البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

إسم البحث : الفيلسوف الألماني فرانز فون بادر ، ناقد العقلانية الملحدة

الباحث : رولاند بيتشي Roland Pietsch

اسم المجلة : الاستغراب

العدد : 7

السنة : السنة الثالثة - ربيع 2017 م / 1438 هـ

تاريخ إضافة البحث : May / 9 / 2017

عدد زيارات البحث : 437

حجم ملف البحث : 362.589 KB

 تحميل

تطرق هذه المقالة باباً استثنائياً في الحديث عن سيرة الفيلسوف الألماني فرانز فون بادر (Frenz von Baader) الذي نقد الكوجيتو الديكارتي وأبطل مفاعيله المنطقية من دون أن تتخذ فلسفته مسارها الفعليّ في الحداثة الغربية، ربما يعود السبب إلى الطبيعة الجذرية في نقد بادر لقيم الحداثة ولا سيما في جانبها الدنيوي والإلحادي.

قد تكون السمة المفارقة لشخصية هذا الفيلسوف أنه أنشأ منظومته في فهم الوجود على نحو مغاير لآباء الفلسفة الحديثة. في ردّه على كوجيتو ديكارت "الأنا أفكر إذاً أنا موجود" يقول "كوجيتو" أنا مفكّر فيه وبه من الله، إذن أنا يمكن أن أكون وأفكر".

المقالة التالية التي كتبها المستشرق الألماني رولاند بيتشي تكشف المكامن الرئيسية لفلسفة بادر النقديّة للعقلانية الحديثة.

المحرر


يُفترض أن تكون قاعدة استقلال العقل، سبب كل فصل للدين عن الفلسفة. وقد تولّى فرانز فون بادر محاولة مصالحة الدين والفلسفة من جديد. ركّز في هذا الأمر بشكل أساسي في ميتافيزيقا وثيوصوفيا يعقوب بوهم(1624-1575) وعلى الأشكال الأقدم من التصوّف والثيوصوفيا. يمكن اعتبار الجهود التي بذلها بادر في مصالحة الدين مع الفلسفة نقداً للعقلانية الحديثة التي تدعو إلى استقلالية العقل. غير أن بادر لم يوجّه نقده بطريقة منهجية؛ بل نتج ذلك في سياق تطوير فلسفته. وعلينا من أجل شرح نقد بادر للعقلانية الحديثة أن نشير إلى المبادئ الخاصة في فلسفته. 

لكي يحقق بادر مهمته الرئيسية، أي المصالحة بين الدين والفلسفة، طوّر فلسفته التأملية أو الدينية، وكذلك معتقداته أو لاهوته التأملي. محتوى الفلسفة التأملية ومحتوى اللاهوت التأملي متماهيان. المحتوى هو الكينونة، ووجود الله، والوحي الإلهي، والخلق، والسقوط، وخلاص العالم. لكن الفلسفة التأملية واللاهوت التأملي يختلفان في مناهجهما. فبينما تحاول الفلسفة التأملية اكتساب محتويات الوحي الإلهي من خلال تحليل الوعي الذاتي ومعرفة المجتمع والطبيعة، يبدأ اللاهوت التأملي من اللَّه ومن الفرضية اللاهوتية أن الإنسان صورة الله. فيما يخص المقاربات الثلاث للوحي الإلهي المذكورة في الفلسفة التأملية، يشكّل تحليل الوعي الذاتي والمعرفة البداية. هنا يتّبع بادر في الظاهر الإجراءات العادية منذ ديكارت (1596-1650)، حيث تبدأ الفلسفة بنظرية المعرفة. ومع ذلك سنجد فرقاً بين بادر وديكارت وهو ما سنتحدث عنه لاحقاً.


--------------------------------------

من سيرته الذاتية

وُلد فرانز فون بادرFranz von Baader في ميونخ سنة 1756 وتوفي فيها سنة 1841. كان فيزيائياً ومهندس تعدين، وعمل مهندساً في مصنع للزجاج، والأهم من كل هذا أنّه كان فيلسوفاً، بل أحد أهم فلاسفة عصر المثالية والرومنسية الألمانية. نأى بنفسه عن قيود النظام الأكاديمي، وهذا موقف فريد لفيلسوف بهذا الحجم، مع ذلك شكّلت فلسفته كلاً متكاملاً. كان يقول لطمأنة الذين يقولون بضرورة النظام الجاهز: «المصطلحات والتعريفات لا تتخذ مسارها في خطّ مستقيم، بل تشكّل دائرة، فليس المهم من أين يبدأ المرء، المهم أن توصلنا التعريفات إلى المركز».

