البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

العلم والدين والحقيقة ، رؤيةٌ في مفهومَيْ النسبانيّة والواقعانيّة

الباحث :  جون تايلور
اسم المجلة :  الاستغراب
العدد :  13
السنة :  السنة الرابعةــ 1440هـ خريف 2018م
تاريخ إضافة البحث :  October / 23 / 2018
عدد زيارات البحث :  451
تحميل  ( 345.832 KB )
في هذه الورقة، يعالج الباحث البريطاني جون تايلور طبيعة الحقيقة في الروايات الواقعيّة والنسبيّة، كما يلقي الضوء على الجدل الدائر حول التفسيرات الواقعيّة والنسبويّة للعلم في سياق العمل الأدبي المؤثّر لتوماس كوهن (Thomas Kuhn) عن النماذج والثورات العلميّة. ثم يركز الباحث على تسويغ الاعتراض على الموقف النسبوي القائل بأنه لا يمكن فهم طبيعة الخلاف حول المعتقد الديني إلا من خلال فهم الحقيقة الموضوعيّة، وهذا الأمر يفتح الطريق برأي الباحث أمام تفسيرٍ واقعيٍّ لهذا الجانب من الدين الذي يهتم بمحاولة تقديم تفسيرٍ أساسيٍّ لخصوصيّات الواقع.

المحرر



رأى أرسطو أنّ الحقيقة هي مسألةُ توافقٍ بين ما نقوله من ناحيةٍ وكيفيّة سير الأمور من ناحيةٍ أخرى. فإذا كان الافتراض “أ” يقول بأن هناك جبالاً على الجانب الآخر من القمر، إذن الافتراض “أ” هو افتراضٌ صحيحٌ، لكن فقط  إذا كان هناك جبالٌ على الجانب الآخرمن القمر. وفق هذا الرأي، فإنّ حقيقةَ الافتراض “أ”  لها طابع موضوعي: إنّها تعتمد على الكيفيّة التي تكون عليها الأشياء حقًّا. فالأمر متروكٌ لك إذا كنت تعتقد أنّ هناك جبالاً على الجانب الآخر من القمر أم لا- لكن أن يكون هذا الاعتقاد صحيحًا أم لا فذلك ليس متروكاً لك. فحقيقة الافتراض “أ” لا تعتمد على ما إذا كنت أنت، أو أنا، أو حتى الجنس البشري بأكمله يؤمن بالافتراض “أ”؛ الحقيقة تعتمد على الكيفيّة التي تكون عليها الأمور على الجانب الآخر من القمر.

يرى الفيلسوف بروتاغوراس ((Protagoras –ما قبل سقراط- أنّ الحقيقة تعتمد على البشر لذلك فهي ليست موضوعيّة. ولتوضيح ذلك سيكون الكلام عن الأحاسيس، لنفترض أنّك وصلت للتو إلى المملكة المتّحدة قادماً من جزر البهاماس، في حين أكون أنا قد وصلت من النرويج. بالنسبة لي، سوف أشعر بالدفء، بينما ستشعر أنت بالبرودة. وعليه لا توجد حقيقةٌ موضوعيّةٌ واحدةٌ حول مدى الدفء في المملكة المتحدة، حسب قول بروتاغوراس. فالبشر المختلفون سوف يواجهون درجة الحرارة بطرقٍ مختلفةٍ، وليس هناك ما يُقال أكثر في هذه المسألة. إذن، إنّ بروتاغوراس هو بمثابة الجدّ الأعلى لكلّ أولئك الراغبين في تأكيد أنّ الحقيقة نسبيّةٌ. وعليه ليس هناك من “حقيقة” على هذا النحو، هناك فقط “حقيقتي” و”حقيقتك”.

الردّ على النسبانيّة البروتاغوريّة سيكون بالإشارة إلى أنّه يوجد حالات كثيرة (كما هو الحال مع الأحاسيس) يكون الحديث فيها عن الصحّة الموضوعيّة أمراً غير مناسب، إلاّ أنّه في العديد من الحالات الأخرى، سيكون لدينا معاييرٌ يمكننا استخدامها من أجل إصدار أحكامٍ موضوعيّةٍ. فمقياس الحرارة، إذا ما استخدم بشكلٍ صحيح، سيوفّر لنا وسيلةً موضوعيّةً لتسوية نزاعاتٍ، مثل: هل المملكة المتحدة أكثر دفئاً أم جزر البهاماس؟

قد يعارضنا البروتاغوريون بقولهم ما الذي يجعل اختيار مقياس الحرارة «الطريقة الصحيحة» لقياس درجة الحرارة؟ لكن سيكون هناك الكثير ما يقال لدعم الادّعاء بوجود فارقٍ موضوعيٍّ بين الأشياء الأكثر دفئًا والأكثر برودة. فنظام القياس الذي يدمج علاقة ميزان الحرارة مع حقائق أخرى يمكن ملاحظتها بسهولة، مثل تمدّد المعادن عند تسخينها، يشتمل كذلك على حقائق أخرى حول تبدّلات الحالة مثل التجميد والغليان.

