمانية أو بالحدّ الأدنى إلى تقوية التفسير العلمانيّ والماديّ للإنسان والعالم. وإنّ نزع القداسة عن الإنسان بحسب النظرة التقليديّة إليه هي نتيجة من نتائج تحوّل النظرة إلى علاقته بالله ونسبته إليه. فقد كان الإنسان بحسب النظرة التقليدية إليه مخلوقاً من مخلوقات الله بل أشرفها، والله عزّ وجلّ هو خالق الإنسان والعالم، وهو واضع نظام الوجود ومشرّع نظام الحياة للإنسان. وأمّا النظرة الحداثويّة فقد قضت بأنّ يرى الإنسان نفسه منفصلاً عن الله، ونجم عن ذلك انصرافه عن كل ما كان يُسمّى مقدّساً وسماويّاً بعلّة قربه من الله أو ارتباطه به بأيّ شكلٍ من أشكال الارتباط، وتحويل وجهه إلى الأرض وصار يرى أنّه وحده وأنّ أمور العالم موكولة إليه. وقد أعطى مثل هذا الإنسان لنفسه بُعداً إلهيّاً، وآمن بأنّ له الدور المحوريّ في رسم مستقبل العالم ومستقبل نفسه وأنّه الجهة الصالحة للتشريع لنظام حياته في هذه الدنيا، فهو الذي يشرّع الواجبات ويحدّد المسؤوليّات والتكاليف. والنظرة الإنسانويّة إلى الإنسان تختلف عن النظرة الدينيّة في أنّ الإنسان في الرؤية الأولى لم يعد تابعاً في قيمته ومنزلته، بل صار هو الأصل والأصيل؛ وبعبارة أدقّ يمكن القول: إنّ الإنسانويّة ما هي إلاّ ثورة وتثوير للإنسان على الله، ودعوة له إلى أنّ يحلّ نفسه محل الإله. وهذا «التفرعن» باعتقادنا هو أدنى درجات الانحطاط التي وصل إليها الإنسان حيث إنّه بهذه النظرة حرم نفسه من القداسة، وأوثق نفسه بقيود المادّة وسلاسل عالم الطبيعة. بهذا يكون الإنسان قد حكم على ذاته بأنّه كتلة من المادّة المحضة التي لا تتميّز عن سائر الحيوانات إلاّ بالذكاء والوعي. وهذا ما يجعل من الإنسان «ذئباً» لنفسه أو لغيره من المخلوقات.
وإنّ النظرة الماديّة إلى الإنسان تطوّرت ونمت وأخذت أبعاداً جديدة، بعد ثنويّة ديكارت أبو الفلسفة الحديثة الذي كان يميّز بين الروح والجسد. وأدّى الفصل بين الروح والجسد إلى تحوّل الجسد إلى آلة تعمل بشكلٍ مستقلٍّ عن الروح. ولسنا نبالغ إذا قلنا أنّ ثنوية ديكارت كانت أخطر ضربة تلقّاها الفكر الغربيّ في مجال التفسير الفلسفيّ للإنسان. وإنّ النظرة الميكانيكية والماديّة إلى الإنسان لم تقلّل من القيمة المعنويّة للإنسان فحسب، بل أدّت إلى الحكم على حركات الجسد الإنسانيّ بالهباء وانعدام القيمة.
ومن هنا نجد أنّ مسيرة الأتمتة التي بدأت مع الثورة الصناعيّة حكمت بفقدان القيمة على الحركة العضليّة للإنسان، وأكملت ثورة المعلومات على البعد الثاني من الإنسان فألغت أهميّة حركته الذهنيّة. وعلى هذا الأساس يرى بعض المفكّرين أنّ ثمة ثورة رابعة بدأت سوف تؤدّي إلى فقدان الوعي والذكاء الإنسانيّ قيمته. وسوف تؤدّي هذه الثورة إلى حلول الذكاء الاصطناعيّ محلّ الذكاء البشريّ[15]. وبعبارة أخرى: إنّ النظرة الموضوعيّة التي سادت في العصر أصابت الإنسان أكثر ممّا أصابت غيره من الأشياء. فصار الإنسان شيئاً ينبغي استغلال طاقاته في مصلحة الحضارة الحديثة، ولم تستثن هذه النظرة أيّ بعدٍ من أبعاد الإنسان[16].