--------------------------------------


تأسيس الكينونة والتفكير

تبدأ الفلسفة بالنسبة لبادر بسؤال: ما الذي يؤسّس بنية الكينونة والتفكير؟ إنه السؤال عن تأسيس العقل الأنطولوجي للكينونة والتفكير. بالنسبة لبادر، الركيزة والمبدأ الأساسيّ هو الذي يُحدِث ويؤيِّد ويساعد، إنه الذي يُحدث الكينونة وهو الذي يؤسّسها، ويؤيّدها، ويساعدها، وهذا وحده المبدأ الذي يخلق ويؤسّس ويدعم في الوقت نفسه، وهو أكثر من مجرد سبب أوّل، أو محرك أول كما وصفه أرسطو مثلاً. فعندما يكون الذي يُحدث ويؤيّد ويساعد هو المؤسّس، إذاً فالمؤسس الأول بداية هو الذي يُحدث ويؤيّد ويساعد. لكن الذي يحُدث أولاً، يمكن أن يكون الذي يُحدث نفسه وبالتالي يؤسس نفسه وحسب. فالمحدِث والمؤسّس الأول لا يمكن أن يُحدث ويؤسّس غيره قبل أن يُحدث ويؤسّس نفسه أولاً. ومن خلال كونه مؤسساً لذاته فقط، يمكن لذاتيّ التأسيس أن يؤسّس. 

لا يمكن لسببية أُولى لا تكون مؤسَّسة بذاتها أن تكون سببية أُولى. وأي تفكير لا يكون تفكيراً نابعاً من ذاته ووعياً لذاته، بل تفكير ووعي بالغير، لا يكون المؤسّس والمحدِث للتفكير والوعي. فالسببية الأولى سببية أولى لأن الإحداث هو التأسيس الإحداث بالذات، والتفكير بالذات والوعي بالذات. إن هذا الإحداث للذات وإنشاء الذات لا يمكن أن يحدث بأي شكل في العالم المتناهي، لكن حدوثه يكون في حياة الحقيقة الإلهية اللامشروطة الأزلية التي لا بداية لها. بهذا المعنى، يعني توليد الذات وتأسيس الذات أن يحدث أبدياً وأن يكون قد أحدث ذاته أزلياً في مفارقة دائرية، وأن يصبح واعياً إلى الأبد ويكون واعياً بذاته. هنا يسير بادر على خطى يعقوب بوهم عندما يقول إن المبدأ الذي يؤسّس كما يُحدث نفسه ينبغي أن يولّد ذاته كما لو كان يجعل الوعي لنفسه، ويجعل فيها معرفتها بذاتها. وينبغي أن يكون لذاته وجودياً (أنطولوجياً) ومعرفياً (إبستيمولوجياً)، أي يجب أن يكون قد أوجد ذاته، ووعيه بذاته ومعرفته بذاته. 

