البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

الفيلسوفان سيد حسين نصر ومظفّر إقبال ، فضاء الإسلام أوسع من أن يضيق بالثورة العلمية المعاصرة.

الباحث : 
اسم المجلة :  الاستغراب
العدد :  13
السنة :  السنة الرابعةــ 1440هـ خريف 2018م
تاريخ إضافة البحث :  October / 23 / 2018
عدد زيارات البحث :  774
تحميل  ( 495.208 KB )

جرتْ هذه المناظرة خلال جلستين نظّمتا في شباط وآذار من العام 2003 بين مفكّرين مسلمين يعيشان في الغرب وهما البروفيسور سيد حسين نصر والبروفيسور مظفّر إقبال. تتناولُ المناظرة  نطاقاً واسعاً من القضايا المتمحوِرة حول المفهوم العام للإسلام، والعلم، ومواقف المسلمين تجاه العلم المعاصر. اشتملتْ المسائلُ الأخرى التي تمّتْ مناقشتها في هذا الحوار على الأبعادِ المختلفة للتحديّات التي تُواجه نظام الحُكم الإسلامي من قِبل عصْر العولمة المدفوع من العلم والتكنولوجيا، بالإضافة إلى إحياء التقليد الإسلامي المتمثِّل باكتساب العلم، ودور المسلمين القاطنين في الغرب في إنعاش هذا التقليد الإسلامي، ووسائل صيانة الأبعاد المختلفة للحضارة الإسلامية.

وفي ما يلي النص الكامل لآراء حسين نصر وإقبال.

المحرر



إقبال: منذ قرنين تقريباً من الزمن والمسلمون يُواجِهون مُعضلةً يبدو أنّه من غير الممكن تخطِّيها، حيث لا يستطيعون تجنُّبَ العيش في عالمٍ مدفوعٍ من العلم والتكنولوجيا المعاصرَيْن اللَّذَيْن تمّ إنتاجهما في الغرب، وكذلك لا يستطيعون أن يعيشوا في هكذا عالم من دون تدمير السمات الإسلامية لحضارتهم. اقترح بعضُ المصلِحين في القرن التاسع عشر توريدَ العلم والتكنولوجيا الغربيَّيْن ولكن لا المنظومة القيميّة والرؤية الكونيّة التي تطبعُ الغرب المعاصر. استندَ افتراضُهم على المفهوم الذي يُفيد أنّ العلم والتكنولوجيا هما خاليان من القيمة، ولكنّ هذا الاعتقاد خاطئٌ وقد أدركنا ذلك الآن بما لا مجال فيه للشكّ من خلال مؤلَّفات العديد من الفلاسفة والكُتّاب من المسلمين وغير المسلمين. لقد قُمتَ بنفسك بالتأكيد على الحاجة للمحافظة على «الفضاء الإسلامي»، أي ذلك البُعد الفريد للحضارة الإسلامية الذي ينعكِسُ في علاقة هذه الحضارة مع البُعد المتسامي. لقد قُمْتَ أيضاً بتأليف عددٍ من أعمق الدراسات النقْديّة للعلم المعاصر، ولكن قد وجّه بعضُ الكتّاب نقداً شديداً لنظرتك إلى الحداثة بشكلٍ عام وإلى العلم والتكنولوجيا المعاصِرَيْن بشكلٍ خاص، وذلك بسبب فقدانها للمنحى العملي. ما هو ردُّك على هذا الانتقاد؟

نصر: بسم الله الرحمن الرحيم. هذا سؤالٌ واسعٌ ينطوي على العديدِ من الأبعاد، ويمتلكُ جانباً عملياً وآخر نظرياً. في ما يتعلّقُ بالجانب العملي، فإنّني أعتبرُ مثلاً أنّه إذا أُصيب أحد الأشخاص في بنغلادش بالملاريا، يجبُ أن نعثُرَ على أفضل لقاحٍ ضدّ الملاريا لشفاء هذا الإنسان. أمّا بالنسبة للأشكال المختلفة من العلم الغربي الوافدة على العالم الإسلامي ـ سواءً أكانت على هيئة الطب أم الإلكترونيات أم الأمور الأخرى التكنولوجية بأغلبها ولكنّها مع ذلك علمٌ تطبيقيٌ ـ فإنّه يستحيلُ على الحكومات اجتنابها على مستوىً مُعيَّن. على سبيل المثال، لا يُمكن لأيِّ حكومةٍ أن تُعلن أنّها لن تنشىء شبكةً للخطوط الهاتفية في دولتها، ولا ريب في هذا الأمر.

على الرغم من ذلك، هناك قضيةٌ أعمق بكثير. تقومُ معظم مراكز القوة السياسية بالتركيز على الأبعاد الظاهريّة لهذا السؤال فحسب، وتعتقدُ بالفكرة التي تُفيدُ أنّ المزيد من العلم يعني المزيد من القوّة، وبالتالي ينبغي على العالم الإسلامي أن يقتفي قدْرَ الإمكان التطوُّرات التكنولوجية، وأن يُجاري التكنولوجيا والعلم الغربيَّيْن، وحتّى أن يتفوّق على الغرب كما فعل اليابانيون الذين يصنعون سيارات أفضل من تلك المصنوعة في ديترويت. هذه العقليّة الشائعة في العالم الإسلامي هي في غاية الخطورة، وعلى وجه الخصوص في الزمن الراهن حيث إنّ الغرب الذي طوّر التكنولوجيا على أساس العلم المعاصر يُواجِهُ صعوباتٍ ومشاكل لا يُمكن تجاوزها كالأسئلة التي تدورُ حول تعريف الكائن البشري والأخلاق، أو مسألة تدمير البيئة والاحتباس الحراري، أو ألف سؤالٍ آخر. إذا حاول العالم الإسلامي بشكلٍ عشوائيٍّ أن ينضمّ إلى مُعسكر الحيرة وعمليّة تدمير البيئة تحت مسمّى حداثة القرن الواحد والعشرين، فإنّني أعتقدُ أنّ هذه الخطوة سوف تكون انتحارية.

إذاً، على المستوى العملي، بينما ينفتحُ العالمُ الإسلاميُّ على تطبيق العلم المعاصر ويكتسبُ العلمَ النقيّ، ينبغي أن يُدرس هذا العلم وتطبيقاته بشكلٍ نقديٍّ وأن يكون لديه مقدارٌ من التقيُّد والتحفُّظ لدى التطبيق، أي لا ينبغي على العالم الإسلامي أن يَلِجَ في كلِّ تطوُّرٍ ويُقلِّد كلَّ ما يجري في الغرب. أمّا بالنسبة إلى الجانب النظري، لا شكّ أنّه ينبغي على المسلمين السعيَ للتمكُّن من العلوم الغربية ولكن يجبُ أن يقترن هذا الإتقان مع منظورٍ نقديٍّ يعتمدُ على التراث الفكري الإسلامي.

بعد أن قُلنا ما سبق، أصِلُ الآن إلى النقطة الثانية التي أكّدتُ عليها لعقودٍ متنامية. لا تستطيعُ الحضارة الإسلامية أن تُقلِّد العلمَ والتكنولوجيا الغربيَّيْن من دون تدمير نفسها، ومن يقل غير هذا فإنّه لا يفهمُ فعلاً الأسس الفلسفيّة للعلم المعاصر أو أثر تطبيقات هذا العلم على العالم. إذا أرادتْ الحضارةُ الإسلامية أن تستمرّ كحضارةٍ حيّة، يتحتّمُ على ممثِّليها بحثَ أُسُس العلم المعاصر على المستوى النظري. ينبغي أن يقوم هؤلاء الممثِّلون بإطلاق عمليةٍ لإعادة تفسير الأبعاد المختلفة للعلم المعاصر وإعادة دمجها وقبولها أو رفْضها على ضوء النظرة الكونية الإسلامية ورؤيتها الميتافيزيقية لطبيعة الواقع. أمّا من الناحية التطبيقيّة، ينبغي أن تسعى هذه العمليّة إلى تطوير المعايير المستقلّة لما يُمكن القبول به أو لا.

بالتالي، يُوجد بُعدان مُختلفان لما ينبغي فعلُه بالعلم المعاصر. على المستوى العملي، توجدُ قراراتٌ مُعيّنةٌ لا يُمكن اجتنابها في مجالات الطب ووسائل الاتّصال وغيرها، ولكن مع ذلك ينبغي ألاّ يتحمّس العالمُ الإسلامي ويمشي بشكلٍ متهوِّرٍ في طريقٍ مسدودٍ في محاولته لتقليد كلِّ ما يفعله الغرب. أولاً، حتّى ولو قمنا بذلك، فإنّنا سوف نبقى على الدوام خلف الغرب، وثانياً، إذا استنسخنا أخطاءَ التكنولوجيا المعاصِرة التي تتّصلُ بالجشع إلى حدٍّ كبيرٍ ولا تبتعدُ على الإطلاق عن عيوب الكائن البشري، فإنّنا سوف نقومُ ببساطةٍ باقتفاء آثار هذه الأخطاء ممّا سوف يجعلُ الوضْعَ أسوأ بكثيرٍ بالنسبة للعالم الإسلامي. ينبغي أن يترافق التقليد مع مقدارٍ كبيرٍ من التحفُّظ الذي يمنحُ العالم الإسلامي وقتاً لتطوير البدائل حينما يُمكن ذلك.

على المستوى النظري، توجدُ مهمةٌ أشدُّ عُسراً وهي: أولاً محاولة فهم العلم الغربي بعمق، وثانياً بعد فهمه بصيغته الخاصّة ينبغي إدراكه على ضوء النظرة الكونيّة الإسلاميّة وعدم السعي لتغطية الاختلافات الرئيسيّة الموجودة بين فلسفة العلم المعاصر كما تطوّر في القرن السابع عشر في الغرب، وبين الفلسفة الإسلامية والفكر الإسلامي اللَّذَيْن أسفرا بالفعل عن العلم الإسلامي.

إقبال: على المستوى العملي، يبدو أنّ الحلَّ الذي قُمْتَ للتوّ بتلخيصه يُشبه الحلَّ الذي رافقنا لما يُقارب من 300 عام حيث تمّت صياغته أولاً على يدِ المصلحين في القرن الثامن عشر والمفكّرين المسلمين في الإمبراطورية العثمانية بالإضافة إلى أشخاصٍ من أمثال محمد علي باشا الذي وجد الجيوش الغربية على أعتاب البلاد. لقد أدركوا حاجتهم إلى التكنولوجيا المعاصرة من أجل التعامل مع هذا التهديد العسكري فقاموا بصياغة الحلّ على نحو اكتساب الحدّ المطلوب فقط من العلم والتكنولوجيا للتعامل مع الوضع المتغيِّر، ولكن هل من الممكن فعلاً أن يكون هناك نوعٌ من التحفُّظ في هذه العملية؟ على سبيل المثال، حينما نقومُ باستيراد وسائل الاتّصال المعاصرة كالهواتف النقّالة، فإنّها تُساهم بشكلٍ حتميٍّ بتدمير الأنماط السابقة من التواصل والتفاعُل وتأتي كحُزمةٍ كاملةٍ حيث لا يُمكن للفرد أن يختار مكوِّنات هذه الحزمة بالإضافة إلى أنّها تجلبُ على الدوام العديد من أبعاد الثقافة الغربية التي تُقوِّضُ الفضاءَ الإسلاميّ.