المعيار والملاك في تقييم الإنسان، بحسب المباني الإناسيّة الحداثويّة (النظرة الفلسفية إلى الإنسان)، هو النماذج الدنيويّة والماديّة التي تقتضيها الليبراليّة[17]، والصفات والخصائص التي تعدّدها الحداثة للإنسان هي صفات الإنسان الرأسمالي وخصائصه، وذلك أنّ الإنسان الحديث ينبغي أن يكون منسجماً مع سياسة الحداثة وثقافتها واقتصادها، وبكلمة عامّة إنّ استراتيجية الحداثة تبتني على وجود الإنسان العلمانيّ، ومن دونه لا تصل الحداثة إلى مبتغاها، ولا تحقّق غاياتها المرجوّة. وبعبارة أخرى نمت الحداثة عبر قناة التنمية الإنسانيّة. وقد التفت الغرب إلى أهمّية الإنسان في تحقيق مشروعه الحداثيّ، ومن هنا نجده يُولِي التنمية الإنسانيّة في المجتمعات التي يريد فرض الحداثة والتحديث عليها، أهميّة خاصّة. فإذا لم ينطوِ الإنسان من داخله على ميل نحو الحداثة وقيمها، لا يمكن أن يتحقّق المشروع الحداثويّ. والإناسة الحداثويّة تقوم على إعادة النظر في تفسير الإنسان وتعمل على تفسيره وفق الخصائص التي تريد تلقينه إيّاها، ومن هنا نجد أنّ القيم الاقتصاديّة تستدعي الحديث عن الإنسان الاقتصاديّ والقيم السياسية تقتضي الترويج للإنسان السياسي، وعلى هذين يُقاس ما سواهما. أو فقل: إنّ الإناسة الحداثويّة بنيانيّة؛ أي إنّها تضفي نظرتها الحداثية على كلّ وجه من وجوه العالم وسطح من سطوحه. ومعنى هذا أنّ الحداثة في السياسة والاقتصاد والثقافة والفلسفة وغيرها، تدور حول محور الإنسان الحداثويّ وتستمدّ معناها منه. ولأجل هذا يُعدّ الإنسان التقليديّ معيقاً من معيقات الحداثة وسدّاً في وجه تحقيق أهدافها.
المباني الفلسفية للحداثة (في مجال النظرة إلى الوجود)
الفلسفة كما هو معلوم تفسير عقلانيٌّ للوجود وللعالم. وتسعى الفلسفة إلى اكتشاف العقلانيّة الحاكمة على الوجود، ومن هذه القناة تحاول تبرير نفسها، وإضفاء المشروعيّة على ذاتها، من حيث القانونية والغائيّة. وبعبارة أخرى: إنّ الفلسفة علم وجود عقلانيّ وليست علم وجود كلاميٍّ أو نقليٍّ، ويدّعي الفلاسفة أنّهم مكتشفو ومفسّرو الأبعاد العقلانيّة في الوجود. وجهد الفيلسوف يقوم على تجاوز كلّ أشكال الشكّ والنسبيّة. وهذا التجاوز قد يكون أثراً من آثار الحالة النفسيّة للفيلسوف أو أحد اقتضاءات العمل الفلسفيّ.
ولكنّ السؤال الأساس هو: كيف يتحوّل التطوّر الفلسفي إلى تطوّر واقعيٍّ خارجيّ واجتماعيّ بل وحتّى حضاريّ؟ فهل ثمّة ربطٌ وعلاقةٌ منطقيّة بين الفلسفات وبين النظم الحاكمة على المجتمعات؟ وما هو موقع البناءات الفلسفيّة والوجوديّة في التحوّلات الحضاريّة والثقافيّة؟ وهل تبتني الحداثة الغربيّة على العقلانيّة الفلسفيّة وعلى علم الوجود النظريّ؟ وما هو الدور الذي يؤدّيه التفكير الفلسفيّ في ظهور الحداثة وتشكّلها؟ وهل المباني الفلسفيّة التي تستند إليها الحداثة هي نفسها المباني الفلسفيّة القديمة، أم أنّ بين الأمرين تفاوتاً واختلافاً جوهريّاً؟ وأخيراً هل يصحّ الحديث عن حداثة فلسفيّة أو فلسفة حداثويّة؟
الحقّ أنّ الفسلفة الحديثة في الغرب كان لها فهمٌ عن النظام الحاكم على الوجود، وقد حاولت طرح أفكار وأنظمة جديدة لم تكن معهودةً من قبل. فالفلسفات القديمة كانت تهدف إلى كشف الحقيقة، وأما الفلسفة أو الفلسفات الحديث فلم يعد اكتشاف الحقيقة جزءاً من اهتماماتها، بل صار جلّ همّها السيطرة على العالم، ومساعدة الإنسان في وضع يده عليه للتصرّف فيه. والفلسفة القديمة كانت تميل إلى البحث عن العلل الغائية الكامنة وراء وجود العالم، وكانت ترى أنّ كلّ مظاهر العقلانيّة الموجودة في العالم يمكن ردّها إلى حقيقة تقع خارج عالم الطبيعة. ومن هنا لم تكن تحاول بيان كيفية تطوّر العالم. وأمّا الفلسفة الحداثويّة فإنّها ترى في العقلانية الحاكمة على العالم عقلانيّة ماديّة. ولا تهدف إلى الكشف عن الحقيقة، ومن هنا نراها تفسّر العالم وفق العلل الفاعليّة لا العلل الغائيّة. وعلى ضوء هذه الرؤية يمكن القول إنّ العقلانية الحاكمة على العالم بحسب الفلسفة الحديثة هي عقلانيّة آليّة تطبيقيّة أو فقل عمليّة، على حدّ تعبير أحدهم، بينما العقلانية التقليدية هي عقلانية انتزاعيّة ونظريّة.