يؤكّد بادر في هذا السياق أن الكينونة، والوعي الذاتي والمعرفة الذاتية أُحدثت من مبدأ موحد، وأن هذا المبدأ في كينونتها وفي وعيها لذاتها، وفي معرفتها يتماهى مع ذاتها؛ لأنه من جهة أخرى ليس المبدأ المؤسس لذاته (ومؤسس غيره) والمساعد والمؤيد. إن مبدأ التأسيس ينبغي أن يكون مؤسساً ذاته بمعنى محدث بالذات، ووعي بالذات وخلاق. المبدأ المؤسِّس بحق هو الذي يولّد المعرفة وكل ما يتعلق فيها أو: إن المعرفة المطلقة والخالقية المطلقة يتماهيان في المبدأ. إن تعليم تماهي الذات والموضوع في العقل الواعي لذاته أو كون العقل مع ذاته هو تعليم أن الادراك الكامل هو إدراك منتج، يدرك عندما يُحدِث. عندما لا يكون وعي الذات تماهياً أزلياً بين الذات والموضوع لا يكون تماهياً حقيقياً؛ لأن التماهي بين ما يحدِث وبين ما يُحدَث، والتماهي بين ذات وموضوع الوعي الذاتي الذي لا ينشأ إلا في الزمن، ليس تماهياً، بل هو تعاقب إلغاء للفوارق. إن وعياً ذاتياً كهذا الذي يتماهى في حالة تعاقبية ليس أولياً ولا أصيلاً، بل هو ثانوي ومستخلص. وهذه المعرفة اللاأولية أو الثانوية هي الآن أولاً المعرفة الذاتية لكل عقل متناه. فكل عقل متناه يعرفه لا يحدِث نفسه وبالتالي لا يعرف نفسه، وهكذا يعرف بكونه معروفاً من الروح المطلق الذي أحدثه. وكل معرفة ذاتية أو تفكير ذاتي للموجود المحدود هو أيضاً مفكَّر فيه ويعرِف بمعرفته أنه مفكَّر فيه في الوقت نفسه. «الأنا أفكر» (الكوجيتو) هي دائماً في الوقت نفسه «أنا مفكّرٌ فيّ إذا أنا أفكٍّر (cogitor ergo cogito).

نقد بادر لديكارت

إن مخالفة بادر لديكارت وهذا جانب أساسي من وجوه نقده للعقلانية تتمثّل في أن ديكارت تناول العقل المتناهي العارف بذاته (cogito ergo sum) من أجل معرفة أوليّة، أي من أجل المعرفة التي لا يرقى إليها الشك وحسب. ساد مع هذه الفلسفة وفيما تلا وصولاً إلى يومنا هذا (الذي أصبحت الأنا ألفه وياءه) انحراف خاطئ، وعلى الأقل، تحويل لكل ما سمي لاحقاً براهين على وجود اللَّه إلى ما ليس إلهاً؛ وأصبح الاعتقاد بمطابقة معرفة المرء لذاته مع معرفته بكونه معروفاً للروح المطلق أكثر غموضاً. 

تؤدّي فلسفة بادر التأملية في بحثها عن المبدأ المؤسس إلى الوعي الذاتي، لكن من الواضح أن الوعي المحدود بالذات ليس المبدأ المنشود؛ لأن على الفلسفة أن تدرك أنها مدينة بتماهي ذاتها وموضوعها وبوجودها لمبدأ آخر. الـ«كوجيتو» (أنا أفكر) والـ «أنا موجود» مؤسّسان في(الكوجيتور) «أنا مفكر فيه» و«أنا مخلوق». يتضح مما قيل إلى الآن أن بادر، وبخلاف ديكارت، لا يبدأ بالشك المنهجي، بل بطرح سؤالاً عن أساس الوجود والوعي الذاتي، ليصل إلى معرفة أن الوعي الذاتي المتناهي لا يمكن أن يكون المبدأ المؤسّس للفلسفة؛ لأنه لا يُحدث ذاته. بدل ذلك يدرك الوعي الذاتي أنه شريك في تفكير وعي ذاتي آخر، وأن الأنا أفكر هي دائماً «أنا مفكَّر فيه»(cogitor) كذلك، بكلام آخر: أنا مفكَّر فيه إذاً أنا أفكر». بالنسبة لبادر ليس «الأنا أفكر إذاً أنا موجود» ما يشكّل بداية الفلسفة، بل على العكس هو «أنا مفكَّر فيّ إذاً أنا أفكر». أو أيضاً: أنا أدرك لأنني كنت دائماً معلوماً لله. «بالفعل إن العقل الباحث لن يهدأ حتى تخترق معرفته إلى المستوى الذي يدرك معرفة العارف، أي إنّه يدرك كونه معلوماً للمطلق، أو كما يقول أفلاطون، إلى أن تلتقي العين عيناً ترى رؤيتها. إذاً نحن نقرّ بأنّ الاعتقاد الأساسي للإنسان أثناء كونه مرئياً وأثناء كونه معروفاً، يدرك ذاته لكونها مرئية ومعروفة، وأنه يفهم ذاته كمريد في كونه مراداً، وكفاعل في كونه منفعلاً ». والشيئ نفسه يصح على الوعي، لأنه كما يقوله بادر: «لديّ وعي فقط، وإحساس (بالصحيح والخطأ) بقدر ما أعرف أن ذاتي محسوسة». 

