البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

إسم البحث : البرهان الوجودي على وجود الله ، تنظير في الإلهيات المقارنة

الباحث : مهدي الحائري اليزدي

اسم المجلة : الاستغراب

العدد : 7

السنة : السنة الثالثة - ربيع 2017 م / 1438 هـ

تاريخ إضافة البحث : May / 9 / 2017

عدد زيارات البحث : 418

حجم ملف البحث : 418.500 KB

 تحميل

يفترض منهج الفلسفة المقارنة المعتمد في هذه الدراسة، مقارنة مباحث الإلهيّات في الفلسفة الغربية بالحكمة الإلهية المشرقية، وبالفلسفة الإسلامية خصوصاً.

يحاول الباحث في هذا الميدان تطبيق الحكمة الغربية على الحكمة الشرقية وطرائق الاستدلال المتداولة بين فلاسفة الدائرتين؛ ليصل بعد المقارنة والتطبيق إلى فهم مدى الانسجام بينهما في المقدّمات والنتائج، ورفع الثنائية المفترضة التي استقرّت في أذهان كثيرين تحت عناوين مختلفة كالحداثة وما قبلها وما بعدها.

لقد سعى الباحث إلى تظهير الأسس النظرية للبرهان الوجودي على وجود اللَّه كما ظهرت في الفلسفتين الإسلامية والغربية. وتحديداً من خلال كتابات المؤسسين حول هذه القضية بالذات.

المحرر


يرى القديس آنسلم أن قضية “الله موجود” هي من القضايا الضرورية الأولى، ولا يحتاج التصديق بها إلى الكثير من الجهد النظري سوى ما يصرف من جهد على فهم طرفي القضية في مقام التصوّر والفهم. يشير ملّا هادي السبزواري في أبحاثه المنطقيّة إلى هذه النقطة فيقول:

“[فالضروريّ الأوّليّ] هو الذي يكفي تصوّر طرفيه وإن كان بالكسب كافياً في الجزم بالنسبة بينهما، ولا يتوقّف فيه أحد، ولا يتأتّى إنكاره إلا لمن لا يتصوّر الحدود؛ كالحكم بأنّ النقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان، وأنّ الكل أعظم من الجزء، وأنّ الأشياء المساوية لشيء واحدٍ بعينه متساوية، وأنّ الضدّين لا يجتمعان في محلٍّ واحدٍ شخصيٍّ ماديٍّ في زمانٍ واحد. وإن كان فيه خفاء فلخفاء الأطراف مثل الممكن محتاج إلى المؤثّر فلعلّه لا يتصوّر الممكن بعنوان شيئية الماهيّة النائية عن الوجود والعدم، وأنّهما مثل كفّتي الميزان المتساويتين، وأنّ المتساويين ما لم يترجّح أحدهما بمنفصل لم يقع”[2].

 وكما يرى آنسلم ويحاول أن يثبت أنّ قضيّة “الله موجودٌ” من الضروريّات الأولى، نجد أنّ ابن سينا نفسه في الإشارات والتنبيهات يؤمن بأنّ قضية “الواحد لا يصدر عنه إلا الواحد” تندرج في عداد هذا الصنف من القضايا، ويلفت النظر تحت عنوان “تنبيه” إلى أنّ هذه القاعدة تقتضي أنّه لو كان ثمّة شيء صدر عنه “أ”، فسوف يكون من هذه الجهة غير العلّة التي تصدر عنها “ب”. وهذا ما يعبّر عنه بقوله: “وإذا كان الواحد يجب عنه شيئان فمن حيثيتين مختلفتي المفهوم مختلفتي الحقيقة، فإما أن يكونا من مقوماته وإمّا من لوازمه وإمّا بالتفريق، فإن فرضتا من لوازمه عاد الطلب جذعاً فتنتهي هي إلى حيثيتين من مقومات العلة مختلفتين إما للماهية وإما لأنه موجود وإما بالتفريق فكل ما يلزم عنه اثنان معا ليس أحدهما بتوسط الآخر فهو منقسم الحقيقة”[3].

ويعقّب الشيخ الطوسي على كلامه هذا بقوله: “يريد بيان أنّ الواحد الحقيقيّ لا يوجب من حيث هو واحد إلا شيئاً واحداً بالعدد وكان هذا الحكم قريباً من الوضوح؛ ولذلك وسم الفصل بالتنبيه، وإنّما كثُرت مدافعة الناس إيّاه لإغفالهم معنى الوحدة الحقيقية”[4]. وعليه هو يرى أنّ فهم الوحدة الحقيقية تفضي إلى ارتفاع الخلاف وحسم مادّة النزاع في الواحد وصدور أكثر من الواحد عنه.

وفي موازاة هذا الكلام في قاعدة “الواحد” نسمع القديس آنسلم يقرّر المعنى نفسه وبالصياغة المنطقيّة نفسها، فيقول:

“الأحمق قد حدّثته نفسه بأنّ اللَّه غير موجود. ولكن لو تأمّل هؤلاء الحمقى معنى كلمة “الله” التي أنكروا وجود معناها عن جهلٍ؛ لأدركوا أنّ هذا الشيء الذي لا شيء أعظم منه يحظى على الأقلّ بالوجود في الذهن. وبنيلهم هذا الإدراك الذهنيّ يكونون قد تحرّروا من سباتهم الأرنبيّ؛ وذلك لأنّ المرحلة الأولى من المعرفة هي المعرفة التصوّريّة ومرحلة شرح الاسم وتصوّر المعنى وإدراكه في الذهن. وهذا المسار هو المسار الإلزاميّ لكلّ المعارف والعلوم، فالرسّام قبل أن يحمل ريشته ويبدأ بالرسم يتصوّر اللوحة التي يريد رسمها ثمّ ينقشها على الورق أو القماش في مرحلة لاحقة. ولا يمكن أن يحصل العكس أي بأن توجد اللوحة الخارجية ثمّ يعرفها تصوّراً؛ لأنّ المفروض عدم وجودها حتّى الآن. ولكن بعد رسم اللوحة وإيجادها يعلم أنّ خلّاقيّته وإبداعه يتّصف بالحقيقة والواقعيّة، وتتطابق المعرفة التصوّريّة مع الوجود الخارجيّ. وبهذه المعرفة الجديدة ينعتق العارف من ربقة الجهالة، ويعرف حقيقة من حقائق الخارج.

وفي محلّ بحثنا أيضاً، حتّى الحمقى والجاهلون والمحرمون من المعرفة الثانية، يمكنهم تحصيل المعرفة الأولى؛ أي المعرفة التصوّريّة بموجود لا يمكن تصوّر موجود أكمل منه ولا أعظم. وإدراك هذا النوع من المعرفة لا يتوقّف سوى على تصوّر معاني الألفاظ ولا يحتاج إلى بذل ا لكثير من الجهد النظريّ. والنقطة اللافتة هنا هي أنّ هذه المعرفة بمجرّد حصولها في الذهن تنتج معرفة بقضيّة جديدة هي أنّ الموجود الموصوف بالصفة المذكورة أعلاه، لا يمكن أن يكون موجوداً في الذهن فقط. لذلك يجب أن يسلّم الأحمق بوجود شيء في الذهن لا نستطيع أن نتصوّر أعظم منه، لأنّه عندما يسمع ذلك يعقله، وكلّ ما يعمله موجود في الذهن. وممّا لا شكّ فيه أنّ ما لا نتصوّر أعظم منه لا يمكن أن يوجد في الذهن فقط؛ لأنّه لو كان موجوداً حقيقة في الذهن فقط لأمكننا أن نظنّ أنّه موجود في الواقع أيضاً، هذا وجود أعظم. وعلى هذا إذا كان الموجود الذي لا نستطيع أن نتصوّر أعظم منه موجوداً في الذهن فقط، يكون هذا الموجود نفسه الذي لا نستطيع أن نتصوّر أعظم منه هو ما نستطيع أن نتصوّر أعظم منه وهذا مستحيل. مما لا شكّ فيه إذاً: أنّ ما لا نستطيع تصوّر ما هو أعظم منه يوجد في الذهن وفي الواقع على حدٍّ سواء. فالله موجود حقّاً حتّى إنّنا لا يمكننا أن نفكّر في أنّه غير موجود؛ إذ إنّنا لا يمكن أن نتصوّر شيئاً لا يمكن تصوّره غير موجود، وهذا أعظم من تصوّر شيء غير موجود، وإذا أمكننا أن نتصوّر ما لا نستطيع أن نتصوّر أعظم منه غير موجود، لا يكون ما لا نستطيع أن نتصوّر أعظم منه ما لا نستطيع أن نتصوّر أعظم منه؛ وهذا تناقضٌ. إذاً ما لا نستطيع أن نتصوّر أعظم منه موجودٌ حقّاً ولا يمكننا تصوّر غير موجودٍ، وهذا الموجود هو أنت يا ربّي.”[5]

ومن الواضح أنّ المراد من الأعظم والأكمل في هذا الاستدلال ونظائره المعنى غير الجسمانيّ؛ بل المراد هو العظمة والعلوّ المعنويّ كعلوّ العلّة بالقياس إلى المعلول.

والسؤال الذي يواجه برهان آنسلم هو: لماذا ينبغي تعريف اللَّه بهذه الطريقة التي ترتّب التصديق بالوجود الواقعيّ على التصوّر. وبعبارة أخرى: لماذا يجب أن يكون اللَّه حقيقة لا يمكن تصوّر ما هو أعظم منها؟

وثمّة محاولات عدّة بذلها فلاسفة ومفكّرون كثيرون، وبعضهم استند إلى الميول الفطريّة الطبيعيّة الموجودة في الإنسان؛ لتنظيم جواب منطقيٍّ. ومن هذه الميول الميل الفطريّ الذي يتجلّى في النفس الإنسانيّة في صورة احترامٍ متعلّقه موجودٌ كامل يستحقّ العبادة والتسليم المطلق له. وإذا قيل إنّ الوثنيّين يوجّهون عبادتهم إلى أوثانهم التي يؤمنون أنّه لا يمكن تصوّر ما هو أعظم منها. يُقال في الردّ عليهم إنّ الأوثان عند عابديها ما هي إلّا رموز وتجسيدات للموجود الأعظم المشار إليه ولا يعبدونها بما هي في نفسها. وهم لا يختلفون عن الآخرين في اعتقادهم بوجود شيء لا شيء أعظم منه هو الخالق وهو الذي يستحق للعبادة.

ومهما يكن من أمرٍ وعلى الرغم من إعجاب عدد كبيرٍ من الفلاسفة الغربيّين بهذا الكلام الآنف الذكر، فإنّنا نرى أنّ ما أبدعته الفلسفة الإسلامية، يغنينا عن اللجوء إلى الغريزة، ويوفّر علينا إثارة الإشكال المذكور وتجشّم عناء الردّ عليه.

لا بدّ عند محاولة التعريف وتقديم تصوّر ذهنيٍّ عن اللَّه تعالى، من أن تكون هذه الصورة الذهنية مختلفة عن سائر المفاهيم الإمكانيّة. فلو أنّنا شرحنا ما نفهمه من كلمة اللَّه بالجوهر والعرض وما شابه من مفاهيم عالم الإمكان فسوف نخرج عن دائرة البحث، ولن نستطيع الوصول إلى التصديق بوجوده عن طريق تصوّره. وهذا هو ما يسمّى في مصطلح المناطقة بالخلف أو التناقض في المفهوم. أضف إلى هذا أنّ المفهوم هو الصورة الذهنيّة التي تأتي إلى الذهن من المصداق سواء كان هذا المصداق فرضيّاً أو حقيقيّاً. وبناء عليه، إذا انتزعنا مفهوم الباري تعالى، من مصداق يمكن تصوّر ما هو أعظم منه، فعندها لن يكون مفهوم الباري وعلّة العلل والمبدأ الأوّل وغاية الغايات وبسيط الحقيقة، وهذا يشبه ما يُقال في افتراض علّة لواجب الوجود، فعندها لن يبقى واجباً، وهذا خلفٌ وتناقضٌ في المفهوم أيضاً.

صرف الوجود

أهمّ من التوجيهات والتحليلات المتقدّمة كلّها، هذه الحقيقة العلمية التي هي الحقّ تعالى منزّهٌ عن التركيب من الوجود والماهيّة، الأمر الموجود في جميع الماهيّات الممكنة، كما هو منزّهٌ عن أيّ شكلٍ من أشكال التركيب الأخرى. وبالتالي وجوده الواقعيّ هو عين حقيقته وماهيّته التي سوف يدركها العقل. ومن هنا، كان وجوده الواقعيّ أرقى وأكمل من وجود سائر الممكنات؛ وذلك لأنّه بسيط ومستغنٍ عن أيّ وجود يتعلّق بالموجودات الممكنة. ووجوده الذهنيّ كذلك يتّصف بما يتّصف به وجوده الحقيقيّ من كونه أعظم وأكمل من أيّ موجود آخر؛ بحيث لا يمكن تصوّر ما هو أعظم منه ولا أكمل. وعليه إذا أردنا تعريفه ولو على نحو شرح الاسم، فلا بدّ من أن نفترض أنّه صرف حقيقة الكمال ومحض الوجود، فمن الطبيعيّ يكون كماله ووجوده بحدٍّ لا يمكن تصوّر ما هو أعظم منه؛ وذلك لأنّ أيّ كمالٍ يُفرض لأيّ موجود آخر فهو يرجع إلى صرف وجوده وبساطة حقيقيته ولن يكون خارجاً عنها. ومن المعلوم أنّه لا محلّ للكثرة في صرف الوجود فضلاً عن أن يكون ثمّة ما هو أعظم وأكمل.

وأما الجواب عن سؤال: لماذا يعرّف اللَّه بأنّه صرف حقيقة الوجود والكمال؟ فهو أنّه إذا افترضنا أنّه موجودٌ مقيّدٌ ومحاطٌ وخاصّ. فسوف نكون مجبرين على نسبة الإمكان وسائر خصائصه وعوارضه إليه، وفي هذه الحالة نكون قد خرجنا عن دائرة البحث حيث إنّ بحثنا عن واجب الوجود ومبدإ الخلق. وحتّى الطرف المقابل الذي ينكر وجود الله، هو ينكر وجود شيء آخر وهو يسمّيه بهذا الاسم اشتباهاً. والأمر عينه يُقال عن اللاأدريّ والمشكّك الذي لا يرى إمكان الإثبات ولا النفي.

1- بعد قرنين من عصر آنسلم ظهر القدّيس توما الأكويني Thomas Aquinas وهو من مشاهير الفلاسفة الذين ما زالت آراؤهم وأفكارهم قيد التداول عبر العالم وخاصّة في الغرب المسيحيّ. وقد عمل الأكويني على نقد برهان آنسلم الوجوديّ، وراعى في نقده إيّاه حدود الأدب والاحترام مع سلفه صاحب البرهان. وطرح بديلاً عنه برهاناً يعترف بعدم سلامته من الإشكال. ولمّا كانت رحى بحثنا في هذه الدراسة تدور حول البرهان الوجوديّ، فإنّنا لن نعرض لبرهان الأكوينيّ، ولذلك سوف نكتفي بحصر الاهتمام بانتقادات الأكوينيّ التي وجّهها إلى البرهان الوجوديّ، ونتابع البحث وفق منهجنا المقارن لنعرض هذه الانتقادات على الفلسفة الشرقيّة، وهدفنا في نهاية المطاف الحكم على هذا البرهان أو له.

