البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

الفن - الأخلاق - السياسة (إشكالية الفهم والجمع)

الباحث :  غابرييل برسا - Gabriele Bersa
اسم المجلة :  الإستغراب
العدد :  4
السنة :  السنة الثانية - صيف 2016 م / 1437 هـ
تاريخ إضافة البحث :  July / 12 / 2016
عدد زيارات البحث :  1055
تحميل  ( 296.891 KB )
الفن ـ الأخلاق ـ السياسة
إشكالية الفهم والجمع
غابرييل برساGabriele Bersa[1] [*]
نقرأ في هذه المقالة للفيلسوف والأديب الإيطالي المعاصر غابرييل برسا مطالعة استقرائية في مثلث الفن والأخلاق والسياسة، حيث يشير إلى الصلات المنعقدة بين أضلاعه، فضلاً عن الإشكاليات الناجمة عنها.
يطرح الكاتب في معالجاته مشكلة فهم صلة الفن بالأخلاق، ويبيِّن في هذا السبيل أن تحصيل مثل هذا الفهم غير ممكن ما لم يكن مسبوقاً بمعرفة عميقة بماهية الفن نفسه.
وفي ما يلي النص الذي قدّم كمحاضرة في خلال مؤتمر تخصصي تحت عنوان الملتقى المتوسطي الخامس لعلم الجمال المنعقد في العاصمة الإيطالية روما عام 2011.
المحرر
إذا أخبرنا خطيب لامع مَدْعوّ للبحث في حجّية العلاقة بين الاقتصاد والأخلاق والسياسة، أن من المستحيل إعطاء تعريف لأحد هذه المواضيع الثلاثة، كالاقتصاد مثلاً بسبب الحقيقة المُركّبة التي تُميّزه.. وبأنه سيحصر اهتمامه بالحديث عن العلاقة بين الاقتصاد من جهة، والأخلاق والسياسة من جهة أخرى، فإنّنا سنكون بالطبع مُحبَطين. ذلك لأننا لم نُدرك أي صلة بين هذه المواضيع الثلاثة إذا بَقيَ مدلول أحدها وهو الاقتصاد، مُبْهماً. ومن الواجب أن نتحدّث عن الاقتصاد فقط على قاعدة التجربة المشتركة المتعدّدة، الفكرة العامّة، وغير الدقيقة، التي تتوفّر لدينا في كل مرّة بشكل عملي. هذا يعني وجود حقل هو الحقل الاقتصادي نتعاطى معه كَمُؤَكّد في الواقع، وبالفعل نتكلّم عنه (من دون أن نعرف عمّا نتكلّم) ونهتمّ بعلاقته بالأخلاق والسياسة. بتعبير آخر: إننا نعرف ما يعني الاقتصاد، فلننظرْ، إذن، في علاقته بالأخلاق والسياسة.
هذا ما جرى في الآونة الأخيرة. والواقع أن عادة البحث في أخلاقية الفنّ، وفي علاقة الفنّ بعلم الأخلاق بشكل أدقّ، انتشرت بعد إثبات الوجود المُسلّم به للفنّ والتساؤل في الوقت نفسه عن علاقته بعلم الأخلاق، أي بالعادات والأعراف لمختلف المجتمعات في مختلف العصور. يُعلن «دانتي» بنفسِه المهمة الأخلاقية «للكوميديا الإلهية» (الفردوس: النشيد السابع عشر): إنّ مصائب المشاهير الذين التقى «دانتي» بأرواحهم في رحلته فوق الأرضية هي مصائب نموذجية لهذه الغاية؛ وبالتالي على الشاعر أن يَكشفَ عن كلّ مشاهداته. جميع الناس يعرف بيت الشعر التالي: «وَدَعْه يحكّ حيث هناك الجَرَب». إنّ حكم «دانتي» صادر بالتأكيد عن تصوّره الأخلاقي، الذي يختلف من فنان إلى آخر بحسب نظرته للعالم، ولكنه لا يُشكّل خاصّية الفنّ، أو نوعيته، أو حقيقته، أو جوهره. كلّ الخطابات والأحكام الأخلاقية هي، بطريقة مغايرة، أعمال فنّية. يمكننا التأكيد على أن المسائل اللاهوتية المُعالَجة من قبل الشاعر (العدالة الإلهية، القَدَر، الثالوث، طبيعتا المسيح،...إلخ.)، وباختصار، إنّ لاهوت (الكوميديا)، إذا أمكننا القول، لا يؤلِّف فنّ (الكوميديا):إنّه يُؤلّف فقط جانباً من بنية العمل. وكلّ دراسة في اللاهوت قد تكون، بطريقة مغايرة، عملاً فنّياً، وتحظى بقيمة في أيديولوجيا الفنّان، أي فنّان، وبالتالي هي تتمتّع بقيمة بالنسبة لالتزامه في الممارسة والسياسة.
