البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

من أجل أخلاق أممية، مناظرة بين الفيلسوفين هانس كونغ و بول ريكور

الباحث :  أدار المناظرة وقدمها : برونو شارميه
اسم المجلة :  الإستغراب
العدد :  4
السنة :  السنة الثانية - صيف 2016 م / 1437 هـ
تاريخ إضافة البحث :  July / 13 / 2016
عدد زيارات البحث :  1451
تحميل  ( 286.140 KB )
من أجل أخلاق أمميّة
مناظرة في فلسفة الأخلاق
بين هانس كونغ و بول ريكور

أدار المناظرة وقدّمها
برونو شارميه

كل الديانات الكبرى تبشّر بالمحبّة والسلام. من الشرق الأدنى إلى كشمير وأفريقيا والبوسنة. إنها تتحاور باسم الله كما يقول هانس كونغ اللاهوتي الكاثوليكيّ السويسريّ ومدير مؤسّسة الحوار المسكونيّ [1] للأبحاث في جامعة تيبنغن (ألمانيا). يضيف كونغ: يجب على اليهود، والمسيحيّين، والمسلمين، والبوذيّين والهندوس أن يصغوا إلى بعضهم البعض. ذلك يعني أنّ البحث عن قاعدة أخلاقيّة مشتركة هو أمر حيويّ بالنسبة إلى السلام الأممي وبقاء البشريّة. هانس كونغ هو من سعى لإقامة برلمان الأديان في العالم، الذي جمع نحو 8000 شخص في أيلول/ سبتمبر 1993 في شيكاغو، وصدر عن هذا الجمع يومها ما عُرف بـ «بيان من أجل أخلاقيّة عالميّة».
هذا ما سيكون مدار تناظر بين كونغ والفيلسوف الفرنسي البروتستانتي بول ريكور، الذي سيعرب عن خشيته أمام كونج من أن يقلِّص المشروعُ الأخلاقيُّ العالميُّ القناعاتِ الشخصيّةَ الحميمةَ والخاصّةَ بكلِّ ديانة.
تجدر الإشارة إلى أنّ هذه المناظرة كانت نظّمتها شبكة (ARTE) التلفزيونية وحظيت لحظة بثّها باهتمام استثنائي من جانب النخب الثقافية والجامعية في أوروبا. فقد أطلقت نقاشات عميقة حول موقعية الاختلاف في السياق الحضاري الغربي، و لا تزال تداعياتها تتفاعل بعد وفاة ريكور قبل سنوات خلت.
في ما يلي النص الكامل للمناظرة كما حرّرها وأدارها الكاتب الإعلامي الفرنسي برونو شارميه.
المحرّر

النص الكامل للمناظرة
بول ريكور:
يسعدني جداً ويشرفّني أن أتمكّن من مناقشة مشروع الأخلاقيّة العالميّة. لكنني أريد الحديث مباشرة عن الوضعيّة الذهنيّة التي تعتريني الآن: إنها تستند إلى حسّ المشاركة العميقة، الأمر الذي يجعلني أكثر حساسيّة أمام العوائق، حتّى إنّني لأقول بأنّ لديّ نوعاً من المقاومة الداخليّة نحو هذا المشروع. أنطلق مباشرة ممّا هو أكثر وضوحاً بالنسبة للجمهور العالميّ، وهي الزعم بأنّ الأديان هي التي تحثّ على الحروب، وأنّنا لا نزال على هذا الكوكب نقتل باسم الله. طبعاً لا يمكننا القول، نحن المسيحيّون، وأنتم الكاثوليك، وأنا البروتستانيّ، بأنّنا نجونا من ثقافة العنف، وبأنّنا استثناءات من هذا البؤس الكبير وهذا العنف الكبير. هنالك أيضاً في أوروبا أماكن نقتل فيها باسم الله. هل تعتقد أنّ بإمكان المسيحيّين، وأتباع الديانات الأخرى في الوقت نفسه، اجتياز هذا العائق؟
هانس كونج:
نعم، عزيزي بول ريكور، إنني سعيد جدّاً بوجودنا هنا في باريس لمناقشة هذه المسائل بشكل منفتح جدّاً. أنا لا أعتقد بوجود اختلافات حقيقيّة في وجهات النظر بيني وبينك لا سيّما إذا نظرنا إلى الصعوبات الملحوظة، والعوائق التي تواجه مثل هذا المشروع القائم على بناء أخلاقيّة عالميّة. ولكنّني أعتقد أنّه يجب بداية القول بأنّ الديانات ما زالت قادرة على الحثّ على الحروب، و أنّها قادرة على شرعنتها، وأحياناً على إثارتها. إنّه أمرٌ محزن، بالتأكيد. هذا يحدث في إيرلندا الشماليّة، وفي الشرق الأوسط، وفي يوغوسلافيا. بالإمكان تبنّي موقفين: أولاً أن نكون غير مهتمين.. ثانياً، وهذه وجهة نظري الشخصيّة، يمكن التأكيد على أنّه لن يكون هنالك سلام دائم بين الأمم، لا في إيرلندا الشماليّة ولا في يوغوسلافيا ولا في الشرق الأوسط، طالما ليس هنالك سلام بين الأديان. إنّ السلام بين الأديان هو واحد من العناصر المحدِّدة في سبيل التمكّن من الوصول إلى حد أدنى من السلام في هذه المناطق.
بول ريكور:
ولكن بالتحديد، ألا يجب التعرّف من جديد على الميل الموجود لدى العقيدة الدينيّة نحو العنف؟ فإذاً الثمن الواجب دفعه ضخم، بهذا المعنى، بالنسبة إلى كلّ مذهب. بالنسبة إلى مذهبنا خصوصاً؛ يجب إجراء نوع من النقد الذاتيّ. لابد أوّلاً من معرفة سبب هذا الميل نحو العنف في الدين نفسه وكيف يمكننا أن نتبرَّأ من هذا الميل، ويمكن القول أيضاً، لابد من تطهير داخل الدين نفسه.
