البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

إسم البحث : دور الدين في الفضاء العمومي، دراسة في تطور رؤية هابرماس الفلسفية

الباحث : حسين غفاري ـ معصومة بهرام

اسم المجلة : الاستغراب

العدد : 8

السنة : السنة الثالثة - صيف 2017 م / 1438 هـ

تاريخ إضافة البحث : August / 13 / 2017

عدد زيارات البحث : 126

حجم ملف البحث : 354.300 KB

 تحميل

تقوم هذه الدراسة المشتركة التي أنجزها الباحثان الإيرانيان حسين غفاري ومعصومة بهرام بإلقاء الضوء على دور الدين في الفضاء العمومي كما يراه الفيلسوف الألماني المعاصر يورغن هابرماس.

يدرس الباحثان تطوّر نظرة هابرماس إلى الدين من خلال عرض المبادئ والمباني الفلسفية التي تبنّاها خلال حياته الفكريّة في نسختيها الأولى واللاحقة. وأما الهدف الأساس الذي تبتغيه الدراسة فهو التحليل النقديّ لآراء هابرماس ونظريّاته حول دور الدين في الفضاء العموميّ، وذلك باعتماد منهجية تحليل المضمون والدراسة النقدية المقارنة لأفكاره.

المحرر

تنتمي الميول والاهتمامات الفكريّة لهابرماس إلى مجالات عدّة هي: الفلسفة، والاجتماع، واللاهوت، والسياسة، والأخلاق، والقانون، وعلم النفس، والألسنيّة، والهرمنيوطيقا، والأدب، والعلاقات. وقد أدّى اتّساع هذه الدائرة إلى اتّساع دائرة المهتمّين بفكره وآرائه، إلّا أنّ آراءه في الدين لم تنل حظّها من الاهتمام الذي يؤدّي إلى الكشف عنها وتوضيحها. على الرغم من أنّ هابرماس اهتمّ بالبحث في الدين من خلفيّة فلسفيّة، ونظر في نسختي فلسفته في الدين ودوره في الفضاء العموميّ، وقد كان على العموم خاضعًا في نظرته إلى الدين لآراء الفلسفة القاريّة ونظريّاتها، وبخاصّة مدرسة فرانكفورت، وذلك أنّ هذا التيّار الفلسفيّ يرى ضرورة البحث في الدين والموضوعات الدينيّة من خلفيّة فلسفيّة. يصرّح ماكس هوكهايمر في مقالة تحت عنوان «الألوهية والإلحاد» (theism and atheism) نُشِرت في كتاب “مدرسة فرانكفورت” أنّ جهود الإنسانيّة في سبيل الحفاظ على معنى المطلق من دون الله سوف تذهب سدًى. وأنّ الأعمال العظيمة سوف تخسر معناها حتّى لو كانت من قبيل السعي في سبيل الحفاظ على حياة إنسانٍ. وإنّ “موت الله” يعادل موت الحقيقة (Horkheimer،  2005: 221) وقد سعى هابرماس على هدي هذه الجملة في ميدان نقد العقلانية الأداتية في فلسفته وسعى إلى لفت الانتباه إليها. ويمكن من خلال التأمّل في تراث هابرماس اكتشاف أنّه حاول عقد شكلٍ من أشكال الحوار وتبادل الأفكار بين التيّارات المؤمنة والتيّارات العلمانيّة، وأعماله الفلسفية تشهد على أنّه بذل جهدًا في مجال الحوار بين الأديان والحضارات في عالم الحداثة من أجل لفت الأنظار إلى أهميّة الدين مع محاولة المنع من استغلال الدين في الحروب والعنف. يُضاف إلى هذا أنّ هابرماس في مقالته المعنونة بـ»الرد على منتقديَّ» يرى «أنّه ليس من شأن الليبرالية ولا يتناسب مع أهدافها محاولة خنق أصوات المتديّنين، ما دامت الجماعات المتديّنة تؤدّي دورًا إيجابيًّا في المجتمع المدنيّ» (Hebrmas،  2013: 371). ولم يستطع التأمّل السطحيّ في فلسفة هابرماس وفكره بيان رؤاه ونظريّاته حول الدين. ولعل ذلك مرجعه إلى الطبيعة الانتزاعية والتقنيّة لكثير من كتاباته، ما يحول دون فهمها بطريقة صحيحة، وربّما كان مردّ ذلك إلى الموقف السلبيّ لتيّار الفلسفة التحليليّة من فكر الفلاسفة القاريّين.

