البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

الإيديولوجيا في مساراتها ( من الوهم إلى العلم )

الباحث :  خليل أحمد خليل
اسم المجلة :  الاستغراب
العدد :  6
السنة :  السنة الثانية - شتاء 2017 م / 1438 هـ
تاريخ إضافة البحث :  February / 6 / 2017
عدد زيارات البحث :  1615
تحميل  ( 294.510 KB )
يبحث الأكاديمي وعالم الاجتماع اللبناني خليل أحمد خليل في هذه المقالة حركة الإيديولوجيا في مساراتها المعرفية واختباراتها، انطلاقاً من معايناته للمفهوم على امتداد خمسين عاماً من الدرس والبحث العلمي.
وتبعاً لهذه العملية الاستقرائية سوف نقرأ كيف اتخذ البروفسور خليل من تجربته الشخصية في الميدان السوسيولوجي منهجاً لمقاربة الإشكالية الإيديولوجية كما تتبدَّى على ضفتي الوهم والعلم.
المحرر
----------------------------------------

مساءلة:
كان جيلنا المُتعالِم يلهو، منذ منتصف القرن العشرين، بألغاز كلماتٍ مُبهمة توارثها من جيل ثاقف، فطري الثقافة (Autodidacte)، علمه من تجاربه وأوهامه، بلا كتاب أو مدرسة، لكننا كنّا في كُتَّاب الشيخ، أمام كتاب موّحد، من الآجروميّة إلى أجزاء القرآن الكريم، وفي المدرسة الجعفرية (صُور) تكاثرت علينا الكتبُ واللغات كأنها أسفارُ جَفرْ (Code) ينطوي كلٌّ منها على أجزاء من علوم العَصْر، المحجوبة عنّا بـ (حديث خرافة) بنُزّهة أو حكاية مؤسطرة، تارةً، وتارةً بتفسير مزوَّر أو بتبرير أرعن لما سيُعرف عند ثقافات وافدة من الغرب (ما في شيء من الغرب يُسرّ القلب) بـ «الجهل المقدس» أي المعبود، مقابل جَفْر القديم وجفاف ثقافتنا العديمة، كان على جيلنا الحفرُ في مسارات التحوّل من الوهم إلى العلم ـ من الآدمية والأفلاطونية إلى سلفيات عصرنا وإيديولوجياته، كانت مفردات اللغو(jargon) تستحوذ على وعينا العربي والمسلم، مع إيثار للعروبة (القوموية) على الإسلام ومذاهبه (الإسلامويّات): مبدأ، عقيدة، مذهب (وهذه مفردة سنكتشف لاحقاً أنها غير مذكورة في القرآن)، حزب (Faction)، طائفة، ملّة، قوْم (Peuplade)، دِيْن، الخ، ولما كانت مفرداتُ الحداثة الغربية قد أخذت تغزو لغتنا وثقافتنا، كان وعينا المزدوج لذاتنا ولغيرنا يصدمُ لسانياً وكتابياً بمفردات غربية، ذات شِيَةٍ (Nuance) أو بصمة غالبة: I me مقابل نسبة الياء العربية إلى المُلك (كتابي) وإضافة تاء الأدلجة (قوم + ي + ة).
وعندما تلقّينا شفوياً مفردة إيديولوجيا (Idéologie، Ideology) سارعنا إلى مساءلة أستاذ العربية عمّا تعنيه، فكان قوله: ( الإيديولوجيا حماقة، حقد على العرب) ثم أضاف: «لكل داء دواء يُسْتَطب به، إلا الحماقة أعيت من يداويها)» عليه، صار على وعينا أن يعاني وهو يحفرُ في جَفْرِ الثقافات واللغات، محاولاً ألاّ يستسلم لمحنة الإعياء الحضاري، كما كان يفعل جيلُ سلفنا الثقَّاف، مُعلناً إذعانه أو انهزامه أمام سائله: «.. إذا عييت، فضع رأسك مطرح ما خربت» بهذه البذاءة، كانت تُدار رؤوس (أوعقول)، ولكنَّ جيلنا المنتصبَ الرأس، الناهض العقل، رفع رأسه نحو السماء، وما انفكّ يتعالى ويتماهى بما هو أسمى وأسوى، فهل هذا وهم أم علم؟.
ما هي إيديولوجيا الإنسان؟
كان جيلنا المُتعالِم يصدِّق ما يرى، فيما كان جيل سلفنا الثقاف يجهل ما يسمع، ومع ذلك يُصدّقه دَهَبَاً أو جهلاً، أو الاثنين معاً، ليست الإيديولوجيا «حديث خرافة»، ولا «داء حماقة»، ولا حتى «حقد غربٍ على عرب أو مسلمين» لكنّ الإعياء الذي أصابَ مسلمي القرن العشرين، بعد عصور مديدة من الحروب والهزائم، جعلهم أميلَ إلى الحياة بأقل جهد عقلي ممكن، أميل إلى اليأس، بعدما كان هلالهم يشي بالأمل الجديد الذي أطلقه القرآن في فضاء العالم القديم، الموشَّم بالعذاب الصليبي وبالتعذيب اليهودي، هلال قرآني في منطقة مهدية (مهد ديانات ورسالات)، يشدُّ الناس إلى أنا أعلى إلهي، أكبر من كل أنا أعلى أرضي (جبْت، طاغوت..) ويدفعهم بقوّة روحيّة خارقة لإبلاغ بني آدم كافَّة أنّ الإسلام، الممهور بالكتاب وسنّته النبوية، هو ختام أو خاتم «ناسية محمد» ـ بمعنى بداية لا تتناهى، لا بمعنى إغلاق باب العقل، الناسيّة (Ethnie) المعرفية، المُقامة عند «أهل البيت» على مثلث تعارفي/ تبادلي (من فوق إلى تحت / من تحت إلى فوق) قوامُه الهليّة (هل) والمنيّة (مِن) عند صدر المتألهين، مثلاً: «ما عرفك (علي) إلا الله وأنا، وما عرفني (النبي) إلا الله وأنت، وما عرف الله إلا أنا وأنت» فجعل وجود الإمام علي8 إتماماً للنعمة الإلهية على محمدd والناس، (مذكور عند محمود حيدر، فلسفة المكان القدسي، مجلة المشرق، ج2، 2015، ص607)، كما جُعلت زيارة المكان الأشرف (النجف، مثلاً) هي لله وإليه، وذلك على الحقيقة هو عين التوحيد» (م.ن، 608).