هانس كونج:
نعم، هذا صحيح تماماً. غالباً نذكر الإسلام، كمثال. إنّ استخدام العنف ينبثق تماماً من الأديان، ولكنّي أعتقد أنّ هنالك أيضاً ديانات أخرى حيث يُستدعى العنف ربّما كي يلعب دوراً. نحن مسيحيّون، ونحن متعصّبون جدّاً، نحن عقائديّون. يوجد بين المسيحيّين الكثير من الأصوليّين ويحبّون جدّاً إرسال الكفّار إلى الجحيم. هنالك مَن كانوا يحبّون هنا شنّ حرب على أولئك الذين لا يؤمنون، وعلى اللا أدريّين[2]، وعلى الملحدين، وهذه الحرب كان بإمكانها أيضاً أن توصل إلى أعمال عنف. إذاً يجب على المرء أن يفكّر بدينه، وأعتقد أنّ كلّ سنّة دينيّة لها صفحات بيضاء وصفحات سوداء في تاريخها. في الكتاب المقدّس لدى اليهود، هنالك حروب شُنّت باسم الله، لكن هذه الحروب هي حروب غاشمة جدّاً. هنالك أيضاً، في العهد الجديد، قصصٌ رُويت في موضوع أولئك الذين لا يؤمنون، قصص سلبيّة جدّاً.. الكفّار ملعونون. في الأديان يوجد مثل هذه التعابير. يجب أن ننتقد.
بول ريكور:
أنا أعتقد من جهة أخرى أنّ النقد الذاتيّ يجب أن ينطلق من عمق الاعتقاد الراسخ بوجود خطر العنف.
هانس كونج:
أتصوّر أنّ الديانات التوحيديّة، والديانات الرسوليّة، التي لا يزال لديها ميلٌ لتكون متعصّبة، هي عدوانيّة أكثر. على سبيل المثال، الهندوسيّة تدمج أو تمتصّ أكثر. أعتقد أيضاً أنّ البوذيّة هي أكثر تساهلاً، ولكن هذه حقيقة، في كلّ الأديان هناك صراعات: هنالك صراعات في كشمير بين المسلمين والهندوس، هنالك صراعات بين السيخ والهندوس، هنالك صراعات في سريلانكا، بين البوذيّين، والسنهاليّون الذين هم بوذيّون والتاميل الذين هم هندوس. يقول ممثّلو الأديان غالباً: نعم، ولكن أنتم تعلمون، لا علاقة لذلك بالدين. ولكن هذا خطأ. ألا تعتقد أنّه مرتبط بالدين.
بول ريكور:
هذا ما يجب علينا قوله بقوّة، لأنّ قولنا: إنّهم يستغلّون الدين من أجل...إلخ، سيكون هروباً سهلاً. من خلال ارتباط الأديان نفسها برسالتها العميقة بقول خطاب يتجاوزها، في هذه الرسالة حتى نشر الخطاب الذي يتخطّاها، يمكن أن يكون فيه ادعاء بالسيطرة على الآخرين، والفرض بالقوّة.كيف نطهّر هذا الاعتقاد بقوة خطابٍ، سابقٍ زمنيّاً، من الميل إلى فرضه بالعنف؟ إنّها بالنسبة لي مشكلة التطهير الذاتيّ، التطهير الداخليّ للأديان. سؤالي هو هذا: كيف يمكنني أن أعرف أنّ هنالك شيئاً لم يُقَل في ديانتي ويمكن أن يُقال في أخرى؟ إنّها مشكلة النسبويّة. قدّمتُ مقارنة، قلتُ أنّ الإرث الدينيّ هو مثل لغة نشأنا فيها، وهذه اللغة، بالتأكيد، نتكلّمها مع معرفتنا بلغات أخرى، ولكن بالتحديد ما قيل في اللغات الأخرى هو لغة غريبة. إذاً كيف نتلقّى، كما في تدريبٍ على الترجمة، نوعاً ما، رسالةَ الآخرين، بنوعٍ من الاستضافة اللغويّة، هذه حقيقة الآخرين التي لا يمكن أن تقال في لغتي؟
هانس كونج:
أعتقد أنّني إذا كنت واثقاً من نفسي، وإذا لم أكن خائفاً من الحقيقة، وإذا كنت متجذِّراً تماماً بإيماني، فسأكون إذن مستعدّاً أيضاً للإنفتاح على الآخرين وتقديرهم. في الواقع أجريت حوارات عدّة، مع مسلمين، ويهود، ومع رجال يتحدّرون من كلّ الاتجاهات الدينيّة، لاحظت دائماً أنّني عندما كنت أقول بصراحة أنّني ذهبت إليهم كمسيحيٍّ مقتنع بدينه، ولكنّي أريد أن أحاول فهمهم بشكل أفضل، تكون انطلاقتنا جيّدة. في الواقع، غالباً ما يكون أولئك الناس أكثر عدائيّة في ما يخصّ الدين، ذلك لأنهم ليسوا واثقين جدّاً من إيمانهم. لدينا الكثير من البروتستانت الأصوليّين الذين أصبحوا فجأة متوتّرين بمجرّد أن نقول لهم كلمة واحدة. في تلك اللحظة، يشعرون أنّهم مهدّدون في عقيدتهم. ولكني لا أشعر أبداً أنّني مهدّد في عقيدتي، وبإمكاني تماماً مناقشة اليهوديّ المتجذّر أيضاً في دينه، والمسلم المتجذِّر في إيمانه.
بول ريكور:
ولكن هذا يفترض مستوًى رفيعاً من الثقافة، لأنّه يجب العيش، إذا أمكنني القول، على مستويين معاً: مستوى القناعة الشخصيّة حيث أعتقد شخصيّاً مثلك، أنّه يوجد في رسالة المسيحيّة التي تنصّ على التجسّد والصليب والبعث والنشور، شيء مميِّز تماماً. ثانياً: في الوقت نفسه، ومع تمسّكي القويّ بهذه الرسالة المحدّدة، يمكنني التأكيد على وجود شيء ما أساسيّ أكثر، ربّما قيل هناك ولكنّه لم يُقل بشكل كامل، وأنّ هذا الشيء الأساسيّ يدور بشكل ما بين المتحاورين. نحن هنا سنأتي إلى الجانب الأخلاقيّ لهذا الشيء الأساسيّ الذي هو ربّما أخلاقيّ، بطريقة ما. كيف يكون العيش في مستويين من قناعتي في الوقت نفسه، كيف يكون الفهم بأنّ هنالك خلفيّة، خلفيّة عميقة لم يُعبّر عنها، وأنا أظنّ أنّ بضع لحظات من تلك اللقاءات، كانت متألّقة مع الآخرين: مثلاً الرحمة البوذيّة. البوذيّة، كما تقول في كتابك، حازمة جدّاً في هذا الشأن: لا نتكلّم عن إله شخصيّ، ولكنّنا نتكلّم عن الرحمة. هل يمكنني القول، إلى حدّ ما على هوامش رسالتي، بأنّ هنالك شيئاً يجب أن تعزّزه رسالة الآخر؟ على سبيل المثال، العظة على الجبل[3]، مع هذا العنصر من اللاّمبالاة الذي من الصعب جدّاً القيام به في الحياة اليوميّة، هذه اللامبالاة ربّما تمّ التعبير عنها بمزيد من القوة في الرحمة البوذيّة.
