البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

جمال الدين الأفغاني قارئاً.. الغرب (نقض قيم الاستعلاء الحضاري)

الباحث :  هاشم الميلاني
اسم المجلة :  الإستغراب
العدد :  4
السنة :  السنة الثانية - صيف 2016 م / 1437 هـ
تاريخ إضافة البحث :  July / 13 / 2016
عدد زيارات البحث :  1104
تحميل  ( 316.120 KB )
جمال الدين الأفغاني قارئاً.. الغرب
نقض قيم الاستعلاء الحضاري
هاشم الميلاني[*][1]
لا يقصد هذا البحث الدخول في إجراء تعريفي بشخصية السيد جمال الدين الأفغاني، كأن يجيئنا بالعرض التوثيقي لسيرته الشخصية والعلمية، و تقديم بيانات سرديّة بأعماله ومؤلفاته. فمثل هذا الجهد التوثيقي درج عليه الكثيرون على امتداد أجيال متعاقبة. إنّ ما يسعى إليه الباحث السيد هاشم الميلاني في دراسته هذه، هو الإضاءة على جانب مهم من حياة الأفغاني، وخصوصاً لجهة مقاربة مواقفه النقدية من الغرب. ومع أن الأفغاني لم يأتنا بمنظومة معرفية متكاملة حيال المنظومة الغربية، إلاّ أن تلك المواقف انطوت على أهمية معرفية استثنائية. ذلك ب أنّها جاءت في سياق مناظراته مع الحداثة المتدفقة على العالم الإسلامي، وضمن دعوته النهضوية والإصلاحية. ولذا سنرى كيف أنّ السمة الغالبة على أبحاثه كانت النقد اللاذع لسياسات الغرب في البلاد والمجتمعات الإسلامية.
نشير إلى أن الباحث اعتمد في عمله هذا على الأعمال الكاملة للسيد جمال الدين المنشورة في سبعة أجزاء من تحقيق هادي خسرو شاهي، 1421 هـ، وفي إطار منشورات المجمّع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية.
المحرر
كان الأفغاني وجلاً من تغريب العالم الإسلامي، ولا سيما لجهة ما سيؤول إليه من تخبّط في هويته. .كان يقول: «علمتنا التجارب ونطقت مواضي الحوادث بأنّ المقلّدين من كل أمة، المنتحلين أطوار غيرها، يكونون فيها منافذ وكوى لتطرق الأعداء إليها وتكون مداركهم مهابط الوساوس ومخازن الدسائس، بل يكونون بما أفعمت أفئدتهم من تعظيم الذين قلدوهم، واحتقار من لم يكن على مثالهم شؤماً على أبناء أمتهم، يذلونهم ويحتقرون أمرهم ويستهينون بجميع أعمالهم..» (1: 81). ويقول: «المتسربلون بسرابيل الإفرنج، الذاهبون في تقليدهم مذاهب الخبط والخلط لا يميزون بين حق وباطل» (1: 101).
ومن هذا المنطلق، كان يعارض بشدة النظرة القائلة بأنّ العلاج الوحيد للأمة الإسلامية هو إنشاء مدارس عمومية على الطراز الجديد المعروف في أوروبا «حتى تعم المعارف جميع الأفراد في زمن قريب، ومتى عمّت المعارف؛ كملت الأخلاق، واتحدت الكلمة، واجتمعت القوة» (1: 78)، وذلك لرؤيته أنّ هذه العلوم لم تكن ينابيعها من صدور الأمة الإسلامية، بل جاءت عبر مثقفين هم مجرد نَقَلَة وحَمَلَة لهذه العلوم من دون أن يعرفوا تلك العلوم، «وكيف بذرت بذرها، وكيف نبتت واستوت على سوقها، وأينعت وأثمرت، وبأيّ ماء سقيت، وبأيّ تربة غذيت، ولا وقوفٌ لها على الغاية التي قصدت منها في مناشئها..»، حينئذٍ سيكونون «كخلط غريب لا يزيد طبائعها إلاّ فساداً» (1: 79) ولذا كان يقول: «لا ريب أنّ الأمة الخاضعة للأجانب لا يمكنها العروج إلى مدارج الكمال التي لا تنال إلاّ بهمّة عالية تأبى العبودية» (4: 182).
وفي الوقت نفسه كان يندّد بالحكام الذين اعتمدوا على الأجانب، وسلّموا لهم مقاليد الأمور، حيث أنّ «الأجانب في الممالك الإسلامية لا يجدون في أنفسهم حاملاً على الصدق والأمانة، ولكن يجدون منها الباعث على الغش والخيانة.. وإنّ الدول ما انخفض مكانها ولا سقطت في هوّة الانحطاط إلاّ عند دخول العنصر الأجنبي فيها، وارتقاء الغرباء إلى الوظائف السامية في أعمالها، فإنّّ ذلك كان في كل دولة آية الخراب والدمار» (1: 156). كان يهيب بالحكام والأمراء الذين سلّموا جميع الأمور إلى الأجانب حتى الخدمة الخاصة في بطون البيوت ويقول: «ألا أيها الأمراء العظام ما لكم وللأجانب عنكم (ها أنتم تحبونهم ولا يحبونكم) قد علمتم شأنهم ولم تبق ريبة في أمرهم (إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها) (1: 157).
كان السيد جمال الدين يرى أن للغرب وجهين: الوجه الثقافي والعلمي، حيث يتبلور في العلم والتقدم والحرية والقانون، والوجه الآخر هو الوجه السياسي الذي يتبلور في الاستعمار والسيطرة على الشعوب والدول الضعيفة، فكان يمتدح الأول ويذم الثاني.
مصادر معلوماته عن الغرب:
بيِّن أن النظرة الصائبة للواقع والتي يتبعها استشراف المستقبل، تبتني على نوعية المصادر والمعلومات التي يعتمد عليها الإنسان، فكل ما كانت مصادره وأوعيته العلمية والمعرفية متعددة ومتنوعة كانت آراؤه أقرب إلى الصواب. وفيما يخصّ الأفغاني نرى أنّ نفاذ بصيرته وقرءاته للواقع ــ عدا ما منحه الله تعالى من فراسة ــ تعتمد على تنوّع مصادر معلوماته، نشير إلى أهمّها:
1. المعايشة المباشرة
إن السيد جمال الدين قد عاش لفترة في الدول الأوروبية، فقد ذهب إلى بريطانيا وفرنسا وتعلّم اللغة بحيث تمكّن من مدّ جسور التبادل المعرفي بينه وبين الجالية العربية مما أكسبته معرفة جيدة عن أحوال الغرب ونقاط قوته وضعفه، ناهيك عن تواجده في مستعمرات الدول الأجنبية في العالم الإسلامي، فقد مكث لفترات مختلفة في الهند، وأفغانستان، ومصر، ولمس عن قرب تداعيات السياسات الاستعمارية على الشعوب وما آلت إليها من تدهور في جميع مفارق الحياة الاجتماعية والسياسية.
2. النخبة الغربية
كان الأفغاني ذائع الصيت ويتواصل مع النخبة الغربية: السياسية والثقافية، بهذا تمكن من استكمال صورة الغرب في ذاكرته. من تلك الاجتماعات التي أشار إليها السيد ما ذكره في العروة الوثقى حيث أرسل تلميذه ومدير تحرير مجلته إلى بريطانيا «إجابة لدعوة من يرجى منهم الخير لملتنا، ومن يؤمل فيهم صدق النية في رعاية مصالح المسلمين من رجال السياسة الانجليزية»
(1: 430)، كما أشار إلى حفاوة الأدباء والشعراء الفرنسيين به (4: 137).
3. المكاتبات والمراسلات
استخدم السيد أسلوب المكاتبة والمراسلة لإيصال صوته، فكانت تأتيه برقيات ورسائل متعددة تخبره عن آخر التطورات، وقد يعبر عنها السيد بقوله: «بلغنا من مصدر يوثق به» (1: 307).
4. الصحف والجرائد
كانت الصحف والجرائد من أهم روافدْ المعرفية، إذ كان يؤمن بأنّ الطريق الوحيد للوصول إلى المطلوب هو الصحف والجرائد. وفي هذا الصدد كتب مقالاً في فوائد الجرائد وذكر لها تسع عشرة فائدة (5: 197)، ولذا تنوعت الصحف التي تزوّد منها وقد أشار في طيات كتاباته إلى بعض منها وهي: الفرنسية والبريطانية والروسية والألمانية وسواها وكذلك الصحف الإسلامية التي كانت تطبع في البلدان الإسلامية.