نصر: أنت مُحقٌ، وأنا آخر من يظنّ أنّ العلم المعاصر حياديٌ أو حميد. إذا نظرنا إليه ككل، فإنّه يُقدِّمُ الفوائدَ الواضحة ولكنّه يمتلك بُعداً شيطانياً يُدمِّرُ معظم الجوِّ الروحي في داخل الفرد وخارجه. لا شكّ في هذا الأمر وأريده أن يكون واضحاً جداً في نقاشنا. في الواقع، حينما تحدّثتُ عن التحفُّظ، فإنّني كنتُ أعني أنّ العالم الإسلامي ينبغي ألاّ يُقلِّد التكنولوجيا المعاصرة بشكلٍ أعمى بل أن يكون قادراً على تطوير نقْده الخاص لهذه التكنولوجيا كما جرى في القرن التاسع عشر في إنكلترا على يد ويليام موريس وجون رَسكين، ولاحقاً في القرن العشرين على يد العديد من الكتّاب الغربيِّين، إلا أنّنا قلّما شهدنا هذا النوع من المنظور النقدي في العالم الإسلامي. ينبغي أن نكون مُدركين بالكامل لجميع المخاطر. لقد ذكرْتَ الهاتف النقّال وهو مثالٌ جيِّدٌ للغاية حيث إنّه قد غيّر بالفعل الفضاءَ الذي يعيشُ فيه العديد من البشر ويقوم بتدمير المكان الداخليَّ الهادئ حيث نكون لوحدنا مع الله. تُحتِّمُ هذه الأداة الصغيرة على مستخدميها أن يكونوا متّصلين على الدوام تقريباً باضطراب العالم الخارجي، وهذا أمرٌ متعمَّد، وآثاره على الروح البشريّة عميقةٌ للغاية.

بعد ذكر هذا الأمر، دعنا نُركِّز على بعض الأبعاد الأخرى. على سبيل المثال، فلنذكر مركزَ إطفاءٍ أو وكالةً حكوميةً تُريد أن يكون لديها تواصلٌ مباشرٌ مع أفرادها وما إلى ذلك. لن تقبل هذه الوكالات بعدم استخدام الهاتف النقّال بسبب مساوئه على المستوى الروحي. حينما تُوجد قضايا أساسية تحلّها التكنولوجيات الجديدة بالرغم من عواقبها السيئة، فمن الواضح أنّ الحكومات الإسلامية لن تقبل بعدم الاستفادة من هذه التكنولوجيات على المستوى العملي. ينطبقُ هذا الأمرُ أيضاً على مُعظم الأفراد العاديين الذين أصبح الهاتفُ النقّال مُنتشِراً كثيراً في أوساطهم. ما ينبغي أن نقومُ به كمفكِّرين هو أن نُقدِّمَ النقْدَ لنُظهِرَ لماذا ينبغي أن نتحفّظ وفي أيِّ الموارد، ولنُبرزَ بوسائل أعمق كاملَ روحية العلم والتكنولوجيا المعاصرَيْن. هذا المشروع بتمامه مُرتبطٌ بأقسامه المختلفة حيث لا يُمكن للفرد أن يتقبّل بشكلٍ غير ناقدٍ جزءاً من التكنولوجيا المعاصرة فيترك أبعادها الأخرى ويُعلِن أنّ التكنولوجيا رائعة، وهذا يحصلُ على وجه الخصوص عندما يكون الفردُ متبنِّياً للنظرة الكونية التكنولوجية حيث تحظى كلُّ مشكلةٍ بحلٍّ تكنولوجي. الأمر ليس كذلك. تجلبُ التكنولوجيا المعاصرة معها «منظومةً قيميّةً» مُحدَّدة، وهي طريقةٌ معيّنةٌ في الكينونة والفعل ومفهومٌ خاص عن الوقت. ولكن تجدرُ الإشارة إلى أنّه للمفارقة، تقومُ جميعُ أدوات التكنولوجيا المعاصِرة الموفِّرة للوقت بتدميره في الواقع. على سبيل المثال، يحدُّ البريد الإلكتروني من الوقت الذي تملكه للردّ ويضغطُ عليكَ للإجابة بشكلٍ فوري.

أنا آخر شخصٍ في العالم قد يظنُّ بأنّ الحضارة الإسلامية تستطيعُ انتقاءَ الجزء الذي تعتبره جيداً من التكنولوجيا الغربيّة ويدّعي بأنّ هذا الجزء هو غير ضارٍ على الإطلاق ويقومُ برفْض جزءٍ آخر. أيُّ شكلٍ يتمُّ تبنِّيه من التكنولوجيا المعاصِرة  ـ حتّى ولو كان إيجابياً على مستوىً معيَّن ـ  فإنّه سوف يجلبُ معه آثاره السلبيّة ولكنْ بمقدور الفرد أن يكون حكيماً فيحدَّ من هذه الآثار. أمّا على المستوى العملي، فإنّني لا أدري كيف يُمكن اجتنابُ الأشكال العديدة من التكنولوجيا في هذه المرحلة التاريخية، ولكن قد تتبدّل الأمور إذا حافظنا على موقفٍ حذرٍ ونقْدي.

سوف تقومُ الحكومات الإسلامية بتبنِّي بعض أبعاد التكنولوجيا الغربية بغضِّ النظر عمّا نقوله. كنتُ أتمنّى ألاّ يكون الحال كذلك، ولكن لا يُمكن تفاديه. بالتالي، ينبغي أن يقوم الفردُ على الأقل بتوفيرِ نقْدٍ للتكنولوجيا المعاصِرة وأن يُحاوِل التقليل من آثارهها السيئة قدرَ الإمكان. وددْتُ لو أنّه باستطاعتنا وضْع هذه التكنولوجيا بأكملها جانباً والقيام بتطوير التكنولوجيا الإسلامية الخاصّة بنا كما فعل المسلمون في العصور الوسطى، ولكنّ هذا الأمر ليس مُمكناً في الوقت الراهن. ما ينبغي أن نفعله هو تغيير طريقة تفكير المسلمين وأن نجعلهم مُدرِكين للآثار السلبية المترتِّبة على الخضوع للآلات. مُعظمُ المسلمين الذين تلقّوا تعليمَهم في المؤسّسات المعاصِرة، خصوصاً في شِبه القارة الهندية، يحملون نزعةً علميةً عميقةً ويُمكن القول بأنّهم يتمسّكون بها تقريباً كاعتقادٍ دينيٍّ، ومن الصعب جداً التغلُّب على هذا الموقف.

على المستوى الفكري، ما ينبغي أن نفعله هو أن نكون شجعاناً بما فيه الكفاية لإظهار نقاط ضعف العلم المعاصر وأن نسعى لتقديم إطارٍ فكريٍّ وروحيٍّ آخر لفهمه، ومن ثمّ علينا اتّخاذ الخطوة التالية المتمثِّلة بتطوير علمٍ إسلاميٍّ مُستندٍ إلى تراثنا العلمي الخاص بنا، وهذا أمرٌ أتحدّثُ عنه منذ أربعة عقود. بالتالي، ما نحتاجُ إليه الآن هو التمكُّن أولاً من العلوم المعاصِرة مع الإبقاء على تجذُّرنا التام بالتراث الفكري الإسلامي، ومن ثم نأخذُ الخطوةَ الثانية داخل الإطار الإسلامي ولا إطارِ العلم المعاصر. لا يُمكن أن يقول أيُّ عالمٍ فيزيائيٍّ إسلاميٍّ أنّه لا يهتمُّ باكتشافات الفيزياء الكمّية وأنّها غير مهمّة، ولكنّ المطلوب هو فهمُ الميكانيكيات الكميّة ومن ثمّ إعادة تفسيرها بشكلٍ مُختلفٍ تماماً عن مدرسة كوبنهاغن التي فسّرتْها على أساس التشعُّب، وهنا تكمنُ ازدواجيةُ الفلسفة الديكارتية التي تُشكِّلُ أساسَ المشروع العلمي المعاصِر.

إذا استطعنا أن نُنجزَ هذه الأمور على المستوى الفكري وأن نُنشئ فلسفةً إسلاميةً أصيلة عن الطبيعة أو منظومةً ميتافيزيقيةً عنها، ومن ثمّ أن ننشئ علماً إسلامياً طبيعياً استناداً إلى تراثنا العلمي الخاص ومُكتشفات العلم المعاصِر، وفي النهاية أن نقوم بدمْج هذا الأخير في تُراثنا فإنّه سوف يغدو بإمكاننا إنشاءَ التكنولوجيا الخاصة بنا على أساس ذلك العلم. ولكن في يومنا الحالي، تتمتّعُ القوى الاقتصادية والعسكرية والسياسية بقوةٍ بالغة حيث إنّك إذا قُلتَ «دعنا نرفض العلم والتكنولوجيا المعاصِرَيْن» فلن يستمع إليك أحد، وهنا تكمنُ المشكلة بتمامها.

إذا ألقيتَ نظرةً إلى العالم الإسلامي، سواءً أكانت الحكومات مُواليةً أم مُعاديةً للغرب، مَلَكيّةً أم جمهورية، ناتجة عن ثوراتٍ إسلامية أم علمانية، فإنّها تتّحدُ جميعها في الترنُّم المجيد بمحامد العلم والتكنولوجيا المعاصِرَيْن. ينبغي أن يتغيّر هذا الموقف. حمداً لله، إنّني أظنُّ أنّه خلال السنوات الثلاثين الأخيرة حصل بعض التغيير في هذا الاتّجاه، أي في تطوير موقفٍ أكثر نقْداً للنزعة العلمية، وكان ذلك بشكلٍ جزئيٍّ من جرّاء جهودي المتواضعة وقد أصبحت الأحوال في هذا الميدان أفضل ممّا كانت عليه منذ ثلاثين أو أربعين سنة. على الأقل، هناك في الوقت الراهن بعض الأصوات المسلمة التي تعي أنّ هذا ليس هو الطريق الذي ينبغي اتّباعه وأنّ التراث الفكري الإسلامي قد استطاع تقديمَ نقْدٍ للعلم والتكنولوجيا المعاصِريْن. إذا لم نملك خياراً في بناء جسرٍ قبيحٍ على هذا النهر، على الأقل ينبغي ألاّ نقول: «ما أروع هذه التكنولوجيا وهذا العلم» بل ينبغي أن نُغيِّر موقفنا. إذا لم نجد بديلاً عن الطبِّ المعاصر يبقى علينا أن نُدرِك عيوبه وأن نُحاوِل في الوقت نفسه إعادةَ تطوير طبّنا الإسلامي التقليدي الشامل الذي تُرك في المؤخَّرة. بعد أن وصل الوخزُ بالإبر إلى الغرب، يقومُ بعضُ الأشخاص الآن بالحديث عن إعادة إحياء تُراثنا الطبيّ.

إنّني أختلفُ بالكامل مع محمد علي باشا وغيره الذين قالوا: «اذهبوا إلى أوروبا وتعلّموا صناعةَ الأسلحة ومن ثمّ عودوا وسيكون لدينا جيشٌ أفضل وننسى كلَّ شيءٍ آخر». لا يُمكننا أن نفعل ذلك إذ إنّ كلَّ شيءٍ يرتبطُ ببعضه من صناعة الأسلحة إلى الحواسيب والهواتف النقّالة وصناعة الفولاذ والطائرات. تقومُ التكنولوجيا المعاصِرة بفرض نظرةٍ كونيةٍ معيّنة على الإنسان، وتقومُ بتحويله بعدّة طرق إلى آلة. ينبغي على الحضارة الإسلامية أن تُحاول بكلِّ وسيلةٍ مُمكنة ألاّ تدع ذلك يحصل لها. حينما أقول أنّ الحكومات الآن لا تمتلك الخيارَ على بعض المستويات، فإنّني لا أعني أنّه لن يكون لدينا خيارٌ على الإطلاق. ولكن في الوقت الحالي ينبغي أن نتّبع أسلوب التأخير، أي بدلاً من الاندفاع إلى تقليد العلم والتكنولوجيا الغربيَّيْن في كلِّ مجال، ينبغي أن نفعل ذلك فقط في مورد الضرورة القصوى حيث لا يُوجد خيارٌ آخر. في نفس الأثناء، ينبغي أن نكْسب الوقت لإنشاء علمٍ خاصٍ بنا وإن شاء الله نتوصّل في يومٍ من الأيام إلى تكنولوجيا خاصّة بنا.