هانس كونج:
إنّها بالفعل مسألة صعبة. أعتقد أنّه يمكننا إدراك مستويين من الإجابة. من جهة، هنالك أسئلة مرتبطة بشكل خاص بالإيمان، بالعقيدة، بالنظريّات الخاصّة جدّاً، ومن جهة أخرى، ثمّة مستوى ممارسة التصرف الواقعيّ، مع أسئلة مثل: كيف أتموضع أمام قريبي؟ إنّهما سؤالان مختلفان. أنا نفسي، بدأت الحوار بالأسئلة التي تلامس الإيمان، وهذا صحيح، يجب القيام بمحاولات للتحدّث مع الآخرين. ندرك إذن أنّ هنالك أوجهاً من التقارب. مثلاً مع البوذيّة. هذه الأخيرة ترفض مفهوم الله، ولكن لديها في الوقت نفسه تصوّرٌ للحقيقة الأخيرة، تصوّر لـ النيرفانا[4] المرتبطة بشكل كبير بما نسمعه من الله، مبدأ الـ Damakaïa. سيكون من الصعب الآن الدخول في التفاصيل، ولكن في المسائل الاعتقاديّة أظنّ أنّ هنالك أيضاً تقارباً يمكن أن نعمل على تشجيعه. مع ذلك، هذا ليس سوى جانب من الإجابة، لأنّه وبناءً على تجربتي، في ذلك الحوار، من الأسهل الكلام عن التصرّف الملموس، عن الوصيّة. أنت لو التقيت ببوذيٍّ وطرحت عليه السؤال: هل تنطبق عليكم أيضاً وصايا «لا تكذب، لا تقتل، لا تسرق»، سيقول لك البوذيّ: نعم، هذه قناعتنا أيضاً. في الحوار، رأيت أنّ هنالك بعض الخطوط الموجِّهة موجودة لدينا نحن المسيحيّين، هي موجودة أيضاً لدى اليهود في الوصايا العشر، ونجد هذه الوصايا الأخلاقيّة أيضاً في القرآن، بل وفي الديانات الأسيويّة. الأمر يتعلّق بماذا؟ يجب غضّ النظر عن فكرة أنّ هنالك خلاف كبير في وجهات النظر في المجال النظريّ للإيمان أو العقيدة. يجب أن تقودنا القناعة بأنّنا: يجب أن نعيش معاً، وأن نفكّر بكلّ التجارب التي نعيشها في واقعنا. إننا، جميعاً، نعرف أشخاصاً من غير ديانتنا، ونعتقد أننا قادرون على التحاور معهم على أكمل وجه، حتى أفضل ممّا لو حاورنا إنساناً رجعيّاً من ديننا.
بول ريكور:
من جهتي أرى صعوبة في ذلك.. يمكنني أن أقول لكم الآن من الجيّد أن نضع مضمون دياناتنا التي نسمّيها عقائديّة، بين قوسين، ثمّ ننطلق إلى الكلام حول ما هو مشترك لدينا. لكنّنا مع ذلك لن نتوصّل إلى نوع من الأخلاقيّة المشتركة التي يمكنها أن تتجاوز بشكل تام الدعم والإطار الدينيّ واللاهوتيّ، وما يجعل لوصايا مثل «لا تقتل، لا تكذب»، كلّ هذا الاحترام العميق الذي يكنّه شخص لشخص آخر، لكرامته، متجذّراً كلّ مرّة في اعتقاد دينيّ خاصّ. إنّها عقدة الديني والأخلاقي التي هي القضيّة المطروحة هنا. بالنسبة إلى المسيحيّ، فإنّ القول «لا تقتل»، يعني الاعتراف بشكل أساسيّ بخصوصيّة تضحية المسيح لأنّه هو الضحيّة بحقّ.
أفكّر بكلمةٍ لباسكال: «لأجلها، أسلت دمي كله». هذه مقولة مسيحية تعني في اللغة المسيحيّة: «أن لا تقتل». إذاً، هل ينبغي علينا أن نضع بشكل ما بين قوسين الدعمَ والتصاحب وإن أمكنني القول، الطاقة المكوّنة لما هو دينيّ، وإن فكّكناه، ألا نبقى مع نوع من الأخلاقيّة الفقيرة؟
هانس كونج:
نعم، ألا تعتقد أنّ اليهوديّ الذي لا يؤمن بعيسى المسيح يمكنه أن يقول ذلك أيضاً. نحن لدينا هذه الوصيّة «لا تقتل»، نحن أخذناها من الديانة اليهوديّة. لأنّ «لا تغتال»، فعليّاً، يمكن أن يقولها اليهوديّ أيضاً، كذلك المسلم يقبلها. لا يمكن أن نغتال بريئاً. هذه القواعد ليست مجرّد قواعد مسيحيّة استُمدّت من عظة الجبل، أو من كلام المسيح. سأذهب إلى أبعد من ذلك: أنت أيضاً معجب بـ الأنوار (فلسفة الأنوار)، وفي العالم الكاثوليكيّ انتقدوك بهذا العنوان. اللا أدري والملحد، بإمكانهما تماماً أن يجعلا هذه الأشكال من الأخلاقيّة الإنسانيّة، خلقهم الإنسانيّ الخاصّ. أعتقد أنّه يجب التمييز، بين المعيار بما هو عليه، أي وصيّة «لا تقتل» من جهة، وبين المنطق الذي أسس هذه الوصيّة من جهة أخرى. يمكن للمسيحيّ أن يُسند هذا إلى العهد الجديد، واليهوديّ يسنده إلى التوراة، والمسلم إلى القرآن. ثمّ اللا أدريّ الذي يعيش في بولندا، مثلاً، ولديه ماضٍ من ثقافة نظام الحزب الواحد، أو شخص ما كان في ـRDA [جمهوريّة ألمانيا الديمقراطيّة] القديمة، يمكنهما أن يحفِّزا هذا الأمر بطريقة إنسانيّة بحتة. إذاً يجب التمييز من جهة بين القول، الوصيّة، المعيار، ومن جهة أخرى بين أساس هذا المعيار.
بول ريكور:
في هذه الحالة، إنّ مشروع البيان (بيان من أجل أخلاقية عالمية) نفسه يستند بشكل دقيق إلى نقاط الالتقاء هذه، لكنّها لن تكون مجرّدة تماماً من قوّة الممارسة. وأستخدم أيضاً كلمة أخرى، وهي نوعٍ من الموافقة الأساسيّة التي سيجدها كلُّ صاحب اعتقاد من كلّ طائفة في البنية العميقة لديانته؟ أنا أفهم أنّك، أنّك ستصل إلى هذا التأكيد: "لا تقتل، لا تكذب"، مؤطّر بشكل محدّد، وسأقول معزِّزاً بالقناعة بأنّه ليس كلاماً نحن ابتدعناه، ولكنّه كلام عُهِد إلينا لأنّه جاءنا من البعيد.
