البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

تاريخ العلاقة بين العلم والدين ، من التأسيس حتى الفترة المعاصرة

الباحث :  هيلين دي كروز
اسم المجلة :  الاستغراب
العدد :  13
السنة :  السنة الرابعةــ 1440هـ خريف 2018م
تاريخ إضافة البحث :  October / 23 / 2018
عدد زيارات البحث :  1443
تحميل  ( 432.000 KB )
تُقدِّمُ هذه الدراسة لأستاذة الفلسفة في جامعة أوكسفورد هيلين دي كروز نظرةً عامةً إلى المواضيع والنقاشات حول العلم والدِّين. وفيها تتناول كلا المجالَيْن وكيفيّة اتّصالهما ببعضهما، ثم تنظر إلى العلاقة بين العلم والدِّين على ضوء المسيحيّة، كما تناقش المواضيعَ المعاصِرة في الاستفسار العلمي حيث يتداخلُ العلم والدين مركّزةً على مسألة الخَلْق والفعل الإلهي ومبدأ الإنسان.

المحرر



تخضعُ العلاقةُ بين الدِّين والعلم لجدالٍ مستمرٍّ في الفلسفة واللاهوت، وتُطرَحُ الأسئلة التالية: إلى أيِّ حدٍّ يتطابقُ الدِّينُ مع العلم؟ هل تؤدِّي العقائدُ الدينيّة أحياناً إلى العلم أو أنّها تُشكِّلُ عقباتٍ محتومةٍ أمام الاستفسار العلمي؟ يسعى الحقل المعرفي المركَّب من «العلم والدِّين» - والذي يُطلَق عليه أيضاً «اللاهوت والعلم»- إلى الإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها، ويقومُ بدراسة التفاعلات التاريخية والمعاصِرة بين هذين المجالَين، ويُوفِّرُ تحليلاتٍ فلسفيّةٍ عن كيفيّة ترابطهما.

1. ما هو العلم والدين وكيف يرتبطان؟

أ) تاريخٌ موجَز عن ميدانيّ العلم والدِّين:

منذ الستينيات، قام علماءُ اللاهوت والفلسفة والتاريخ والعلوم الطبيعية بدراسة العلاقة بين العلم والدين. يُمثِّلُ «العلم والدين» حقلاً دراسياً مُعتَرَفاً به ويحظى بدورياتٍ خاصّة (كـ«زايغون»: دوريّة الدين والعلم)، وكراسي أكاديميّة (ككرسيّ أندرايس إدريوس لأستاذ العلم والدين في جامعة أوكسفورد)، وتجمُّعاتٍ علميّةٍ (كمنتدى العلم والدين)، ومؤتمراتٍ مستمرة (كمؤتمر الرابطة الأوروبية لدراسة الدين واللاهوت الذي يجري كلَّ سنتيْن). مُعظم المفكِّرين في هذا الحقل هم إمّا علماءٌ في اللاهوت (مثل: جون هات وسارة كوكلي)، أو فلاسفةٌ مهتمّون بالعلم (مثل: نانسي مورفي)، أو علماءٌ (سابقون) قديمو الاهتمام بالدين وبعضهم علماء دينٍ رسميين (مثل: الفيزيائي جون بولكينغهوم، الاختصاصي في الكيمياء الحيويّة أرثور بيكوك، والعالِم الفيزيولوجي في مجال الجزئيات أليستر ماكغراث).

 بدأتْ الدراسةُ المنهجية للعلم والدين في الستينيات مع مفكِّرين من أمثال إيان بربور (1966) وثوماس ف.تورانس (1969) اللَّذيْن تحدّيا النظرةَ السائدة التي تُفيد أنّ العلمَ والدينَ هما إمّا متعارضان أو لا يكترثان ببعضهما. وضع بربور في كتابه «قضايا في العلم والدين» (1966) عدّة مواضيعٍ ثابتةٍ في هذا الحقل، ومن ضمنها المقارنة بين المنهجية والنظرية في المجالَيْن. في العام 1966 كذلك، تمّ تأسيس «زايغون» وهي الدوريّة الأولى المتخصِّصة بالعلم والدين. بينما ركّزتْ الدراسةُ المبكِّرة للعلم والدين على القضايا المنهجية، قام المفكِّرون منذ أواخر الثمانينيات إلى سنوات الألفيّة الجديدة بتطوير مقارباتٍ سياقيّة بالإضافة إلى أبحاثٍ تاريخيّةٍ مُفصَّلةٍ عن العلاقة بين العلم والدين. قام بيتر هاريسون (1998) بتحدّي النموذج الحربي من خلال احتجاجه بأنّ المفاهيم اللاهوتية البروتستانتية عن الطبيعة والبشريّة قد ساعدتْ على إنشاء العلم في القرن السابع عشر. أمّا بيتر باولر (2001، 2009)، فقد لفت الأنظار إلى حركةٍ واسعةٍ تشكّلتْ من المسيحيين الليبراليين والنشوئيين في القرنين التاسع عشر والعشرين الذين سعوا للتوفيق بين نظريّة التطوُّر والإيمان الديني.

 في التسعينيات، قام مبنى الرصد الفلكي التابع للفاتيكان (في كاستِل غاندلفو، إيطاليا) ومركز اللاهوت والعلوم الطبيعيّة (في بِركلي، كاليفورنيا) برعاية سلسلةٍ من المؤتمرات التي تتمحورُ حول الفعل الإلهي، وشارك فيها أشخاصٌ متخصِّصون بالفلسفة واللاهوت (مثل نانسي مورفي) والعلوم الطبيعية (مثل فرنشيسكو أيالا)، وقد تمثّل هدفُ هذه المؤتمرات بالتوصُّل إلى فهْم الفعل الإلهي على ضوء العلوم المعاصِرة. كلُّ واحدٍ من المؤتمرات الخمسة، بالإضافة إلى المجلّد المحرَّر التابع لكلٍّ منها على حدةٍ، تطرّق لمجالٍ من العلم الطبيعي وتفاعله مع الدين، وقد تضمّنت المواضيع علم الكون الكميّ (1992)، الفوضى والتعقيد (1994)، بيولوجيا التطوُّر والجزيئات (1996)، علم الأعصاب والإنسان (1998)، وأخيراً ميكانيكيا الكم (2000).

 في الميدان العام المعاصِر، تتعلّقُ أبرزُ التفاعلات بين العلم والدين بنظريّة التطوُّر ونظريّة الخَلق/ التصميم الذكيّ. تُشيرُ الصراعات القانونية (على سبيل المثال: محاكمة كيتزميلر ضدّ دوفر في العام 2005) والضغوط المحيطة بمسألة تعليم نظريّة التطوُّر أو نظريّة الخلْق في المدارس الأميركيّة إلى أنّ الدين والعلم يتعارضان. ولكن إذا ركّز الفردُ على كيفيّة تلقّي نظريّة التطوُّر، فإنّ العلاقة بين الدين والعلم تتّسِمُ بالتعقيد. على سبيل المثال، سعى العلماء ورجال الدين والمؤلّفون المشهورون في المملكة المتّحدة للتوفيق بين العلم والدين في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين بينما شهدتْ الولاياتُ المتّحدة تنامي المعارضة المتشدّدة ضدّ فكرة التطوُّر وقد تمثّل ذلك بمحاكمة سكوبس في العام 1925.

 في العقود القريبة، أصدر قادةُ الكنيسة بياناتٍ عامّةً استرضائيةً حول نظريّة التطوُّر، وقد أكّد البابا جون بول الثاني (1996) على نظرية التطوُّر في رسالته إلى الأكاديميّة البابويّة للعلوم، ولكنّه رفضها في ما يتعلّق بالروح البشريّة التي كان يعتبر أنّها جاءت كنتيجةٍ لخلْقٍ مُنفصلٍ ومميَّزٍ، وقد قامتْ كنيسةُ إنكلترا علانيةً بتأييد نظريّة التطوُّر مع اعتذارٍ موجّهٍ إلى تشارلز داروين بسبب رفضها الأوليّ لنظريّته.

 خلال السنوات الخمسين الماضية، تمثّل العلم والدينُ فعلياً بالعلم الغربي والدين المسيحي، أي إلى أيِّ حدٍّ يُمكِنُ مواءمة العقائد المسيحيّة مع نتاج العلم الغربي؟ منذ فترةٍ قريبةٍ فقط، اتّجه حقْلُ العلم والدين نحو بحث التعاليم غير المسيحيّة كاليهودية، والهندوسية، والبوذية، والإسلامية ممّا وفّر صورةً أثرى من التفاعل.

ب) ما هو العلم وما هو الدِّين؟

 لكي نفهم نطاقَ العلم والدين وما هي التفاعلات بينهما، ينبغي أن نتوصّل على الأقل إلى فهمٍ تقريبيٍّ لهما فـ«العلم» و«الدين» ليسا مُصطَلَحيْن ثابتَين على الدوام وواضحَيْن. في الواقع، وُضِعَ هذان المصطلحان حديثاً وقد تغيّرت معانيهما عبر الأزمان والثقافات. قبل القرن التاسع عشر، نادراً ما كان يُستَخْدَم مصطلح «الدين»، وكان يعني هذا المصطلح بالنسبة لمؤلِّفي القرون الوسطى كتوماس الأكويني التقوى أو العبادة ولا يمتدُّ إلى المنظومات «الدينية» التي اعتبرها خارجَ العقيدة الصحيحة بنظره. اكتسب مصطلحُ «الدين» معناه الحالي الأوسع بكثيرٍ من خلال مؤلّفات علماء الأنثروبولوجيا المتقدّمين كتايلر (1871) الذي قام بشكلٍ منهجيٍّ بتطبيق المصطلح على الأديان الموجودة في أرجاء العالم.

 أمّا مصطلح «العلم» كما هو مُستَخْدمٌ في يومنا الحالي فقد شاع أيضاً في القرن التاسع عشر، وقبل ذلك كان يُشارُ إلى «العلم» على أنّه «فلسفةٌ طبيعيّة» أو «فلسفةٌ تجريبيّة». وحّد ويليام وِيويل (1834) مصطلحَ «العالِم» ليُشيرَ إلى مُزاولي الفلسفات الطبيعيّة المتنوّعة، وحاول فلاسفةُ العلم أن يفصلوا العلم عن المساعي الأخرى لاكتساب المعرفة وخصوصاً الدين. على سبيل المثال، ادّعى كارل بوبر (1959) أنّ الفرضيات العلمية (على خلاف الفرضيات الدينية) هي قابلةٌ للإبطال بالمبدأ. يُؤكِّدُ كثيرون وجودَ فرقٍ بين العلم والدين حتّى ولو كانت معاني المصطلَحيْن طارئةً تاريخياً، ولكنّهم يختلفون في كيفية الفصل بين الميدانَيْن بشكلٍ دقيقٍ وعلى نحوٍ تعبرُ الأزمانَ والثقافات.

