البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

إسم البحث : الفلسفة التطبيقية شرقاً وغرباً ، قراءة في أطروحات العلامة مهدي الحائري اليزدي

الباحث : هاشم الميلاني

اسم المجلة : الاستغراب

العدد : 7

السنة : السنة الثالثة - ربيع 2017 م / 1438 هـ

تاريخ إضافة البحث : May / 9 / 2017

عدد زيارات البحث : 237

حجم ملف البحث : 440.216 KB

 تحميل

يقارب هذا البحث ما اصطلح عليه بالفلسفة التطبيقية كواحدة من أبرز المشكلات المعرفيّة المعاصرة. أما المنفسح المعرفي الذي اعتمده الباحث لبيان مسعاه فقد استند إلى الأطروحات التي قدمها الفيلسوف الإسلامي العلاّمة الشيخ مهدي الحائري اليزدي في ميدان الفلسفة التطبيقية.

نشير إلى أن هذا الميدان خصوصاً، قد حظي باعتناء استثنائي من جانب العلامة اليزدي الحائري. حيث حفلت جملة من مؤلفاته ومحاضرات بإجراءات معمّقة من الدراسات والأبحاث المقارنة حول الفلسفة التطبيقية.

تتضمن هذه المقالة أبرز الخلاصات النظرية لأطروحاته في هذا الميدان المعرفي في الفلسفة المعاصرة.

المحرر


تحتل الفلسفة عند العلاّمة الشيخ الحائري اليزدي مكانة مرموقة حيث يجعلها أمَّ جميع العلوم: "الفلسفة أساس وعماد جميع الظواهر الإنسانية، إنها عماد الاقتصاد، السياسة والعدل الاجتماعي، بل إنها أساس جميع الأمور. يذهب إلى القول: إذا لم تكن لكم فلسفة فلن يكون لكم مجتمع... وإذا لم يجر ابتناء أيّ فكر على الفلسفة، سواء أكان اقتصادياً أم سياسياً أم تجارياً أو أي شيء آخر حتى الرياضيات، فمن المستحيل أن يدوم ذلك الفكر... ولذا فأيّ نظام لم يتكئ على فلسفةٍ فسيحكم عليه بالفناء"[2].

من هذا المنطلق يبدأ الحائري اليزدي بالبحث والمعاينة. وبما أن الفلسفة تنقسم إلى نظرية وعملية، فقد صنّف المؤلف بحوثه وكتبه طبقاً لهذا التقسيم حيث تطرق في بعضها إلى مسائل العقل النظري وفي بعضها الآخر إلى مسائل تُعنى بالعقل العملي.

الفلسفة الإسلامية:

عندما يؤكّد المؤلف مكانة الفلسفة فإنه ينظر إليها من منظار الفلسفة الإسلامية. يرى أنّها مع أسلوبها وانتظامها الخاص يلزم أن تُعرَّف إلى العالم المعرفي المعاصر كي تنال امتيازها الخاص، وتستعيد موقعها المتقدم حتى أمام أرقى وأحدث المدارس الفلسفية المعاصرة. مضيفاً أنّ آراء حكماء الإسلام بالقياس إلى أفكار متفلسفة الغرب هي أقرب إلى اسلوب النظم العقلاني البشري (كاوش هاي عقل نظري: 1 - 2) إلى هذا فإن بعض المسائل الفلسفية المعقدة جرى حلّها على ضوء الفلسفة الإسلامية، تماماً كما هي الحال في مسائل نظرية المعرفة أو فلسفة العلم[3]. ذلك بأن طرائق التعليم في الفلسفة الإسلامية هي من الدقة والعمق بحيث يصعب سبر أغوارها على الأقربين فضلاً عن الأبعدين[4].

استيعاب الدرس الفلسفي الغربي

نظر الشيخ الحائري إلى الفلسفة الغربية من معينها، حيث حصَّل الدراسات العليا والدكتوراه في جامعات أميركا وكندا ودرس عند كبار فلاسفة الغرب، لذا كان يرى القوة والتطور في المنظومة الفكرية الغربية[5] سيما مسألة المنهجية وأهميتها عندهم[6].

وهكذا يقسّم فلسفة الغرب إلى صفتين: الفلسفة الكلاسيكية الموروثة من اليونان، والفلسفة الحديثة التي ظهرت بعد عصر التنوير حيث حاولت تقييد الفلسفة الكلاسيكية بالعلم[7] ثم إنّ الفلسفة الجديدة أيضا تنقسم الى:

فلسفة قارة أوروبا عدا بريطانيا حيث يدخل تحتها: ديكارت، كانط، اسبينوزا، هيغل، هايدغر، روسو وسارتر، وقوام فكرهم المثالية (Idealism).

الفلسفة التحليلية المتداولة في الدول الانگلوساكسونية وقوام فكرهم الواقعية (Realism)[8].

يشكو الشيخ الحائري عزوف الغرب عن الفلسفة الإسلامية ويعزو ذلك إلى جناية المستشرقين أمثال هنري كوربان، حيث يعتقد أنّ هذا الأخير أخرج الفلسفة الإسلامية عن الفلسفة وأدخلها ضمن العلوم غير العلمية وغير الدقيقة (أي التيوصوفية / Theosophy)[9]. من هذا المنطلق يدعو إلى فتح باب الحوار بين الفلسفة الإسلامية والفلسفة الغربية للفائدة المتبادلة، ويقول بهذا الصدد: "أعتقد بأننا لا من بد أن نتمكن من إقامة علاقة مع الغرب، علاقة عميقة وبنيوية، لأن العلاقة الظاهرية لا تنفع. يجب أن تكون علاقتنا بمستوى نتمكن فيه من سبر أغوار البنى الفكرية الغربية والتعرف إليها من جهة، ومن جهة ثانية نعرض عليهم البنى الفكرية الاصيلة التي عندنا لا بد من استيعاب اقتصاد وتقنية الغرب على ضوء بناه الفكرية والفلسفية والّا فالعلاقة الظاهرية فضلاً عن أنّها لا تنفع فقد تكون مضرّة"[10].

دعوته هذه انصبَّت على فتح أبواب التفاهم بين الفلسفة الشرقية والفلسفة الغربية[11]، فقد كان يعتقد بعدم وجود فرق بنيوي كبير بين الفلسفتين. إنّ ما طرحه كانط حول مباحث الوجود على سبيل المثال يتقارب في كثير من الجهات مع مباحث الوجود والمعرفة في الفلسفة الإسلامية، ولاسيّما مع ما طرحه صدر المتألهين حول القضايا الحمليّة، مضافاً إلى أنّ الوجود الذهني في الفلسفة الإسلامية هو نفسه مباحث فلسفة العلم[12].

يشير في مكان آخر إلى تطابق رأي الآخوند الخراساني في كتابه كفاية الأصول حول مباحث الألفاظ مع آراء فتجنشتاين[13] وكذلك إلى تطابق كلام ديفيد هيوم حول نفي العلية في الطبيعة مع ما ذكره ابن سينا في الشفا، والإشارات[14] كما فتح باب التفاهم مع فلسفة هيغل ومقايسته مع بعض فلاسفة الإسلام الكبار[15].

يذهب الحائري أبعد من هذا ليرى أنّ ما ضيّعه الغرب ولم يفلح في الوصول اليه هو مباحث الألفاظ في علم أصول الفقه إذ يقول: "قد توصلت بشكل جاد في ضوء دراساتي أنّ هذا العلم (مباحث الألفاظ) المبحوث عنه في الأصول يفيدهم كثيرا ولاسيّما بهذه الطريقة والمنهجية الخاصة، إنّه سيكون منشأ للتكامل الفكري عند الغربيين وموجباً للتحول"[16].

ثم إنه لن يفوِّت الفرصة لينقد ما أصاب الفلسفة الغربية من تخلّف جرّاء عزوفهم عن "بعد الطبيعة"، إذ يرى أنّ الأزمة التي أصابت "ما بعد الطبيعة" في المجاميع العلمية، هي أنّهم أرادوا تقييم علوم ما بعد الطبيعة بمقاييس العلوم الطبيعية والرياضية، وحاولوا إبداع فلسفة جديدة من المبادئ الحسية أو الأرقام الرياضية، فهذا الأمر لو اقتصر على الألفاظ والمصطلحات ووُضِعت الأرقام مكان الألفاظ لم يكن سوى نوع جديد من الترجمة الجديدة ومبادلة للألفاظ، أما لو كان هذا استبدالاً حقيقيّاً لانمحقت الفلسفة وصارت علماً من العلوم، ونتيجة هذه المغالطة امتزاج العلوم وتوقّع صدور أيّ نتيجة من أيّ مقدمة من دون وجود أيّ سنخيّة بينهما، هذه هي المغالطة الفلسفية الجديدة والفكر الجديد التي سرت في جميع شؤون الحضارة البشرية[17]

لكن الفلسفة الإسلامية خلصت من هذا التشتّت والانحراف الفكري الذي أصاب الغرب، انّ فلاسفة الإسلام بعدما عرفوا من جهة انّ الفلسفة إذا كان معناها العلم بحقائق الأشياء ولا داعي لها سوى الوقوف على الحقيقة والعلم بها، ومن جهة ثانية عرفوا أنّ الدين الاسلامي هو دين الفطرة ودين الحق المنطبق على حقائق الطبيعة والكون، خرجوا بنتيجة عدم إمكان وقوع الخلاف بينهما بالمآل عدا الخلاف في المنهج والتفسير[18].



---------------------------------------

من سيرته الذاتية

ولد الشيخ الدكتور مهدي الحائري اليزدي عام 1302 هـ ش بمدينة قم، وهو نجل المرجع الديني الكبير الشيخ عبد الكريم الحائري مؤسس الحوزة العلمية بمدينة قم.

درس الدروس الحوزوية على كبار الأساتذة والمراجع، فحضر في الفقه والأصول عند السيد البروجردي، والسيد محمد حجت كوه كمري، والسيد محمد تقي الخونساري، كما درس الفلسفة الإسلامية عند السيد روح اللَّه الخميني، والسيد أحمد الخونساري، والشيخ مهدي الآشتياني إلى أن نال درجة الاجتهاد على يد السيد البروجردي رحمه الله.

أرسله السيد البروجردي عام 1339 هـ ش مندوباً عنه إلى أميركا، وكانت هذه الرحلة بداية اطلاعه على الغرب والفلسفة الغربية حيث تمكن في رحلته الثانية من الحصول على الماجستير من جامعة مشيغان ثم انتقل إلى كندا ودرس الفلسفة التحليلية وأخذ الدكتوراه من جامعة تورنتو.

ألّف مجموعة من الكتب يدور أكثرها حول المسائل الفلسفية برؤية تطبيقية بين الفلسفة الشرقية والغربية من أهم كتبه: مباحث العقل النظري، مباحث العقل العملي، هرم الوجود، العلم الحضوري، تقارير بحوثه حول الفلسفة التحليلية، وبعض الكتب والدراسات الأصولية (علم الأصول)، توفي عن عمر ناهز (76) سنة، عام 1377 هـ ش.

---------------------------------------



الفلسفة التطبيقية:

بعد هذا العرض السريع لكلتا الفلسفتين والشكوى من تباعدهما يرى الدكتور الحائري أنّ الحلّ هو الفلسفة التطبيقية، إذ يقول: "قد توصّلت بعد البحوث التطبيقية إلى أنّ الفلسفة الغربية والفلسفة الإسلامية لم يكونا في قطبين متخالفين كما هو الشائع"[19] لذا يقوم بمقاربة الأمور من وجهة نظر تطبيقية لرفع التعارض.

وعند شرحه لهذه المنهجية يقول:"إنّ معنى الفلسفة التطبيقية هو تنسيق المفاهيم والمصطلحات الفلسفية لدى كلا النظامين الفلسفيين في الشرق والغرب"[20] والمنهجية المتبعة عنده أن يحرّر مسائل وقضايا الفلسفة عند الغرب من خلال المصطلحات المستعملة في الفلسفة الإسلامية، ثم يدخل في ما هية البحث ويعقد مناظرة وجدلاً بين واحد من فلاسفة الغرب وواحد من فلاسفة الشرق ليخرج بنتائج تطبيقية[21]. وهذا لا يعني الخروج بنتائج إيجابية دائما، إذ لا يدعي أحد عدم وجود أيّ خلاف نظري بين الفلسفتين إذ الخلاف من لوازم التحقيق والاجتهاد، فكما يوجد خلاف بين فلاسفة الإسلام أنفسهم فوجوده بينهم وبين غيرهم أولى، لكن برغم هذا الخلاف لا بد من أن تُلحظ مسائل العقل النظري في لكلتا المدرستين بأسلوب واحد سواء اتفقا أم اختلفا[22].

الشواهد والمصاديق:

لا يخلو كتاب من كتب الشيخ الحائري من المباحث التطبيقية بين الفلسفتين، ولا يمكننا هنا التفصيل والنظرة الشاملة ولكن نحاول أن نسلّط الضوء على أهم المسائل التي ذكرها وعالجها مراعين الإجمال والاختصار.