5. الكتب
كان جمال الدين كثير المطالعة لمختلف الكتب وبمختلف التخصصات، على سبيل المثال، قد درّس الهيئة الجديدة عن كتاب باللغة الانجليزية لبعض من التمس منه ذلك (7: 22)، واستفاد مما كتبه فرنسيس لنورمان حول تاريخ أفغانستان (7: 113)، وكذلك ما كتبه المؤرخون الأجانب في تاريخ إيران (7: 39)، أمثال ملكام سرجم الانجليزي في تاريخ فارس (1: 9).
ثلاث محطات
رغم شحّة ما وصل إلينا من تراث السيد جمال الدين، لكن بمراجعة ما تبقى من آثاره ومراسلاته نرى أنّه تناول الغرب من ثلاث محطات رئيسة: الدين، الثقافة والسياسة.
وفيما يلي نشير إلى أبرز ما تناوله في هذه المحطات، علماً بأنّ البعد السياسي كان الغالب على بيانه وبنانه للظرف الذي كان يعيشه السيد آنذاك؛ حيث أنّ معظم الدول الإسلامية كانت تحت نير الاستعمار تشهد ويلات ذلك، ناهيك عن التخلف والجمود السائدين في جميع أقطار المعمورة الإسلامية.
1. الدين
فيما يخص الفضاء الديني فقد انصبّ جهد السيد على بيان أمور: أولاً: الدين في الغرب، ثانياً: الرد على الدهريين والماديين، ثالثاً: ردّ شبهات الغرب على الإسلام.
ففي النقطة الأولى، يشير الأفغاني إلى التناقض الموجود بين المبادئ الدينية المسيحية وبين السلوك العملي الديني، حيث يقول: «إن الديانة المسيحية بنيت على المسالمة والمياسرة في كل شيء، وجاءت برفع القصاص وإطراح الملك والسلطة، ونبذ الدنيا وبهرجها» (1: 87)، ثم يتعجّب من أطوار الآخذين بهذا الدين السلمي والمنتسبين إليه في عقائدهم حيث أنهم «يتسابقون في المفاخرة والمباهاة بزينة هذه الحياة ورفه العيش فيها، ولا يقفون عند حدّ في استيفاء لذاتها، ويسارعون إلى افتتاح الممالك والتغلّب على الأقطار الشاسعة، ويخترعون كل يوم فناً جديداً من فنون الحرب..» (1: 87 ـ 88).
وسبب هذا التناقض أنّ الدين المسيحي انتشر في الممالك الأوروبية من أبناء الرومانيين ـ الذين كانوا على عقائد وآداب مختلفة ـ لكونه جاء إليهم مسالماً لعقائدهم ودخلهم من طرق الإقناع ولم يسلبهم ما ورثوه من آبائهم، ولكن بما أنّ صحف السلم والسلامة لم تكن بمتناول كافة الناس بل كانت مذخورة عند الرؤساء الروحانيين، فعندما أقام أحبار الرومانيين أنفسهم مقام التشريع وسنّوا محاربة الصليب، افترقوا وذهبوا مذاهب تنازعُ الدين في سلطانه، فعاد وميض ما أودعه أجدادهم في وجودهم ضراماً وتوسّعوا في فنون كثيرة منها فن الحرب واختراع آلات الحرب.
يصف الأفغاني المتدين الغربي وغير المتدين منهم بالتعصب الديني الشديد ويستغرب من ذلك ويقول: «الإفرنج أشد الناس في هذا النوع من التعصب وأحرصهم على القيام بدواعيه، ومن القواعد الأساسية في حكوماتهم السياسية الدفاع عن دعاة الدين والقائمين بنشره ومساعدتهم على نجاح أعمالهم، وإذا عدت عادية مما لا يخلو عنه الاجتماع البشري على واحد ممن على دينهم ومذاهبهم في ناحية من نواحي الشرق سمعت صياحاً، وعويلاً، وهيعات، ونيآءات تتلاقى أمواجها في جو بلاد المدنية الغربية... وتراهم على اختلافهم في الأجناس وتباغضهم وتحاقدهم وتنابذهم في السياسات، وترقب كل دولة منهم لعثرة الأخرى حتى توقع بها السوء، يتقاربون ويتآلفون ويتّحدون في توجيه قواهم الحربية والسياسية لحماية من يشاكلهم في الدين، وإن كان في أقصى قاصية من الأرض، أمّا لو فاض طوفان الفتن وطم وجه الأرض وغمر البسيطة من دماء المخالفين لهم في الدين والمذهب، فلا ينبض فيهم عرق ولا يتنبّه لهم إحساس، بل يتغافلون عنه ويذرونه وما يجرف حتى يأخذ مدة الغاية من حدّه... وليس هذا خاصاً بالمتدينين منهم، بل الدهريين ومن لا يعتقدون بالله وكتبه ورسله يسابقون المتدينين في تعصبهم الديني،.. أمّا إنّ شأن الإفرنج في تمسكهم بالعصبية الدينية لغريب، يبلغ الرجل منهم أعلى درجة في الحرية كجلادستون، ثم لا تجد كلمة تصدر عنه إلاّ وفيها نفثة من روح بطرس الراهب، بل لا ترى روحه إلاّ نسخة من روحه»
(1: 109 ـ 110).
مع هذا التعصب الديني، كان يرى السيد أنّ الدين المسيحي في مرحلة العزوف بسبب شبهات الفلاسفة، حيث يقول: «وإن قيل لك إنّ النصارى لكثرة غواية الفلاسفة لهم وزحزحتهم عن دينهم شيئاً فشيئاً في مدة ثلاثمائة سنة؛ يتركون دينهم ولا يبقى له وجود؛ فصدّقه» (6: 50).
أما النقطة الثانية، فقد ألّف السيّد رسالة في الرد على الماديين في جواب من سأله عن معنى نيتشر، فأسهب الكلام في ذلك، وتطرق إلى تاريخ الدهريين منذ فلاسفة اليونان حيث قسّمهم إلى قسمين: الإلهيين والماديين، فذكر معتقدات الماديين وناقشها، من أبرز تلك المعتقدات: تساوي منزلة الإنسان مع الحيوان، لا حياة للإنسان بعد هذه الحياة، محاربة القيم والأخلاق، الإباحة والاشتراك المطلقين في جميع الأشياء، إنكار الصانع، جحد العقاب والثواب.
ثم يقول: «متى ظهر الماديون في أمة نفذت وساوسهم في صدور الأشرار من تلك الأمة، واستهوت عقول الخبثاء الذين لا يهمهم إلاّ تحصيل شهواتهم ونيل لذاتهم من أي وجه كان؛ لموافقة هذه الآراء الفاسدة لأهوائهم الخبيثة، فيميلون معهم إلى ترويج المشرب المادي وإذاعته بين العامة غير ناظرين إلى ما يكون من أثره، ومن الناس من لا يساهم في آرائهم ولا يضرب في طرقهم، إلاّ أنّه لا يسلم من مضارّها ومفاسدها، فإنّ الوهن يلمّ بأركان عقائده، والفساد يسري لأخلاقه من حيث لا يشعر» (2: 165).
كما أنّه يهاجم داروين ونظريته الشهيرة، في تبدّل الأنواع وتطوّرها ويسهب في ردّه حيث يقول: «وعلى زعم داروين هذا يمكن أن يصير البرغوث فيلاً بمرور القرون وكرّ الدهور، وأن ينقلب الفيل برغوثاً كذلك. فإنّ سئل (داروين) عن الأشجار القائمة على غابات الهند، والنباتات المتولدة فيها من أزمان بعيدة لا يحدّدها التاريخ إلاّ ظناً، وأصولها تضرب في بقعة واحدة، وفروعها تذهب في هواء واحد، وعروقها تسقى بماء واحد، فما السبب في اختلاف كلٍّ منها عن الآخر في بنيته وشكل أوراقه، وطوله وقصره، وضخامته ورقّته، وزهره وثمره، وطعمه ورائحته، وعمره؟ فأي فاعل خارجي أثّر فيها، حتى خالف بينها مع وحدة المكان والماء والهواء؟ أظنّ (أن) لا سبيل إلى الجواب سوى العجز عنه.. وإن قيل له: هذه أسماك بحيرة (أورال) وبحر (كسين) مع تشاركها في المأكل والمشرب، وتسابقها في ميدان واحد، نرى فيها اختلافاً نوعياً، وتبايناً بعيداً في الألوان، والأشكال والأعمال، فما السبب في هذا التباين والتفاوت؟ لا أراه يلجأ في الجواب إلاّ إلى الحَصَر..