هانس كونج:
يجب أن نتمكّن من العيش معاً، وهذا المطلب لا يتعلّق فقط بالوصيّة: "لا تقتل". أريد الحديث هنا عن بياننا "بيان من أجل أخلاقيّة عالميّة". إنّه انبثق عن برلمان أديان العالم، الذي انعقد في شيكاغو 1993. كان هناك ممثّلون عن كلّ الأديان في العالم. كلّ هؤلاء الناس يمكنهم التحاور. هذه الوثيقة التي تتلى من أجل أخلاقيّة عالميّة، وقّعها الديلاي لاما الذي على الرغم من ذلك لا يعترف بالله، ووقّعها أسقف شيكاغو، والحاخامات، والمثقّفون المسلمون وكلّ هؤلاء الأشخاص الذين لديهم تطلّعات أخلاقية متعالية ليست حوافز الشخص البشري هي التي تهمّني كثيراً، ولكن يهمّني أن يكون الناس قادرين على القبول بالعيش معاً، ذلك لأنّ الأُسس التي طُرحت هنا لا تزال أوّليّة. كلّ شخص إنسانيّ ـ هذا المبدأ الأوّل ـ يجب أن يُعامل بطريقة إنسانيّة. أما المبدأ الثاني فيكمن في الوصيّة التالية «عامل الناس كما تحبّ أن يعاملوك». هذا المبدأ كان موجوداً من قبل لدى كونفوشيوس قبل الميلاد بخمس مائة سنة، وكذلك لدى هلل الزقان اليهوديّ الذي عاش قبل المسيح بعدّة عقود. ولأنني مسيحيٌّ، أنا مقتنع تماماً بأنّ القاعدة الذهبيّة ربّما لا تزال مثبتة بالنسبة لي طالما أعتمد على المسيح الذي كان لديه التزامٌ مختلف جدّاً بهذه الوصيّة حتّى مماته، ولكن لا يمكنني توقّع أن يفهمه اليهوديّ هكذا ولا المسلم، لأنّهما يرونه بطريقة أخرى. ولكن مع ذلك هنالك القاعدة الذهبيّة الثابتة.
بول ريكور:
على أمل أن لا يكون هذا البيان مجرَّداً. ليس بمعنى أن يكون معقولاً، ولكن أن يكون منفصلاً عن عمق القناعات، ألن نتوصّل إلى نوع من البيان السهل، الذي يتمثّل في القول: نحن قرّرنا أن لا نحسب حساباً لما يفرّقنا. المسألة ربّما هي في فهم ما يفرّقنا، بالتوصّل، من خلال العمل على أنفسنا، إلى القول: يمكن الوصول إلى هذه القاعدة انطلاقاً في الأساس من وجهة نظر أخرى ومن تأصّل آخر. أعود إلى عبارة الأساس، إلى هذا النوع من الفائض الموجود في هذه القناعة، إلى الشيء الذي أظنّ أنّه لا يمكن أن يوضع في بيان. أنت أحياناً تستخدم في كتابك عبارة «الحقيقة الأساسيّة». إنّ الكلمة مجرّدة للغاية، بل هي من الفلسفة، ليست أبداً من الدين، إنّها مجرّدة بالمعنى السيء للكلمة، بالمعنى المفاهيميّ العقلانيّ. ألا ينبغي وضعها في الديناميّة العميقة للقناعة من أجل أن تُحدِث قوّتها الدافعة، وقوّة استحسانها، مع إحساسي في الآن عينه بأولويّة الخطاب، وعلوّه عن الخطاب الذي يقودني، أي ذاك الذي يصنع ما أقوله. أعود إلى سؤالي: أفلا تبدو المسألة أكثر من تجميع القناعات المعنويّة المشتركة، وإرشاد طريق كلّ ديانة نحو هذا العمق المشترك؟
هانس كونج:
هذا هو الشرط. إذا كان لديك ثمانية آلاف شخص جاؤوا إلى شيكاغو، جاؤوا من كلّ الأديان، فهم يعرفون مسبقاً خلافاتهم، وهذا واضح أصلاً في ملابسهم، وتصرّفاتهم، وفي مختلف الجوانب. الخلاف هو أمر واقعيّ. نحن ندرك ذلك، نحن مختلفون. اليهوديّ يعلم أنّه مختلف عن المسيحيّ، والمسيحيّ يدرك أنّه مختلف عن اليهوديّ. نقبل بذلك كنقطة بداية. يجب على الجميع، من اليهود والمسيحيّين أن يكونوا قادرين على التعايش. يجب ألّا نتكلّم بطريقة متواصلة عن خلافاتنا. ينبغي النجاح في التحاور والاتفاق على بعض النقاط الأساسيّة. أحياناً نجد أنفسنا متفقين تماماً مع اليهوديّ الذي يفكّر مثلي، أو المثقّف المسلم. أعتقد أنّه من المهم جدّاً أن نلاحظ أنّنا إذا أردنا السلام، مثلاً، في يوغوسلافيا، في فلسطين، يجب أيضاً أن يكون السلام في النفوس وليس فقط لدى أصحاب القرار السياسيّ الذين وقّعوا معاهدتهم، لأنّ المسألة ليست مسألة سلام بين الشعوب فقط، يجب أن يكون السلام في النفوس وفي القلوب. ولكي يكون كذلك يجب أن يتوفَّر هنالك الحدّ الأدنى من قواعد الحياة المشتركة. إنّ بياننا ليس مجرّداً أبداً، إنّه عمليّ. إذا كنت تستند، مثلاً على ما قيل فيه حول الالتزام بنبذ العنف، أكان في سراييفو أوالقدس، فالموقف يكون كل مرّة مختلفاً. ألا ينبغي على الأديان المختلفة وممثّليهم المشاركة؟ لماذا قليلاً ما نصغي إلى الأساقفة الكرواتيّين والمطارنة الأرثوذكس الذين سلَّطوا الضوء على هذه النقاط المشتركة؟ ينطبق ذلك أيضاً على الآخرين. لماذا قليلاً ما نصغي إلى المسلمين، وممثّلي اليهود والسلطات المسيحيّة في القدس؟ الأديان مدعوّة إلى جعل مبادئها الخاصّة التي غالباً ما تكون مبادئ مشتركة في ما يخصّ الأخلاق، على رأس أولويّاتها.