معرفة الوجود:

لقد طرح الدكتور الحائري في كتابه (هرم الوجود) نظرية (وحدة الوجود المنطقية) وبنى عليها جميع نظرياته: "نظريتنا هذه في معرفة الوجود التوحيدي التي بيّنّاها بشكل هرمي للوجود، تُعدُّ المبنى والأساس لجميع نظرياتنا وآرائنا في مباحث معرفة الكون، والاجتماع، والإنسان، وحقوق الإنسان، والسياسة، ومباحث النفس. ومن هذا المنطلق مضافاً إلى التغلّب على كثير من المصاعب العقلية والفلسفية المعقّدة، تمكنّا أيضاً من تحليل الرابطة الوجودية للنفس، والمبادئ العالية، والجسم، والظواهر الجسمية، والجوامع الإنسانية مع مبدأ الخلق، وكذلك علاقة الناس بعضهم ببعض"[23] وفي البدء يجعل الوجود هو المبدأ الأول للمعرفة والعلم بأي شيء آخر، وعليه لا يمكن تعريف الوجود بل يرتسم معناه في الذهن من دون أي واسطة أو شرح وتوضيح، إذاً معرفة الوجود تُعَدُّ مبدأ المبادئ لجميع المعارف الأخرى[24]

نعتقد أنّ الفلاسفة الغربيين أخطأوا خطأ كبيراً في فهم تقسيمات أرسطو حول الوجود. أرسطو يقسّم الوجود إلى أقسام تجريبية من خلال الأمثلة وذكر المصاديق، وفي الواقع لا يُعَدُّ هذا تقسيماً حقيقيّاً بل إعطاء الحكم بالمثال، لكن زعم الغربيين أنّ ارسطو بصدد تفسير وتقسيم المعنى الحقيقي للوجود فوقعوا في مغالطة أخذ ما بالعرض بدل ما بالذات، أو مغالطة المفهوم والمصداق، فزعموا أنّه يذكر المعنى المنطقي للوجود وغفلوا عن أنّ استعمال الألفاظ في المفاهيم المنطقية يختلف عن استعمالها في المصاديق[25].

قسّم حكماء الإسلام الوجود (أي الموجود هنا) إلى:

الوجود المحمولي المستقل (الوجود النفسي).

الوجود الناعتي (الرابطي).

الوجود الرابط المحض.

الوجود المحمولي المستقل هو الذي يقع محمولاً حقيقيّاً في القضايا: (الله موجود)، أما الوجود الناعتي أو الرابطي فهو الذي لا استقلال له في العالم الخارجي، وإذا أراد أن ينوجد في الخارج فلا بد من أن ينوجد ضمن موضوع آخر مثل الأعراض.

أما الوجود الرابط فهو النسبة والرابطة بين الموضوع والمحمول وليس له أيّ استقلال حتى في الخيال، فلو أمكن تعقله بشكل مستقل لزم الخُلْف وخرج عن كونه رابطاً[26].

أما كانط فقد أنكر الوجود المحمولي ورأى أنّه محمول غير حقيقي بمعنى أنّ الإنسان يتمكن من حمل كثير من الأمور على شيء آخر من دون أن يكون له حقيقة عينية في الخارج، فعند كانط لا يوجد في الخارج شيء بإزاء الوجود، فالوجود ليس إلّا رابطاً محضاً. مثلاً لو تصورنا مائة دولار وقمنا بتعريفها فالوجود العيني لمائة دولار لا يختلف عن وجوده الذهني، فمائة دولار هي مائة دولار سواء كانت في الخارج أو في الذهن، (فالوجود) الخارجي لها لا يضيف عليها شيئاً إطلاقاً، ولو أضاف (الوجود) على مائة دولار ولو سنتاً لأصبحت شيئاً آخر وخرجت من كونها مائة دولار، وهذا دليل على أنّ (الوجود) الخارجي لم يكن محمولاً حقيقيّاً إذ لم يضف أيّ شيء على المفهوم.

وكذلك لو قلنا عندما نعرّف اللَّه تعالى بأنّه القادر العالم، فبعد هذه التعريفات وبعد جمعها في ذات واحدة نقول: (الله موجود) فهذا الوجود في هذه القضية لم يضف على تلك الصفات صفة أخرى، وهو مجرد رابط بين اللَّه وبين تلك الصفات ولم يكن محمولاً حقيقيّاً[27].

وقد توافق على هذا الرأي أكثر علماء الغرب، وزعموا أنّ الوجود لم يضف أيّ شيء على الموضوع، ومن هذا المنطلق أسّس كانط مسألة (نومينو) و(فنومينو) وذهب إلى أنّنا نتمكن من معرفة الامور التي تقع محمولاً في القضايا ونستطيع أن نجعل لها من خلال التجربة ما بإزاءٍ خارجيّ، لذا انطلق الفنومنولوجيون من هنا وقالوا إنّ المعرفة والعلم يتعلقان بما يمكن تجربته، أما الأمور المجردة فلا نتمكن من العلم بها وهي لا تدخل في الحقائق، وتبعه راسل في نظرية الأوصاف وكذلك كواين[28].

ونقول في الجواب: لو علمنا أنّ الشيء موجود في المكان الفلاني لحصل إضافة في علمنا وإن لم تحصل إضافة لماهية الموضوع إذ من غير اللازم وجود ما بإزاء في الخارج للمحمول دائما، بل إنّ مجرد هذه الإضافة العلمية تكفي لجعل الوجود محمولاً حقيقيّاً للموضوع[29].

فالوجود وإن لم يضف شيئاً إلى الماهية في التحقق الخارجي لكنه يضيف علمنا، فلو علمنا بوجود اللَّه أو النفس، فوجود هذه الحقائق وإن لم تضف إلى ماهيتها شيئا لكن تضاف إلى علمنا وتتوسّع رقعة معلوماتنا حول حقائق الكون سواء في القضايا التجريبية أو الفلسفية أو الرياضية[30].

ونقول أيضاً: إن الرابط على ما قال كانط بأنْ لا حقيقة له ولا استقلال بل لا بد من أن يكون بين شيئين، فلا بد من وجود (إله) حتى يقال إنه (عالم) وإلّا لم يصح الربط، فالوجود الذي تحقق للخالق والوجود الذي تحقّق للعالم وجود محمولي، فمن هنا نعرف أنّ الوجود لم يكن رابطاً محضاً بل الوجود لا بد أن ينتهي إلى وجود محموليّ لا محالة كي تصدق نسبة الربط[31].

الوجود والماهيّة

يقرّر الدكتور الحائري أنّ البحث عن الوجود والماهية من الأمور الرئيسية سواء في الفلسفة الكلاسيكية أو الفلسفة الغربية الحديثة. ويعود ذلك أولاً: إلى التعرّف إلى كيفية سريان الوجود في الماهيات والمعروف في المحافل العلمية بـ (أنطولوجيا) وثانياً: مسألة مبدأ الوجود والوجود المطلق حيث يلزم تنزيهه عن هذه العلقة التركيبية بين الوجود والمادة. فالبحث عن تقدم الوجود على المادة وكذلك العلقة بينهما من المسائل البنيوية في الفلسفة[32].

نشير إلى أن مقولة ابن سينا في عروض الوجود للماهية أثارت جدلاً كبيراً في الفضاءين الإسلامي والغربي على السواء، فاعترض ابن رشد على ابن سينا وعدّ مقولته تلك من الزلّات، وكذلك البروفسور جلسون وغيره من مفكري الغرب؛ لأنّ الوجود لو كان عارضاً على الماهية لزم أن تكون الماهية (المعروضة) قبل وجود العارض وهذا توقّفٌ للشيء على نفسه أو تسلسلٌ غيرُ متناهٍ للوجود وهو محال عقلاً[33].

ثم ينبري الدكتور الحائري للاجابة عن هذه الشبهة، ويعزوها إلى الخلط الحاصل عند مفكري الغرب في فهم معنى (العروض) حيث إنّ له معانيَ عدّةً تختلف باختلاف المورد والعلم الذي يُستعمل فيه. ثم إن عدم التمييز بينها يوقع الإنسان في مغالطة الاشتراك اللفظي. فالعروض المستعمل في البرهان يختلف عن المستعمل في المنطق، وهذا ما خفي على مفكري الغرب[34].

والحلّ هو أنّ الوجود ليس جزءاً تركيبياً مع الماهية، بل إنّه يلحق ويضاف للماهية كي يخرجها من العدم إلى الظهور، فهذا الإلحاق وهذه العُلقَة المفهومية حيث عبّر عنها ابن سينا وسائر فلاسفة الإسلام بالعروض أو الاضافة والزيادة[35].

إلى ذلك فإن من المسائل المتفرّعة من أصالة الوجود واعتبارية الماهية أنّ الوجود متقدّم على الماهية، هذه القاعدة تكررت كثيراً على لسان أصحاب أصالة الوجود في العصر الحديث من دون تحقيق منهم في كيفية هذا التقدّم والتأخّر، وهذا الأمر من أهم النقائص الموجودة في الكتب الفلسفية الحديثة، فالوجوديون بأيّ قاعدة حسية أو تجريبية تمسّكوا ليشاهدوا انفكاك الماهية عن الوجود وتقدّم أحدهما على الآخر؟! غاية ما يذكره سارتر في مباحثه حول تقدم الوجود على الماهية لا يتجاوز الاستحسان وهو غير معتمَد حتى عندهم.

لقد تجنَّب سارتر وسائر الفلاسفة المعاصرين الخوض في أصول فلسفتهم وكلياتها خوفاً من الاتهام بحياكة الخيال والخوض في المسائل المجردة، فبنوا فلسفتهم على مبانٍ وأسس لم تثبت. وهكذا ينقل الحائري مقطعاً من رسالة سارتر حول تقدّم الوجود على الماهية، من أنّنا نرى في المعمل آلة لقصّ الأوراق وهذه الآلة واقعية وخارجة عن الذهن، ونحن نعلم أنّ صانعاً صنعها بهذه الكيفية وهذه الخصائص، ونعلم أنّ صانعها كان له تصور عنها في ذهنه من قبل أن يصنعها، فماهية هذه الآلة  أي وجودها الذهنيّ متقدّم على وجودها الواقعيّ، فهذا الأمر كان سائداً عند أكثر الفلاسفة سابقاً، ولا سيّما كانط، وبهذه الطريقة يثبتون نسبة الكون مع خالقه المعتمدة على تقدّم الماهية على الوجود.

في مقام الرد على كلام سارتر يرى الدكتور الحائري أنّ هذا الكلام قياس بسيط بين آلة قصّ الورق والكون، وليس دليلاً قاطعاً ولا منطقيّاً ولا يمكن إثبات الأصول الفلسفية على القياس فلو سلمنا لهذا القياس البسيط فستكون النتيجة تقدّم الوجود الذهني لهذه الآلة على وجودها العيني، أما بالنسبة إلى ماهية.. الأشياء والكون فنعكس الأمر ونقدم الوجود العيني للأشياء على وجودها الذهني، ولكن هذا القياس لا يثبت لنا إلّا الفرق بين العلم الفعلي والعلم الانفعالي ولم ينظر بتاتاً إلى مسألة تقدم الماهية على الوجود أو الوجود على الماهية، فسارتر إذاً أخطأ خطأ كبيراً في مسألة الوجود من جهة، ومسألة الوجود الذهني والماهيات من جهة ثانية.

إذا سلّمنا بما ذكره الوجوديون المعاصرون في كلتا المسألتين، وقلنا طبقاً لقياسهم إنّ الوجود متقدم على الماهية، يبقى السؤال عن كيفية هذا التقدّم، وهذا ما لم يجيبوا عنه.

لكن طبقاً لأصالة الوجود في الفلسفة الإسلامية يُجاب عن جميع هذه المسائل، بأنّ ما له تحقق واقعيٌّ خارجَ جميع الاعتبارات والصور الذهنية إنّما هو الوجود، وما لا وجودَ عينيّاً له لا حقيقة له ومعدوم، وطبقاً لهذا الأصل يقدّمون الوجود على الماهية ويقولون إنّه تقدّم بالحقيقة، ومعنى التقدم والتأخر بالحقيقة هو  طبقاً لأصالة الوجود أنّ التحقق العيني لجميع الأشياء يكون بالوجود والوجود متقدّم قهراً على الماهية في اتّصافه بالحقيقة العينية، لأنّ صفة (الحقيقة العينية) التي تنضح عن الوجود ـ الذي هو منبع تحقّق الماهيات ـ ذاتية وحقيقية للوجود، وعرضية للماهيات وغير حقيقية، هذا الاتصاف الحقيقيّ والعرضي يطلق عليه في الفلسفة بالتقدم والتأخر[36].

3ـ إثبات وجود اللَّه تعالى:

طريقة فلاسفة الغرب

يُعَدُّ دليل الوجود من أتقن أدلّة علماء الغرب في إثبات الصانع وهو الوصول إلى ضرورة وجود اللَّه عن طريق تصوّر مطلق الوجود.