إذن، الحكم الأوّلي على الجدل الدائر بين الروايات الموضوعيّة والنسبيّة حول الحقيقة، هو أنّ هناك بالفعل حالاتٌ على ما يبدو يمكننا الإشارة فيها إلى معاييرٍ موضوعيّةٍ لتحديد الحقيقة. إنها مسألةُ المعايير التي هي من صميم القضيّة نفسها. فما يدّعيه أتباع النسبانيّة (النسبية)، بشأن أسئلةٍ مهمّةٍ مثل حقيقة المعتقدات الدينية، أو حتى عند حصول خلافاتٍ عميقةٍ معيّنة حول العلم، هو أنّنا نفتقر إلى المعايير التي ننشدها عند المشاركة في النزاعات حول مكمن الحقيقة. وبدلاً من الانخراط في مشادّةٍ غير مجديةٍ بالضرورة حول الأمور المطلقة، من الأنسب تقبل لغة الحقيقة النسبيّة.

سوف ندرس تحدّي النسبيّة في موقعين، أي بالتحديد، الحجّة ضدّ إمكانيّة الموضوعيّة في العلم، ومناقشة ما إذا كانت الحقيقة الموضوعية هدفاً مناسباً بالنسبة للمعتقدات الدينيّة.

انتشار النسبويّة

كما رأينا من مناقشةٍ موجزةٍ لبروتاغوراس، هناك تاريخٌ من الشكوك حول إمكانيّة الحقيقة الموضوعيّة يمتدّ على امتداد تاريخ الفكر البشري؛ وطريقة التفكير هذه الأيام التي يطلق عليها فكر “ما بعد الحداثة” لها جذورها التي تعود إلى ما قبل عصر سقراط. أما الأمر المثير للاهتمام فهو أن نرى كيف أن حقباً معينة، مثل حقبتنا، تقدّم مزيداً من التغذية لتنامي مختلف أنواع الفكر النسبي.

إنّ الميل إلى روايةٍ نسبيّةٍ للحقيقة، بمجرّد وضعها، لتنتشر في حديقة الأفكار بأكملها، تؤكده المحاولة لعرض معقلٍ واضحٍ من الموضوعيّة كالعلوم الطبيعيّة بصفتها مسعى بشريًّا، وذلك  من خلال محاولة التصويب على عناصر ذاتيّة. قد تبدو النسبويّة في العلم أمراً غير بديهيٍّ جداً. لكن كتاب “بنية الثورات العلميّة” (The Structure of Scientific Revolutions) المؤثر لتوماس كوهن، وما تبعه من مدرسةٍ كاملةٍ لعلماء علم الاجتماع، قادا إلى هذا الاستنتاج تماماً (1).

قد يعتقد المرء أن أفضل ما لدينا من النظريات العلميّة المثبتة توفّر مثالاً لا يرقى إليه الشك عن الحقيقة الموضوعيّة. فما الذي يمكن أن نطلبه أكثر من نظريّةٍ، بعد أن خضعت لاختباراتٍ دقيقةٍ ومفصّلةٍ وشاملةٍ من أنصارها ومعارضيها على حدٍّ سواء على مدى فترةٍ طويلةٍ من الوقت،  وجوب أن تجتاز هذه الاختبارات، وأن تثبت أيضاً، نتيجة للمزيد من التعبير النظري، تلاحمها مع غيرها من النظريات المختبرة جيداً؟ مع ذلك فقد قال كوهن وآخرون بأنّه يمكن التشكيك بالنماذج العلميّة الفضلى الراسخة لدينا؛ بأن فكرة مقارنة النماذج مع الواقع عبارةٌ عن إشكاليّةٍ كبيرةٍ، ولذلك فإننا ملزمون بمراجعة صورتنا عن العلم كمؤسسةٍ فيها تتقدم نحو حقيقةٍ موضوعيّة. وقد دعا البعض إلى صورةٍ جديدةٍ لا تلعب فيها الموضوعيّة والعقلانيّة والحقيقة أيّ دورٍ في شرح طبيعة العلم؛ أيّ نشاطٍ علميٍّ يفسَّر بشكلٍ بحت بالرجوع إلى عوامل سوسيولوجيّة خارجيّة.