 إحدى وسائل التمييز بين العلم والدين هي الادّعاء الذي يُفيدُ بأنّ العلم يتعلّق بالعالَم الطبيعي بينما يتعلّقُ الدين بكلٍّ من العالَميْن الطبيعي والخارق للطبيعة. لا تُشيرُ التفسيراتُ العلمية إلى الكيانات الخارقة للطبيعة كالآلهة أو الملائكة، أو القوى غير الطبيعية (كالمعجزات والـ«كارما» وطاقة الـ«كي»). على سبيل المثال، عادةً ما يقومُ علماءُ الأعصاب بتفسير أفكارنا على ضوء حالات الدماغ وليس بالإشارة إلى الروح أو النفس غير المادية.

 يُفرِّقُ علماءُ الطبيعة بين المذهب الطبيعي المنهجي، وهو مبدأٌ إبستمولوجيٌّ يقْصُرُ على الاستفسارَ العلمي على الموجودات والقوانين الطبيعية، والمذهب الطبيعي الأنطولوجي أو الفلسفي الذي يُعَدُّ مبدأً ميتافيزيقياً يرفضُ البُعد الخارق للطبيعة. بما أنّ المذهب الطبيعي المنهجي يهتمُّ بتطبيق العلم (وعلى وجه الخصوص يهتمُّ بأنواع الموجودات والعمليات المستثارَة) فإنّه لا يُعلِنُ شيئاً عن وجود الكيانات الخارقة للطبيعة أم لا. قد توجدُ هذه الكيانات في الواقع إلا أنّها تكمنُ خارجَ نطاق التحقيق العلمي. يعتقدُ بعض المؤلِّفين (كروزنبرغ) أنّ أخْذَ نتائج العلم على محمل الجدّ يؤدّي إلى تقديم أجوبةٍ سلبيّةٍ عن الأسئلة الملحّة كالإرادة الحرّة أو المعرفة الأخلاقية. ولكنّ هذه الاستنتاجات أشدّ إثارةً للجدل.

 بشكلٍ أعم، تُقبل النظرة التي تُفيدُ أنّه يُمكِنُ فصْلُ العلم عن الدين في طبيعيته المنهجيّة. على سبيل المثال، في محاكمة كيتزميلر ضدّ دوفر، قام المدّعون باستدعاء فيلسوف العلم روبرت بينوك للإدلاء بشهادته حول ما إذا كان التصميمُ الذكي شكلاً من نظريّة الخلْق وبالتالي يكون ديناً. إذا كان الأمر كذلك، فإنّ إدارة مدرسة دوفر ستكونُ قد انتهكتْ بندَ التأسيس الوارد في التعديل الأول لدستور الولايات المتّحدة. استناداً إلى مؤلَّفاتٍ سابقة، احتجّ بينوك أنّه من خلال رجوع التصميم الذكي إلى الآليات الخارقة للطبيعة، فإنّه ليس طبيعياً وفقاً لعلم المنهج. المذهب الطبيعي المنهجي هو عنصرٌ جوهريٌّ في العلم، وبالرغم من أنّه ليس ضرورةً عقائديةً إلّا أنّه ينبثِقُ من مقتضياتٍ إثباتيّةٍ عقلانيّةٍ كالقدرة على اختبار النظريات تجريبياً.

 قام بعضُ الفلاسفة الطبيعيين كإسحاق نيوتن، يوهانس كيبلِر، روبرت هوك، وروبرت بويل أحياناً باللجوء إلى العناصر الخارقة للطبيعة في فلسفتهم الطبيعية (التي نُسمّيها الآن «علماً»). ولكن إجمالاً، كان هناك ميلٌ لتفضيل التفاسير الطبيعيّة في الفلسفة الطبيعية، وربّما تمّ التشجيع على تفضيل العلل الطبيعيّة من خلال حالات النجاح السابقة للتفاسير الطبيعية التي أدّت بمفكّرين رياديين مثل بول درايبر (2005) إلى الاحتجاج بأنّ نجاح المذهب الطبيعي المنهجي يُمكن أن يكون دليلاً على الطبيعية الأنطولوجية. نشأ المذهب الطبيعي المنهجي الصريح في القرن التاسع عشر مع بروز نادي x، وهو مجموعةٌ قام ثوماس هاكسلي ورفاقه بتأسيسها في العام 1864 لممارسة الضغط من أجل إضفاء الطابع المهني على العلم، وقدْ سعتْ هذه المجموعة لترويج العلم المستقلّ عن العقائد الدينية. يُمكن أن يكون نادي x قد اندفع جزئياً بسبب الرغبة لإزالة التنافس الذي يُمثِّله علماء الدين غير المحترفين في الميدان العلمي وبالتالي فتْح المجال للخبراء المتفرِّغين.

 بما أنّ «العلم» و«الدين» يستعصيان على التعريف، فقد تكونُ مناقشةُ العلاقة بين العلم (عموماً) والدين (عموماً) فاقدةً للمعنى. على سبيل المثال، احتجّ كيلي كلارك أنّه يُمكننا فقط الاستفسار بعقلانيّةٍ عن العلاقة بين ادّعاءٍ علميٍّ مقبولٍ بشكلٍ واسعٍ (مثل: ميكانيكيا الكم أو المكتشفات في ميدان علوم الأعصاب) وادّعاءٍ خاصٍ لدينٍ محدَّدٍ (كالفهم الإسلامي للعناية الإلهية أو الآراء البوذية عن الذات المنعدِمة).

ج) نماذج التفاعل بين العلم والدين

 هناك عدّة تصنيفاتٍ تُميِّزُ عمليةَ التفاعل بين العلم والدين. على سبيل المثال، يُفرِّقُ ميكائيل ستِنمارك (2004) بين ثلاثة آراء: الاستقلاليّة التامة (حيث لا تداخُل بين العلم والدين)، الاتّصال (حيث يوجد بعض التداخُل بين الحقول)، والاتّحاد بين ميدانيّ العلم والدين. يعتبرُ ستِنمارك أنّ هناك المزيد من الفروع ضمن هذه المبادئ حيث يُمكن مثلاً أن يأخذ الاتّصال هيئةَ التعارض أو التناغُم. من ناحيةٍ أخرى، ما زال أكثر نموذجٍ مؤثِّرٍ من العلاقات بين العلم والدين هو ذاك الذي وضعه بربور (2000) ويتمثّل بـ: التعارض، الاستقلال، الحوار، والدمْج، وقد قام بعضُ المفكّرين اللاحقين - بالإضافة إلى بربور نفسه - بصقل هذا التصنيف وتعديله. أمّا آخرون (مثل كانتور وكيني)، فقد احتجّوا بأنّه من غير المفيد فهْم التفاعلات الماضية بين الميدانَيْن. أحد الأسباب هو أنّ هذا النموذج يُركِّزُ على المحتوى المعرفيّ للأديان على حساب الأبعاد الأخرى كالشعائر والبُنى الاجتماعيّة. علاوةً على ذلك، لا يوجدُ تعريفٌ واضحٌ لمعنى التعارض (استدلالياً أو منطقياً)، وهذا النموذج ليس متطوراً فلسفياً كبعض النماذج التي تبعته كنموذج ستِنمارك. بالرغم من ذلك، وبسبب تأثيره المستمر، تجدرُ مناقشة هذا التصنيف بشكلٍ مُفصّل.

 يعتمدُ نموذج التعارض – الذي يعتبر أنّ العلم والدين يتعارضان بشكلٍ دائمٍ ورئيسي – بشدّة على مسألتيْن تاريخيتين: محاكمة غاليليو وتلقِّي النظريّة الداروينية. تولّى الكتابيْن التاليَيْن تطويرَ نموذج التعارض والدفاع عنه في القرن التاسع عشر وهما: «تاريخ التعارض بين الدين والعلم» (1874) الذي ألّفه جون درايبر، والعمل الكبير البالغ مجلّدين «تاريخ الصراع بين العلم واللاهوت في العالَم المسيحي» (1896) الذي ألّفه وايت. احتجّ المؤلِّفان على أنّ العلم والدين يتعارضان حتمياً لأنّهما يُناقشان نفسَ الميدان بشكلٍ جوهري. تنتقدُ الأغلبيّةُ الساحقة من المفكِّرين في مجال العلم والدين نموذج التعارض وتعتبرُ أنّه يعتمدُ على قراءةٍ سطحيّةٍ ومتحيِّزةٍ للسجلّ التاريخي. ولكن تكمنُ المفارقة في أنّ المذهب المادي العلمي والليبراليّة الإنجيلية المتطرِّفة - وهما بالكاد يتشابهان - يتّبعان نموذج التعارض ويفترضان أنّه إذا كان العلم مُحقاً فإنّ الدينَ مُخطئٌ وبالعكس. بينما تؤمنُ أقليةٌ بنموذج التعارض في الوقت الحالي، إلا أنّه قد قام البعضُ باستخدام الاستدلال الفلسفي أو بإعادة فحص الأدلّة التاريخيّة كمحاكمة غاليليو للاحتجاج لصالح هذا النموذج، وقد احتجّ ألفين بلانتينغا (2011) على أنّ التعارضَ لا يكمنُ بين العلم والدين بل بين العلم والمذهب الطبيعي.

 أمّا نموذج الاستقلاليّة، فإنّه يُفيدُ بأنّ العلم والدين يستكشفان ميادين مُنفصلة تطرحُ أسئلةً مُتميِّزة. قام ستيفن جاي غولد بتطوير نموذجٍ استقلاليٍّ مؤثِّرٍ من خلال مبدئه المسمّى NOMA (الميادين غير المتداخلة) حيث ينبثقُ انعدام التعارُض بين العلم والدين من انعدام التداخُل بين ميدان الخبرة المهنية التابع لكلٍّ منهما. اعتبر غولد أنّ اختصاص العلم هو الاستفسارات التجريبيّة حول تركيبة الكون، بينما اختصاص الدين هو القيم الأخلاقيّة والمعنى الروحي. مبدأ الـ NOMA وصفيٌّ ومعياريٌّ في نفس الوقت حيث يعتبرُ أنّ على القادة الدينيين الامتناع عن تقديم الادّعاءات الوقائعيّة عن نظريّة التطوُّر على سبيل المثال، كما أنّه على العلماء في الميدان الطبيعي عدم ادّعاء امتلاك المعرفة المعمّقة بالمسائل الأخلاقية. اعتبر غولد أنّه يُمكن أن تتحقّق بعضُ التفاعلات على حدود كلِّ ميدانٍ كقضيّة مسؤوليتنا تجاه المخلوقات. ولكن إحدى المشاكل الواضحة في نموذج الاستقلال هو أنّه: إذا كان الدين ممنوعاً عن التصريح بأيّ جُملةٍ واقعيّةٍ فإنّه يصعُبُ تبرير الادّعاءات القيميّة والأخلاقيّة، أي لن يستطيع الفردُ الاحتجاجَ مثلاً بأنّه ينبغي أنّ يُحبّ الإنسانُ جارَه لأنّ ذلك يُرضي الخالق. علاوةً على ذلك، تقومُ الأديان بتقديم ادّعاءاتٍ تجريبيّةٍ كظهور المسيح بعد موته أو مرور العبرانيِّين من المياه المنشقَّة للبحر الأحمر.