ومن مميزات هذا الدليل عند علماء ما بعد الطبيعة في الغرب أنّه لا يتعلّق بأيّ علم من العلوم الطبيعية؛ لأنّ تصور الموضوع يوصلنا إلى إثبات المطلوب، فأطلقوا عليه العلم المتعالي أو المعرفة المتعالية، هذا ما دافع عنه أمثال آنسلم القديس وديكارت واسبينوزا وخالفهم الحِسِّيُّون وقالوا إنّه مردود لأنّه لا يرتبط، بأيّ نحو من الأنحاء، بالتجربة والحسّ.

يُعَدُّ آنسلم القديس من أهم المتحمسين لهذا الدليل وزعم أنّ كل من تمكن من تصوُّر معنى (الله) و(الوجود المطلق) تصوُّراً صحيحا يُذعن لا محالة بضرورة ذلك، ومن هذا المنطلق يبدأ بالتنظير لتوضيح هاتين المفردتين[37].

يقول في مقام تعريف الله: (إن اللَّه هو ذلك الموجود الذي لا يمكن افتراض موجود أكملَ منه  ولا أفضل)[38] وفي مقام شرح هذا التعريف والسؤال عن سبب هذا الافتراض ذهب بعض فلاسفة الغرب إلى محاولة إعطاء جواب منطقي لهذا السؤال والاستعانة بغرائز الميل المذهبي الكامنة في الإنسان بشكل طبيعي، فقالوا إنّ حسّ الاحترام والعبادة الكامن في ضمير الإنسان تجاه الموجود الكامل دليل على أنّه عندما اتخذ ذلك الشيء معبوداً لم يتصوّر في ذهنه أكمل منه ولو تصوّر ما هو أكمل منه لاتخذه ربّاً ومعبوداً بدلاً منه.

هذا الشرح وإن راق كثيراً لمُفكري الغرب، ولكن نعتقد أنّ الأفضل منه والأتقن هو ما نستفيده من النصوص الإسلامية من دون الحاجة إلى الاستعانة بغريزة العبادة[39].

ونقول: عند تعريف لفظ الباري تعالى أو تعقل مفهومه، لا بد من تصور معنى ومفهوم في الذهن يتغاير نهائيّاً ويختلف عن سائر المفاهيم الإمكانية، فلو انتزعنا مفهوم الباري من مصداق من المصاديق التي يمكن للذهن أن يتصور أعلى وأفضل منها، لم يكن حينئذٍ ذلك المفهوم هو مفهوم الباري وعلة العلل ومبدأ المبادئ وغاية الغايات وبسيط الحقيقة.

إنّ اللَّه تعالى، خلافاً لباقي الممكنات المركبة من الوجود والماهية، ليس مركَّباً بمعنى أنّ وجودَه العينيَّ هو عينُ الحقيقة والماهية التي يريد العقل أن يدركها، فكما أنّ وجوده العيني أكمل وأفضل من جميع وجود سائر الممكنات فتصوره الذهني يكون بهذه المثابة أيضاً.

ولكن لماذا لا بد من تصور الباري بهذه المثابة؟ لأنّنا لو تصوّرناه موجوداً مقيَّداً وخاصّاً ومحاطاً للزمنا إجراء الإمكان وسائر عوارضه عليه، وحينئذ لم يكن واجبَ الوجود والمبدأ الأول[40].

بعد مضيّ قرنين على دليل آنسلم القديس جاء توما الأكويني (من أشهر فلاسفة القرن الثالث عشر الميلادي) وبدأ بنقد دليله وأظهر دليلاً آخر لم نذكره لأنّه خارج بحثنا ولكن نذكر نقده على دليل الوجود عند آنسلم ونجيب عنه من وجهة نظر الفلسفة الشرقية[41].

الدليل الأول: إنّه يقسّم في البداية البديهيات المنطقية إلى قسمين:

البديهيات الضرورية في ذاتها وإن كنّا نعلمُ بها.

البديهيات الضرورية العامة عند الجميع كالكل والجزء.

فمسألة وجود الباري من النوع الأول، فإنّ قضية (الله موجود) في الواقع ونفس الأمر ثابتة، ولكن بما أنه لا طريق لنا إلى معرفة كنه ذات الباري لا نتمكن من فهم ضرورة هذه القضية وبداهتها.

الجواب: هذا التقسيم لا يتوافق مع الموازين الفلسفية عندنا؛ لأنّه حتى لو كان صحيحاً فلا علاقة له بالقضايا والتصديقات بل هو منحصر في التصورات، مع أنّ الضرورات المنطقية جميعها من القضايا، ومن المغالطة إجراء أحكام التصورات على القضايا الأوّلية والتصديقات. يكفي في التصديق والإذعان في الأولويات تصور الموضوع والمحمول والنسبة الحكمية حصراً، أما شهرة هذه التصورات أو عدمها، ضيقها أو سعتها، فلا تأثير لها في ظهور مجموعة جديدة من الضرورات الفنية في الأولويات (كما زعم توما الأكويني)[42].

الدليل الثاني: وهو كالأول في عدم الإتقان الفلسفي: إنّنا نصل إلى معرفة ذات الباري الحقيقية في أواخر مراحل عملية البحث عن الحقيقة، وعليه لا نتوقع المعرفة النهائية في مراحل المعرفة الأولى، لا بدّ أن نثبت وجوده أولاً لا عن طريق وجوده بل بالقياس إلى وجود سائر الأشياء الظاهرة، وبعد أن نُحرز معرفة وجوده لا بد من أن نعرّج على صفاته وآثاره وخصائصه، ثم يمكننا أن ندّعي معرفة ذاته بحسب استعدادنا. أما آنسلم فإنه يريد أن يوصلنا بسهولة إلى معرفة حقيقة ذات الباري من قبل أن نعرف أصل وجوده، والحال أنّه يستحيل الوصول إلى الحقيقة والكنه ـ التي لا يكون اكمل منها ـ والوقوف على أصل الوجود الأكويني. أما آنسلم فيريد أن يعرفنا حقيقة اللَّه أولاً ثم يثبت لنا أصل وجوده[43].

الجواب: لقد اشتبه توما الأكويني وخلط بين (ما) الشارحة و(ما) الحقيقية. (ما) الشارحة هي السؤال الأول و(ما) الحقيقية هي السؤال عن جوهر الشيء وحقيقته. مضافاً إلى أنّه بالنسبة إلى الحقائق البسيطة لا يمكن تصوّر حتى (ما) الشارحة فضلاً عن غيرها، لأنّ ما نريد أن نفهمه من الحقائق البسيطة هو مجرد شرح اللفظ ولا دخل له بهذه الأسئلة المنطقية ولا يدخل في عدادها، ففي التعريف اللفظي لا يُسأل عن ماهية الشيء بخلاف شرح الاسم حيث يكون تعريفاً ماهويّاً، فما نطلقه على الباري تعالى لا يتعدّى كونه مبادلة لفظية لأنّه بسيط وما هو بسيط لا يقبل التحليل والتجزئة الحدّية ولا يُعرَف حقيقيّاً وماهويّاً، وما كان كذلك لا يُدرك حقيقةً، ولا يبقى لنا سوى شرح اللفظ والقدر المتيقن أنّه بعد الوقوف على شرح اللفظ نتمكن من الخوض في وجوده أو عدمه، فحتى لو لم نتمكن من فهم كنه الباري تعالى من جميع الجهات، نتمكن من تصوّره من بعض الجهات، وهذا يكفي لردّ دليل توما الأكويني.

ولو كابر شخص وقال إنّ اللَّه تعالى غير قابل للتصور حتى من حيث شرح اللفظ، نقول له أنّ هذا الإنكار هو عبارة أخرى عن المعرفة اللفظية لله تعالى، لأنّ ما تصوره ثم أنكره؛ هو بنفسه معرفة لفظية، فإنّه قد تصور اللَّه في ذهنه بوجه من الوجوه، فآنسلم وسائر الفلاسفة المتمسكين بدليل الوجود لم يريدوا التعرف إلى وجود اللَّه تعالى من خلال معرفته الحقيقية حتى يُعترض عليهم بنقض القاعدة، بل إنهم بدأوا من شرح اللفظ ليصلوا إلى تصديقٍ أوّليٍّ من خلال التصور البديهيِّ[44].

لعلّ ما يوجد من هنات ومغالطات في أدلة توما الأكويني، أدى لقيام ديكارت بتغيير مسار دليل الوجود إلى ما يراه أتقن، حيث تلقَّى فلاسفة الغرب هذه المحاولة بالقبول. لكن بحسب رأينا فإنّ تفسيره فضلاً عن أنّه لم يُؤدِّ إلى أيّ تقويم واستحكام في دليل الوجود، فقد أدّى إلى انحراف صورته المنطقية والحقيقية أيضاً وجعله غير متقَن ومورداً للأخذ والرد الفلسفي، ولكن بما أنّ أكثر النقد من قبل الفلاسفة المتأخرين على دليل الوجود متوجّه إلى ما ذكره ديكارت، نضطر إلى نقل كلامه ونقده[45].

خلاصة رأي ديكارت: إننا نزعم تفكيك الوجود عن الماهية في اللَّه تعالى كما اعتاد ذهننا في جميع الموجودات، ولكن بعد الفحص نجزم بأنّ وجوده لا ينفك عن ماهيته حتى في العقل، كما أنّ ماهية المثلث لا تنفك عن تساوي الزوايا مع القائمتين، أو كما في تلازم الجبل والوادي، لذا لا يمكن أن نتصور أنّ الوجود والكمال من عوارض ماهية اللَّه تعالى.

نقول في الجواب طبقاً للفلسفة الشرقية:

لو كان الوجود كما يزعم ديكارت من لوازم ماهية اللَّه تعالى، لخرج وجود الباري من أقسام الضرورات الأزلية ودخل في الضرورات الذاتية، إذِ في قضايا كهذه لم ينظر إلى الوجود من حيث كونهُ وجوداً في موضوع القضايا لأنّ موضوع القضية هنا يفترض مع الوجود أو عدمه وهذا لا ينطبق على اللَّه تعالى وإن كان الوجود من لوازم الذات.

إذا كان الوجود من لوازم الماهية لكان تأثير الماهية (الملزومة)  والمفترض أن تكون بحد ذاتها عارية من الوجود في الوجود (اللازم) محال، إذِ الشيء ما لم يوجَد لم يوجِد.

الوجود وإن كان لازماً وضروريّاً للذات لكنه يكون صفة زائدة للملزوم، بمعنى أن ثبوت هذا اللازم لذلك الملزوم متفرع على ثبوت الملزوم، والحال أن الوجود لم يكن فرعاً لوجود الماهية سواء كانت ممكنة أو واجبة والخلاصة أننا لا نتوافق مع ديكارت ولا نساوي بين قضية (الله موجود) وقضية (المثلث له زوايا تتساوى مع القائمتين)[46].

رأي كانط في دليل الوجود:

إن كانط من أكبر النقاد لدليل الوجود وأكثرهم تأثيراً، وينبني نقده على نظريته التي اعتقد بها كأصل موضوعي، وهذه القاعدة هي: "لا يمكن جعل الوجود محمولاً حقيقيّاً للموضوع في القضايا الحملية".

إذا كان كانط يقصد بالمحمول الحقيقي المحمول بالضميمة بمعنى أن يكون الوجود أمراً انضماميّاً للماهية، فالحق معه إذ الوجود هو ثبوت الشيء وتحقّقه لا ثبوت شيء لشيء، ولكن لو قصد أنّ الوجود لا يكون محمولاً حقيقيّاً إطلاقاً فهو غير صحيح إذ الوجود عندنا يعرض على الماهية في الذهن[47].

ثم يترقى كانط ويقول في تفسير قاعدته: إنّ الوجود لا يقع محمولاً للقضايا إطلاقاً، ويكون في جميع القضايا مجرد رابط، فالوجود لا يتعدى الرابط ولا يمكن أن نتصور له شأناً وكياناً مستقلاًّ سواء كان في الخارج أو في الذهن[48].

نعتقد من وجهة نظر فلسفة الشرق أنّ خطأ كانط يكمن في أنّه من جهة يفصل بين الصور الذهنية وبين الحقائق العينية ويجعلهما شيئين مستقلين كي يتمكن من جعل الوجود رابطاً بينهما، ومن جهة أخرى يجعل أحدهما الحقيقة العينية والآخر ظاهرة أو ماهية وطبيعة تلك الحقيقة، وهذا يوجب التناقض، لأنّ الوجود لوْ كان رابطاً لكان التركيب انضماميّاً وهو ما يعرض فيه الوجود على الماهية في الذهن والخارج على السواء، وإذا كان تركيب الوجود والماهية تركيباً اتحاديّاً أو لا يوجد أيّ تركيب حقيقي، فحينئذٍ فرض الوجود الرابط مستحيل لأنّ الرابط يعني وجود شيئين متغايرين لا متحدين[49].

أساس خطأ كانط أنّه تصوّر الماهية والحقيقة أو الطبيعة والفرد، شيئين مستقلّيْن، والوجود هو الذي يربط بينهما، ولكن هذا مردود عندنا مطلقاً لأنّ الوجود والماهية أو الطبيعة والفرد ليسا أصيلين معاً بل إما الوجود أصيل وإما الماهية، فلا يمكن تصور أصالتَهما معاً لنربط بينهما.