لذلك، إن الدفاع عن الحقيقة الموضوعية كهدفٍ للعلم أمرٌ في محلّه. وسنرى أنّ منتقدي العقلانيّة والموضوعيّة العلميّة يمكن الردّ عليهم بالإشارة إلى شيءٍ متأصّلٍ في مؤسسة العلم، أي الالتزام بعقلانيّةٍ تتجاوز الالتزام بنماذج معيّنة. والالتزام بإطارٍ من القيم يوحّد العلماء، حتى عند التزامهم بنماذج مختلفة. هذه القيم يمكن النّظر إليها على أنّها مستمدةٌ من الهدف الأساسي للعلم، أي البحث عن النظريات التي تقدّم أفضل تفسيرٍ للبيانات المتاحة. وبما أنّ هذه «المزايا التفسيريّة» مستمدّةٌ من طبيعة التفسير العلمي في حدّ ذاته، وليس من أيّ أنموذجٍ علميٍّ معيّن، فإنّها توفّر إطاراً في أيّ نقاشٍ منطقيٍّ لمزايا النماذج المتنافسة  يمكن أن يجري.

على هذا المنوال، يمكن تركيب دفاعٍ عن الفلسفة «الواقعيّة العلميّة» للعلم. فالواقعيّة هي وجهة النظر بأن هدف العلم هو تقديمُ وصفٍ صحيحٍ وموضوعيٍّ للواقع، وأنّ نجاح العلم الذي يُرى من خلال إنشاء النظريّات ذات القوّة التفسيريّة المتزايدة باستمرار، هو دليلٌ على أنّ التقدّمَ يتحقق نحو ذلك الهدف. مع الإشارة إلى أنّ أتباع المذهب الواقعي غير ملتزمين بالاعتقاد بأنّنا قد بلغنا حقائق نهائيّة غير قابلةٍ للتغيير. فالتركيز يكون على التقدّم نحو روايةٍ صحيحة، وعلى قيمة الدفاع عن حقيقةٍ موضوعيّةٍ كهدفٍ مثاليٍّ تنظيميٍّ؛ هذا ما يطمح إليه العلماء في استفساراتهم.

إذا تمكّنت الواقعيّة العلميّة، كما سنرى، من الصمود في وجه نقّادها النسبيين، فإنّ السؤال المطروح هو ما إذا كانت الواقعيّة كقيمةٍ يمكن الدفاع عنها في مناقشاتٍ أخرى؟ في ظاهر الأمر، قد يكون التصدّي لهجوم النسبيّة على فكرة الحقيقة في مسائل العقيدة الدينيّة أمراً أكثر صعوبةً، لأنّه ضمن الخطاب الديني. وعلى خلاف الحالة العلميّة، يوجد خلافات واسعةٌ ومستعصيةٌ على مايبدو، ليس فقط حول أيّ نظامٍ من نظم المعتقدات الدينيّة هو الصحيح، ولكن حول الطريقة المناسبة لإجراء مناقشات بين المواقف الدينيّة المتنافسة.

هناك من يقول أن الإيمان الديني قائمٌ على أسسٍ عقلانيّة، ويجب الدفاع عنه من خلال نداء العقل؛ كما يُقال، وهذا القول شائع، أن الالتزام الديني مسألةٌ إيمانيّةٌ تتجاوز كلّ ما يمكن ترسيخه بمنطقِ التماس الدليل أو الحجة. يوجد تباينٌ هنا مع المؤسسة العلميّة، التي تتميز بامتلاك حججٍ متينةٍ حول مزايا نظريّاتٍ معيّنة، ولكنّها مع ذلك تبدي توافقاً كبيراً حول المنهجيّة.

هذا الأمر على ما يبدو يمنح المصداقيّة لمزاعم النسباويين، وبأنّ من غير المناسب التفكير من الناحية الموضوعيّة والعقلانيّة عند النظر في المعتقدات في المجال الديني. هنا، كما يُقال، لدينا صراع مع الذوات المختلفة؛ مع وجهات نظرٍ عالميّةٍ يتم الالتزام بها لأسبابٍ شخصيّةٍ، والتي يتمّ تقييمها بشكلٍ أفضل من حيث قيمتها بالنسبة للأفراد المعنيين. الحقيقة الموضوعية في مثل هذه الأمور غير واردة؛ إذا كان الاعتقاد بوجود الله “أمراً مفروغاً منه بالنسبة لك”، فقد نقول بأنّ هذا صحيح بالنسبة لك. 