وبعد، هل للإنسان إيديولوجيا واحدة، موحدة؟ أم نحن أمام إيديولوجيات تُناهز، تاريخياً، مكوّنات الإنسانية المعاصرة، بكل لغاتها وثقافاتها أو مداراتها الحضارية؟ وفوق ذلك، هل الإيدولوجيا كائن من وهم أم هي كائن من وهم علم، يخاله أصحابه علماً مطلقاً؟
في عصرنا كان العدمُ مثلبة (عديم العلم: جاهل، عديم الأخلاق، أزعر، عديم الدين: ينطوي بدوره على إعلام إيدولوجي، شعبوي (Populiste) مترنح بين الإبهام والإيهام: «يا عديم الاشتراكية، يا عديم الإنسانية.. ونزمر لك كدا هو.. ونصفّق لك كدا هو « فبهذا المتّهم هو إقطاعي قديم، عديم إيديولوجي (A-idéologique)، مضاد لإيديولوجيا العدل أو المساواة بين الناس الذين تخاطبهم الإيديولوجيا الجديدة، الناصرية، بلسان العروبة والإسلام معاً.
لكن، قبل تداول مصطلح إيديولوجيا عربياً، وإسلامياً، كانت أفكار العروبة الجامعة (Panarabisme) تتحوَّل ببطء إلى إيديولوجيا قومية (قوموية Nationalisme)، مقابل أفكار الإسلام الجامع (الإسلاموية: Panislamisme)، بعد اندحار التجربة العثمانية (1925)، قومية عربيّة تحصّنتْ منذ 1945 في «جامعة دول عربية»، وإسلامجية (Islamisme) أو إسلاموية (إسلام سياسي، خليفي ضمناً) تغلغلت في مكوّنات المجتمعات المسلمة (العربية وغير العربية) وكوّنت لبعضها دولاً (باكستان الغربية والشرقية ـ بنغلادش حالياً ـ منذ 1947)، بإسناد بريطاني، كان من جهة أخرى يُقيم ثاني دولة دينية / يهودية هذه المرّة / على أرض فلسطين، منذ 1948، وذلك من وراء تغالب القوميّات والإيديولوجيات الإسلامية على أرض الإسلام المعاصر.
الإيديولوجيا مصطلح حديث نسبيّاً، مركّب من تلاصق كلمتين يونانيّتين (Idea) و(Logos)، خلافاً للسان العرب، الاشتقاقي عموماً، تُقال Idea على فكر (أفكار أو مُثل)، ويُقال Logos على علم، عقل، كلمة (Verbe)، ويكون الحاصل إتيمولوجياً: علم الأفكار أو المُثُل (في تعريب أفكار أفلاطون). إبستمولوجياً، تدل الإيديولوجيا على تمثّل مجرّد بالمعنى السينوي: الفلسفة هي المجرد، السياسة هي الملموس لكائن أو لغرض (Objet)، شيء، موضوع. سوسيولوجيّاً، سيجري الكشفُ، منذ أوغيست كونت (1798 - 1857 باريس)، عن الذات، الفاعل الاجتماعي، المصِّنع بأفكاره للهويّة المجتمعية، ولئن عُرِفت إيديولوجيات إنسانية جمّة، فإن الاعتراف بها لم يحدث إلا بعد تغالب واصطراع مديد (للمثال، نذكر ثورة الجمهورية الإسلامية في إيران، 1979، التي لم يعترف بها الغرب (5+1) إلا سنة 2015، في سياق اتفاق نووي، كما نذكر ثورة الصين الشعبية التي حلّت في مجلس الأمن محل الصين الوطنيّة ـ فورموزا أو تايوان الخ..).
يُفرق فلسفياً بين المُثُلي (Idéel)، بمعنى أنه هو ما لا يوجد خارج الفكر (Pensée)، أي ما لا يحدث في الواقع، بكلام آخر، يُقال إن المثالي هو نظري، وإن كل نظرية هي فرضية، والحال المثالي هو نظري افتراضي، موضوعه أغراض متخيّلة (مثالية)، ينطوي على كل الصفات المنشودة (الأمثل: الأحسن، الأسمى، الأسوى.. الأقدس في آخر المآل الفلسفي).
لِمَ المثاليُّ إذاً؟
نلحظ هنا بقوة ترابط ثلاثة مكوّنات للأنموذج المثالي: الساحر (Mage) والكاهن أو الحكيم (Sage)، والصورة (Image)، أو المرآة (Miroir، عند جاك لاكان)، ونرى أن غاية كل مثال إنتاج صورة مرآوية[2] للذات أو للأنا، وترسيخها في دماغه، الذي يُخال أنه مخزن صُور، يصدّقها لأول وهلة، ثم ينقدُ علينا، إذ ليس صحيحاً أن الإنسان عَقُول (Sage) كصورة.
وهذا بالضبط ما يتيح للإنسان المؤدلج، غسلُ دماغه، واستبدال أفكار مختلفة بأفكاره مقبولة.
الحاصل أنَّ المثالي هو أنموذج إيديولوجي يجيب عن مطالب جمالية / أخلاقية / عقلية.. لشخص ما أو لجماعة مؤدلجة، وفقاً لمثالٍ مُقتدى / مُحتذى، يُقال على المكتمل أو التّام (معنى العصمة).
في التحليل النفسي، حيث يقوم العالم الحديث مقام الرّوّاح البدائي (السّاحر، الكاهن أو «الذي يُعاشر الأرواح»)، يُقدّم مثال الأنا بوصفه الأنا المرجعي أو المرجع الأنوي الذي يختار القيم الأخلاقية المنزّلة من لدُن الأنا الأعلى (أنا ربكم الأعلى، قرآنياً؛ أو الآخر الأكبر، لاكانياً)، ويتخذها جداراً خفياً لحصنه الاعتقادي الذي سيسمَّى «إيديولوجيا» بمعنى، تمثّلَ الواقع، مَثلنته بخيال أو بوهم، يُخال أنَّ الإنسان شبح، روح من روح، أو مِيتا آدم.