بول ريكور:
هل توافق إذاً على القول بأنّه يجب علينا العمل معاً على عدّة مستويات؟ الإعلان الشعبيّ أو، فعليّاً، يجب إبعاد الأشخاص عن قناعاتهم الضيّقة وأساسيّاتهم التي تجعلهم يقولون: أنا أعيش في طائفتي قناعةً ما، هي معادية لكلّ شيءٍ آخر، إلخ. ولكن أيضاً، نحن المثقّفون، وفي طوائفنا الخاصّة، نتوجّه إلى زملائنا الماثلين لنا، والذين هم من النوعيّة نفسها والتنشئة نفسها. المستوى الثاني: في الإسلام، وفي الديانات الأخرى، علينا القيام بهذا العمل الدؤوب لردم الهوّة بين التعبير الأسهل لهذه الوصايا، بين الصعوبات القصوى بالعيش في عمق القناعات. بإمكاننا القيام بحوار جيّد جدّاً حول اللاعنف لأنّ من المؤكّد أنّ نبذ العنف ليس مدرجاً بالطريقة نفسها في البوذيّة وفي مختلف الديانات التوحيديّة. أنت نفسك لاحظت في هذا البيان، أنّ هنالك صعوبة كبيرة حتّى في إيجاد مفردات مشتركة. بإمكاننا الاتفاق ضدّ القتل، ولكن تبقى مسألة إنقاذ الشخص من الخطر، وواجب خدمة وطنه الخاص عندما يتعرّض للهجوم. هذه إذاً قضايا حدوديّة في غاية الصعوبة. أقول: يجب شرح الصعوبة أكثر من شرح السهولة. أكرّر بطيبة خاطر عبارة كارل جاسبار، «مبارزة وديّة» وليس نوعاً من التوافق السهل. يجب أن نجعل هذا البيان صعباً، هذا هو الثمن الواجب دفعه في سبيل عقيدة هذا البيان المشترك.
هانس كونج:
في البداية، لا يجب دفع ثمن خاص إذا كان لدينا قواعد نتّفق عليها. اليوم، لا يمكن العيش في مدرسة من دون قاعدة مشتركة. في فرنسا وألمانيا وسويسرا، في بعض المدارس ثمّة 50 ٪ من الأطفال من المسلمين. كيف يجب عليهم إلى جانب الأطفال الآخرين أن يتعايشوا معاً؟ على هذا المستوى، يجب أن يكون هنالك نوع من التوافق. نحن نتوافق في ألمانيا. يوجد لدينا في هذا الوقت، مثلاً، عرف وتوافق بين المدارس والمعلِّمين حول فكرة: «كيف يمكنكم تعليم هذه القواعد للتلاميذ بشكل أفضل؟» لدينا اليوم نسبة أكبر من المراهقين القتلة. مؤخّراً، في ليفربول، قتل طفلان بسن العاشرة طفلاً لا يتجاوز السنتين من عمره. مع ذلك من الواجب عاجلاً أم آجلاً أن نعلِّم الأطفال: «لا تقتل»، وإن لم تمنع الأديانُ، وإن لم يكن هنالك أحد لينقل هذه المعايير الحياتيّة الكبيرة، فليس من المستغرب أن ترتفع نسبة ارتكاب الجريمة لا سيّما بين الشباب. في الولايات المتحدة، هناك نحو خمسة آلاف مراهق يُقتلون بالرصاص سنويّاً. المسألة التي يجب مواجهتها هي حقاً مسألة لا يمكن تصديقها. هذا ما نقوم به نحن المثقّفون، كلانا نكتب كتباً كبيرة، هذا جيّد، ولكن في الممارسة، أعتقد أنّ هنالك مهام أكثر أهميّة. أدرك أنّ هذا البيان كان موضع نقاش في سراييفو بغية تكوين قاعدة لمعرفة كيف يمكن للمسلمين واليهود والمسيحيّين التعاون. بالتأكيد، من وجهة نظر المثقّف، هذا متواضع جدّاً، ولكن في الوقت نفسه، إنّ الاتفاق على مسألة أنّه من غير الممكن سرقة أيّ شيء، والكثير من الجوانب التي تشكّل التفاصيل الملموسة، يشكّل تقدّماً. هنالك التوجيه: «لا تقتل»، ولكن ليس هنالك من توجيه غيره. المسألة تتعلّق برأيي بهذه المشاكل الملموسة يوميّاً، على هذا المستوى. ثمّ، هنالك مستوًى آخر، مستوى المثقّفين، نحن نقوم بذلك، نحن نتناقش معاً، أنا وأنت، وهنا نحتاج لنمط آخر من العمل.
بول ريكور:
نعم، هذا شيء آخر، ولكنّه شيء ضروريّ، إذا كان يجب علينا على وجه التحديد أخذ المسألة الدينيّة بجدّيّة. أعود إلى المقارنة مع اللغة التي أشرت إليها منذ قليل. إنّ عدم وجود اللغة في أيّ مكانٍ كلغةٍ عالميّة ووجود عدّة لغات هو أمرٌ مستغرب جدّاً ومثير للقلق أيضاً. المشكلة تكمن إذاً في «تعدّديّة اللغات». ينبغي العيش في هذه التعدّديّة اللغوية. انظر إلى فشل الإسبرانتو[5]. لا يمكن التحدّث بالإسبرانتو. نحن لا يمكننا أيضاً البقاء في دائرة علم الاجتماع المقارن للأديان، وأن نقول بشكل ما: أنا أنظر إلى الأديان من الأعلى، أنا فوق الجميع، وأنا أرى أنّ هناك وشيئاً ما من التشابه هنا، شيئاً ما من التشابه هناك. إنّ مشكلة فهم ما قيل في لغة أخرى ولم يُقَل في لغتي الخاصّة، يكمن في طيّات التاريخ نفسه، كما في داخل اللغة نفسها. إنّه عملٌ شديد الصعوبة. في هذا الصدد، كنتُ قد استخدمت منذ قليل عبارة «الاستضافة اللغويّة». أليس هذا العمل ينطوي على روح مسكونيّة كبيرة، وكنوع من استضافة العقيدة.. حيث يتمّ التعرّف ليس فقط على التعبير المشترك في الأخلاق، ولكن أيضاً على اختلاف الطرق للوصول إلى هذه الأخلاق انطلاقاً من عمق العقيدة التي هي أكثر من أخلاق؟
هانس كونج:
بإمكاني بسهولة متابعة محادثتنا بالفرنسيّة أو بالألمانيّة. بإمكاني إذاً التحدّث كمسيحيّ، ولكن، إذا اقتضت الضرورة، بإمكاني أيضاً التحدّث، في حالات كثيرة، كمسلم، ولكن ليس بالشكل الجيّد الذي يتحدّث هو فيه. لست أدري أيضاً، تماماً كالفرنسيّ مثل بول ريكور، ولكنّي أستطيع مع ذلك أن أفهمك. يمكنني أن أقدّم لك شهادة تربويّة تماماً بهذا المعنى: في أثناء مؤتمر، هاجم فيه لاهوتيٌّ مسيحيٌّ رجلاً مسلماً، لم يدافع هذا الأخير عن نفسه. طرحت عليه في ما بعد السؤال: لماذا لم تدافع عن نفسك؟ أجابني: كنت أعلم أنك أنت ستقوم بالدفاع عنّا، وهذا أفضل بكثير، إذا أنت المسيحيّ دافعت عنّا. إذاً، علينا أن نتعلّم التفكير بلغة الآخر. هذا لا ينطبق فقط على الفرنسيّ والألمانيّ، إنّه ينطبق أيضاً على المسيحيّين واليهود والمسلمين، والآخرين كذلك. هكذا نحصل بهدوء على بداية للتفاهم. أنا مع ذلك متفق معك، لا ينبغي علينا الوصول إلى قمّةٍ بواسطة الهليكوبتر، أريد القول إلى قمّة اللاهوت، ونُجري مقارناتنا هناك في الأعلى، لأنّ الشخص لا يملك رؤيةَ المجموعة.