وهذا ما يفسّر صيحة ماركس المشهورة، إذ كان يقول: لقد قصر الفلاسفة القدماء جهودهم على تفسير العالم، بينما المهمّ هو تغييره. وعليه فإنّّ العقلانيّة الفلسفية الحداثويّة تختلف عن العقلانية التقليديّة، في الغاية والموضوع والمنهج. وهذا التحوّل في الفلسفة بين قديمها وحديثها يمثّل قطيعةً وانفصالاً عن الفلسفة الأرسطيّة والمدرسيّة، وتأسيس لميتافيزيقا جديدة.
«يتجلّى التقابل والاختلاف بين الرؤية الكونية عند أنصار الميتافيزيقا الكلاميّة وبين الرؤية التي يتبنّاها أنصار العلوم الطبيعية الحديثة، في اهتمام الفريق الأوّل بالعلّة أو العلل الغائيّة، بينما يهتمّ الفريق الثاني بالعلّة الفاعليّة التي يمكن تحويل حركتها إلى أرقام وأعداد تحلّ محلّ العلّة الغائيّة الآنفة الذكر. وينبغي إخضاع الفلسفة للضغط لكي تجعل من المعرفة البشريّة خادماً لتقدّم الحضارة. ولقد تأثّر ديكارت وليبنتز بالعلوم الحديثة إلى حدٍّ كبيرٍ ما حدا بهما إلى الاعتقاد بأنّ الفلسفة وسيلة لزيادة علمنا بالعالم الخارجيّ...»[18] ويقول كابلستون في محلٍّ آخر: «إنّ بغية ديكارت من الفلسفة هي بحث الحكمة، والحكمة ليست مجرّد حزمٍ واحتياط في الأمور العلميّة، بل هي معرفة كاملة بجميع الأمور التي تساعد الإنسان على تحسين عيشه، والحفاظ على صحّته، كما تساعده على اكتشاف سائر الفنون والصناعات»[19].
ولم يكتف ديكارت بوضع الميتافيزيقا في خانة الفلسفة، صنّف العلم الطبيعيّ أو ما أسماه الفلسفة الطبيعيّة في الخانة نفسها، وصرّح بأنّ العلاقة بين هذا وتلك هي علاقة الشجرة بجذورها. ومن هنا لا يبدو غريباً إصرار ديكارت على القيمة العمليّة للفلسفة، ولا اعتقاده بأنّ حضارة الأمم مرهونة بتفوّقها الفلسفيّ وتعاليها بفلسفتها. وكأنّه عقد العزم على تجديد كلّ شيء وقطع صلته الفلسفيّة بمن سبقه من الفلاسفة القدماء. ولم يكتف باتّهام الأرسطيين بالاعتماد الكامل على أرسطو واستنادهم إليهم في تفاصيل أقوالهم ونظريّاتهم، بل اتّهمهم بعدم صحّة فهمهم لأفكار سلفهم، كما قذفهم بمحاولة البحث في الفلسفة الأرسطية، عن أمور ما خطرت لأرسطو على بال[20].
وحقيقة الأمر أنّ النظام الفلسفي الحداثويّ ما هو إلاّ فلسفة عمليّة تجريبيّة. وبعبارة أخرى: هو فلسفة عملٍ أكثر ممّا هو فلسفة نظر. والفلسفة الحاكمة على عصر الأنوار هي الفلسفة التي تتولّى التنظير للـ«جزمية المبتنية على العلم الحديث». ذلك العلم الذي يدّعي القدرة على التعامل مع المجالات كلّها[21]. وذلك لأنّ الفلسفة الحديثة تحاول تفسير وتبرير المبادئ ما بعد الطبيعيّة للعلم الحديث. بل إنّ النظام الفلسفيّ الحداثويّ ظهر إلى الوجود إثر التحوّلات التي طرأت على العلوم التجريبيّة، وبخاصّة الفيزياء. يقول أدوين أرثر برت في هذا المجال:
«إذا أنعمنا النظر في أعمال الفلاسفة الذين أتوا بعد نيوتن، نكتشف أنّهم يتفلسفون على ضوء المستجدّات التي وفّرها نيوتن بين أيديهم»[22].