وهكذا لو عرضت عليه الحيوانات المختلفة البنى والصور والقوى والخواص، وهي تعيش في منطقة واحدة، ولا تسلم حياتها في سائر المناطق، أوالحشرات المتباينة في الخِلقة، المتباعدة التركيب، المتولدة في بقعة واحدة، ولا طاقة لها على قطع المسافات البعيدة لتجلو إلى (تربة) تخالف تربتها، فماذا تكون حجته في علة اختلافها، كأنها تكون كسفاً لا كشفاً؟
بل إذا قيل له: أي هادٍ هدى تلك الجراثيم في نقصها وخداجها؟ وأي مرشد أرشدها إلى استتمام هذه الجوارح والأعضاء الظاهرة والباطنة ووضعها على مقتضى الحكمة، وأبدع لكلٍّ منها قوة على حسبه، و(أناط) بكل قوة في عضو أداء وظيفة، وإيفاء عمل حيوي؛ مما عجز الحكماء عن إدراك سره، ووقف علماء السيولوجيا دون الوصول إلى تحديد منافعه؟ وكيف صارت الضرورة العمياء، معلّماً لتلك الجراثيم، وهادياً خبيراً لطرق جميع الكمالات الصورية والمعنوية؟ لا ريب أنّه يقبع قبوع القنفذ، وينتكس بين أمواج الحيرة يدفعه ريب، ويتلقاه شك، وإلى أبد الآبدين.
وكأني بهذا المسكين ما رماه في مجاهل الأوهام ومهامة الخرافات إلاّ قرب المشابهة بين القرد والإنسان، وكأن ما أخذ به من الشبه الواهية أُلْهية يشغل بها نفسه عن آلام الحيرة، وحسرات العماية، وإنا نورد شيئاً مما تمسّك به:
فمن ذلك أن الخيل في سيبريا والبلاد الروسية أطول وأغزر شعراً من الخيل المتولدة في البلاد العربية، وإنما علة ذلك الضرورة وعدمها.
ونقول: إنّ السبب فيما ذكره هو عين السبب لكثرة النبات وقلته في بقعة واحدة، لوقتين مختلفين، حسب كثرة الأمطار وقلّتها، ووفور المياه ونزورها، أو هو علّة النحافة ودقّة العود، في سكان البلاد الحارة، والضخامة والسمن في أهل البلاد الباردة بما يعتري البدن من كثرة التحلل في الحرارة، وقلته في البرودة.
ومن واهياته ما كان يرويه (داروين): من أن جماعة كانوا يقطعون أذناب كلابهم، فلما واظبوا على عملهم هذا قروناً، صارت الكلاب تولد بلا أذناب، كأنه يقول: حيث لم تعد للذنب حاجة كفّت الطبيعة عن هبته...
وهل صُمّت أذن هذا المسكين عن سماع خبر العبرانيين والعرب، ومما يجرونه من الختان ألوفاً من السنين، ولا يولد مولود حتى يختن، وإلى الآن لم يولد واحد منهم مختوناً إلاّ لإعجاز؟!
ولما ظهر لجماعة من متأخري الماديين فساد ما تمسك به أسلافهم، نبذوا آراءهم وأخذوا طريقاً جديدة، فقالوا: ليس من الممكن أن تكون المادة العارية من الشعور، مصدراً لهذا النظام المتقن، والهيئة البديعة والأشكال المعجبة، والصور الأنيقة، وغير ذلك مما خفي سره وظهر أثره، ولكن العلة في نظام الكون علوية وسفلية، والموجب لاختلاف الصور والمقدّر لأشكالها وأطوارها، وما يلزم لبقائها، تتركّب من ثلاثة أشياء: أي مادة، وقوّة، وإدراك. وظنّوا أن المادة بما لها من القوة، وما يلابسها من الإدراك، تجلّت وتتجلّى بهذه الأشكال والهيئات، وعندما تظهر بصورة الأجساد الحية ـ نباتية كانت أو حيوانية ـ تراعي بما لابسها من الشعور، ما يلزم لبقاء الشخص وحفظ النوع، فتنشئ لها من الأعضاء والآلات ما يفي بأداء الوظائف الشخصية والنوعية، مع الالتفات إلى الأزمنة والأمكنة، والفصول السنوية» (2: 141 ـ 143).
هاجم أيضاً فولتير وروسو وعدّهما ممن أحيا ما بلي من عظام الدهريين ونبذ كل تكليف ديني وغرس بذور الإباحة والاشتراك (2: 177)، يقول: «والأضاليل التي بثها هذان الدهريان: فولتير وروسو، هي التي أضرمت نار الثورة الفرنسية المشهورة، ثم فرقت بعد ذلك أهواء الأمة وأفسدت أخلاق الكثير من أبنائها...» (3: 178).
وأخيراً يشير إلى طائفة من الدهرية كرّست جهودها في نفي العقيدة الألوهية، فانبرى للدفاع عن تلك العقيدة مثبتاً إياها سبيلاً للوصول إلى السعادة الدنيوية والأخروية (2: 183 ـ 192).
أما النقطة الثالثة، وهي الدفاع عن الإسلام أمام شبهات الغربيين، فقد أشار في طيات كلامه إلى بعض تلكم الشبهات وأجاب عنها، ومنها مسألة القضاء والقدر وزعم الغرب ب أنّها السبب في تأخّر المسلمين، و أنّها تساوي مذهب الجبرية، فردّ عليهم السيد بأنّ الاعتقاد بالقضاء يؤيده الدليل القاطع وترشد إليه الفطرة (1: 115)، بل إنّ الاعتقاد بالقضاء والقدر إذا تجرّد عن شناعة الجبر يتبعه صفة الجرأة والإقدام وخلق الشجاعة والبسالة، ويطبع الأنفس على الثبات واحتمال المكاره ويحليها بحلي الجود والسخاء، ويدعوها إلى الخروج من كل ما يعز عليها بل يحملها على بذل الأرواح (1: 116).
2. الثقافة والعلم
أما الثقافة والعلم وما تتبعه من تقدم وازدهار في الغرب، فكان ممدوحاً عند الأفغاني ويرى أنّها من إيجابيات الغرب ومحاسنه، وإن كان يرى أنهم اتخذوا جميع محاسن الدين الإسلامي (5: 249).
ومن أبرز ما أشار إليه السيد وامتدحه في هذا الصدد:
أ: العلوم والمعارف، قال رحمه الله: «ليعلم أن جميع هذا التقدم الموجود في أوروبا كان نتيجة العلم والاطلاع» (4: 99)، لذا كان يهيب ببني جلدته قائلاً: «يا أبناء الشرق أفلا تعلمون أن سلطة الغربيين وسيادتهم عليكم إنما كانت بارتفاع درجتهم في العلوم والمعارف وانحطاطكم فيها، فلم لا تتقد أحشاؤكم بنيران الشوق لهذا المؤلف البديع وأمثاله... هل رضيتم بعد ما كان لكم ذروة الشرف بواسطة العلوم والمعارف أن تدوم لكم تلك الحالة الوخيمة التي أوصلتكم إليها الجهالات والضلالات... فهلمّوا لاقتناء المؤلفات واقتناص صيد المعارف» (6: 91).
ب: الحرف والصنائع (4: 99).
ج: نبذ البدع والخرافات التي كان يبثها رجال الكهنوت (5: 250).
د: حرية الصحافة، حيث قال: «وبالجملة فإنّ من أسباب تقدم الملل الأوروبية حرية الصحافة حيث أتاحوا للناس من خلالها نشر المحاسن والمعايب، كي تدعو صاحب الفضيلة إلى التمسك بخصاله الجميلة وحسن الأخلاق، وصاحب الرذيلة والأفعال المذمومة بشوائب الهوى والنفس إلى تركها» (4: 101).