يفتتح الأكوينيّ كلامه في نقد البرهان بالحديث عن البديهيّات الأوّلية في المنطق ويقسّمها إلى قسمين:

القسم الأوّل هو البديهيّات التي هي في حدّ ذاتها بديهيّة وهي ضروريّة الثبوت في الواقع؛ حتى لو غفلنا عن كونها ضروريّة. القسم الثاني هو القضايا الأوّلية التي ليست ضروريّة وثابتةً في الواقع فحسب، بل واضحة البداهة عند الناس جميعاً. ومعاني الألفاظ والكلمات التي تُستخدم في القضايا الأوّليّة التي هي تُعدّ مبادئ للاستدلال لا تخفى على أحد، وهي كلماتٌ يعرف معانيها كلّ من يسمعها، ومن هذه الكلمات الوجود والعدم، والكلّ والجزء وما شابه. ومن نتائج هذا الوضوح نرى أنّ كلّ من يسمع قضيّة مثل قضية “الكلّ أعظم من الجزء” يصدّق بها ويوافق عليها. ولكنّ هذه الصفات لا تتوفّر في البديهيّات كلّها. وذلك أنّ بعض القضايا لا تتّضح بداهتها إلا للعلماء وأهل الاختصاص، مثلاً قضية عدم إمكان وجود الجوهر المجرّد في الزمان والمكان هي قضية ضروريّة عند الفلاسفة، ولكن كيف يمكن لمن لا يعرف هذه المصطلحات الفلسفية الحكم بضرورة صدق هذه القضيّة والتصديق باستحالة وجود الجوهر المجرّد في الزمان والمكان. وبناء على هذا التقسيم للقضايا إلى قسمين ينبغي القول في ما يرتبط بقضية “الله موجودٌ” على الرغم من أنّ هذه القضية ضروريّة بحسب الواقع؛ وخاصّة بالنظر إلى أنّ وجود اللَّه عين ماهيّته، وعلى ضوء هذه النقطة الأخيرة يتّضح أنّ هذه القضية في حدّ ذاتها تتّصف بالضرورة الواقعيّة. ولمّا كنّا عاجزين عن إدراك كنه الوجود الإلهيّ فإنّنا سوف نعجز عن إدراك ضروريّة القضية التي تتضمّن الحكم بوجوده؛ ولأجل هذا لا ندرك بداهة القضية كما هي في واقعها.

والمشكلة الأخرى في هذه القضية بحسب الأكويني أنّ هذا البرهان يفترض قدرتنا على إدراك حقيقة اللَّه قبل إدراك وجوده. والحال أنّه يستحيل علينا أن ندرك كنه اللَّه وحقيقته قبل إدراك وجوده، مع ما عليه هذه الحقيقة من عظمة عبّر عنها البرهان بأنّها حقيقة لا يمكن تصوّر ما هو أعظم منها. والترتيب المنطقيّ يقتضي توقّف العلم بالحقيقة على معرفة الوجود. أمّا دليل آنسلم فيدعونا إلى إدراك حقيقة اللَّه قبل إدراك وجوده. وهذه مغالطة لا يحسن الوقوع فيها.

البحث في انتقادات الأكويني

إنّ البحث عن هذه الانتقادات ومدى ما تحظى به من قيمة علميّة وتأثير في الفكر الفلسفيّ الغربيّ أمرٌ يقع خارج دائرة اهتمام هذه الدراسة. ولا شيء ممّا تقدّم يمكن قبوله والموافقة عليه بحسب ضوابط الفلسفة الإسلاميّة، وقواعدها المنطقيّة.

فتقسيم أوليّات المنطق إلى القسمين المذكورين أعلاه؛ وذلك أنّه حتّى لو كان هذا التقسيم صحيحاً فهو لا صلة له بالقضايا والتصديقات؛ بل هو على صلة بالتصوّرات والضرورات المنطقيّة كلّها تُصنّف في خانة القضايا التي تتضمّن حكماً وتصديقاً، لا في خانة التصوّرات.

أمّا المفاهيم التصوّريّة فإنّ معرفتها وشهرتها تتناسب طرداً مع عموميّتها وشمولها فالمفهوم الأكثر عموماً والأوسع دائرة هو الأكثر وضوحاً وإمكانَ معرفةٍ، وبناء على هذه الرؤية يكون مفهوم الوجود من أوضح المفاهيم لأنّه المفهوم الأكثر سعة.

12 - يرى ابن سينا أنّ مفهوم الوجود لا يقبل التعريف الحديّ وذلك لأنّ التعريف بالحدّ التامّ يحصل بالجنس والنوع والوجود بالنظر إلى عمومه لا جنس له ولا نوع فلا يمكن تعريفه. والأمر الثاني الذي يحول دون تعريف الوجود عنده أنّهم يشترطون في المعرِّف أن يكون أجلى وأوضح من المعرَّف والوجود لا شيء أعرف منه ولا أوضح.

والمفاهيم التصوريّة كل وجزء أيضاً تتّصف بأنّها معروفة للجميع بالنظر إلى عموميّتها وشمولها. ولكنّ هذه المعرفة المفهوميّة والتصوّريّة تختلف تماماً عن المعرفة التصديقية الموجود في قضية «الكلّ أعظم من الجزء». وكما أنّ هاتين المعرفتين تختلفان بالذات، تختلفان كذلك في الأحكام والخصائص، ولا بدّ من التمييز بينهما. وبناء على هذا يتّضح مركز الخطإ في كلام الأكوينيّ؛ وذلك لأنّ تقسيمه هذا خاصٌّ بالمعرفة التي متعلّقها التصوّرات، ولا ربط لها بالضرورات المنطقيّة. وهنا نطرح السؤال الآتي: أليس من الإنصاف الحكم على نسبة أحكام التصوّرات إلى القضايا والتصديقات بأنّها مغالطةٌ؟ والبحث عن هذه المغالطة ومدى تورّط الفلسفة الغربية بها أمرٌ يقع على عاتق تاريخ الفلسفة. وأما في الفلسفة الإسلامية فكما نقلنا عن لسان نصير الدين الطوسي والحكيم السبزواري، لا تنقسم الأوّليّات إلى أقسام وإنما هي مجموعة واحدة، وهذه المجموعة الواحدة تتميّز بكفاية التصوّرات الثلاثة للجزم بمضمونها والتصديق بها، ونعني بالتصوّرات الثلاثة تصوّر الموضوع والمحمول والنسبة الحكمية. ولا ربط لسعة هذه التصوّرات وضيقها ولا لشهرتها وقلّة اشتهارها بولادة قسمٍ جديدٍ من أقسام الأوّليّات على نحو ما نقلنا عن الأكوينيّ. وعلى أيّ حال إنّ المقدار المسلّم هو عدم جواز الخلط بين أحكام التصوّرات وخصائصها وبين أحكام التصديقات والقضايا التامّة، بحيث ينجم عن تقسيم التصوّرات انقسام القضايا إلى أقسام تبعاً لها.

 ولعلّ من الممكن القبول بالتقسيم المشار إليه آنفاً للقضايا البديهيّة إلى قسمين، إذا وافقنا الإمام الفخر الرازيّ على رؤيته في تفسير التصديق، وقبلنا أنّ التصديق هو تركيبٌ من التصوّرات ينضمّ إليها حكم، وليس شيئاً أكثر من هذا. وفي هذه الحالة سوف يتبع التصديق التصوّرات في الانقسام، ولمّا كانت التصوّرات عند الأكوينيّ قسمين، فلا بدّ من أن تنقسم التصديقات تبعاً لها إلى هذين القسمين أيضاً. هذا لكن هذه النظريّة في تفسير التصديق غير مقبولة في الفلسفة ولا أحد من أهل الفنّ يوافق الرازيَ فيها، بحيث يكون التصديق تركيباً من تصوّرات عدّة. ومن الذين علّقوا على هذا التفسير الحكيم السبزواري حيث يقول: «ومن يركبه فيركب الشطط».

وفي السياق نفسه ينتقد صاحب نقد المحصّل الرازي على جعله ميزان البداهة والضرورة في التصديقات غير الاكتسابيّة، عدم اكتسابية التصوّرات وبداهتها، ويقول في ردّه:

“...أقول: خالف المصنّف سائر الحكماء في التصديق، فإنّه عنده إدراكٌ مع الحكم، كما أنّ التصوّر إدراكٌ لا مع الحكم، وعندهم أنّ التصديق هو الحكم وحده، من غير أن يدخل التصوّر في مفهومه دخول الجزء في الكلّ... أقول: قول الرازي: كلّ تصوّر يتوقّف عليه تصديق غير مكتسبٍ فهو غير مكتسبٍ؛ إنّما يصحّ على مذهبه، وهو أنّ التصديق عبارة عن التصوّرات مع الحكم. ولا يصحّ على قول من يقول إنّه هو الحكم وحده، فإنّ كثيراً من التصديقات البديهيّة، أعنى الأحكام المجرّدة عن التصوّرات، تتوقّف على تصوّرات غير بديهيّة، كقولنا: “كلّ عدد إمّا أوّلٌ أو مركّب..”[6]

والاعتراض الثاني من اعتراضات الأكويني على البرهان الوجوديّ، لا يحظى أيضاً بالإتقان الفلسفيّ. على الرغم من سعيه لتصوير هذا الاعتراض بطريقة منطقية وعقلانيّة. وهو يقدّم مقدمة في توضيح اعتراضه على البرهان الوجوديّ، فيقول:

ما يقتضيه منطق العقل ويعلّمنا إيّاه هو أن لا ندّعي المعرفة بحقيقة اللَّه في المراحل الأولى من مسيرة التعرّف إليه. والمسار الطبيعيّ المنطقي يقتضي أن نعرف وجود اللَّه أوّلاً، ولكن ليس بمعرفة وجوده بل بمعرفة وجود الأشياء التي تنكشف لنا بشكلٍ مباشر. ثم في المرحلة اللاحقة من مسيرتنا الروحانيّة نبدأ بالتعرّف إلى صفاته بالتدرّج. ولا يخفى أنّ هذه المعرفة مقيّدةٌ بقدراتنا الذاتية، ومحدودة بحدودها.[7]

وفي مقام الردّ على هذا الموقف التوماوي نقول إن الأكويني خلط بين ما الشارحة وما الحقيقية، ونسب الخصائص والأمور التي ينبغي أن تُنسب إلى ما الحقيقية إلى ما الشارحة. وهذا خطأ علميٌّ لا يقبل في منطق العلماء والفلاسفة. ولا يليق بمقام توما الأكوينيّ على ما له من المقام والشهرة التي ملأت الآفاق، أن يتجاهل قواعد المنطق الأوّلية وخاصّة حين يكون بصدد الترتيب المنطقيّ لأفكاره ونظراته إلى الموضوع الذي كان يدور حوله بحثه. وسبب هذه المغالطة البيّنة التشابه بين السؤالين في أداة الاستفهام “ما” التي تُستخدم مرةً في السؤال عن شرح الاسم، وثانيةً في السؤال عن التعريف الحقيقيّ، وهو ما يسمّيه المناطقة بـ”ما الشارحة” و”ما الحقيقيّة”. ولا يخفى أنّ الفرق بين السؤالين عميقٌ ودقيقٌ. وقد التفت كل من اشتغل بعلم المنطق إلى هذا التفاوت بين السؤالين وممّن ميّز بينهما ابن سينا، في عدد من الموارد ومن ذلك في كتابه “دانشنامه علائي”، حيث يبيّن أنّ ما الشارحة هي السؤال الأوّل، وما الحقيقية هي السؤال عن جوهر الشيء، على الرغم من أنّ السؤالين يُفتتحان بـ”ما هو”.

وفوق ما تقدّم كلّه ينبغي أن يُعلم أنّ الحقائق البسيطة ومنها حضرة الحقّ تعالى، لا محلّ فيها حتّى للسؤال على مستوى شرح الاسم، ولا يمكن تصوّر مطلب ما الشارحة في حقّها، فضلاً عن مطلب ما الحقيقيّة التي يُسأل بها عن الجوهر. وذلك أنّ ما يُطمح إليه في محاولة فهم هذه الحقائق هو شرح اللفظ وهو أمرٌ لا يُحتاج معه إلى مثل هذه الأسئلة المنطقيّة. والجواب عن السؤال بـ”ما هو” على مستوى اللفظ لا يقتضي أكثر من تبديل الكلمة غير المفهومة بكلمة أكثر وضوحاً منها. وهذا ما تؤدّيه المعاجم اللغوية واحدة اللغة أو متعدّدتها، وليس من نتائج هذه العمليّة ولا من اهتماماتها التعرّف إلى ماهيّات الأشياء. بينما شرح الاسم يتضمّن التعرّف إلى الماهيّة وفي بعض الحالات بشكلٍ كامل، والفرق الأساس بين مطلب ما الشارحة وقرينتها أي ما الحقيقية هو في أنّ الأولى يمكن تصوّرها مع عدم العلم بوجود الشيء المسؤول عنه، وأمّا الحقيقية فلا تتصوّر إلى بعد العلم بالوجود فما لا وجود له لا حقيقة له حتّى يُسأل عنها. ومن هنا، يُقال إنّ الماهية التي لا وجود لها لا يمكن تسميتها بالحقيقة ولا ما السائلة عنها بالحقيقية[8]، ولأجل هذا عدّوا السؤال عنها سؤالاً عن شرح الاسم فحسب. وشرح الاسم هذا يتحوّل تلقائيّاً إلى تعريف حقيقيّ بعد معرفة وجود الشيء، ويتبدّل من تعريف ماهويٍّ إلى تعريفٍ حقيقيّ. بينما شرح اللفظ لا يمكن أن يتحوّل إلى تعريف حقيقيٍّ ولا يصلح ليكون جواباً عن السؤال عن جوهر الشيء.

والألفاظ التي نستخدمها في وصف اللَّه تعالى وتعريفه، لا تعدو كونها تعريفات لفظيّة لأنّها استخدام لفظٍ محلّ لفظٍ، ولا يمكن أن تتحوّل إلى تعريفات حقيقيّة. والسبب هو أنّ الشيء البسيط لا يمكن تجزئته إلى تُستخدم في حدّه تعريفه، وما لا يمكن إدراك ماهيّته بالتحليل والتجزئة لا يمكن شرح اسمه ولا شرح حقيقته. والقدر المسلّم هو أنّنا بعد معرفتنا اللفظية به يمكننا البحث في وجود معنى هذا اللفظ الذي فهمناه أو عدم وجوده. وعليه إذا لم نستطع معرفة اللَّه من أيّ جهة من الجهات، لا يمكننا تصوّره بواسطة بعض العالم، وعليه فإنّ اعتراض الأكوينيّ ليس وارداً.

ولو أنّ أحداً أنكر هذا الأمر البيّن، ورفض إمكان تصوّر اللَّه حتّى على مستوى شرح اللفظ، فيجب عندها أن يَلفت نظره إلى أنّ إنكاره هذا يولد منه عدم الإنكار، وبعبارة أخرى: يلازمه الاعتراف بأنّ هذا الشيء الذي أنكره فهمه وأنكر إمكان تصوّره على مستوى اللفظ وشرحه، قد تحقّقت له صورةٌ ما في الذهن، وفي هذه الحالة لا بدّ من الاعتراف بأنّ تحقّق صورة ذهنيّة ما عن الوجود الإلهيّ في الذهن ليس أمراً مستحيلاً.