إن الحكم الأخلاقي والسياسي ﻟِ «توماس برنهارد» بخصوص العالم المعاصر خالٍ من الالتباسات بالرغم من بعض الإثباتات. ولكنه ليس حكمَه الأخلاقي الذي يمكننا مشاطرته، والذي يُؤلّف نوعية «فنّ» لعمله؛ وحينما نُقارن تصوّر برنهارد الأخلاقي بروح الشعب للمجتمع المعاصر، فإنّنا نُؤسّس علاقة بين التصوّر الأخلاقي والتصرّف المهني أو السلوك العملي لصاحب المصرف والمهندس والطبيب والمحامي والحِرفي والموظّف والعامل وهلُمّ جرّاً والمجتمع الذي يعيشون فيه. ولكن هذا لا يُفسّر العلاقة بين الفنّ والأخلاق، لأننا لا نعلم ماهية الفنّ؛ على أي حال عندما نتحدّث عن العلاقة بين الفنّ والأخلاق، لا نعني بذلك علاقة أخلاق الفنانين بأخلاق مجتمعهم، أي المجتمع الذي يعيشون فيه. ولكن بالرغم من ذلك، تبقى المشكلة مفتوحة لأننا لا نعلم مَن هم الفنّانون ولماذا هم كذلك، ولماذا دانتي وبرنهارد فنّانان؛ لا سيّما وأننا إذا لم نعرف من هم الفنّانون، فلن نعرف ما سبب اهتمامنا بالعلاقة بين أخلاق الفنانين والعادات الاجتماعية وعدم اهتمامنا بالعلاقة الأخلاقية القائمة بين أصحاب المصارف والموظّفين وهلمّ جرًّا.
نُركّز من جهة أخرى على تأثير الصدمة، وعلى الاضطراب الذي أحدثه الفنّ. المشكلة ليست جديدة، وقد عايَنَ التفكير بالفنّ تكراراً، وبأشكال مختلفة، مسألة العلاقة بين الفنّ وتأثير الصدمة. بكلّ تأكيد لكلّ فنّان نظرته إلى العالم، ولديه بالتأكيد وجهة نظر اجتماعية وسياسية. هل يمكننا القول إذن إنّ الصدمة تُميّز الفنّ؟ كاتّالان، هل هو فنّان؟ وهل تُميّز إذن الوظيفة الصادمة الفنَّ بذاته؟ أو أنّها لا تُشكّل سوى تقنية تعبير وحيلة، تماماً كالتغريب مثلاً، أو المونتاج، أو تنافر الأصوات (يَرِدُ في ذهني تيودور ادورنو Th. W. Adorno)؟ وهل أعماله هي أعمال فنية؟ وأذكّر بإعلان كاتّالان في صحيفة «بريد المساء» (Corriere della sera) بتاريخ 28 شباط 2010: «...إن الشيء الذي تَنجحُ في هزّه في نفوس الناس يُعدُّ مهمّاً، لكنني لا أقول أبداً: يجب عليّ الآن ابتداع استفزاز ما. وبعد عرْض العمل أصبحت أنا نفسي مشاهداً لاواعياً لكي أرى كيف سيتلقّاه الناس. فأنا وسيط لشيء ما لا يقع تحت سيطرتي.» ولكن الكوارث والجرائم والشقاوات والحوادث والعنف تُؤدّي أيضاً إلى الصدمة. وحتى الإعلان يمكن أن يُؤدّي إلى الصدمة بغية إقناع الجمهور لصالح حِكَم السوق. وأُذكّر ببعض المُلصقات الإعلانية، كمُلصقات شركة Benetton وشركة Heineken. ويُضيف كاتّالان في المقابلة ذاتها: «لا يُمثّل النجاح بالنسبة لي خلاصاً، وإنّما الاستقلال الاقتصادي الذي أثبَتَ لي أنّه يجب عليّ عدم تقديم الخدمة في البيوت الأخرى.» ولن أتحدّث عن الدعاية السياسية أو الحربية (belliciste). فالفنّ لا يمكنه أن يتماهى مع الصدمة، والصدمة ليست النوعية الحصرية التي تُميِّز وتُعرِّف الفنّ.