مع ذلك، سوف نرى أن الروايةً النسبيّةً للمعتقد ليست خارج النقد. إذ تكمن الصعوبة بالنسبة لأتباع المذهب النسبي في الظاهرةَ نفسها التي تحرّك موقفهم – أي وجود خلافٍ واسعِ النّطاق- من الصعب تفسيرها في المصطلحات النسبيّة. فإذا كان لكلٍّ منّا حقيقته الخاصة، فإن ذلك يعني أن الخلاف غير ممكن. لكن يبدو أن هذا يتعارض مع الفرضيّة التي منها بدأت حجّة اتباع النسبويّة. وقد يتّضح أن الاستغناء عن الحقيقة الموضوعيّة كمعيارٍ للإيمان أصعب مما يتخيّله هؤلاء.

ننتقل أولاً إلى مسألة الموضوعيّة في العلوم، ومحاولة صياغة بديلٍ للصورة التقليديّة عن التقدّم العلمي باعتباره رحلةً تراكميّةً وثابتةً نحو صورةٍ حقيقيّةٍ وموضوعيّةٍ للعالم.

النماذج الكوهينيّة

كان لرواية توماس كوهن عن الثورات العلميّة تأثيرٌ عميقٌ على تاريخ وفلسفة العلم. فقد لفت كوهن الانتباه إلى حقيقةٍ هي أنّ العلم عبارةٌ عن نشاطٍ بشريٍّ كرّس نفسه للعلم كمؤسّسة. فخلال البحث العلمي العادي، يعمل العلماء تحت إشراف أنموذج، ويمكن النظر إلى الأنموذج، في أبسط صوره، على أنّه نظريّةٌ مركزيّةٌ ضمن فرعٍ من العلوم، على سبيل المثال، كانت الميكانيكا النيوتونيّة بمثابة أنموذجٍ مسيطرٍ على الفيزياء لأكثر من 200 عام. لكن هذا المصطلح له تطبيق أوسع لا يغطي النظريات، فحسب، بل ويغطي أيضًا أمثلةً عن كيفيّة حلِّ المشكلات، والقواعد المنهجيّة، وحتى المبادئ الفلسفيّة. إذ تُجسِّد الفيزياء النيوتونية الالتزام بالحتميّة، على سبيل المثال. بشكلٍ عام، يمكننا أن نرى أنموذجًا ما كمصفوفةٍ صارمة: إنّها ما يربط مجموعة من العلماء معاً. لذلك هناك رابطٌ للأفكار حول الهويّة. نحن نصف العلماء من حيث نماذجهم الخاصة. أنت لست مجرد عالمٍ فيزيائيٍّ، بل، لنقل، أنت “عالمُ كواكبٍ نسبويٍّ”؛ أو، في العلوم البيولوجيّة، قد تُعرّف عن نفسك على أنك”عالم وراثةٍ تطوريّ” وهكذا دواليك.

الأنموذج يزوّد العلماء بالقالب لأجل عملهم. لقد كان الفيزيائيون حتى مطلع القرن العشرين يعودون إلى الوراء ويتطلّعون إلى الميكانيكا النيوتونيّة، وقد سعوا إلى توسيع هذا الأنموذج. وكان يتعيّن معالجة الألغاز غير المحلولة باستخدام الأساليب نفسها التي استخدمها نيوتن. مع ذلك، ومن وقت لآخر، يجد العلماء ألغازاً تقاوم الحلّ بالطرق التي يعتمد عليها الأنموذج السائد. هذه الحالات الشاذة قد تثبت تمرّدها على وجه الخصوص، مما يلفت انتباه كبار العاملين في هذا المجال، ويشكّكون في شرعيّة الأنموذج. إنّ التوافق الذي يتّسم به العلم الطبيعي يتعرّض للخطر، حيث يتم اقتراح تعديلاتٍ مختلفةٍ، أو تليين القواعد المنصوص عليها في الأنموذج، وهذا بالضبط هو الوضع الذي تحقق في عام 1900، حيث ناضل الفيزيائيون للتعايش مع النتائج التي بدت غير متوافقةٍ مع الميكانيكا النيوتنية.