يفهم ديكارت «الأنا أفكر أنا موجود» التي أتى بها، على أنها فكر صادر من ذاته حيث لو شكّكت الذات في كل شيء، لا يمكنها الشك بذاتها، لأنها لا يمكنها نفي أنها تفكر حتى أثناء شكّها. وهكذا بالنسبة لديكارت، يكون الوعي الذاتي أيضاً مؤسَّساً ذاتياً على المستوى الأنطولوجي. 

يمكن تلخيص نقد بادر للكوجيتو الديكارتي في النقاط الثلاث التالية: 

إن الكوجيتو الديكارتي «مبدأ الأنا أفكر» يؤدّي إلى قلب العلاقة التأسيسية للوعي المتناهي واللامتناهي، والنتيجة الطبيعية لـ «أنا أفكر إذاً أنا موجود اللَّه موجود» تستبدل بما هو ما قبلي ((apriori أنطولوجياً شيئاً ما بعدي (postriori) فلسفياً أو مستنتجاً. يرى بادر هنا، خطورة الإلحاد عندما يقول عن العقليين: «كيف إذاً يمكن أن يعرفوا بتفكير لا إلهي، أو تفكير لا إله فيه، وبتفكير مدعوم إلهيا، مع أن نفس وجود أو لا وجود اللَّه يُحدَّد فقط من خلال تفكيرهم، وعندما يموضعون معرفة الذات لذاتها في المرتبة القبلية لمعرفتهم معرفة الذات بأنها معروفة، ما دامت قضيتهم «اللَّه موجود مجرّد نتيجة للأنا موجود».

-2 يقلب «كوجيتو» ديكارت العلاقة المؤسسة للوعي المتناهي واللامتناهي. وقد ظهر ذلك في انقلاب العلاقة التأسيسية الأنطولوجية للأنا الواعية من الوعي المطلق إلى علاقة ابستمولوجية استنتاجية ليقينية وجود اللَّه ومعرفتنا بالعالم انطلاقاً من اليقين الذاتي. برغم أن ديكارت أثار فكرة انقلاب العلاقة الأنطولوجية للوعي المتناهي والمطلق فقط من جهة باعتبارها انقلاباً منهجيّاً، كما يتحوّل الاستنتاج الابستمولوجي بتأثيراته إلى استنتاج أنطولوجي. فعندما يكون كل اليقين واليقين بالله أيضاً مستنتجاً من اللاوعي، سوف يؤدي إلى ارتفاع المعرفة والوعي الذاتي الإنساني، الذي ينتج في لا تأسيسية معرفية إنسانية فعلية، وفي كينونته، المجرّدة من مبدئه المؤسس الحقيقي. والإنسان لن يجد تأسيسية بعد الآن لا بنفسه ولا بمعرفته. لكن ما يريد الشك الديكارتي أن يقوله فعلاً، بوصفه استقلالية مطلقة للمعرفة، ليس أقل من أن الإنسان بوصفه مخلوقاً يكوّن معرفته الخاصة ويجعلها تؤسّس ذاتها من دون مسبقات.

الـ«أنا موجود» ( ergo sum) التي تلي «الأنا أفكّر» (co gito) هي تعبير عن كيان يريد إظهار نفسه بالتفكير والكينونة، بمعزل عن الله، وكونه عاجزاً عن فعل هذا، يمنع تجلّي نفسه وتجلّي الله. فالموجود المتناهي، الإنسان، من خلال تأسيس يقينه الوجودي والمعرفي في الأنا الواعي يحاول إظهار ذاته كموجود مطلق، ويجعل نفسه إلهاً مؤسساً لذاته. غير أن الأنا الواعي بسبب كونه وعياً ذاتياً متناهياً لا يمكنه أن يظهر نفسه إلا في التجلّي الإلهي، لا يمكن أن يكون بصيرورته أكثر من إله فاشل، «إله ناقص، توقف تطوره عن الوصول إلى التفكير التام، إله جنين لم يبصر النور». 