إقبال: إنّني أشعرُ أنّه على إحدى المستويات، ترتبطُ مسألة إعادة إحياء التراث العلمي الإسلامي بشكلٍ وثيق  بإعادة إحياء التقليد الإسلامي المتمثِّل بالتعلُّم بحدِّ ذاته.

نصر: هذا صحيحٌ.

إقبال: لقد حظيْتَ بفرصة الترعرع في جوٍّ مُفعمٍ بوجود أساطين الفلسفة التقليديّة والمذهب الصوفي، وقد وصفْتَ هذا الأمر بشكلٍ بليغٍ في سيرتك الذاتيّة الفكريّة، ولكن ما هي الفرص الموجودة الآن لكي ينمو المسلمون في هكذا بيئةٍ فكريّةٍ وروحيّةٍ غنيّة؟ يخطرُ على بالي المسلمون الذين يسكنون في الغرب وكيف لنا أن نُوفِّر تلك البيئة للشباب والشابّات حيث إنّنا لم نتمكّن من إنشاء أيِّ مؤسّسات هناك يستطيعُ فيها جيلُنا الصاعد أن يحظى بفرصة تشرُّب ذلك التراث.

نصر: دعني أتوجّه أولاً إلى العالم الإسلامي. ما نحتاج إلى تحقيقه هو: بدلاً من تقليد المؤسّسات التعليميّة الغربيّة الذي دأبنا عليه خلال المائتي سنة الماضية منذ عهد السيد أحمد خان وغيره، نحتاجُ إلى تعزيز مؤسّساتنا التعلميّة الإسلاميّة التقليديّة. للأسف، أصبحت رؤى العديد من هذه المدارس أكثر ضِيقاً خلال القرون القليلة الماضية في العديد من الدول الإسلامية. على سبيل المثال: تمّ حذف الفلسفة والمنطق، ناهيك عن الرياضيات وعلم الفلك، من المناهج الدراسية لهذه المدارس.

حينما أقول أنّنا بحاجةٍ لإعادة تأسيس المدارس وتعزيزها من جديد، فإنّني لا أعني أن يتحقّق ذلك عبر الانحصار الشديد سواءً أكان سياسياً أم لا بل إنّني اقصدُ أنّ إحياءَ المنظومة المدرسية الحقيقية والأصيلة ينبغي أن يبدأ من الداخل. علاوةً على ذلك، نحنُ بحاجةٍ في العالم الإسلامي لتعزيز المنهج التقليدي المتمثِّل بنقْل المعرفة ودمْجها مع الأخلاق والصفات والفضائل الروحيّة التي ينبغي أن تنتقل معها. يجبُ تحقيقُ هذا الأمر في أرجاء العالم الإسلامي، من مدارس ماليزيا إلى المغرب. في بعض الأماكن، توجد إشاراتٌ باعثةٌ على الأمل كإيران على سبيل المثال حيث تمّ مؤخَّراً تأسيسُ العديد من المدارس الجديدة ذات المناهج الأكثر شموليةً كتلك المتواجدة في قم. بالطبع، مستواها ليس عالياً في الكثير من الأحيان بسبب وجود أعدادٍ كبيرةٍ جداً من الطلّاب ولكن هناك حالاتٌ استثنائية. بالإضافة إلى ذلك، يوجدُ عددٌ كبيرٌ من العلماء الشباب المميّزين جداً الذين خَبِروا انتقالَ الأبعاد الفكريّة والروحيّة للإسلام ولم يقتصروا على دراسة الشريعة فحسب. ينبغي أن نُعزِّز هذه التجربة التعليمية التقليدية الشاملة في داخل العالم الإسلامي التي لم تمُت ولكنّها بحاجةٍ إلى التقوية.

لم تنجحْ الحضارةُ الإسلامية في نقْل الخصائص الإيجابية لهذه المنظومة المدرسية إلى الجامعات الجديدة التي تمّ تأسيسها في «دار الإسلام» منذ القرن التاسع عشر، سواءً أكانت هذه جامعاتُ بُنجاب، كالكوتا، الله آباد، إسطنبول، طهران، أم القاهرة حيث قامت هذه المنشآت بتقليد المنظومة الجامعية الغربية بكلِّ بساطة. بالتالي، تمّ إهمالُ طابع العلاقة بين الأستاذ والتلميذ بأغلبها بالإضافة إلى الجوّ الروحي ومضمون المواد التي يتمُّ تدريسها. لم تنجحْ أيُّ دولةٍ إسلامية بشكلٍ تام في تحقيق التكامل بين مؤسّساتها التعليمية التقليدية والمعاصِرة التي أنشأها المسلمون في دولهم لتدريس المواد كالهندسة الحديثة، الرياضيات، الفيزياء، الطبّ، وما إلى ذلك. هذه مهمةٌ عظيمةٌ ينبغي أن يُؤدِّيها العالمُ الإسلامي بنفْسه لكي يتمّ التغلُّب بشكلٍ تدريجيٍّ على هذه الثنائية بين نوعيّ المنظومة التعليمية.

لقد أدّى المؤتمرُ العالمي الإسلامي التعليمي الذي تمّ تنظيمه على يد السيد الراحل علي أشرف، والدكتور زُبير، وعبد الله ناصيف، وأنا نفسي بالإضافة إلى آخرين، والذي أُقيم في العام 1977، إلى تأسيس العديد من الجامعات الإسلامية التي سعتْ إلى تنفيذ هذه المهمة إلا أنّ المشروع لم ينجح كلياً للأسف بسبب وجود بعض الرؤى الطائفيّة واللاهوتيّة التي لم تسمحْ لهذه الحركة بالاستفادة بشكلٍ تام من التراث الفكري الإسلامي. على سبيل المثال، لم تنظرْ هذه الجامعات الإسلامية بشكلٍ جدّيٍ إلى الفلسفة الإسلامية، وحينما لا يتمّ الاهتمام بالفلسفة الإسلامية فهذا يعني عدم الاهتمام بالحقول الفكريّة الإسلامية الأخرى كالعلوم الإسلامية.

يُمكنك أن تقومَ بتدريس الشريعة من جهةٍ والعلم الطبيعي، وعلم الاجتماع، وعلم الاقتصاد المعاصرِين من جهةٍ أخرى وتُسمّي هذا المكان جامعةً إسلاميّةً إلا أنّه لا يُشكِّل جامعةً إسلاميةً في الواقع. الجامعةُ الإسلاميةُ هي المكان الذي يُنظَر فيه إلى جميع المواد من الناحية الإسلامية وحيث يترافقُ الدرس الروحي والأخلاقي مع الدرس الأكاديمي والفكري.

أفضلُ مثالٍ على هذا النقْل المتكامل هو ما تمّ تحقيقه في الغرب في القرون الوُسطى حيث أُنشأت الجامعاتُ الغربيّة على أساس منظومة المدارس (الإسلامية) إلا أنّها كانت مسيحية. قامت هذه الجامعات بأخذ المنهج التعليمي الإسلامي والعديد من المواد والتطبيقات الدراسية وجعلتها مسيحية، وقد قامتْ بدمْجها في رُؤاها اللاهوتية والفلسفية الخاصة. بالتالي، تمّ في القرون الوُسطى إنشاءُ الجامعات التي كانت غربيةً ومسيحيةً بالكامل ومختلفةً جداً عن النماذج الإسلامية التي كانت قد تعلّمت منها الكثير. للأسف، لم نستطع أن نفعل العكس، والوضع الحالي في العالم الإسلامي بعيدٌ كلَّ البعد عن المثالية.

حينما نأتي إلى وضع المسلمين في الغرب، نحتاجُ لنقْل المناهج الغربيّة الفكريّة وأساليب البحث إلى مؤسّساتنا هناك عبر استخدام تراثنا الفكري الخاص ومصادرنا، وأفكارنا، بالإضافة إلى التواصُل البشري. أمّا بالنسبة إلى الكتب، فأظنُّ أنّ هذا الأمر قد تحقّق إلى حدٍّ ما خلال السنوات الأربعين الأخيرة، أي أنّنا قد ترجمنا عدداً كبيراً من كتب التراث الفكري الإسلامي إلى لغاتٍ مُعاصِرة وقُمنا بتفسير الفكر الغربيّ من وجهة النظر الإسلامية، وقد قُمتُ بقدر استطاعتي بتقديم مُساهمةٍ مُتواضعة إلى هذا الجهد وقام آخرون بالمثل.

لديْنا الآن العديد من الكتب التي تتناولُ الفلسفةَ الإسلامية، والعلوم، واللاهوت، والمذهب الصوفي، وما إلى ذلك وقد تمّت ترجمتها أو كتابتها من وجهة نظرٍ إسلامية بلغةٍ مُعاصِرة ومفهومة في البيئة الغربية، وهذه النصوص ليست نادرةً إلى الحدِّ الذي كانت عليه منذ أربعين عاماً. ولكن ما نفتقدُ إليه هو مركزٌ ذو جودةٍ عاليةٍ يُمكن فيه تدريس التلاميذ بأسلوبٍ إسلامي، مع أنّه لدينا الآن عددٌ من الكليّات الإسلامية في الولايات المتّحدة إلا أنّها لم تنجح كثيراً إلى حدِّ الآن.

ثمّة حديثٌ عن تأسيس جامعةٍ إسلاميةٍ على نطاقٍ واسعٍ في ولاية نيويورك وأنّ هذه الجامعة سوف تكونُ أوّلَ جامعةٍ إسلاميةٍ رئيسيّةٍ في أميركا، وتُراوِدُ المسؤولين عنها الأفكارُ بجعْلها كجامعة «جورجتاون» الكاثوليكية أو كليّات «يِشيفا» اليهودية للتعليم العالي أو كجامعة ألبيرت آينشتاين أو شيء من هذا القبيل. الله فقط يعلمُ إن كانوا سينجحون أم لا، وعلى كلِّ حالٍ إنّني أحاول مساعدتهم. ولكن قبل أن نصل إلى تأسيس الجامعات الكبيرة، أودُّ رؤيةَ مكانٍ أصغر حيثُ يُمكن تدريسُ 20 إلى 30 تلميذ على يد بعض المعلِّمين الذين يحملون معرفةً عميقةً بالتراث الكامن في ذواتهم. إنّني أقتربُ من نهاية حياتي المهنية ولعلّه من نهاية حياتي – العلم عند الله وحده - ولكنّني قد درَّسْتُ العديد من الأجيال ومن ضمنهم 12 أو 15 عالماً شابّاً خلال السنوات القليلة الماضية وقد أصبحوا الآن علماء من الدرجة الأولى. إنّني أدعو الله أن أكون قد نقلتُ قسماً من هذا التراث إلى هؤلاء الأشخاص الأصغر سنّاً.