بول ريكور:
أنت موافق تماماً على أنّه لا يوجد مكانٌ مشْرِفٌ نرى منه الصعوبات...
هانس كونج:
متفق تماماً.
بول ريكور:
سيكون اقتراحي أن أقول بأنّنا علينا، على كلٍّ منّا، القيام بالعمل التالي: لا يمكننا البقاء، بشكلٍ ما، على سطح المعتقدات، والتعابير الشعبيّة، وغيرها، حيث المسافات كبيرة، يجب على كل واحد العمل في العمق، بشكل يقصِّر فيه المسافة. والآن سيكون سؤالي هو التالي: ألا نلامس شيئاً لم يُقَل بعد.. وبالتالي لم يُعلن في كلّ الديانات، ليكون كالعمق الغامض للأساسيّ الذي لا يمرُّ تماماً في اللغة، تحديداً؟ بعيداً عن البيان المشترك، نحن نتوصّل تقريباً إلى صمتٍ مشترك حول ما لا يمكن أن يقال. إنّ هذا الصمت العميق المشترك، هو الذي يجمعنا أكثر من بيانٍ حول مبادئ لأخلاق يمكن دائماً أن نقول بأنّها ليست بحاجة إلى أساس دينيّ.
هانس كونج:
من ناحيتي لا أرى تناقضاً بين ما أقول وما تقول. بالتأكيد، المسيحيّ يدرك أنّه لن يفهم اللهَ. يصل إلى حدٍّ تتوقّف اللغة، حيث لا مفاهيم ضروريّة، وحيث الخيال لا يحمل لنا شيئاً أكثر. حتّى أفضل لاهوتيّ، لا يمكنه كشف السرّ الإلهيّ. بالإمكان بهذا المعنى إعادة نشر الاستشهادات الشهيرة للراهب توماس الأكويني، وللاهوتيّين أمثاله. أعتقد أنّ الأمر يتعلّق هنا بعنصر مشترك. البوذيّ سيقول أيضاً: الحقيقة النهائيّة، لا يمكننا فهمها. لا يمكننا سوى أن نعيشها، بشكلٍ ما. هذا مستوًى توفّره كلّ الديانات. إذا أصدرنا مثل هذا الببيان، لا نتكلّم عن الحقيقة النهائيّة إلّا في الهامش، وهذا يجدر ذكره ببساطة، ولكنّ هذا البيان لا يذهب أكثر من ذلك. في الواقع، الأمر يتعلّق ببساطة، بمعرفة كيف يمكن للمسيحيّين والمسلمين والبوذيّين أن يتعايشوا معاً. وهذا، سؤال لا يتعلّق بمفهومنا للسرّ.
بول ريكور
إنّ ما يمكن أن نسجّله في البيان المشترك، هو هذه الدعوة لكلّ شخص حتى يتوجّه للبحث في أعمق أعماق تقاليده ليعثر عمّا يضمّه بشكل خفيّ، ولكن إلى درجةٍ لا يتحكّم بها أحد بشكل دقيق. هذا يبدو لي أساسيّاً، لنعُد إلى نقطة البداية المتعلّقة بمسألة العنف. كيف نهزم الجنوح نحو العنف عن قناعة دينيّة، وإلّا فالذهاب إلى العمق الذي لا يمكن أن يسيطر على نفسه، العمق الذي لا يمكن وضعه في شكل عقائديّ، وهو بشكل ما، المتحكّم عن بُعد، بنقطة مظلمة، بإضاءة النقطة المظلمة. أنا أعترف أنّ نقطة الضوء يجب أن تكون نفسها في مكان آخر، ولكنّني لا أعرف كيف. يجب أن نجد، في النقطة القصوى للخلاف، نقطةَ الصمت، ونقطة الجمع التي لا تكون أبداً في المستوى اللفظيّ للبيان. إنّ ما سيتمّ تحقيقه من الصلاة لن يكون من خلال صلاةٍ للطلب، بالطبع، ولكن من خلال صلاة الاعتراف بالفضل، من وجهة النظر المسيحيّة، ومن خلال التأمّل لدى اليهود، ولكن لدى البوذيّين هو في بيت الدراسة من خلال العمل على التنوير، وبالتحديد، وفقاً لأنموذج المتنوّر الأوّل، بوذا.
هانس كونج:
في هذا البيان، قيل في النهاية: «نحن ندافع عن تطوّر الوعي الفرديّ والجماعيّ، من أجل بعث قوانا الروحيّة، من خلال التفكير والتأمّل والصلاة والفكر الإيجابيّ، في سبيل عودة القلوب إلى ذواتها». نحن نعتقد أنّ عودة القلوب هذه إلى ذواتها ضروريّة. لكنّنا بحاجة إلى أكثر من «صمت» بسيط، بحاجة أيضاً لتطوّر عميق في الوعي لكي تصبح القضايا الأخلاقيّة مفهومة من جديد. رأينا ذلك في ثلاثة مجالات حيث عرفنا تطوّراً عميقاً جدّاً. أنت، وأنا، وجميع المشاهدين يدركون، نحن ليس لدينا الرأي نفسه بالنسبة إلى الحرب والسلام كما كنّا منذ عشرين أو ثلاثين سنة. ليس لدينا التصوّر نفسه في ما يتعلّق بالاقتصاد وعلم البيئة كما منذ عشرين أو ثلاثين سنة، ليس لدينا الرؤية نفسها حول العلاقات بين الرجل والمرأة كما منذ عشرين أو ثلاثين سنة. وإذا شهدنا في هذه المجالات الثلاثة تطوّراً في الوعي، فهذا يجب أن يكون أيضاً ممكناً بالنسبة للقضايا الأخرى المرتبطة بها، كالأخلاق.