موقع نيوتن في نظام الحداثة هو موقع عالمٍ وليس موقع فيلسوف؛ وذلك لأنّ تفسيره الميكانيكيّ للعالم هو تفسير علميّ وليس تفسيراً فلسفيّاً. ولكنّ ديكارت المعاصر لنيوتن، اهتمّ بالتفسير الميكانيكيّ من وجهة نظر فلسفيّة؛ وهذا ما جعل منه فاتح عهد الحداثة في الفلسفة الغربيّة. ولم يشغل الفلاسفة الذين أتوا بعد نيوتن أنفسهم بنقد نظامه الفكريّ ومجموع آرائه التي طرحها في كتابه أصول الفيزياء، واكتفى أكثرهم بنقد جزئيّ لبعض القواعد الفزيائيّة فحسب. وقد خلف ديكارت في زعامة الفلسفة الحديثة مجموعة من الفلاسفة الكبار منهم كانط وهيغل الذي أوصل الفلسفة الحديثة إلى أوجها. ومن هنا يعدّ الفكر الفلسفيّ الحديث مديناً لهيغل وفلسفته في المائة والخمسين سنة الأخيرة من عمر الفلسفة والفكر الفلسفيّ. وعلى حدّ تعبير بيتر سنغر: «لولا هيغل لما كنّا شهدنا في المائة والخمسين سنة الأخيرة من عمر الفكر الفلسفيّ والسياسيّ ما نشهده الآن»[23]. ويرى هابرماس أنّ هيغل يستحقّ بجدارة لقب فيلسوف الحداثة، وذلك أنّه هو الذي حوّل مفهوم الحداثة إلى نظام فكريٍّ شامل مقتدرٍ، وهو الذي أضفى عليه تلك القوّة التي سمحت له بالنفوذ على العالم والتاريخ.
ويمكن القول بالاستناد إلى ما يُلاحظ في مؤلّفات فلاسفة الحداثة ومعلّميها، إنّ الحداثة الغربية مرهونةٌ بتجديد النظرة الفلسفيّة إلى الوجود كما قلنا إنّها مرهونةٌ بالنظرة العلمانيّة إلى الإنسان. أي ما كانت الحداثة ستنشر وتنمو لو بقي الإنسان يحمل النظرة التقليدية إلى الوجود. فالفسلفة الحداثوية في نظرتها إلى الوجود هي نظرة ماديّة وعلمانيّة، ولم يعد الوجود بالنسبة إلى إنسان الحداثة مظهراً من مظاهر الهيبة والجلال الإلهيّين. بل العالم عند الحداثويّ مستقلٌّ قائمٌ بذاته، وهو أثر من آثار مجموعة من الأحداث العمياء، أو فقل هو هو نتيجة مجموعة من القوانين الماديّة. أي هو حاصل مسيرة التطوّر الماديّ والقوانين التي تحكم حركته هي نتيجة صدف متتالية، دون أن يكون خاضعاً لمدبّر يقف وراءه. وليس له علّة تقع خارج حدود الطبيعة[24].
هذا ولم تولد النظرة الماديّة في الحداثة فجأةً. بل خطا الخطوات الأولى على هذا الطريق مجموعة من العلماء والفلاسفة أفرغوا العالم من العناصر الماورائيّة. ولم تكن النظرة الماديّة واضحة إلى الحدّ الذي نعرفه اليوم، بل كانت تتسع الفلسفة في بدايات نشأة الفكر الحديث لله. فنيوتن مثلاً صاحب النظرة الميكانيكيّة إلى العالم والذي يرى أنّ العالم يسير وفق معادلات ميكانيكيّة مادّية، يرى أنّ المحرّك الأوّل للعالم هو الله. وقد كان يشاركه ديكارت في هذه النظرة التي تقبل وجود الله. ثمّ ما لبث عدد من الفلاسفة أن اعترضوا على هذا المنسوب من الألوهيّة في النظرة إلى العالم، وسخروا من أصحابها:
«كان واضحاً بالنسبة لنيوتن وجود شيء من الفوضى في حركة السيّارات لا يمكن تفسيرها بحسب قانون الجاذبيّة الأثير لديه. وبعبارة أخرى: ثمّة تفاوتٌ بين الحركة الواقعيّة للسيّارات وبين ما كانت تقتضيه الحسابات الرياضيّة. ولم يكن بوسع نيوتن سوى التفكير في حلٍّ هو: أنّ الله قد يتدخّل في بعض الأحيان فيعيد السيّارات التي تنحرف عن مسارها الأصليّ إلى مسارها الطبيعيّ. وبحسب اطّلاعي كان هذا التفسير هو الفرصة التاريخيّة الأخيرة التي أتاحها عالمٌ كبير مثل نيوتن لتفسير ميتافزيقيّ في نظامه العلميّ. وأمّا لايبنتز فقد كان يعلّق على إله نيوتن بالقول: إنّ إله نيوتن ميكانيكيّ قليل الخبرة؛ إذ إنّه لم يستطع صناعة آلة تستغني عن الإصلاح والترميم بين فترة وأخرى.