هـ: القانون، قال رحمه الله: «إن الإنسان الحقيقي هو الذي لا يحكم عليه إلاّ القانون الحق المؤسس على دعائم العدل الذي رضيه لنفسه يحدّد به حركاته وسكناته ومعاملاته مع غيره على وجه يصعد إلى أوج السعادة الحقيقية» (6: 56).
و: الهمة العالية، قال: «إن أبناء الأمم الغربية إذا عمدوا إلى قصد لا يفترون في طلبه، وعلو الهمة فيهم تجعل لديهم كل صعب سهلاً، وكل بعيد قريباً، يقتحمون المخاطر لاكتساب الشرف ويتجشمون المصاعب للوصول إليه،... لهذا ترى الرجل منهم يجوب فيافي أفريقيا، ويتسنّم جبال سيبريا، ويخالط قبائل وشعوباً لا يعرف لهم لغة، ولا يألف لهم عادة ولا أخلاقاً، ويتكبد مشاق الحر والبرد والجوع والعطش، وينازل الموت مع من يخالطه من تلك القبائل البعيدة عنه في جميع أوصافهم... كل هذا ما يحتمله طلباً لشرف يكسب لذاته، أو ابتغاء مجد يحصله لأمته» (1: 286).
ولذا كان يمدح الأمة الفرنسية قائلاً: «والحق أن الأمة الفرنسية قد كسبت قلوب الشرقيين باعتدالها في صفة الأنانية، وحبها العام للخير والبر، وبذلك يحق للشرقيين أن يحبوها في المقابل، والحق أن تلك الأمة لم تنفك تظهر عواطفها الكريمة في جميع أنحاء الشرق... فتحية إلى الأمة التي تنطق أعمالها بمدحها، والتي يشهد العالم كله على فضائلها وطهارة ثوبها الذي لم يدنسه تلوث الطمع» (7: 202).
3. السياسة
فيما يخص الفضاء السياسي الغربي، فإنّّ السمة الغالبة كانت آنذاك التسابق على استعمار الدول الإسلامية والشرقية، وكأنّ الشرق كعكة تم تقاسمها بينهم بالسوية. إنّ الاستعمار الجديد تلبس بلباس الخدعة والحيلة ولم يكن على طرازه القديم منزوع القناع: «إن العدوان في هذه الأزمان لا يأتيه المعتدون كما كان في الأحقاب الخالية مشوّه الوجه منكر الصورة يعرفه الذكي والغبي، بل من أراد عدواناً فلا بد أن يحفّه بمواكب من الأدلة وحفال من البراهين، وهو ما يعبرون عنه بالحقوق والمصالح، وما أصعب الوقوف على كنه العدوان وهو في هذه الحيلة وتلك الهيئة الجميلة» (1: 331، 4: 82).
انقسم الاستعمار آنذاك بين دولتين: فرنسا وبريطانيا، ولكن انصب غضب الأفغاني ونقده اللاذع على بريطانيا لكونها تشكّل القوة الأولى في العالم آنذاك، والتي تطمع السيطرة على العالم أجمع، حيث يشبهها بالمبتلي بجوع البقر والاستسقاء الذي لم يشبعه ابتلاع مائتي مليون من الناس ولم تروه مياه التمس والقنج، بل غر فاه ليبتلع بقية العالم ويجرع مياه النيل ونهر جيحون (7: 107).
كان الأفغاني سيئ الظن ببريطانيا لا يرى خيراً في سياستها، كان ينادي الشعب المصري بكل صراحة ووضوح ويقول لهم بأنّ بريطانيا لو ثبتت أقدامها لحاسبوا الناس على هواجس أنفسهم وخطرات قلوبهم ولأخذوا الأبناء بذنوب الآباء والأحفاد بجرائم الأجداد (1: 292).
ونظرته هذه كانت مبتنية على مشاهداته المباشرة لنتائج الاستعمار في الدول المستعمرة، وعلى قراءته الفاحصة لتاريخ بريطانيا، حيث عقد فصلاً خاصاً بهذا الشأن بيّن فيه تاريخ بريطانيا وما كانت عليه من سوء وكيف تمكنت من تطوير نفسها اعتماداً على الحيل والخدع (7: 196).
لقد وصف بريطانيا بخصال تكون بمثابة الدعامة للسياسة البريطانية: الأنانية، الخدعة والمكر، الأثرة.
أما بالنسبة إلى الخصلة الأولى، فيقول: «إنّ من يرجع إلى تاريخ الماضي يقتنع لا محالة؛ بأنّ الانجليز لم يكفّوا قيد شعرة عن اتباع ذات السياسة الثابتة في تحقيق غاياتهم في الشرق والغرب وفي العالم القديم والحديث... فهم يتحركون من خطأ مستهجن كان في طبيعتهم، ألا وهو الأنانية» (7: 199). «إن السياسة الضعيفة تنشأ من العقل المضطرب، وتنبت الشره والطمع اللذين يتبعان بدورهما من تلك الصفة المستهجنة، ألا وهي الإفراط في الأنانية، وقد أثارت هذه الصفة أعداء الانجليز عليهم، وجعلت أصدقاءهم يشعرون نحوهم بالاشمئزاز» (7: 203).
أما الخصلة البارزة الثانية، السائدة في سياسات بريطانيا فهي المكر والحيلة، فيقول السيد عنهما: «إن الانجليز لهم في كل مصلحة مفسدة، وفي كل حسنة سيئات، وفي كل صفاء دخل، فهم الخادعون الخائنون، بل هم الكاذبون المنافقون، هذه صفاتهم لم يبق فيها ريبة عند مسلم» (1: 417). «إن حكومة بريطانيا ما عاهدت عهداً إلاّ ونقضته بعد ما جنت ثمرته، فربحها في العهود خاص بها لا يشركها فيه غيرها» (1: 442).
«إن الانجليز ملكوا نحو ثلث العالم بلا سفك دماء غزيرة، ولا صرف أموال وافرة، وإنما ملكوا ما ملكوا بسلاح الحيلة، يدخلون في كل بلد أسود ضاربة في جلود ضأن ثاغية، يعرضون أنفسهم في صورة خدمة صادقين، وأمنة ناصحين، طالبين للراحة، مقومين للنظام» (1: 343)، «الحكومة الانجليزية كالصياد الماهر لا يطلب السمك إلاّ عند تعكير الماء» (1: 464)، «اتخذوا سياسة قوامها التغرير والتلبيس، ونصب فخ المواربة وشرك المخاتلة، وبهذه السياسة حققوا أهدافهم وتفوّقوا على سائر الأمم الأخرى» (7: 197)، «فهذه دولة الانجليز كمرض الآكلة يظهر أثره ضعيفاً لا يحس به عند بدئه ثم يذهب في البدن فيفسده ويبليه بدون أن يشعر المصاب بالألم، هكذا شأن الانجليز في لينهم وتلطفهم، وحلاوة وعودهم وتملّقهم وخضوعهم» (1: 398).
هذه أهم السمات التي رسمها الأفغاني في ذهنه عن بريطانيا، والتي يصدّقها الواقع الذي عاشه والتاريخ الذي أثبت صحة تلك النظرة الثاقبة، ومن هذا المنطلق بدأ بقراءة سياسات بريطانيا تجاه العالم عموماً والعالم الإسلامي خصوصاً، «ليس في التعلات أعجب مما يتعلل به الانجليز، ولا في المحاورات أغرب مما يستدلون به، لا مقدمات بينة ولا حجج قيمة، وأقوى ما يكون من أدلتهم أولى به أن يكون في معرض الهزل من أن يكون في جانب الجد» (1: 405).
بريطانيا والعالم
كان الأفغاني يرى أن سياسة بريطانيا تجاه العالم أوقعتها بين محاذير ثلاثة لا يتيسر واحدها إلّا بما ينفي الآخر، لكنهم يريدونها مجتمعة ولن يقدروا عليها، وهذه المحاذير الثلاثة: مسألة محمد أحمد المهدي السوداني، الوفاء بعهودهم لأوروبا، ما يضمرونه لأنفسهم في مصر. ثم إنهم يتشبثون لكل منها بوسيلة تضارب ما يتمسكون به في الأخرى.