 من جهةٍ ثالثة، يقترحُ نموذج الحوار وجودَ علاقةٍ تبادليّةٍ بين الدين والعلم. على خلاف نموذج الاستقلال، فإنّ هذا النموذج يعتبرُ أنّه يوجد أساسٌ مُشتركٌ بين الميدانَيْن ولعلّ ذلك حاصلٌ في منهجيْهما وافتراضاتهما ومفاهيمهما. على سبيل المثال، قد تكونُ العقيدة المسيحية المتمثِّلة بالخلق قد شجّعتْ العلم من خلال إفادتها بأنّ عمليّة الخَلق (التي تنتجُ عن المصمِّم) هي واضحةٌ ومُنتَظَمةٌ وبالتالي يمكن أن يتوقّع الفردُ وجودَ قوانينٍ قابلةً للاكتشاف. بما أنّ الخَلق هو نتيجةٌ لأفعال الله الاختيارية فإنّه مُمكن، وبالتالي لا يُمكن تعلُّم قوانين الطبيعة عبر التفكير البديهي وهذا يُثيرُ الحاجة للتحقيق التجريبي. وفقاً لبربور، فإنّ كلّاً من الاستفسار العلمي واللاهوتي يعتمدان على النظرية (أو على النموذجيّة على الأقل حيث تؤثِّرُ مثلاً عقيدةُ الثالوث على الكيفيّة التي يقومُ من خلالها علماء اللاهوت المسيحيون بتفسير الفصول الأولى من سفر التكوين)، ويستندان إلى المجاز والمثال، الارتباط القيمي، الشموليّة، والفائدة. في نموذج الحوار، يبقى الميدانان مُنفصلين ولكنّهما يتحاوران مع بعضهما باستخدام مناهجٍ ومفاهيمٍ وافتراضاتٍ مُشتركة. احتجّ وِنتزِل فان هويستين (1998) لصالح نموذج الحوار واقترح بأنّ العلم والدين يُمكن أن يشتركا في ثنائيّةٍ جميلةٍ استناداً إلى تداخلاتهما الإبستمولوجية.

 أمّا نموذج الدمْج فإنّه أكثر شموليّةً في توحيده للعلم واللاهوت. يُحدِّدُ بربور ثلاثة أشكالٍ من الدمج: الأول هو اللاهوت الطبيعي الذي يقومُ بصياغة الأدلّة على وجود الله وصفاته، ويستخدمُ نتائجَ العلوم الطبيعيّة كمبانٍ في أدلّته. على سبيل المثال، يرِدُ الافتراضُ بأنّ الكون يمتلكُ منشأً زمنياً في الأدلّة الكونيّة المعاصِرة على وجود الله، بينما تُستَخدَم الحقيقة التي تُفيدُ بأنّ الثوابت الكونية وقوانين الطبيعة تسمحُ بوجود الحياة (بينما لا تسمحُ العديد من التركيبات الأخرى من الثوابت والقوانين بوجود الحياة) في الأدلة المعاصِرة حول التوافق الدقيق للكون. أمّا الشكل الثاني، وهو اللاهوت الطبيعي، فإنّه لا يبدأ من العلم بل من الإطار الديني، ويفحصُ كيف يُمكنُ لهذا الإطار أن يُثري الاكتشافات العلميّة أو حتّى أن يُنقّحها. على سبيل المثال، قام ماكغراث (2016) بتطوير لاهوتٍ طبيعيٍّ مسيحيٍّ وبحثَ الكيفيّة التي يُمكن من خلالها النظر إلى الاكتشافات الطبيعية والعلمية عبر عدسةٍ مسيحيّة. ثالثاً، اعتقد بربور بأنّ فلسفة الصيرورة التابعة لوايتهيد هي طريقةٌ واعدةٌ لدمْج العلم والدين معاً.

 بينما يبدو أنّ الدمج هو جاذبٌ (وعلى وجه الخصوص بالنسبة لعلماء اللاهوت)، إلا أنّه يصعُبُ إنصافُ كُلٍّ من الأبعاد العلميّة والدينيّة لأيِّ ميدانٍ محدد، خاصة مع أخذ تعقيداتها بعين الاعتبار. على سبيل المثال، انتهى الأمرُ ببيير تيلار دي شاردين (1971) – الذي كان مُلمّاً بعلم أصول البشر واللاهوت – بالاعتقاد بنظرةٍ غير مألوفةٍ حول التطوُّر تتمثّل باعتباره غائياً (ممّا أدخله في متاعبٍ مع المؤسّسة العلمية) والاعتقاد بلاهوتٍ غير تقليديٍّ (مع تفسيرٍ غير مألوفٍ عن الخطيئة الأصليّة أدخله في متاعبٍ مع الكنيسة الكاثوليكية). ما يُعتبر بدعةً من المنظار اللاهوتيّ ليس بحدِّ ذاته سبباً للشكّ بنموذجٍ معيّنٍ ولكنّه يُشيرُ إلى التعقيدات التي تقف أمام نجاح نموذج الدمْج في المجتمع الأعم الذي يتألّفُ من علماء اللاهوت والفلاسفة. علاوةً على ذلك، يبدو أنّ نموذج الدمج يميلُ نحو الإيمان بالله حيث إنّ بربور قد أشار إلى الأدلّة المستنِدة إلى النتائج العلميّة الداعِمة (ولكن غير المثبِتة) للإيمان بالله، إلا أنّه قد فشل في مناقشة الأدلّة العلميّة الداعمة (ولكن غير المثبِتة) لمسألة إنكار الإيمان بالله.

د) الدراسة العلميّة للدين

 يرتبطُ العلم والدين بشكلٍ وثيقٍ في عمليّة الدراسة العلميّة للدين التي يُمكن اقتفاء أثرها وصولاً إلى التواريخ الطبيعيّة للدين في القرن السابع عشر. حاول المؤرّخون الطبيعيون تقديمَ تفاسيرٍ طبيعيّةٍ للثقافة والسلوك البشري وللمجالات كالدين والمشاعر والأخلاق. على سبيل المثال، قدّم برنارد دي فونتينيل (1724 ) في كتاب (De l’Origine des Fables) بياناً عابراً عن الإيمان بالظواهر الخارقة للطبيعة، وقد اعتبر أنّه كثيراً ما يقومُ الناس بالتأكيد على التفسيرات الخارقة للطبيعة حينما لا يفهمون الأسباب الطبيعيّة الكامنة وراء الحوادث الاستثنائية قائلاً «إلى الحدّ الذي يكونُ فيه الفردُ أكثر جهلاً أو ذا تجاربٍ أقل، فإنّه يرى معجزاتٍ أكثر»، وقد مهّدت هذه الفكرة لاعتقاد أوغوست كومت (1841) بأنّ الأساطير تُخلي السبيلَ تدريجياً أمام البيانات العلمية. كتاب هيوم «التاريخ الطبيعي للدين» هو أشهر مثالٍ فلسفيٍّ عن التفسير التاريخي الطبيعي للإيمان الديني. يقومُ هذا الكتاب بتتبُّعِ أصولِ الشرك – الذي اعتبر هيوم أنّه أوّل أشكال الاعتقاد الديني - وينسبها إلى الجهل بالأسباب الطبيعية والخوف والتوجُّس من البيئة. من خلال تأليه بعض الأبعاد في البيئة، حاول البشر الأوائل إقناع الآلهة أو تقديم الرشاوي لها وبالتالي نالوا الإحساس بالتحكُّم.

 في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، قام مفكِّرون من حقولٍ معرفيّةٍ ناشئةٍ حديثاً -كالأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع وعلم النفس- ببحث الجذور الطبيعيّة المزعومة للاعتقاد الديني. سعى هؤلاء المفكّرون لإنجاز ذلك بشكلٍ عام، وحاولوا شرحَ الأمر الذي يُوحِّدُ المعتقدات الدينية المتنوّعة في الثقافات بدلاً من تفسير الاختلافات الثقافية. في الأنثروبولوجيا، كانت الفكرة التي تُفيدُ بأنّ جميع الثقافات تتطوّرُ وتتقدّمُ وفقاً لنفس المسارات مُنتشرةً (التطوُّر الثقافي)، وفُسِّرتْ الثقافات التي تحتوي على آراءٍ دينيّةٍ مختلفةٍ على أنّها في مرحلةٍ مبكِّرةٍ من التطوُّر. على سبيل المثال، اعتبر تايلور (1871) بأنّ الإحيائيّة –وهي الاعتقاد الذي يُفيدُ بأنّ الأرواح تُعطي الحياة للعالَم- هي الشكل الأول للاعتقاد الديني. أمّا كومت (1841)، فقد إرتأى بأنّ جميع المجتمعات تمرُّ في محاولاتها لفهم العالَم بنفس مراحل التطوُّر: المرحلة اللاهوتية (الدينية) هي أولى المراحل حيث تسودُ التفاسير الدينيّة، وتتلوها المرحلة الميتافيزيقيّة (حيث لا يتدخّل الإله)، وينتهي الأمر بالمرحلة الوضعيّة أو العلميّة التي تتّسمُ بالتفاسير العلميّة والملاحظات التجريبيّة.