وعلى ضوء هذه النقطة التي لا يمكن إنكارها، نجد أنّ القدّيس آنسلم في برهانه لم يتجاوز حدود شرح اللفظ، ووجّه الجدال مع من وصفه بالأحمق الذي لا يسعه أن يتجاهل الصورة التي تتشكّل في ذهنه عند سماع كلمة اللَّه أو سماع شرح معنى هذا اللفظ، بغضّ النظر عن الجهة التي يسمع منها، حتّى لو سمع الكلمات الآتية من وراء جدار لا يعرف قائلها، أو قرأ هذه الكلمات مصادفة في معجمٍ لغويٍّ، وهذه الكلمات هي: “الله هو الشيء الذي لا يمكن تصوّر شيءٍ أعظم منه”، وضرورة الفهم والتصوّر هذه ناتجةٌ من العلاقة الوثيقة بين الألفاظ ومعانيها، فلا يسع من يفهم اللغة أن يسمع الكلمات ولا يسمح لمعانيها بالحضور إلى ذهنه.

وبوحيٍ من هذه الصراحة، وبناء على هذا التفصيل، لا يبقى مجالٌ للشكّ في أنّ القدّيس آنسلم أو غيره من الفلاسفة الذي استخدموا البرهان الوجوديّ، لم يكن يريد أيٌّ منهم التوصّل إلى إثبات وجود اللَّه عن طريق معرفته الحقيقيّة، حتّى يُعترض عليهم بأنّ القواعد المنطقيّة تقتضي معرفة الوجود أوّلاً قبل معرفة الحقيقة، كما نقلنا عن الأكوينيّ آنفاً. بل ما يريده آنسلم ونظراؤه هو الانطلاق من شرح اللفظ الذي هو أوّل التصوّرات بداهةً للوصول إلى التصديق الأوّلي بالوجود.

وهنا لا بدّ من الابتعاد عن التعصّب، وإنصاف آنسلم والاعتراف له بأنّ النقاط التي ارتكز عليها برهانه الوجوديّ بريئة من الاتّهام بمخالفة قواعد المنطق؛ وذلك لأنّه لو افتُتح الكلام بالبحث عن شرح الاسم لا عن شرح اللفظ لصحّ الاعتراض الذي أشرنا إليه، وهو أنّ الحديث عن شرح الاسم يتوقّف على معرفة الحدّ الحقيقيّ ومن المعلوم أنّ اللَّه عزّ وجلّ لا حدّ ولا رسم. وإذا لم يكن له حدٌّ ولا رسمٌ فلا محلّ للبحث عن شرح الاسم بالنسبة إليه.

ويمكن تعريض كلام ابن سينا لهذا المحكّ المنطقيّ، وذلك لاعتقاده بأنّ “تعريفات الوجود كلّها من باب شرح الاسم”، وهذا الكلام في رأينا زللٌ منطقيٌّ كبيرٌ، لا ينسجم مع موقع ابن سينا في عالم المنطق وعلمه، ولا بدّ من التسجيل لآنسلم أنّه لم يتورّط في ما تورّط فيه ابن سينا قبله.

وإذا تجاوزنا هذا البحث وانتقلنا إلى فرضيّة أنّ البرهان الوجوديّ يريد أن يعرّفنا إلى وجود اللَّه عن طريق معرفة ماهيّته. فبحسب هذا الفرض أيضاً لا يرد الاعتراض عليه بمخالفة الترتيب المنطقيّ لعملية التفكير؛ وذلك لأنّ شرح الماهيّة هو السؤال الأوّل المتقدّم على معرفة الوجود والمتقدّم على التعريف الحقيقيّ أيضاً، وهذا التقدّم هو تقدّم منطقيٌّ. ولا يصحّ القول إنّنا ننتقل من معرفة الحقيقة إلى معرفة الوجود؛ بل إنّنا ننتقل من السؤال الأوّل إلى السؤال عن الوجود. ومهما يكن من أمرٍ نحن نرى أنّ الاعتراض التوماويّ غير واردٍ على الدليل الوجوديّ الذي طرحه آنسلم.

 لعلّ الالتفات إلى المغالطة المتضمّنة في اعتراضات الأكوينيّ هو الذي دعا رينيه ديكارت إلى حرف البرهان الوجوديّ عن مجراه الحقيقيّ، وليعيد صياغة البرهان وفق ما يراه أكثر دقّة وإتقاناً. وقد لفت التفسير الديكارتي للبرهان الوجوديّ علماء أوروبا وفلاسفتها. ولكنّ الواقع من وجهة نظرنا وفي الفلسفة المقارنة، فإنّ هذا التفسير لم يضفِ على البرهان مزيداً من الإحكام وحسب بل بدّل صورته الحقيقية والمنطقيّة، هذا إن لم نقل إنّه فرّغه من مضمونه ووزنه الفلسفيّ، وألقاه على قارعة النقد الفلسفيّ والجدل العلميّ.

وعلى الرغم من الرغبة في اختصار الكلام، والميل إلى تجنّب البحث في موقف كلّ فيلسوف أو مدّعي فلسفة من البرهان الوجوديّ، فإنّ بحثنا في تقريرات هذا البرهان في القرون الأخيرة يكشف لنا عن أنّ أكثر الانتقادات التي وُجِّهت إلى هذا البرهان تستند إلى النسخة الديكارتيّة منه. ولأجل هذا لا نجد مناصاً من التعرّض لصياغة ديكارت للبرهان الوجوديّ ولو على نحو الاختصار، على أن نستند في نقلنا إلى المراجع الغربية والمصادر الأصلية ليستنّى لنا على ضوء ذلك عرض آخر الانتقادات التي أوردها علماء الفن.

دليل الوجود في فلسفة ديكارت

يقول رينيه ديكارت في تأمّلاته:

لأنّنا اعتدنا دائماً في تعاملنا مع الأشياء والموجودات العاديّة، الفصل بين الوجود والماهيّة والتفكيك بينهما، ولأجل هذا نؤمن بأنّ الماهيّة في حدّ نفسها لا تقتضي الوجود، وقد سرّينا عادتنا هذه إلى الحقّ تعالى، وحسبنا أنّه يمكن التفكيك بين وجوده وماهيّته، وهو في هذا يشبه سائر الممكنات العاديّة التي يمكن تعقّل ماهيّتها مجرّدةً عن الوجود. ولكن بعد التدقيق والتعمّق في ماهيّة اللَّه ينكشف لنا أنّ وجوده لا ينفصل عن ماهيّته ليس في العقل في عالم الواقع حتّى في العقل أيضاً. وإذا كان الوجود عارضاً على سائر الأشياء وفي النتيجة يمكن التفكيك بين العارض والمعروض، فإنّ ماهيّة اللَّه وجودها من لوازمها التي لا تقبل الانفكاك عنها. فكما أنّ ماهية المثلث لا تقبل الانفكاك عن مساواة مجموع زواياه للزاويتين القائمتين، وكما لا يمكن التفكيك بين الوادي والجبل، فكذلك وعلى الأساس نفسه ووفق المعيار ذاته، لا يجوز افتراض الكمال عارضاً على اللَّه تعالى وأمراً اتفاقيّاً له، وإنكار اللزوم وضرورة التلازم بين الوجود والماهيّة. وإذا أمكن إنكار التلازم بين الوادي والجبل، عندها يمكن إنكار التلازم بين ماهية اللَّه ووجوده. ولما كان إنكار هذا التلازم العقلي مساوياً لعدم التصوّر الصحيح للجبل والوادي، كان إنكار التلازم بين وجود اللَّه وماهيّته، دليلٌ على عدم تصوّر ماهيته بشكلٍ دقيق، وهذا الإنكار في الموردين دليل على التناقض الواضح[9].

دراسة منهج ديكارت

قبل الاشتغال بانتقادات الأوروبيّين في القرون الأخيرة، نعرض لبعض الاعتراضات الأساسية التي يمكن توجيهها إلى ديكارت من ناحية انطباقها مع أصول الفلسفة الشرقيّة. وعلى الرغم من كثرة هذه الاعتراضات، فإنّنا لن نعدو رؤوسها ومهمّاتها. والفلسفة الشرقية يمكن أن تعترض على ديكارت بالآتي:

 إذا كان وجود اللَّه ملازماً لماهيّته، كما يقول ديكارت، على نحو التلازم بين المثلث ومساواة زواياه لزاويتين قائمتين، فسوف تكون بالقضية التي تتّصف القضية التي يُنسب الوجود فيها إلى اللَّه قضيّة ضروريّة ذاتيّة. وسوف يخرج الوجود الإلهيّ عن الضرورة الأزلية إلى الضرورة الذاتيّة. وفي هذا النوع من القضايا لا يكون الوجود ملحوظاً بما هو وجود. ولهذا يُفترض موضوع القضية عارياً من الوجود والعدم، والشيء الذي يكون مجرّداً عن الوجود والعدم لن يكون واجب الوجود أي الله، حتّى لو كان الوجود من لوازم ذاته.

إذا كان الوجود من لوازم الماهيّة، فتأثير الماهية الملزوم الذي هو في حدّ ذاته عارٍ من الوجود، في الوجود سوف يكون محالاً. تبعاً لقاعدة “الشيء ما لم يوجَد لم يوجِد”.

حتى لو كان الوجود لازماً وضروريّاً لذاته، ففي الوقت نفسه هو صفة زائدة على ملزومه، بمعنى أنّ ثبوت هذا اللازم لملزومه بحكم قاعدة الفرعية، متفرّعٌ على ثبوت الملزوم. والحال أنّ الوجود لا فرع وجود الماهيّة أبداً سواء كانت هذه الماهيّة ممكنة أم واجبة. وبعبارة أهل الفنّ: الوجود هو مصدر ومنشأ ثبوت الماهيّة، وليس ثبوت شيء آخر للماهيّة. وبعبارة أخرى: ثبوت الشيء وليس ثبوت شيء لشيء.

وبناء على هذه الأصول المسلّمة في فلسفتنا لا يمكننا موافقة ديكارت في اعتقاده بأنّ قضية “الله موجود” يمكن أن تُصنّف في دائرة القضايا الضرورية الذاتية وفي مستوى “مجموع زوايا المثلث تساوي زاويتين قائمتين”، أو قضية التلازم بين الوادي والجبل.

ولا شيء من هذه الإيرادات يصل إلى منهج آنسلم في برهانه الوجوديّ. وذلك لأنّه لا يفترض أنّ اللَّه ماهيّة في حدّ ذاتها مجرّدة عن الوجود، كما لا يفترض أنّ الوجود من لوازم ماهيّته، وفوق ذلك كلّه لا يرى بأنّ ضرورة الوجود لله على نحو الضرورات الرياضيّة الذاتية. وهو يتّفق في هذا الأمر مع فلسفتنا التي تقرّ أنّ ضرورة الوجود لله هي ضرورة أزليّة.

رأي كانط في الدليل الوجوديّ

يعدّ إيمانويل كانط 1724-1804 هو أشهر الفلاسفة الذين انتقدوا البرهان الوجوديّ وأعمقهم تأثيراً. وتشكيكات كانط أكثرها مبنيّة على نظريّته التي اختارها وتبنّاها كأصل موضوعيٍّ يبني عليه فلسفته أو على الأقل رؤيته في هذا الموضوع[10].

وهذا الأصل المشار إليه هو اعتقاد كانط بأنّ الوجود لا يجوز أن يكون محمولاً حقيقيّاً يحمل على الموضوعات في القضايا الحملية. وعلى أساس هذا الشعار الفلسفيّ يشرع كانط في بحثه فيقول[11]:

“في القضايا الحملية التي يكون الحمل والاتّحاد بين موضوعها ومحمولها مفهوميّاً وأوّليّاً، إذا افترضنا إثبات موضوع القضيّة، وافترضنا سلب محمولها أو إنكاره، سوف نقع في التناقض، ولمّا كان هذا التناقض صريحاً فمن الضروريّ الاعتراف بالاتّحاد بين الموضوع والمحمول، ورفض احتمال التفكيك بينهما. ولكن لا مانع بدل التفكيك بين الموضوع والمحمول والاعتراف بثبوت أحدهما وانتفاء الآخر، أن ننكر وجود الأمرين معاً، وعندها لا محلّ للتناقض؛ وذلك لأنّنا لم نثبت شيئاً ليناقض الأمر الآخر الذي نفيناه. مثلاً: إذا افترضنا وجود المثلّث فمن التناقض إنكار وجود زواياه، ولكن إذا أنكرنا وجود المثلّث من أساسه وزواياه فليس ثمّة تناقضٌ.

والأمر عينه يقال على مفهوم الباري تعالى ومحمولاته الحقيقية وليس الوجود التي هي لوازم ماهيّاته. وهكذا إذا أنكرنا الموضوع والمحمول من الأساس لا نقع في التناقض. فالتناقض يقع عندما نثبت أحد أطراف القضيّة وننكر الآخر. فقضايا من قبيل: “الله كمال مطلقٌ” و”الله قدرة مطلقة” و”الله علمٌ مطلق”، هي قضايا ضروريّة ذاتيّة، بمعنى أنّنا إذا اعترفنا بوجود اللَّه فلا بد من الاعتراف بثبوت هذه الصفات والمحمولات له. ولكن إذا أنكر منكرٌ وجود الموضوع فلا ضرورة تقتضي ثبوت هذه المحمولات والصفات له، ولن يقع هذا المنكر في التناقض، بل سوف تنتفي جميعاً بانتفاء موضوعها. أمّا الوجود فهو ليس محمولاً حقيقيّاً له ولا لأيّ شيء من ماهيّاته، ولا ينبغي عدّه من لوازم الماهيّة. والنقطة الأساس هنا، أنّ الوجود عُدّ في البرهان الوجوديّ من لوازم الماهيّة ومن محمولاته الحقيقيّة، ونريد من خلال هذا البرهان إثبات الضرورة بين الماهيّة ولازمها، والحال أنّه لا يمكن أن يكون الوجود من اللوازم والمحمولات الحقيقية للماهية. وإذا فُرض أنّه من اللوازم فيمكن آنئذٍ إنكار الموضوع والمحمول من الأساس، ولن يترتّب أيّ تناقضٍ على هذا الإنكار”[12].

ويُتابع كانط انتقاداته المغيِّرة، ويؤسّس قاعدة منطقيّة، كما لو كان أحد الفلاسفة المسلمين، ويقول إنّ جميع الضرورات الذاتيّة التي تؤخذ كشواهد في البرهان الوجوديّ هي ضروريّات لها تعلّقٌ بالقضايا، وهي من الكيفيّات النسبيّة المفترضة بين الموضوع والمحمول، وهذه الضرورات لا تتعلّق بأيّ وجهٍ بالأشياء ووجوداتها الواقعيّة الخارجيّة. ومن الواضح أنّ ثمّة فرقاً كبيراً في كلّ الضرورات في القضايا مهما كانت مطلقةً، بين القضية وبين ضرورة وجود هذه الأشياء؛ وذلك لأنّ ضرورة النسبة في القضيّة مقيّدة بـ”قيد الوجود”، ولا يمكن لمثل هذه القضايا أن تكون ثابتةً مع افتراض عدم الوجود. مثلاً: قضية المثلّث له زوايا ثلاث، حتى لو كانت قضيّة مطلقة وغير مقيّدة بأيّ قيد، إلّا أنّها لا تعني وجود الزوايا دائماً دون أيّ قيد أو شرط؛ ولا تعني سوى أنّه إذا وجِد مثلّثٌ فإنّ زواياه سوف تكون موجودةً.[13] وبعبارة أخرى بما أنّ القضايا الضرورية هي من سنخ القضايا الحقيقيّةة التي تكون دائماً مقيّدة بقيد الوجود، فإنّها في الواقع وحقيقة الأمر تعادل القضايا المشروطة[14]، ومدلول القضية الشرطية في هذا المورد هو: كلّما وجِد مثلّثٌ وفي أيّ زمانٍ وُجِد، فإنّ زواياه سوف يكون له زوايا. ومغالطة البرهان الوجوديّ تكمن في هذه النقطة وذلك أنّ الضرورة المشروطة قُدِّمت وكأنّها ضرورة مطلقة غير مشروطة. وبعبارة أخرى: خلط البرهان الوجوديّ بين القضايا الضرورية والقضايا البتيّة. أو فقل إنّ البرهان الوجوديّ نقل الضرورة من الضرورة المشروطة لبّاً إلى ضرورة الوجود، المطلق والمجرّد عن أيّ قيدٍ[15].