وهذا بالتحديد ما نقدَته عليه الفلسفةُ، أمُّ العلوم، قبل أنْ يأكلها أو يقتلها أولادها (حيث الأبناءُ فناءُ الآباء) وحيث لا يخرج الحيُّ إلا من «الميت» (كما في قولهم: «الموزُ قاتل أبيه» أو أمّه نقولُ). فالفكرة فلسفياً هي جوهر معقول لأشياء ملموسة؛ هي مفهموم كلّي، تصوّر ثابت (Idée fixe idée force). (للمزيد، راجع: أبو البقاء الكفوي، الكلِّيات، دمشق، وزارة الثقافة، 1980 ـ وطبعة بيروت 2002).
الحاصل أن الثقافة العربية السلفية (المُقامة على سوالف السابقين)، على غرار معظم الإيديولوجيات الدينية، عرفت في القرن العشرين استحداث الأدلجة؛ فبادرنا منذ سنوات 1960، إلى تعريب الإيديولوجيا (علم الفكر) بلفظ فكرولوجيا (را. خليل، مجلة الآداب، بيروت،1966: واقع المثقف العربي في القرن الرابع عشر- ابن خلدون)، إلا أنَّ مقترحنا هذا ذهب هباءً. وكان هذا مصير مقترحات أخرى:
ـ مقترح عبد الله العلايلي، فكرويّة، من فِكري (أين الخطأ، بيروت، دار العلم للملايين، 1978، وط 2، دار الجديد،1992).
ـ مقترح عبدالله العروي، الأدلوجة، واشتقاق فعل أدلجَ، غير المتوافر في الفرنسية أصلاً (Idéologiser) واسم أدلجة (Idéologisation).
والحال صمد مفهوم «إيديولوجيا» كما هو في صميم الاستعمال العربي والغربي معاً. وكان تصنيف الإيدييولوجيا ـ مثل الثقافة والديالكتيك... ـ يتمادى في انفلاش عندنا ـ حيث صرنا نختلف في ما بيننا، لا حول ما عندنا، بل وحسب أيضاً حول ما عند الغربيين أيضاً ـ وصار حديثُ الإيديولوجيا مُبهماً وملتبساً مثل «الشعر الحديث» أو « حديث الخرافة». فما كان من فرانسو شاتليه، مؤرخ الإيديولوجيات والفلسفات، إلّا أن اقترح في مؤتمر فلسفي فرنسي، أنْ يُزال من الاستعمال التقني الفلسفي، بعضُ المفاتيح، مثل ديالكتيك وإيديولوجيا، التي تنطوي على أكثر من 150 معنى... وأن يقول كل متكلم أو كاتب ماذا يعني هو بالذات... وإلا ضاعت الطاسة. قُلت له، سنة 1984، في منزله: «هذا ما يحدث عندنا أيضاً، إذ كلما طال الخيط ضاعت الإبرة...» فضحك وهو يستذكر غرابة الفكر البشري: «كلما طالت الغيبة أو الغُربة، طالت الخيبة أو الاستغراب».
تقنياً، الإيديولوجيا هي الكلُّ المتناسق نسبياً لاعتقادات وأفكار وعقائد أو مذاهب (بالعربية من ذهب، مقابل طوائف، من طاف) مؤثرة في سلوك الفرد أو الجماعة الإيديولوجيا الليبرالية، القومية، الدينية الخ.
لكنَّها عند الماركسيين ( را. بنسوسان ولابيكا، المعجم النقدي للماركسية، بيروت، دار الفارابي، 2006): تمثّل خاص للواقع من قِبل طبقة اجتماعية، حيث تتصادم في الواقع إيديولوجيا الإنسان مع إيديولوجيا المال (أو جدار المال، اليد الخفية عند ماركس الذي خال أنَّه «زرع تنانين، فلم يحصد سوى براغيث» (المعجم النقدي).
المُفيد حالياً، هنا والآن، أن نُدرك أن الإيديولوجيا السائدة أو المُهيمنة هي جُملة أفكار (شعارات، لاحظ القرابة بين الشِّعار والشِّعر عن العرب)، ملتبسة أو سديميّة، كما هي حال إيديولوجيّات البورجوزاية والبروليتاريا. وأنّ ما يحدث من عولمة راهنة هو مسار متصل بأطوار الأدلجة (المذهبة: Dogmatisation؛ والعَقْدَنة: Endoctrinement). وهذه هي من أعمال المؤدلجين (الدُّعاة، المكاسِرين عند الاسماعيليّين) الرامية إلى تجديد كل سلطة مارقة (سارقة)، كما أعلن ميشال فوكو، بعد زيارته لطهران، رداً على السياسة الأميركية، المهدوفة عن «محور خير» تدَّعيه، و«محور شر» تعزوه لغيرها. الحاصل أن الأدلجة المعاصرة للعالم إنّما تدور رَحاها بين الإيهام (أو الاستبهام) ـDésinformation ـ والإعلام (أو الاستفهام) Information ـ ؛ لكن، لا مناص من مقاربة أسواق الإيديولوجيات المعاصرة، المفتوحة بلا صفات، من زاوية الدعاية (الدَّعوة) والإعلان (الإشهار التجاري ـ بعدما صارت تجارة الأدوية والمخّدرات تحتل المرتبة الأولى عالمياً، تليها تجارة الأسلحة والنفط، وكلّها تنطوي على ما نسمّيه هنا تجارة الحروب أو المركنتيلية النيو ليبرالية).