 -3 يشكّل الكوجيتو الديكارتي، بالأساس، انعطافة ابستمولوجية نحو الأنا، مما يستلزم انعطافة أنطولوجية تليها انعطافة أبستيموليجية منطقية أنطولوجية للعودة إلى ذاتها، بهذا يساعد ويحرّض على نسيان خاصية الوحدة المرتبطة بالشخصية والعقل الفردي. الأنوية الابستمولوجية والأنانة الأنطولوجية لـ«الأنا أفكر أنا موجود» في تطبيقها للفلسفة الاجتماعية والسياسية تؤدي إلى أنانة سياسية اليبرالية ذات نظام سياسي واقتصادي أناني. وكنتيجة عملية لهذه الاستبصارات حاول بادر جاهداً الاعتناء بالعمال الفقراء قبل ثلاث عشرة سنة من إعلان كارل ماركس وفريدريك إنجلز «بيانهما الشيوعي»، نشر بادر عام 1835 في ميونخ مقالته، «حول حقيقة علاقة الفقراء وطبقة البروليتاريا بالطبقة الغنية» حيث قدّم اقتراحاته وفقاً لاندماج طبقة البروليتاريا في المجتمع. في الواقع لم تكن دكتاتورية البروليتاريا، بل اندماج حكيم لها في المجتمع.

قدّم ديكارت مع «الكوجيتو«فلسفة العصر الحديث، المرتكزة على الاكتفاء الذاتي للتفكير والوجود الإنساني، وأن ذات المرء كافية في تأسيس وجوده وتفكيره. والإنسان بسبب هذا الاكتفاء الذاتي لا يحتاج إلى اللَّه في التأسيس والمساعدة، ولا في وجوده ولا في معرفته ولا في وعيه الذاتي. لكن بالنسبة لبادر كل النظريات المعرفية والوعي الذاتي هذه التي تنبثق من التأسيس الذاتي واستقلالية المعرفة المتناهية هي نظريات خاطئة. 

إن تحليل بادر لـ «الأنا أفكر إذاً  أنا موجود» الديكارتية يشير إلى أن الأنا، عندما تتأمّل المكان الذي أتت منه، سوف تدرك أنها لا تملك «كوجيتو«خاصاً بها، ولا وعياً ذاتياً خاصاً بها، منسجماً معه. عندما نفكر بشكل أعمق في شروط الوعي يصل المرء إلى معرفة أن الوعي المتناهي يعرف ذاته على أنه وعي لشخص لا يُحدِث نفسه ولا يعرف نفسه بنفسه وحده. يعرف الوعي المتناهي ذاته كلونه أُحدِث وعوضد عن طريق روح آخر. في ذات الوقت الذي يعرف الوعي المتناهي «الأنا أفكر» خاصته، يعرف أنه: «مفكَّر فيه». الموجود المتناهي العارف بنفسه ليس بدئياً ولا يرقى إليه الشك ويمكن أن تقوم عليه أسس المعرفة فحسب، إنه بخلاف ذلك، ينشأ من وعي آخر. فالوعي المتناهي مؤسَّس في وعي مطلق مستقل بشكل كامل عن الوعي المتناهي. 

يصوّر «مبدأ المفكر فيه» الذي تحدّث عنه بادر بداية فلسفة مختلفة جذرياً عن مبدأ الكوجيتو الديكارتي. فالبنسبة لبادر، ما يأتي أولاً وبالدرجة الأولى هو تبصّر لعلائقية الوعي المتناهي بالوعي المطلق، وبتأسيسية الوعي المتناهي في الوعي المطلق. وبالنسبة لبادر «مبدأ المفكر فيه» يعبّر عن عقيدة حضور كل الأشياء في اللَّه على مستوى الوعي، بمعنى أن الوعي المتناهي مؤسَّس في اللامتناهي، في الوعي المطلق ويشارك فيه. إن «مبدأ ـ المفكر فيه» من ناحية أخرى يبيّن أن معرفة الإنسان ليست صنيعة الإنسان، بل هي موهبة إلهية.