إذن، إنّ الصدمة لا تُعرّف الفنّ. ولكن، انتباه! نقول أن الفنّ لا يمكن تعريفه. ومع ذلك لن نفهم إمكانية التعمّق في العلاقة بين الفنّ والأخلاق إذا لم نعرِف ما هو الفنّ. بدون تحفيز وبدون مُبرّرات (حُجج) نمحو نظرية الرموز والدلالات sémiotique التي تُشكّل الكلمات واللغة وفقاً لها علامات ذات دلالة: أي بدونها (التحفيز والمُبررات) ينتفي المعنى. وبالنسبة إلى تلك النظرية فالخطاب المُكوّن من مجرّد علامات وعبارات محض ألسنيّة، ألفبائيّة، ليس خطاباً وإنّما سلسلة من العلامات الاعتباطية، أي الخالية من أي معنى. ولكن إذا لم نتفضّل على نظرية الرموز والدلالات بالاعتبار فَلنُذكّر على الأقلّ ﺑ مارتن هيدغر الذي قال في كتاب «مدخل إلى الميتافيزيقيا» (Einführung in die Metaphysik) : «إنّ هذه الصورة المكتوبة هي أيضاً سلسلة من الأحرف، ولكنها لا تُقدّم لنا شيئاً للتفكير به. كلمة فارغة، هذا غير موجود.» في الحقيقة نحن نتكلّم عن الفنّ من دون أن نعرف عن أي شيء سنتكلّم، وما إذا كان لدينا تصوّر للشيء الذي نتحدّث عنه. إنّ الألسنيّة ونظرية الرموز والدلالات تطرحان مشاكل العلاقة (دالّ ـ مدلول ـ مَرجع الدلالة) ولكنهما لا تُنكران ضرورة تعريف المدلول. ومع ذلك لا أرغب بالتركيز على نظرية الرموز والدلالات واستعادة مشاهداتي السابقة بهذا الخصوص.