في أوروبا، شهد القرنان الثامن عشر والتاسع عشر، نهوض المؤدلجين الفرنسيّين؛ وكان من أبرزهم كونديّاك (Condillac) وكاباني (Cabanis) ودستوت دِ. تراسي (Destutt de Tracy) الذي يُعزَى إليه ابتكار مصطلح (إيديولوجيا) إلّا أن القرن العشرين الأوروبي شهد طغيان الحروب الكبرى التي غطت صراع الإيديولوجيات بتقدم التكنولوجيات، حتى إنَّ ميشال فوكو ناقض ماركس، حيث أعلن أن الحروب لا صراع الطبقات، هي قاطرةُ التاريخ؛ وإنَّ فرانسوا شاتليه ناقضهما بتعطيل الديالكتيك الإيديولوجي، مُعلناً أنه لا تُوجَدُ «وجهة نظر» (Point de vue) بل هناك وِجهةٌ (Point) ونَظَر (Vue) ـ بمعنى أنَّنا كلّما غيَّرنا موقعنا تغيّر موقفنا، وتبدَّل رأينا أو رؤيتنا؛ وتالياً، رأى بيار بورديو أن «الرأي العام وهم» وأن « الإيديولوجيا وهم مقدَّس» أو «جهل مقدَّس».
في تاريخ الإيديولوجيات والفلسفات، تساوقَ ميلادُ التاريخ وترافقَ مع ميلاد الدولة أو التراجيديا السياسية، إلى أن كان، مع رينه ديكارت، مولد الفرد (كوجيتو) ومولد العلم الاختباري (فيديو: أنا أرى) مع كلود برنار (را. جورج كانڤيليم، دراسات في تاريخ الفلسفة وعلومها؛ تعريبنا، بيروت، دار الفكر اللبناني، 1996). في أطروحتي للدكتوراه الثانية في باريس، ذهبتُ إلى أنَّ العقل التوحيدي يهدف إلى تقديم «إيديولوجيا مضادة للإيديولوجيات»؛ لكنني، خلتُ آنذاك أنَّ التوحيد العلمي، غير الناجز بعد في «نظرية علمية موَّحدة- TUS-»، لن يتمكن وشيكاً من تحويل أوهام البشر أو إيديولوجياتهم إلى علوم عقلانية صارمة وصادمة، فرأيتُ، مثلاً، أن التوحيدي، لا يمكنُ نقله إلى الفرنسية بلفظ إيديولوجي عادي (Unitaire) متداول سياسياً؛ واقترحتُ لفظ (Unitarisme) ومصطلح (Unitarianisme) ـ ما جعل ف.شاتليه يضحك، بدون تعليق، وهو المُشرف على الأطروحة. عنيتُ بذلك أن التوحيد الموهوم في فلسفة «التنوع ضمن الوحدة» أو ما عُرف شِعْراً بـ «تعدُّد الوجه» كلما تعدَّدت المرايا، أو أنفاس الخلق وألفاظهم. فمقابل الإيديولوجي المحض هناك، في مرايا الأنوار العقلية، ضديدُه (Anti-idéologique) نقيضه وعاكسه، مثيله، قتيله وقاتله، وخلصت إلى أن التوحد بعلم، إنّما يلّطف من سحر التوحيد بوهم، بعين لا إيديولوجية (A-idéologique) ـ را. شلحت، مدخل إلى علم اجتماع الإسلام؛ تعريبنا، بيروت، المؤسسة العربية،2003. والآن، نتساءل: هل التوحيد العلمي هو لا إيديولوجي ـ عديم الإيديولوجيا حيثُ يَخالُ عقلنا عالماً بلا وهم، كما خيل إيديولوجيّاً أنه «عديمُ الاشتراكية» A-Socialiste؟
نلفتُ إلى عدم الخلط بين «عشراوي» Sociable، وبين «لاعشراوي» A-Social، بمعنى مستوحد (Solitaire) أو «مُوحَد» أو «متوحّد» (أُنظر،ابن باجه، تدبير المتوّحد) وبين «الموحِّد» بالمعنى القرآني، العرفاني، وهو في نهاية المآل يشير إلى مشروع توحيد العقل العلمي، إستناداً إلى ما سمّاه آينشتاين «عقل الله» أو حكمته «La pensée de Dieu» ـ الذي عناه ديكارت في مقولته « أنا أفكر أنا موجود» ـ ولوتقصّد عقل الإنسان لربّما قال: أنا موجود إذاً، أنا أفكّر» ؟ إيديولوجيّاً ينطوي القرآنُ الكريم على عقيدة أهل البيت: التطهُّر بالعقل، الصراطيّة، العرفانية القصوى (حَراك صاعد/هابط) أي تبادليّة توالدية.
مسارات التحوَّل من الوهم إلى العلم
عموماً، تُقال الإيديولوجيات على المنظومات العقائدية السياسة، مقابل العقائد والمذاهب الدينية، العلمية والفلسفية (ةcoles). وبما أنَّ الإيديولوجيا مصطلح حديث نسبيّاً، فإن مقارباتها المتنوّعة تتيح لنا، الآن، أن نستكشف مسارات تحوّلها العالمي من الوهم إلى العلم، أو من السِّحْر (والشِّعْر ضمناً) إلى العلم التقني وما صدر عنه من تكنولوجيات، مُطبَّقةٍ جزئياً في بعض العلوم الإنسانية ومنها علمُ الإسلام (Islamologie).
تاريخيّاً، لا سياسة بلا مبادئ أو أفكار أخلاقية، يُعزى بعضها إلى الأديان، ولكنْ يُعزى معظمُها إلى عادات الشعوب وثقافاتها أو حضاراتها (فلسفة الحضور في العالم). وإنّما حين تُمارس الإيديولوجيات بدون أخلاقيات ـ مثل حقوق الإنسان في السلم والحرب- تبدو السياسة كأنها «جريمة منظّمة» لا مناص من مواجهتها وانتقادها، لإصلاحها أو تغييرها.