دراسة مبادئ نظريّات كانط

لا بد هنا من طرح وجهة نظر الفسلفة الإسلاميّة حول المبادئ الفلسفية التي طرحها كانط، وبعد ذلك نعود مرّة جديدة إلى كلامه.

وأما في ما يرتبط بالقاعدة التي جعلها كانط أصلاً موضوعاً، أو ما وصفناه بأنّه شعاره الفلسفيّ وهو عدم كون الوجود محمولاً حقيقيّاً على الماهيّات؛ وذلك لأنّ المحمول الحقيقيّ هو الذي يضيف إلى الموضوع شيئاً جديداً. فإذا كان مقصوده من المحمول الحقيقيّ المحمول بالضميمة، أي كان يريد أنّ الوجود ليس أمراً ينضمّ إلى الماهيّات فهو كلام حقّ، ولا مجال للشكّ أو النقاش في أنّ حمل الوجود على الشيء هو في معنى تحقّق الشيء وثبوته، ولا يعني ثبوت شيء لشيء. ومن الواجب الالتفات إلى هذه النقطة في جميع الموجودات والقضايا التي تخبر عن الوجود، ويستوي في هذا الحكم الواجب والممكن، ولا يصحّ الخلط بين الهليّات البسيطة والهليات المركّبة، فالأولى ليست النسبة فيها نسبة تركيبيّة أو انضماميّة. وقد التفت علماء المنطق إلى هذه النقطة وميّزوا بين القضايا الثنائيّة التي تشكّل بأجمعها قضايا الفلسفة الأولى، وبين القضايا الثلاثيّة التي هي قضايا سائر العلوم.

وأما إذا كان مراده نفي كون الوجود محمولاً حقيقيّاً من الأساس. وبعبارة أخرى: إذا كان المراد أنّه لا يمكن العثور على مطابق خارجيٍّ للوجود المحمول وأنّه لا يمكن تشكيل قضيّة تحكي عن الواقع الخارجيّ بحيث يكون المحمول فيها هو الوجود، إذا كان هذا هو المراد فلا يمكن الموافقة عليه، بل نحن ندّعي أنّ مثل هذا الكلام لا يمكن أن يصدر عن فيلسوفٍ من مرتبة كانط ومقامه، فضلا عن أن يكون أصلاً موضوعاً وشعاراً فلسفيّاً له. وذلك لأنّ كانط وكلامه كانا يستحقّان التمجيد والتعظيم لو أنّه كان يقول إنّ الوجود المحمولي والمطلق، لا يضيفان إلى الموضوع شيئاً خارج الذهن. أما إذا كان مراده أنّ الوجود حتّى في الذهن لا يضيف إلى الماهيّة شيئاً، فإنّ هذا الكلام غير مقبولٍ، ونترك الردّ عليه ونقاشه إلى محلٍّ آخر، من كتابنا “كاوشهاى عقل نظرى”، فهناك بيّنا أنّ نظرة علمائنا إلى هذا الموضوع؛ حيث أثبت الفلاسفة المسلمون أنّ الوجود هو إضافة وزيادة على الماهيّة. ومن ذلك أنّهم يقولون إنّ حمل الوجود على الماهية في القضية التي محمولها الحقيقيّ هو الوجود المطلق يحتاج إلى حدٍّ وسط، والحدّ الأوسط هو الذي يتولّى إثبات وجود الموضوع. ولو لم يكن الوجود زائداً على الماهية لما احتجنا إلى الحدّ الوسط. مثلاً إذا قلنا إنّ المثلّث موجودٌ، أو الخطّ المستقيم موجود، يجب علينا أن نثبت بالأدلّة أنّ حواسّنا لم تخطئ حين استندنا إليها في إثبات وجود هذين الأمرين. أما لو لم يكن الوجود زائداً على الماهية فلا حاجة إلى الوسط ولا إلى الدليل. ويمكن تطبيق فكرة عدم زيادة الوجود على الماهيّة على ثلاثة صور هي:

الأولى: أن يكون الوجود بتمامه عين الماهيّة، بحيث عندما نقول: “المثلّث موجود” فكأنّنا قلنا المثلّث مثلّثٌ.

الثانية: أن يكون الوجود جزءاً من ماهيّة الموضوع، بأن يكون معنى “المثلث موجود” في مستوى قولنا: “المثلّث له زوايا ثلاث”.

الثالثة: أن يفرض الوجود لازماً للماهيّة، بأن يفرض الوجود للمثلث مثل مساواة زواياه لزاويتين قائمتين.

ومن البديهيّ أنّ شيئاً من هذه الصور لا يحتاج إلى الحدّ الأوسط الذي يثبت القضية. ولكن من البديهيّ أيضاً أنْ لا شيء من القضايا التي يكون المحمول فيها هو الوجود في عداد أيٍّ من هذه القضايا. وحاصل الكلام: أنّ الوجود ليس شيئاً يُضاف إلى الماهية على نحو الانضمام، ولكنّه في الوقت عينه شيء يضاف إليها في الذهن وخارج عنها وليس جزءاً منها.

يتبنّى كانط معياراً  للتمييز بين المحمولات الحقيقيّة وغير الحقيقيّة، أو ما يسمّيه هو بالمحمولات المنطقيّة، ويبيّن هذا المعيار على النحو الآتي:

“لتأليف القضيّة الحملية، وتركيبها من المحمول والموضوع، يمكن الاستفادة من أيّ محمولٍ، حتّى لو كان الموضوع نفسه بأن نجعل الشيء محمول نفسه، مثل: “الإنسان إنسانٌ”. وسرّ هذا الأمر أنّ المنطق دائماً يجرّد المفاهيم من حقائقها الواقعيّة ويفصل الماهيّات الأشياء عن مصاديقها الواقعيّة وحقائقها العينيّة. والنتيجة أنّ الحمل في هذا النوع من المفاهيم وتشكيل القضيّة من هذا النمط من المفاهيم، لا يضيف إلى المحمول فيها إلى الموضوع شيئاً. ولكنّ الأمور لا تسير على هذا النحو مع المحمولات الحقيقيّة؛ وذلك لأنّ مثل هذه المحمولات لا تضيف إلى الموضوع شيئاً. أما المحمول الحقيقيّ فلا يكون كذلك إلا إذا كان يضيف إلى الموضوع شيئاً بأي وجهٍ من الوجوه[16].

تحليل نظريّة كانط

25 - هذا الكلام يمكن القبول به والموافقة عليه، من وجهة نظر الفلسفة المقارنة، شرط أن نقدر على إعادة صياغته على ضوء أقسام الحمل، وتطبيق هذه الأقسام عليه. ففي فلسفتنا نوعان من الحمل هما: الحمل الذاتيّ الأوّليّ، [17] والحمل الشائع الصناعيّ. والحمل الذاتيّ ناظرٌ إلى ما يسمّيه كانط المحمولات المنطقيّة وغيرر الحقيقيّة، وهذا يكون في المحمولات التي لا تضيف إلى الموضوع شيئاً زائداً. ويتحقّق هذا النوع من الحمل فيي الحالات التي تحدّثنا عنها آنفاً؛ أي في حمل الشيء على الذات وحمل ذاتيّات الشيء على الذات. وأما حمل لوازم الذات على الذات، فعلى الرغم من كونه حملاً ذاتيّاً وأوّليّ الصدق، ولكن بناء على عدم الاتّحاد المفهومي بين المحمول والموضوع فلأجل هذا لا يمكن تصنيفه في دائرة الحمل الأوّلي، بل في إطار الحمل الشائع الصناعيّ، والمقصود من هذا الحمل الشائع الحمل الشائع العرضي الذي مفاده “هذا لهذا” وهو الذي يضيف إلى الموضوع كمالاً ثانويّاً، ليس هو ضروريّ الثبوت له. كما في قولنا “سقراط فيلسوفٌ”، و”العلامة الحلّي فقيه”، فالفقه والفلسفة لا يثبتان لسقراط ولا للعلامة من جهة كون كلٍّ منهما إنساناً، ولأجل هذا لم تكن معرفة الموضوع شرطاً كافياً للعلم بتحقّق الاتّصاف بالفلسفة والفقاهة. وبناء عليه، فإنّ الحكم بالاتّحاد بين سقراط والفلسفة والعلامة الحلّيّ والفقاهة، غير أنّ هذا الاتّحاد هو اتّحادٌ مجازيٌّ وبالعرض. وهذا الحمل هو حمل أمرٍ يضيف إلى الموضوع شيئاً ليس جزءاً من وجوده الواقعيّ، وليس شيئاً ذاتيّاً له، وهو ما نسمّيه بالحمل الشائع العرضيّ والصناعيّ. وسبب وصفه بالصناعيّ هو انتشاره في الصناعات العلمية. وبحسب هذا التوضيح يمكننا الآن الإعلان عن موافقتنا كانط في موقفه هذا من الحمل وحكمه عليه. ولكن لا بدّ من النظر في الوجود لمعرفة موقعه من الماهيّة. وبعبارة أخرى: القضايا التي يقع الوجود المطلق محمولاً فيها، يجب النظر فيها لمعرفة نوع الحمل الذي تندرج تحته، ولفهم موقف كانط من هذا الحمل، حين يصرّح بأنّ الوجود ليس محمولاً حقيقيّاً، فهل يقصد أنّ الحمل في هذا النوع من القضايا أوّليٌّ أو شائع صناعيٌّ؟

يقول كانط في حمل الوجود المطلق على الماهيّة:

“من الواضح أنّ الوجود لا يمكن أن يكون محمولاً حقيقيّاً لموضوعه؛ وذلك لأنّ الوجود ليس مفهوماً يمكن أن يضيف إلى الموضوع شيئاً. والنتيجة الوحيدة التي تترتّب على حمل الوجود على الماهيّة هي ثبوت الذات، أو تحقّق وتصير محرزة تلك الأوصاف والمشخّصات التي تثبت من هذا الطريق. وإذا أردنا أن نبحث الأمر على ضوء مصطلحات المنطق، ينبغي لنا أن نقول إنّ الوجود هو مجرّد رابطة في القضايا، وليس محمولاً يقع طرفاً في القضية إلى جانب الطرف الآخر الذي هو الموضوع”.

ويستند كانط لإثبات مدّعاه إلى قضيّة “الله كلّيّ العلم”، ويقول إنّ هذه القضية تشتمل على مفهومين كلٌّ منهما يحكي عن حقيقة واقعيّة خارجيّة. وهذان المفهومان هما: اللَّه والعلم الكليّ. وفي هذه القضية ليس فعل الكون is طرفاً ولا جزءاً لا من الموضوع ولا من المحمول، والدور الذي يؤدّيه هو الربط بين الطرفين أي بين “الله” و “العلم الكليّ” ويخبرنا عن أنّ العلم الكليّ هو من أوصاف ومشخّصات الله. فإذا أخذنا اللَّه بكل صفاته ومنها العلم الكليّ، وافترضنا ثبوته وتحقّقه، وجعلناه موضوعاً في قضيّةٍ وقلنا “الله موجود”، ففي هذه الحالة لا نكون قد أضفنا إليه شيئاً جديداً، ولا نكون قد فعلنا غير إثبات ما افترضنا ثبوته. وعلى ضوء هذا، يتبيّن أنّ الوجود ليس محمولاً حقيقيّاً، وإنما هو حكم بالاتّحاد بين المفهوم الذهنيّ والواقع الخارجيّ. وبهذا التحليل المنطقيّ يجب القول إنّ الوجود أينما كان هو في معنى الربط ولا يستحقّ أن يكون محمولاً حقيقيّاً. وهذا أمرٌ واضح ولا يعني أكثر من نسبة الحقيقة الخارجيّة إلى مفهومها، وهذا الربط بين الحقيقة والمفهوم الذهنيّ هو ما يدلّ عليه فعل الكون أو الوجود is أو است في اللغة الفارسية.

لقد كان كلام كانط في البدايات على درجة عالية من التعقيد والإبهام، وحاولنا ترجمته ونقله على ما هو عليه من الإبهام والتعقيد، وحاولنا ما تيسّر ذلك، تفسير كلامه وتوجيهه وفق مقتضيات فلسفتنا المقارنة. فهو في مطلع انتقاداته لم يعدُ قوله إنّ الوجود ليس محمولاً حقيقيّاً. وكان متاحاً لنا أن نفسّر هذا الكلام بيسر وسهولة بأن نقول إنّ مراد كانط هو أنّه بالمقارنة بين الوجود والماهيّة، الوجود ليس أمراً انضماميّاً ولا تركيبيّاً بالنسبة إلى الماهيّة؛ بل هو يفيد تحقّقها وثبوتها. ولا يفيد ضمّ شيء إليها زائدٍ عليها. وهذا أمرٌ ينطبق إلى درجة كبيرة مع تتبنّاه الفلسفة الإسلاميّة، وهذا هو ما نسمّيه في الفلسفة الإسلاميّة بالوجود المحمولي والبسيط، أو الوجود المطلق.

ولكنّه بعد تلك البداية يصرّح بشعار فلسفته النقدية، ويفسّر كلامه حول عدم كون الوجود محمولاً حقيقيّاً، بأنّ الوجود أينما كان ليس محمولاً في القضيّة، وهو في جميع القضايا يأخذ حالة الرابطة. وهذا يعني أنّ الوجود هو حقيقة ربطية ليس أكثر، ولا يمكن أبداً أن يكون له واقعيّة مستقلّة. ثم إنّه يخطو خطوةً إلى الأمام ويزيد موقفه هذا توضيحاً، ويقول ليس الوجود في جميع القضايا المنطقيّة رابطاً بين الموضوع والمحمول، وليس جزءاً من طرفي القضية لا موضوعها ولا محمولها، بل أكثر من ذلك هو ليس له خارج الذهن واقعٌ مشخّصٌ يسمح لنا بالبحث عنه. ولأجل هذا لا بدّ من القول بوضوح إنّ الوجود ليس شيئاً من الأشياء، بل أينما حلّ رابط بين الأشياء سواء في ذلك الذهن والخارج. وليعطي كانط كلامه هيئة الفلسفة يستدلّ بالآتي:

“كشاهد ومثال فلا تتضمّن مئة تالِر متحقّقة أكثر من مئة تالِر[18] ممكنة. لأنّه بما أنّ التالِرات الممكنة تعني الأفهوم، والتالرات المتحقّقة الموضوع وطرحه في ذاته، في حال كانن هذا يتضمّن أكثر من ذاك، لن يكون أفهومي معبِّراً عن الموضوع بكامله، ولن يكون بالتالي أفهومه المطابق؛ لكن بالنظر إلى حال ثروتي سيكون هناك، مع مئة تالِر متحقّقة أكثر من مجرّد أفهومها أعني إمكانها. ذلك أنّ الموضوع في التحقّق، ليس متضمّناً فقط تحليليّاً في أفهوميّ؛ بل يُضاف تأليفاً إلى أفهوميّ الذي هو تعيين لحالي، من دون أن تكون المئة تالِر المفكّرة قد زيدت أدنى زيادة بهذا الوجود خارج أفهوميّ”[19].