ثم ثانياً: لو افترضنا أصالتهما معاً لاستحال التركيب الاتحادي بين الأصلين المستقلين لأنّ قلبَ شيئين واقعيين إلى شيء حقيقي واحد، من دون استحالة أو انقلاب ماهَوِيّ، مستحيلٌ.

ثالثاً: لو حصل الحمل بين شيئيْن مستقلَّيْن لا يكون ذلك  تركيباً اتحاديّاً حقيقيّاً بل تركيباً انضماميّاً، نعم إن كانط تنبه إلى أنّ الوجود ليس من أجزاء الماهية بل يُحمل عليها بحمل عرضي أو بالحمل الشايع الصناعي، لكنه أخطأ في جعل الحمل الشايع الصناعي مساوياً لـِ وجود الرابط واستنتج من كون العلقة بين الفرد والطبيعة بما أنّها بالحمل الشايع الصناعي لا الذاتي والأوّلي، يكون الوجود رابطاً بين الموضوع والمحمول، والحال أنّه بما أنّ التركيب بينهما اتحاديٌّ لا يمكن أن يكون الوجود رابطاً.

رابعاً: عند المقايسة بين الطبيعة والفرد، لو جعلنا الطبيعة في الذهن والفرد في الخارج وأردنا حمل موجود ذهني على واقعة عينية، لما أمكن ذلك، لعدم وجود أيّ علقة بين الوجود الذهني والوجود العيني، فالوجود حينئذٍ لا يكون تحليليّاً ولا تركيبيّاً انضماميّاً أي لا يُحمل على الماهية لا بالحمل الأوّلي الذاتي ولا بالحمل الشايع الصناعي، لأنّ المِلاك في الحمل هو الاتحاد وعند الاختلاف لا يمكن الحمل فلا يكون الوجودُ هو الرابط.

ولوجود هذه الأمور يوجد تناقض بيّن في كلام كانط يسقطه عن الاعتبار رأساً، فإنّه عندما يقول في أصله الموضوعي: "إن الوجود لا يكون محمولاً حقيقيّاً" لا بد أن يعترف بالتناقض الصريح لأنّ معناه أنّ الوجود يكون رابطاً وغير رابط، يضيف إلى الماهية شيئاً ولا يضيف[50].

وبعبارة أخرى إنّ نقيصة فلسفة كانط تكمن في أنّه جعل جميع القضايا التي هي من نوع الحمل الشايع الصناعي داخل نوع التركيب الانضمامي، والحال أنّ التركيب الانضمامي قسم من أقسام الحمل الشايع الصناعي، والقسم الآخر هو التركيب الاتحادي الذي يربط الفرد مع ماهيته، وهذا ما أغفله كانط تماماً وسبّب الإرباك في فلسفته وتبعه الإرباك عند من انبهر به من فلاسفة الغرب[51].

ثم إنّ كانط طرح مسألة (الله) تعالى ضمن مسائل العقل النظري، وذهب إلى عدم إمكان إثبات وجوده طبقاً للعقل النظري لكنه أثبته طبقاً لمقاييس العقل العملي كأصل

موضوعي، ولكن لماذا أغلق كانط الطريق أمام العقل النظري لإثبات الباري تعالى؟[52].

الدليل الاول: إنّ تصور مفهوم اللَّه تعالى لا إشكال فيه من حيث العقل النظري، وكذلك لا إشكال في إعطاء تعريف لفظي لهذا التصور، ولكن هذا التعريف الاسمي واللفظي لا يثبت الضرورة المنطقية (وهي القضايا التي لو سلبنا المحمول منها للزم التناقض بالذات كما لو سلبنا الأضلاع الثلاثة من المثلث، ولكن لو سلبنا الوجود عن اللَّه تعالى لم يلزم التناقض بدليل وجود ملحدين ينكرون اللَّه مع تصورهم له).

ونقول في مقام الإجابة: إنّ ضرورة اللَّه تعالى تستنتج من تقسيم الوجود إلى الواجب والممكن لا عن طريق التعريف اللفظي[53].

الدليل الثاني: لو سلّمنا بأنّ التعريف اللفظي يعطي الضرورة المنطقية، ولكن هذه الضرورة لا يمكنها إثبات الوجود الخارجي أي إنّ الضرورات المنطقية لا يمكنها أبداً إثبات الوجود العيني والخارجي.

ولكن يُردُّ عليه بأنّ الأحكام والقضايا الخاصة بالله تعالى لها ضرورة مطلقة وأزلية دون الضرورة الذاتية فلو تقيّدنا بالضرورة الذاتية لكان الأمر كما قال كانط إذ إنّها لا تثبت الوجود الخارجي العيني[54].

الدليل الثالث: إنّ كانط قسّم الأشياء إلى (نومينو) أي الوجود في نفسه وفي ذاته الذي لا يعكس في الذهن، و(فينومينو) وهو الوجود فينا والمستقرّ في الذهن، وعليه يرى كانط أنّ (نومينو) لا يدخل تحت علمنا سواء كان جوهراً أو هيولى أو النفس أو اللَّه لأنّه يقع خارج الذهن، والعلم به يلزم منه التناقض لأنّه لو دخل في الذهن وأصبح (فينومينو) لفقد ميزته ولم يكن (وجوداً في نفسه) بل صار (وجوداً فينا) وهذا خُلْف، لذا لا يمكن العلم بـ (نومينو)[55].

بعد هذا العرض يعرّج كانط على العقل العملي ويثبت اللَّه تعالى عن هذا الطريق، وذلك أنّ الأفعال الأخلاقية كامنة في ضمير الإنسان، وأنّه يهدف من خلالها إلى الوصول إلى حالة أفضل من السابق أي من الحالة السيئة إلى الحالة الحسنة، ومن الحسن إلى الأحسن وهكذا يكرر الفعل الأخلاقي ليصل إلى الخير المطلق وهو اللَّه تعالى، ففرضية انعدام اللَّه تعالى توجب انهيار جميع منظومة العقل العملي. هذه هي التجربة العقلية العملية التي يستنتج منها كانط وجود الله، كما أنّ المسائل الأخلاقية لها حقائق ليس لها وجود محسوس بالحواس الظاهرة بل هي من المعقولات التي يتحد فيها العقل والعاقل والمعقول، وعليه لا يحصل هنا التناقض عند الاستنتاج لأنها حاضرة في العقل بنحو من الأنحاء، فالتناقض الذي مرّ في العقل النظري بين النومينو والفنومينو لا يحصل هنا[56].

ما بعد الطبيعة (ميتافيزيقيا):

لم يوافق الدكتور حائري على ما هو سائد في الغرب لتعريف ما بعد الطبيعة، من أنّها ما تبقّى من دراسات أرسطو التي وُجدت من غير تسمية عُثِر عليها بعد بحوثه حول العلوم الطبيعية، لذا سميت بما بعد الطبيعة، وهذا المصطلح قد أطلقه (اندرنيكوس) عام سبعين قبل الميلاد على هذه البحوث، وعليه فهذه الَبعدية ـ عندهم ـ في (ما بعد الطبيعة) بعدية زمنية وليست بعدية تعليمية أو منطقية أو بعدية في درجات الوجود ومراتبه.

بل يرى الشيخ الحائري تبعاً للمحقق الطوسي أنّ أرسطو قد تدرّج في التعليم، فبدأ من المبادئ الحسية وانتهى إلى المعقولات، فتقسيم العلوم إلى حسيّة طبيعية وعقلية ما بعد طبيعية لم يكن تقسيماً جُزافيّاً بل له أصل علمي رصين، والبَعدية في (ما بعد الطبيعة) بعدية تعليمية من حيث تقدّم المعرفة الحسية على المعرفة العقلية[57].

ومع قطع النظر عن هذا الجدل اللفظي يرى الدكتور الحائري أنّ الأمر الأهم هو التعرّف إلى هذه المعقولات التي تشكّل موضوع (ما بعد الطبيعة) ومحمولها وهذا ما يبحث عنه في الفلسفة، فقد ذهب ابن سينا إلى أنّ موضوع ما بعد الطبيعة هو الموجود بلحاظ الحيثية الإطلاقية لا الحيثية التقييدية أو التعليلية، ومن صفات الحيثية الإطلاقية أنّها تنطبق على جميع أفرادها بأيّ مكان وزمان وكيفية ورتبة وبأيّ مواصفات؛ انطباقاً قهريّاً عقليّاً من دون أيّ استثناء، وعليه فمفهوم الوجود يكون موضوعا لعلم ما بعد الطبيعة بهذه الحيثية[58].

ثم إنّ الدكتور الحائري بعدما يقسّم الاطلاق إلى الإطلاق القِسْمِيّ (وهو ما يتعلّق بالمجردات غير المنطبقة على العالم العيني) والإطلاق المَقْسَمِيّ (وهو الذي يقبل الاشتراك الذاتي ويمتزج مع أيّ صورة) يرى أنّ سبب عزوف فلاسفة الغرب عن علوم (ما بعد الطبيعة) ربما يكون لتصورهم الخاطئ بأنّ تلك العلوم تتعلّق بالعالم الخفي والتجرّد التام الذي لا ينطبق على عالم الكثرة والتعيّن (الإطلاق القسمي) والحال أنّ المراد بالإطلاق في الوجود (وهو موضوع ما بعد الطبيعة) هو الإطلاق المقسمي المنطبق على الجميع سواسية، فوجود كل موجود سواء أكان طبيعياً أم غير طبيعي، محسوساً أم معقولاً، ذهنيّاً أم عينيّاً يدخل تحت مظلّة الوجود المطلق، فوجود أيّ موجود هو بعينه نفس وجوده الما بعد طبيعي سواء كان من المحسوسات والظواهر الطبيعية أو الذهنية وغير المحسوسة[59].

وبعد هذا التمهيد يرى الدكتور الحائري أنّ جوهر الخلاف، بين فلاسفة الإسلام وفلاسفة الغرب، يكمن في ما ذهب إليه فلاسفة الإسلام من أنّ العلقة بين علوم ما بعد الطبيعة وغيرها من العلوم الطبيعية إنّما هي علقة منطقية رتبيّة حيث إنّ رتبة علوم ما بعد الطبيعة تتقدّم لأنّها علوم ما قبلية، بينما تكون سائر العلوم علوماً متوسطة أو نازلة [60]. وهذا بعكس ما ذهب إليه فلاسفة الغرب الجدد في الفلسفة التجريبية، حيث إنّهم يَرَوْنَ أنّ مباحث ما بعد الطبيعة هي من أغلق الأمور ولا قيمة لها، فقد تمنى ديفيد هيوم لو يحرق جميع الكتب المتعلّقة بما بعد الطبيعة لأنّها لا تشتمل إلّا على الأحلام والخيال ولا تحكي عن واقع حقيقي[61].

ولكن وهم هيوم هذا ومن على شاكلته ناشئ من عدم الالتفات إلى النظام المنطقي السائد بين العلوم وإلى العلم الأعلى الذي يتكفّل بإثبات موضوع سائر العلوم، فاستنتجوا من (ما بعد الطبيعة) مفهوماً مجرداً ذهنيّاً لا ينطبق على الحقائق العينية، وكلّما وصلوا إلى مصطلح (ما بعد الطبيعة) تصوّروا التقسيم الأفلاطوني حيث قسّم العالم إلى عالم الحقيقة وعالم الوهم ثم نسب الثبوت والكلية والتحقّق الحقيقي إلى الأول، وعدم الثبوت والتحقّق المجازي والاعتباري إلى الثاني، وعليه طبقاً لهذه المنظومة تدخل جميع المحسوسات في العالم الطبيعي ذيل الوهم والفناء بحيث لا يطلق عليها (الوجود) إلّا تجوّزاً[62].

من هذا المنطلق حكم الماديون على كل ما هو (ما بعد الطبيعة) بأنّه عالم الخيال والفناء الأفلاطوني، فكما لا توجد طبيعة عينية في (ما بعد الطبيعة) كذلك لا توجد أيّ حقيقة أخرى، حيث ساووا بزعمهم بين الحقيقة والوجود والطبيعة المادية، وما لم يكن الشيء حِسّيّاً لم يكن موجوداً ثم تطوّر هذا الأمر عند الوضعيين في فينّا في الأعوام ما بين 1920 و 1930 م حيث فصلوا بين الفلسفة (المتعلقة بالأوهام) والعلوم (المتعلّقة بالحقائق العينية) وحاولوا تسخير الفلسفة للعلوم الطبيعية.

وأخيراً يرى الدكتور الحائري عدم صحة كلام الماديين أمثال هيوم والمدرسة الوضعية، وكذلك عدم صحة ما ذهب إليه أفلاطون من حصر الواقع والحقيقة بما بعد الطبيعة، بل يرى أنّ الوجود والموجود يطلق على نحو الإطلاق المقسمي على جميع الحقائق صريحاً سواءً أكانت مادية أم غير مادية كالنفس والعقل[63].