 اعتبَر عالِمُ الاجتماع إميل دوركهايم (1915) أنّ المعتقدات الدينيّة هي هراءٌ اجتماعيٌّ يُساعِدُ في تماسُك المجتمع. أمّا عالِمُ النّفس سيغموند فرويد (1927)، فقد اعتبر بأنّ الإيمان الديني هو وهمٌ يُشبه رغبةً طفوليّةً بوجود شخصيّةٍ أبويّة. القصّة التامّة التي يُقدّمها فرويد هي غريبةٌ تماماً وتُفيدُ أنّه في العصور الغابرة كان يقوم الأبناء بقتْل الأب الذي يحتكِرُ جميعَ نساء القبيلة ويقومون بأكْله. بعد ذلك، كان يشعرُ الأبناء بالندم وأصبحوا يعبدون أباهم المقتول، وهذا الأمر - بالإضافة إلى المحظورات كأكْل لحوم البشر وسِفاح القربى - هو الذي أدّى برأيه إلى نشوء الدين الأول. كذلك، اعتبر فرويد أنّ «الشعور المحيط» (وهو الشعور بالمحدوديّة والارتباط بالعالَم) هو أحدُ مناشئِ الاعتقاد الدينيّ، واعتقد بأنّ هذا الشعور هو بقيةٌ من إحساس الطفل بذاته قبل فطامه. قام مُفكِّرون كدوركهايم وفرويد، بالإضافة إلى منظِّرين اجتماعيين ككارل ماركس وماكس ويبر، بتقديم نماذجٍ عن نظريّة العلمنة التي تعتبرُ بأنّ الدين سوف يتدهور في مقابل التكنولوجيا المعاصِرة والعلم والثقافة. كان الفيلسوف وعالِم النفس ويليام جيمز (1902) مهتماً بالجذور الفلسفيّة وفينومينولوجيا التجارب الدينية التي كان يعتقدُ بأنّها المصدرُ الأعلى للأديان التأسيسيّة.

 منذ العشرينيات فصاعداً، أصبحتْ الدراسة العلميّة للدين أقلّ اهتماماً بالبيانات الموحِّدة الكبيرة وكثّفتْ التركيز على بعض التعاليم والمعتقدات الدينية. لم يعد يعتمد علماءُ الأنثروبولوجيا من أمثال إدوارد إفانز بريتشارد وبرونيسلاو مالينوسكي بشكلٍ حصريٍّ على الروايات المنقولة (الضعيفة غالباً وذات المصادر المحرّفة)، بل قاموا بعملٍ ميدانيٍّ جدّي. تُشيرُ أوصافهم للأعراق البشرية بأنّ التطوُّر الثقافي خاطئٌ وأنّ المعتقدات الدينية أكثر تنوّعاً ممّا كان مُتصوّراً من قبل، وقد احتجّ هؤلاء العلماء على أنّ المعتقدات الدينية لم تأت نتيجةً للجهل بالآليات الطبيعية. على سبيل المثال، أشار إفانز بريتشارد إلى أنّ أفرادَ قبيلة الأزاندي كانوا يعلمون جيداً بأنّه يُمكن للبيوت أن تنهار حينما يأكلُ النمل الأبيض أُسسها، ولكنّهم مع ذلك كانوا يلجأون إلى الشعوذة لكي يشرحوا سبب انهيار أحد البيوت. مؤخّراً، وجدتْ كريستين ليغار أنّ الناس المنتمين إلى ثقافاتٍ مُختلفة يقومون بصراحةٍ بدمْج التفاسير الخارقة للطبيعة مع التفاسير الطبيعية. مثلاً، يعلمُ أهل جنوب أفريقيا بأنّ مرض الإيدز يأتي كنتيجةٍ لأحد الفيروسات ولكنّ بعضهم يعتقدُ أيضاً بأنّ مُشعوِذةً تقفُ وراء هذه العدوى الفيروسيّة في النهاية.

 بدأ علماء النفس وعلماء الاجتماع ينظرون بارتيابٍ إلى الأفكار التي تُفيد بأنّ المعتقدات الدينية تتجّذر في اللاعقلانيّة، والأمراض النفسيّة، والحالات النفسية الغريبة الأخرى، وهذا ما كان يعتقدُ به جيمز (1902) وغيره من علماء النفس الأوائل. في الولايات المتّحدة خلال فترة أواخر الثلاثينيات إلى الستينيات، اكتسب علماء النفس اهتماماً متجدِّداً بالدين، وكان هذا الاهتمام مدفوعاً بملاحظة مقاومة الدين للأفول ومروره بما يبدو على أنّه إحياءٌ كبيرٌ (ممّا ألقى ظلال الشك على نظريّة العلمنة). قام علماءُ النفس المتخصّصين بميدان الدين على نحوٍ متنامٍ بالتفريق بشكلٍ دقيقٍ بين أنواع التديُّن ومن ضمنها التديُّن الظاهري (أولئك الذين يُظهِرون التديُّن للوصول إلى غاية، مثلاً: اكتساب المنافع التي تأتي من جرّاء الانتساب إلى مجموعةٍ اجتماعيّةٍ معيّنة) والتديُّن الباطني (أولئك الذين يلتزمون بالدين انطلاقاً من مبادئهم). في الوقت الحالي، عادةً ما يقوم علماء النفس وعلماء الاجتماع بدراسة التديُّن كمُتغيّرٍ مستقلٍّ يؤثِّرُ على الصحة والجريمة والبُعد الجنسي والشبكات الاجتماعية.

 إحدى التطوّرات الحديثة في الدراسة العلمية للدين هي العلم المعرفي للدين، وهذا حقلٌ متعدِّدُ المجالات يضمُّ مفكّرين من علم النفس التنمويّ، الأنثروبولوجيا، الفلسفة، وعلم النفس المعرفيّ وغيرها من الحقول. يختلفُ هذا العلم عن المقاربات الأخرى إزاء الدين وذلك من خلال افتراضه بأنّ الدين ليس مجرّد ظاهرةٍ ثقافيّةٍ بل هو نتيجة لعملياتٍ إنسانيةٍ إدراكيّةٍ مألوفة وعامّة قد نمتْ في وقتٍ مبكِّر. يعتبرُ بعضُ المفكِّرين بأنّ الدين هو حصيلةٌ ثانويةٌ للعمليات الإدراكية التي لا تمتلكُ وظيفةً محدّدة مُتطوِّرة للدين. على سبيل المثال، استناداً إلى بول بلوم (2007)، ينبثقُ الدين كحصيلةٍ ثانويّةٍ لتفريقنا الحدسي بين العقول والأجسام حيث يُمكننا أن نعتبر بأنّ العقل يستمرّ بعد موت البدن (من خلال نسْب الرغبات إلى فردٍ متوفّى من العائلة)، وهذا يجعلُ الاعتقاد بوجود الحياة الآخرة للأرواح المنفصِلة عن الأجساد أمراً طبيعياً وتلقائياً. من ناحيةٍ أخرى، تعتبرُ مجموعةٌ أخرى من الفرضيات بأنّ الدين هو أمرٌ بيولوجيٌّ أو ردٌّ ثقافيٌّ تكيُّفيٌّ يُساعِدُ البشر على حلّ المشاكل التعاونية. من خلال الاعتقاد بوجود آلهةٍ كبيرةٍ وقويّةٍ لها القدرة على المعاقبة، قام البشر بالتعاون بشكلٍ أكبر وهذا قد سمح للمجموعات الإنسانيّة بالتوسُّع لتصبح أكبر من مجتمعات الصيد والزراعة. بالتالي، فإنّ المجموعات التي كانت تعتقدُ بوجود آلهةٍ كبيرةٍ قد تفوّقتْ خلال العصر الحجري في المنافسة للحصول على المصادر في مقابل المجموعات الأخرى التي لم تكن تمتلكُ هذه المعتقدات، وهذا يوضِّحُ نجاحَ الاعتقاد الراهن بهذه الآلهة.

ه) المعتقدات الدينيّة في الوسط الأكاديمي

 حتّى القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، كان من الشائع للعلماء أن يمتلكوا معتقداتٍ دينيّةٍ يسترشدون بها في أعمالهم. في القرن السابع عشر، بلغَ دليلُ التصميم ذروةَ شعبيّته واقتنع الفلاسفة الطبيعيون بأنّ العلم الطبيعي يُقدّمُ الدليل على قيام الله بعمليّة الخلق. على سبيل المثال، كان الفيلسوف الطبيعي إسحاق نيوتن يتحلّى بمعتقداتٍ دينيّةٍ قويّةٍ بالرغم من أنّها لم تكن تقليدية. ولكن على النقيض من ذلك، يقلّ اليوم مستوى تديُّن العلماء المعاصِرين عن السكّان بشكلٍ عام. توجد بعض الاستثناءات كعالِم الجينات فرانسيز كولينز الذي كان سابقاً قائد مشروع الجينوم البشريّ حيث يقوم كلٌّ من كتابه «لغة الله» (2006) والمؤسّسة التي أنشأها تحت اسم (BioLogos) بالدفاع عن الانسجام بين العلم والمسيحية.

 لقد دقّقت الدراساتُ الاجتماعيّة في قضيّة الاعتقادات الدينية للعلماء، وعلى وجه الخصوص أولئك المتواجدين في الولايات المتّحدة، وتُشيرُ هذه الدراسات إلى الاختلاف في نسبة تديُّن العلماء بالمقارنة إلى عدد السكّان العام. خلُصت الدراسات كتلك التي أجراها  إلى أنّ نحو 9 من 10 بالغين في الولايات المتّحدة يعتقدون بوجود الله أو بوجود روحٍ كونية، ولم يتدنّ هذا العدد إلا قليلاً في العقود القريبة. أمّا الراشدون الأصغر سناً، فإنّ نسبة المؤمنين فيهم تبلغُ نحو 80 بالمئة. بالرغم من ذلك، ينتشرُ الإلحاد واللاأدريّة بين الأكاديميين الشباب وخصوصاً أولئك الذين يعملون في المؤسسات النخبوية. في دراسةٍ حول أعضاء «الأكاديمية الوطنية للعلوم» (وهم جميعاً من كبار الأكاديميين الذين ينتسبون بشكلٍ كبيرٍ إلى الكليات النخبويّة)، تبيّن أنّ الأغلبيّة لا تؤمنُ بوجود الله (72.2%)، بينما 20.8% هم من اللاأدريّين، وفقط 7% يؤمنون بوجود الله. قام إكلاند وشايتل (2007) بتحليل الإجابات التي تلقّوها من العلماء (الذين يعملون في مجال العلوم الاجتماعية والطبيعية) من 21 جامعةٍ نخبويّةٍ في الولايات المتّحدة. وصف نحو 31.2% أنفسهم على أنّهم مُلحدون بينما وصف 31% أنفسَهم بأنّهم لاأدريّون. أمّا العدد المتبقّي، فإنّ 7% يؤمنون بوجود قوّةٍ عُليا، و5.4% يؤمنون أحياناً بوجود الله، و15.5% يعتقدون بوجود الله ولكن مع شكوك، بينما يؤمن 9.7% بوجود الله من دون شك. على خلاف عموم السكّان، فإنّ العلماء الأكبر سنّاً في هذه العيِّنة لم يُبدوا تديُّناً كبيراً وفي الواقع كانوا أكثر ميلاً للتصريح بعدم إيمانهم بالله. من ناحيةٍ أخرى، قام غروس وسيمونز (2009) بفحص عيّنةٍ أكثر تبايناً من العلماء في الجامعات الأميركية ومن ضمنها الكليّات الأهلية، المؤسسات النخبويّة المانحة للدكتوراه، والكليات غير النخبويّة ذات المرحلة الدراسيّة البالغة أربع سنوات، والمعاهد الفنيّة الصغيرة الليبراليّة. توصّل هذان الباحثان إلى أنّ أساتذة الجامعات بأغلبهم (الدائمين أو المساعدين) يتحلّون بالعقائد الإيمانيّة حيث يؤمن 34.9% بوجود الله، ويعتقدُ 16.6% بوجود الله مع بعض الشكوك، ويؤمن 4.3% بوجود الله أحياناً، بينما يعتقدُ 19.2% بوجود قوّةٍ عُليا. تأثّر الإيمانُ بالله بنوع المؤسّسة (حيث تدنّى الإيمان في الكليات ذات المستوى الأعلى) وبالحقل المعرفيّ (حيث تبيّن أنّ الإيمان كان أدنى في ميدان العلوم المادية والبيولوجيّة من ميدان العلوم الاجتماعية والإنسانيات).