وقد أثبت لابلاس الذي أتى بعد نيوتن بحوالى قرن (1749-1827) أنّ الظواهر التي عجز نيوتن عن تفسيرها ولجأ إلى الإله لتفسيرها ما هي سوى محاولات تصحيح ذاتيّة، وبالتالي لم نعد مضطرّين إلى اللجوء إلى التدخّل الإلهيّ لتفسيرها. وقد أدّى هذا الحذف للتفسير اللاهوتي للظواهر الفلكيّة إلى ولادة النظرة المادّية التي أفضت إلى الإلحاد. والوجود بحسب هذه النظرة آليّةٌ (ميكانيزم) مستقلّةٌ. ويقع هذا التوجّه في الجهة المقابلة للتصوّر العضويّ الذي كان يتبنّاه بعض الفلاسفة القدماء أو بعض فلاسفة القرن العشرين. والعالم، بحسب هذا التصوّر العضويّ الأخير، محكوم لعلّة فاعليّة واعية ذات إدراك، بينما هو في التصوّر الآليّ فاقدٌ لأيّ شكلٍ من أشكال الوعي والإدراك»[25].
ويمكن بيان العناصر الأساسيّة للنظرة الفلسفية الحداثوية إلى الوجود بالآتي:
أولا: الوجود هو تراكمٌ من الطاقة الكامنة التي ينبغي الحصول عليها واستثمارها في الإنتاج والاستهلاك.
ثانياً: العالم هو موضوع ومتعلّقٌ للمعرفة الإنسانيّة، وهو مجموعة من الأشياء التي لا روح فيها.
ثالثاً: العالم هو آلة كبيرة تدور وتعمل دون تدخّلٍ من قوى من خارج الطبيعة، وهي تسير بشكل آليّ وذاتيّ.
رابعاً: مهمّة الإنسان في هذا العالم هي تسخيره والتصرّف فيه دون حدٍّ أو قيدٍ.
خامساً: ينبغي للبحث عن علّة الكون أن يخلي الساحة للبحث عن كيفيّته وتبيين حركته وتطوّره.
وبعبارة أخرى: استطاع الفكر العلمانيّ في النظرة إلى الوجود الانتشار والسيطرة على الساحة الفكريّة، بعد حذف الغائيّة وإلغائها، وبعد غلبة النظرة الموضوعانيّة إلى العالم وتفسيره بطريقةٍ ميكانيكيّة. وبعد هذا صار العالم ماديّاً من رأسه إلى أخمص قدميه، وخلا من أي بعدٍ من أبعاد عالم المعنى، ما أفسح المجال للإنسان ليستقلّ ويتفرعن[26].
مباني الحداثة في نظرتها إلى الدين
الأفكار المسيحيّة الكلاميّة هي من المباني التي تركت أثرها في الحداثة وانتشارها. فقد أدّى الفكر اللاهوتي المسيحيّ دوراً مهمّاً في التمهيد بأشكال مختلفة للفكر الحداثويّ، ولو كان ذلك في بعض الأحيان على سبيل تأمين الأرضيّة أو البيئة الحاضنة. ولو لم يستطع الفكر اللاهوتي المسيحيّ التكيّف وإعادة الانتشار بأشكال تنسجم مع الحداثة لما استطاع الغرب الوصول إلى ما وصل إليه؛ وذلك لأنّ المسيحيّة كانت ستعيق تطوّر الحداثة ومشروعها في المجتمعات الغربيّة. أمّا لماذا استطاع الفكر المسيحيّ التكيّف مع مقتضيات الحداثة؟ وهل أنّ طبيعته تقتضي سهولة تكيّفه وإعادة صياغته بأشكال لا تتنافى مع الفكر الحديث الأمر الذي أدّى إلى ضعف الفكر الدينيّ وإخلائه الساحة للفكر غير الدينيّ؟ هذه وغيرها أسئلة تستحقّ الوقوف عندها ولا يمكن الإجابة عنها في مثل هذه الدراسة. ولكن مهما يكن من أمرٍ فإنّ ما حصل هو تنازل المسيحيّة والفكر اللاهوتي المسيحي وإعادة صياغة نفسه بطريقة تسمح للحداثة بالانتشار والتمدّد في المجتمعات التي ينتشر فيها هذا الفكر. مع الالتفات إلى أنّ فكر الحداثة لا يقبل الفكر اللاهوتيّ ولا ينسجم معه؛ ولكنّه لم يكن يرغب في مواجهة تاريخ طويل من الفكر اللاهوتي المسيحيّ، حيث إنّ الثقافة الغربية مشحونة بالرموز والتعاليم الدينيّة المسيحيّة، ما يحول يعجِز الحداثة عن الوقوف في مواجهة هذه الثقافة السائدة. ومن هنا اقتضت أيديولوجيا الحداثة أن تعمد إلى حلّ الفكر اللاهوتيّ المسيحيّ في نموذجها (بارادايم) وتقدّمه بطريقة دفعت الدين والفكر الديني إلى الانسحاب تدريجاً من الساحة، وتنازله عن المواقف الأيديولوجيّة التي كان يتبنّاها. وبعد هذا كان من الطبيعيّ للفكر اللاهوتيّ أن يتكيّف مع التطوّر العلمي والتقنيّ الناجم عن الحداثة، لكي يبعد عن نفسه تهمة التحجّر والرجعيّة.