لنُوجِّه اهتمامنا إذن إلى قضية التعريف، وما أُسمّيه الذّهان الهذياني (paranoïa) للتعريف، أو بالأحرى اللاتعريف، وإلى شبح الجوهرانية (essentialisme). ولكن من الواجب أن نلاحظ مباشرةً أنّه حتى أولئك الذين يُنكرون إمكانية وضْع تعريف للفنّ، هم في الحقيقة يُنكرون إمكانية وضْع تعريف مطلق ونهائي (لكن بإمكاننا التساؤل عن أسس هذا الإنكار)؛ وعندما يتحدّثون عن الفنّ، الذي يواصلون الحديث عنه، فيجب عليهم تبنّي تعريف مؤقَّت، وعامّ، وخاصّ، وإحصائي إذا أردنا، ومهما كان الذي تبنّوه فهو تعريف للفنّ. هذه هي حالة مونرو (Th. Munro) مثلاً الذي، بإقراره بعدم إمكانية التطابق بين التعريفات المتعدّدة للفنّ، تبنّى تعريفاً توفيقيّاً من أجل أن يُواصل بحثه بخصوص العلاقة البينية بين مختلف الفنون. وكان على تاتاركييفيتش (Tatarkiewicz) أيضاً، الاستعانة بتعريف توفيقي نظراً لعدم إمكانية العثور على توليفة مُوحّدة للتعريفات العديدة المُقترَحة. ويُذكّر مورّيس فيتز (Morris Weitz) ﺑ «المَشابِه العائلية» (ressemblances familiales) لفيتجنشتاين (Wittgenstein)، ولكن لدينا هنا طريقة أخرى للتسوية، من دون الأخذ بالاعتبار أن فتجنشتاين صادَفَ، برأينا، قضية الكلّيات التي ما تزال مفتوحة للنقاش. ومن أجل اجتنابِ التباسات السؤال المطلق «ما هو الفنّ؟» ن. غودمان (N. Goodman) يقترح سؤال «متى يكون فنّاً؟»، ولكن هذا الحلّ يَرجع أيضاً إلى تعريف كلمة «فنّ». إنّ اقتراح ج. مارغولي (J. Margolis)، هو الأكثر مقبولية لأنّه الأكثر إشكالية، دائماً حسب رأيي، إنّه يُحلّل العمل الفنّي في السياق التاريخي.
من جهة أخرى، يجب علينا التذكير بأنه على مرّ التاريخ نجد ثلاث طرق لفهم حقيقة الفنّ. سأقولها بشكل مختصر: من العصر الكلاسيكي إلى العصر الحديث كان الفنّ هو التقنية، أي الإنتاج بحسب القواعد. بالطبع هناك تمييز بين الفنون الليبرالية والفنون العامّية أو السوقيّة (vulgares) التي سُمِّيَت في ما بعد فنوناً آليةً، حتى وإن لم يكن هناك توافق على نشأة الفئتين وعلى بنية كلّ منهما. ثم صار الجمال في القرن الثامن عشر يُميّز الفنّ بشكلٍ أدقّ: إنها الفنون الجميلة التي تتعارض مع الفنون الآلية، حتى وإن لم يتمّ إزالة مشكلة الألفيّة لتعريف الجمال. ومع ذلك، لم ينتهِ تاريخ الفنّ بل تعقّدَ بفعل الفلسفة الكلاسيكية الألمانية، حينما قدَّمَ الفنّ نفسَه كتجربة مباشرة ومعرفة حقيقية في مبدئها، وفي المطلق بشكلٍ أدقّ، ومعرفة جدلية المتناهي واللامتناهي... إلخ. وهكذا ينفتح تفكير جديد بالفنّ، بالفنّ كما هو عليه، بحدّ ذاته، بوصفه معرفة الواقع والعلاقة به في ذاته، والذي يتّخذ في كلّ مرّة سمات الواقع الذي يُفسّره ويختبره ويَعرِفه:إنّه الهوية مع شيلينغ، والإرادة مع شوبنهاور، والمطلق مع هيغيل.
من الضروري إذن تعريف الفنّ الذي نتكلم عنه، عندما نتحدّث عن الفنّ. بالتأكيد إنّ الطابع الأخلاقي للفنّ لا يتماهى مع الالتزام العملي والنظرية الأخلاقية، والسياسية والدينيّة للفنان.