في أوقات الأزمات في فرعٍ من المعرفة، قد يتمّ صياغة أنموذجٍ جديدٍ يزعم أنّه يحلّ الحالات الشاذّة والمفارقات في الأنموذج القائم، بالإضافة إلى تقديم الوعد بنهجٍ جديدٍ وخصب. وإذا ما شعر عددٌ كبيرٌ كافٍ من العلماء بعدم الرضا عن الأنموذج الحالي، فإنهم قد ينقلون ولاءهم إلى الأنموذج الجديد - وهي عمليّةٌ يُطلق عليها كوهن اسم “ثورة علمية”.

في الحديث عن الثورات، يستخدم كوهن استعارةً سياسيّةً لوصف عمليّة اختيار الأنموذج. فالثورات السياسيّة تحدث في سياقٍ من السخط العميق تجاه البنى القائمة. إذ إنّ المؤسسات نفسها التي يتم فيها النقاش السياسي العادي واتخاذ القرار تكون محل تشكيك، لذلك فإن الثورة ميّالةٌ إلى كونها شأناً مثيراً جداً للقلق والعنف، يُحدَّدُ فيها اتجاه النشاط السياسي في المستقبل، لا من خلال أيِّ نهجٍ لنقاشٍ سياسيٍّ عقلانيّ، بل من خلال عوامل كهذه، وأيّ طرفٍ يتمكّن من حشد القوّة الأكبر.

يشير كوهن إلى أن هناك انهياراً مماثلاً للخطاب العقلاني خلال الثورات العلميّة. إنّه دور الأنموذج الذي يعمل بموجبه العالِم على تقديم التوجيه في عمليّة اختيار النظريّة - لتقديم التوجيه المنهجي لنشاط حل الألغاز. ولكن إذا كان هذا الأنموذج نفسه هو الذي يوجه العالم عادة، ماذا يمكن أن يلتمس العالِم عندما يسعى إلى ترشيد اختيار الأنموذج؟ يبدو كما لو أنّنا نواجه مشكلةَ التعميم: مفهوم العالِم الذي يصنع نظريّةً جيّدةً يحدّده للغاية الأنموذج المغروس في هذا العالِم، أو العالمة، بحيث إنّه عند أيِّ محاولةٍ للنقاش على المستوى العقلاني سنجد أنّ كلاًّ من الطرفين يتجادلان بطريقةٍ تُسوّل لطرح السؤال (2).

عدم التناسب (Incommensurability) 

يستخدم كوهن مصطلح “عدم التناسب” لوصف الصعوبة في مقارنة النماذج. أحد موارد هذه الصعوبة مرتبطٌ باعتباراتٍ حول المغزى. فالعلماء الذين يعملون في نماذج مختلفةٍ لا يعنون الشيء نفسه حتى عند استخدام أجزاءٍ معيّنةٍ من المصطلحات العلميّة، كما يقول كوهن، بحيث يكون الفهم المتبادل بين العلماء الذين يعملون في نماذج مختلفةٍ في خطر. وبما أن معاني المصطلحات النظريّة تختلف من أنموذجٍ إلى آخر، فلا يوجد طريقةٌ محايدةٌ لإجراء مناقشةٍ حول قيمة النماذج المتنافسة. لذلك ليس هناك إمكانية للدفاع عن حكمٍ من حيث الصوابيّة الموضوعيّة لأنموذجٍ معيّنٍ.

إنّ فرضيّة عدم التناسب هي السبب في كون الكثير من يصادفون كتاب “بنية الثورات العلمية” للمرّة الأولى يعتبرونه بمثابة التمهيد للنسبويّة. من الصعب المغالاة بأهميّة حجج كوهن، التي يبدو أنّها تظهر أن الإمكانيّة من أجل تحقيقٍ موضوعيٍّ وعقلانيٍّ في العلم، من كلّ الميادين، مقيّدةٌ ومحدّدةٌ بشكلٍ جدّي. فإذا ما ارتفع منسوب النسبويّة إلى مستوى يُرى فيه بأنّ الموضوعيّة العلميّة تتآكل، فما هو الأمل المرتجى من أجل  تحقيقٍ عقلانيٍّ في تخصصاتٍ أخرى تبدو أكثر ذاتيّةً؟ إنّ جزءاً من سبب الاستقبال الحماسي لكتاب “بنية الثورات العلمية” من قبل عاملين في العلوم الاجتماعية هو أن حجج كوهن كانت موضع ترحابٍ بصفتها تقود إلى درجةٍ أكبر في التكافؤ. إنّ الافتقار إلى الموضوعيّة لا يعود نقدًا للعلوم الاجتماعية إذا كان في الواقع كل ما نطلق عليه معرفة علمية هو ذاتي.