هذا ولكن لا شكّ في أنّ وضعي الماليّ سوف يختلف بين امتلاكي لمئة تالِر حقيقيّة وبين حيازتي لصورة ذهنيّة عنها أكتفي بتسلية النفس بها. ولا بد من الالتفات إلى أنّ هذا الاختلاف ليس له سبب سوى أنّ الحقيقة الخارجيّة لا يتّسع لها الذهن، وليس شيء من الصور الذهنيّة يعادل الحقيقة الخارجية العينيّة، ولأجل هذا مهما كانت الصورة الذهنيّة عن المئة تالِر مطابقة للأصل فإنّها لا تصرف همّتنا عن تحصيل المئة الحقيقيّة الخارجيّة. وإذا افترضنا أنّنا وجدنا المئة تالِر التي ضاعت منّا فترة من الزمن، فإنّها سوف تكون مطابقة لصورته الذهنيّة، ونفهم من هذه المطابقة أنّها عين المئة التي أضعناها وكانت في ذهننا ثمّ عثرنا عليها بعد حين. وفي الوقت الذي نحكم فيه بالتطابق بين الذهن والخارج ونجزم بهذه المطابقة ونقول إنّ هذا الوجود الواقعيّ هو عين الشيء الذي كان في ذهننا، في الوقت عينه نعي أنّ العثور على المئة تالِر لم يضف إلى المئة التي كانت صورة ذهنيّةً أيّ شيء.

وخلاصة هذا البحث المطوّل عند كانط هي هذه النتيجة: إنّ الوجود عندما يحمل على أيّ موضوع في قولنا “الشيء الفلانيّ موجودٌ”، فهذا لا ينتج حقيقة أخرى غير التي كانت ظاهرة ذهنيّة ومفهوماً تصوّريّاً. ومن الواضح، أنّه كلّما حملنا شيئاً على شيء فالوجود لا يعدو كونه رابطاً ويتعهّد بالربط بين الشيئين، وليس جزءاً من الموضوع ولا من المحمول، بل ليس هو إلا الربط بينهما. وفي مثال المئة تالِر نحمل المئة الواقعيّة على المئة الذهنيّة ونربط بينهما. إذاً، هذا الكلام صحيحٌ وهو أنّ الوجود دائماً رابطٌ وليس محمولاً.

في رأينا أنّ خطأ كانط الكبير، بحسب الفلسفة الشرقيّة، يكمن في أنّه حسب أنّ الصور الذهنية مستقلّة عن الحقائق الخارجيّة؛ وعلى ضوء هذا الاستقلال المفترض يحكم بأنّ الوجود هو الذي يربط بينهما، ومن جهة أخرى يفترض أنّ أحد هذين الطرفين هو الحقيقة الواقعيّة والآخر هو الظاهرة أو النموذج، أو بحسب المصطلح الفلسفيّ أحدهما الطبيعة وماهيّة تلك الحقيقة، ليقدر على ضوء ذلك على حفظ العلاقة والاتّحاد بين الطبيعة والفرد، وليقد على القول إنّ الفرد لا يزيد الطبيعة شيئاً. هذا وواقع الحال يكشف بأدنى حدٍّ من التأمّل عن أنّ هذين الفرضين متناقضان، والاعتراف بأحدهما ينفي الآخر حتماً؛ وذلك لأنّه حين يكون الوجود رابطاً، فسوف يتحقّق التركيب الانضماميّ، وحيث يكون الوجود محمولاً على الموضوع، ليس في الذهن فحسب بل في الخارج، سوف يشكّل إضافةً وزيادة. والعكس أيضاً يصحّ، فحين يكون بين الوجود وبين الماهيّة تركيب اتّحاديٌّ أو لا يكون بينهما تركيب حقيقيٌّ، حينها لا يمكن فرض الوجود الرابط؛ لأنّه لا يمكن تصوّر الربط بين الشيء وذاته، والربط بين شيئين يستدعي التغاير بينهما ويكشف عنه لا عن الاتّحاد.

ولتوضيح هذا الأمر يجب الالتفات إلى هذه الحقيقة، وهي معرفة ما هو الوجود الرابط، وفي أيّ نوع من القضايا يكون الوجود الرابط ركناً أصيلاً في القضية؟

فكما أشعرنا آنفاً، الوجود الرابط يربط بين شيئين أحدهما متحصّلٌ ومستقلٌّ عن الآخر؛ فكما أنّه إذا أردنا الربط بين الفلسفة وبين حقيقة مستقلّة مثل سقراط، فإنّنا في مثل هذه الحالة نحتاج إلى الوجود الرابط [الذي له لفظ يدلّ عليه في بعض اللغات مثل است في اللغة الفارسية، وتدلّ عليه هيئة الجملة في اللغة العربيّة ولا يوجد لفظٌ مستقلٌّ للدلالة عليه] وفي مثل هذه الحالة لا شكّ في أنّ ثمّة حقيقتين إحداهما هي الوجود الإنسانيّ أي سقراط والأخرى هي المعرفة بمجموعة من الأمور التي تُسمّى بـ”الفلسفة”، وبين هاتين الحقيقتين تركيبٌ انضماميٌّ، ومعنى التركيب الانضماميّ أنّ المحمول يضيف إلى الموضوع شيئاً في كلٍّ من الذهن والخارج، والوجود هو الذي يربط بين هاتين الحقيقتين الواقعيّتين. إذاً، مثل هذه القضايا شرطها الأساس هو إثبات أنّ عندنا حقيقتين مستقلّتين نخبر عن ارتباط إحداهما بالأخرى.

والآن لا بدّ من التدقيق في أنّه هل هذا الشرط الأساسيّ متحقّقٌ عند المقارنة بين الفرد والطبيعة أم لا، وهل الظاهرة الذهنيّة التي هي الطبيعة حقيقة واقعيّة مستقلّة والفرد الذي هو تحقّق خارجيٌّ للطبيعة واقعيّة أخرى مستقلّة عن الأولى، ليكون الوجود هو الرابط بين الطرفين؟ وهل صحيح ما يقوله كانط عن أنّ المفهوم الإمكاني المتصوّر عن المئة تالِر شيء مستقلٌّ ومتحصّل والمئة الحقيقية شيء آخر مستقلٌّ ومتحصّل الذت، ونحن نربط بين هذين الشيئين بواسطة الوجود الرابط، عندما نقول “هذا من ذلك”؟.

والورطة الأساس التي وقع فيها كانط تدور حول هذه النقطة وهي أنّه يحسب الانفصال بين الماهية والحقيقة، أو بعبارة أخرى: بين الطبيعة والفرد ويربط بينهما بواسطة الوجود. وهذا النمط من النظر في الأشياء مرفوضٌ بالكامل في فلسفتنا؛ وذلك لأنّ الفرد والطبيعة أوّلاً أو الماهية والوجود ليسا حقيقتين أصيلتين متحصّلتي الذات، وقد ثبت في محلّه أنّ الوجود هو الأصيل وأما الماهية فهي اعتباريّة وغير أصيلة. أو على العكس عند آخرين أي إنّ الماهية هي الأصيلة والوجود هو الاعتباريّ. ومهما يكن من أمرٍ فإنّ القدر المسلّم هو عدم إمكان أصالة كلٍّ منهما ليمكن الربط بينهما بالطريقة التي يتصوّرها كانط. هذا أوّلاً.

وثانياً: لو فرضنا أنّ الماهية والوجود أصيلان، ففي هذه الصورة لا يمكن الحكم بالاتّحاد بينهما، لأنّ الشيء الأصيل المستقلّ لا يمكن جعله تابعاً والحكم بالاتّحاد بينه وبين شيء آخر ليشكّلا معاً أمراً حقيقيّاً، ومثل هذا الأمر لا يتحقّق دون استحالة وقلب وانقلاب ماهويّ وهو تناقضٌ.

ثالثاً: إذا تحقّق الحمل الذي هو دليلٌ على الاتّحاد بين الموضوع والمحمول، إذا تحقّق هذا الحمل بين شيئين مستقلّين، فمثل هذا الاتّحاد بينهما لن يكون اتّحاداً حقيقيّاً، وسوف يأخذ الحمل صورة الانضمام والزيادة، ومن اللافت أنّ كانط تنبّه إلى هذه النقطة وحكم بأنّ الوجود ليس جزءاً تحليليّاً ولا جزءاً عقليّاً من الماهية؛ بل هو شيء يُحمل على الماهية بالحمل العرضيّ والشائع الصناعيّ. ولكنّ خطأه يكمن في هذه النقطة وهي أنّه حكم بالمساواة بين الحمل الشائع والوجود الرابط، واستنتج أنّ بين الفرد والطبيعة حملاً شائعاً صناعيّاً وعرضيّاً، وليس حملاً ذاتيّاً وأوّليّاً؛ فالوجود إذاً رابطٌ بين الموضوع والمحمول. وقد غفل عن أنّه على الرغم من سيطرة الحمل الشائع في العلاقة بين الطبيعة والفرد، لا الحمل الأوّليّ؛ فإنّه لمّا كان التركيب بين الأمرين تركيباً اتّحاديّاً يتألّف من قضية ثنائيّة، فلا يمكن أن يأخذ الوجود في مثل هذه الحالات حالة الربط ومفاد هل المركّبة.

رابعاً: في المقارنة بين الطبيعة والفرد، إذا فرضنا أنّ الطبيعة في بيئة الذهن، وفرضنا الفرد في الخارج، وبعد ذلك أردنا أنّ نحمل الموجود الذهنيّ على الواقع الخارجيّ بوصفه فرداً، ففي هذه الحالة لن يكون الحمل ممكناً؛ وذلك لأنّه لا اتّحاد بين الطرفين حتّى يمكن تشكيل قضيّة حملية منهما. وفي هذه الصورة الوجود ليس تحليليّاً وليس تركيبيّاً ولا انضماميّاً، أي لا يحمل لا بالحمل الأوّلي، ولا بالحمل الشائع الصناعيّ. وحيث إنّ معيار الحمل هو الاتّحاد فحيث لا يتوفّر هذا الاتّحاد لا يتحقّق الحمل، والوجود لن يكون رابطاً ولا ربطاً.

على أساس هذا تقويم هذه المشكلات غير القابلة للحلّ، يظهر التناقض الواضح في كلام كانط، الأمر الذي يؤدّي إلى سقوط نظريّته. وتوضيح هذا التناقض أنّ كانط يصرّح بأنّ المئة تالِر المفترضة هي المئة الحقيقيّة ولا تضيف هذه الحقيقة إلى الماهيّة شيئاً؛ وعليه لم يعد أيّ فائدة للبحث في العلاقة بين الطبيعة والفرد والنسبة بينهما سوف تكون حتماً نسبة اتّحاديّة، وسوف ينتفي إمكان الوجود الرابط لأنّه يسلتزم النسبة التركيبيّة. أمّا إذا أردنا وهذا بحسب كانط أيضاً أن نفرض الانفصال بين الطبيعة والفرد من أجل فسح المجال للوجود الرابط ليتحقّق، فعندها علينا أن نصرف النظر عن النسبة الاتّحاديّة، ونتصوّر أوّلاً أن كلّاً منهما واقعيّة مستقلّة، وبعد ذلك نفترض النسبة الانضماميّة بينهما؛ وهذا كلّه حتّى يأخذ الوجود حالة الربط والواسطة. ولمّا كان كانط غير مستعدٍّ للتنازل عن النسبة الاتّحادية ولا عن التركيب الانضماميّ، فهو مضطرٌّ إلى الاعتراف بالوقوع في التناقض والقبول بأنّ الوجود رابطٌ وليس رابطاً، ويضيف إلى الماهيّة شيئاً ولا يضيف إليها في آنٍ واحدٍ.

هذا ولكنّ كانط يماشي الفلسفة الشرقية حيث يقول إنّ قضايا الفلسفة بعضها يشتمل على التركيب التحليليّ وبعضها الآخر على التركيب الانضماميّ؛ وذلك لأنّ فلاسفة الشرق يقرّون بهذا التقسيم عينه، وقالوا إنّ الحمل إما ذاتيٌّ أوّليٌّ وإمّا شائع صناعيٌّ. وهذا يعني التركيب بين موضوع القضية ومحمولها، أو فقل إنّ الحمل إمّا أن يكون بملاحظة الاتّحاد في المفهوم، وإما أن يكون مبنيّاً على الاتحاد في الوجود وتركيب “هذا ذاك” الاعتباريّ. ولكن الفلاسفة الشرقيّين تابعوا هذا التقسيم وانتهوا إلى نقطة غفل عنها كانط مع الأسف، وذلك أنهم تابعوا تقسيم القضايا التي يسمّيها كانط قضايا تركيبيّة synthetic وذكروا لها أقساماً لم ترد في فلسفة كانط كلها، وقد أدّى هذا إلى إعطاء بعض القضايا أحكام بعضها الآخر.

يقول صدر الدين الشيرازي في أسفاره:

حمل أيّ شيء على شيء آخر يولّد قضية تعني الاتّحاد بين ذانك الشيئين، ويُسمى أحد جزءي القضية موضوعاً والثاني محمولاً. وهذا الحمل بدوره ينقسم إلى قسمين أولهما يُسمّى الحمل الشائع الصناعيّ وهو الذي يُسمى بالحمل المتعارف، وهو الحمل الذي يدلّ على مجرّد الاتّحاد في الوجود بين الموضوع والمحمول. والقسم الثاني هو الحمل الأوّلي الذاتيّ الذي يدلّ مضافاً إلى الاتّحاد في الوجود بين الموضوع والمحمول، على الاتّحاد في الماهية والحقيقة بين الطرفين. وهذا الحمل ينحصر في ذاتيّات الأشياء. أما الحمل الشائع الصناعيّ، فهو ينقسم أيضاً إلى أقسامٍ شتّى، لكلٍّ منها أحكامه وخصائصه ونتائجه المترتّبة عليه. على الرغم من أنّ جميع هذه الأقسام تشترك في التعبير عن الاتّحاد في الوجود بين الموضوع والمحمول، ولا تدلّ على التساوي في المفهوم والماهيّة. ومن أقسام الحمل الشائع ما يتحقّق في القضية التي تُحمل فيها الماهيّة على الفرد الحقيقيّ، كما في قولنا: “زيدٌ إنسانٌ”، ففي هذه القضية على الرغم من التركيب الاتّحادي بين الموضوع والمحمول، والإسناد، من هذه الجهة، إسناد الماهيّة إلى الفرد الحقيقيّ وهو إسناد ذاتيٌّ أي إسناد بغير واسطة، على الرغم من هذا فإنّ الحمل هو حمل شائعٌ صناعيٌّ لأنّ الهدف من الحمل بيان الاتّحاد في الوجود لا الاتّحاد في الماهيّة. ومن أقسام الحمل الشائع القضايا التي يُحمل فيها المحمول العرضيّ والانضماميّ على الموضوع، كما في قولنا: “زيدٌ كاتبٌ”.[20]

وبهذه المقارنة نصل إلى هذه النتيجة الواضحة وهي أنّ الخلل في فلسفة كانط، هو أنّه يقود جميع القضايا التي فيها حملٌ شائعٌ صناعيٌّ بعصاً واحدة، ويحسب أنّ التركيب فيها جميعاً هو تركيبٌ انضماميٌّ. والحال أنّ التركيب الانضماميّ هو أحد أقسام الحمل الشائع الصناعيّ لا كلّها. والقسم الآخر هو الذي يكون التركيب فيه تركيباً اتّحاديّاً، وذلك حين يُربط بين الفرد وماهيّته. وكأنّ هذا القسم من أقسام الحمل سقط من العدّ في فلسفة كانط، وقد أدّى هذا السقوط إلى هذا الخلل في الأحكام التي أطلقها على القضايا والنتائج التي رتّبها عليها.