من الفلاسفة الذين اتبعوا «مبدأ الكوجيتو«الديكارتي والذين انتقدهم بادر بسببه: (إيمانويل كانط Kant ( 1724 - 1804 و(جوهان غوتليب فيخته Fichte 1762- 1814) وشلنغ (Schelling 1775- 1845) و(هيغل Hrgel 1770 -1831) وغيرهم. من هذه الطبقة سنعرض بإيجاز إلى نقد بادر لكانط وفيخته وهيغل. 

نقد بادر لكانط 

يرى بادر أن مجمل مشروع كانط في نقد العقل المحض كان متناقضاً: فكيف يمكن أن يستخدم كانط العقل كوسيلة ليبرهن أن العقل لا يستطيع أن يصل إلى المعرفة الفعلية بالأشياء كما هي واقعاً؟ وكيف يمكن لكانط أن يعلن أن المرء لا يستطيع تحصيل المعرفة بالشيء في ذاته، وفي الوقت نفسه يستمر في وصف العقل كشيء في ذاته - أي بنيته المطلقة؟ واضح أن كل حجج كانط Kant في نقد العقل المحض لا أساس لها ما لم تكن قادرةعلى وصف العقل كما هو حقيقة، وهذا لا ينطبق على كانط فحسب، بل على جميع الحالات الشبيهة. فإذا كنا لا نعرف إلا ظواهر الأمور، فكيف يمكننا أن نعرف العقل بذاته؟ فإذا كنا لا نعرف إلا الظاهر فقط، فهل ثمة معنى، في التحليل النهائي، لقولنا إننا نعرف شيئا ما؟

يكمن سبب هذه التناقضات، وفقاً لبادر، في حقيقة أن الفلسفة النقدية استثنت معرفة اللَّه والدين النظري من حقل المعرفة التي يمكن الحصول عليها عن طريق العقل. إنها «فلسفة يجب من خلالها إعلان عدم إساءة فهم الخير الذي فعلته، إن مقصدها الأساسي كان موجّهاً لتحويل فكرنا السطحي إلى أفكار مقولبة». الحاجة لقبول المعرفة عن طريق العقل في الفلسفة النظرية والدين بالنسبة لبادر لا تدل على أن العقل سوف يدرك اللَّه من دون الله. يشتمل برنامج بادر للفلسفة التأملية والدين على هدف المعرفة من خلال العقل، التي ترى في اللَّه وتفكر في الله. «ما معنى أن يكون نور بالنسبة لي، أو أن أُعطى نوراً الرؤية أو الإحساس بالرؤية بالنسبة لي أمر قبلي (a priori ومن دوني هو وجود شبيه برؤية مركزية وتامّة، تُقدّم أو تُدمج رؤيتي فيها (عيني)، وعليه، سوف تجعلني أشارك فيها (كرؤية) من خلال امتزاجها في رؤيتي، حيث تكون رؤيتي إذاً صورة لهذه الرؤية المركزية. وعليه، أن نرى اللَّه يعني أن نرى في الله؛ أي برؤية اللَّه الأزلية. العقل في الإنسان، ولكنه ليس من الإنسان. «لأن العقل الإلهي فقط (اللوغوس) هو المركز التبادلي والفوري لكل عقل مخلوق، والأخير هو مجرّد استمرارية للسابق. ان العقل الإلهي يمكن تحت بعض الشروط أن يكون ملازماً للعقل المخلوق لكن من غير تكيّف ذاته مع العقل المخلوق، لهذا السبب على المرء القول عن المخلوق العاقل أنه طالما فيه عقل لا هو معقول بذاته ولا هو معقول لذاته(كغاية في ذاته). المعرفة الدينية هي المعرفة في جعل اللَّه ذاته معروفاً، لأن «العين التي يراني اللَّه من خلالها هي نفس العين التي أرى اللَّه من خلالها كأنهما شيء واحد، أن تعرف اللَّه وأن يعرفك اللَّه شيء واحد، ونظرته تثير رؤيتي بدورها». فعلى المرء أن يقول: اللَّه عقل (في الواقع عقل فوقي) والإنسان حصل على العقل من اللَّه أو هو معقول فحسب، مشارك في العقل، لا جزء منه، تماماً كما أن اللَّه حب والإنسان يشارك فيه، أو يمكن أن يشارك فيه». من هنا يتّضح لبادر أن فكر إثبات ذات العقل وفكر المعرفة الدينية المستقاة من العقل فقط، خاطئة. «سدّد كانط (كما خلافاؤه من بعده) للإنسان ضربة قاضية في حرمانه من السعي للوصول إلى الكائن الأعلى».