ولمّا كان هابرماس قد صرف جزءًا من اهتمامه الفكريّ بالدين في «الفضاء العموميّ” (public sphere) نرى من المهم الإشارة إلى هذا المفهوم ولو على نحو الإجمال. يرى هابرماس أنّ الشبكة العصبية للمجال العامّ السياسيّ تتشكّل من المجامع الدينيّة، والجامعات، والجماعات المهنيّة والجمعية التطوّعيّة. والفضاء العموميّ هو فضاء رمزيٌّ يؤدّي دور الوسيط بين الدولة والمجتمع المدنيّ، وهو البيئة التي تسمح للطبقات والفئات الاجتماعيّة المتنوّعة بالبحث بطريقة حرّة وانتقاديّة في الأعمال التي تتعهّد الدولة بأدائها. وفي ظلّ هذه الظروف تعيد الدولة النظر في أعمالها على ضوء انتقادات المواطنين بهدف إصلاح سلوكها وسياساتها. وفي الواقع إنّ هذا السعي من هابرماس مستوحًى من هيجل الذي كان يسعى إلى عقلنة سلطة الدولة.

1ـ  النسخة الأولى لفكر هابرماس حول دور الدين في الفضاء العموميّ

يتبنّى هابرماس في مقالة له بعنوان «حول الهويّة الاجتماعية» (on social identity) نشرها عام 1974 م. أنّ الدين ظاهرة اجتماعيّة ويُرجع قارئه في هذه المقالة مرّات عدّة إلى هيجل ليستشهد به مبيّنًا أنّ فلسفة هيجل صُمِّمت من أجل توضيح مسألة الهوية الجمعية (collective identity)، ولا يخفى على الخبير في فكر هابرماس أنّ مسألة الهويّة الجمعية هي واحدة من هموم هابرماس الفكريّة. وهو في هذه المقالة يعمل على تشريح المجتمع الذي فشل في نيل هويّته المناسبة أو الحقيقيّة وبحسب هيجل نال هويّة كاذبةً (a false identity). ويسعى هابرماس لتحليل المراحل المختلفة للتكامل الاجتماعيّ بالنظر إلى الهويّة الشخصية والجمعيّة؛ أي هو ينطلق في بحثه من الهويّة الإنسانيّة في المجتمعات البدائية (archaic society) عن طريق تصوّراتها الأسطوريّة للعالم، ومن خلال رموزها وأعمالها التي توحدت بعد ذلك مع الأديان التوحيديّة. ويعدّ هابرماس الهوية الفرديّة في المجتمع القديم معادلًا للهويّة الطبيعيّة الطفوليّة. وقد أعقبت هذه المرحلة مرحلة ظهور أشكال جديدة من الدوافع الدينيّة في قالب الأديان متعددة الآلهة، إذ أقام الإنسان في ظلّها علاقات مع الآلهة من خلال الشعائر والتعاليم. وبعد تلك المرحلة دخلت الإنسانيّة في مرحلة التكامل الاجماعيّ وظهرت الرؤى الكونية الدينية والميتافيزيقية في قالب الأديان التوحيديّة، ويرى هابرماس أنّ هذه الأديان تشتمل على عدد من الرموز والأعمال الشركية التي لها جذور في الأسطورة والسحر. وبناء عليه، فإنّ ما تتركه الأديان العالمية هو نظمٌ أخلاقيّة شاملةٌ (Habermas،  1974: 91-94). يقسّم هابرماس مسار تكامل الرؤى الكونيّة إلى ثلاث مراحل هي: مرحلة الرؤى الكونية الأسطوريّة (the mythical worldview)، مرحلة الرؤى الكونية الدينيّة- الميتافيزيقيّة (the religious-metaphysical worldview)، مرحلة الرؤى الكونية الحداثويّة (The modern worldview). وهو يرى أنّ نظريّته في الحداثة تقع في مقابل الرؤى الكونية الأسطورية والدينية والميتافيزيقيّة، وذلك أنّه يرى أنّ الفكر الدينيّ فكرٌ أسطوريٌّ وميتافيزيقيّ يقع في الضفة المقابلة للعقلانيّة الحداثويّة.