هذه أهم المعالم التي أوقعت بريطانيا نفسها فيها بسبب سوء صنيعها وازدواجية فعالها، وسنحاول رسم بعض تلك المعالم تجاه مختلف الدولة الإسلامية وغير الإسلامية.
1. بريطانيا والغرب
إنّ بريطانيا جرّاء سياساتها الغاشمة أثارت حفيظة حلفائها الغربيين حيث بدأوا بالعداء لها والتربص من سياساتها، وقد رصد السيد جمال الدين هذا العداء نتيجة تواصله مع وسائل الإعلام وتواجده في الغرب، فأفصح بذلك قائلاً: «نرى دوائر السوء تدور بالحكومة الانجليزية، وقد تهيّأت ضاربات الشر للوثبة عليها، وليس لها حليف في أوروبا، وإنّ استئثارها بمنافع الأمم وطمعها في الاختصاص بمصالح العالم أبعد عنها الأصدقاء ونفّر منها الأولياء» (1: 189)، «قامت الدول على معارضتهم لعلمها أنّ الانجليز صاروا للأمم كدودة الوحيدة على ضعفها تفسد الصحة وتدمّر البنية» (1: 208)، «إنّ الأحقاد قد أخذت بقلوب الأمم الأوروبية، وامتلأت الأفئدة غيظاً حتى طفحت، ولهذا لا ترى جريدة ألمانية أو نمساوية أو فرنسية أو روسية إلاّ وهي مشحونة بالطعن والتنديد والوعد والوعيد، والإنذار بسوء عاقبة حكومة الانجليز» (1: 441).
هذا على نحو العموم، أمّا على النحو الخاص، فيشير السيد إلى الخلافات البارزة بين بريطانيا وبعض دول الغرب، منها:
إيرلندا حيث يشير السيد إلى العداء الواضح بينهما، أدى إلى استعمال العنف ونفور الطباع بين الشعبين مع اشتراكهما في الدين واللغة، هذا وبريطانيا تدّعي أنّها ما استعمرت دول الشرق إلاّ لبسط العدل وإقرار الراحة بين أهلها، فأين هذا من تلك الدولة، التي لا ترحم شعبها كيف ترحم غيره؟! (1: 254، 382).
أميركا: إنهم «ثاروا على الانجليز، فمع أنهم يشتركون معهم في اللغة والدين؛ نراهم يظهرون لهم عداوة صريحة، ولا يرجون شيئاً أفضل من أن يروا مملكتهم في حكم الزوال» (7: 200).
كما أنهم أثاروا اشمئزاز اليونانيين بعجزهم عن حفظ وعودهم لهم (7: 204)،«وأشعلوا غضب الإيطاليين أحفاد الرومان بسبب احتلالهم قبرص التي كانت من قبل إحدى ممتلكات الرومان» (7: 205).
فرنسا: هي التي انحسرت رقعة نفوذها في العالم بسبب تمدّد بريطانيا، فكان لها حديث آخر، إذ كانت فرنسا تحس ب أنّها خسرت الصفقة أمام بريطانيا، وأن بريطانيا تنوي التفرد بكعكة العالم التي تلتهمها أجمع وهذا ما لا يروق لفرنسا «إن فرنسا لا تزال تطلب من إنجلترا أن تعيد إليها ما فقدته من حظ السلطة في شواطئ النيل» (1: 311)، فضلاً عن ذلك فإنّّ لفرنسا مستعمرات كثيرة ما وراء البحر الأحمر ولا يمكن صونها وبريطانيا تسيطر على الطرق والمواصلات والمراكز الاستراتيجية. وهناك ثلاثة أمور أزالت الصداقة بين الدولتين نهائياً، وهي: تحريض فرنسا لشن الحرب ضد روسيا والتغرير بها، ترك فرنسا تتكبد خسائر فادحة هناك مع إمكان التوسط من قبلهم، احتلال قبرص حيث كانت تُعد بوابة سوريا وآسيا الصغرى ومصر (7: 204).
جراء هذه المصاديق العينية التي أغضبت الغرب حصلت تحالفات دولية جديدة أدت إلى تقليص نفوذ بريطانيا وظهر ضعفها أمام القاصي والداني.
2. بريطانيا والعالم الإسلامي
يرى السيد جمال الدين أنّ بريطانيا لا تريد خير المسلمين بل تكنّ لهم العداء والضغينة: «الحكومة الانجليزية عدوة المسلمين عداءً شديداً لالتهامها الممالك الإسلامية... وكمال بهجتها في أن تراهم أذلّاء عبيداً لا يملكون من أمرهم شيئاً» (1: 395)، فبدأت تحاسبهم على خطرات قلوبهم وما يمكن أن يهجس في حديث نفوسهم (1: 348). ومن مصاديق هذا العداء:
1. ازدراؤهم في التوظيف الرسمي كما هو الحال في الهند حيث تقدم المجوسي ثم الوثني على المسلم فإذا لم تجد أحداً عيّنت مسلماً (1: 362).
2. منع التبليغ الديني كما هو الحال في مصر حيث قاموا بغلق أبواب الأزهر على عامة الناس، ونفوا بعض العلماء إلى السودان، ومنعوا الوعظ والإرشاد وصلاة الجمعة (4: 134).
3. فسح المجال للمبشرين بالعمل لضرب الإسلام وبث الشبهات وإهانة القرآن والنبيs: «إنّ قسس الابروتستانت المغرورين يقومون في شوارع البلاد الهندية على سوقهم ويطعنون في الديانة الإسلامية طعناً تقشعرّ منه الأبدان ويفتعلون من الأراجيف ما تصطك منه الآذان، ويختلقون أقوالاً يستبشعها الأوباش، وينسبون إلى سيدنا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) في رسائلهم من الشنائع والفظائع ما تنبو عنه الطباع... و(ميزان الحق) و(المسيح الدجال) وغيرهما من الرسائل المحشوّة بالسب والشتم والقذف في شارع الديانة الإسلامية تنبئك عن كيفية معاملة الانكليز مع مسلمي الهند ونهج مراعاتهم» (6: 214، وأيضاً 1: 445).
4. المحاربة المالية للمسلمين وتضييق سبل العيش عليهم: «ومن جهة أخذوا في تضييق سبل المعيشة على المسلمين، وتشديد الوطأة عليهم والإضرار بهم من كل وجه، فضربوا على أيديهم في الأعمال العامة وسلبوا أوقاف المساجد والمدارس» (1: 445).
هذه بعض المعالم لسياسات بريطانيا في العالم الإسلامي عموماً، أمّا سياساتها في كل دولة على حدة، فقد أشار السيد جمال الدين في طيات كلامه إلى بعض الدول الإسلامية وأسهب القول في مصر لأهميتها ودورها المحوري آنذاك بين سائر الدول الإسلامية، وفيما يلي إطلالة سريعة وموجزة على أهم ما استقرأه السيد من سياسات بريطانيا تجاه كل بلد إسلامي.
1. إيران
كانت بريطانيا تبغض إيران لعدة أسباب قديمة وحديثة. أمّا عن القديمة فيقول الأفغاني: «إنّ في قلوب الإنجليز حقداً وضغينة على كل إيراني سواء كان من الأفراد أو الوجوه، ويسيؤون معاملتهم حيثما وجدوا من بلاد الهند ويمقتونهم مقتاً شديداً، لأنّ نادر شاه من ملوك العجم جاء إلى الهند فاتحاً على عهد السلطة التيمورية، واستولى على خزائن الأموال في دلهي، وأخذها إلى بلاده قبل استيلاء الانجليز على تلك المملكة بما ينيف عن قرن، ويعضون الأنامل من الغيظ، ويحرقون الإرم من الأسف على ما أخذه نادر من أموال دلهي وحرمانهم من تلك الأموال، ويحملوا هذا الوزر على عاتق كل إيراني» (1: 292).
أما السبب الحديث، فهو ما حصل لبريطانيا جرّاء إلغاء معاهدة التنباك، حيث فوّت عليهم العلماء مغانم كثيرة عندما أجبروا شاه إيران على إلغاء تلك المعاهدة التي تفوّض لبريطانيا حق التصرف المطلق بالتنباك الإيراني.