استعادة العقلانية

كان كوهن نفسه منزعجًا من الاستنتاجات النسبويّة التي استمدّها آخرون من كتابه. وفي إحدى الحواشي المهمّة في طبعاتٍ لاحقةٍ من كتاب “بنية الثورات العلمية” سعى إلى توضيح مغزى بعض المزاعم المهمّة، لا سيما تلك المحيطة بمفهوم عدم التناسب (incommensurability). لقد أوضح أنّه لم يكن ينوي مهاجمة فكرة المقارنة العقلانيّة للنماذج. بيد أنّه كان يرغب فعلاً في استخلاص الفكرة بأنّ مثل هذه المقارنة ليست مسألةً بسيطةً. هناك أسبابٌ تجعل النزاعات خلال الثورات العلميّة غير قابلةٍ للحلِّ بسهولة. إذ لا يوجد هناك من أيّ إجراءٍ لقرارٍ تحكمه قواعد متاحةٍ للعالِم الذي يواجه الاختيار بين النماذج. مع ذلك، هناك عددٌ من “المزايا النظريّة” (theoretical virtues) - خصائص جذّابة من النظريات - التي لا توفّر أسساً للمقارنة العقلانية، لأنّها  مكوّنةً من العلم نفسه، ولا تعتمد فقط على أنموذجٍ علميٍّ واحدٍ معيّن. إنّ قوائم كوهن عن المزايا النظريّة هي الدقّة والمجال (الإمكانيّة) والبساطة والإثمار. والمناقشة العقلانيّة بين أتباع نماذجٍ مختلفةٍ أمرٌ ممكنٌ لأنّ العلماء على الجانبين متفقون حول ما يبحثون عنه: النظريّة التي توفّر أفضل قيمةً للبيانات (الأكثر دقّةً، وشموليّةً وبساطة وإثمارا).  وسيظلّ هناك، بطبيعة الحال، الكثير من  الأمور للجدال بشأنها (ما هو المقصود بـ “البساطة”؛ ما الذي يجب القيام به في حال فوز إحدى النظريات على حساب أخرى). لكن على الأقل، إنّ إطار العمل من أجل إجراء مداولاتٍ عقلانيّةٍ هو في مكانه الصحيح.

كما أوضح كوهن موقفه من التغيير في معنى المصطلحات النظريّة خلال التحوّلات النموذجيّة. ونفى، على سبيل المثال، أن يكون هناك انهياراً كاملاً في التواصل خلال الثورات العلميّة. فعدم التناسب لا يعني أنّ العلماء الذين يعتمدون أنموذجًا معينًا لا يمكنهم أبداً التفاهم مع أيٍّ من العاملين في إطار أنموذجٍ مختلف. الموضوع، وببساطة، هو أنّه بما أن معنى مصطلح النظريّة المركزيّة قد يختلف من أنموذجٍ إلى آخر، فسوف يكون هناك صعوبات في التواصل. قد يُفتقد الوضوح في الترجمة، لكن كوهن يعتقد أن الترجمة ممكنة. إذ إن تعلُّم التفكير بمصطلحات أنموذجٍ جديدٍ هو تماماً مثل تعلّم لغةٍ جديدة، فاللّغة الأم تأتي بشكلٍ طبيعي؛ أمّا اللّغة الثانيّة فيجب تعلّمها، والترجمة إلى اللّغة الجديدة أمرٌ يستلزم الجهد.