لِنقلْ أولاً أن ما يهمّنا بشكل أساسي هو الفنّ كما هو عليه ولأجله بالذات. والواقع أننا نعتقد أن المشكلة الأساس هي العلاقة بينه وبين الأخلاق، لا علاقة الفنّ كتقنية، أو الفنّ الجميل، بالأخلاق. ونُضيف أن التفكير بالتجربة ولغز العالم، والنظرة إلى الهاوية، وفوضى الوجود، وآمال الفنّ وإخفاقاته وتقلّباته، كلّ ذلك يمكن اعتباره سِمة للفنّ، مُحاولين فهم معناه إذا كان هناك من معنى. لِنقلْ بشكل أدقّ أن الفنّ لا يُمثّل الفوضى، بل يُقدّم الفوضى. واستخدمنا فعل (يُقدّم) لأننا لم نجد فعلاً آخر يمكنه التعبير عن مفهوم الفعل (يُقدّم). في الحقيقة إنّ الفوضى لا يمكن أن تُقدَّم بوصفها أصلاً وتحوّلاً مستمراً وحركة، والتي يولَد العالم منها ويصدر في مستقبل غير منقطع. لِنقلْ إذن إنّ الفنّ يُقدّم الفوضى، ولكن بمعنىً خاصّ، المعنى الذي يُفيد بأنّ الفنّ يولَد وينتشر من دون أن يتخلّى عن فوضى العيون؛ لهذا تُقدَّم الفوضى في الفنّ، وعلى هذا الوجود المتعذّر تنبني النظرة إلى الحياة والعالم. أي التأويل والأيديولوجيا وأخلاق الفنّان، التي تمفصل ممارسته الأخلاقية، والاجتماعية، والسياسية. على هذا الأساس ينبني العمل الفنّي بدعوى التقنية واستخدام اللوازم الوظيفية للتعبير الفنّي. يمكننا التفكير مثلاً بسؤال إرنست بلوخ (Ernest Bloch) غير المَصُوغ. يقول بلوخ إنّ العالم هو السؤال الوحيد، الذي لا يتوقّف، بخصوص معناه. وبإمكاننا، إذن، التفكير بالفنّ بوصفه إجابة مستمرّة عن السؤال غير المَصوغ، أي السؤال الذي يسبق ويتقدّم على صياغة أي سؤال آخر.
يمكننا إذن، إزاء الفوضى والإرادة العمياء، والدّيونيسي (dionysiaque) والفشل والخيبة، والإعادة المتواصلة لطرح العالم والوجود للبحث، إثبات أن الفنّ يُقدّم نفسه كبحث عن كون ممكن، وعن نظام و/أو عادة فردية واجتماعية وسياسية. إنّ الفنّ يجب أن لا يُنظَرَ إليه إذن كفعل طوعي للوعي، ونيّة لخلق العمل الفنّي، وإنّما كقصدية تهدِف إلى التعبير عن الذات في العمل الفنّي، وإلى الاستمرار في الفعل العملي الأخلاقي الاجتماعي السياسي. وعندما نعترف انطلاقاً من هذا التفكير بوجود رغبة بعالم مختلف يمكننا القول إنه، بمعزل عن أيديولوجيا الفنّان وفكره وعمله، هناك في مصادر الفنّ قصدية ما قبل فئويّة ـ بالمعنى الهوسرلي ـ لتغيير العالم، وهذه القصدية تُشكّل الميزة الأخلاقية للفنّ؛ وبعبارةٍ أخرى فإنّ الفنّ لا يتماهى مع الأخلاق، ولكن بوصفه قصدية لتغيير العالم فهو يُعلن في حقيقته عن ميزته الأخلاقية ويؤسّس بالتالي علاقته مع الأخلاق. إنّ الخاصية الأخلاقية (Éthicité) هي إذن نوعية الفنّ، ولكنها لا تُشكّل جوهره.
هكذا نشرح العمل الفنّي في سياقه والفنّ في سياق الفعل، أي السياق الذي يجب أن يُنظر فيه إلى الفعل كممارسة وكروح الشعب ( thosê ) بالمعنى الأوسع للكلمة. ويمكن استعارة الكلمة اليونانية القديمة (êthos) على نحو شرعي للدلالة على السياق. وكلمة Êthos (روح الشعب) لا تعني فقط سِمة أو طبْع أو طبيعة من وجهة نظر فردية. والفردي يتداخل مع الاجتماعي والسياسي بالمعنى الأوسع للكلمة. وروح الشعب هي عادات وأعراف ومؤسّسات، ولكن الأعراف والمؤسّسات التي تَرْسخ في مقرّ ما: êthos تعني منزل، مَسْكن، بيت، مقرّ البشر والشعوب. والأخلاق ليست روح الشعب بالمعنى الكامل للكلمة. بهذا المعنى فالفنّ، كعملية معقّدة ينتقل من الفوضى إلى الكون، ومن الوقت الأخلاقي إلى الوقت الاجتماعي، يُقيم علاقة وثيقة مع الأخلاق، وينتمي إليها، إنّه أخلاقي. إنّ الفنّ كحقيقة اجتماعية يؤثّر دائماً في السياق الأخلاقي، الاجتماعي المؤَسّسي السياسي بشكل من الأشكال. إنّ الفنّ ليس في ما وراء العالم.