 تُشيرُ هذه النتائج إلى أنّ الأكاديميين يتمتّعون بتنوُّعٍ دينيٍّ أكثر من الاعتقاد السائد وأنّ الأغلبية لا تُعارِضُ الدين. مع ذلك، فإنّ نسبة الملحدين واللاأدريّين في الوسط الأكاديمي في الولايات المتّحدة هي أكبر من النسبة الموجودة لدى عموم السكّان، وهذا تفاوتٌ يحتاجُ إلى التفسير. قد يتمثّلُ أحد الأسباب بالتحيُّز ضدّ المؤمنين في الميدان الأكاديمي؛ على سبيل المثال، حينما سُئل علماء الاجتماع عن استعدادهم لتوظيف شخصٍ مسيحيٍّ إنجيلي، صرّح 39.1% أنّهم سيكونون أقلّ استعداداً لتوظيفه، وقد انطبقتْ نتائجٌ مُشابِهةٌ على فئاتٍ دينيّةٍ أخرى كالمسلمين أو الموارنة. قد يتمثّل سببٌ آخر باعتقاد المؤمنين بآراءٍ نمطيّة اجتماعية سلبيّة تؤدّي بهم إلى الأداء دون المستوى المطلوب في المهام العلمية وإلى فقدان الاهتمام باتّباع حياةٍ مهنيّةٍ علميّة. توصّلتْ كمبرلي ريوس وغيرها (2015) إلى أنّ المشارِكين غير المتديّنين يعتبرون بأنّ المؤمنين – خصوصاً المسيحيين – هم أقلّ كفاءةً وأقلّ وثوقاً بالعلم. حينما لاحظ المشاركون المسيحيون هذه الفكرة النمطية، أصبح أداؤهم أسوأ في المهام التي تتطلّبُ استدلالاً منطقياً (والتي تمّ إظهارها بشكلٍ مُضلِّلٍ على أنّها «اختباراتٌ استدلاليةٌ علميةٌ») أكثر من الوقت الذي لم تُذكَر فيه هذه الفكرة النمطية.

 من غير الواضح إذا ما كان نمط التفكير الديني والعلمي متعارضَيْن من الناحية الإدراكية. تُشير بعض الدراسات إلى أنّ الدين يستفيدُ بشكلٍ أكبر من النمط التفكيري الحدسي الذي يختلفُ عن الاستدلال التحليلي الذي يتّسمُ به العلمُ الطبيعي. من ناحيةٍ أخرى، فإنّ القبول بالآراء اللاهوتية والعلمية معاً يعتمدُ على الوثوق بالشهادة، وقد توصّل علماء الإدراك إلى وجود مُتشابهاتٍ في الكيفيّة التي يفهمُ الأطفالُ والبالغون من خلالها الشهادة بوجود كياناتٍ خفيّةٍ في الميدانيْن الديني والعلمي.

علاوةً على ذلك، فقد كان اللاهوتيون من أمثال الآباء والأساتذة الكنسيّين تحليليّين للغاية في كتاباتهم وأشاروا إلى أنّ الرابطة بين التفكير الحدسيّ والدينيّ قد تكون تحيُّزاً غربيّاً حديثاً. تبرزُ الحاجة لإجراء المزيد من الأبحاث لكي نتحقّق فيما إذا كانت الأنماط الفكريّة الدينيّة والعلمية متنافرةً جوهرياً.

2. العلم والدين في المسيحيّة والإسلام والهندوسيّة 

كما ذكرنا سابقاً، فقد تركَّزتْ معظمُ الدراسات حول العلاقة بين العلم والدين على العلم في المسيحيّة. طُبِعَ عددٌ قليلٌ فقط من المنشورات التي تتناولُ التعاليم الدينيّة الأخرى، ويهتمُّ نزرٌ يسيرٌ نسبياً من الدراسات بالعلاقة بين العلم والدين في الأوساط غير المسيحية. بما أنّ العلم الغربي يُقدِّم ادّعاءاتٍ مُطلقة، يسهُلُ الافتراض بأنّ لقاءه مع التعاليم الدينيّة الأخرى يُشبِه التفاعلات الملحوظة في المسيحيّة. ولكن بما أنه توجد عقائدٌ دينيّةٌ مختلفة (مثلاً، في التعاليم الهندوسية، لا يتميّز الإله بشكلٍ تامٍ عن الخَلق وذلك بخلاف المسيحيّة واليهودية)، وبما أنّ العلم قد حظي بمساراتٍ تاريخيّةٍ مُختلفةٍ في الثقافات الأخرى، يُمكن للفرد أن يتوقّع وجودَ تناقضاتٍ في العلاقة بين العلم والدين في التعاليم الدينية المتنوّعة. من أجل تقديم معنىً لهذا الاختلاف، يُقدِّمُ هذا القسم نظرةً عامةً إلى العلم والدين في المسيحيّة والإسلام والهندوسية.

المسيحيّة دينٌ إبراهيميٌّ توحيديٌّ يُشكِّلُ أكبر ديانةً في يومنا الحالي، وقد انبثقتْ المسيحيّة عن اليهوديّة في القرن الأول الميلادي على يد مجموعةٍ من أتباع المسيح. يلتزمُ المسيحيون بالوحي المؤكَّد الموصوف في سلسلةٍ من النصوص الكنسيّة، ويتألّفُ هذا الوحي من العهد القديم الذي يضمُّ نصوصاً موروثةً من اليهودية، والعهد الجديد الذي يضمُّ أناجيل ماثيو، مرقص، لوقا، ويوحنّا (وهي رواياتٌ حول حياة المسيح وتعاليمه)، بالإضافة إلى الحوادث وتعاليم الكنائس المسيحيّة الأولى (مثلاً، أعمال الرُسُل، رسائل بولس)، وسِفر الرؤيا الذي يتناولُ أحداثَ آخر الزمان.

 نظراً إلى أهميّة نصوص الوحي في الديانة المسيحية، يُعَدُّ «مثالُ الكتابيْن» نقطةَ انطلاقٍ مفيدةٍ لبحث العلاقة بين المسيحية والعلم. وفقاً لهذا المثال، أظهر الله كيانه عبر «كتاب الطبيعة» بقوانينه المنتَظَمة و«الكتاب المقدّس» برواياته التاريخيّة وسرده للمعجزات. احتجّ أوغسطين (354-430) أنّ كتاب الطبيعة هو أيسر الاثنين لأنّ الكتاب المقدّس يتطلّبُ المعرفة بالقراءة بينما يُمكن للمتعلّمين والأميِّين معاً أن يقرأوا كتابَ الطبيعة. في كتابه (Ambigua)، قام ماكسيموس المعترِف (580-662) بتشبيه الكتاب المقدّس والقانون الطبيعي بردائين يُحيطان بكلمة الله المجسَّدة حيث تُظهِرُ الطبيعة إنسانيةَ المسيح بينما يُظهِرُ الكتاب المقدّس ألوهيّته. خلال القرون الوُسطى، بدأ يُدركُ المفكِّرون من أمثال هيو سانت فيكتور (حوالي 1096-1141) وبونافنتورا (1221-1274) أنّ كتاب الطبيعية ليس واضحاً على الإطلاق. بما أنّ الخطيئة الأولى تُشوِّهُ منطقنا وفهمَنا، ما هي الاستنتاجات التي يستطيعُ البشر استخلاصَها بشكلٍ صحيحٍ عن الحقيقة القُصوى؟ استخدم بونافنتورا مثالَ الكتابيْن إلى درجةٍ أصبحتْ عبارة «كتاب الطبيعة» مرادفاً للخَلق، أي العالَم الطبيعي، وقد احتجّ بأنّ الذنب يحجُبُ عقْلَ الإنسان إلى الحدّ الذي يُصبِحُ فيه كتابُ الطبيعة غيرَ قابلٍ للقراءة، وتبرزُ الحاجة للكتاب المقدّس لانطوائه على التعاليم عن العالَم.

 ما زال يُجادِلُ المفكّرون المسيحيون في ميدان العلم والدين حول كيفيّة ترابُط هذين الكتابيْن. يُمثِّلُ المنحى التطبيقيّ محاولة تفسير الكتاب المقدّس على ضوء العلم المعاصِر ويُعَدُّ منهجاً هرمنيوطيقياً لتأويل الإنجيل حيث يتوقّع الفرد بأنّ الإنجيل يُنبّئُ عن نظرياتٍ علميّة كالانفجار الكبير أو التطوُّر. ولكن كما يحتجُّ دينيس لامورو، فإنّ العديد من عبارات الإنجيل التي تبدو علميّةً هي باطلةٌ حيث إنّ حبّة الخردل ليستْ أصغر الحبوب، والنطف لا تتضمّن أشخاصاً صغيري الحجم، ولا يوجد سماء تفصل بين الماء على الأرض والماء في الفضاء، والأرض ليستْ مُسطّحةً أو مُستقرّة. بالتالي، فإنّ أيّ هيئةٍ معقولةٍ لدمْج كتاب الطبيعة والكتاب المقدّس سوف تقتضي المزيد من الفروقات الدقيقة والتعقيد. قام بعض علماء الدين من أمثال جون وِسلي (1703-1791) باقتراح زيادة مصادر المعرفة وإضافتها إلى الكتاب المقدّس والعلم. تُمثِّلُ الرباعيّة الوِسليّة (وهو مصطلحٌ لم يضعْه وِسلي نفسه) التفاعل النشيط بين الكتاب المقدّس، والتجربة (ومن ضمنها المكتشفات التجريبيّة للعلوم الطبيعية)، والتراث، والعقل.