ما نحتاجُ إليه هو مكانٌ أصغر يجتمعُ فيه هؤلاء الأفراد وأمثالهم ليتمّ في كلِّ عامٍ تدريس عددٍ من العلماء المسلمين. إذا كانت لديك قبضةٌ من القمح وقُمتَ بخبزها، ستحصل على رغيفٍ أو اثنين من الخبز وسوف ينفذ القمح لديك، ولكن إذا قُمتَ بزراعة هذا القمح فإنّك سوف تحصلُ في الربيع التالي على حقلٍ كاملٍ وسوف تستطيع إطعام عددٍ كبيرٍ من الناس.

ينبغي أن ينتقل التعليمُ الإسلامي هنا في الغرب من وحدةٍ أصغر إلى وحدةٍ أكبر. إذا قُمتَ بتأسيس وحدةٍ صغيرةٍ ذات جودةٍ عاليةٍ جداً مع 20 إلى 30 فردٍ على الأكثر من التلامذة المسلمين الموهوبين ومن ثمّ علّمتهم الإرثَ الحقيقي للحياة الفكريّة الإسلاميّة - بالإضافة إلى العلوم ولوازمها: الفلسفة، المنطق، الرياضيات، والمسائل الروحية - فإنّ أولئك الأفراد سوف يقومون بدورهم بتعليم الآخرين. بهذه الطريقة، وبعد نحو عشرين عاماً، سوف يتوفّر لديْك بضعُ مئاتٍ من الأشخاص بإمكانهم أن يُشكِّلوا هيئةً تدريسيّةً في جامعةٍ كُبرى. إنّني أُفضِّل أن أتقدّم خطوةً خطوة على هذا النحو.

غالباً ما أقترحُ على أصدقائي ضرورةَ توحيد جهودنا وإنشاء مركزٍ واحدٍ مكرّس مثلاً للـ«علوم الفكرية الإسلامية» أو ما أردْتَ أن تُسمّيه. ينبغي أن يشتمل هذا المركز على الفلسفة، المنطق، وبعض اللاهوت، ومواضيع ذات صلة، ولا ضرورة لإعطاء الشهادات فيه. يُمكنه أن يكون مؤسّسةً متّصلة بمرحلة ما بعد الدكتوراه كمركز الدراسات المتقدِّمة في برينستون، وأن يأتي إليه المسلمون المتديِّنون من حَمَلة شهادات الماجستير والدكتوراه المهتمّين بهذه المسائل وأن يتلقّوا هذا النقْل. أمّا أولئك الذين يصلحون لكي يكونوا ناقلين للتراث، فلا توجد مشكلةٌ في العثور على بعضٍ منهم حيث إنّه قد جاء عددٌ قليلٌ من الفلاسفة والمفكِّرين الإيرانيين الشباب الموهوبين جداً إلى الولايات المتّحدة، ومع أنّ لغتهم الإنكليزية ليست متينةً بما فيه الكفاية إلا أنّهم يمتلكون المعرفة وقد أمضوا 15 إلى 20 عاماً في دراسة العلوم التقليدية على يد المعلِّمين التقليديين. يُمكن توظيف هؤلاء الأفراد في هذه مؤسّسة وهناك الكثيرون غيرهم ممّن يُمكنهم الانضمام وبالتالي يُمكن تحقيقُ الهدف.

إقبال: هل يُمكننا أن نستكشِفَ بشكلٍ إضافيٍّ الأبعادَ التطبيقية لهذه العملية؟ إنّني أذكرُ أنّه في إحدى المراحل انشغلْتَ في مسعىً لإنشاء مركزٍ على هذا النحو في كراتشي مع الراحل حكيم محمد سعيد إلا أنّ هذا المجهود لم ينجح. كما قُلتَ، فإنّ حكومات العالم الإسلامي ليست مهتمةً بهذا المشروع ولعلّها لا تفهمُ الحاجة لهذا الإحياء.

نصر: هذا صحيحٌ.

إقبال: لهذا السبب أردتُ أن أبدأ من الغرب. إنّ الأمر متناقضٌ، ولكنّني أشعرُ أنّ لدينا فرصة أكبر للنجاح هنا.

نصر: إنّني أتّفقُ معك إلى درجةٍ كبيرة، ولكن توجدُ بعض الاستثناءات في العالم الإسلامي.

إقبال: حينما نأخذُ بعين الاعتبار الوجودَ الكبير للمشاريع التجارية الخاصة في العالم الإسلامي، فإنّه من الممكن نظرياً للأشخاص الذين يمتلكون المال والموارد أن يقوموا بإنشاء هذه المؤسّسات إلا أنّه يبدو أنّهم غير مهتمِّين. كذلك، تقعُ الموارد الطبيعية تحت سيطرة الحكومات التي ليستْ مهتمّة، فكيف يُمكن إطلاق عملية الإحياء في هذه الظروف؟

نصر: أظنُّ أنّ هناك بعض الجهود الجارية في هذا الصدد وبعض المرشَّحين الجيّدين لتحقيق النجاح في إيران، وماليزيا، والقسم الإسلامي من الهند، وباكستان، وتركيا. في إيران على وجه الخصوص، هناك عددٌ من الجامعات التي يُديرها العلماء ولا الحكومة، وهذه مدارسٌ حقيقيةٌ تُقدِّم اللغات الأجنبية والعلوم المعاصِرة وغيرها من المواد التي يتمُّ تدريسها في المؤسّسات الغربية المعاصِرة ويتمُّ دمجُها في قالب الفكر الإسلامي. إنّني آمل أن تنبع العديد من الأمور الجيّدة من هذه البرامج، ولكنّه من الصحيح بشكلٍ عام أنّ حكومات العالم الإسلامي ليستْ مهتمةً بإعادة إحياء التراث الإسلامي المتمثِّل بطلب العلم. إذا تمّ تشكيلُ الوحدات الصغيرة للتعلُّم الإسلامي هنا وهناك حتّى في العالم الإسلامي، فإنّ الجمهور الأوسع والحكومات سوف تضطرُّ عاجلاً أم آجلاً لإبداء اهتمامٍ أكبر نظراً إلى مميّزات الأشخاص الذين يتلقّون التعليم في هذه المؤسّسات.

لقد قُمتُ بإنشاء الأكاديميّة الإيرانية للفلسفة  ـ أو ما كان يُطلَق عليها الأكاديمية الملكية ـ بميزانيةٍ جيدةٍ جداً حصلتُ عليها بشكلٍ مباشر من الملكة من دون المرور بالروتين الحكومي، وخلال بضعة سنوات أظهرتْ الأكاديميةُ الإيرانية إنجازاتٍ رائعة. في الواقع، تعرّف العالمُ على هذه الأكاديمية وتفاجأ العديد من الأشخاص في إيران –حتّى من المنتسِبين إلى الحكومة- الذين كانوا سابقاً يُكنّون الشكّ حيالها وأصبحوا مشجّعين للغاية. كان السبب هو قيامُ الأكاديمية بنشْر مقالاتٍ من الدرجة الأولى في دوريّتها Sophia Perennis بالإضافة إلى الدوريات العالمية، وأراد الفلاسفة الرياديون أن يأتوا إلى إيران ليطّلعوا على ما يجري هناك. قامت الأكاديمية أيضاً بتدريس عددٍ من التلامذة المسلمين المتجذِّرين بتراثنا الفكري الخاص والمطّلعين بشكلٍ تام على الفكر الغربيّ أيضاً.

إذاً، على الرغم من أنّك لن تستطيع تغيير آراء الحكومات الإسلامية بشكلٍ فوري إلا أنّك تستطيعُ النجاح من خلال إظهار النتائج. من المؤكَّد أنّ الحكومات تُديرُ الجامعات ولكن ما نتحدّث عنه الآن لن يتحقّق على المستوى الكليّ كجامعةٍ تضمُّ 60 ألف تلميذ، بل سيتحقّق إذا كان لديك عددٌ قليلٌ من الأشخاص. أظنُّ أنّه لا ينبغي أن نهدف في الوقت الحالي من التاريخ الإسلامي إلى المشاريع الكميّة الضخمة التي نناقشها حالياً بل إلى المشاريع الصغيرة النوعية التجريبية التي حينما تنجح، سوف تجذبُ الآخرين بسبب إنجازاتها على وجه التحديد.

إقبال: بشكلٍ متزامن، يتطلّبُ الإحياءُ فهمَ العملية التي أدّت إلى تراجع التراث الفكري الإسلامي، وهناك العديد من الدراسات عن عملية التدهور هذه وقد قام بكتابتها علماء غربيّون على الأغلب إلا أنّها تنبني عموماً على الفرضيات الخاطئة وتُقدِّمُ أجوبةً باطلةً كفرضية غولدزايهر التي تضعُ «العلوم الأجنبية» في مقابل «المعتقدات التقليدية الإسلامية» أو الجواب البسيط الذي يُفيدُ أنّ الغزالي قد قام بالقضاء على العلم في العالم الإسلامي. ولكن لا توجد أجوبةٌ حقيقية؛ على الأقل أنا لا أعلم أيّاً منها، وأنتَ لم تُسهِب بالكتابة في هذا الميدان. هناك أبعادٌ متعدِّدة لهذا السؤال ومن ضمنها قضيّة التأريخ، فما هو رأيك بهذه المسألة: متى ذبُل التراث الفكري الإسلامي، ولمَ؟

نصر: أولاً، إنّني لا أعتقدُ بأنّ كامل التراث الإسلامي قد تدهور في كلِّ بُعدٍ من أبعاده منذ قرون. هذا ليس صحيحاً. على سبيل المثال، بإمكاننا التحدُّث عن الفن الذي يُعَدُّ بُعداً مهماً للغاية من الحضارة الإسلامية وعلى وجه الخصوص فنِّ الحياكة الذي لم يتدهور إلا مؤخَّراً حيث تمّت حياكة أجمل السجّادات الإيرانية في القرن التاسع عشر وتُعدُّ أعمالاً فنيةً رائعة. كذلك في ميدان الهندسة، استمرّت عمليةُ تشييد الأبنية الجميلة إلى القرن العشرين. إذاً، عليْكَ أن تُحدِّد المجالات التي تتعامل معها. على سبيل المثال، من الناحية الفكريّة، شهدتْ الفلسفةُ الإسلامية التي تقعُ في قلب التراث الفكري الإسلامي إحياءً كبيراً في إيران في القرن التاسع عشر وخرّجتْ شخصياتٍ مهمة للغاية في الهند ـ مثلاً: علماء «فرنگي محل» في مدينة لكهنو، ومدرسة خيرآبادي، وغيرها.

بالتالي، لا يُمكن الحديث عن تراجعٍ عام، ولكنْ لا ريب بأنّ جميع الحضارات قد تدهورتْ بطريقةٍ معيّنة. إذا أخذْتَ منظّمةً نابضةً بالحياة الروحيّة نُسمّيها حضارة، فإنّ جميعَ الحضارات غير الغربية قد تدهورت بشكلٍ خامدٍ بينما تدهورت الحضارة الغربية بشكلٍ فعّال، وهكذا سارت الأمور حتى فترةٍ قريبة. منذ القرن الأخير، أصبحت الحضاراتُ غير الغربية أكثرَ ديناميكية ولكنّ هذا لا يعني أنّها لا تمرُّ الآن بطور التدهور لأنّ كثيراً ما تكونُ الديناميكية غير متطابقةٍ مع المعايير الروحية الخاصة لهذه الحضارات. في الأغلب، تتدهورُ هذه الحضارات حالياً بشكلٍ فعّالٍ وهذه مسألةٌ معقَّدةٌ للغاية قد تحدّثْتُ عنها في عدّة من مقالاتي خلال العقود القليلة الماضية.