ومن وجهة نظر ثانية ينتقد الحائري بعض المغالطات المعاصرة في الفكر الجديد، ويذكر منها ما ورد في تعريف علوم ما بعد الطبيعة، حيث إنّ بعض المُحْدَثين الذين يميلون إلى التجديد في الفلسفة أجرى عليها قانون النشوء والارتقاء وقال إنّ الفلسفة كانت في البداية وجودية، ثم عبرت هذه المرحلة ووصلت إلى علم المعرفة، ثم انحدرت إلى المنطق البحت، وبعد هذا تنزلت واقتصرت على مباحث الألفاظ، فمن أراد التعرف إلى حقيقة ما بعد الطبيعة يلزم أن لا يتجاوز مباحث الألفاظ، وإذا أردنا أن نصبح فلاسفة ما بعد طبيعيين لا بد من أن نترك جميع الحقائق لكي نتمكن من الغوص في عالم الألفاظ[64].

ثم يرد الحائري عليهم:

هؤلاء أجروا بكل قطع وجزم ما أحدثه عالم طبيعي في السير التاريخي والطبيعي في الأنواع وعلى نحو الاحتمال، أجروه على سائر العلوم وتمسكوا بقياس التشبيه غير المعتبر منطقيّاً وعرفاً بين الأنواع الطبيعية وأنواع العلوم.

إنهم ساروا على عكس المطلوب حيث إنّ تلك النظرية تقول بارتقاء الأنواع في سيرها التكاملي، لكن هؤلاء قالوا بالارتجاع حيث هبطت الفلسفة من الأعلى إلى الأدنى.

إنّ هذا الاستكمال والارتقاء أو الرجوع مهما كان فإنّه مقتصر على الوجود الطبيعي للأنواع، أما الماهية فإنّها غير قابلة لهذا السير حتى عند داروين، لأنّ هذه النظرية لا تدَّعي أنّ طبقة نوع الإنسان الحالي أي مفهوم الإنسان وماهيته كان سابقاً بشكل آخر ثم استكمل، بل إنها تقتصر على التكامل الطبيعي والتاريخي، وعليه فتحوّل الفلسفة من مفهوم الوجود المطلق إلى الوجود المقيد الذهني (نظرية المعرفة) ثم إلى الصور المنطقية ثم إلى الالفاظ، لا ينطبق مع أيٍّ من الموازين، وهو كلام غير صحيح[65].

5 - فلسفة الأخلاق عند هيوم:

أول من سأل في الغرب عن علقة الوجود والوجوب هو ديفيد هيوم، وسؤاله هذا مُنْبَنٍ على فلسفته التجريبية النافية لما بعد الطبيعة، واستمر هذا السؤال بعده إلى يومنا الحاضر. إنّ جوهر سؤاله قد ابتنى على مسألة العلقة المنطقية بين الوجود والوجوب، وكيف يمكن استنتاج قضايا وجودية من مقدمات تحكي عن الوجود في قياس منطقي[66].

يرى هيوم أنّ النظم الأخلاقية عندما تريد الخوض في مسائل الأخلاق تستعين بالطريقة الفلسفية المتداولة، وتبدأ من إثبات وجود اللَّه أو عدمه، وبعد إثبات وجود اللَّه وسائر الخصائص الإنسانية من خلال قضايا الوجود والعدم، تعرّج فجأة على مسألة الوجوب واللاوجوب، فهيوم يستغرب من هذا التحوّل المفاجئ ويتساءل عن الضوابط المنطقية لهذا التحول والاستنتاج، إذ إنّ التعريج من الوجود إلى الوجوب ومن العدم إلى اللاوجوب غير مقبول في الفلسفة التجريبية، فعلماء الأخلاق يرون قطعية هذه النتائج وكونها من الضرورات المنطقية، وبعبارة أخرى يتساءل هيوم ويقول: كيف يمكن أن نستنتج القضايا الناظرة إلى (الوجوب) من مقدمات ناظرة إلى (الوجود) إذ إن هذا الاستنتاج غير مقبول منطقيّاً.

والخلاصة: إنّ فلاسفة ما بعد الطبيعة لا يمكنهم الاستفادة من المقدمات الناظرة إلى وجود اللَّه والنفس للوصول إلى وجوب الفضائل الأخلاقية وعدم الرذائل الأخلاقية[67]. بعد هذا العرض لشبهة هيوم ينبري الدكتور الحائري للإجابة، ويستعين بالفلسفة الإسلامية كي يبرهن إمكانية العبور من قضايا الوجود إلى قضايا الوجوب واللزوم.

إنّ مسائل الفلسفة تتكوّن دائماً من قضايا (الوجود)، وهو الرابط بين جميع تلك القضايا، ولا تتعدّى ذلك، وهذا ما نتوافق فيه مع هيوم[68] ثم يدخل سؤال هيوم في منطق الصورة وروابط القضايا ولا علاقة له بمنطق المادة أي مواد القضايا، كما لا علاقة له أيضاً بصور القضايا والأقيسة الأخلاقية، وعقد وضع القضايا وعقد حملها[69].

البحث الوجودي عن الوجود والوجوب:

إنّ السؤال عن الوجود مع قطع النظر عن شبهة هيوم يُعد من الأصول البنيوية في المنطق الصوري. إنّ مسألة وجود اللَّه تعالى من أقدم مسائل فلسفة الوجود إذ يقع وجوده في قمة هرم سلسلة الوجودات العينية، ومن الواضح أن مورد مباحث الفلاسفة لم يكن حول أنّ وجود اللَّه يختلف عن وجود الطبيعة وظواهرها، بل إنّهم يبحثون عن اللَّه من جهة أخرى أي حول أنّ وجوده واجب ولازم أما سائر الوجودات فإنها قد تكون وقد لا تكون، وهذا هو معنى واجب الوجود بالذات أي إنّ وجوده لم يكن وجوداً صُدْفِيّاً كي يُبحث عن لزومه أو عدم لزومه، بل إنّ وجوده واجب بالضرورة المنطقية، فحينئذ بعد تعريج الفلسفة من مطلق الوجود إلى الوجوب واللاوجوب، يأتي هذا السؤال قهراً: أي كيف نصل من المقدمات الناظرة إلى مطلق الوجود، إلى نتائج ناظرة إلى الوجوب؟ هذا السؤال وإن كان ناظراً إلى الوجوب المنطقي لا الأخلاقي وسؤال هيوم كان عن الوجوب الأخلاقي، لكن هذا لا يضر لأنّ سؤاله يتمحور عموماً حول استنتاج الوجوب من الوجود، وبما أنّ نطاق السؤال توسّع إلى الوجوب المنطقي أيضاً يُحتّم علينا الرجوع إلى البنى والأصول والتعرف إلى أنّ علقه الوجوب بأيّ معنى كان منطقيّاً أم أخلاقيّاً من أيّ منبع يصدر، وما هو معنى الوجوب وما هو منطلقه الوجودي؟[70]، معنى الوجوب هو اللزوم والضرورة والحتمية، ويقابله الجواز والإمكان، كما يقابله الحرمة والامتناع واللاوجوب.

فالموجود الذي يلزم وجوده يكون واجب الوجود، ولو لزم عدمه كان ممتنع الوجود، ولو كان وجوده وعدمه متساويين لكان ممكناً خاصاً، ويطلق في المنطق على هذه القضايا قضايا موجهة، وعليه فهذه المفاهيم تنشأ من تنوع واختلاف الوجود ولم يكن لها أي جذر ومنشأ غير الوجود، لأنّ الوجود هو الذي يتلوّن بهذه الألوان، فتارة يتصف بالوجوب وتارة بالإمكان والجواز وأخرى بالامتناع.

هذه المباحث كلّها تتعلق بالفلسفة ومباحث العقل النظري الباحث عن الوجودات غير المقدورة فشبهة هيوم لا تقتصر على الأخلاق ومباحث العقل العملي بل تسري حتى على مباحث العقل النظري.

الوجودات الصادرة عن إرادة الإنسان المسؤول تتصف بتلك المفاهيم نفسها حيث بعض هذه الأفعال تُعد لازمة وحتمية وواجبة عند الفاعل ولا بد أن تتحقق بإرادته، وبعضها الآخر ليست بهذه المثابة من الضرورة والحتمية، والقسم الثالث ما يكون وجودها عن الفاعل محكوماً عليه بالحرمة، فتلخّص أن الوجوب الأخلاقي كالوجوب المنطقي كيفيات تبيّن وتُوَصِّف النسب والروابط في الوجود، وأنّ العامل الوحيد الذي يُوصِّف الوجود بالوجوب الأخلاقي علم الإنسان وإرادته، وهو أي العلم والإرادة العلة الفاعلية لهذه الوجودات، أي إنّ الإرادة َوالاختيارَ هما العلةُ الفاعليةُ الوحيدة والعامل الرئيسي للوجودات التي تتصف بالوجوب[71].

ثم إنّ سؤال هيوم ينقسم إلى قسمين:

ـ السؤال عن العلقة الصورية بين الوجود والوجوب.

ـ السؤال المتعلّق بصورة القياس وهو كيفية استنتاج الصور الناظرة إلى الوجوب من مقدمات ناظرة إلى الوجود في قياس منطقي أي استنتاج القضايا المعيارية والقيمية من القضايا الإخبارية أو التوصيفية.

السؤال الأول لا علاقة له بمسألة الاستنتاج بل يقتصر على تنوع الرابطة والعلقة بين الوجود والوجوب، وفي مقام الاجابة يجب أن نفرّق بين نوعين من الوجود وهو ما يسمّى في الفارسي بـ (است) و(هست) فالأول لا يتعدى كونه وجوداً رابطاً لا أكثر ولا يدخل في عقد الحمل وغير منظور، إليه هو أي رابط بين الموضوع والمحمول كما في مثال (زيد طبيب زيد طبيب است)، فالوجود هنا رابط بين الطب وزيد لا أكثر ولا يحكي عن مسألة وجودية حول زيد أو الطب.

وتارة نستخدم الوجود ونريد منه إثبات الوجودية (أي هستي) كما لو قلنا (الله موجود) فالوجود هنا ليس رابطاً بل إنه محمول يدخل في عقد الحمل ويكون مفاد كان التامة وهل البسيطة، والخلاصة أنّ هناك فرقاً بَيِّناً بين الوجود المحمولي والوجود الرابط، وبناء على هذا الفرق يُجاب عن سؤال هيوم الأول.

ونقول إنّ القسم الأول من سؤال هيوم يدور حول الوجود الرابط، وهذه العلقة بين الوجود [أي بمعناه الرابط] وبين الوجوب تنحصر في العلوم الرياضية والطبيعية، بينما الوجود المحمولي [بمعنى هست] يكون في الفلسفة، وهذا السؤال الأول خارج عن مسألة الاستنتاج المعياري والقيمي الذي هو مفاد القسم الثاني من سؤال هيوم.

القسم الثاني من سؤال هيوم يتعلّق باستنتاج النتائج المعيارية والقيمية من القضايا والمقدمات الخبرية أو التوصيفية، وهو يتعلق بمنطق الاستنتاج ولا علاقة له بمسألة الرابط في القضايا، بل ينحل إلى السؤال عن العلقة المنطقية بين العقل النظري والعقل العملي.

وبعبارة أخرى هنا سؤالان عند هيوم:

ـ مسألة الرابط في القضايا.

ـ مسألة استنتاج القضايا.

إنّ المعيارية من القضايا الخبرية، فإذا لم نميّز بين هذين الأمرين فسنقع في مغالطة جمع المسألتين في مسألة واحدة التي وقع فيها الكثير وسبب إرباكاً كبيراً[72].

أما في الجواب عن الشق الثاني من سؤال هيوم فنقول إنّ العقل العملي هو قدرة الاستنباط واستنتاج نتائج ناظرة إلى الوجوبات، توضيح ذلك: هذه النتائج تنتخب من خلال الوجودات المشخصة والأمور الجزئية المتعلّقة بالإنسان كي يصل الإنسان إلى غاياته مختاراً. هذه النتائج تُستحصل من المقدمات الأولى أو المشهورات أو المُجرَّبات فالحركة المنطقية من هذه المقدمات إلى حين الوصول إلى النتائج الناظرة إلى الوجوب يتكفّلها العقل النظري الباحث في الآراء والقضايا الكلية، هذه هي الصورة العامة للقياسات المنطقية المنتهية إلى النتائج الأخلاقية.