2. الدولة العثمانية
رغم العداء الذي تكنّه بريطانيا للدولة العثمانية التي تشكّل الخلافة الإسلامية آنذاك، تحاول جهد إمكانها السيطرة عليها بشتى السبل والوسائل وتضعيفها لتبتلعها لاحقاً: «باختصار إنكلترا هي بصدد تفكيك الإمبراطورية العثمانية من أجل ابتلاع الأجزاء المرغوبة منها الواحد تلو الآخر، تماماً بالطريقة نفسها التي ابتلعت فيها الهند ببطء ولكن بلا مخاطر» (6: 69).
ولكن مع هذا كانت بريطانيا تتوجس من الدولة العثمانية خيفة إذ كانت تحس أن «كل إنجليزي قلبه بين أصابع الدولة العثمانية وأحشائه مستقرة على أناملها» (1: 98) ولكن مع هذا كانوا أضعف من أن يجاهروها بالعدوان أو أن يعلنوا عليها حرباً خشية أن تنقلب عليهم الدول الإسلامية
(1: 274، 361)، أو أن يتم تحالفهم مع روسيا أو سائر خصوم بريطانيا فتكون البلية عليهم أعظم. فلذا اكتفوا بالتهديد والترهيب والوعيد (1: 266، 333).
3. أفغانستان
كان هناك تنافر متبادل بين بريطانيا والأفغان، وكانت بلدة الأفغان عصية على بريطانيا لم تستسلم لها، رغم أنّها كانت منطقة استراتيجية بالنسبة لبريطانيا وتعد مفتاح الهند فمن سيطر عليها أمكنه السيطرة على الهند أيضاً وزعزعة سلطة بريطانيا، لذا شهدت الساحة الأفغانية سائر ما شهدته البلدان الإسلامية من غزو ومكر وحيلة؛ غير أنّ هذه الحيل لم تنجع وباءت بالفشل جرّاء بسالة أبناء الأفغان وشجاعتهم وثباتهم في الدفاع عن الأرض والوطن، رغم أنّ بريطانيا استخدمت كل ما بوسعها حتى أرادت أن تلقي الفتنة بين الأفغان وإيران حيث كانت تعطي الأموال لبعض أمراء وعلماء كابل لينادوا بالحرب الدينية، ولكن سرعان ما فشلت تلك الخطط «كأنّ الأفغانيين علموا أنّ لوث حيل المحتال ودرن مكره وأوساخ خداعه؛ لا يطهّرها إلاّ دمه المهراق، وإنّ عين الطامعين لا يملؤها إلاّ تراب القبور، فأراقوا دماء الانكليز، وجعلوا شعاب جبالهم قبوراً لقتلاهم، وأذاقوهم مرارة نقض العهود» (7: 160).
4. السودان والحركة المهدية
كان لبريطانيا مطامع في السودان، ولكن فشلت تلك المطامع جرّاء انكسار بريطانيا أمام حركة محمد أحمد المهدي السوداني، وإليك بيانه:
إنّ بريطانيا بعد ما رأت أنّ الدول الغربية لم تتوافق مع سياساتها سيما في مصر، طمعت أن تحتلّ السودان لتكون عوضاً عن مصر مستقبلاً: «تريد حكومة إنجلترا إذا عارضتها الدول في السيادة على مصر أن تنشئ لها سلطة في خرطوم يمتد حكمها إلى جميع أراضي السودان، وعساكرها الآن حالّة في سواكن، وما أسرع أن تصل بين المدينتين بالسكة الحديدية، فتكون القوة الانجليزية بعد هذا محيطة بمصر من جميع الجوانب» (1: 367).
ولكن فوجئت بريطانيا بشيء لم تكن تتوقعه وهو حركة (محمد أحمد) مدعي المهدوية السوداني حيث قام بوجه بريطانيا وألقى الهزيمة النكراء بجيوشها، وانعكست هذه الهزيمة على بريطانيا سلباً من عدّة جهات:
1. انكسار الهيبة البريطانية وإظهار ضعف قواها العسكرية.
2. دفع مشاعر المسلمين عموماً نحو مقاومة المحتل وإعادة الأمل في قلوبهم حتى كتب بعض أصدقاء السيد إليه كتاباً يقول فيه: «إن محمد أحمد لو كان دجالاً لأوجبت علينا الضرورة أن نعتقده مهدياً وأن لا نفرط في شيء مما يؤيده» (1: 274)، «ولّد هذا الحدث لدى المصريين الأمل بالتخلص من السيطرة الانكليزية بمساعدة المهدي، ومن جهتهم فإنّ مشايخ جامعة الأزهر بدأوا يطلبون المغفرة في أعقاب الفتوى التي تناولت محمد أحمد كدجال» (6: 33) كما إنها أيقظت المشاعر الدينية لدى كل شيوخ الطرق مثل القادرية والنقشية والجلالية والسنوسية والشاذلية وغيرها. (6: 33).
3. إحراج الحكومة أمام شعبها وسائر الأحزاب المنافسة لها.
4. وقوع الخوف والهلع في قلوب العساكر البريطانية.
لذا استخدمت بريطانيا ماكنتها الإعلامية والسياسية، واستنفذت كل خططها وحيلها للتخلص من هذا المأزق، حيث عملت وفق الخريطة التالية:
1. أول ما قامت بريطانيا به إرسال الجيوش والعساكر، لكن غيّرت سياستها بعد إخفاق عساكرها وانهزامهم أمام المهدي السوداني (1: 222).
2. التقليل من صدمة الانكسار في الإعلام وأنهم تراجعوا لمصالح أخرى.
3. الاستعانة بالعثمانيين لأخذ مرسوم منهم بتبديع محمد أحمد والتنديد به (1: 410).
4. الاستعانة بالجيش العثماني (1: 312).
5. اختراع مهدي آخر في السودان لتفريق الكلمة وإيقاع الخلاف بين السودانيين (1: 371).
6. الإيقاع بين المسلمين وغير المسلمين في أفريقيا، واستحداث حرب دينية جديدة، حيث بدأوا بالتنسيق مع ملك الحبشة وإغرائه ليدخل في حرب مع المهدي السوداني، «ولم تبال في التماس هذه المساعدة أن تصرّح للحكومة الحبشيّة أن الغرض منها كبح المسلمين في السودان وإضعاف قوتهم، لتثير بذلك حرباً دينية تذكّر العالم بالحروب الصليبية» (1: 280).
7. وأخيراً أطلقت آخر كنانة من سهام حيلها، فبدأت بمدح الإسلام وجلب مودّة المسلمين حتى إنّ بعض البريطانيين الموجودين في الهند دخل في الإسلام، وكان الغرض من ذلك «أن يخدعوا المسلمين بمشاكلتهم إليهم ويحسنوا الظن بهم، فيبيحوا لهم بما تكنّه صدورهم من خواطر الميل إلى دعوة محمد أحمد السوداني» (1: 416).
5. الهند
«لقد انتزعت إنكلترا المملكة التيمورية الواسعة من أيدي الإسلام، كما استولت عنوة على حكم الميريت الذين يشكلون العدد الأكبر والأفتى بين الهندوس، لقد فتنت إنكلترا أشراف السند وراجوات السيخ في البنجاب، كما قضت على علماء البنغال، ولم توفر ممالك ميسور وأود التي أفرغتها من السكان بواسطة المجازر، وأخيراً قامت إنكلترا بتقطيع الأقاليم التابعة لرجاوات جيبور ودجوبتور وبرودا حيث استولت على القسم الأكبر منها» (6: 39).
هذه السياسة الملتوية دامت عدّة عقود وأعقبت الويل والثبور والفقر والحرمان، ولم يكن الرابح الوحيد من هذه الصفقة سوى دولة بريطانيا الفخيمة، وفيما يلي نشير إلى أهم سياسات بريطانيا في الهند بحسب ما أفادها يراع السيد جمال الدين رحمه الله:
1. الظهور بمظهر الصلاح والخدمة، قال السيد: «أول ما استمالوا به القلوب السالمة قولهم إننا نريد تخليصكم من هذه الدول الظالمة (فرنسا وهولندا والبرتغال)، فإنّها تريد التسلط على ممالككم، أمّا نحن الإنجليز فلا نريد إلاّ تحريركم واستقلالكم» (1: 204)، وقال: «دخلت دولة الإنجليز بلاد الهنديين ومدّت عينها إلى ما متّعهم الله به من أراضيهم، وطمعت إلى اختطافها من أيدي المسلمين، إلاّ أنّها ذهبت مذهب اللين واللطف، وخفض جناح الذل، والظهور في ألبسة الخضوع والخشية» (1: 288).