ولكن دعنا ننتقلُ بشكلٍ أدق إلى مسألة العلوم والفلسفة لأنّهما يتلازمان حيث إنّ التراث الفكري الإسلامي لا يُفرِّقُ بين الميدان الفلسفي والعلمي. يُعاني العالم الإسلامي من الحقيقة التي تُفيد أنّ فهمه لتراثه الفكري الخاص يعتمدُ بأغلبه على الدراسات الغربيّة حول الفلسفة والعلوم الإسلامية. تعودُ الدراسات الغربية إلى فترةٍ طويلةٍ للغاية ولكنها قد بدأت بالمعنى المعاصِر في القرن التاسع عشر، وقد أجالتْ النظر بالتراث الفكري الإسلامي من وجهة نظرٍ غربية وهذا منطقيٌ تماماً. وفقاً لهذه الدراسات، انتهتْ جميع مدارس العلوم والفلسفة الإسلامية في القرن الثالث عشر حينما انقطع التواصل الفكري بين العالم الإسلامي والغرب. لقد استغرق الأمرُ وقتاً طويلاً تمثّل بعدّة عقودٍ حتى برز أشخاصٌ كهنري كوربين، توشيهيكو إيزوتسو، وأنا نفسي، والعديد من الآخرين ليُحاولوا إعادة تأكيد صحّة الفكرة التي تُفيدُ أنّ الفلسفة الإسلامية لم تنتهِ مع ابن رُشد. خلال العقود القليلة الماضية، تمّ تأليفُ كتاباتٍ أكاديميةٍ في ميدان العلوم الفيزيائية على يد علماء غربيين بأغلبهم، وقد غيّرت هذه المؤلّفات بشكلٍ تدريجيٍّ الفكرة السابقة التي صرّحتْ بأنّ العلم الإسلامي بدأ يتدهور -وحتّى يختفي- مع سقوط بغداد في العام 1258م.

منذ بضعة عقود، تمّ اكتشاف مدرسة مراغه ونحنُ نَدينُ بأغلبية هذا الاكتشاف إلى إ.س.كينيدي وعددٍ من العلماء الغربيين الآخرين بالإضافة إلى بعض العلماء العرب كجورج صليبا ورُشدي راشد. لقد تمّ أيضاً اكتشافُ علم الفلك لدى المماليك وفي اليمن، وقد بذل ديفيد كينغ الكثير من الجُهد في هذا الميدان وكشَفَ عن فصلٍ كاملٍ وجديدٍ في تاريخ علم الفلك الإسلامي. كذلك، خلال السنوات القليلة الماضية، أُجريتْ العديد من الدراسات في إسطنبول وأماكن أخرى من تركيا وتمحورتْ حول العلوم في العهد العثماني، وتمّ إضافة فصلٍ جديدٍ هناك إلى تاريخ العلم الإسلامي.

إنّني أعتبرُ أنّه إذا درسْنا كلَّ هذه الأعمال اللاحقة بشكلٍ جدّيٍ – حتّى من وجهة نظر العلم الغربي حيث إنّنا نقومُ الآن لا شعورياً بتقييم الأمور من وجهة نظرٍ غربية، ويعودُ ذلك في الأغلب إلى الاعتقاد بأنّ العلم الغربي مهمٌ للغاية، إلى درجة اعتباره مقياساً للحضارة الإسلامية ومعياراً غربياً قُمنا بتبنِّيه وأنا لا أقبلُ بهذا الأمر على الرغم من أنّني أظنُّ أنّ المثقّفين المسلمين يقبلون به بشكلٍ عام- فإنّ هذا التاريخ الذي يرمزُ إلى التدهور المزعوم للفكر الإسلامي، خصوصاً في العلوم الطبيعية، ينبغي دفعه إلى المستقبل أي إنّ مرحلة التدهور لن تكون في القرن الثالث عشر بل في وقتٍ متأخرٍ جداً. على سبيل المثال: فقط خلال السنتين أو الثلاث الماضية، اكتشف البروفيسور صليبا من جامعة كولومبيا أنّ شمس الدين الخفري -الذي اعتُبِر على الدوام في بلاد فارس عالماً دينياً أو فيلسوفاً، وعاش من القرن الخامس عشر حتى القرن السادس عشر- هو عالمُ فلكٍ كبير وأنّه كان أحد أهم علماء الفلك المتأخِّرين.

إنّني اعتقدُ أنّه إذا استطلعنا تمامَ العالم الإسلامي، وألقينا نظرةً بشكلٍ خاص إلى القرون المتأخرة في القسم الإسلامي من الهند، وبلاد فارس، والدولة العثمانية وليس فقط إلى البُعد العربي من الحضارة الإسلامية- فإنّنا سوف نكتشفُ أنّ النشاطَ العلمي الجدير بالملاحظة إلى حدٍّ كبير قد استمرّ حتّى القرن الثامن عشر، ولعلّه بقي في بعض المجالات حتى القرن التاسع عشر إلى أن بدأ العلمُ الغربيّ يشقُّ طريقه إلى العالم الإسلامي، وقام رويداً رويداً باستبدال التراث الإسلامي الطبّي والعلمي السابق. أمّا في ميدان الفلسفة، فإنّ التراث الفلسفي الإسلامي لم يمت على الإطلاق وقد شهد بعضاً من أعظم مُمثِّليه في القرن العشرين في إيران كالعلّامة الطباطبائي والسيد محمد عصّار الذي درستُ عنده.

ينبغي أن نُدوِّن تاريخاً قطعياً وكاملاً عن العلوم الإسلامية للقرون اللاحقة على وجه الخصوص، وهذا ما نفتقدُه في الوقت الحالي. في هذا الميدان، افتقر العلماء المسلمون في الغالب لروح المبادرة وقاموا بتكرار ما أعلنه العلماء الغربيون. أمّا هؤلاء العلماء الغربيون، فقد قاموا حتّى وقتٍ قريب بالتركيز على المرحلة المبكِّرة من تاريخ العلوم الإسلامية الذي نمتلكُ عنه الآن قسطاً كبيراً من المعرفة. وعليه، فإنّ أول شيءٍ ينبغي فعلُه قبل الحُكم على زمن تدهور العلوم الإسلامية وكيفيته هو إصدار تاريخٍ كاملٍ عن هذه العلوم الإسلامية من وجهة نظرنا.

إذا أنجزنا هذا الأمر، أعتقدُ أنّنا سوف نجدُ أنّ التراث العلمي الإسلامي كان يقع في قمّة تاريخ العلم، وذلك إذا تصوّرناه مثلاً على غرار جورج سارتون من القرن الثامن إلى القرن الخامس عشر. بعد ذلك، لم يعد التراث العلمي الإسلامي في قمّة النشاط العلمي العالمي وأصبح التراث العلمي الغربي أكثر فاعلية. بالرغم من ذلك، استمرّ التراث العلمي الإسلامي بأسلوبٍ إبداعيٍٍّ في القرنين الثاني عشر والثالث عشر الهجريين، أي القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين. أمّا الفلسفة، فما زالت مستمرة إلى يومنا الحالي.

قد يطرح أحدُهم هذا السؤال: لمَ قلّ النشاط العلمي  ـ ولا أقول تدهور- في العالم الإسلامي؟ أظنُّ أنّ هذا السؤال مطروحٌ بطريقةٍ سلبيةٍ لأنّه يستندُ إلى الفرضية التي تُفيدُ أنّ النشاطَ الطبيعي لكلِّ حضارة ينبغي أن يكون فعّالاً على الدوام في ميدان العلوم الطبيعية والرياضيات. هذا ليس صحيحاً ونحنُ نعلمُ ذلك حينما ندرس تاريخ العلم، مثلاً: الحقبة الطويلة للغاية من الحضارة البابلية في العراق، وآلاف السنوات من الحضارة المصريّة أو الرومانيّة أو الصينيّة أو الهنديّة. في الكثير من الحالات، برز النشاطُ العلمي الكبير في زمن احتضار هذه الحضارات بالفعل، وهذا ما صرَّح به جورج سارتون. على سبيل المثال، في الحضارة البابلية المعروفة بإنجازاتها العلمية العظيمة، برز العلمُ في فترة موت تلك الحضارة وهذا يصدقُ أيضاً على بعض المجالات العلمية في الحضارة المصرية. كذلك، ينطبقُ هذا الأمر بشكلٍ مؤكَّدٍ على الحضارة اليونانية حيث إنّ الإنجازات العلمية اليونانية على يد بطليموس وأُقليدس وأمثالهما قد برزتْ بعد انهيار الحضارة اليونانية، وفي زمن موت دينها، وضعف ثقافتها، والسيطرة على سياستها من قبل الرومان، ولا يوجد شكٌّ حول هذه المعلومات.

في الحضارات الأخرى كالحضارتين الهنديّة والصينيّة اللّتين تمتّعتا بتاريخٍ طويلٍ جداً وما زالتا ناشطتيْن، نُلاحِظُ وجودَ حقباتٍ شهدتْ الاهتمامَ البالغ بما يُسمّى العلوم في يومنا الحالي –الرياضية والفيزيائية والفَلكية والكيميائية، - وحقباتٍ أخرى لم تشهدْ اهتماماً كبيراً بهذه الحقول المعرفية. في الفترات التي لم تشهد اهتماماً كبيراً، كثيراً ما أنتجتْ هاتان الحضارتان روائع الفنّ، والهندسة، وأصول الحُكم، والأدب، والعديد من الأمور الأخرى.

على خلاف الحضارة البابلية، بدأ العلم في الحضارة الإسلامية في وقتٍ مبكِّرٍ جداً، أي إنّ قمّة النشاط العلمي بدأ في وقتٍ مبكرٍ من التاريخ الإسلامي. على سبيل المثال، عاش جابر بن حيّان في القرن الثاني الهجري ولم يتجاوزه أحدٌ في ميدان الكيمياء. كذلك، شهد القرن التاسع علماء فلك ورياضيين عظماء وفي القرن العاشر برز أشخاصٌ كالبيروني وابن سينا. استمرّ النشاطُ العلمي في قمةٍ عالية لعدّة قرونٍ طويلةٍ بالرغم من تصاريف الدّهر، ومن ثمّ انتقلت طاقاتُ الحضارة بشكلٍ تدريجيٍّ إلى مواضعَ أخرى.

في مطلع القرن السادس عشر، بدأ الغرب باكتساب القوّة وتمّ افتتاح عصر الاستكشاف، ووصل الأوروبيون إلى قارتيّ أميركا بالإضافة إلى آسيا من خلال الإبحار حول أفريقيا عبر المحيط الهندي، إلا أنّهم لم يخترقوا أراضي «دار الإسلام». في ذلك الوقت، كان العالم الإسلامي ما يزالُ قوياً جداً من الناحية السياسية ولعلّ أقوى إمبراطوريات العالم في تلك الحقبة كانتا الدولتين العثمانية والصفوية، والأثرى كانت إمبراطورية المغول في الهند. كانت هذه الإمبراطوريات من الناحية الاقتصادية ـ بالإضافة إلى السياسية والعسكرية ـ قويةً ونابضةً بالحياة. أمّا من الناحية الفنية، فقد أبصرت أعظمُ الأعمال الفنية في تاريخ البشرية النورَ في هذه الحقبة -على سبيل المثال: مسجد تاج محل في الهند، وذلك المسجد الرائع في أصفهان الذي هو بالفعل تحفةٌ فنيةٌ بقدر ما هو عملٌ هندسي، ومسجد السلطان أحمد في إسطنبول- فقد تمّ إنتاج أعمالٍ مُدهِشة في ميدان العمران، والتخطيط، والأدب، والعديد من الأمور الأخرى في هذه المدّة.