وفي كتاب «أزمة المشروعيّة» (1976: 18)، وكتاب “العلاقات وتطوّر المجتمع (1979: 157) يرى هابرماس أنّ أوّل مرحلة من مراحل التصنيف الاجتماعي بدأت في العصر الحجريّ الحديث (neolithic) أو في المرحلة البدائيّة (primitive). وفي هذه الحقبة التاريخيّة كان نظام القرابة وبنية الأسرة يشبه المؤسسة التي تحفظ النظام الاجتماعي ووحدته. وتبعًا لهيجل يرى هابرماس (1979:104) أنّ التصوّرات الأسطورية استطاعت للمرّة الأولى بناء مجموعة من الاستعارات والرموز القادرة على ربط الظواهر الطبيعيّة والاجتماعية بعضها ببعضها الآخر وتحويل إحداها إلى الأخرى. وبناء عليه لم يكن متاحًا للرؤية الكونية الأسطوريّة أن تكون عقلانيّةً؛ وذلك لأنّ الرؤية الكونية الأسطوريّة تشتمل على تفسير خاصٍّ للعالم مجانبٍ للعقلانية ومخالف لها. (1984:51). والخيار الوحيد لعقلنة الرؤية الكونية العثور على بديلٍ من الأسطورة وهذا البديل تلازمه المرونة التي تسمح بالنقد وتفتح الباب أمام الفكر النقديّ. في كتاب «أزمة المشروعيّة» يسمّي هابرماس المرحلة الدينيّة – الميتافيزيقيّة بالطبقية أو التصنيف الاجتماعي التقليدي، ويرى أنّه في هذه المرحلة تحقّق شكل الملكيّة من نظام إنتاج الثروة الاجتماعيّة وتوزيعها على أساس النظام الأسري إلى نظام آخر يقوم على ملكية أدوات الإنتاج. ولم تعد الأسرة من تلك المرحلة فصاعدًا النواة الأصيلة لكلّ نظامٍ وبدأت تنتقل المهام الأساسية لإدارة السلطة والرقابة إلى الدولة. ولاحقًا بدأت تظهر النظم القانونيّة التي هي بدورها تحتاج إلى تسويغ وتوجيه (Habermas،  1976: 18-19). وبالنظر إلى الدور الاجتماعيّ للدين أوكل هابرماس إليه ثلاثة مهامٍّ أساسيّة، هي: إنتاج الرؤية الكونيّة، وتقديم المعايير الأخلاقيّة، والمساعدة على تحمّل المصائب والفواجع التي تعصف بالإنسان في الدنيا. ولمّا كان هابرماس يرى أنّ المهمّة الأولى هي الوجه المشترك بين الرؤى الكونية الدينيّة – الميتافيزيقيّة والأسطوريّة، فهو يعتقد بوجوب إحلال الرؤية الكونية الحداثويّة محل النوعين من الرؤى الكونية وتسويغه لهذا الإحلال هو خصوصيّة العقلانيّة المتوافّرة في الحداثويّة... وأمّا في ما يرتبط بالمهمّة الثالثة فيرى هابرماس في كتابه «الفكر ما بعد الميتافيزيقي: المقالات الفلسفيّة أنّ الدين على الرغم من فقدانه تأثيره وفعاليّته في مقام إنتاج الرؤية الكونيّة من أجل إضفاء المعنى على حياة المؤمنين؛ فإنّه ما زال قادرًا إلى درجة كبيرة على مساعدة المؤمنين به في مقابل الحوادث المفاجئة، ولا يمكن حلول الفلسفة محلّه على هذا الصعيد. ولأجل هذا ما زال الفكر الميتافيزيقي قادرًا على التعايش مع الآداب والتقاليد الدينيّة. وبناء عليه، يصرّح هابرماس بأنّ «الفلسفة حتّى في نسختها المابعد ميتافيزيقيّة ليست قادرةً على الحلول محلّ الدين، ولا قادرة على هزيمته. وما زالت لغة الدين عصيّة على الخضوع للغة الفلسفة التشريحيّة، وما زالت لغة الدين تأبي الاستسلام للخطاب العقلانيّ الفلسفيّ.» (Habermas، 1992: 51).