ولم يقتصر هذا الخلل على إيقاع كانط في التناقض، بل سرى هذا الخلل إلى غيره من الفلاسفة الذين تابعوا كانط في تحليلاته الفلسفيّة وبنوا على شعاره الفلسفي المشار إليه آنفاً أبنية فلسفيّة، تورّطت في مغالطة عدم التمييز بين أقسام الحمل وأنواعه. وقد أشارت كتبنا المنطقيّة إلى هذا القياس المغالِط الذي لا يوقع صاحبه في المغالطة فحسب، بل تسري عدواه إلى غيره ممّن سار على دروبه الفلسفيّة: “والآتي به غالِطٌ في نفسه ومغالِطٌ لغيره”.

منطق راسل التحليلي

وعلى ضوء الإشارة السالفة لا غروَ أن نرى فلاسفة من قياس برتراند راسل Bertrand Russell ونورمان مالكولم Norman Malcolm، وبعد سنواتٍ متمادية من كانط تورّطوا في المغالطة نفسها، وقد حاول كلٌّ من هذين وغيرهما إعادة توجيه كلام كانط بطريقة تتناسب مع العصر الذي عاش فيه، أو الكشف عن جاذبيّتها بطريقة أو بأخرى. ولكن مع الأسف فإنّ أيّاً من هذين الكاتبين المشهورين لم يستطع الإتيان بشيء جديدٍ؛ بل إنّنا ندّعي أنّ أيّاً منهما لم يفهم مكمن الإشكال الأساس في كلام كانط، واكتفيا بملامسة سطح المسألة وظاهرها. ولا يُتوقّع من فيلسوف كراسل الاشتغال بالتجميل الظاهريّ بدل البحث عن الحقيقة.

يقول راسل في ما يسمّيه المنطق التحليلي الذي قاده إلى كلام كانط:

القضايا البسيطة مثل “أ موجودٌ” لا يمكنها أن تنسب إلى ذات أيّ صفةٍ أو خاصّيّة، وعلى ضوء هذا الدليل لا يمكن القول إنّ مثل هذه القضايا تضيف الوجود إلى الماهيّة. وذلك أنّ هذه القضايا وأمثالها تريد إخبارنا أنّ الظاهرة أليست ظاهرةً ذهنيّة واعتباريّة فحسب، بل إنّ لها تحقّقٌ نفس أمريٍّ في الحقيقة ومتن الواقع، وهذا التحقّق هو المعيار الذي يسمح لنا بالحكم على هذه القضيّة بالصدق. وعليه لا ينبغي أن نجعل قضيّة مثل القضية المشار إليها أعلاه مدرَكاً حقيقيّاً؛ بحيث ندّعي لما يُطابق ألفاظها موضوعاً ومحمولاً؛ بل لا بدّ من فهم أنّ واقعيّة هذا النوع من القضايا النفس أمريّة واقعيّة مختلفةٌ ولها صورةٌ أخرى لا ينطبق محمولها على موضوعها كانطباق سائر موضوعات سائر القضايا على محمولاتها. مثلا واقعيّة قضيّة “أ موجودٌ” فقط في أنّ خارج الذهن ثمّة شيءٌ اسمه أ يسمح لنا بالقول هذا الشيء هو أ. وواقعيّة قضية “الإنسان موجودٌ” هي فقط في أنّنا قد نصادف أشخاصاً مثل: سقراط وأفلاطون وابن سينا، ونقول هؤلاء أفرادٌ ومصاديق للإنسان. وعلى هذا ينبغي بنا صرف النظر عن البسائط المنطقيّة والكلّيّة، ونوجّه الاهتمام إلى الواقع ومفرداته التي هي القضايا الواقعيّة الحقيقيّة.

وهنا يلخّص البحث ويقسّم القضايا التي يجعلها جديرةً بالاهتمام إلى قسمين:

القسم الأوّل هو القضايا المنطقيّة التي تتوفّر على موضوع ومحمول، وتتوفّر على سائر الشروط، مثل هذه القضايا لها اعتبارٌ واقعيٌّ وهي قضايا نفس أمريّة، مثل “أ موجودٌ” أو “الإنسان موجودٌ”. والقسم الثاني هو القضايا الواقعيّة التي هي في الحقيقة محلٌّ للمواجهة وموردٌ لاحتكاكنا بها، وهذه القضايا هي الجديرة بالتدقيق والتحليل، مثل “هذا إنسانٌ” و”سقراط إنسانٌ”، وهذا القسم من القضايا هو يشكّل مدركات علومنا ومعارفنا.

والوجود المحموليّ لا نجده إلا في القسم الأوّل وقد أشرنا إلى أنّه ساقطٌ عن درجة الاعتبار، ولا يعدّ هذا المحمول في مثل تلك القضايا محمولاً واقعيّاً. وأمّا القسم الثاني ففيه تنسب الماهيّة إلى فردها الحقيقيّ. وهنا الوجود ليس محمولاً وليس موضوعاً، بل وظيفته الربط بين الطرفين أي الماهيّة الموضوع والفرد المحمول. ومن الواضح أنّ قضيّة “سقراط موجودٌ” ليس واحدٌ من الطرفين هو الوجود.

فسقراط فردٌ والإنسان ماهيّة، والوجود الذي يعبّر عنه بفعل الكون etre/to be/است هو الذي ينسب الإنسانية إلى فردها الحقيقيّ. وما تقدّم كلّه يكشف لنا عن صحّة كلام كانط حين كان يقول إنّ الوجود المحموليّ ليس له حظٌّ من الحقيقة؛ وما هو إلا رابطٌ بين الموضوع والمحمول.[21]

إلى هنا ينتهي تفسير برتراند راسل لكلام كانط. وفي هذا الموضع من بحثنا هذا، يجب أوّلاً أن ندقّق في مدى فهم الفيلسوف والرياضي البريطاني للاعتراضين المشار إليهما في تحليلنا لآراء كانط من البحث. وثانياً لا بدّ من البحث في مدى قدرة تحليل راسل على دفع أحد ذانّك الاعتراضين أو كلاهما.

نقدنا للمنطق التحليليّ

أحد الإشكالين المتقدّمين هو التناقض الواضح الذي أشرنا إليه، ونحن ندّعي أنّ أحداً لم يسبقنا إلى بيان ذلك. وقد شرحنا ذلك التناقض وأوضحناه للقرّاء المعظّمين فلا نرى حاجة إلى إعادته.

والاعتراض الثاني اعتراضٌ منطقيٌّ قد التفت إليه كانط وحاول معالجته والتخلّص من ورطته بنحوٍ من الأنحاء. وحاصل ذلك الاعتراض أنّ المنطق يحدّ أركان القضيّة وعناصرها بثلاثة لا يسمح بتجاوزها إلى غيرها بأيّ وجهٍ من الوجوه. وهذه العناصر أو الأركان الثلاثة هي: الموضوع، والمحمول، والنسبة الحكميّة. فإذا قبلنا كلام كانط وارتضينا بأنّ الوجود دائماً رابطٌ؛ أي نسبة حكمية فقط، وبالتالي أينما حلّ في قضيّة كان رابطاً وليس طرفاً من أطراف القضيّة، عندها تخرج القضايا البسيطة من دائرة القضايا المنطقيّة، ومثال القضيّة التي نشير إليها هو “أ موجودٌ”، فبناء على ما تقدّم تتحوّل هذه القضيّة إلى لغوٍ لا طائل من ورائه، ولا مدلول تصديقيّ لها؛ وذلك لأنّ مؤدّى كلام كانط أنّ هذه القضايا وأمثالها تتألّف من موضوعٍ ونسبة دون أن يكون لها محمول ليكون هو الطرف الثاني في القضيّة، ولا تسمح قواعد المنطق بأن يهبط عدد القضايا من ثلاثة إلى اثنين.

وهذا الخلل الذي التفت إليه كانط هو الذي دعاه إلى القول إنّ قضيّة “أ موجودٌ” وأمثالها ليست قضيّة حقيقيّة، فالقضيّة الحقيقيّة هي التي تحكي لنا عن واقع معيّن، وأما هذه القضايا فهي لا تنطبق على واقعٍ محدّد. وقد كان راسل وأقرانه مشغوفين بهذه النقطة من كلام كانط الذي كان يرى أنّ القضايا البسيطة ليست قضيّة بكلّ ما للكلمة من معنى، وقد بذلوا ما بوسعهم من جهدٍ لشرح هذه النظرة الكانطيّة التي تنسجم مع طريقتهم في التفكير.

وما يدعو إلى التعجّب أنّ راسل في تفسيره الذي يسمّيه بالتحليل لحقيقة الوجود، لا يورد بحث الوجود بأيّ وجهٍ من الوجوه، ويكتفي بعرض مسرحيٍّ أبطاله المصطلحات الثلاثة: “موضوع”، “محمول”، “نسبة حكميّة”، “وجود”، ويختم القصّة ظانّاً أنّه أدّى قسطه للعلى وأمّن لدعواه دليلها؛ ولأجل هذا لا يدخل البحث الماهويّ ولا يمدّ يد البحث إليه. وعليه لم يستطع إدراك الخلل الذي اكتشفناه في كلام كانط.

لقد انجذب ذهن راسل في تفسيره لنظريّة كانط إلى المفهوم المجرّد للوجود في القضايا من القسم الأوّل وتابعه سلفه في موقفه من الوجود المحموليّ حيث عدّه غير حقيقيّ. ولكنّ راسل لا يشرح لنا مراده من الوجود الذي يحكم عليه، وهل هو يقصد مفهوم الوجود المجرّد المطلق الانتزاعيّ أو حقيقته. وكذلك لا بد من التساؤل حول كيفية نسبة الماهية إلى الفرد؟ فهل هذه النسبة هي شيء آخر غير نسبة الماهية إلى الوجود أم هي عين تلك النسبة، وهل الفرد هو عين الوجود الحقيقيّ؟ وهذا الأمر أيضاً ممّا لم يكلّف راسل نفسه عناء الخوض فيه.

وهنا أسمح لنفسي بمجاراة الفيلسوف المعاصر قليلاً وأسلّم معه بأنّ قضية “الإنسان موجود” هي قضيّة افتراضية لا حظّ لها من الحقيقة، وإنّما الحقيقة هي “سقراط موجودٌ”. ولكن مع التسليم بهذا ألا يحقّ لنا أن نسأل ما المقصود بسقراط الذي جُعِل موضوعاً في القضية الثانية؟ أليس سقراط غير الواقع والتشخّص الحقيقيّ للإنسان، وبعبارة أخرى: أليس هو الوجود الحقيقيّ الواقع في طبقة الإنسان، ونحن نسمّي هذا الوجود الحقيقيّ المعدود بين أفراد الإنسان التاريخيّ “سقراط”؟

لو أنّ راسل يجيب عن السؤال المطروح أعلاه بالإيجاب ويقبل أنّ المقصود بسقراط ليس شيئاً سوى الفرد والوجود الحقيقيّ للإنسان، يكون قد وافق على أنّ الوجود حقيقيّ، وبالتالي يكون سقراط موضوع القضية والوجود ليس هو النسبة الحكمية copula؛ بل على عكسِ قضايا القسم الأوّل التي يكون الوجود فيها هو المحمول والماهيّة هي موضوع القضيّة، فهنا موضوع القضية هو الوجود الحقيقيّ والماهية هي المحمول. وعلى أيّ حال، الوجود في القسمين سواء في ذلك القسم الافتراضي والقسم الحقيقي ليس رابطاً ونسبة حكمية. والفارق بين القسمين هو أنّ مفهوم الوجود في القسم الافتراضيّ هو المحمول، بينما في القسم الحقيقيّ حقيقة الوجود هي موضوع القضية.

والسؤال الأساس الذي يمكن أن يوجّهه راسل إلينا هنا هو: ما السبب الذي يدعو أو يبرّر عدّنا الفرد الحقيقي للإنسان عين الوجود الحقيقي، لنبني على هذا الأمر موقفنا القاضي بأنّه ما دام الفرد أي سقراط هو موضوع القضيّة وليس نسبةً، والوجود الحقيقيّ هو الفرد، إذاً الوجود الحقيقيّ هو الموضوع ولا يمكن أن يكون نسبة.

وجوابنا عن هذا السؤال هو أنّ فلسفتنا، أي الفلسفة الشرقيّة، أثبتت أنّ التشخّص والتعين لا يكون إلّا بالوجود الحقيقيّ وحده، وما لا وجود حقيقيّ له ليس فرداً ولا شخصيّة له. وعلى ضوء هذا المبدإ، لا يمكن ملاحظة شيء آخر غير الوجود الحقيقيّ. ووفق هذه الفلسفة التي لا تعترف بالتعيّن ولا بالتشخّص إلا بالوجود، لا ينبغي التمييز من ناحية الوجود بين قسمي القضايا الأوّل والثاني. والقناة الوحيدة للتمييز بين القسمين هي أنّ القسم الثاني هو القضايا الشخصيّة، بينما القسم الأوّل الذي يسمّيه راسل بالقضايا الافتراضيّة هو القضايا الكليّة. وخلاصة القول إنّ الوجود في القسم الأوّل من القضايا كليّ مجرّدٌ من العوارض، وفي القسم الثاني يأخذ صورة الفرد والحقيقة الشخصّ، ويكون موضوعاً في القضيّة. وبعبارة أخرى: الفرق بين القسمين الافتراضيّ والحقيقيّ يكمن في الكليّة والشخصيّة من جهة، ومن جهة أخرى في ترتيب الموضوع والمحمول. أي ما هو موضوع في القسم الأوّل هو في القسم الثاني محمول. وما هو محمول في هذا القسم وكلّيّ هو في القسم الثاني موضوعٌ وشخصيّ. وما لا يمكن التشكيك فيه هو أنّه لا اختلاف ولا تفاوت بين القسمين من ناحية الوجود المحمولي والوجود الرابط.

وفي هذه المرحلة من البحث يحسن بنا أن نفهم عدم صحّة نظرية كانط التي كانت تقرّر أنّ الوجود رابطٌ أينما حلّ في القضية، ويتبعه في الخلل وعدم النجاح في التفسير والشرح كلام راسل المبنيّ على التمييز في القضايا البسيطة وتقسيمها إلى قسمين أحدهما يسمّيه افتراضيّاً ومصطنعاً القسم الأوّل والآخر يسمّيه حقيقيّاً القسم الثاني، ثمّ في هذا القسم الذي يمثّل البعد الواقعيّ لقضايا القسم الأوّل، يرى أنّ الوجود ليس موضوعاً ولا محمولاً في قضايا هذا القسم وإنّما هو مجرّد رابط بين طرفي القضيّة. ويبدو أنّ هذه النظريّة لها منشأٌ أساس هو المغالطة التي تطوّرت في ذهن راسل نفسه، ولعلّها أيضاً كانت موجودة في ذهن كانط نفسه، وهي مغالطة التمييز بين مفهوم الوجود وحقيقة الوجود. لقد كان راسل يتصوّر أنّ سقراط أو المئة تالِر شيءٌ مغاير لواقعيّة الوجود، وهو حسب الأمر على هذا النحو: حسنٌ إن سقراط أو المئة تالِر الحقيقيّة فردٌ من أفراد الماهيّة، وليس سقراط وجوداً ولا المئة المذكورة أيضاً، فليس شيءٌ من هذين الأمر وشبههما يمكن تسميته بالوجود، بينما يمكن عدّه فرداً من أفراد الماهيّة، وليسا وجودها، وهما يقعان موضوعاً في القضية. والماهيّة التي هي ليست وجوداً تقع محمولاً في القضيّة، والكلمة الوحيدة التي لها صلة بالوجود في القضية فعل الكون is أو است في اللغة الفارسية، وهذا الفعل والكلمات الدالّة عليه ليس له في القضية سوى دور الربط بين طرفيها.