أنثروبولوجيّاً، تميّزت كلُّ جماعة بشرية بنظام إيديولوجي يتلاقح فيه السياسي والديني، ويتصارع في مجالاته الاجتماعية الوهمي والعلمي، المثالي والواقعي، مع أو بدون قطع إيديولوجي بين السابق واللاحق. إجرائيّاً، تمظهر الانقسامُ الإيديولوجي العالمي في ظواهر مرَّكبة أو مُتراكبة، منها:
ـ ظاهرة المجتمعات التكنولوجيّة، الخالية افتراضياً من الهيمنة الإيديولوجية، والمُقامة على مبدأ التنوّع الإيديولوجي ضمن وحدات ثقافية صُغرى (SUBCULTURE) قابلة لاستدماج الجماعات المؤدلجة (كالجماعات المسلمة في أوروبا وأميركا) في نظام ثقافي علمي أو علماني، يعتبر الإسلام ثقافة وحسب (را.ايڤ لروا، نحو إسلام أوروبي، تعريبنا، بيروت، دار المعارف الحكمية،2007). بكلام آخر، نخال أنَّ في أوروبا المعاصرة التي تستقبل مئات الألوف من المهجّرين المسلمين، صراعاً خفيّاً بين قوّتين: إحداهما القوّة الإيديولوجية الأوروبية التي تُراهن على غربنة «الإسلام» أو أوربَته في أرضها؛ وثانيتهما القوّة الإيديولوجية الُمسلمة، المهاجرة إلى الله، عبر الغرب، والطامحة ضمناً أو علناً إلى أسلمة أوروبا بصرف النظر عمّا يحدث للأسلمة في دار «سلامها» المتحوّلة بنسب مختلفة إلى دور «حروب» أهلية، بتغطية إيديولوجية، محرّكها الأساسي «فتنة الكرسي».
ظاهرة المجتمعات الإيديولوجية المسلمة ـ وغير المسلمة أيضاً-، المُقامة على بنى بدوقراطية، استبدادية، فردية (الواحد يحكم المتعدّد، بلا شراكة)، توريثية، يُخال أنّها بُنى «إسلامية» وأنّها قد تُفضي، بالقوة، إلى حكم الإسلام (الإسلاموقراطية) ولكن بدعم سياسي، مالي/عسكري، تكنولوجي من المجتمعات الأكثر تطوّراً على الصعيد التكنولوجي، المجتمعات التي تخفي سحرَها الإيديولوجي وراء أقنعة صراع الدول ـ الشركات، ويتخذ سحرُها الإيديو تكنولوجي طابع الإغواء للشعوب المنسحرة بإيديولوجياتها (استئناف الخلافة، مثلاً) والمُنْقَادَة بأوهامها الإيديولوجية إلى حروب مدّمرة لـ «بيضة الإسلام» في مهده وعلى امتداد أراضيه ودوله... للمثال، نذكر ما يرويه المؤرخ الفلسطيني الروائي عبد الجبار عدوان (فتنة الكرسي، رواية، بيروت دار الفارابي، 2013): «والملوك والقياصرة يستغلون الأديان حسب حاجاتهم؛ حيناً يحاربون ويُعادون الأديان وأحياناً يناصرون ويدّعون التعبد، بل يجمعون بين الملوكية والأبوية الدينية سعياً للاحتفاظ بكرسي الحكم وتوريثه» (فتنة الكرسي، 62). كما نذكر ما يرويه الإعلامي اللبناني فارس خشان (مومس بالمذَّكر أيضاً، رواية؛ بيروت، دار الفارابي،2015): «عندما نطمح إلى مسألةٍ ما نُصاب بداءِ الحصان، فنرى الأمور أكبر مما هي في الواقع. وعندما نملك ما نطمح إليه يُصاب نظرنا بداءِ النسر، فيصبح الأمر البعيد قريباً، وكأنَّ متراً واحداً يفصله عنا. دائماً نخطئ في الرؤية. عندما نعظّم من حجم شيء نخضع له، وعندما نستصغره ننقضّ عليه. وفي الحالتين، نُصاب بعوارض الأوهام. عوارض تحرم الجميع لذة الحياة. المواطن العادي يراكَ أكبر مما أنت عليه. زعيمك يراكَ أصغرَ مما أنتَ عليه. أنت ترى المواطن العادي أصغرَ مما هو عليه، وترى زعيمكَ أكبر مما هو عليه. أوهامُ الرؤية تسحب نفسها على كلِّ المناصب» (مومس بالمذّكر أيضاً، 73).
ـ الحاصل أن إدمان الأوهام يجعل المُدمنين عليها يخالون أن رؤيتهم الوهمية، المضخِّمة أو المصغِّرة للآخر، للشيء أو للذات، هي رؤية صحيحة؛ إلى أنْ أعتادوا تعاطي كميّة من المخدِّر الإيديولوجي، وباتوا تائهين بين «فانوس سحري» و«بساط سحري». إن هذا التخدير التوهّمي للبشر هو الموّلد لما يُسمى «سلطة الوهم»، حيث يُقدّم «الشعار» ـ كما الشعر ـ كأنه «خطة عمل» قابلة للتحقيق، وحيث تُقام «المجالس التأبينية» لتمجيد الموت، على حساب حفظ الحياة والتمتّع بها بفرح وسلام وحرية. أخيراً، نذكر ما رواه الروائي الفرنسي سورج شالاندون (الجدار الرابع، رواية، تعريب كيتي سالم؛ بيروت، دار الفارابي، 2015)، متمّثلاً إيديولوجيات الحروب الأهلية في لبنان، من خلال مسرحية آنتيغون، الضحية الفلسطينية. يرى أن الإيديولوجيا هي تمثُّل وتمثيل، وأن الإيدويولوجي ممثّل منشطر بين المسرحة (المثالية) والواقعية، بدعوى أنَّ التمثيل هو فنّ الإخفاء والإيهام، فيما التعليم هو فن التعلّم والتعقلن أو التمنطق بالكشف عن المخفي (مِن تَمَنْطَقَ تَعقلَنَ). زد على ذلك أن الوهم جدار خفيٌّ، ما دام الإنسانُ كائناً خفيّاً في كون أخفى: فهو يُولَد ويتولد في الخفاء، ثم يعيش متخفّياً بين ما يخال وما يرى ويسمع. وحين يتمظهر إنّما يظهر وهو مُتَخفٍّ، متأدلج، ولا تغادره «قبعة الإخفاء» حتى حين ينتزعها ويتمارى لنفسه خارج المسرح: «كنا يتامى وقد فقدنا إيديولوجيتنا بعد أنْ استنفدنا معتقداتنا اليقينية، وكنتُ أعرف أن الأيام المقبلة واعدة بالسعادة من دوننا» (الجدار الرابع،35). ـ «إنَّ الجدار الرابع هو ما يمنع الممثّل من الانصهار في الجمهور. إنه واجهة خيالية يبنيها الممثلون على حافة خشبة المسرح لتعزيز الوهم. إنه سُور يحمي شخصيّاتهم» (م.ن.،41). فهو بالنسبة إلى بعضهم علاج من وهم الجمهور، أما بالنسبة إلى بعضهم الآخر فإنه يشكل حدَّ الواقع. إنّه سور غير مرئي، يحطمّونه أحياناً بردٍّ يوجّهونه إلى الصالة (42). وهكذا تضعنا الإيديولوجيا بين لوني الحياة، الأسود والأحمر، بين الحداد على الأوهام والحداد على دماء الجنود وسواهم؛ وبين جمهوريتين، إحداهما تحترم المؤسسات، وثانيتهما الاختلاف.