إذاً، فإنّ الحُكم على حضارةٍ ما انطلاقاً من اهتمامها بالعلم ومن ثمّ طرح السؤال: «لمَ تدهور العلم في هذه الحضارة؟» ومساواة ذلك التدهور مع تدهور الحضارة بحدِّ ذاتها هو أمرٌ خاطئ لأنّ حياةَ أيِّ حضارةٍ طبيعيّةٍ لا توازي ببساطةٍ حياةَ العلوم الطبيعية أو الرياضيات فيها لكي يتمّ وضع كلّ الطاقات الإبداعية في تلك الميادين. تأتي إحدى اللحظات حينما ترضى حضارةٌ ما بنظرتها الكونيّة ومنظورها إلى العلوم الكونية، ويُمكنك القول بأنّ زخم النشاط الإبداعي ينتقلُ إلى ميادين الفلسفة والعرفان والفن والأدب والقانون وغيرها.

أظنُّ أنّه لا ينبغي طرحُ السؤال بهذه الطريقة. لقد شهدتْ الحضارةُ الإسلامية فترةً من الاهتمام البالغ بالعلوم يفوقُ أمدُها أيَّ حضارةٍ أخرى نعرفها بما فيها الحضارة الغربية حيث إنّ هذه الحضارة الأخيرة قد اهتمّت بشكلٍ كبير بالعلوم منذ نحو أربعة قرون فقط -أي من عصر غاليليو- وجعلتْ العلمَ همَّها الفكري الرئيسي منذ ذلك الوقت. نحنُ لا نعرف ماذا سيحصل بعد 300 عام، وينبغي ألاّ نقوم بالتخمين حيث إنّنا لا نعلم ببساطة. أظنُّ أنّه لكي نُحرز نظرةً أعمق إلى هذه المسألة، ينبغي أن نحاول فهمَ ديناميكية إنشاء العلم وبثّه داخل الحضارة الإسلامية نفسها.

ينبغي الإجابة على مسألة الإحياء التي عبّرْتَ عنها بشكلٍ جيدٍ وصادقٍ للغاية على ضوء تراثنا العلمي الإسلامي، ومنذ أكثر من 40 عاماً وأنا أكتبُ عن هذا الأمر. ينبغي عدم تقديمه بالطريقة الخاطئة التي يتمّ تناوله بها في يومنا الحالي، أي الاعتقاد بأنّ العلم الإسلامي قد اندثر منذ 700 عام ونُحاولُ الآن إنعاشه بعد مرور العديد من القرون. إذا كانت هذه هي نظرتنا، فإنّنا لن نستطيع على الإطلاق إحياء العلم الإسلامي بشكلٍ أصلي.

كان ينبغي غرسُ العلم المعاصِر في هيكل التراث العلمي الإسلامي في القرن التاسع عشر والعشرين حينما كانت لا تزالُ هذه العلوم الإسلامية التقليدية على قيد الحياة إلى حدٍّ يفوقُ بالطبع ما هي عليه الآن في البلاد الإسلامية. تمّ تطبيق أمرٍ من هذا القبيل في ميدان الطب خلال القرن العشرين على يد «مؤسسة همدارد» بعد تقسيم الهند، ومن قِبل الحكيم محمد سيّد والحكيم عبد الحميد اللَّذَيْن رحلا مؤخراً رحمهما الله حيث إنّ أحدهما قد تعرّض لعملية قتلٍ في كراتشي كما تعلم. لقد ساهم عملهما بطريقةٍ ما بغرْس بعض تقنيات الطب الغربي في التراث الطبي للعالم الإسلامي، ومن المؤسف أنّ هكذا جهود لم تتحقّق بشكلٍ أعم في ميادين أخرى.

هناك مشروعٌ قد مثّل بالنسبة لي نوعاً من الطموح والرغبة الشخصية طوال حياتي وهو التالي: أن أستطيع كتابةَ تاريخٍ كاملٍ عن العلم الإسلامي من وجهة نظر الحضارة الإسلامية. لقد شرعْتُ بهذا العمل على هيئة «البيبليوغرافيا المشروحة للعلم الإسلامي» في السبعينيات وقد أتممتُ سبعة مجلّدات قبل الثورة الإيرانية حيث إنّ ثلاثة مجلدات قد صدرت تحت إشرافي أمّا الأربعة المتبقية فإنها في طور الصدور أخيراً بعد كلّ هذه السنوات.

اعتُبِر مشروعُ جمْع بيبليوغرافيا كاملة للعلم الإسلامي بجميع اللغات خطوةً مهمةً تجاه تقييمٍ حقيقيٍّ للعلم الإسلامي، وهو يستكملُ كتابي «العلم والحضارة في الإسلام» ويعتمدُ على دراسة تاريخ العلوم الإسلامية من وجهة نظرٍ إسلامية. أعتقدُ بأنّ مسألة إحياء العلم الإسلامي، كما تقول، تتّصلُ بشكلٍ تام بفهمنا لاضمحلال أو موت العلم الإسلامي قبل العصر الحديث بالإضافة إلى تاريخه الأسبق الذي لم يُكتَب استناداً إلى المعرفة المنحازة بل يبحثُ في جميع العلوم من منظور تراثنا الفكري الخاص.

إقبال: أظنُّ أنّ هذا السؤال يمثُلُ بقوّةٍ لأنّ الغرب قد استطاع تحويلَ اكتشافاته العلمية إلى تكنولوجياتٍ عُدوانية ومن ثمّ استخدم هذه التكنولوجيات للتغلُّب على العالم الإسلامي وتدمير مؤسّساته. بالتالي، اعتقد معظمُ المصلحين المسلمين الذين تحدّثنا عنهم سابقاً بأنّ العلم الغربيّ هو الذي أخضعهم وأنّ الحلَّ يتمثّلُ بالتوجّه نحو اكتساب هذا العلم. ولكن هل تستطيعُ أن تقترحَ حلاً لهذا الوضع الراهن؟ لقد قدّمْتَ مثال الطب ولكن تُستَخْدم العديد من العلوم الأخرى كالكيمياء والفيزياء في تطوير عددٍ هائلٍ من التكنولوجيات التي تُنعِشُ الاقتصاد والثراء المادي وميدان التسلُّح ووسائل التحكُّم بسائر العالم. أعتقدُ أنّ هذه التكنولوجيات هي ضروريةٌ بالنسبة للعالم الإسلامي، فكيف يُمكن التوافق مع هذا الأمر؟

نصر: هذا سؤالٌ عميقٌ جداً، وسوف أحاول الإجابةَ عنه من منظورٍ دينيٍّ وفلسفي. العلمُ المعاصر هو ما أُسمّيه علماً «فوستياً» وفقاً لغوته، أي يأتي كنتيجة مقايضة الروح للشيطان من أجل اكتساب العلم الدنيوي والسيطرة عليه، ولهذا السبب قد عاث العلمُ فساداً بالنظرة المسيحية إلى الكون. بالرغم من أنّه يبدو حيادياً، إلا أنّه ليس كذلك في الواقع لأنّ الناس تُفسِّره كنوعٍ من الفلسفة بحدِّ ذاته. بالتالي، فقد سيطرتْ النزعة العلمية على النظرة الكونية الغربية. علاوةً على ذلك، فإنّه على الرغم من النجاحات الجزئية لتطبيقات هذا العلم بهيئة التكنولوجيا إلا أنّه يُدمِّر نسيجَ العالم والبيئة وكلّ شيء.

يُمكنك القول بأنّ اعتقاد العالم الإسلامي بإمكانه حيازة تلك القوّة من دون المقايضة مع الشيطان هو وهم، ولا أعتقدُ أنّ ذلك سيتحقّق. على سبيل المثال، إنّ اكتساب القوّة الهائلة عبر القنابل النووية، أو الردّ على متفجّرات الغرب، أو مقابلة الصواريخ الموجّهة بالليزر بالمثل، قد يكون مُناسباً من الناحية السياسية ولكنَّ القول بأنّ هذه الصواريخ الموجّهة بالليزر هي إسلامية هو افتراضٌ زائفٌ وادّعاء هذا الأمر يُخالِفُ حقيقةَ الإسلام. السبب هو أنّ مشروع العلم المعاصِر بأكمله يعتمدُ على إهمال البُعد الروحي في الطبيعة، أي إقصاء يد الله عن خلقه.

حتّى ولو كان أحدُ العلماء متديِّناً –من الناحية الفلسفية- إلا أنّ البُعدَ الروحي لا يدخلُ في أيٍّ من ملاحظاته أو حساباته المادية ولا يتّصلُ بكيفيّة نظرته إلى دُنيا الطبيعة. بالتالي، في العلم المعاصِر، يتمُّ دراسة الدُنيا الطبيعية بشكلٍ مجرّد عن حقيقة الله، وحتّى لو وُجِد بعض العلماء الغربيين الذين ما زالوا يؤمنون بالله إلا أنّ هذا الواقع لا يرتبِطُ بموضع النقاش الحالي. لهذا السبب، قد يتقاسمَ فيزيائيٌّ مُلحدٌ وفيزيائيٌّ كاثوليكي جائزةَ نوبل في الفيزياء، ولا يرتبطُ إيمانهما أو عدمه بالعلم الذي يتعقّبانه وفقاً للفهم المعاصِر للعلم.

ما يستطيعُ العالمُ الإسلامي فعله يرتبِطُ بالسؤال الذي تطرحه. لا أعتقِدُ أنّه من خلال السعي للتمكُّن من جميع وسائل القوّة –أو ما قد يُسمّى بالتكنولوجيا- تبقى الجهة الساعية إسلاميةً ومستقلةً تماماً، فنحنُ لا نستطيعُ أن نستقلّ بتلك الطريقة. مثلاً، خسرت اليابان في الحرب العالمية الثانية، ولو أنّها لم تُشارك في الحرب لبقيت إحدى القوى العسكرية العُظمى في العالم. ماذا كانت التكلفة؟ نحنُ نرى ما حصل للبوذية في اليابان بعد خمسين عاماً، وما جرى للتقاليد الدينية اليابانية بالرغم من بقاء بعض الأبعاد الثقافية، ومن الواضح للجميع كيف أنّ الإلحاد واللاأدرية قد انتشرا في اليابان خلال الماضي القريب. أو خذ الصين التي يُمكن أن تتحوّل قريباً إلى قوّةٍ عالمية، ولكن السؤال هو هل ستكون هذه صيناً كونفوشيوسية أو صيناً أخرى؟ هذا هو جوهر المسألة.

بالطبع، من غاية الصعوبة أن نقول للحكومات الإسلامية ألاّ تمتلك هذه الأسلحة لأنّ هذه الحكومات تُريدُ أن تكون قويةً وأن تُدافع عن نفسها، وأيّ حكومةٍ جيّدةٍ تودُّ الدفاعَ عن شعبها. ولكن مع ذلك، إذا قُمنا كمفكِّرين بالتوهُّم –وهذا قد حصل مع معظم المصلحين المسلمين خلال المائة سنة الماضية أو أكثر- أنّه بإمكاننا إتقان التكنولوجيا العسكرية وغيرها من أنواع التكنولوجيا الغربية من دون التورُّط بعناصرها السلبية والنظرة الكونية المادية التي تُرافقها، فإنّني أعتقدُ أنّنا نخونُ مهنتنا ومسؤوليتنا تجاه المجتمع.