بول ريكور:
الأمر المهم هو أنّ كلّ واحد يكتشف أن ما يدفعه لهذا الاحترام للحياة، وللكلام وللجنس وللعدالة الاجتماعيّة، يأتي من نقطةٍ ليست بالتحديد بمستوى هذه البيانات الأخلاقيّة نفسها. يجب التطرّق إلى مسألة لم نطرحها بعد: ما الذي جعل كلّ هذه الديانات ديانات، وإلّا كلّ مرّة يقال شيء انطلاقاً من مكانٍ لا أشغلُهُ، ومن هذا المكان الذي لا أشغله حيث الخوف من إلقاء هذه الخطب الأخلاقيّة المشتركة. ولكن في الوقت نفسه سبب إلقاء هذه الخطب لا ينتمي إليّ، أنا أفهم أنّ الآخر يصل إليه من طريق آخر؛ هذا الأساسيّ لا يدور إلّا انطلاقاً من أنّ الواحد والآخر يسيطران. هنا يكمن عمق لاعنفيّة الدين. أنت تفهم جيّداً، إذا أصرّيتُ خلال هذا الحوار على الأساس الخلفيّ، العميق، فهذا ليس هرباً، ولكن من أجل إيجاد أسباب قويّة لمحاربة الميل إلى التطرّف وكلّ ما هو مرجّح لأن يكون مصدراً للعنف، لإيجاد، نوع، الدافع لنبذ العنف في قناعتي الشخصيّة، يجب إذاً أن أجد في عمق قناعتي ما يجعلني أدين وأحطم عزم العنف في القناعة، كي أعثر في عمق قناعتي على ما لا يمكنني التحكم به والسيطرة عليه. أقول بشكل آخر، لستُ سيّد المعنى. أعتقد بأنّه يجب كلّ مرّة أن أتذكّر هذا الأمر في اللحظة التي أعتقد فيها بأنّني حامل رسالة. ليس فقط أن هذه الرسالة تتخطّاني، ولكن أيضاً تجرّدني من السلاح. وبمقدار ما تجرّدني من السلاح يمكنني التوجّه إلى الآخر على أمل أن يسلك الطريق نفسه.
أفكّر بشكل خاص بالإسلام. أنا مقتنع، وهذه قناعتي الكبرى، أنّ الإسلام يسلك على طريقته طريقاً مشابهاً لطريقنا. بسبب هذه القصّة المؤسفة للاستعمار، ولكلّ أنواع القمع، بسبب الوضع الجغرافيّ، يقع الإسلام في جزء كبير منه في العالم الثالث، كانوا هم أنفسهم ضحايا لمثل هذا العنف الذي أعاق مسيرتهم. هنا حقاً تكمن قناعتي الدينيّة العميقة بأنّ كلّ الأديان قادرة على رسم هذا الطريق في مواجهة نفسها وفي وجه نزعتها الأصوليّة. أنا أثق ثقة كبيرة بالإسلام الذي منذ الآن يدين العنف الذي يُمارَس باسم الإسلام.
هانس كونج:
ألا تعتقد أنّ هذه المشكلة، ليس فقط للمسلمين، ولكن للمسيحيّين أيضاً، لأنّنا أيضاً مسيحيّون يعيشون في القرون الوسطى؟
بول ريكور:
بالتأكيد. أصِلُ هنا مع الإحساس بالعار ممّا يُقال، مثلاً، باسم البروتستانينيّة في إيرلندا الشماليّة. إنّه هذا العمل، تماماً، غير ثقافيّ ببساطة، ولكنّه أيضاً، كما قلتَ، عمل القلب. يجب أن يكون هناك شيء يشبه ما نسمّيه التحوّل، الموجود في حركة التحوّل في وجهِ مكوِّنِ العنف في المعتقد.
هانس كونج:
أعتقد أنّ كلّ الديانات فيها أصوليّون، وفي كلّ الأديان، هنالك أشخاص منفتحون. يوجد مسلمون يحملون أفكار الأنوار (فلسفة الأنوار) نفسها التي تحملها أنت وأنا.
بول ريكور:
أنت تلمِّح إلى أولئك الذين لا يعتنقون أيّ ديانة. أعتقد أنّنا أيضاً بحاجة لخطاب الأنوار (فلسفة الأنوار). ومن حسن حظّ المسيحيّة أنّها واجهت منذ البداية، بفضل اليونان وكلّ التراث العقلانيّ، هذا الصراع الذي أُسمّيه صراع العقيدة والنقد. على قدر ما نعتمد هذا الصراع من داخل العقيدة، وبدعم من أولئك الذين من الخارج، ومن خارج كلّ ديانة، على قدر ما نحتاج إلى الأخلاق، كي نفهم نحن المؤمنون، وكي يفهم المؤمنون الآخرون الذين يختلف إيمانهم عن إيماننا.
هانس كونج:
يجب أن ندفع بالحوار إلى الأمام. ليس لدينا خيار. عندما نناقش الوضع في يوغوسلافيا القديمة، والشرق الأوسط، نجد أمثلة شتّى عن الانفصال ومن دون أي جهد لمحاولة الحوار مع الآخرين. في النهاية، لن يكون هنالك سلام بين الأديان من دون حوار بين هذه الديانات. يوجد مسلمون متنوّرون كما يوجد يهود منفتحون، ومسيحيّون أيضاً. إذاً يجب أن تفرض الأنوار نفسها، من حيث هي بمعنى حقوق الإنسان، أينما كان.
بول ريكور:
وجدنا هنا ما هو غير سياسيّ في عقيدةٍ، غير سياسيّ بمعنى ما يفتقر إلى السلطة. إنّ هذا النوع من النقد الذاتيّ لامتلاك السلطة باسم الحقيقة، هو الذي يجب أن نطبّقه على أنفسنا. من هنا نَحُنُّ إلى الديانات الأخرى وربّما للنقد الذي توجِّهه إلى ديانتنا لكي نتمكّن من تخطّي داخلنا مع القبول بقراءةٍ عن أنفسنا، من الخارج، يقوم بها الآخرون.