 حاول العديد من المفكّرين المسيحيين دمْجَ العلم والدين، واتّجهوا نحو تفسير مُكتشفات العلوم الطبيعية -كنظريّة التطوّر أو نظريّة الفوضى- من الناحية اللاهوتيّة مُستخدمين نماذج لاهوتية ثابتة كالإيمان الكلاسيكي، وعقيدة الإخلاء، وعقيدة الخَلق. احتجّ جون هاوت أنّ النظرة اللاهوتيّة المتمثِّلة بالإخلاء (تفريغ الذات) تُمهِّد الطريق لمكتشفاتٍ علميّةٍ كنظرية التطوُّر، أي أنّ الإله المفرِّغ لذاته (أي الذي يحدُّ كيانه) ويخلقُ عالَماً متميزاً ومستقلاً، يمنحُ هذا العالَم اتّساقاً ذاتياً وهذا بدوره يُنتِجُ كوناً مُنظِّماً لنفسه. تتمثّل النظرة الإبستمولوجيّة السائدة في العلم والدين المسيحي بالواقعيّة النقدية، وهي موقفٌ ينطبقُ على كلٍّ من اللاهوت (الواقعيّة اللاهوتيّة) والعلم (الواقعيّة العلميّة).

 أدخل بربور هذه النظرة إلى أدبيات العلم والدين، وقام علماءٌ لاهوتيون كآرثر بيكوك (1984) ووِنتزِل فان هويستين (1999) بتطويرها. تهدفُ الواقعيّة النقديّة إلى تقديم طريقٍ وسطٍ بين الواقعية البسيطة (أي العالَم كما نتصوّره) والفلسفة الذرائعية (أي كوْن تصوّراتنا ومفاهيمنا ذرائعيّةً محضة). تُشجّع الواقعيّة النقديّة على التأمُّل النقدي حول التصوُّر والعالَم وبالتالي فإنّها «نقدية»، وتتّسمُ بتوجّهاتٍ متنوّعةٍ في أعمال المؤلِّفين المختلفين. على سبيل المثال، قام فان هويستين بتطوير شكلٍ ضعيفٍ من الواقعيّة النقديّة ضمن مفهومٍ عن العقلانية أتى بعد الفلسفة التأسيسية حيث تمّ تشكيل الآراء اللاهوتية من خلال عواملٍ اجتماعيّةٍ وثقافيّةٍ وبيولوجيّةٍ مُتطوَّرة. أمّا مورفي، فقد قام بتلخيص الشروط العقائدية والعلمية لمقاربات العلم والدين واعتبر أنّ أيّ مقاربةٍ متكاملةٍ ينبغي أن تتماشى بشكلٍ عام مع العقيدة المسيحية - وخصوصاً المبادئ الرئيسيّة كعقيدة الخَلق - وأن تسير في نفس الوقت وفقاً للملاحظات التجريبية من دون تقويض التطبيقات العلمية.

 احتجّ عددٌ من المؤرِّخين بأنّ المسيحيةَ كانت عاملاً أساسياً في تطوُّر العلم الغربي. اعتبر بيتر هاريسون أنّ عقيدة الخطيئة الأولى قد لعبت دوراً مهماً في ذلك واحتجّ على وجود اعتقادٍ منتشرٍ في أوائل الفترة المعاصِرة يُفيدُ بأنّ آدم قبل سقوطه كان يمتلكُ حواسّاً ساميةً، وذكاءً، وفهماً. نتيجةً لهبوطه، أصبحتْ الحواس الإنسانية أقلّ فعاليةً، وتقلّصتْ قدرتنا على القيام بالاستنتاجات الصحيحة، وغدتْ الطبيعة بحدِّ ذاتها أقلّ وضوحاً. لم يعد البشر بعد السقوط قادرين على الاعتماد بشكلٍ حصريٍّ على استدلالهم البديهي لكي يفهموا الطبيعة وأصبحوا بحاجةٍ لتكملة استدلالهم وحواسّهم من خلال إجراء الملاحظات بمساعدة آلاتٍ خاصّةٍ كالمجهر والمِنظار الفلكيّ. كما كتب روبرت هوك في مقدّمة كتابه «الفحص المجهري» (Micrographia): «بسبب الفساد المستَمَد، المتأصِّل والمولود معه، وبسبب تنشئته وحديثه مع الناس فإنّ كلَّ إنسانٍ معرّضٌ للانزلاق في جميع أنواع الأخطاء...هذه هي المخاطر الكامنة في عملية المنطق البشري، ولا يُمكن أن تنبثق علاجاتها جميعاً إلا من الفلسفة الحقيقية والميكانيكية والتجريبية (العلم المستنِد إلى التجربة)».

 لعلّ إحدى التطوّرات اللاهوتيّة الأخرى التي سهّلت تصاعد العلم الطبيعي كانت «إدانة باريس» (1277) التي حظرت تعليم أو قراءة الآراء الطبيعية الفلسفية التي كانت تُعَدُّ بدعةً كرسائل أرسطو المادية. نتيجةً لهذا الأمر، فتحت الإدانة المجال الفكري للنظر أبعد من الفلسفة الطبيعية اليونانية القديمة. على سبيل المثال، كان بعضُ فلاسفة القرون الوُسطى كجون بوريدان (القرن الرابع عشر) يعتقدون بالمبدأ الأرسطي الذي يُفيدُ عدم إمكانيّة وجود الفراغ في الطبيعة. ولكن حينما غدتْ هذه الفكرة معقولة، أصبح بإمكان الفلاسفة الطبيعيين كإفانجليستا توريتشيلي (1608-1647) وبلايز باسكال (1623-1662) إجراء التجارب على الضغط الجوّي والفراغ.

 لكي يقدّموا أدلةً إضافيّةً على الدور التشكيلي الذي لعبه الدين المسيحي في تطوير العلم الطبيعي، أشار بعض المفكّرين إلى العقائد المسيحية التي كان يؤمنُ بها فلاسفة طبيعيّون بارزون في القرن السابع عشر. على سبيل المثال، كتب كلارك ما يلي: «حينما تستثني الله من تعريف العلم الطبيعي، فإنّك تقومُ من خلال حركةٍ واحدةٍ باستبعاد أعظم الفلاسفة الطبيعيين في ما يُسمّى بالثورة العلمية وهم: كِبلِر، كوبرنكوس، غاليليو، بويل، ونيوتن على سبيل المثال لا الحصْر».

 أمّا مفكّرون آخرون، فإنّهم يذهبون إلى حدّ الادّعاء بأنّ المسيحيّة كانت فريدةً ومهمّةً في تحفيز الثورة العلمية. يعتبرُ رودني ستارك (2004) أنّ الثورة العلمية كانت بالفعل تطوّراً بطيئاً وتدريجياً انبثق عن اللاهوت المسيحي في القرون الوُسطى. ولكنّ هكذا ادّعاءات لا تعترفُ بالمساهمات الحقيقية للعلماء المسلمين واليونانيين (على سبيل المثال لا الحصر) في عملية تطوُّر العلم المعاصِر. بالرغم من هذه التفاسير الإيجابية للعلاقة بين العلم والدين في المسيحية، ما زالت توجد مصادرٌ للتوتُّر المستمر. على سبيل المثال، ما زال الأصوليون المسيحيون يرفعون أصوات المعارضة ضدّ نظرية التطوُّر.

3. الروابط المعاصِرة بين العلم والدين

 يشتملُ العمل الحالي في ميدان العلم والدين على سعةٍ من الموضوعات ومن ضمنها الإرادة الحرّة، الأخلاق، الطبيعة البشريّة، والوعي. يُناقِشُ علماء اللاهوت الطبيعي المعاصرون وجود الدقّة في العالَم - وعلى وجه الخصوص أدلّة التصميم التي تعتمدُ على هذه الدقّة - وتفسير علم الكون المتعدّد، ومعنى الانفجار الكبير. على سبيل المثال، قام مفكّرون من أمثال هاد هادسون (2013) باستكشاف الفكرة التي تُفيدُ بأنّ الله قد خلق أفضل الأكوان الممكنة على الإطلاق. في ما يلي، نُقدّمُ نظرةً عامة لموضوعَيْن قد أثارا اهتماماً وجدلاً كبيراً خلال العقود الماضية وهما: الفعل الإلهي (ومسألة الخَلق التي ترتبطُ به بشكلٍ وثيق) ومنشأ الإنسان.

أ) الفعل الإلهي والخَلق

 قبل أن يقوم العلماء بتطوير آرائهم حول علم الكون ونشأة العالم، كانت الثقافات الغربيّة تمتلكُ عقيدةً تفصيليّةً حول الخَلق تعتمدُ على النصوص الإنجيلية (مثلاً: أول ثلاثة فصول من سفر التكوين وسفر الرؤيا) وكتابات الآباء الكنسيّين كأوغسطين. تحملُ هذه العقيدة السمات المترابِطة التالية:

أولاً، ابتدع الله العالَم من لا شيء، أي بتعبيرٍ آخر، لم يحتاج الله لأيِّ موادٍ موجودةٍ سابقاً لصنع العالَم وذلك على خلاف خالق الكون المادي (في الفلسفة اليونانية) الذي خلق العالَم من المادة الفوضويّة الموجودة مُسبقاً. ثانياً، يختلف الله عن العالَم، فالعالَم ليس مُساوياً له أو جزءاً منه (على خلاف مذهب الحلوليّة أو وحدة الوجود) وليس انبعاثاً (ضرورياً) صادراً عن وجود الله (على خلاف الأفلاطونية الجديدة). في الواقع، خلق الله العالَم بإرادةٍ حرّة، وهذا يُحِدثُ انسجاماً جذرياً بين الخالق والمخلوق حيث إنّ العالم يعتمدُ بشكلٍ جذريٍّ على فعل الله الإبداعيّ وقيمومته بينما لا يحتاجُ الله بنفسه للخَلق. ثالثاً، تُفيدُ عقيدة الخلق بأنّ المخلوقات تتمتّع بالخير الجوهري (وهذا ما يؤكّده سفر التكوين مراراً). يحتوي العالَم على الشرّ ولكنّ الله لا يتسبّب بحدوث هذا الشرّ بشكلٍ مباشر. بالإضافة إلى ذلك، لا يُحافظ الله على المخلوقات بدون فاعليّةٍ ذاتيّةٍ من قِبله بل يقوم بدورٍ فعّالٍ من خلال الأفعال الإلهية الخاصة لرعاية المخلوقات (المعجزات والوحي). رابعاً، أعدّ الله الأمور لنهاية العالَم وسوف يقومُ بخلق جنّةٍ وأرضٍ جديدة، وبهذه الطريقة سوف يُستَأصلُ الشرّ.