سوسيولوجيّاً وميديولوجيّاً (Médiologie، مصطلح من ابتكار ريجيس دبريه Régis Debray، را. علم الاجتماع، تعريب فؤاد شاهين، بيروت، دار الطليعة، 1996)، تتشابك وتتنازع حاليّاً المجتمعات الإيديو تكنولوجية والجماعات المتغالبة على الإيديولوجيا المحلية بسحر التكنولوجيا العالمية. وهنا تزداد صعوبة الفصل المعرفي بين الإيديولوجي المحض وبين التكنولوجي السّاحر؛ ولكنّ مسرح الدم يتمادى في مسارات تحوّله المدِّمر من فلسطين إلى الصومال والسودان، مروراً بلبنان والعراق وسورية واليمن... وليبيا... وما برح الساحر الإيديولوجي (في مجلس الأمن، مثلاً) يتلاعب بمسارح شعوب هذه المنطقة المصابة بداء الوهم، الذي تخاله علماً ـ وخصوصاً، علماً دينياً ـ وهو في واقعه السوسيولوجي نتاج عقليات سحرية ـ شعرية، يُدار من داخله وخارجه، ومن قريب وبعيد، يُصوَّر لها أن العيش العادي مستحيل في هذا الكوكب، وأنَّ العيش الأرغد سيكون في كواكب أو جنَّات أخرى، متخيَّلة، حتّى بالمعنى العلمي الدقيق.
والحال، هل أزمة منطقتنا المسلمة هي من نتاج مسارات انتقالنا البطيء من الإيديولوجي إلى الإيديو-تكنولوجي، أم هي إسقاطٌ غربي عليها لنماذج مُفبركة، قطباها الاستعمار بالاستثمار، والحرب بالإيديولوجيا ؟ صحيح أن تحويل العادات الاجتماعية الطبيعية إلى عبادات يفضي إلى تقديس الإيديولوجيات السائدة، فيحول بذلك دون تحليل العلاقات الاجتماعية (المعاملات)، كما هي؛ وعليه، يُحال دون تغير الإيديولوجيات المحلية، رغم تغيّر العالم وأفكاره. لكن افتقار هذه المنطقة الموؤودة إلى محرّك إيديوـ تقني توحيدي، جعلها عُرضةً لكل غزوات الإيديولوجيات الوافدة (الماركسية والليبرالية في طور؛ ثم النيوليبرالية والسلفية في طور آخر) المتغالبة على أراضيها (أفغانستان والغرب)؛ ولكنْ بلا أنموذج دامج، قابل للتطبيق حسب مواصفات كل بلد من جهة، وحسب خصوصيّات كل مدار إقليمي من جهة ثانية. هنا سنضرب مثل المنعطف اللبناني، من زاوية الاستثمار الطائفي ـ هو إيديولوجي بامتياز ـ في السياسة المحلية والإقليمية.
الاستثمار الإيديولوجي في السياسة:
يُقال عندنا أنَّه «لا شيء يأتي من الغرب يَسُرُّ القلب»، فنخال أنَّ ما عندنا من بُنى قبليّة مزوّدة بصواعق إيديولوجية، يكفينا للممانعة أو حفظ الذات. ونرى أنَّ ما حدث وما زال يحدث على أرض فلسطين لم يكنْ كافياً للاستعبار والاستبصار بما ينتظر لبنان ويحيطه من إحنٍ ومحن. الحاصل أننا بعد محنة لبنان (1975 ـ 1989) لم نتمكَّن من انتزاع الصاعق الإيديولوجي (الطائفي ـ بين المسلمين وغيرهم، والمذهبي ـ بين المسلمين أنفسهم) بتحويل أو تطوير البنى القَبَليّة إلى بُنى اجتماعية تدامجية أو تكاملية، تشي بمسارات نهوضية جديدة ( دمج القبائل في مجتمع متمّدن؛ إنتاج هذا المجتمع لدول قارَّة، لا بالتوريث السياسي، بل بالشراكة السياسية وتداول السلطة). في الشرق، الواحد يحكم المتعدّد بقدر ما يتحكَّم الوهم وكل إيديولوجياته بالعلم وكل اختصاصاته. في لبنان، يعود النظام القَبَلي الطائفي، منذ 1860، إلى نمط الإقطاعية العسكرية الشرقية (حيث كل قبيلة جيش ونواة دولة)، وحيث نظام الملل العثماني، المتقلب بين سلطنة وخلافة، على خلفيَّات امبراطورية مؤدلجة مذهبيّاً (سنَّة وشيعة)، ظلَّ كامناً في البلدان العربية المُصابة، بعد 1925 وحتى اليوم، بمختلف أمراض العثمنة والغربنة معاً. ففي ظلّ الانتداب الفرنسي (1918 - 1943) مكث الصاعق الإيديولوجي المرَّكب، الطائفي والمذهبي معاً، في نفوس المواطنين وفي سلوكهم ونظامهم السياسي (اعتماد المحاصصة الطائفية بشكل موقّت). ومنذ الاستقلال اللبناني (22/11/1943) حتى اندلاع الحرب الأهلية (13/4/1975)، كان زعماء الاستقلال «أقل طائفية ومذهبية» و«أكثر استقلالية وانفتاحاً» من أسلافهم في ظل الانتداب الفرنسي. والحال، كان إصلاح الطائفية بالديموقراطية ـ مثلاً ـ مُمكناً، لو أنّ الصاعق الطائفي جرى انتزاعه واستبدال محرِّك التقدم العلمي والتعليم الحديث به. لكنَّ جمود المحيط العربي على بُناه البدوقراطيّة، حال وما زال يحول دون خروج لبنان، وأي بلد عربي آخر، من سجن التعصّب إلى رحابة الابتكار الحرّ ونشر الأفكار الجديدة في المجتمع ومدارسه وجامعاته، وصولاً إلى مؤسسات دولته (وهي دولة شراكة Co-ةtat مبدئياً، لكنها عمليّاً دولة ـ شركات، على غرار النمط الغربي ما بعد الحرب العالمية الثانية). وبعد، أثبت ورثةُ زعماء الطوائف، إبان الحرب الأهلية حتى اتفاق الطائف وما بعده، أنهم أكثر طائفيةً وتبعيّة من آبائهم، ولو بشعاراتٍ حديثة الأدلجة... واليوم، نتساءل: هل سيكون الأحفاد الورثة، بعد 2015، علمييّن وديموقراطيين ـ وقد باتت دول المحيط العربي على محكّ الصواعق الإيديولوجية المؤصّلة محلياً والوافدة، وأقلّ استجداءً لعُملات الخارج؟ يُقال إنَّ ما أفسد النظام الطائفي اللبناني هو صاعق إيديولوجي مرَّكب من المال السياسي والمخابرات الأجنبية والسلاح ـ وكأن العقلية القبلية الطائفية بريئة مما حدث ويحدث.