هانس كونج:
إنّ التجربة التي اكتسبناها من الحوار بين الكاثوليك والبروتستانت تتجدّد في الحوار بين اليهود والمسيحيّين والمسلمين، والديانات الأخرى أيضاً. كلّ الأسئلة التي نوجّهها إلى الآخر لها غالباً الوجه الآخر للعملة. إذا طرحتُ السؤال المتعلّق بالعنف في الإسلام، يجب أن أدرك أنّه أيضاً سؤال للعالم المسيحيّ. ماذا عن مفهومنا للدين؟ نحن نقارن غالباً المثاليّ في العالم المسيحيّ مع حقيقة الأديان الأخرى. نقول إنّنا ديانة المحبّة، والسلام، وإنّ الديانات الأخرى هي ديانات الحرب والجهاد، وأخيراً العنف. في الواقع، لقد خاض العالم المسيحيّ على مدى قرون حروباً دينيّة.
بول ريكور:
أصل هنا تقريباً إلى هذه المفارقة بأنّ المشكلة ليست فقط بين الطوائف المسيحيّة، ولكنّنا، بشكل ما، بحاجة إلى الديانات الأخرى لنقودَ نضالنا من أجل المسكونيّة داخل المسيحيّة نفسها، أي إنّنا من خلال الخارج يمكننا إيجاد الخطاب الداخليّ، والخطاب في ما بيننا. أي، بين المسيحيّين من مختلف القناعات، نحن بحاجة إلى خطابات غير مسيحيّة كي تساعدنا في خوض هذا النضال.
هانس كونج:
في الواقع هذا ما يعطيني بعض الأمل. أعتقد أنّ هذا صحيح أيضاً بالنسبة إليك أنت. إذا كان إحلال السلام ممكناً بين الكاثوليك والبروتستانت الذين خاضوا خلال قرون حروباً مفتوحة، وإذا كان إيجاد السلام بينهم ممكناً، فإنّه من الممكن أيضاً إيجاده بين الديانات الأخرى. إذا كنّا مجتمعين هنا، اليوم، وبإمكاننا نسيان أنّ الفرنسيّين والألمان خاضوا معارك عالميّة، وقاتلوا حتّى الإنهاك التام، إذا كان هذا ممكناً، إذاً يجب أن يكون إيجاد حلّ بين الكرواتيّين والصرب في البوسنة ممكناً، ولكن لهذا من الضروريّ التأكيد أنّنا قد وضعنا بُعداً آخر للمسؤولين. لطالما قدّرتُ بإعجاب احتفالَ شارل ديغول وكونراد أديناور بالمصالحة بين فرنسا وألمانيا في قدّاس في كاتدرائيّة ريمس.
بول ريكور:
يجب أن لا يكون هذا بالتحديد تقاسم للسلطة حيث كنا وضعنا الدين ضمن السلطة، أو كدعمٍ للسلطة. يجب الحفاظ بشكل دائم على البُعد اللاَّسياسيّ، البُعد اللاسلطويّ، كي يصبح لسلطة الخطاب الضعيف سياسيّاً الأمل بأنّ يسمعه الآخرون.
هانس كونج:
يجب القول بوضوح تام بأنّ السلام ليس فقط بُعداً سياسيّاً، أو بُعدّاً قانونيّاً، لكّنه بُعدٌ أخلاقيّ وبعدٌ دينيّ. إذا التقت العناصر هذه، يصبح السلام ممكناً. لقد شهِدنا مواقفَ إيجابيّة حصل فيها تحوّل جذريّ كان ممكناً من دون سفك الدماء. حدث ذلك في RDA [جمهوريّة ألمانيا الديمقراطيّة] السابقة وفي تشيكوسلوفاكيا وفي بلاد الشرق، ولكنّ هذا حدث أيضاً في أفريقيا الجنوبيّة والفلبين. في هذه البلدان، كان هنالك أشخاص يحرّكهم الدين وقالوا: نحن لم نعد نريد هذا النظام. نريد أن نغيّر الأمور، لم نعد نريد الشيوعيّة، ولا العنصريّة ولا نظام ماركوس، ولكنّنا نريد هذا من دون سفك الدماء، نريد أن نصل إلى ذلك عن طريق اللاعنف. يمكن أن نرى من خلال هذه الأمثلة ما يمكن للديانات أن تفعله، من خلال قوّتها الداخليّة، بمعنى نبذ العنف.
بول ريكور:
في هذا الصدد، إنّ كنت سأتكلّم عن الأمل، فذلك للتأكيد على أنّ في كلّ طائفة يوجد دائماً خطابٌ قويّ سيقول: لا، لا تقتل، قُل الحقيقة، كُن عادلاً، احترم الضعفاء.
هانس كونج:
تماماً.
[1]1ـ الحوار المسكونيّ، هو الحوار الذي يجري بين المسيحيين من مختلف المذاهب والمشارب في قضايا خلافيّة تتعلّق بتفسير الكتاب المقدّس، أو ممارسات دينيّة أو مواقف معيّنة من العقيدة. "المحرر".
- العنوان الأصلي للمناظرة: Entretion Hans Kung - Paul Ricoeur.
- نقلاً عن: Revue de l'amitié Juteo - Chrêtienne de France No5، 1998.
ـ تعريب: د. هدى الناصر ـ مراجعة: ألبير شاهين.
[2]. اللا أدريّون هم القائلون بإنكار قيمة العقل وقدرته على المعرفة.
[3]. العظة على الجبل أو عظة الجبل الموعظة على الجبل، وتعرف أيضاً باسم شريعة العهد الجديد، طرح فيها المسيح، إحدى وعشرين قضية تنظيمية تشكل لب الإنجيل والعهد الجديد، موضحاً نقاطاً في شريعة موسى، وملقياً عدداً من الإرشادات التي يلتزم بها المسيحيون.
[4]. يصف بوذا النيرفانا ب أنّها حالة السلام التام للروح، وهي الحالة التي يكون المرء فيها خاليا من التلهف، والغضب وأي معاناة أخرى.

[5]. الإسبرانتو هي لغة اصطناعيّة تربط بين الثقافات ليتسنّى لمستخدميها التحادث على قدم المساواة دون أن يستعمل أحدهم لغته الأم. إنّ استخدام لغة قوميّة كالإنجليزيّة أو العربيّة للتواصل قد تعيق التواصل بين المتحدثين لأنّ أحدهم سيشعر بعدم القدرة الكاملة على التعبير وهو يتحدّث مع شخص يتحدّثها كلغته الأم. أمّا الإسبرانتو فهي لغة سهلة وقواعدها بسيطة ولذلك يستطيع أن يستخدمها الجميع.