وقد انتهى راسل من تحليله المقصور على ألفاظ القضايا إلى أنّ الوجود هو رابطٌ أينما حلّ وجعل هذا الحكم من خصائص الوجود الحقيقيّ. وإذا رأينا الوجود في بعض القضايا المنطقية قد حلّ محلّ المحمول، يجب أن نفهم أنّ هذه القضية هي قضية مصطنعة وافتراضيّة، وهي من صنع المخيّلة وليست حاكية أو كاشفةً عن الواقع، وبالتالي لا ينبغي عدّها ولا تصنيفها في خانة القضايا الحقيقية.

وقد تبيّن من العرض السابق أنّ نقطة الارتكاز في تفكير كلٍّ من كانط وراسل هي في اعتقادهما بأنّ سقراط والمئة تالِر الحقيقية هما شيء مختلف عن الوجود الحقيقيّ، وعلى ضوء هذا الاعتقاد بنيا فلسفة مدهشةً، أدّت إلى أن تكون القضايا الكلّيّة والضرورات الذاتيّة وبشكلٍ عامٍّ المفاهيم الكليّة والمعقولات حتّى لو كانت مستقاةً من المحسوسات أمور اعتباريّة وألفاظ لا معنى لها. ومن هنا، كانت الميتافيزيقا ومسائلها قضايا خياليّة لا يمكن أن تنال شرف الاعتراف العلميّ.

والآن إذا استفدنا من التعليمات العالية للفلسفة الإسلامية في الشرق، وعددنا الوجود الحقيقي في الفرد والأشخاص الذين يمكن إخضاعهم للاختبار الحسّي، وكذلك إذا اعتمدنا أحد الأصول الفلسفية في فلسفة صدر المتألّهين، وأثبتنا أنّ التشخّص يعني الفرد، وهذا الأخير مساوٍ لحقيقة الوجود، إذا انطلقنا من هذه المعطيات ألا تفقد فلسفة كانط وتفسيرات راسل قيمتها وتخسر اعتبارها؟ وألا تنقلب بنية المنطق التحليليّ التي أتحفنا به راسل رأساً على عقب؟

إنّ سقراط والمئة تالِر الحقيقية وسائر الأشياء سواء كانت جوهراً أم ظواهر خارجيّة أم ظواهر ذهنيّة هي جميعاً بحسب رؤية فلاسفتنا مصاديق للوجود، وهذه الحقائق تقع موضعاً للإشارة الحسية بسبب تشخّصها وجزئيّتها، وتبعاً لهذا تخضع للتقويم الحسيّ والاختبار بواسطة الحواسّ، وبمجرّد أن تقبل هذه الظواهر المشار إليها الإشارة الحسيّة يتولّد لدينا موضوع القضية الشخصيّة. وعندها أيضاً وبسبب كلّية المفاهيم المستقاة من هذه الظواهر الجزئيّة تصلح هذه المفاهيم للحمل على الموضوعات، ونقول مثلاً: “سقراط إنسان”، وهذا يعني أنّ هذا الوجود القابل للاختبار الحسيّ، يقع في طبقة الإنسان، والأمر عينه يقال عن المئة تالِر الحقيقيّة التي هي واقع خارجيّ للوجود...

وفي المنطق قاعدة تعلّمنا ما هو المحمول الحقيقيّ وتخبرنا أي شيء يجب أن يكون موضوعاً في القضيّة. ومفاد هذه القاعدة أنّ الشيء الأعمّ يجب أن يكون محمولاً والأخصّ أو الأصغر يجب أن يحلّ في مرتبة الموضوع.

وبالنظر إلى هذا المنهج المنطقيّ وعلى ضوئه نفهم العلّة التي على أساسها يكون سقراط أو المئة تالِر الحقيقية أو أيّ وجود حقيقيّ آخر موضوعاً في القضيّة الشخصيّة، كما نفهم السبب الذي ينقل سقراط أو المئة تالِر إلى موقع المحمول في القضية عندما نعمِل فيهما التجريد العقلانيّ حتّى يصيرا عامّين وكلّيين، وصرفنا النظر عن مشخّصاتهما الفرديّة، وعندها لا بدّ من فرضة موضوعٍ لهذين الوجودين المحمولين، وفي هذه الحالة لا يبقى للقضية الشخصيّة محلّ، ويكون كلّ من الموضوع والمحمول كليّين. وفي هذه الحالة بدل أن نقول “سقراط موجود” نقول: “الإنسان موجودٌ”. ولكنّ هذا الوجود المحموليّ هو سقراط في القضية الشخصيّة الذي كان يأخذ موقع الموضوع بجرم صغره. والآن حقيقة الوجود ظهرت بصورة مفهوم كلّيّ وعامّ، ولمّا كان مفهوم الوجود بالمقارنة مع ماهيّة الإنسان أعمّ وأشمل حلّ في موقع المحمول. وبناء على هذه الموازين والمعايير نرى أنّ الأمر اتّضح إلى درجة كبيرة، وأنّ الوجود ليس رابطاً ونسبة حكمية فحسب في هذا النوع من القضايا، وعلى خلاف ما يراه كانط، وعلى عكس تفسير راسل إنّ الوجود في هذه القضايا إمّا موضوعٌ وإمّا محمولٌ، وما يكون موضوعاً أو محمولاً لا يكون رابطاً ولا نسبة حكمية. ففي القضية الشخصيّة الوجود موضوعٌ، وفي القضية الكلّيّة يكون مفهوم الوجود محمولاً، وفي الحالتين لا يؤدّي دور الرابط في القضية أبداً.

والآن إذا انطلقنا من الأدلّة المتقدّمة وادّعينا أنّ كانط وأخلافه الذين حاولوا شرح كلماته تورّطوا في المغالطة واشتبه عليهم الأمر حتّى عجزوا عن التمييز بين مفهوم الوجود ومصداقه، لا ينبغي أن نُتّهم بالمجازفة والقول بلا دليل. وإذا كنّا على خطإٍ في هذا التقويم، فإنّ على علمائنا المعاصرين الذين أحسب أنّهم أكثر معرفة بالفلسفة الغربية منّي، أن يصوّبوا موقفي وينوّروني أنا والفلسفة الإسلاميّة.

وأرى من واجبي هنا أن ألخّص اعتراضي على كانط حين يقول إنّ الوجود لا يقع محمولاً في القضية؛ بل نسبة بين الموضوع والمحمول. وذلك حتّى يُعلم أنّي لا أنكر الوجود الرابط بالمطلق ولا أرى أنّه مفهوم من دون معنًى. وذلك أنّ اعتراضي الأساس على كانط الفيلسوف الغربي الشهير يكمن في حكمه المطلق والعامّ على الوجود بأنّه رابطٌ أينما حلّ في القضيّة، بينما نحن نرى أنّ الأمر يختلف من مورد إلى آخر ففي بعض الموارد يكون رابطاً وفي موارد أخرى يكون نفسيّاً، وفي موارد أخرى يكون رابطيّاً أي لا رابطاً ولا نفسيّاً، بل رابطيّاً والمقصود من الوجود الرابطيّ هو الوجود الناعتيّ. وهذا المصطلح من المصطلحات الفنيّة الدقيقة في فلسفة صدر المتألّهين الشيرازيّ، وهو يُطلق على قسم خاصٍّ من الوجود. وعلى أيّ حالٍ لم يستطع كانط استيفاء أقسام الوجود على نحو ما فعل الفلاسفة المسلمون، وقصر النظر على قسمٍ واحدٍ من أقسامه وتجاهل القسمين الآخرين ولم يحسب لهما حساباً[22].

واعتراضي الآخر هو أنّه إذا قلنا إنّ الوجود رابطٌ فحسب. عندها لا يمكننا في مبحث “الجعل” أن نقول بجعل الماهيّة ولا بجعل الوجود؛ بل علينا أن نتبنّى ذلك المذهب اليوناني القديم والسطحيّ الذي يتبنّى جعل الصيرورة لما بينه وبين رؤية كانط من التشابه والاشتراك. فإنّ أصحاب ذلك المذهب لا يرون أيّ واقعيّة للماهية ولا للوجود، وما هو واقعيٌّ عندهم وله تحقّقٌ هو ربط الماهيّة بفردها ونسبة أحدهما إلى الآخر. وبناء على هذه الرؤية يكون المجعول بالذات والمعادل للوجود الحقيقيّ هو النسبة بين الموضوع والمحمول، وذلك الشيء الذي يربط المحمولات بموضوعاتها، وإذا حذفنا هذه النسبة من الأشياء وشكّلنا قضايا سلبية عندها لا تبقى أيّ صلة بين الموضوع والمحمول، ولا يمكن أن نقول إنّ سقراط إنسان ولا المئة تالِر الحقيقة هي فعلاً مئة تالِر. وهذا الكلام مطابقٌ إلى درجة كبيرة لكلام كانط، وما ينطبق عليه من إشكالات واعتراضات ينطبق على كلام كانط.

والآن ينبغي أن نتابع مع كانط اعتراضاته على البرهان الوجوديّ لإثبات وجود اللَّه لنرى ما لها وما عليها، ولنعلم أيٌّ منها يمكن مطابقته مع أصول الفلسفة الإسلامية وأيّ منها يقع موقع النقيض منها بغضّ النظر عن صحّته وفساده، فإنّ الغاية القصوى لبحثنا لا تتحقّق إلا بمتابعة العرض والتقويم.

سائر اعتراضات كانط

يبدو لنا أنّ خلاصة الاعتراضات الكانطية على البرهان الوجوديّ التي صارت تجري على كلّ لسانٍ، هي أنّه مهما كانت صفات الباري ضروريّة الثبوت، ومهما بذلنا من جهدٍ لإثبات ضرورتها؛ أي إثبات ضرورة ثبوت المحمول فيها للموضوع على نحو ما فعل ديكارت مثلاً، فإنّ أقصى ما سوف نصل إليه هو قضية ضروريّة ذاتيّة تشبه سائر الضرورات الذاتيّة التي يكون المحمول فيها بيّن الثبوت للموضوع، ومن لوازمه التي لا تنفكّ عن ماهيّة الموضوع. وبعبارة أخرى: لنفرض أنّنا استطعنا بعد الجهد إثبات أنّ قضية “الله موجود” تساوي في ضرورة ثبوت محمولها لموضوعها قضيّة “الأربعة زوجٌ”، فإنّنا لا نصل بعد هذا إلى ضرورة ثبوت هذه الأوصاف خارج الذهن. مثلاً عندما نقول “الأربعة زوجٌ” سوف نقبل دون تردّد أن الزوجية للعدد أربعة بيّنة الثبوت وكيف القضية هو الضرورة الذاتيّة، وعلى أساس هذا نفترض أن لا ضرورة لما هو أكثر من تصوّر الموضوع الأربعة وتصوّر المحمول الزوجيّة للتصديق بالعلاقة بين الطرفين؛ ولكنّ في الوقت نفسه لا يسمح لنا هذا بدعوى التحقّق الخارجيّ لطرفي هذه القضيّة. فالأربعة الحقيقية يثبت وجودها الخارجيّ بواسطة الاختبار الخارجي، والعثور على أربعة أفراد من الإنسان أو من أيّ شيء آخر.

وبناء عليه، يقول كانط إنّ المنطق مهما كان قاطعاً وحاسماً في مقام بيان الضرورة الذاتيّة وهي أعلى الضرورات لزوجية الأربعة، ومهما بلغت درجة إيماننا بهذه القضية وثبوت محمولها لموضوعها، حتّى لو كانت في الوضوح كالشمس في رابعة النهار غير أنّه لا يمكن تحويل هذا الوضوح واليقين المنطقيّ إلى يقينٍ بالوجود الخارجيّ للأربعة ولمحمولها وهو الزوجيّة.

وما يُقال في زوجية الأربعة يُقال، بحسب كانط، في قضية “الله موجود” في مقابل برهان آنسلم ودفاع ديكارت وغيره، وذلك أنّ الانتقال من الاعتقاد بالضرورة الذاتية إلى الوجود الخارجيّ لا وجه له، ومهما بلغ إيماننا بالترابط بين محمول هذه القضية وموضوعها فإنّه لا يجوز لنا الانتقال من تصوّر الله، بل ومن التصديق بأنّه الأعظم والأكمل وأنّه لا يصحّ افتراض ما هو أعظم منه ولا أكمل، ولكن مع ذلك كلّه ينبغي أن لا نغفل عن أنّ هذا كلّه ما هو إلّا في إطار القضيّة المذكورة، ولا يصحّ الانتقال منه إلى التصديق بالوجود الخارجيّ والترابط الخارجيّ بين المحمول والموضوع.

ويُضاف إلى ما تقدّم كلّه، أنّ في مقدور كانط الاستناد إلى قاعدةٍ منطقيّة يتشبّث بها لدعم انتقاداته الفلسفيّة في مواجهة استدلال آنسلم وديكارت، وتجدر الإشارة إلى أنّ هذا الطرح الآتي ليس مذكوراً بهذا الوضوح وهذه الصراحة في كلام كانط، وإنّما نطرحه في فلسفتنا المقارنة بالنيابة عنه. وهذه القاعدة هي أنّ الضرورة الذاتيّة تُسمّى الضرورة المطلقة من كلّ قيدٍ وشرطٍ، وحكمها ثابتٌ لموضوعها بشكلٍ مطلقٍ وكليٍّ، ولكن على الرغم من هذا كلّه، فإنّ هذا الإطلاق والتجرّد عن القيود لا يصل إلى مرتبة التجرّد عن قيد الوجود ودوامه، فالقضية الضرورية الذاتيّة مقيّدةٌ قهراً بالوجود، ولا يثبت محمولها لموضوعها إلّا بقيد وجوده، ولا يمكن لضرورة ثبوت المحمول للموضوع أن تثبت الوجود لماهيّة الموضوع. وما تفيده القضيّة الضروريّة هو: إذا وُجِد الموضوع في الخارج فإنّ المحمول الفلانيّ ثابتٌ له بالضرورة. وبعبارة أخرى تفيد القضية الضروريّة: إنّ الموضوع حين وجوده متّصفٌ بالمحمول الفلانيّ بالضرورة.

وهنا نصل إلى نقطة مبهمةٍ بالنسبة إلى كانط كما هي كذلك بالنسبة إلى مخالفيه. فمن جهة نرى أنّ ديكارت ونظراءه يقولون إنّ قضيّة “الله موجودٌ”، قضية ضروريّة ذاتيّة، ويعتقدون أنّ تصوّر موضوع القضيّة ومحمولها كافٍ للتصديق بها. ومن جهة أخرى نرى أنّ كانط مع افتراض قبول الدعوى التي يدّعيها الفلاسفة المشار إليهم، نجده يحمل على القضايا الضروريّة ويرى أنّها لا تتولّى إثبات الوجود الخارجيّ والواقعيّ للموضوع. والسؤال هنا هو: هل تستدعي انتقادات كانط رفع اليد عن البرهان الوجوديّ؟ هذا السؤال مثيرٌ للجدل ومحاطٌ بالغموض؛ وذلك لأنّ البرهان الوجوديّ يتّصف بدرجة عالية من الإتقان والمتانة إلى حدٍّ لا يسمح المنطق الإنسانيّ بصرف النظر عنه بسهولةٍ، ومن جهة أخرى لا يمكن تجاهل انتقادات كانط؛ حيث إنّ حظّها من المتانة لا يسمح بتجاهلها حتّى لمن يفكّر في إطار المنطق الأرسطي. وممّا لا شكّ فيه أنّ هذه النقاشات تركت أثرها في البرهان الوجوديّ وخبا بريقه بدءاً من عصر كانط.