إن علاقة السياسة بالفنّ يجب أن تكون علاقةً بالفنّ كجانب من روح الشعب، أي العلاقة بالميزة الأخلاقية للفنّ بشكل أساسي. إنّ السياسة أو الجماعات الاجتماعية تَهدِف إلى تعزيز أخلاقٍ يجب أن لا تُخالف مصالحها في السيطرة والسلطة، وبالتالي ستُحقّق تلك الجماعات سياسة ثقافية مناسبة لحماية النظام القائم والسيطرة عليه، وإن مع تسامح قمعي.
Références
- Alighieri، Dante. 1990. La Divine Comédie. Le Paradis. Tr. J. Risset. Paris : Flammarion
- Benjamin، W. 1991. Über einige Motive bei Baudelaire (1939)، in Gesammelte Schriften. Frankfurt a.M. : Suhrkamp، Bd.I/2، pp. 605-653.
- Bürger، P. 1987. Theorie der Avantgarde. Frankfurt a.M.: Suhrkamp.
- Carter، Curtis L. (Ed.) 2009. Art and Social Change. “International Yearbook of Aesthetics”، vol.13.
- Diosono، F. 2007. Collegia. Le associazioni professionali nel mondo romano، Roma : Quasar.
- Goodman، N. 1978. Ways of worldmaking. Indianapolis-Cambridge: Hackett Pub.Co.
- Heidegger، M. 1958. Introduction à la métaphysique. Tr. G. Kahn. Paris : PUF.
- Le Goff، J. 1971. Travail، techniques et artisans dans le système de valeur du haut moyen âge (Ve-Xe siècles)، in Artigianato e tecnica nella società dell’alto medioevo occidentale. Spoleto: Centro italiano di studi sull’alto Medioevo، pp. 239-266.
Levinson، J. (ed.) 1998. Aesthetics and ethics. Essays at the intersection. Cambridge : Cambridge U.P.
- Munro، Th. 1951 (1949). The Arts and Their Interrelations. New York: The Liberal Arts Press.
- Russo، L. (ed.) 2010. Dopo l’Estetica. Palermo: Centro Int.Studi di Estetica
Talon-Hugon، C. 2009. Morales de l’art. Paris: PUF.
- Tatarkiewicz، W. 1979. History of Aesthetics. I: Ancient Aesthetics. Warszawa: PWN (1970). Trad.it.G.Cavaglià. Storia dell’estetica. L’estetica antica. Torino: Einaudi
- 1980. A History of Six Ideas. An Essay in Aesthetics. Warszawa: PWN; The Hague/Boston/London: M. Nijhoff.
- Vattimo، G. 1989. La società trasparente. Milano: Garzanti. - Weitz، M. 1956. The Role of Theory in Aesthetics. “JAAC” 15(1): pp. 27-35. - Zelle، Carsten. 2003. Schrecken/Schock، in Barck K.et al.(eds.)، Ästhetische Grundbegriffe. Stuttgart-Weimar: J.B. Metzler، Bd.5: pp. 436-446.
[1]*- غابرييل برسا: فيلسوف وأديب إيطالي، عضو الجمعية العالمية لعلم الجمال، والجمعية الإيطالية الأوروبية لعلم الجمال،
ـ العنوان الأصلي للمقال: Art – Éthique – Politique
ـ مصدر المقال: www.um.es/vmca/proceedings/docs/18.Gabriele-Bersa.pdf
ـ ترجمة عماد أيوب.