فكّر في مثال كوهن الخاص بالتغيير في معنى مصطلح “شامل” (mass) في الانتقال من الأنموذج النيوتوني إلى الأنموذج النسبوي. يجب على عالم الفيزياء المدرَّب بشكلٍ تقليديٍّ أن يعمل على كيفيّة فهم المصطلح في النسبيّة الخاصة. ففي المصطلحات النيوتونيّة، يكون للجسيِّم كتلةٌ لا تختلف مع السرعة. لكن الحال لم يعد كذلك في نظريّة آينشتاين، حيث يتم تحديد الكتلة بالسرعة. ومع تحوّل الأنموذج يأتي أيضاً توسّع المفهوم، من خلال إدخال صيغٍ جديدةٍ، مثل “الاستراحة- الكتلة” (“rest-mass”: إحدى نتائج نظرية النسبية الخاصة لأينشتاين (1905) هي أن كتلة الجسم تزداد مع سرعتها بالنسبة للمراقب. عندما يكون الجسم في حالة استراحة (نسبة إلى المراقب)، يكون لديه المقدرة المعتادة (القصور الذاتي = الميل إلى مقاومة قوّة تطبيقيّة) التي نعرفها جميعًا)  أو «الكتلة -الطاقة» («mass-energy”: في الفيزياء، يشير تعادل الكتلة-الطاقة إلى أن أيّ شيءٍ له كتلة لديه كمية معادلة من الطاقة والعكس صحيح، مع هذه الكميات الأساسيّة المرتبطة مباشرة ببعضها البعض من خلال الصيغة الشهيرة لألبرت أينشتاين:  (E = m c 2 {\displaystyle E=mc^{2}}. {\displaystyle E=mc^{2}. وحدثت تحوّلاتٌ مماثلةٌ في علم الأحياء في فهم مصطلحات مثل “التوريث” (heritability) و”علم التخلق” (epigenetics). ويجب تعلّم هذه التعريفات الجديدة. هذا يعني أنّه ينبغي فعل شيءٍ حيال التعوّد على الطريقة الجديدة في التحدث. لكن هذا لا يعني أن هناك فجوةً دلاليّةً لغويّةً لا يمكن تجاوزها بين النظريات الكلاسيكية والحديثة.

من العلم إلى الدين

لقد رأينا أنّ رواية كوهن عن التحولات النموذجيّة في العلم، في الوقت الذي يقدّم فيه في البداية الدعم للتفسير النسبي لخيار النظريّة، يمكن تفسيرها في الواقع بشكلٍ جيّد في مصطلحات أكثر تجانساً مع الواقعيّة العلميّة. إنّ الاختيار العقلاني بين النماذج هو ممكن، شريطة أن يتفق العلماءُ على إتاحة المجال لمداولاتهم بأن تكون مستنيرةً بمزايا الدقّة والمجال (الإمكانية) والبساطة والإثمار. فمن الناحية الأنطولوجيّة (علم الوجود)، ليس هناك ما يقوله كوهن يعني أنّنا لا نستطيع التفكير في مصطلحات النماذج كأدواتٍ لإدارة تعاملاتنا مع حقيقةٍ موضوعيّةٍ. في الواقع، إنّ تفسير النماذج بصفتها طرقاً للتفكير، بدلاً من أطرٍ تحدّد الواقع، يتميز بوضوح أكبر على ما يبدو.

كل هذا يشير إلى استنتاجٍ حول العلم الذي يتّفق مع المنطق السليم، أي إنّه النشاط الذي يهدف إلى الحقيقة الموضوعيّة، وحيث يمكن أن يكون هناك أسبابٌ عقلانيّةٌ للقرارات التي يتخذها العلماء، حتى في أوقات الخلاف المتجذّر.

مع ذلك، ماذا عن المعتقد الديني؟ إن ما يجعل النسبيّة جذّابة للبعض بشكلٍ غريزي، عندما تكون مسائل الدين (أو الأخلاق) مطروحةً على الطاولة، هو أنّه لا يبدو أنّ هناك مجالاً لحلٍّ حاسمٍ للخلافات الدائمة بشأن تساؤلات مثل وجود أو طبيعة الله. ففي هذه النزاعات، لا يبدو أن هناك من طرف قادر على إنتاج أدلّةٍ أو حججٍ تسوّي المسألة على نحوٍ واضح. قد يبدو هذا داعماً للشكوك الواردة حول وجود إجاباتٍ حقيقيّةٍ موضوعيّةٍ في مثل هذه الحالات. الفكرة نفسها يمكن أن تُطرح للنقاش حول بعض المزاعم التاريخيّة، حيث إنّه، وبمرور الوقت، تصبح إمكانيّة وضع أيّ دليلٍ على الإطلاق على أدلّةٍ حاسمةٍ أمرًا بعيد المنال.

ومن المفارقات، أنّ الواقع نفسه ومع وجود خلافات أثبت صعوبة تفسيره في المصطلحات النسبيّة، أنظر في البنية المنطقيّة للخلاف. وبالعودة إلى المثال الذي كنّا قد بدأناه، لنفترض أنّنا نحن الإثنان نتجادل حول ما إذا كان هناك جبالٌ على الجانب الآخر من القمر، فإنّ موضوع خلافنا هو الفرضيّة (لنسميها “أ”) بأنّ هناك جبالاً على الجانب الآخر من القمر. أنت تقول أنّ الافتراض “أ” صحيح، وأنا أقول أن الافتراض “أ” خاطئ، وعليه فإن اختلافنا يدور حول الحقيقة في هذه المسألة، أي حقيقة الافتراض “أ”.