أولاً، ينبغي أن نُجاهِر بهذه المسألة حتّى ولو كانت كلماتنا غير رائجة. إنّ من يُؤمن بأحلام جميع هؤلاء المصلحين كمحمد علي باشا، جمال الدين الأفغاني، محمد عبده، وحتّى بديع الزمان النورسي من تركيا ومحمد إقبال، ويعتقدُ أنّه بإمكاننا اكتساب تلك القوّة التكنولوجية وأن نبقى في  الوقت نفسه بشكلٍ أصيلٍ ضمن النظرة الكونية الإسلامية، فإنّه يحلُم بالمستحيل. أعتقدُ أنّ ما ينبغي فعلُه كمفكِّرين وعلماء مسلمين هو الإعلان عن ضرورة صيانة النظرة الكونية الإسلامية في ما يتعلّق بالعلم والطبيعة وبغضِّ النظر عن النتائج الدنيوية.

ثانياً، كما يشعرُ بعض الأشخاص في الغرب بلزوم الدفاع عن البيئة في وجه الممارسات التكنولوجيّة المعاصِرة تجاهها، فإنّني أشعرُ بحاجتنا لحماية بيئتنا الدينية بالإضافة إلى البيئة الطبيعية.

ثالثاً، ينبغي أن نُحاوِل أن نفهم العلوم الغربيّة وأن ندمجها في المنظور الإسلامي، ويجبُ أن تكون هذه الخطوة في الطليعة وعلى تخوم العلوم، خصوصاً الفيزياء ومن ضمنها الفيزياء الكمية حيث يُمكننا إعادة تفسير ميكانيكيا الكمّ بطريقةٍ ميتافيزيقية. يُشكّل التشعُّب الديكارتي أساسَ الفهم التام لميكانيكيا الكم المعاصِرة، وهذا يجعلُ استيعابَ التداعيات الفلسفية لهذه الميكانيكيا وربْطها بالفلسفة الطبيعية الإسلامية في غاية الصعوبة. يُمكن أن ينطبق هذا الأمر أيضاً على المجالات الأخرى.

رابعاً، ينبغي أن ننشئ قدر الإمكان جيوباً داخل العالم الإسلامي لضمانة استمرارية وتطبيق التكنولوجيات البديلة التي تعتمدُ على النظرة الإسلامية إلى الطبيعة والعلم، ومن ضمنها الطب، الصيدلة، الزراعة، وغيرها. فلنأمل أن هذا الجنون المتمثّل بالسعي لصناعة الأسلحة الأكثر فتكاً وأنّ كلّ ما يجري في هذا الميدان العسكري في العالم سوف يندثر تدريجياً وتتمكّن البشرية بطريقةٍ ما بغرس بذرة العلم المقدس والأصيل على المستوى الروحي وأن نقومَ بتنمية علاقتنا الحقيقية مع الطبيعة للمستقبل.

إقبال: لديّ سؤالٌ صغيرٌ يتعلّق ببعض النقد الذي ورد على عملك خصوصاً من قِبل ديفيد كينغ، ومن ثمّ أُريد أن أختم بمسألة الأصول وعلى وجه التحديد الأصول الكونية.

قال ديفيد كينغ وبعضُ المؤرِّخين الآخرين أنّك «تنظر بمثاليةٍ» إلى العلم الإسلامي من دون تحديد ما تقصده من هذا العلم. أعرفُ أنّك قد عرّفته عدّة مراتٍ بتفصيلٍ دقيق، ولكن في ما يتعلّق بهذا النقد الذي يجولُ في خاطري، يقومُ كينغ بتقديم أمثلةٍ محدّدة على فهمك لتاريخ الرياضيات وأظنُّ أنّه كان يقصدُ كتابك الذي تمّ نشرُه في «مهرجان عالم الإسلام».

نصر: هذا صحيح، اسمه «العلوم في الإسلام: دراسةٌ مصوَّرة».

إقبال: لا أعلم إن كُنتَ قد أجبْتَ سابقاً على هذا النوع من النقد؟

نصر: لا، فمن غير عادتي الإجابة على النقد الذي يردُ على كتبي، ولكن دعني أذكر نقطتين في ما يتعلّق بنقْد ديفيد كينغ وأمثاله على كتابي عن العلوم الإسلامية. أجرى كينغ بعض التصحيحات وخصوصاً في ما يتعلّق بسوء تفسير «الأداة» وقد كان مُحقاً وأنا مُمتنٌّ لذلك. ألّفْتُ هذا الكتاب بسرعة من أجل «مهرجان عالم الإسلام» في العام 1976 فتسرَّبتْ إليه تلك الأخطاء التي كان ينبغي التحقُّق منها، وأنا أشعرُ بالامتنان لأنّه قد أشار إلى بعضها. ولكنّ المسألة الأهم هي أنّ كينغ والعديد من المؤرخين الغربيّين في ميدان العلوم –وكثيرٌ منهم وضعيون- يرفضون المنظور التام الذي درستُ من خلاله تاريخَ العلوم الإسلامية. إنّهم ينظرون إلى تاريخ العلوم من وجهة مؤسّسي الحقل المعرفي كماتش وسارتون وغيرهما الذين قاموا في بداية تأسيس هذا الحقل برفض آراء بيير دوهيم عن الفهم غير الوضعي لتاريخ العلوم. إنّ تاريخ العلوم، أصبح مع تطوّره يستندُ على المنظور الوضعي للعلم وهو ما رفضْتُه في بداية حياتي العلمية، وما حاولْتُ فعله هو فهْم معنى العلوم في إطار النظرة الكونية الفكرية الإسلامية.

أمّا ما أقصده من العلوم الإسلامية، فقد أوضحتُ ذلك للغاية حتّى ولو لم يكن تعريفُ العلوم سهلاً بشكلٍ عام. إذا سألْتَ أحدَ أبناء الغرب عن ماهية العلوم فسيجد صعوبةً في الإجابة، وقد قام مؤرِّخٌ عظيمٌ للعلوم بتقديم أفضل إجابةٍ وهي كالتالي: العلم هو ما يقومُ به العلماء.

إقبال: صحيح.

نصر: أنت بنفسك عالمٌ، ولعلّ هذا أفضلُ جوابٍ بمقدورك تقديمه لأنّك إذا قُلْتَ «العلم يعتمدُ على هذا المنهج العلمي أو ذاك»، فإنّ هذا لا ينطبق على كيبلر أو آينشتاين، وإذا قُلْتَ شيئاً آخر تنشأُ استثناءاتٌ أخرى. العلمُ هو ما يقومُ به العلماء، ويُمكنك القول بأنّ العلوم الإسلامية هي ما قام به العلماء المسلمون. ولكن علاوةً على ذلك، حاولْتُ أن أضع تلك العلوم ضمن الإطار التام للكون الفكري الإسلامي وأن أربطه بالمبادئ الإسلامية، وأعتقدُ أنّني قد أوضحْتُ ذلك في بحثي عن تاريخ العلوم الإسلامية. بالطبع، لم يقبل المؤرّخون الغربيون للعلوم بذلك لمدّةٍ طويلة، ولكن يوجد اليوم بعضٌ يقبلُ بنظرتي ويُحاول فهْمَ تاريخ العلوم في كلِّ حضارة وفقاً لوجْهة النظر الخاصة بتلك الحضارة.

استند نقْدي لجوزيف نيدهام على هذه القضية بالذات. لقد اشترك فريقٌ كامل في جامعة كامبريدج بالعمل على مؤلَّفه الضخم «العلم والحضارة في الصين»، بينما كنتُ شاباً وحيداً وكتبْتُ «العلم والحضارة في الإسلام» كردٍّ على تفسيره للعلوم الشرقيّة. حينما شرع نيدهام بتأليف «العلم والحضارة في الصين»، كان يكتبُ من وجهة نظر عالمٍ غربيٍّ ماركسيٍّ خفيّ، وهذا يختلفُ بشكلٍ كبير عن الكتابة من وجهة النظر الكونفوشيوسية والطاوية. ينطبقُ الأمر ذاته على العلوم الإسلامية ولهذا السبب حاولتُ توجيهَ الرد على نيدهام وتفادي ما اعتبرته أحد الأخطاء، بالرغم من التوثيق الرائع في كتابه.

خلال الستينيات والسبعينيات، وضعتُ في الكتب التي ألّفتها آنذاك ما اعتبرتُ أنّه ينبغي أن تكون عليه منهجيّة دراسةِ تاريخ العلوم الإسلامية من وجهة النّظر الإسلاميّة. أمّا الآن، فلدينا جيلٌ كاملٌ من العلماء المسلمين الأصغر سناً وحتّى العلماء الغربيّين المتخصّصين بتاريخ العلوم الذين لا يُعارضون مقاربتي للموضوع بل يؤيّدونها إلى حدٍّ كبير. بالطبع، ما زال يوجد الكثير من المعارضين. لطالما احترمتُ العلماء الجيّدين في هذا الميدان كديفيد كينغ بالرغم من أنّهم لا يمتلكون المنظورَ الروحيّ الذي تحلّى به العلماء المسلمون أنفسهم، وهذه هي المشكلة بتمامها.

حينما قام نصير الدين الطوسي أو ابن سينا بالكتابة عن العلوم، كانا يمتلكان نظرةً محدّدةً عن الكون لا يُشاطرهم إيّاها المؤرِّخون المعاصرون في ميدان العلوم. بصرف النظر عن ذلك، لطالما احترمْتُ المؤرخين الغربيّين المحايدين لاكتشافهم الحقائق والفرضيات التاريخية، وقد قدّموا خدمةً عظيمةً باكتشافهم للمخطوطات والأدوات وقيامهم بتقديمها إلى العالم. ما ينبغي أن يفعله المؤرِّخون المسلمون اليوم هو تطوير فهمهم الخاص لتاريخ العلوم، وبدلاً من تكرار ما قاله سارتون  ـ الذي كان عالماً كبيراً وأستاذي في جامعة هارفارد ـ وما قاله الآخرون، يتحتّم عليهم تطويرَ ميدان تاريخ العلوم من منظورٍ إسلامي. هذا على وجه التحديد هو أحد الأمور التي أردتُ فعلها طوال حياتي.

إقبال: سؤالي الأخير يتعلّق بمسألة الأصول ولديه بُعدان: أوّلهما هو مسألة الأصول الكونية والثاني هو مسألة أصل الحياة. هذا موضوعٌ كبيرٌ في ميدان العلوم والدين، ولقد قُمْتَ في كتابك «العقائد الكونية الإسلامية» باستكشاف ثلاثة أبعادٍ محدّدةٍ لهذه المسألة إلا أنّ علم الكون المعاصر لا يُشاطرك هذه الرؤية ويُعَدُّ بتمامه علماً كونياً مادياً. بالتالي، كيف نفهمُ مثلاً آراء ابن سينا والبيروني بالنظر إلى الاكتشافات المعاصِرة التي قدّمتْ كمّاً كبيراً من المعلومات بمساعدة الآلات العلمية المعاصرة؟ باختصار، ما هي الرؤية الإسلامية تجاه أصل الكون مع أخذ معلوماتنا الحاليّة بعين الاعتبار، وكيف تُقارن هذه النظرة برؤيتي ابن سينا والبيروني؟

نصر: أعتقدُ أنّ أيَّ اكتشافٍ في علم الكون المعاصِر لا ينقضُ ما ينصُّ عليه الإسلام أو الهندوسيّة أو المسيحيّة أو أيّ دينٍ آخر حول أصل الكون. علم الكون المعاصر هو استقراءٌ للفيزياء الأرضية ويعتمدُ على الفرضيّة التي تُفيدُ أنّ جميعَ قوانين الفيزياء الأرضية التي درسناها تنطبقُ على الكون بأكمله. بالإضافة إلى ذلك، فإنّ هذا استقراءٌ ونحن لا نمتلكُ المعرفة بالفعل لأنّ هذا الأسلوب في النظر إلى الكون يُقصي أيَّ عاملٍ لا يُمكن قياسه من خلال الآلة وبالتالي يكونُ محصوراً في عالم الفيزياء الكلاسيكي القابل للقياس بالإضافة إلى الفيزياء المعاصِرة وميكانيكيا الكم. أمّا العقائد الكونية في الإسلام أو أيّ دينٍ آخر، فإنّها تعتمدُ على رؤيةٍ تامة للواقع لا تتعلّق بالله فقط بل أيضاً بما نُسمّيه الأبعاد الملائكية أو غير المادية التي لا تتأثّر بأيِّ نحوٍ من الأنحاء بأيِّ شيءٍ قد نكتشفه عن الأبعاد المادية للكون.