نقد بادر لجوهان غوتليب فيخته

يقول بادر: «لأن الفلسفة الألمانية (منذ فيخته، وبسببه) وجّهت انتباهها مبدئياً إلى طبيعة وجوهر الوعي الذاتي (للعقل)، جعلت مفهوم المعرفة ممكناً وأكثر دقة ووضوحاً من السابق». في كل مكان يثني بادر على فيخته بسبب عمله الرفيع في وصف «العملية الآلية أو الغرائزية للعقل البشري في صراعه من أجل الوعي(حفظ الوعي) في طيّات مجريات الزمن السيّال»، لكنه لم يوافق فيخته في كل شيئ. تركّز اختلاف بادر الأساسي مع ميتافيزيقا الذات لفيخته حول فكرة اللا ـ أنا. تكمن نقطة الضعف الأساسية لفيخته، بنظر بادر، في عدم تمييزه بين الصحيح والسقيم في اللا ـ أنا، وكذلك ليس ثمة تمييز واضح بين الأنا الفردية والأنا المطلقة، يسأل بادر بحق: لكن ما هو هذا الشيء الغامض والمتقلّب أو البالغ التعقيد، هذا اللا أنا الذي (كما يعبر عنه فيخته بشكل جميل) يوجد فقط عندما لا يفهمه المرء  حيث يظهر نفسه عملياً (وما هو النظري بالكامل إذا لم يكن ممارسة صيغت بالمفاهيم؟) شيء حاضر في كل مكان ولا في مكان، مقاومة فعّالة خلال لافاعليتنا وحسب؟» يتّهم بادر فيخته وكانط Kant بتمجيد الأنا لأنه بالنسبة لكل منهما، خاصة بالنسبة لفيخته يصبح الإنسان المشرّع الأعظم والمصدر المطلق للأخلاق. وهذا فعلا ما يجعل الإنسان إلهاً.

نقد بادر لهيغل

يمرّ نقد بادر لهيغل في أطوار مختلفة. ما يقدّر بادر في هيغل منطقه وقوة عقله النظري. فقد حيَّا بادر كتابَي هيغل: فينومينولوجيا الروح Phenomenology of mind وعلم المنطق Science of Logic كأعمال تشكّل مورد فخر للأمة الألمانية، وأظهر فائق الاحترام لمقدّمة هيغل للكتاب الأول من Fermenta Cognitionis، حيث أثنى على هيغل ووصفه بالمسؤول عن انبعاث الفلسفة. كتب بادر: «في الواقع، بما أن هيغل أشعل نار الجدل مرة وإلى الأبد، فلا مجال للنجاح إلا من خلاله: أي على المرء أن يقود نفسه وأعماله من خلال هذه النار ـ إنه لا يقدر أن ينأى بنفسه عنه حتى أن يذهب بعيداً في تجاهله». وكتب هيغل في الطبعة الثانية في موسوعة فلسفة العلوم عن بادر: «عليّ أن آخذ بعين الاعتبار الرغبة في أن أراهما في محتوى كتابات جديدة عدة لهر فون بادر Herr von Baader، كما في ذكرهما الجلي لعدد من المبادئ، وموافقته معها. بالنسبة إلى أكثر ما يناقشه لن يكون الوصول لتفاهم معه صعباً: أي لإظهار أنه في الواقع ليس ثمة فارق حقيقي عن وجهة نظره». 

في ما يلي، نريد أن نشير إلى مرحلة من نقد بادر لهيغل من عام 1830. أساس نقد بادر هو تشديده على المطلق لكونه مطلقاً كاملاً غير محدود، وتمسّكه بالفرق بين الوحي والدين، ووحي روح العالم في المعرفة المطلقة. وفقاً لبادر، استمد هيغل مفهوماً حلولياً لله من فلسفته في الوعي الذاتي، بنتائج بعيدة المدى بالنسبة لنظرية الروح المتناهي. وفقاً لهيغل يدل اللَّه على ذاته من خلال الخلق فقط. لقد أخطأ هيغل في الحكم على التشابه والاختلاف بين الإنسان والله.