لفهم طبيعة الخلاف، علينا استدعاء مفهوم الحقيقة. من الواضح أنّ الحقيقة المشكَّكِ بها هي الحقيقة الموضوعيّة، وليس مجّرد “حقيقتي” أو “حقيقتك”. إذاً نحن أعربنا عن الوضع من حيث مصطلحات الحقيقة النسبيّة، فلن يكون هناك أيّ خلاف. أنا لا أناقض قولك بأن الافتراض “أ” صحيحٌ بالنسبة لك وبالقول أنه خاطئٌ بالنسبة لي، أكثر من معارضتي قولك  “أنا أشعر بالدفء” هو صحيح بالنسبة لك وبالقول أنّه غير صحيح بالنسبة لي. إذن، وبما أنه يمكننا فقط فهم بنية الخلاف على أنّه اختلافٌ عن الحقيقة (غير النسبية)، وبما أن هناك خلافاً بلا شك، فالنسبويّة لا بدّ أن تكون خاطئة.

الفرضيّة في هذه الحجّة هو أنّ كلَّ طرفٍ من طرفيْ النّزاع يعترفان بأن النظام المشترك للقواعد – بصورةٍ عامّةٍ، قوانين المنطق وشرائع القابليّة للاختبار التجريبي - ينطبق على ما يقال. إنّ هذه الفكرة نفسها عن الإطار المشترك الذي يحدث فيه الخلاف هو ما يودّ الشخص النسبوي الاستفهام عنه، ومع ذلك، من الوارد رؤية العلم والدين والفلسفة على أنّها مسائلٌ تتكون، جزئياً على الأقل، من أنشطةٍ تقع ضمن الفئة العامّة نفسها، أي كمحاولاتٍ لتفسير العالم.

الاعتماد على العقل 

ما يوحّد العلم والدين والفلسفة على المستوى العام جداً هو أنّ كلّها  تهدف إلى معالجة رغبتنا في التفسير؛ لفهم العالم الذي نجد أنفسنا فيه، فهم طبيعتنا، وكيف علينا أن نعيش. صحيحٌ أنّ هذه النظم تهدف إلى توفير وسائلٍ مختلفةٍ من الفهم، إلاّ أنّ هناك قواسماً مشتركةً للهدف ﻋﻠﻰ اﻟﻤﺴﺘﻮى اﻟﻌﺎم، وﻓﻲ ﺟﻮاﻧﺐٍ ﻣﻌﻴّﻨﺔ، قواسمٌ مشتركةٌ في المنهجيّة. إنّ الالتزام بتطبيق العقل في السعي وراء الحقيقة الموضوعيّة جزءٌ لا يتجزّأ من أيّ نهجٍ يسعى إلى تلبية رغبتنا في التفسير. هذا الأمر يشي بما هو عكس ما يريده اتباع المذهب النسبي أن نفكّر به: أن النّظم المختلفة للعلم والدين، دعونا نقول على سبيل المثال لا الحصر، هي عوالمٌ مختلفة.

النسبويّة في بعض الأحيان تكون متقدّمةً كجزءٍ من أجندةٍ أخلاقيّةٍ: الإيمان بحقيقةٍ مطلقةٍ أمرٌ مرتبطٌ بالضرورة بالتعصّب. مع ذلك، إذا كان الموقف النسبي يحمل معه الدلالة بأن النقاش العقلانيَّ بين المواقف المتنافسة في العلوم أو الدين أمرٌ مستحيلٌ، فما الذي ينبغي وضعه في مكانه الصحيح ليكون بمثابة الوسيلة لإدارة الصراعات الحقيقيّة للغاية حول هذه الأمور؟ فإذا كانت الاعتبارات العقلانيّة غير سليمة، يبدو عندها  أنّنا أصبحنا مضطرين إلى نشر أساليبٍ قسريّة، أو على الأقل، دعائية، سعياً للتعامل مع الاختلافات في المعتقد. قد يرغب اتباع النسبويّة، وببساطة، بأن نعيش ونترك غيرنا يعيش - لكنّ عمقَ وجديّةَ الخلافات يجعلان هذا الاقتراح غير مقبول. الأفضل، باعتقادنا، هو الحفاظ على الإيمان بالعقل.

ملاحظات

1 Kuhn, T. The Structure of Scientific Revolutions, 2nd edn., Chicago: Chicago

University Press (1970).

2 Kuhn op. cit., p. 108.