إنّني أنظرُ بريبةٍ كبيرةٍ إلى أخذ موضوع هذه الفرضيات الكونية على محمل الجد حيث إنّها تتغيّر كلَّ بضعة سنوات. هناك الكثير من الاستقراء والأمور المجهولة، وما يُقدَّم كأحدث فرضيّةٍ كونيةٍ باهرة يندثرُ بسرعة لأنّه يأتي أحدُهم بمعلومةٍ كونيةٍ جديدة أو يُعيدُ قياساً أو حساباً جديداً فتبرزُ فرضيةٌ جديدةٌ كالأكوان المتعدِّدة، ونظرية الأوتار، وفرضيّة الانفجار الكبير، وما إلى ذلك. منذ أن كُنتُ طالباً في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، تمّ تقديم 5 أو 6 فرضياتٍ كونية كُبرى.

في الواقع، لا أرى بأنّ أولئك الذين يقومون بتكوين النظريات حول الكون على أساس الفيزياء والكيمياء ينبغي أن يستخدموا مصطلح علم الكونيات حيث إنّ هذه الأمور ليست كونيات بالمعنى الحقيقي. علمُ الكونيات يعني علم الكون، والكون لا ينحصِرُ بأبعاده المادية أو المرئية أو القابلة للقياس. هذه الأبعاد هي جزءٌ من الكون ولكنها لا تُشكِّل الكونَ بتمامه، وأنا لا آخذ علم الكونيات المادي المحض الذي يدّعي بأنّه علمٌ كونيٌّ كامل على محمل الجد.

ما ينبغي أن نفعله هو إعادة صياغة علم الكونيات الإسلامي الذي تمّ إنشاؤه استناداً إلى تعاليم الإسلام بلغةٍ مُعاصِرة، ومن ثمّ ينبغي أن نرى ما يقول علماء الكون المعاصِرون من وجهة نظره. بالإضافة إلى ذلك، فإنّ المسألة لا تتعلّق بإجراء روابط سهلة كالإصرار بأنّ فرضية الانفجار الكبير تتطابقُ مع {كُن فيكون} أو «فليكنْ هناك نور» كما يقول علماء اللاهوت المسيحيون، وسُرعان ما يأتي أحدُهم ويقول بعدم وجود الانفجار الكبير فينهار كلُّ شيء. منذ 10 أو 15 سنة، أُقيم مؤتمر في فيلاديلفيا جمع بين علماء اللاهوت اليهود وعلماء الكون حول الانفجار الكبير، ولكن في هذه الأيام يوجد العديد من علماء الكون الذين لا يؤمنون بفرضية الانفجار الكبير بعد الآن.

أعتقدُ أنّه لا ينبغي الخلط بين نوعي علم الكون، أي علم الكون الديني المستنِد إلى الرؤية الميتافيزيقية التي تعتبرُ أنّ الكون بدأ إثر فعلٍ إلهيٍّ إبداعيٍّ، وعلم الكون المعاصِر إذ إنّهما شكلان مختلفان للغاية من المعرفة، ويُمكنك القول بأنّهما يتحدّثان عن حقائق مختلفة. يعتمدُ علمُ الكون المعاصِر على الفرضية التي تُفيدُ أنّ أيَّ ظاهرةٍ فيزيائيةٍ قابلة للملاحظة والقياس على الأرض تنطبقُ على الكون بأجمعه، أي إنّ المادة التي تتشكّلُ منها النجوم هي المادة نفسها التي نتشكّل منها كبشر. هذه فرضيةٌ كبيرةٌ لا يُمكن إثباتُها علمياً ولكنّها جزءٌ ممّا تفترضُهُ عملية الاختزال والنزعة العلمية المعاصرة.

أظنُّ أنّ ما ينبغي فعله هو إظهار أنّ صلاحيّةَ علم الكون الإسلامي ليس لديها أيّ علاقةٍ بالتخمينات الكونية الحالية. علم الكون الإسلامي هو مجرد علمٍ وطريقةٍ أخرى للنظر إلى الأمور، ومن المؤسف أنّ الكلمة نفسها تُستخدَم لحقلين معرفيّيْن مختلفَيْن ونشاطَيْن فكريَّين متباينَين. إنّ علم الكونيات التقليدي وعلم الكونيات الحديث -الذي تمّ طرحه منذ القرن الأخير ويُمثِّل استقراءً للفيزياء الأرضية- يتناولان حقائق مُختلفةٍ للغاية من خلال أساليبٍ متباينة.

أمّا بالنسبة لأصل الحياة، فإنّني أعتقد ـ وهذا ليس اعتقادي فحسب بل يُمثِّل نظرةَ التراث الفكري الإسلامي وتُؤكّده الفلسفة الخالدة ـ أنّ جميع الأصول تتعلّق بالكينونة لأنّ كلَّ شيءٍ موجود ينشأ عن فعل الكينونة ـ أي الكينونة النقية ـ إذا تحدّثنا بلغة الفلسفة الإسلامية التقليدية بالإضافة إلى الفلسفة الغربية، أو ما نُسمّيه من الناحية الدينية يد الله مُكوِّن الخلائق: أي إنّ كلَّ المخلوقات لديها في النهاية الخالق نفسه. الحياة على وجه الأرض ظاهرةٌ مختلفةٌ للغاية عن العالم المادي، والإسلام لا يقبلُ بالافتراض الذي يُفيدُ أنّ العلاقة بين الخالق وخلْقه تنحصرُ فقط في نقطة الإنشاء وأنّه لا وجود لعلاقةٍ أخرى بعد ذلك.  يُخبرنا الدين الإسلامي أنّ إرادة الله تجري في خلْقه دائماً ـ حتّى في حياتك وحياتي ـ وبالتالي يغدو منشأ الحياة أمراً يسهُلُ فهمه للغاية. الإيجاد في العالم المادي وفي القالب المكاني ـ الزماني لنوعٍ آخر من الواقع هو فعلُ كينونةٍ إبداعي وإنزالٌ من المملكة الإلهية. لذلك، بالرغم من محاولاتنا الحثيثة لإنشاء الاتّصال بين المجالَيْن الكيميائي والبيولوجي، إلا أنّه لا وجود لاتّصالٍ تام في الواقع وهناك قفزةٌ يُمكنك أن تُسمّيها قفزةً كميّة. في العلم المعاصِر، حيث تمّ إقصاء يد الله عن العالم، يُنظَر إلى القوة الإبداعية على أنّها كامنةٌ في الكون «المادي» وأنّها نوعٌ من المحايثَة والحلوليّة بالرغم من أنّ العلماء بالطبع لا يستخدمون هذه المصطلحات، فأُخذتْ القوة الإبداعية الإلهية وأُعطيت للطبيعة.

فجأةً، نُلاحظُ قفزةً من المواد الكيميائية إلى كائنٍ حيّ، ويسعى العلماء لإظهار هذه القفزة كنوعٍ من الاتصال وذلك عبر الاختزال فيستخدمون ما يُماثل التعبيرات التالية «ليستْ الحياة سوى»، وعادةً ما تتبعُ هذه الـ«سوى»  أسماءُ عناصرٍ كيميائيّةٍ وفيزيائية. حينما يعترفُ العلماء بوجود قفزةٍ، فإنّها تُؤخَذ كنتيجةٍ للقوى الموجودة داخل العالم الطبيعي. في هذه الأيام يجدُ الناس أنفسهم مُرتاحين مع هذا النوع من التفسير، ولكن إذا صرّحتَ بوجود علةٍ مُتسامية وراء تلك العملية فإنّهم لا يرتاحون تجاه هذا التأكيد. هذا ناجمٌ عن الفلسفة التي تُسيطر اليوم على العالم المعاصِر على الرغم من عدم وجود منطقٍ على الإطلاق في تلك النظرة إلى الأمور. إذا تحدّثتَ عن قفزةٍ ناشئةٍ عن العناصر الداخلية ولا الخارجية، فإنّ هذا صادمٌ وغريبٌ وينطبقُ الأمرُ ذاته على القفزة من الحياة إلى الوعي، وهذه قفزةٌ أعظم.

دعْنا ننتقل الآن إلى أشكال الحياة. حينما ترى عصفوراً يُحلّق في الهواء، فلا يوجد منطقٌ في الافتراض بأنّ الجناح قد نما تدريجياً من عضوٍ غير متّصلٍ بالطيران أو الافتراض بأنّ العين قد تطوّرت بشكلٍ تدريجيٍّ وباتت تُبصر. حينما تُفكّر بالأمر، لا يوجد شيءٌ أكثر منه منافاةً للعقل. ولكن يودّون القبول بهذا التطوّر كأمرٍ مُسلَّم به وكعلمٍ حقيقيٍّ لأنّهم لا يُريدون القبول بمستويات الحقيقة الموجودة خارج عالمنا والتي تتجلّى أيضاً في داخله.

هناك حقائقٌ، وأشكالٌ حياتيّة، وأجناسٌ، وقدرات مختلفة استناداً إلى المنشأ المقدس لأشكال الحياة. بالنسبة لي، أؤمن بأنّ تعاليم الإسلام التي قام بتطويرها علماء الكون الثلاثة الذين تحدّثتُ عنهم في كتابي عن علم الكون ما زالت صحيحةً اليوم كما كانت في السابق –مع وجود أشكالٍ أخرى من علم الكون الإسلامي المطوَّر على يد علماء كونيين آخرين، ولكنّ هؤلاء الثلاثة هم الأهم بالرغم من أنّهم لا يُقدّمون على الإطلاق جميعَ أشكال علم الكون الإسلامي. هذه التعاليم مهمةٌ للغاية في فهمنا للكون والحياة.

إذا كان لدينا فلاسفة وعلماء مسلمون موهوبون فعلاً ومتجذّرون بشكلٍ عميقٍ في تُراثهم، سيستطيعون أن يقوموا بدمْج المعلومات التي اكتشفها العلم المعاصِر عن الحياة بالمنظور الإسلامي من دون التضحية بأيّ مفهومٍ لاهوتيٍّ أو إهمال الاكتشافات العلمية. لا يوجد شيءٌ قد اكتشفه العلم باعتباره معلومةً فعلية ـ ولا مجرد تأويلٍ أو تخمينٍ منبنٍ على الافتراضات الفكرية ـ إلاّ ويُمكن ملاءمته مع التعاليم الإسلامية الكونيّة عن تسلسُل الوجود والقوة الإلهية التي تتجلّى في جميع مستويات الواقع وصولاً إلى العالم المادي.

إقبال: شكراً جزيلاً لكم.

نصر: جزاكم الله خيراً.