وواقع الحال هو أنّ الفكر الكلاميّ لمّا كان يؤدّي دور المفسّر للتعاليم الدينيّة، كان يحاول على الدوام تقديم نفسه بصورة عقلانيّة متناغمة مع التحوّلات التي كانت تعصف بها الحداثة الغربيّة. واستطاع الفكر اللاهوتيّ، إجمالاً، ملء الفراغ الروحيّ في المجتمعات الغربيّة، وكان يقدّم ما وسعه ذلك، تفسيرات وأجوبة عن الأسئلة الميتافيزيقيّة حول المبدإ والمعاد. وقد أسهم ذلك كلّه في تحسين العلاقات الاجتماعيّة، وإضفاء معنًى على الحياة ترك أثره في الحياة الاجتماعيّة الغربيّة. ولم يشإ الفكر الحداثويّ التخلّي عن هذه الدعامة الثقافيّة ونفيها بالكامل دفعةً واحدةً. وقد حاول الفكر الحداثويّ استثمار هذه المباني الفكريّة التي كان يجود بها اللاهوت الديني المسيحيّ، في خدمة مصالحه واستراتيجيّاته الفكرية والثقافيّة. ما سمح للمراقب غير الغوّاص أن يظنّ أنّ الحداثة واللاهوت المسيحيّ الغربي يصدران عن مورد واحد. فمن الناحية الأيديولوجيّة كان ضروريّاً وحيويّاً، للحداثة وجود بل إيجاد نظام تبريريّ واعتقاديّ يسمح بنشر قيم الحداثة وتوسّع مشروعها، على أن يكون هذا النظام منسجماً مع الثقافة المسيحيّة وملائماً للحداثة في آنٍ معاً. وقد كان هذا النظام الفكريّ حاملاً ومساعداً للفكر الحداثويّ على إعمال التغييرات الواسعة التي في المقولات الحاكمة على الثقافة التقليديّة، ليعيد بعد ذلك صياغة المجتمع وهندسته وفق مقولات العلمانيّة. وبعد هذه المرحلة من مسيرة الحداثة بدأت مرحلة «الفتح» من تاريخ الحداثة وشرع هذا الفكر بالاستعمار والاستغلال خارج حدود الغرب مستفيداً من العناوين الدينيّة لتبرير أهدافه. وقد ساعدت هذه العناوين الدينيّة التي كانت تتبنّاها الكنسية على تبرير انتشار الحداثة وإقناع المجتمع الغربيّ بالتمدّد خارج حدوده. بل لا نعدم أثر هذه العناوين الدينيّة في تاريخ الفلسفة الغربيّة أيضاً. وصفوة القول إنّ المباني الدينيّة المسيحيّة الجديدة لم تكن الأساس في ولادة الحداثة والفكر الحداثويّ، بل شهد العالم منذ عصر النهضة فما بعد ولادة ظاهرة حاولت الكنيسة المسيحيّة مقاومتها في مراحلها الأولى، ولكنّها ما عتمت أن وجدت نفسها مضطرّةً للتكيّف معها والتأثّر بها. وما لبث الفكر الحداثويّ أن صادر من الفكر اللاهوتيّ بعض الأفكار التي تخدم مشروعه واستثمرها أيّما استثمار. ولم يأخذ التطابق والتكيّف بين الفكر اللاهوتي وبين الحداثة شكلاً واحداً عبر التاريخ، بل كان يحدث في كلّ مرحلة تاريخيّة بالصيغة التي تنسجم مع تلك المرحلة. حيث شهد تاريخ اللاهوت الغربيّ نسخاً عدّة وتسميات مختلفة منها: اللاهوت الصناعيّ، واللاهوت ما بعد الحداثيّ، واللاهوت الليبرالي، ولاهوت موت الله وغيرها...