وبعبارة أخرى إنّ حقيقة العقل العملي هو استنباط ما يجب أن يفعله الإنسان المسؤول، وهذا الاستنباط يجب وأن يستند إلى رأي وقاعدة ومقدمات كلّية وهذا يتعلّق بالعقل النظري، أي إنّ العقل العملي ينتج من العقل النظري والوجوب لا يصدر إلّا من حاقّ الوجود. نحن نصل إلى أيّ خير أو فعل حسن من طريق المعرفة الكلية، ثم تظهر من هذه المعرفة الكلية معرفة جزئية ونكوّن منهما قياسين منطقيين: الأول يتضمن المعرفة الكلية (عقل نظري) والثاني المعرفة الجزئية (عقل عملي). مثلاً العقل النظري يدرك أن الصدق حسن، ثم يجري هذا الحكم على الجزئيات ويَنتج منه قياسٌ أصغر يتعلّق بالعمل والفعل، فالنتيجة الصادرة عن القياس الثاني هذا هي العقل العملي، فالعقل النظري يحوّل في البداية الوجود إلى الوجوب، ثم يصوغ القضايا الأخلاقية من خلال كبرى وصغرى كسائر القضايا الفلسفية، فالوجوب هنا هو الضرورة أو الوجوب بالذات أو بغير الناشئ من اشتداد الوجود وقوّته[73].

إنّ مسائل العقل العملي هي قضايا العقل النظري المتعلّقة بالوجودات الإرادية والاختيارية لدى الإنسان، وهذه الوجودات الاختيارية بعد صدورها تخرج من سلطة الإنسان وتحكي عن الوجودات العينية وغير الإرادية، وحينئذ يمكن تشكيل قضايا خبرية عنها، فالجلوس مثلاً حقيقة من الحقائق الوجودية المتعلقة بالإنسان لأنّه من مقولات الوضع وهو من القضايا الفلسفية، هذا الوضع المخصوص (الجلوس) بما أنّه فعل إرادي قبل أن يتحقق يكون من الوجوبات الأخلاقية ويقع محمولاً في القضايا الأخلاقية ولكن بعد الوجود والتحقق يصبح من الوجودات الخبرية[74].

ثم إن سؤال هيوم عن كيفية استنتاج نتيجة ناظرة إلى الوجوب من مقدمات ناظرة إلى الوجود، لو كان سؤاله عن مادة القياس يُنقض بدليل الصِّدِّيقين في الفلسفة الإسلامية والدليل الوجودي عند آنسلم، حيث إنّ هذين النظامين يُرجِعان الوجود المطلق إلى نتيجة منطقية ناظرة إلى الوجوب وذلك ضمن تقديم قياس برهاني[75].

وأخيراً، إنّ الوجوب كيفية حقيقية من مراتب الوجود يحكي عن درجات الوجود شدة وضعفاً[76].الوجوب وإن كان وجوداً رابطاً من حيث الصورة لكنه في الواقع ينشأ من حاقّ الوجود، وهو من كيفيات الوجود البسيط المتعلق بمنطق المادة[77]. الوجوب ليس مفهوماً مستقلاً أمام الوجود، بل هو ذاتي للوجود ويصف صور وجوداتنا الاختيارية[78].

6 دليل الاستقراء:

البرهان لا يحتاج إلى تجربة، حيث نصل فيه من المقدمات العليا أو الكلية إلى النتائج الجزئية، أمّا القوانين العلمية فهي تجريبية وهذه القوانين قد تحصل عن طريق الاستقراء، علماً بأنّ الاستقراء التام لا يتحصّل في الطبيعة لخروج موارد الاستقراء عن حيّز الإحاطة، لذا يكون الاستقراء ظنّيّاً وغير يقيني.

يوجد إشكالان في الاستقراء: الإشكال التجريبي والإشكال العقلي.

ـ الإشكال التجريبي: إنّنا لا نتمكن من استقراء جميع الحالات في الماضي والحال والمستقبل وتجربتها، إذ إنّ الأفراد التي لا نهاية لها لا تحضر في الذهن.

ـ الإشكال العقلي: إنّنا لا نتمكن من الوصول إلى حكم كلي قطعي عن طريق الاستقراء لعدم إمكان معرفة الكلّي عن طريق الجزئي. الجزئي هو نموذج للكلّي لكنه لا يحكي عنه، الكلي يحكي عن الجزئي دون العكس، بخلاف البرهان حيث نصل من الكلي إلى الجزئي ويكون حكمه قطعيّاً.

فقد أشكل هيوم في القرن السابع عشر هذا الإشكال وقال: إنّ تجربة مجموعة من المصاديق لا توصلنا إلى نتيجة دائمية وكلية لأنّ الافراد لا تناهيَ لها ولا يمكن الوقوف على جميعها فهو لا يعطينا اليقين بل يعطينا الاطمئنان الظني.

وقد ردّ على هيوم الوضعيون أرباب حلقة فينّا وأصحاب معيارية الإثبات أو الإبطال في القضايا، إذ تعتمد آراؤهم على الاستقراء لكن دون جدوى والحق مع هيوم.

ومن وجهة نظر المنطق الإسلامي فإنّ الاستقراء على نوعين:

الاستقراء الذي حقيقته البرهان فهو يفيد العلم بشرط أن تكون التقسيمات عقلية، كما لو قلنا: الجسم إما حيوان أو نبات أو جماد، فهنا نستقرئ الأفراد عن طريق التقسيم المنطقي لا التقسيم التجريبي، فيكون الاستقراء حينئذٍ تامّاً يقينيّاً وهذا نقض على هيوم.

ويمكن الجواب عن شبهة هيوم بنظرية (الفرد بالذات) حيث إنّ التجربة لو أوصلتنا إلى (الفرد بالذات) لكان الحكم ضروريّاً لا يختلف عن الطبيعة الكلية ولا يحتاج إلى استقراء جميع الأفراد، فالفرد بالذات وإن كان جزئيّاً ولكن يمكنه الحكاية عن الكلي، فهو استقراء بمعنى وبرهان بمعنى[79].

نبين ذلك عن طريق مثال: لو سألك ابنك وقال: ما لون هذه الورقة؟ لأجبته بأنّ هذه الورقة بيضاء، فأنت تبيّن له بياض الأبيض أي الفرد بالذات للبياض في الخارج، فلذا لو رأى لاحقاً الثلج أو أي أبيض آخر لحكم عليه بالبياض أي يصل إلى حكم كلي عن طريق هذا الفرد بالذات، فلو وصلنا إلى الفرد لحكمنا عن طريقه على جميع الأفراد، ولا نحتاج إلى الاستقراء كي نصل عن طريق مشاهدة الأفراد إلى الحكم الكلي[80].

7  الصحة والفساد:

إن الغربيين عَدُّوا بعض المفاهيم من قبيل الصحة والفساد ضمن الأمور القيمية والمعيارية وذهبوا إلى أنّها توجيهية توصيفية (prescriptive) وليست إخبارية أي لا يمكن الإخبار عنها لأنّها لا تملك وجوداً عينيّاً مدرَكاً بالحواس الظاهرية أو الباطنية فلا يمكن الإخبار عنها.

الجواب: إذا كانت هذه المفاهيم من الاعتبارات المحضة ولا يمكن الإخبار عنها، فكيف أخبر عنها الانبياء والفلاسفة؟ إنّ الصحة صفة العمل الذي يتطابق تماماً مع أجزاء الفعل وشرائطه، والمطابقة حقيقة رياضية وليست معيارية ولا اعتبارية والفساد بخلافه، فما ذهب إليه التجريبيون من أنّ الصحة والفساد أو الحسن والقبح ليست أموراً حقيقية كالبياض والسّوَاد فلا معنى لها وإنّها غير خاضعة للمعرفة التجريبية وغير قابلة للتأييد أو التكذيب، هذا الكلام في غير محلّه[81].

ذهب آلفرد جولز إِيِر أستاذ الفلسفة التجريبية في جامعة أكسفورد إلى أنّ القضايا الأخلاقية غير قابلة للتجزئة والتحليل العلمي، فلا تكون من مصاديق الوجود وتبقى تصورات ذهنية غير مفهومة، وعلى سبيل المثال إذا قلنا:

أنت فعلت قبيحاً في سرقة هذا المال.

أنت سرقت هذا المال.

يرى (إِيِر) أنّ هذين المثالين لا فرق بينهما، فكلمة القبيح المستعملة في القضية الأولى لم تضف شيئاً واقعيّاً على المثال الثاني، فالمعنى المحصَّل من المثال الأول في عالم الوجود ليس بأكثر من المعنى الموجود في القضية الثانية، إذاً ليس (القبح) شيئاً يدل على واقع عيني ولو كان شيئاً عينيّاً للزم الاختلاف في معنى المثالين.

نقول في الجواب: لو أغمضنا الطرف عن مسألة الحسن والقبح وعكفنا على مفهوم السرقة لأصبح مفهوم السرقة طبقاً لأصول الفلسفة التجريبية غير مفهوم أيضاً كمعنى الحسن والقبح، ونقول له على سبيل النقض: ما معنى السرقة في العالم الحسّي؟ وما الفرق بين السارق والأمين؟ فلو افترضنا شخصين تحققت أموالكم عندهما، واحد على سبيل الائتمان والأمانة وواحد على سبيل السرقة، فما الفرق في المنطق التجريبي بين هذين الشخصين، إذ الأمانة والسرقة من وجهة نظر المنطق التجريبي متساويان لأنّ معناهما انتقال أموالك منك إلى غيرك، فكيف يصبح هذا الانتقال أمانة عند أحدهما وسرقة عند الآخر؟

لا مناص لنا من القول إنّ أحد الانتقالين لم يتطابق مع قواعد العرف أو القانون والآخر يتطابق لذا يكون أحدهما أميناً والآخر سارقاً، إذاً التقابل بين التطابق وعدم التطابق يعود إلى تقابل الإيجاب والسلب، الوجود والعدم. وهذا التقابل مردّه إلى الوجود وهو ليس من القيم، وعليه فإنّ القبح في المثال المذكور يُنتزع من عمل السرقة القبيح، وبما أنّ السرقة لا تتطابق مع نظام القانون تكون فساداً، بهذه الطريقة يجري إرجاع الحسن والقبح الأخلاقيّيْن إلى الانطباق وعدم الانطباق التجريبيَّيْن أو الرياضيِّيْن، وهما من ضمن الوجودات الطبيعية والرياضية وليسا اعتباريين[82].

-8 العلة والمعلول:

مسألة العلة والمعلول من أهم مسائل الفلسفة ومن دونها يكون الاستدلال عقيماً وغير منتج ويقتضي تعطيل العقل، لكن جاء هيوم من مؤسسي الفلسفة التجريبية وذهب إلى أنّنا لا نتمكن من قبول قانون العلّية عن طريق التجربة، لأنّه يحصر الاستدلال بالتجربة والحواس أو ما ينتج فهما مباشرة، لأنّ مفاد هذا القانون هو ثلاثة أشياء: الاتصال، التعاقب الزمني، الاستمرار، وهذه الثلاثة لا تنتج القطعية والضرورة المنطقية. كيف تقولون: كلما كانت العلّة كان المعلول بالضرورة وبالعكس، من أين لكم هذه الضرورة، إنّ الأمور الثلاثة أعلاها لا تنتج سوى الواقع التجريبي لا الضرورة المنطقية، فإذا أذعنّا لهذا الكلام فلن نتمكن من إثبات واجب الوجود لا من خلال المعلولات ولا من خلال العلل[83].

نقول في الجواب: معنى العلّية عندنا أنّ الكون هو تجلّي اللَّه تعالى ومعلوله الإبداعي، فاللهُ هو مفيض الوجود وتسمّى نتيجة هذه الإفاضة بالمعلول (أي المُفَاض) وهذا مفاد قاعدة (الواحد لا يصدر عنه إلّا الواحد)، وما أنكره هيوم هو التعاقب والاستمرار بين شيئين، أما في قاعدة الصدور فلا يوجد تعاقب زمني بين الصادر والمصدور، ولا استمرارَ ولا اتّصالَ مكانيَّيْنِ، لأنهما يتعلقان بوجود شيئين والحال أنّ في الإفاضة لا توجد إثنينيّة بل هناك ظهور، وظهور الشيء لا يكون سوى الشيء نفسه.

فبعد إثبات الصدور نفهم نوعاً آخرَ من العلّية غير التي نفاها هيوم. من هذه العلية والمعلولية التي تكون بمعنى الصدور، نستنتج الضرورة المنطقية، الضرورة المنطقية بين المعلول وعلّة إثبات الكون من حيث إنّ الكون ظهور وجود اللَّه تعالى، هذا بناء على قانون العلية في قاعدة الصدور لا بناءً على قانون العلية في الأجسام التي نفاها هيوم لأنّها كما قال لا تثبت سوى الاحتمال دون الضرورة المنطقية[84].

9ـ العلم والفلسفة:

إنّ المنهجية الجديدة تحاول أن تحصر (العلم) بالعلوم الطبيعية والرياضية، وتبعاً لذلك يُخرجون الفلسفة وعلوم ما بعد الطبيعة عن أسرة العلوم، ولكن ليُعلم أنّ العلم الأعلى أو الفلسفة الكلية وعلم ما بعد الطبيعة تُعدّ من العلوم لامتلاكها جميع مميزات العلم وهي ليست جهلاً، بل هي منبع سائر العلوم وجميع العلوم تتغذّى منها.