2. محاربة السلطة الحاكمة وإضعافها: «كانت تتدرج في نقض أساس السلطنة التيمورية حجراً حجراً، وتمتلك أراضيها قطعة بعد قطعة، لكن بدون تعرّض للسلطنة الظاهرية ولا مسّ لنفوذها، كانت تغري الولاة من النوابين والرجوات بالخروج على السلطان التيموري، ثم تنوب عنه بالعساكر الإنجليزية والصينية للتغلّب على الخارجين تحت اسم الملك، ولا تمس رسومه الملوكية بل تلقّب نفسها خادمة مأمورة» (1: 289).
3. إغراء الأمراء وتحريضهم على الاستقلال: «دمّر الانجليز على الهنديين في أراضيهم وانبثوا بينهم فتمكنوا من تفريق كلمة الأمراء وإغراء كل نواب أو راجا بالاستقلال والانفصال عن السلطنة التيمورية فتمزقت المملكة إلى ممالك صغيرة، ثم أغروا كل أمير بآخر يطلب قهره والتغلب على ملكه فصارت الأراضي الهندية الواسعة ميادين للقتال واضطر كل نواب أو راجا إلى المال والجنود ليدافع بها عن حقه أو يتغلب بها على عدوّه، فعند ذلك تقدم الإنجليز بسعة الصدر وانبساط النفس ومدّوا أيديهم لمساعدة كل من المتنازعين وبسطوا لهم إحدى الراحتين ببدر الذهب وقبضوا بالأخرى على سيف الغلب. بدأوا قبل كل عمل بتنفير أولئك الملوك الصغار من عساكرهم الأهلية ورموها بالضعف والجبن والخيانة والاختلال ثم أخذوا في تعظيم شأن جيوشهم الانجليزية وقوادها وما هم عليه من القوة والبسالة والنظام حتى اقتنع كل نواب أو راجا بأنّ لا ناصر له على مغالبه إلاّ بالجنود الانجليزية، فأقبل الانجليز على أولئك السذّج يضمون لكلٍّ صيانة ملكه وفوزه بالتغلّب على غيره بجنود منتظمة تحت قيادة قواد من الانجليز ويكون بعض الجنود من الهنديين وبعضها من البريطانيين وما على الحاكم إلاّ أن يؤدي نفقتها، ثم خلبوا عقول أولئك الأمراء بدهائهم وبهرجة وعودهم ولين مقالهم حتى أرضوهم بأنّ يكون على القرب من عاصمة كل حاكم فرقة من العساكر لتدفع شر بعضهم عن بعض، وصار الإنجليز بذلك أولياء المتباغضين، وسموا كل فرقة من تلك الجنود باسم يلائم مشرب الحكومة التي أعدوها للحماية عنها، ففرقة سموها (عمرية) وأخرى سموها (جعفرية) وغيرها سموها (كشتية) إرضاءً لأهل السنة والشيعة والوثنيين» (1: 329).
4. الاستحواذ على الأراضي وأملاك الناس
«لما فرغت خزائن الحكام وقصرت بهم الثروة عن أداء النفقات العسكرية فتح الإنجليز خزائنهم وتساهلوا مع أولئك الحكام في القرض وأظهروا غاية السماحة، فبعضهم يقرضون بفائدة قليلة وبعضهم بدون فائدة وينتظرون به الميسرة حتى ظن كل أمير أن الله قد أمده بأعوان من السماء، وبعد مضي زمان كانوا يومئون إلى طلب ديونهم بغاية الرفق ويشيرون إلى المطالبة بنفقات العساكر مع نهاية اللطف، فإذا عجز الأمير عن الأداء قالوا إنا نعلم أن وفاء الديون والقيام بنفقات الجنود يصعب عليكم ونحن ننصحكم أن تفوضوا إلينا العمل في قطعة كذا من الأرض نستغلها ونستوفي منها ديوننا من غلاتها على الجيوش التي أقمناها لكم ثم الأرض أرضكم نردها إليكم عند الاستيفاء والاستغناء وإنما نحن خادمون لكم. فيضعون أيديهم على غضروات الأراضي وفيحائها، وفي أثناء استغلالها يؤسسون بها قلاعاً حصينة وحصوناً منيعة كما يفعلون ذلك في ثكن عساكرهم على أبواب العواصم الهندية، وفي خلال هذا يفتحون للأمراء أبواباً من الإسراف والتبذير ويقرضونهم ويقتضون قرضهم بالقيام على أراض أخرى يضمونها إلى الأولى ثم يحضون نار العداوة بين الحكام لتنشب بينهم حروب فيتداخلون في أمر الصلح فيجبرون أحد المتحاربين على التنازل للآخر عن جزء من أملاكه ليتنازل لهم الثاني عن قطعة من أراضيه وهم في جميع أعمالهم موسومون بالخادم الصادق والناصح الأمين لكل من المتغالبين.
وبعد هذا فلهم شؤون لا يهملونها في إيقاع الشقاق بين سائر الأهالي لتضعف قوة الوحدة الداخلية ويخرب بعضهم بيوت بعض، حتى إذا بلغ السير نهايته واضمحلت جميع القوى من الحاكم والمحكوم وغلبت الأيدي فلا يستطيع أحد حراكاً، ساقوا الحاكم إلى المجزرة بسيوف تلك العساكر التي كانت حامية له واقية لبلاده. وكانت تشحذ لجز عنقه من سنين طويلة وينفق على صقالها من ماله ثم خلفوه على ملكه وكانوا يميلون بقوتهم إلى أحد أعضاء العائلة المالكة ليطلب الملك فيخلعون المالك ويولون الطالب على شريطة أن يقطعهم أرضاً أو يمنحهم امتيازاً فيحولون الملك من الأب للابن ومن الأخ لأخيه ومن العم لابن أخيه وفي الكل هم الرابحون»
(1: 329 ـ 330).
وهناك حيلة أخرى استخدموها للاستحواذ على الأراضي يشرحها السيد بقوله:
«أراد الإنجليز أن لا يكون لغيرهم يد على ملك واسع فيما تحت سلطتهم، فضربوا على أرباب الاقطاعات رسوماً زائدة يؤدونها عن أراضيهم في أوقات محدودة، ثم وضعوا في قانون الزراعة أنّه لا يجوز للمالك أن يقيم الدعوى على مزارعيه إذا تأخروا عن تأدية ما شرط عليهم إلاّ بعد مُضيّ ثلاث سنوات من وقوع موضوع الدعوى، وإذا خان المزارعون أو أهملوا في أعمالهم أو استأثروا بمحصولات الزراعة فلا يمكن لصاحب الملك أن يخاصمهم في مجالس القضاء إلاّ بعد مضي تلك المدة، إلاّ أنّه يؤدي ما عليه للحكومة في أوقاته رغم أنفه وإن لم يؤد إليه العاملون له شيئاً. وفي قانون المرافعات عندهم أنّه إذا مضى على موضوع الدعوى ثلاث سنوات لم تحصل في أثنائها إقامة الدعوى فلا تسمع. فهذا يحمل العاملين في الزراعة على الإضرار بأرباب الأملاك ولا سبيل لهؤلاء إلى استخلاص حقوقهم من أولئك، والحكومة لا تترك من فريضتها شيئاً ولا تتساهل في طلب أدائها بوجه فيضطر الملاك للتنازل عن أراضيهم للحكومة الإنجليزية (العادلة)» (1: 352).
5. اتخاذ سياسة (فرّق تسد): حيث قاموا بإلقاء الخلاف الديني والمذهبي والطائفي بين كل من المسلمين والهنود، وكذلك بين المسلمين أنفسهم والهنود أنفسهم (6: 158).
6. استصغار الهنود واحتقارهم حيث كانوا يتعاظمون عليهم في المجالس، كانوا عندما يريدون أن يأخذوا الضرائب هيئوا مكاناً مرتفعاً عن الأرض فيضعون الكراسي هناك للسادة الإنجليز، ويجلس الهنود في منخفض من الارض (1: 454).