«لقد شهد القرن التاسع عشر انتشاراً واسعاً للتيّار الدنيويّ غير الدينيّ، وخطا هذا النمط الفكريّ خطوات إلى الأمام، سمحت له بالدخول إلى ساحة اللاهوت التي كانت حتّى ذلك التاريخ في عهدة الدين وميدانه الأثير. وفي تلك المرحلة بدأت التيّارات اللاأدريّة والإلحاديّة تنفذ إلى ساحة اللاهوت لتجادل الدين في ساحته الوحيدة تقريباً، ومع هذه التيّارات بدأ الفكر اللاهوتيّ التقليدي بالانسحاب تدريجاً والتراجع في وجه المدّ العلمانيّ. واللاهوت كما هو معلوم همٌّ فكريّ أساس للفكر الدينيّ الغربيّ. ومركز المسيحيّة ونواتها هو الأبحاث اللاهوتيّة، ومن هنا فإنّ تراجع المسيحيّة من هذه الساحة في مواجهة الغارات العلمانيّة كان أخطر وأشدّ وقعاً من تراجعها في أي ميدان من الميادين مهما كان مستوى أهميّتها. بل كان هذا التراجع رمزاً ومؤشّراً على تراجع الفكر الدينيّ من الحياة الاجتماعيّة والإنسانيّة. وقد بلغ هذا التيّار أوجه في القرن العشرين حتّى كدنا نرى أنّ القسم الأعظم من اللاهوت المسيحيّ لاهوتاً غير دينيّ»[27].
ولا شكّ في تأثّر الفكر اللاهوتيّ والكلاميّ بالأوضاع الاجتماعيّة والتطوّرات الفكريّة والفلسفيّة والثقافية التي عصفت بالثقافة الغربيّة. وهذا يدفعنا إلى القول دون مبالغةٍ إنّ التحديث في الفكر اللاهوتيّ الغربيّ أدّى إلى علمنة النظام العقلانيّ الحاكم على اللاهوت الغربيّ. الأمر الذي كان رافعةً للعلمانيّة في البلدان الغربيّة وغير الغربيّة. وقد أسهم هذا التحوّل في الفكر اللاهوتيّ في تلك المرحلة من مسيرة الحداثة في انتشارها وتمدّدها. ومن هنا نجد أنّ بعض الحركات الدينيّة أفضت إلى مزيد من العلمانيّة والرأسمالية على الرغم من كونها ذات بعدٍ دينيّ في بداياتها، وهنا نشير إلى البروتستانتية والطهرانية (puritanism). وقد أنعم ماكس فيبر النظر في هذا الأمر وبيّنه أيّما تبيين، وذلك في كتابه البروتستانية وأخلاق الرأسماليّة. وقد حاول في كتابه هذا بيان الدور الذي أدّاه الفكر اللوثري في التمهيد للرأسماليّة الغربيّة. يقول فيبر في هذا المجال:
«لم يكن ما يُعرف اليوم بـ«التقدّم» محلّ التفات عدد من اللاهوتيين من أمثال: لوثر، وكالفن، وناكس، ووات. بل كانت تعاليم هؤلاء معارضة لكثيرٍ من قيم الحياة الجديدة التي لا يعارضها اليوم حتّى أشدّ الناس تعصّباً. وإذا أردنا الربط بين التعاليم البروتستانتية القديمة وبين ثقافة الرأسماليّة، علينا الإشارة إليها في الخصوصيّات الدينيّة الصرفة للتعاليم البروتستانتية، وليس في السمات الماديّة العمدية للحياة»[28].
وبشكلٍ عامٍّ يمكن القول إنّ الماهية العلمانية والماديّة للحداثة تسرّبت إلى ثنايا النظام اللاهوتي المسيحيّ، ووجّهة النظام العقلانيّ لهذا اللاهوت نحو العلمانيّة والدنيوية[29]. وقد أفضى هذا المنهج الفكريّ إلى «لاهوت من دون إله» وإلى «لاهوت موت الله».
بالنظر إلى ما تقدّم كلّه يتبيّن أنّ المباني الدينيّة للحداثة هي:
1ـ يتبنّى اللاهوت الحديث تفسيراً فرديّاً وإنسانويّاً للدين والتديّن. ويُنظر إلى الدين بحسب هذه الرؤية على أنّه أمرٌ وجدانيٌّ وشخصيٌّ، لا صلة له بعلاقات الفرد والمجتمع. وقد تحوّل الدين بحسب هذه النظرة إلى تجربة فرديّة إنسانيّة ضعف البعد الماورائيّ فيها إلى أقصى الحدود الممكنة. ولأجل هذا يمكن أن تتحقّق هذه التجربة عند الإنسان، بما هي تجربة وجدانية باطنيّة، دون أن تتضمّن بالضرورة أيّ التزام بالتعاليم الدينيّة.
2 ـ لقد استوعب اللاهوت الحديث العلمانيّة وقبلها، ونفى أيّ بعد أيديولوجيّ عن الدين. ولأجل هذا لم يعد ثمة صلة بين الدين والسياسة، وبين الدين والعلم، بمعنى فصل الميادين وعدم السماح بالمزج بين أدوار الدين وأدوار السياسة، ولم يعد يُسمح للدين بالتدخّل في الهندسة الاجتماعيّة وعلاقات الحياة الإنسانيّة، على الرغم من أنّ مثل هذا الفصل لم يتحقّق بالصورة المفترضة في الواقع العمليّ، بل بقيت النظم السياسيّة تضيّق الساحة على الدين وتخرجه من ساحات اشتغاله الواحدة بعد الأخرى[30].