الضرورة الأزليّة لا الذاتيّة

قلّما يُعثر على أحدٍ في المحافل العلمية الغربية في أوروبّا وأمريكا لا ينظر بعين التعظيم والإعجاب إلى انتقادات كانط للبرهان الوجوديّ والمبادئ التي يستند إليها. حتّى إذا لم ينل الإعجاب على أبعاده الإيجابيّة فإنّ قدرته على تخريب البرهان الوجود لا تعدم الحفاوة.

ولحسن الحظّ فإنّ الفلسفة الإسلاميّة لا تعاني هذا الإبهام، وإنّ كلمات فلاسفتنا صالحةٌ لسدّ كل سبل الاحتمال والشكّ وإبعادها عن حياض البرهان الوجوديّ.

في هذه المرحلة على الفلاسفة غير المغرضين الاعتراف للفلاسفة المسلمين بأنّهم خطوا خطوة إلى الأمام، سمحت لهم بحلّ هذه الإشكاليّة التي عجزت الفلسفة الغربية عن حلّها. وذلك أنّ تحليل الفلسفة الإسلاميّة للحمل وأقسامه في الفلسفة الإسلاميّة أدقّ من ما قدّمته الفلسفة الغربية في هذا المجال. والمستوى عينه من التحليل نجده في تقسيمات الفلسفة الإسلاميّة للوجود، فثمّة أقسام أخرى له غير الوجود الرابط وأقرانه ممّا التفتت إليه الفلسفة الغربية. والضرورة أيضاً تنقسم في الفلسفة الإسلامية إلى أقسامٍ لم تلتفت إليها تلك الضفّة من جغرافيا الفكر الفلسفيّ.

وهذه الضرورة هي الضرورة الأزليّة، وهي من الضرورات الخاصّة بالوجود، وهي تختلف عن الضرورة الذاتيّة التي عرفناها في فلسفة كلٍّ من ديكارت وكانط. فالفلسفة الإسلامية تقرّر البرهان الوجوديّ على ضوء الضرورة الأزليّة فقط، ولا تستخدم الضرورة الذاتيّة ولا تلحظها في هذا البرهان. والأزلية تكون حيث تكون القضية الضروريّة مطلقة من أيّ قيد حتّى قيد “ما دام الوجود”، ففي القضية الضرورية الأزليّة لا الحيثية التقييدية مأخوذة في الموضوع، ولا الحيثية التعليليّة. وموضوع هذا الحكم في القضية هو ذات الموضوع في حدّ ذاته وبلحاظ ذاته ومن الحيثية الإطلاقيّة. وهذه الضرورة هي ضرورة الضرورة الثابتة لحقيقة الوجود من حيث هو صرف حقيقة الوجود. وصرف الوجود هو ما تحكم عليه الفلسفة الإسلامية بأنّه لا يتثنّى ولا يتكرّر.

وإذا حملنا الوجود على اللَّه بالضرورة الأزليّة وقصدنا بالوجود حقيقة الوجود لا مفهومه وقصدنا بالحقيقة صرف الوجود المحض، وقصدنا من اللَّه ذلك الوجود الذي لا يمكن تصوّر ما هو أعظم منه، عندها لا إيراد توما الأكويني يرد ولا مدافعات ديكارت تبقى ذات صلة، ولا انتقادات كانط تجد لها محلّاً أو قدرةً على الإخلال بالبرهان الوجوديّ.

ثمّ إنّه لا بد من الاعتراف لكانط بأنّ انتقاداته ترد على دفاعيّات ديكارت، وليس ذلك من وجهة نظر الفلسفة الأوروبيّة وحدها، بل من وجهة نظر الفلسفة الإسلامية التقليديّة أيضاً. فهذه الأخيرة تجاري كانط في وجهة نظره القائلة بأنّ الضرورة الذاتيّة لا تقتضي الثبوت الخارجيّ ولا تتولّى إثباته. مع الإشارة إلى أنّ هذه المجاراة في حدود ما يوجّهه كانط إلى دفاعيّات ديكارت، ولا تجاريه في نقده للبرهان الوجوديّ.[23] وأما البرهان نفسه فهو فيي حصنٍ منيعٍ هو حصن الضرورة الأزليّة، لا تناله يد التشكيك والنقض. وشرط القبول به في الفلسفة الغربية هوو اطّلاع فلاسفة الغرب على مفهوم الضرورة الأزليّة عند فلاسفة المسلمين.


[1]*ـ مفكر وباحث متخصص في الفلسفة الإسلاميّة، أستاذ في الحوزة العلمية في قم.

المصدر: هذا النص هو ترجمة للفصل الثالث عشر من كتاب "كاوشهاى عقل نظري"، ولهذا الكتاب أكثر من طبعة. والنص المعتمد في هذه الترجمة من مجموعة مؤلّفاته، تحقيق مصطفى محقق داماد، المجلد الثاني، من صفحه 297 إلى صفحة 369، انتشارات مؤسسه پژوهشی حکمت وفلسفه ایران.

نقله عن الفارسية: ش. أ. محمد حسن زراقط.

[2]ـ شرح منظومة السبزواري، ج 1، ص 324-325.

[3]ـ ابن سينا، الإشارات والتنبيهات، ج 3، ص 122.

[4]ـ نصير الدين الطوسي، المصدر نفسه.

[5]ـ John hick (ed.)، Op. cit.

[6]ـ نقد المحصّل، ص 6، وص 10.

[7]- John hick (ed.)، Op. cit.

[8]ـ الحقيقة (reality) مصطلح مشهور في الفلسفة الإسلاميّة وهو لا يدلّ على المعنى المقابل لكلمة مفهوم وماهيّة. بل الحقيقة هي المفهوم والماهية التي تنطبق على مصداقها الواقعيّ. وهذا لا يتطابق مع النقاش الدائر في الفلسفة الغربية بين الواقعيّة (رياليسم) والمثالية (ايدياليسم). وقد تعرّضنا لهذا المطلب في الفصول الأولى من كتاب: “كاوشهاي عقل نظري”.

[9]ـ ديكارت، تأملات في الفلسفة الأولى، نقلاً عن: John Hick، op. cit.

[10]ـ سوف نحاول صبّ كلام كانط وغيره من الفلاسفة الأوروبيّين ما أمكن ذلك في قوالب الفلسفة الشرقيّة. وعليه فإن عدم وجود بعض هذه المصطلحات في كتب كانط أو غيره، يستند إلى عدم معرفة المترجمين عن اللغات الأوروبيّة للفلسفة الشرقية وعدم معرفتهم بالمعادلات الاصطلاحية المتوفّرة في فلسفتنا. ويمكننا القول حتى الآن لا توجد ترجمة علمية فلسفية لا بالفارسية ولا بالعربية. وهذه مشكلة كبيرة تواجه الدراسات الفلسفية المقارنة، وإني أدعو أهل الاختصاص إلى إنجاز هذا الأمر المهمّ عاجلاً أم آجلاً.

[11]ـ أرتأينا أن نجمع بين ترجمة النص المنقول عن كانط من الفارسية بالعربية، ونقل الترجمة العربية في الهامش للمقارنة: “ولو نسختُ، في حكم هُوِّيٍّ، المحمول واحتفظت بالحامل ونتج عن ذلك تناقض، لقلت إذن: إنّ هذا يناسب ذلك بالضرورة. لكن لو نسخت معا الحامل [الموضوع] والمحمول، فإنّه لن يتولّد أيّ تناقض عن ذلك؛ لأنّه لن يكون ثمّة شيء ممكن أن يكون معه تناقضٌ. فمن المتناقض أن أطرح مثلّثاً وأنسخ الزوايا الثلاث؛ لكن لا تناقض قط في أن أنسخ معاً المثلّث وزواياه الثلاث. والأمر على هذا النحو بالضبط بالنسبة إلى أفهوم كائن ضروريّ ضرورة مطلقة. فإن نسختم وجود هذا الكائن، ونسختم أيضاً الشي نفسه مع كلّ محمولاته، فمن أين سيأتي التناقض؟ لن يكون هناك أيّ شيء في الخارج ليمكن أن يكون معه التناقض؛ لأنّ الشيء لا يجب أن يكون ضروريّاً في الخارج، ولن يكون هناك شيء أيضاً جوّانيّاً، لأنكم إن نسختم الشيء نفسه، تكونون قد نسختم معاً كلّ ما هو جوّانيّ. اللَّه هو كلّي القدرة، ذاك حكم ضروريّ، ولا يمكن للقدرة الكلّية أن تُنسخ ما إن تطرح الألوهة، أي ما إنْ يُطرح كائن لا متناهٍ هو هذا المحمول. لكن لو قلت: ليس اللَّه بكائنٍ، فلا القدرة الكلّية ولا أيّ محمول آخر من محمولاته سيكون عندها معطًى؛ لأنّها قد نسخت جميعها مع الحامل [الموضوع]، فلا يحدث أيّ تناقضٍ في هذه الفكرة.

رأيتم إذن، أنّني لو نسخت محمول الحكم وحامله [وموضوعه] معاً، لما أمكن أن يصدر عن ذلك أيّ تناقضٍ جوّانيّ وأيّاً كان المحمول. والحال أنّه لم يبق لديكم من مخرجٍ آخر سوى القول، إنّ هناك ضروباً من الحامل ضروريّة ضرورة مطلقة، وذاك افتراض ما زلت حتّى الآن أضع مشروعيّته موضع الشكّ وما زلتم تريدون إثبات إمكانه لي. ذلك أنّه لا يمكنني أن أكوِّن أيّ مفهوم عن شيء يبقي التناقض قائماً إذا ما نُسخ مع كلّ محمولاته، وليس لديّ فيما عدا التناقض أيّ معيار عن الامتناع بمجرّد أفاهيم قبلية محضة.” (انظر: كانط، نقد العقل المحض، ترجمة موسى وهبة، بيروت، مركز الإنماء القومي، 1988، ص 297-298)

[12]- Immanuel Kant، Critique of Pure Reason، P. 501.

[13]- Ibid، Pp. 501- 502.

[14]ـ ويشير كانط هنا إلى تحويل القضايا الحملية الضروريّة إلى قضايا شرطيّة، وهو أمرٌ بسط صدر الدين الشيرازي القول فيه في الأسفار الأربعة وبنى عليه حلّ عددٍ من المسائل الفلسفيّة. ولكنّ بعض المشتغلين الغربيّين بفلسفة كانط غرّد خارج السرب وطرح بعض الكلام الذي يمكننا القول على ضوئه إنّه لم يفهم الفكرة ولم يدركها حق إدراكها. للمزيد حول هذا الأمر انظر، الفصل الأخير من كتاب: كاوشهاى عقل نظري.

[15]ـ ما قدّمناه أعلاه هو إعادة صياغة شرقيّة لاعتراض كانط على البرهان الوجوديّ، ولا أثر لبعض هذه المصطلحات في التراث الكانطيّ. وما نجده في كلامه هو الاعتراف بنوعين من الضرورات أحدهما الضرورة المشروطة وهي الضرورة الذاتيّة المنطقيّة، والنوع الثاني هو الضرورة المطلقة حتّى من قيد الوجود. وهذا ما يُسمّى في الفلسفة الإسلامية بالضرورة الأزلية، وهذا المفهوم الأخير ليس موجوداً في الفلسفة الغربية، ولعلّه لا يبرّر كلام كانط.

[16]- Immanuel Kant، Op. cit. P. 405.

[17]ـ حمل لوازم الذات على الذات أوّلي الصدق؛ لأنّ هذا النوع من الحمل يندرج في القضايا الحملية ضروريّة الصدق، وصدقه لا يحتاج إلى حدٍّ أوسط، ومثاله قضية “العدد أربعة زوج”. ومن جهة أخرى بمناسبة أنّ إسناد لوازم الذات إلى الذات فيها ذاتيّ، يمكن تصنيفها في خانة الحمل الذاتيّ الأوّلي بناء على هذه الملاحظات. ولكن قيل إنّ معيار الحمل الذاتيّ الأوّلي هو الاتّحاد المفهوميّ بين الموضوع والمحمول، ولا اتّحاد مفهوميّ في هذا المثال وأشباهه، ولأجل هذا لا نعدّ الحمل في هذا القضايا وشبهها من الحمل الذاتي ّالأوّليّ، وإنّما نصنّفه في دائرة الحمل الشائع الذاتيّ.

[18]ـ علمة معدنية من الفضة سكّت عام 1518 م. وكانت تُستعمل في معظم مناطق أوروبا لفترة أربع مئة سنة تقريباً. (المترجم)

[19]ـ كانط، نقد العقل المحض، ترجمة موسى وهبة، ص 299.

[20]ـ حاولنا الاستغناء عن الترجمة بنقل كلام صدر الدين الشيرازي بعينه؛ ولكنّا لم نعثر على نصٍّ مطابقٍ لسببين أولهما أنّ الكاتب لا يحيل إلى كلام الشيرازي والثاني هو أنّ الكاتب تصرّف في نقله كلام الشيرازي ونقل مضمون كلامه الذي يذكره في صفحات عدّة بدل ترجمة نصٍّ محدّد. انظر للمقارنة: الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة، ج 2، ص 297 وما بعدها. (المترجم).

[21]ـ نقل مع ترجمة وتلخيص وتصرّف عن: john hick، the existence of god.

[22]ـ للمزيد حول هذا الموضوع أنصح بمراجعة فصل “أقسام الوجود” من كتاب كاوشهاي عقل نظري.

[23]ـ وأنا أعتقد، وعلى خلاف المشهور في الفلسفة الغربية، أنّ كانط لم يكن بصدد نقض البرهان الوجوديّ؛ وذلك لأنّ انتقاداته كانت موجّهة إلى التقرير الديكارتيّ لهذا البرهان؛ ولعلّ كانط كان يعترف بالبرهان الوجوديّ ويقرّ بقدرته على إثبات وجود اللَّه لو أنّه اطّلع على التفسير الإسلاميّ لهذا الدليل.

ومن اللافت أنّني بعد تدويني هذه السطور عثرت على نقدٍ صدرائيٍّ يشبه الانتقاد الكانطيّ ويشترك معه في عدم قدرة القضية الضرورية الذاتية على إثبات موضوعها واجب الوجود، وذلك حيث يقول صدر المتألّهين: «ومن هذا القبيل الأحكام الجارية على مفهوم الواجب الوجود بالذات كقولنا واجب الوجود وتشخصه عين ذاته ووحدته مغايرة لما يفهم من الوحدة، فإنّ الحكم بعينية التشخّص من حيث كونه حكماً من الأحكام يتوجّه إلى مفهوم واجب الوجود- لكن عينية التشخص غير متوجه إليه؛ بل إلى ما يؤدي إليه البرهان أنه بإزائه وهو الحي القيوم جل ذكره وإن تقدّس عن أن يتمثل في ذهن من الأذهان. فعلم أن هذه القضايا ونظائرها حمليات غير بتية وهي وإن كانت مساوقة للشرطية لكنها غير راجعة إليها كما يظن فإنّ الحكم فيها على المأخوذ بتقدير ما- بأن يكون التقدير من تتمة فرض الموضوع حيث لم يكن طبيعة متحصّلة أصلا أو في الذهن لا بأن يكون الموضوع مما قد فرض وتم فرضه في نفسه ثم خصص الحكم عليه بالتقدير المذكور حتى يكون الموضوع من قبيل الطبيعة الموقتة أو المقيدة ليلزم كون القضية مشروطة في المعنى‌...» (الأسفار الأربعة، ج 2، ص 313.)