 ترتبط بعقيدة الخلق آراءٌ حول الفعل الإلهي. وعادةً ما يقومُ علماء اللاهوت بالتفريق بين الفعل الإلهي العام والخاص. للأسف، لا يوجد تعريفٌ متّفقٌ عليه بشكلٍ عام حول هذين المفهومَين في ميدانيّ اللاهوت أو العلم والدين. تتمثّلُ إحدى وسائل التمييز بينهما في اعتبار أنّ الفعل الإلهي العام هو الخلق وقوام الواقع، أمّا الفعل الإلهي الخاص فهو مجموع الأفعال الصادرة عن العناية الإلهية في أوقاتٍ وأماكنٍ معيّنةٍ كالمعجزات وإلقاء الوحي إلى الأنبياء. يسمحُ هذا التمييز للمخلوقات بأن تكون مُستقلّةً ويُشيرُ إلى أنّ الله لا يتحكّم بشكلٍ دقيقٍ بكلِّ تفصيلٍ في عالم الخلق. بالرغم من ذلك، فإنّ هذا التفريق ليس دائماً واضحَ المعالم لأنّه يصعب تحديد كوْن بعض الظواهر فعلاً إلهياً عاماً أو خاصاً. على سبيل المثال، يبدو أنّ مسألة القربان المقدّس في المذهب الكاثوليكي (حيث يُصبح الخبز والخمر جسد المسيح ودمه) أو بعض معجزات الشفاء خارج الكتاب المقدّس هي اعتياديةٌ بما فيه الكفاية لتكون جزءاً من الفعل الإلهي العام ولكن يبدو أنّها تشتملُ على نوعٍ من التدخُّل الإلهي الخاص من قِبل الله. قام ألستون (1989) بالتفريق بين الأفعال الإلهيّة المباشرة وغير المباشرة حيث اعتبر بأنّ الأفعال المباشرة تجري دون استخدام الأسباب الطبيعية بينما تتحقّق الأفعال غير المباشرة من خلال الأسباب الطبيعية. بالاستفادة من هذا التفريق، يوجد أربعة أنواعٍ من الأفعال التي يُمكن أن يُجريها الله: يُمكنه عدم التصرُّف في العالم على الإطلاق، أو التصرف بشكلٍ مباشرٍ فقط، أو التصرف بشكلٍ غير مباشر فحسب، أو التصرف بشكلٍ مباشر وغير مباشر معاً.

 في أدبيات العلم والدين، يوجد سؤالان رئيسيان حول الخلق والفعل الإلهي. إلى أيِّ حدٍّ يُمكن أن تتطابق العقيدةُ المسيحيّة عن الخلق والآراء التقليديّة عن الفعل الإلهي مع العلم؟ كيف يُمكنُ فهمُ هذين المفهومَيْن ضمن إطارٍ علمي، مثلاً: ماذا يعني قيام الله بالخلق والفعل؟ ينبغي أن نُلاحظ بأنّ عقيدةَ الخلقِ لا تُصرّح بشيءٍ عن عمر الأرض ولا تُحدِّد نمطاً من الخلق، وهذا يسمحُ بوجود نطاقٍ واسعٍ من الآراء الممكنة ضمن العلم والدين حيث تُعَدُّ نظريّة خلق الأرض الفتيّة واحدةً من الآراء التي تتطابقُ مع الكتاب المقدّس. بالفعل، فإنّ بعض النظريات العلمية كنظريّة الانفجار الكبير التي اقترحها لأوّل مرّةٍ الراهب البلجيكي جورج ليميتر (1927) تبدو متناسِبةً مع عقيدة الخلق حيث يظهر دعمُها لمبدأ الخلق من العدم لأنّها تنصُّ على أنّ الكون قد تشكّل من وضعٍ اتّسم بغاية الحرارة والكثافة منذ نحو 13.8 مليار سنة بالرغم من أنّ بعض الفلاسفة قد عارضوا التفسير الذي يُفيدُ بأنّ الكون له مبدأٌ زمنيّ.

تمثّلتْ المحصّلة النهائية للاكتشافات العلمية منذ القرن السابع عشر بحسب المنهج الغربي بإبعاد الله بشكلٍ متنامٍ إلى الهامش، وقد تحقّق خرْق العلم لميدان الدين (المسيحي تحديداً) عبر طريقين: أولاً: قامت الاكتشافات العلمية - من الجيولوجيا ونظريّة التطور على وجه الخصوص - بتحدّي البيانات الإنجيلية حول مسألة الخلق وحلّت مكانها. بينما لا تحتوي عقيدةُ الخلق على تفاصيلٍ حول كيفيّة الخلق وزمانه، إلا أنّ الإنجيل كان يُعتَبَرُ حجّة. ثانياً، يبدو أنّ المفهوم الصادر عن القوانين العلمية للفيزياء في القرنين السابع عشر والثامن عشر لم يترك مجالاً للفعل الإلهي الخاص. سوف نناقش هذين التحديّين في ما يلي مع حلولٍ مقترحةٍ في الأدبيات المعاصِرة للعلم والدين.

 عادةً، يعتمد المفكّرون المسيحيون على الإنجيل كمصدرٍ للمعلومات التاريخية، ولكنّ التفسير الإنجيلي لقصص الخلق - وعلى وجه الخصوص القصص الواردة في أول فصلين من سفر التكوين (وبعض الفقرات الأخرى المتناثرة كتلك الواردة في سفر أيوب)- يبقى مليئاً بالصعوبات. هل ينبغي تفسير هذه النصوص بأسلوبٍ تاريخيٍّ أو مجازيٍّ أو شعريّ؟ وماذا نفعل بحقيقة وجود الاختلاف في ترتيب الخلق ضمن هذه القصص؟ قام جيمز آشر (1581-1656)، رئيس الأساقفة الأنغليكانيين، باستخدام الإنجيل لكي يحدّد أنّ بدءَ الخلق كان في السنة 4004 قبل الميلاد. بالرغم من أنّ هذه التفاسير الحرفيّة لقصص الخلق في الإنجيل لم تكن نادرةً وما زال يتّبعها المؤمنون بنظريّة خلق الأرض الفتيّة في يومنا الحالي، إلا أنّه سبق وقام علماء اللاهوت قبل آشر بتقديم تفاسيرٍ بديلةٍ وغير حِرفيّةٍ للمضامين الإنجيلية. منذ القرن السابع عشر فصاعداً، تعرّضت عقيدة الخلق في المسيحية للضغط من علم الجيولوجيا حيث أشارت الاكتشافات إلى أنّ عمر الأرض هو أكبر بكثير من 4004 عام قبل الميلاد. من القرن الثامن عشر، قام فلاسفةٌ طبيعيون من أمثال ميليه، لامارك، تشيمبرز، وداروين باقتراح نظرياتٍ تحويليّةٍ (ما يُسمّى اليوم تطوُّرية) تبدو غير متطابقةٍ مع تفاسير الكتاب المقدّس حول الخلق المميّز للأنواع. بعد نشر كتاب داروين «أصل الأنواع» (1859)، نشأ نقاشٌ مستمرٌ حول كيفيّة إعادة تفسير عقيدة الخلق على ضوء نظريّة التطوُّر.

 قام تيد بيترز ومارتينيز هيولِت (2003) بتحديد نطاق الفعل الإلهي من أجل توضيح المواقف المختلفة حول الخلق والفعل الإلهي في الأدبيات المعاصِرة للعلم والدين، وفرّقا بين بُعدَين في هذا النطاق وهما: درجة الفعل الإلهي في العالَم الطبيعي وهيئة التفاسير السببيّة التي تربطُ الفعل الإلهي بالعمليات الطبيعية. في أحد الطرفين، يقفُ المؤمنون بالخلق الذين يعتقدون بأنّ الله قد خلق العالَم وقوانينه الأساسية وأنّه يقومُ أحياناً بأفعالٍ إلهيّةٍ مميّزةٍ (المعجزات) التي تتدخّل في نسيج القوانين، ويُنكرون وجودَ أيِّ دورٍ للانتقاء الطبيعي في أصل الأنواع. في عقيدة الخلق، توجد نظريّة خلق الأرض القديمة ونظريّة خلق الأرض الفتيّة. تقبلُ النظريّة الأولى بعلم الجيولوجيا ولكنّها ترفض البيولوجيا التطوّرية بينما ترفضُ النظرية الثانية الاثنين معاً. إلى جانب عقيدة الخلق، تردُ مسألةُ التصميم الذكي التي تؤكّدُ على التدخُّل الإلهي في العمليات الطبيعية. يعتقدُ المؤمنون بالتصميم الذكي في عملية الخلق بأنّ الدليل على هذا التصميم يقعُ في التعقيدات غير القابلة للاختزال الكامنة في الكائنات الحيّة، وعلى هذا الأساس يستنتجون وجودَ التصميم والهدفية. كغيرهم من المؤمنين بقضيّة الخلق، يُنكرون وجودَ دورٍ مهمٍ لعمليّة الانتقاء الطبيعي في تشكيل التعقيد العضوي ويؤكّدون على التفسير التدخُّليّ للفعل الإلهي. لأسبابٍ سياسيّة، لا يُحدّدون بأنّ المصمّم الذكي الذي يؤمنون به هو الله لأنّهم يأملون تجنُّبَ الفصل الدستوري بين الكنيسة والدولة في الولايات المتّحدة الذي يحظرُ تعليم العقائد الدينيّة في المدارس الرسميّة.

 أمّا علماء التطوّر المؤمنون بالله، فإنّهم يتّخذون منهجاً غير تدخّليٍّ تجاه الفعل الإلهي ويعتبرون بأنّ الله يخلقُ بشكلٍ غير مباشرٍ عبر قوانين الطبيعة (الانتقاء الطبيعي مثلاً). على سبيل المثال، يعتبرُ عالم اللاهوت جون هاوت (2000) بأنّ العناية الإلهيّة هي حبٌّ للغير وأنّ الانتقاء الطبيعي وغيره من العمليات الطبيعية هي تجلياتٌ لهذا الحب لأنّها تدعمُ الاستقلال والحرية. بالرغم من أنّ علماء التطوُّر المؤمنين بالله يسمحون بمقدارٍ من الفعل الإلهي الخاص –خصوصاً معجزة تجسُّد المسيح- إلا أنّ الربوبيّين من أمثال مايكال كوري (1994) يعتبرون أنّه يوجد فقط فعلٌ إلهيٌ عام: أي أنّ الله قد وضع قوانينَ الطبيعة وتركها تجري كالساعة من دون تدخُّلٍ إضافيٍّ من قِبله. بالرغم من ذلك، فإنّ مذهب الربوبيّة بعيدٌ جداً عن المادية الأنطولوجيّة التي تُفيدُ بأنّ العالم المادي هو وحده الموجود.