3 ـ التعدديّة أيضاً من المباني الحاكمة على اللاهوت الحديث. وقد فتح الاعتراف بالتعدّديّة وفق هذا المبنى الباب على مصراعيه للتفسير الحرّ للدين دون أيّ قاعدة ملزمة، وأسقط الحجّيّة والمشروعيّة عن أيّ مرجعيّة لتفسيره. ومن الطبيعي أنّ الانطلاق من هذا المبنى يسمح بتفسير التعاليم الدينيّة بأيّ طريقة ولو كانت ذاتيّة محضة، وبخاصة إذا اعتُمِدت الهرمنيوطيقا، فعند ذلك لا نستبعد تفسير الدين بطريقة لا دينيّة أي ضدّ الدين نفسه[31].
[1]*- مفكّر وباحث في الفكر الفلسفي ـ إيران.
ـ تعريب: الشيخ محمد حسن زراقط ـ باحث في الفكر الديني، وأستاذ في جامعة المصطفى العالمية.
[2]
[3]ـ فردريك كابلستون، تاريخ فلسفه، ج 4، ص 27.
[4]ـ المصدر نفسه، ص 88-91.
[5]ـ بول فولكيه، فلسفه هستي، ص 117.
[6]ـ بهاء الدين خرّمشاهي، بوزيتيوسم منطقي، صص 9-10.
[7]ـ برفيسور صديقي، «كفتكوي اسلام ومدرنيته» (حوار الإسلام والحداثة)، مجلة پگاه حوزه، العدد 4، ص 9.
[8]ـ سيد حسين نصر، نياز به علم مقدّس (الحاجة إلى العلم المقدّس)، ص 31-32.
[9]ـ رينيه گنون، سيطره كميّت وعلائم آخر الزمان (زمن الكمية وعلامات العصر)، صص 118-122، و 225.
[10]ـ شهريار زرشناسي، مباني نظري غرب مدرن (المباني النظرية في الغرب الحداثي)، ص 47-49.
[11]ـ إدغار موران، هويت انساني (الهوية البشريّة)، ص 92-100.
[12]ـ إيان باربور، علم ودين (العلم والدين)، ص 114-116.
[13]ـ إدغار موران، هويت انساني (الهوية البشريّة)، ص 35 و 36.
[14]ـ فرانكلين بومر، جريانهاي بزرگ در تاريخ انديشه غرب (التيارات الكبرى في تاريخ الفكر الغربي)، ص 878.
[15]ـ بارى سمارت، شرايط مدرن، مناقشه هاي پست مدرن (ظروف الحداثة: مخالفات ما بعد الحداثة)، ص 5.
[16]ـ إدغار موران، هويت انساني (الهوية البشريّة)، ص 100.
[17]ـ ألوين گولدنر، بحران در جامعه شناسى غرب (أزمة علم الاجتماع في الغرب)، ص 86.
[18]ـ فردريك كابلستون، تاريخ فلسفه، ج 4، ص 20-21.
[19]ـ المصدر نفسه، ص 88-89.
[20]ـ المصدر نفسه.
[21]ـ كريم مجتهدي، فلسفة وتجدد (الفلسفة والحداثة)، ص 23.
[22]ـ أدوين أرثر برت، مبادي ما بعد الطبيعى علوم نوين (المبادئ الميتافزيقية للعلوم الحديثة)، ص 25.
[23]ـ مير سپاسی، تأملى در مدرنيته ايرانى (نظرة في الحداثة الإيرانيّة)، ص 60.
[24]ـ ادگار مورن، طبيعت طبيعت (طبيعة الطبيعة)، ص 46؛ هويت انسانى (الهويّة الإنسانيّة)، ص 34.
[25]ـ رينيه گنون، سيطره كميّت وعلائم آخر الزمان (زمن الكمية وعلامات العصر)، ص 208-209.
[26]ـ المصدر نفسه، 114-133.
[27]ـ سيد حسين نصر، جوان مسلمان ودنياى متجدد (الشاب المسلم والعالم الجديد)، ص 203.
[28]ـ ماكس فيبر، أخلاق بروتستانت وروح سرمايه دارى (الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية)، ص 48.
[29]ـ جان كورتنى مورى، «انسان بى خداى عصر نوگرایی وعصر فرانوگرایی» (الإنسان من دون الله في عصر الحداثة وما بعدها)، مجلة أرغنون، العدد 11-12، ص 404.
[30]ـ خاكي قراملكي، فراگرد دنیوی شدن (سيرورة الدنيوة)، سايت باشگاه اندیشه.
[31]ـ ملكم هميلتون، جامعه شناسى دين (علم اجتماع الدين)، ص 296-297.