في أيامنا، تراكبتْ أزمتان: أزمة دول بلا قادة استقلاليين، وأزمة زعماء نڤاريش (Nouveaux Riches) متكالبين على المال السياسي ـ وهو أخطر أسلحة العنف ـ الذي يمحو الذاتية الوطنية أو الهوية القومية، تماماً مثل الجعفيل أو هالوك الزّرع. وبدلاً من إصلاح ذات البين اللبنانية، جرى منذ 2011 الاستسلام لمُجريات التحولات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فكانت إدامة الأزمة اللبنانية دليلاً على إدامة الإخفاق السياسي أو سوء التدبير. وعليه، تحوّلت الزعامة الطائفية ـ العائلية من قيادة إلى عبادة نرجسية للزعماء الاستزلاميين (الزبائنيين) الذين يطبّقون طاووسيتهم السياسية على بغلية اجتماعية (طائفية ومذهبية علناً). ولكنْ، كما أشرنا سابقاً، كل سلطة لا تنشد العدالة التوزيعية أو المشاركة، هي سلطة مارقة، وبالطبع سارقة ومدمّرة. وبينما يتبارى «زعماء الطوائف» في لبنان، على نهب ما بقي من جمهور مقيم وأموال، وعلى توريث الزعامة ورساميلها السياسية والمالية لأولادهم، تواصلُ المحنةُ التوريثية تفجير صواعقها في كل بلد عربي يسعى حاكمه إلى نقل جينته السياسية لذريته، ولا أحد هنا يعتبرُ بما حصل ويحصل في محيط لبنان العربي. فمنذ 1992 حتى 2015، وتحت ستار «الديمقراطية التوافقية»، وفي فضاء وهم «الليبرالية الجديدة» غرباً، يتوحَّد ويتضافر حيتان المال وغيلان الطائفية على أرض لبنان، وهم يستولدون الأزمات من رحم حروب محلية سالفة وحروب إقليمية معاصرة ومتمادية (شغور رئاسة الجمهورية منذ 2014)؛ تمديد مكرَّر للمجلس النيابي منذ 2013؛ تعطيل مجلس الوزراء، التمديد مرتين لقائد الجيش؛ ولا موازنة منذ عقد ونيّف؛ ولا قانونَ انتخابيّاً يمهّد لتداول السلطة الخ.). وإنّما في ظروف التعطيل السياسي ـ وهو تعطيل إيديولوجي لإعمال العقل العلمي ـ إمّا إصلاح النظام المعطّل، وإما هيئة تأسيسية لنظام سياسي جديد، بعد انفجار أمني كبير... وانهيار اقتصادي أكبر... وبطبيعة الحال، تهجير المزيد من المقيمين اللبنانيين ومن اللاجئين السوريين والفلسطينيين.
يُقال أنَّ الأحزاب السياسية العربية الحديثة (القومية، الليبرالية، العلمانية أو اليسارية...) قد أخفقت بنسبة مئة بالمئة فقط. ونقول: لكنْ أين نجحت أحزابُ الحكّام العرب وأنظمة استبدادهم الملكي والجمهوري؟ (را.خليل، التوريث السياسي في الأنظمة الجمهورية العربية المعاصرة، وشيعة لبنان والعالم العربي، بيروت، المؤسسة العربية).
خلاصات... ومساءلات جديدة
-1 حتى اليوم، يقدّم الفكر الغربي «الليبرالية» على أنها مدرسة فكرية، لا مجرَّد إيديولوجيا بين إيديولوجيات أخرى قابلة للتثاقف. فيما ذهب الفكرُ العربي (المسلم عموماً) إلى تعريب الليبرالية تارة بلفظ التسيّب، وتارة بلفظ التحرّر أو التحررية. ونشب سجالٌ غير متكافئ منهجيّاً بين أهل الحلّانية (العلمانية، في تعريب عبدالله العلايلي) أو الليبرالية الجديدة، وبين أهل الحل والعقد أو الإسلامجيّة الجديدة (الإسلام هو الحل). لكن أي إسلام (القرآني، التاريخي، الميتاتاريخي) وأيّ ليبرالية جديدة (يُستبدل بها الاستثمار ـ ومنها استثمار الحروب ـ بالاستعمار)؟
ـ قرآنياً، العبادة شهادة (علم ومعرفة واعتراف)، إذ لا تنطوي العقيدة القرآنية على فكرة (مذهب)، بل فكرة سبب، بمعنى وسيلة (والحزب وسيلة، كما قال المعرّي: إنما هذه المذاهب أسباب... لجلب الدُّنيا إلى الرؤساء).