يقول الفكر الجديد: إنّ الفلسفة فلسفة وليست علماً ولا جهلاً، وذلك أنّ العلم هو الإدراك الذي يتعلّق بالمحسوسات مباشرة أو يكون كالرياضيات يعتمد على مبادئ حسية، وبما أنّ ما بعد الطبيعة لا تدخل ضمن هذين القسمين فلا تكون علماً، فالفلسفة فلسفة وليست علماً كما أنّها ليست جهلاً لأنّها نوع تحرك فكري.

تقول الفلسفة الإسلامية في مقام الإجابة: لا يمكن تعريف الفلسفة بنفسها لأنّه يلزم منه محذور توقف الشيء على نفسه أو الوقوع في التناقض، فالفلسفة إما أن تكون علماً من العلوم فهو المطلوب، وإما أن تكون جهلاً وهذا ما لا يقول به أحد، وإما أن لا تكون علماً ولا جهلاً ولا يفهم منها شيء، فهذا خروج عن البحث العلمي وتعطيل للعقل[85].

بعد هذا الجدل اللفظي نقول: ليست علوم ما بعد الطبيعة كما يتصوّره فلاسفة الغرب وبعض المتفلسفة الإسلاميين، علوماً تتعلّق حصراً بالموجود في خارج عالم الطبيعة، وتُطلق على ما لا يُرى، وتبحث عن الأمور الغيبية. هذا الفهم لا يستقيم وليس له أساس علمي متين. إنّ العلم بوجود المحسوسات من جهة لكونه وجوداً يدخل في زمرة علوم ما بعد الطبيعة عندنا، إنّ عوارض الجسم كالجسم نفسه وكسائر الموجودات إذا بحثت من حيثية القضايا البسيطة نفياً وإثباتاً فسوف تكون من مسائل ما بعد الطبيعة عندنا. وهذا يرجع إلى الخلاف الجوهري بين الفلسفة الإسلامية والفلسفة الأوروبية في تفسير ومعنى ما بعد الطبيعة والوجود المطلق ولا تقارب بينهما في هذا الأمر[86].

وسبب هذا الخطأ عند كثير من فلاسفة الغرب والشرق ناشئ من تعريف الفلسفة عندهم، حيث زعموا أنّها تبحث عن الوجود المطلق، لذا جعلوا مسائل الفلسفة من المجردات التي لا علاقة لها بالواقع العيني الجزئي ولا تحقق لها سوى التحقق الذهني؛ لأنّ الوجود المطلق مع قيد الإطلاق لا يتحقق سوى في الذهن، فالفلسفة إذاً لا تتمكن من الخوض في الحقائق العينية إذ إنّ مسائلها خارجة عن هذا المضمار ومنحصرة في المسائل الذهنية المجردة.

هذا هو الخطأ الكبير عندهم إذ لو كان موضوع الفلسفة (الوجود المطلق) لكان الحق معهم لأنّه مجرَّدٌ ولا تحقُّقَ خارجيّاً وجزئيّاً له، ولكن الصحيح أن نقول إنّ موضوع الفلسفة هو (مطلق الوجود)، ومطلق الوجود ينطبق على جميع الأمور حتى الظواهر الجزئية الطبيعية لأنّها كلها ضمن مفهوم الوجود، وبما أنّها وجود تكون من مسائل الفلسفة، وعليه ستصبح جميع الأشياء الجزئية والكلية، الطبيعية وما بعد الطبيعية، الوجودات الفلسفية غير المقدور عليها والوجودات الأخلاقية المقدور عليها، ستصبح كلها ضمن مسائل الفلسفة من حيثية وجودها؛ لانّ مطلق الوجود كما يصدق على المجردات يصدق على الطبيعيات أيضا[87].

وعليه فقد جعل فلاسفة الإسلام الفلسفة مرادفة للعلم، وقسّموا العلم إلى: العلم الأعلى (الفلسفة الكلية وما بعد الطبيعة) والعلم الأدنى (الرياضيات والعلوم الطبيعية) بخلاف فلاسفة الغرب حيث فصلوا الفلسفة عن العلم[88].

يظن البعض أنّ هذا التقسيم غير صحيح، والأولى اتباع ما طرحه فلاسفة الغرب قديماً وحديثاً، ولكن هذا غير صحيح لأنّ تمايز العلوم ورتبتها تُقدّر بتمايز الموضوعات سعة وضيقاً، فالعلم الذي يكون موضوعه أكثر كلية وتجرداً وشمولاً يكون أعلى، وما لا يكون بهذه المثابة بل يقتصر على الأشياء والظواهر العينية يكون أدنى[89].

10 ـ نقد نظرية بوبر حول (قابلية التكذيب) في القضايا

إنّ كارل بوبر قسّم القضايا إلى: علمية وغير علمية، وجعل قضايا الأخلاق والكلام والفلسفة والقانون ضمن القضايا غير العلمية. والمعيار عنده في القضايا العلمية هو قابلية التكذيب (falsibility)، فالقضايا الكاذبة يكون كذبها نفسُه معياراً لكونها ذات معنى، فالكذب هو المِلاك والمعيار لإثبات القضايا العلمية.

كثير من القضايا العلمية تبقى في مرحلة الفرضيات وما دامت هكذا لا تكون لها صبغة علمية، نعم تصطبغ بالصبغة العلمية عندما نجرّبها ونأخذ منها نتائج إيجابية وقد نأخذ أيضاً نتائج سلبية، فإذا كانت القضية العلمية تحمل في طياتها السلب يكون هذا دليلاً على أنها ذات معنى، أما لو كانت النتائج مائة بالمائة إيجابية وإثباتية فتلك القضية لا تكون علمية. عندما نحكم على قانون علمي بالنفي يكون هذا دليلاً على أنّنا أدركنا معناه.

الجواب: يمكننا نقد نظرية بوبر من وجهين: الجواب النقضي، الجواب الحلّي.

أما الجواب النقضي: توجد قواعد وقضايا إيجابية بحتة غير قابلة للتكذيب وتكون علمية أيضاً، مثال ذلك: لو قلنا إنّ طائر دَدُوْ (dado) [طائر قد انقرض منذ مائتي سنة] موجود. هذه قضية تجريبية ولا يمكن نقضها أو تكذيبها، فلذا لم يكن التكذيب هنا معياراً للعلمية. وهكذا الحال في كثير من القضايا العلمية التي مُدَّعاها إيجابي ولا يمكن تكذيبه إطلاقاً.

الجواب الحلّي: نستعين هنا بقاعدة فقهية ذهب إليها البعض من أنّ الشهادة في العدميات غير مسموعة، وذلك أنّ الأمور العدمية أو السالبة لا تقبل التجربة، فلو أشرنا إلى ألف طائر وقلنا إنّه ليس طائر (دَدُوْ) يكون صحيحاً، لكنه لم يثبت عدم وجوده في أيّ نقطة من العالم، وكذا الحال في ما بعد الطبيعة، لأنّ الشهادة على النفي والسلب غير مقبولة ولا معنى لها[90].

كما أنّ تقسيمه للقضايا إلى علمية وغير علمية غير صحيح وليس منطقيّاً، لأنّ المنطق ينقسم إلى منطق الصورة ومنطق المادة، ولا يجوز الخلط بين أحكام كل واحد منهما، فلو قسّمنا القضايا إلى علمية وغير علمية لتعلّق هذا بمنطق المادة دون الصورة، والتقسيمات التي تقع في المنطق الصوري كلها عمومية من دون فرق في الأمور العلمية وغير العلمية، إذ الأركان الرئيسة فيها هي الموضوع والمحمول والنسبة بينهما، فلا يمكن فصل القضايا العلمية عن غير العلمية لأن الصورة واحدة وإن اختلفت المادة فإنها قد تكون عدداً أو طبيعة أو ما بعد الطبيعة[91].

11ـ الرد على الفنومينولوجيين:

إنّ مبحث الوجود الذهني في الفلسفة الإسلامية يجيب عن إشكال الفنومينولوجيين أمثال هسّرل، لأنّهم يعتقدون بوجود حد فاصل بين الذهن والعالم الخارجي، وهذه الفاصلة لا تمتلئ إطلاقاً ولا طريق لنا إلى عالم خارج الذهن، وما نراه من الحقائق هو (فنومينو) الذهن لا الواقع العيني. إنّ جميع الكون ظهورات في ذهننا، أما (النومينو) الذي هو الوجود في نفسه فلا طريق لنا إليه لأنّه بمجرّد ما يدخل (النومينو) إلى الذهن يتحول إلى (فنومينو).

ولكن الفلسفة الإسلامية تجيب عن هذه الشبهة، قال السبزواري:

" للشيء، غير الكون في الأعيان،   كونٌ  بِنفسه  لدى  الأذهان".

لكل شيء وجودان: وجود في الخارج الطبيعي والمادي، ووجود في الذهن (الوجود العلمي) وتوجد بين هذين الوجودين المماثلة لا العينية، الوحدة والعينية متعلقة بماهية هذين الوجودين، وعلى سبيل المثال: إنّ شخصاً عنده لباسان لباس للّيل ولباس للنهار مع أنّ حقيقته واحدة لا تتغير بتغيّر اللباس فالوجود الذهني والوجود الخارجي بمثابة اللباسين لتلك الحقيقة، فالحقيقة عندما تدرك تخلع اللباس الخارجي وتلبس لباساً آخر، فالفرق بين العالم العقلي والعالم العيني الحقيقي هو أنّ كل حقيقة تظهر بلباس وجودها الطبيعي في عالم الطبيعة، وتلك الحقيقة بعينها تظهر بلباس وجودها الذهني في الوجود العلمي.

وخطأ الفنومينولوجيين هو أنّهم زعموا أنّ واقع كل شيء هو وجوده الخارجي والعيني لذا لا يمكن أن يدخل الواقع في ذهننا، إنّهم لم يصوروا الوجود الخارجي أو الذهني كاللباس.

والخلاصة: إنّ حقيقة الأشياء شيء واحد؛ تارة ينوجد في الخارج بلباسه العيني الخارجي وله آثار خارجية، وتارة ينوجد في الذهن وله آثار ذهنية، وبناء على هذا لا بد من ترك التقسيم إلى (نومينو) و(فنومينو)، فما يقال من أنّ الحقيقة بوجودها الخارجي لا تدخل إلى الذهن وبما أنّها لا تدخل إلى الذهن لا نتمكّن من جلب حقائق الأشياء إلى الذهن والعلم بها فمعلوماتنا جميعاً لا تتعدى (الفنومينو)، هذه المقولة مردودة عند حكماء الإسلام إذ حقيقة الأشياء وماهيتها كما توجد في الخارج توجد في الذهن أيضاً[92].

مضافاً إلى أنّ كانط لم يفرّق بين العلم الحصولي والعلم الحضوري، ففي العلم الحضوري (علم الذات بالذات) يتحد العلم والمعلوم، فلا يجري تقسيم كانط في العلم الحضوري.

11ـ نظرية الأوصاف عند رسل:

إنّ نظرية الأوصاف عند راسل وإن اقتصرت على الوجودات الشخصية، لكن أبعادها قد تجاوزت ما كانت عليه بشكل كبير.

من المسائل المطروحة منذ بداية القرن العشرين السؤال عن ظواهر الطبيعة، وهل هي التي تعبّر عن معلوماتنا تماماً، أي هل علومنا تنحصر في الظواهر الخارجة عن الذهن، أو يمكن أن تكون هناك علوم أخرى تفوق الظواهر؟! وبعبارة أخرى هل ينحصر توصيفنا وفهمنا بالأمور التي لها وجود عيني خارجي فقط، أو نحن نتمكن من توصيف وفهم ما لا تحقّق عينيّاً له أيضاً؟!

ذهب الفلاسفة الجدد إلى عدم امكانية فهم وتوصيف ما لا تحقق خارجيّاً له، ولو وصفنا ذلك لكان وصفنا غير مفهوم ولم يكن من العلوم، فكل قضية سواء أكانت صادقة أم كاذبة لا بد من أن يكون موضوعها متحققاً في الخارج كي تكون علمية.

مِمَّن ذهب إلى هذه النظرية راسل وكثير من التجريبيين، ومثالهم المعروف (إنّ ملك فرنسا عالم) والحال أن فرنسا لم تكن مِلكية حتى يكون لها ملك، فهذه القضية بما أنّها لا تحكي عن شيء مطابق وموجود في الخارج لا تكون مفهومة وهي غير معقولة، فعند راسل يجب تحقق موضوع جميع التوصيفات في الخارج كي تكون القضية قضية[93].

في المقابل قد انبرى بعض فلاسفة الغرب للإجابة عن هذه الشبهة، حيث ذهبوا إلى عدم اقتصار معلوماتنا على ما هو متحقق خارجاً، فلنا معلومات ليس لها ما بازاء خارجي، وهي مع هذا صادقة وتعدّ من علومنا، من جملة هؤلاء الفلاسفة الفيلسوف الألماني المعروف ماينونج، ويمثّل لمدّعاه بقضية: (هذا الجبل الذهبي من ذهب) فانّها قضية صادقة وتعدّ من علومنا. وطبقاً لقواعد المنطق من أنّ نقيض السالبة الكلية هو الموجبة الجزئية، ينتقض استدلال راسل بهذه الموجبة الجزئية[94] وذلك أنّه يقول على نحو السالبة الكلية: (ليس لنا إطلاقاً أي معلومات خارجة عن الحسّ والوجود العيني) فتأتي الموجبة الجزئية عند ماينونج لتنقض منطقيّاً استدلال رسل.