مع هيغل، يتحدد معنى العالم في نفي اللامحدودية الزائفة في محدودية الإنسان الفاسدة بطريقة يكون فيها رحيل الإنسان المحدود شرطاً أساسياً لتحقيق اللَّه لذاته. لكن بادر يسخر بشدة من هيغل عندما يعبّر عن رفضه لموقفه: إذا كان التناهي شراً، فالخلاص ليس كذلك بالتأكيد: لأن كل الموجودات المتناهية في جميع الأحوال تخلص من تناهيها عن طريق الموت.

لا يمكن للخلاص من الموت والتناهي الزائف أن يعني أن الإنسان «يفني» ذاته في الربوبية، ويذوب في الروح المطلق بدل الخلاص من خلالها: لا يمكن أن يكون اللَّه ستارون(إله الزراعة عند الرومان) الذي يفترس أولاده. إضافة إلى أن بادر ينتقد مزج هيغل بين عملية سريان اللَّه في الإنسان ومحو الإنسان. لكن اللَّه لا يحتاج إلى أن يلغي الإنسان المتناهي من أجل إظهار نفسه. وبسبب عجز هيغل عن قبول توافق الإنسان مع مسار التاريخ العالمي وتطور روح العالم: «لكن بما أن الهيغلية ترى نشوء المخلوق مباشرة من اللَّه (كمركز) بلا وساطة، فهو سيجعله يفنى ثانية ومباشرة في الله، حتى إنّه يمكن أن يتحدّث عن «إيجاد ذات» الإنسان في الله، على حدّ تعبيره، يقتل كل الحب الذي يترابط به الجانبان، ويبيّن عمل اللَّه الخلاق موجّهاً فقط بحاجة (للاقتراب من الروح) وفقر حبه لذاته، لا من خلال حبه الوثيق الواسع». 

في النهاية، يقف روح العالم الهيغلي وحيداً على مزبلة التاريخ منبوذاً من كل الخلوقات. يعرّف هيغل روح العالم بطريقة كأنه: «روح العالم هذا أو الله، فقط بعد أن اجتاز كل المسافة لكامل التاريخ الإنساني، وخلال حطام كوارث وعصور العالم البائدة، التي خلّفها بحق، وتحوّل إلى مقصد كل الشعوب والأفراد جرى تخطّيه وتُرك وحيداً منبوذاً من كل المخلوقات، فهل بوسعه الوصول إلى مطلقيته».  

خاتمة

في الختام، يمكن تلخيص نقد بادر لهيغل بالرجوع إلى مبدأ بادر من جديد. هذا المبدأ كما نعلم يقول: أنا مفكّر فيه وبه من الله، إذاً أنا يمكن أن أكون وأفكر. في المقابل يقول مبدأ هيغل: اللَّه مفكّر فيه في داخلي، إذاً اللَّه يفكر بنفسه فيّ وأنا فيه. هناك فرق شاسع بين المبدأين. فنظرية هيغل في المعرفة والوعي الذاتي هي الموقف الحلولي ووحدة الروح المتناهي والروح المطلق. في المقابل يمكن وصف نظرية بادر بنظرية وحدة الوجود. إن مفهوم بادر لتواصلية المتناهي واللامتناهي ليس مفهوم تماهٍ أو لا تماهي الهويتين، بل مفهوم سكن المطلق في المتناهي، واشتراك المتناهي في المطلق. 

في الختام، فلنذكر جملة من كتب يعقوب بوهم، وهي تؤلّف نقطة البداية لكل فكره الصوفي. الاقتباس كما يلي: «ليس أنا، الأنا الذي أكون، ويعرف هذه الأشياء؛ بل اللَّه يعرفها فيّ». بداية فلسفة ـ لاهوت بادر مؤسَّسة أيضاً في نقطة البداية الصوفية ليعقوب بوهم. هنا يفهم بادر الفلسفة بالمعنى الحرفي للكلمة، إنها حب الحكمة الإلهية. ففي معرفة الذات وفي تأمّل الذات الحكيمة الإلهية يكمن مصدر وهدف المعرفة والوجود الإنسانيين.