ـ والشاهد القرآني يُحيل إلى دلالات خاصّة بالمذهب (ةcole)، سيجري استثماره في معظم الإيديولوجيات السياسية الإسلامية ولا سيما عند الفِرق الكبرى، كالسنّة على اختلافهم، والشيعة على تنوّعهم: ملّة، أمة، دين، حزب، أهل البيت... ولكنْ بين هذه المُفردات، جرى اعتماد مفردة الدّين (بمعنى النهج أو الصّراط) أكثر من سواها لتوصيف الإسلام في نسخته القرآنية.
إنّما جرى غرباً إدراج «الإسلام القرآني» في عداد ثقافات العصر أو إيديولوجياته القابلة للتناول والتداول، وكأنّ الإسلام ليس ديناً، أو كأنّ المسلمين ليسوا أمّةً ذات هويّة عظمى بين أمم كبرى أخرى. ومما لا ريب فيه هو أنَّ هذا التصادم الإيديولوجي كان يمكن تحويله من مسار التنافر إلى مسار التفاكر (التعارف بالحوار)، لو لم يحرّكه صدامُ مصالح الدول، على خلفّيات إيديو ـ تكنولوجية يجري إسقاطها، مسرحياً وإعلامياً، على شعوب مسلمة، لا تملك سلاحاً للممانعة والمقاومة سوى سلاح العقيدة.
-2 ليست معتقدات الجماعات «ملهاة أطفال على شواطئ الأبدية»، كما خالها أفلاطون، وكما طوّرتها الليبراليات الغربية، القديمة والمتجدّدة. والمعنى هو أن معاناة المسلمين، المُحَارَبين على أرضهم، لم تعدْ ديارهم «ديار سلام» كما تمنّوا، بل صارت «أرض حروب» يُضرمها ساحر إيديولوجي عالمي، بشعارات إيهاميّة، منها إيهامهم بأنَّ تأخّرهم التقني يعود إلى إسلامهم، إلى إيديولوجيا كتابهم أو مذاهبهم، وليس إلى تعطيل عقولهم، واستثمار مشاعرهم في معارك لفظيّة، طالما نهى القرآنُ عن التورط فيها.
-3 صحيح أن النظرية أو الإيديولوجيا تظلُّ فَرَضيّة ما لم تُمارَس. ولكنْ ما كلُّ ما يعتقده الإنسان الإيديولوجي، ويتخيّله شِعراً أو سحراً، قابلاً للتحقّق. إنّ محو الذات المسلمة يُعزى إلى «إسقاط التدبير» ـ إسقاط العقل السياسي كتدبير -، وهذه هي المأساة الكبرى التي تجتاح عوالم المسلمين المتكاثرين في آسيا وأفريقيا، والمنتشرين في أوروبا وأميركا وأستراليا، ولكن بدون تطوير عقلانية إسلامية، تحوِّل أجنّةَ الدول المسلمة، إلى دول كاملة، غير مُجهضة ولا شوهاء (الصومال، أفغانستان، العراق، سوريا، لبنان، اليمن... وقبلها كلها، فلسطين). وتالياً، ليس مصادفةً شنّ الغرب «الغرب «الليبرالي»، هذه الحروب على الإرهاب، طالما رعاه واستخدمه في مرحلة حروبه الباردة.
-4 من الوهم خفض تاريخ الناسيّة المحمّدية أو عالم المسلمين، إلى مجرّد تصّورات إيديالية، إيديولوجيّة، فوق الواقع البشري، لكأنّ الإسلام شعارٌ يُحيل إلى الشّعر؛ بل كأنّ المسلمين مجرّد مُهاجرين إلى الله، ولا يعنيهم كثيراً التّمتع بدنياهم المسخّرة لهم ولخلفائهم في الأرض (كما جاء تكراراً في القرآن وفي الفتوحات القرآنية التي جعلت عالم المسلمين من أكبر المدارات الحضارية الراهنة). فما يفتقرُ إليه عالمُ المسلمين الحالي هو تدبير علمي لأموره وشؤونه، بتطوّر، لا بتوهّم إعجازي.
-5 إنّ الصواعق الإيديولوجية المزروعة في بُنى المجتمعات المسلمة، وفي ذُهانات أو انفصامات أفراد من بنيها، هي التي تدّعي «الإعجاز» حيث يصعبُ «الإنجاز» ـ فكان سيل فتاوى «المعجزات» الذي مهَّد لما نشهد اليوم من حروبٍ على أرض القبائل المسلمة. ومع ذلك، هناك مَنْ يدّعون إمكانات التحوّل الخيميائي من الوهم إلى العلم، من السحر إلى العقل العلمي (التحليلي والنقدي بطبيعته)، ومن اللادين (التكفير) إلى ديانات مُتشدّدة.
-6 في التطوّر تندلع مسارات التحويل الإيديولوجي، عبر تغيّر العادات والعبادات؛ كما حدث غرباً على مدى قرون، وكما يحدث حالياً في عالم المسلمين المتشظّي ـ ولكن بعد احتراق الغابات، يأتي المطر وتنهض البذور من رمادها. إننا نشهد انفجار المآزم في إيديولوجيا الإنسان المسلم، حيث بلغ ذروتَه مسارُ أنسنة المسلم العادي بالخارق، نعني مسار قدسنة المدّنس بالمُنَّزه أو «المعصوم» غير المأموم، كما في معظم إيديولوجيات المذاهب السياسية «المتأسلمة» خارج القرآن.
-7 ختاماً، هل الإسلامُ المعاصر مألفة إيديولوجيات، وثقافات وسياسات؟ وإذا كان كذلك، فكيف سيكون ديناً جامعاً، مجدّداً في ضوء العلم والعقل والتنوير التعارفي؟

--------------------------------------
[1]*ـ عالم اجتماع لبناني.
[2]- Panoramipue.