 تأثّرتْ الآراءُ حول الفعل الإلهي بالتطوّرات الفيزيائيّة وتفسيراتها الفلسفية. في القرن السابع عشر، قام الفلاسفة الطبيعيون من أمثال روبرت بويل وجون ويلكينز بتطوير نظرةٍ ميكانيكية إلى العالَم تُفيدُ بأنّ العمليات النظاميّة والقانونية هي التي تحكمه. ولكنّ القوانين الثابتة قد شكّلت صعوباتٍ أمام مفهوم الفعل الإلهي الخاص، إذ كيف يُمكنُ لله أن يتصرّف في عالمٍ محدَّدٍ بالقوانين؟ إحدى أساليب النظر إلى المعجزات والأشكال الأخرى من الفعل الإلهي الخاص هي اعتبارها أفعالاً تُعلّقُ أو تُهملُ القوانين الطبيعية بطريقةٍ ما. على سبيل المثال، عرّف ديفيد هيوم المعجزة كـ«انتهاكٍ لإحدى قوانين الطبيعة بمشيئةٍ محدّدة للإله أو تدخُّل فاعلٍ غير مرئيّ»، وبعده، قام ريتشارد سوينبورن بتعريف المعجزة كـ«انتهاكٍ لقانونٍ طبيعيٍّ من قِبل الإله». عادةً ما يوصف مفهوم الفعل الإلهي على أنّه تدخُّلي، والتدخُّلية تعتبرُ بأنّ العالَم محدَّدٌ سببياً وبالتالي على الله أن يفتح المجال أمام الأفعال الإلهيّة الخاصة. ولكن على النقيض من ذلك، تقتضي أشكال الفعل الإلهي غير التدخليّة أنّ العالَم في إحدى مستوياته هو غير محدَّدٍ سببياً وبالتالي يستطيعُ الله التصرُّف من دون تعليقٍ أو إهمالٍ لقوانين الطبيعة.

 في القرن السابع عشر، أفاد شرحُ آليات الطبيعة على ضوء القوانين الفيزيائية الدقيقة في الدلالة على عبقريّة المصمّم الإلهي. وصل دليل التصميم إلى ذروته خلال القرن السابع عشر وأوائل القرن الثامن عشر، وليس مع إصدار كتاب ويليام بايلي «اللاهوت الطبيعي» (1802) الذي يُعَدُّ صوتاً متأخراً في الجدال حول دليل التصميم. على سبيل المثال، اقترح سامويل كلارك وجودَ برهانٍ استدلاليٍّ منبثقٍ من التصميم وذلك من خلال الرجوع إلى علم نيوتن، ونبّه إلى وجود «الانتظام الرائع لحركات جميع الكواكب من دون أفلاك التدوير، والمحطات، والارتدادات أو أيّ انحرافٍ أو ارتباكٍ على الإطلاق».

 إحدى الاستنتاجات الأخرى التي أشارت إليها الفيزياء الجديدة المستندة إلى القوانين هي أنّه باستطاعة الكون الجريان بيسرٍ من دون الحاجة إلى تدخُّل الإله. يبدو أنّ فهم الكون بطابعٍ حتميٍّ وعلى أنّه محكومٌ من قبل القوانين السببيّة الحتميّة – كما أبرزه لابلاس (1749-1827) مثلاً - لم يترك أيَّ مجالٍ للفعل الإلهي الخاص الذي يُعَدُّ عنصراً رئيسياً في العقيدة المسيحية المتمثّلة بالخلق. اعترض نيوتن على هذه التفاسير في ملحق كتابه Principia في 1713هـ واعتبر أنّه يُمكن شرح حركة الكواكب وفقاً لقوانين الجاذبيّة إلا أنّ مواقع مداراتها ومواقع النجوم التي تبتعد بما فيه الكفاية حيث لا تؤثّر على بعضها من ناحية الجاذبيّة تقتضي تفسيراً إلهياً. احتجّ ألستون (1989) - على خلاف المفكّرين من أمثال بولكينغهورن (1998) - أنّ الفيزياء الميكانيكيّة قبل القرن العشرين تطابقتْ مع الفعل والإرادة الحرّة الإلهية. حينما نفترضُ وجود عالمٍ محتومٍ بشكلٍ تام ووجود العلم الإلهي الكلي، يُمكن أن يقوم الله بوضع الشروط الأوليّة وقوانين الطبيعة بطريقةٍ تُحقّق خططه، وفي هكذا عالمٍ ميكانيكيٍّ يكونُ كلُّ حدثٍ هو فعلٌ إلهيٌّ غير مباشر.

 قامتْ أوجه التقدُّم في الفيزياء في القرن العشرين ـ ومن ضمنها نظريات النسبيّة العامة والخاصة، ونظريّة الفوضى، ونظريّة الكم ـ برفض النظر إلى الخلق كآلية الساعة الميكانيكية. في النصف الأخير من القرن العشرين، تمّ استكشاف نظريّة الفوضى وفيزياء الكم كوسائلٍ ممكنةٍ لإعادة تفسير الفعل الإلهي. اقترح جون بولكينغهورن (1998) بأنّ نظرية الفوضى لا تُقدِّم حدوداً إبستمولوجيةً لما يُمكن أن نعرفه عن العالَم فحسب، بل تُوفِّرُ للعاَم أيضاً «انفتاحاً أنطولوجياً» حيث يُمكن لله أن يتصرّف دون انتهاكٍ لقوانين الطبيعة. تكمنُ إحدى صعوبات هذا النموذج في انتقاله من معرفتنا بالعالم إلى الافتراضات حول ماهيّة العالم: هل تعني نظريّة الفوضى أنّ النتائج غيرُ محدّدةٍ فعلاً أو أنّنا كبشرٍ محدودين لا نستطيع التنبُّؤ بها؟ اقترح روبرت راسل (2006) أنّ الله يتصرّف في الحوادث الكميّة، وهذا يسمح له أن يعمل بشكلٍ مباشرٍ في الطبيعة من دون نقض قوانينها، وبالتالي يكونُ هذا النموذج غير تدخُّليٍّ. بما أنّه لا توجد أسباب طبيعيّةٌ فعّالةٌ على المستوى الكمّي وفقاً لتفسير كوبنهاغن لميكانيكيا الكم، يتمّ اختزال الله في الأسباب الطبيعية، وقد لخّص مورفي (1995) نموذجاً تصاعدياً مماثلاً حيث يتصرّف الله في الفضاء الذي يوفّره عدم التحديد الكمي. لقد لاقت هذه المحاولات لتحديد أفعال الله ضمن ميكانيكيا الكم أو نظرية الفوضى – والتي أطلقتْ عليها ليديا جايغر «الفيزيائية زائد الله» - نقداً شديداً، فمن غير الواضح في النهاية إذا كانتْ تسمح نظرية الكم بحدوث الفعل الإنسانيّ الحرّ فضلاً عن الفعل الإلهي الذي لا نعرف الكثير عنه. إلى جانب هذا، احتجّ ويليام كارول (2008) استناداً إلى الفلسفة التومائيّة على أنّ المفكّرين من أمثال مورفي وبولكينغهورن قد أخطآ على مستوى المقولة، فالله ليس سبباً بنفس الطريقة التي تكونُ فيها المخلوقات أسباباً فيتنافس مع الأسباب الطبيعية، ولا يحتاج الله إلى عدم التحديد لكي يتصرّف في العالم، بل إنّ الله كسببٍ رئيسيٍّ يدعمُ ويضع الأساس للأسباب الثانوية.

 بينما يتوافقُ هذا الحلّ مع مذهب الحتميّة (حيث لا تهم كثيراً التفاصيل الدقيقة للفيزياء وفقاً لهذه النظرة)، إلا أنّه يُشوِّش الفارق بين الفعل الإلهي العام والخاص. علاوةً على ذلك، فإنّ عقيدة التجسيد تُشير إلى أنّ فكرة كون الله ضمن الأسباب الطبيعيّة ليست غريبةً في اللاهوت وأنّ الله يتصرّف أحياناً كسببٍ طبيعي.

 برز جدالٌ حول الدرجة التي تكونُ فيها العشوائيّة ميزةً أصيلةً للخلق وكيف يترابط الفعل الإلهي مع الصدفة. تُشكِّلُ الصدفة والعشوائيّة خصائص مهمّةٍ في نظريّة التطوّر (أي الاستبقاء غير العشوائي للاختلافات العشوائية). في تجربةٍ فكريّةٍ شهيرة، تخيّل غولد أنّه بإمكاننا إرجاع شريط الحياة إلى زمن «طَفل بورغيس» (أي منذ 508 مليون سنة)، ولكنّ فرصة وصولنا إلى أيِّ شيءٍ يُشبه الكائنات الحيّة في زمننا الحالي هي ضئيلةً إلى درجة الانعدام.

 وفقاً للتفسير الإلهي، قد تكونُ العشوائيّة بُعداً ظاهراً فقط للخلق أو ميزةً أصيلة. يُشيرُ بلانتينغا إلى أنّ العشوائية تفسيرٌ فيزيائيٌّ للدليل، وهناك إمكانيّة بأنّ الله قد هدى كلَّ طفرةٍ في عملية التطوُّر. بهذه الطريقة، يكون الله قد هدى مسيرة التاريخ التطوُّري عبر التسبُّب بإحداث الطفرات الصحيحة في الوقت المناسب وبالتالي قام بحفْظ أشكال الحياة التي أفضتْ إلى النتائج التي توخّاها.

 من ناحيةٍ أخرى، يعتبرُ بعضُ المفكّرين أنّ العشوائية هي ميزةٌ أصيلة في التصميم وليست مجرّد مظهرٍ فيزيائيٍّ خادع. يكمنُ التحدّي الذي يُواجههم في تفسير كيفيّة تطابُق العناية الإلهية مع العشوائية الفعليّة (وفق نظرة مذهب الربوبيّة، يُمكن للفرد أن يقول ببساطةٍ بأنّ الله قد أنشأ الكون ولكنّه لم يتدخّل في مجراه ولكنّ هذا الخيار ليس مُتاحاً أمام المؤمنين بالألوهيّة، ومعظم المفكّرين في ميدان العلم والدين هم مؤمنون وليسوا ربوبيين).