7. وأخيراً دعم الدهريين والملحدين والطبيعيين من المسلمين لتضعيف الناس عن مبادئ دينهم وإبعادهم عنه (1: 108)، كما دعموا السيد أحمد خان الهندي المستغرب تماماً لفتح جامعة ونشر الكتب والصحف التي تروّج للعلمانية والدهرية آنذاك (1: 445ـ 446).
وقد أحلّت هذه السياسات بالبلاد الهندية الدمار والفقر وتشتت الكلمة، وبهذا تمكنت من بسط سيطرتها لعدّة عقود.
6. مصر
قد أولى السيد جمال الدين لمصر اهتماماً كبيراً إذ كانت بوابة الإسلام آنذاك ولبريطانيا فيها مطامع كثيرة، ونحن لا نريد هنا الخوض في تاريخ مصر إبان الاحتلال البريطاني، بل ما يهمّنا هو تسليط الضوء على قراءة السيد لمجمل سياسة بريطانيا تجاه مصر وكشف أهدافها ومخططاتها.
يرى السيد أنّ السبب الرئيسي لاحتلال مصر إنما هو إحكام السيطرة على الهند، حيث حاولوا السيطرة على جميع الطرق الاستراتيجية المؤدية إلى الهند، لبعد المسافات بينهم وبين الهند، فبدأوا بتطبيق مخططهم خطوة خطوة، وبما أنّ مصر تعد بوابة الشرق آنذاك ـ سيما بالنسبة إلى الدول الإسلامية ـ أصبحت محط أطماعهم.
طبعاً يشير السيد إلى الخلاف الموجود بين ساسة بريطانيا لكيفية العمل في مصر، فكان رأي شريحة منهم الاستيلاء التام وإعلان السيادة على مصر، لكن ذهب البعض الآخر إلى إرسال العساكر ثم إخراجهم بعد تحقق مآربهم، وهذه الثنائية في الرأي بقيت مستمرة طوال فترة الاحتلال البريطاني، وكانت تشتد عند الإخفاقات السياسية والعسكرية (1: 99، 303).
يصوّر السيد هذا المشهد المحتدم بقوله: «اشتدت خطوب المسائل المصرية، واشتبهت مناهجها، وعظمت أخطارها، والتبست وجوهها على ذوي الشؤون وأرباب المصالح فيها حتى على السياسيين من رجال حكومة إنجلترا، كل يتصور غاية ويطلب حظاً يناله، وقد شد رحاله للوصول إليه ولكن ضل أعلام الجادة، وتاه في مجاهيل، وليل المشكلات مظلم، وديجورها مدلهم، وتعاكست مذاهب السالكين، هذا يشرّق والآخر يغرّب، وكل في وحشة يطلب المعين ويخاف العادي، وكلما فرح لنبأ رمي بسهمه من الجزع لا يدري أصاب خصماً أو قتل منجداً» (1: 257 ـ 258).
لكن مع هذا التذبذب، تبقى السياسات الكبرى هي ذاتها سارية في جميع الأقطار، فليست سياسة بريطانيا في مصر ببدعٍ من سياستها في الهند، والأحزاب رغم اختلافها تتّحد في تحقيق مصالح الدولة الفخيمة راعية العدالة! يقول السيد بهذا الصدد: «انظر إلى الحزب الحر في الحكومة الإنكليزية كيف كانوا يحامون عن حرية الأمم، ويحثّون الدول على إطلاق رق العبودية عن الشعوب... ولما آل الأمر إليهم وأخذوا زمام الحكم بأيديهم، ما حرّروا بلاداً، ولا أعتقوا عباداً ولا أطلقوا رقاباً، بل صاروا على الأمم أشد من الحزب المحافظ» (6: 120).
وفيما يلي يشير السيد إلى أهم معالم سياسة بريطانيا في مصر للسيطرة التامة عليها:
1. إظهار المحبة والود والخدمة، حيث أن بريطانيا: «لا تسلك في فتوحاتها إلاّ مسلك الوداد، حتى إنها قلّ ما تملّكت بلداً بالقوة القاهرة، وإنّ الشر لا يأتي إلاّ من معاهداتها. أليست هي التي أزالت السلطنة التيمورية التي كانت منبثة في جميع أرجاء الهند بمداخلاتها الودادية ومواعيدها المؤكدة؟... فاحذروا يا أهل الديار النيلية من أن يحلّ ببلادكم ما حلّ بغيرها» (6: 108).
«هي تدخل البلد الذي تطمع به تحت كل الأشكال الأكثر مجاملة، وكل المظاهر الأكثر مودة، هناك تنحاز أحياناً إلى جانب الأمير ضد الشعب، وأحياناً إلى جانب الشعب ضد الأمير...» (6: 68).
2. طرد العساكر المصرية الوطنية ومحاولة استبدالهم بغيرهم على أن تكون القيادة بيد الإنكليز، ثم محاولة طرد هؤلاء الجدد واستبدالهم بجنود بريطانيين، تعلّلاً بفساد أخلاق المصريين وعدم أهليتهم للخدمة النظامية، وعجزهم عن القيام بوظائف الضبط وصيانة الراحة (1: 327، 483).
3. غلّ أيدي الحكومة والتضييق عليها: «أمّا في مصر فقد أظهرت مقاصدها لأول خطوة، باكورة أعمالها بعد دخول تلك البلاد غلّ أيدي الحكومة ومعارضتها في جميع أعمالها وصدّها عن تعاطي شؤونها» (1: 289).
4. تحريض الشعب ضد الحكومة لإفساد الأمر وعدم توحيد كلمة المصريين (6: 121).
5. إخضاع العلماء والتصرف في الأوقاف، حيث حاكت بريطانيا مسرحية لتحقيق هدفها هذا، أنّها قصفت بعض المدن المصرية عام 1882م بلا جرم أو أي سبب آخر، فوقع تعويض المتضررين على عاتق الحكومة المصرية، لكن بما أن الخزينة فارغة، اقترح الإنكليز أن يدفعوا قرضاً للخزينة المصرية لإعطاء التعويض على شرط أن تكون الاوقاف العمومية كافلة للقرض وفوائده، وتكون إدارة الأوقاف في تصرّف رجال من الإنجليز (1: 465).
6. التسلط على الموارد المالية للبلاد من خلال الضغط على الحكومة المصرية لإعلان الإفلاس وإشهار العجز عن القيام بنفقات الحكومة، ليجدوا في ذلك وسيلة لتقرير حمايتهم على القطر المصري وتخفيض فائدة الدين والاستبداد بشؤون المملكة (1: 442).
7. إحداث الفتن الداخلية والصراع بين القوميات المختلفة، ليجدوا مبرراً لطول بقائهم هناك (1: 314).
8. تغرير الأهالي ليطلبوا الحماية الرسمية الإنجليزية لضمان طول بقائهم هناك بحجة حماية حلفائهم (1: 337).
9. الدعوة إلى إقامة مؤتمر دولي بشأن مصر وحصر المناقشة فيه بما يخصّ الشأن المالي لتحكم بريطانيا سيطرتها بشكل أكبر، لكن باقي الدول عارضتها وطلبت أن يكون المؤتمر عاماً بما يخص مصر سياسياً، وإدارياً، ومالياً، وعسكرياً، هذا الخلاف بين الدول صاحبة المصالح المتضاربة أدى إلى إفشال المؤتمر وإحباط مخطط بريطانيا.
هذه وغيرها كانت أهم معالم سياسة بريطانيا في مصر لإحكام السيطرة عليها، ولم تنتج سوى الويل والدمار لأهل مصر إذ أصبحت «ببركة العدل الإنجليزي وحسن الإدارة البريطانية أرض الفتن، ومجالات الحروب، ومضارب الخلل والفساد... كسدت أسواق التجارة، وغلّت أيدي الزارعين عن العمل في الفلاحة بفقد الأمن وعموم الاضطراب، وامتنعت الأرض عن الإنبات بإهمال الأعمال العامة واستولى الفقر... ومع كل هذا ترى الإنجليز لا تأخذهم ريبة في أنهم عادلون قوامون بالقسط، وإنّ حلولهم في أيّ قطر وسلطتهم على أيّ شعب مقرونة بالسعادة والرفاهة والأمن والراحة» (1: 384).
[1]*ـ مدير عام المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية ـ رئيس تحرير فصلية "الاستغراب".