لكن يعترض راسل ويقول إنّ هذه القضايا تعد من القواعد القاموسية لا المنطقية، إذ إنّ قواعد وقاموس اللغات لا علاقة له بالوجود الخارجي، بل تصدق في محيط الألفاظ حصراً وتكون من قبيل شرح اللفظ، فلو صحّ هذا للزم التناقض كما لو قلنا: (إنّ مسجد مدينة ليما كبير) والحال أنّ ليما ليس فيها أيُّ مسلم فلا مسجد فيها إطلاقاً، ثم يأتي شخص آخر ويقول: (إنّ مسجد مدينة ليما ليس بكبير) وبما انّ اجتماع النقيضين محال يعني لا يمكن أن يكون مسجد ليما كبيراً وصغيراً في الوقت نفسِه لا بد من أن يصدق أحد المتناقضين، فاذا ثبت أحدهما يعني أنّ هناك مسجداً في ليما، والحال أنّها كما قلنا لا تحتوي على أيّ مسجد[95].

يجيب الدكتور الحائري عن إشكال راسل في اجتماع النقيضين ويقول: هاتان القضيتان غير متناقضتين لأنّ القضية السالبة هنا ترجع إلى (الموجبة السالبة للمحمول) فيرتفع التناقض، فلو كانت إحدى القضايا سالبة والأخرى موجبة للزم التناقض، لكن إذا كانت إحداها موجبة والاخرى موجبة أيضاً أو معدولة أو موجبة سالبة للمحمول، فلا تناقض بين القضيتين ولكنهم لمّا لم يلتفتوا إلى هذا جعلوا جميع القضايا التحليلية على غرار القواعد اللغوية وعلم المعاني الراجعة إلى الألفاظ التي لا علاقة لها بالواقع الخارجي.

لكن نحن في الفلسفة الإسلامية أسسنا القاعدة الفرعية وأفادتنا أمور كثيرة، حيث تقول القاعدة إنّ "ثبوت شيء لشيء فرع ثبوت المُثبَت له لا الثابت"، فاذا كانت القضية ذهنية كان المثبت له ذهنيّاً، وإذا كانت خارجية كان المثبتُ له هو ذلك الموضوعَ الخارجيَّ نفسَه. وذلك أنّنا إذا أردنا وصف أيّ شيء فإنّ ذلك يستلزم إثبات الوجود لذلك الشيء في مرحلة من المراحل، أمّا ذلك الوصف نفسُه الذي نصفه للمثبت له فلا يلزم أن يكون موجوداً في الخارج، والموضوع في القضية التوصيفية يلزم أن يكون إما موجوداً أو مفترض الوجود[96].

نحن هنا نؤكد عبارة (لا الثابت) في القاعدة الفرعية، بمعنى عدم لزوم تحقق الوجود العيني الخارجي (للثابت). (الثابت) من الأحكام والأوصاف، فهذه الأوصاف قد تكون من المعقولات الثانية حيث لا مطابق لها في الخارج، فإنّ عروضها يكون في الذهن واتصافها يكون في الخارج، وقد تكون من المعقولات الأوّلية حيث لها مطابق في الخارج فإنّ عروضها واتصافها يكونان  في الخارج كالبياض مثلاً.

أما إصرار راسل على جعل المثبت له في مثال (ملِك فرنسا ومسجد ليما) من القواعد اللغوية التي ليس لها واقع في الخارج فهو في غير محله وخلل منطقي، إذ هذه القواعد لها معنى تصوري أو تصديقي حتى لو كانت كذبا، أما القضايا الفاقدة للموضوع الحقيقي فإنّها ليست قضايا ولا معنى لها بخلاف ما نحن فيه، فكان على راسل بناء على مذهبه إنكار أن يكون لمثاله (ملك فرنسا عالم) معنى في قواعد اللغة أيضاً والحال انّه لم ينكر هذا.

ولكن هذه القضايا محلولة عندنا على ضوء القضايا اللاَبتِّيَّة التي ابتكرها ملا صدرا حيث يكون موضوعها مقدر الوجود، فتكون من حيث القواعد اللغوية صحيحة أما من حيث الانطباق على الواقع الخارجي فهي غير صادقة[97].

لقد قسّم ملا صدرا القضايا إلى:

قضايا بتّية (أو حملية) حيث ننسب المحمول للموضوع بشكل قاطع ولا بد أن يكون الموضوع متحققاً خارجاً.

القضايا الشرطية حيث لا نحكم فيها بشكل قاطع بل حكمنا مشروط بشرائط.

القضايا اللابتّيّة حيث لا هي حملية ولا شرطية، يوجد فيها شرط وجزاء لكنهما لا يرجعان إلى النسبة بين المقدم والتالي، بل يرجعان إلى الموضوع نفسه والتالي نفسه سواء أوُجدا أم لم يُوجدا.

ففي مثال: (بحر من زئبق بارد بالطبع) نقول: إذا افترضنا تحقّق بحر من زئبق في الخارج لكان هذا البحر الموجود موصوفاً بأنه بارد بالطبع، وكذا في مثال (هذا الجبل الذهبي من ذهب) فعند هذا الافتراض يكون المثبت له موجوداً وتكون هذه القضية صادقة منطقيّاً، إذ لا إشكال في افتراض الوجود للمحالات واتصاف ذلك الوجود المفروض بأوصاف، فالقاعدة الفرعية تلزمنا بوجود المثبت له، ولكن لا تلزمنا أن يكون وجوده بَتِّيّا وقطعيّاً، فالقضايا التي لا وجود خارجيَّاً لها ترجع إلى القضايا اللابتّيّة[98].

12  لغز راسل:

طرح راسل مسألة في الأجناس والأنواع عرفت بلغز راسل، وهي أنّ بعض الأجناس لم تشتمل على أفرادها، مثلاً الكلي الطبيعي للإنسان هو النوع الطبيعي للإنسان وليس هو شخصَ الإنسان، إذ الشخص هو زيد وبكر وعمرو، ثم نسأل عن جنس الأجناس بأنّه هل هو جنس أيضاً أم لا؟ فيرى راسل أنّ جنس الأجناس لو كان جنساً لم يكن جنس الأجناس بل كان من أفراد الأجناس، وإذا لم يكن جنس الأجناس (جنساً) أي لم يكن جنساً كسائر الأجناس فلا يكون (جنسُ الأجناس) جنساً بمعنى أنه يلزم من عدمه وجوده ومن وجوده عدمه.

في مقام الإجابة نستعين بنظرية صدر المتألهين ونقول: إنّ جنس الأجناس جنس بالحمل الأوّلي الذاتي لا بالحمل الشايع الصناعي، إذ إنّه ليس فرداً من أفراد الجنس بل هو الجنس بعينه، وليس جنساً بالحمل الشايع الصناعي[99].

فهرس المصادر:

هرم هستي، الطبعة الثالثة عام 1385 ش، مؤسسة بزوهشي حكمت وفلسفه إيران.

كاوش هاي عقل عملي، الطبعة الثانية 1384 ش، مؤسسة بزوهشي حكمت وفلسفه إيران.

كاوش هاي عقل نظري، الطبعة الرابعة 1384 ش، مؤسسة بزوهشي حكمت وفلسفه إيران.

جستارهاي فلسفي، الطبعة الأولى 1384 ش، مؤسسة بزوهشي حكمت وفلسفه إيران.

علم كلي، الطبعة السادسة 1394 ش، مؤسسة بزوهشي حكمت وفلسفه إيران.

فلسفه تحليلي تقريرات بحوث الشيخ الحائري بقلم عبد اللَّه نصرى، الطبعة الأولى 1385 ش، نشر علم.

علم حضوري، الطبعة الاولى 1395 ش، نشر علم.

متافيزيك، الطبعة الأولى 1360 ش، نشر نهضت زنان إيران.

شرح اصول الكافي، الطبعة الأولى 1391 ش، نشر حكمت.

-------------------------------------------

[1]*ـ مدير المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية ـ رئيس تحرير فصلية "الاستغراب".

[2]ـ (متافيزيك: 28)

[3]ـ (جستارهاي فلسفي: 396)

[4]ـ (متافيزيك: 102)

[5]ـ (متافيزيك: 102)

[6]ـ (جستارهاي فلسفي: 395)

[7]ـ (متافيزيك: 24 – 25)

[8]ـ (كاوش هاي عقل عملي: 21)

[9]ـ (جستارهاي فلسفي: 433)

[10]ـ (جستارهاي فلسفي: 431)

[11]ـ (شرح اصول كافي:107)

[12]ـ (هرم هستي: 169 – 170)

[13]ـ (الفلسفة التحليلية: 106)

[14]ـ (هرم هستي: 120)

[15]ـ (كاوش هاي عقل نظري: 210)

[16]ـ (جستارهاي فلسفي: 432)

[17]ـ (م ن: 7 – 8).

[18]ـ (متافيزيك: 27).

[19]ـ (كاوش هاي عقل نظري: 45).

[20]ـ (فلسفة تحليلي: 203).

[21]ـ (كاوش هاي عقل نظري: 48).

[22]ـ (م ن: 45 – 46).

[23]ـ (هرم هستي: 7 – 8)..

[24]ـ (م ن: 11).

[25]ـ (م ن: 13 – 14).

[26]ـ (م ن: 16، 36).

[27]ـ (م ن: 38 – 29).

[28]ـ م ن:30 – 31.

[29]ـ م ن: 32.

[30]ـ (م ن: 46 – 47).

[31]ـ (ص 66).

[32]ـ (متافيزيك: 102 – 103).

[33]ـ (متافيزيك: 121 – 122).

[34]ـ (متافيزيك: 125 – 129)

[35]ـ (ميتافيزيك: 132)

[36]ـ (كاوش هاي عقل نظري: 179 – 183)

[37]ـ (كاوش هاي عقل نظري: 303 – 305)

[38]ـ (ص 305)

[39]ـ (م ن: 331)

[40]ـ (م ن: 312 – 314)

[41]ـ (م ن: 314)

[42]ـ (م ن 315 – 318)

[43]ـ (م ن: 316، 319)

[44]ـ (م ن 320 – 324)

[45]ـ (م ن: 325)

[46]ـ (م ن: 326 – 328).

[47]ـ (م ن: 329 – 335).

[48]ـ (م ن: 339 – 340).

[49]ـ (ص 342).

[50]ـ (م ن: 344 – 346).

[51]ـ (ص 348).

[52]ـ (متافيزيك: 77 – 78).

[53]ـ (متافيزيك: 80 – 82).

[54]ـ (متافيزيك: 82 – 84).

[55]ـ (متافيزيك: 86 – 88).

[56]ـ (متافيزيك: 89 – 99).

[57]ـ (متافيزيك: 3).

[58]ـ (متافيزيك: 9).

[59]ـ (متافيزيك: 10).

[60]ـ (متافيزيك: 15).

[61]ـ (متافيزيك: 16 – 17).

[62]ـ (متافيزيك: 17).

[63]ـ (متافيزيك 21 – 22).

[64]ـ (كاوش هاي عقل نظري: 9).

[65]ـ (م ن: 10 – 12).

[66]ـ (كاوش هاي عقل عملي: 21 – 22).

[67]ـ (م ن: 28 – 31).

[68]ـ (م ن: 37).

[69]ـ (م ن: 40).

[70]ـ (م ن: 59 – 61).

[71]ـ (م ن: 61 – 64).

[72]ـ (م ن: 75 – 83).

[73]ـ (م ن 110 – 120).

[74]ـ (م ن: 147 – 148).

[75]ـ (م ن: 149).

[76]ـ (ص 151).

[77]ـ (ص155).

[78]ـ (ص 158 – 159).

[79]ـ (فلسفة تحليلي: 93 – 99).

[80]ـ (ص 101 - 102).

[81]ـ (كاوش هاي عقل عملي: 187 – 188).

[82]ـ (م ن: 189 – 192).

[83]ـ (هرم هستي: 116 – 120).

[84]ـ (م ن: 122 – 130).

[85]ـ (كاوشهاي عقل نظري: 14 – 16).

[86]ـ (م ن: 17 – 18).

[87]ـ (كاوش هاي عقل عملي: 204 – 208).

[88]ـ (كاوش هاي عقل نظري: 66).

[89]ـ (م ن: 93 – 94).

[90]ـ (فلسفه تحليلي: 85 – 87).

[91]ـ (م ن: 90).

[92]ـ (جستارهاي فلسفي: 417 – 422).

[93]ـ (هرم هستي: 79 – 82).

[94]ـ (م ن: 82 – 83).

[95]ـ (م ن: 87 – 88).

[96]ـ (م ن: 90 – 91).

[97]ـ (م ن: 93 – 95).

[98]ـ (م ن: 95 – 100).

[99]ـ (هرم هستي: 273 – 276).