ويقرّر هابرماس أن الحداثة انتهت مع روسو وكانط إلى أنّ مبدأ العقلانيّة هو الذي حلّ محلّ المبادئ الماديّة مثل الطبيعة أو غير الماديّة مثل الله في المسائل العمليّة (Habermas،  1979: 184-5). ويشرح هابرماس نظرته هذه ببيان خصائص العقلانية التي يتحدّث عنها، ويعدّ من هذه الخصائص مغادرة مركزيّة الرؤى الكونية الدينيّة – الميتافيزيقيّة، تجريد هذه الرؤى الكونية من سرّانيّتها وسحرها، وإعادة صياغة اللغة الدينيّة في مقام تعبيرها عن المقدّس بطريقة عقلانيّة. وربّما نجد أصول هذا الأسلوب في التعامل مع الرؤى الكونية المشار إليها في نظريّة جان بياجه حول النموّ الفكري للطفل وانتقاله من التفكير المتمركز حول الذات إلى التفكير المتحرّر من الذات (decentration). ومفهوم محوريّة الذات يعبّر عن عجز الطفل عن التفكيك بين ذاته والظواهر الواقعيّة الموجودة في الخارج. ولمّا كان هابرماس يرى أنّ المراحل الأسطوريّة والدينيّة – الميتافيزيقيّة ترجع إلى مرحلة الطفولة البشريّة، كان على الإنسانيّة مغادرة هذه المراحل ومقتضياتها في مرحلة الحداثة. ويجعل هابرماس (Habermas: 1984،  186-215) في نظريّته “الفعل التواصلي” من نزع السحر (disenchantment) عن الرؤى الكونية الدينيّة – الميتافيزيقيّة موضوعًا لبحثه ودراسته، ويشير هناك إلى ماكس فيبر الذي يقيم شكلًا من أشكال الفصل بين القيم والثقافة والعلم والأخلاق، ويرى أنّ هذا الفصل هو الأساس في فهم العقلانيّة الغربية. وهو (أي هابرماس) بدوره يرى أنّ هذا الفصل نتيجة تاريخ داخليّ؛ أي صيرورة الرؤى الدينيّة عقلانيّة. وكما فيبر يصرّح هابرماس بأنّ عجز الرؤى الكونية الأسطوريّة والدينيّة – الميتافيزيقيّة عن تفسير العلاقات بين الظواهر الطبيعيّة دفعت الإنسان الأوّليّ إلى الاعتقاد بأنّها من فعلِ خالقٍ. ويقول (77-111: 1987) في مقام توضيح تفاصيل البنية العقلانيّة لعمليّة “إضفاء الطابع اللغويّ على المقدّس” (linguistification of the sacred) إنّ الأعمال الخاصّة التي كانت تجمع بين أفراد الجماعات البشريّة والتي كانت تأخذ شكل المراسم الدينيّة والتقاليد العباديّة، بدأت مع الحداثة تتنازل عن دورها للفعل التواصلي، وبدأت سلطة المقدّس تضعف لصالح سلطة المجتمع المكتسبة. ويستفيد هابرماس (1987: 87-9) من تحقيقات فيتجنشتاين وأبحاثه حول اللغة ويقترض منه ما يسمّيه عطلة اللغة أو دخولها في إجازة (language going on holiday) في المجتمعات الدينيّة، ويقصد من هذا المفهوم أنّ اللغة في المجتمعات الدينيّة بدأت تفقد مكانتها الخاصّة بها.

1-2- تقويم تحليلي للرؤى الكونية الأسطوريّة، الدينيّة – الميتافيزيقية والحداثويّة

في مقام نقد التصوّرات التي يثيرها هابرماس حول الدين يمكن إثارة النقاط الآتية:

يرفض هابرماس الرؤى الكونية الدينيّة – الميتافيزيقيّة، ولكنّه تبعًا لكانط يقبل الدين في حدود كونه صورة من صور الأخلاق الاجتماعيّة. ويقسّم كانط كما هو معلوم العقل إلى نظريّ وعمليّ، ويرى أنّ أساس العقل العمليّ هو الأخلاق القبليّة. وبناء على هذا التقسيم يُبنى الدين على أساس من الأخلاق ولكنّه يفقد فعاليّته في مجال العقل النظريّ والاستدلاليّ. وفي الحقيقة إنّ نظرة هابرماس إلى الدين هي نظرةٌ اختزاليّة (reductionist) لا تختلف كثيرًا عن نظريّات غيره من المعاصرين له أو المتقدّمين عليه قليلًا من أمثال: كانط، وفرويد، ودوركهايم، وكارل ماركس، وجيمز جورج فريزر. والسمة المشتركة بين هذه النظريّات والآراء الاختزالية أنّها تأخذ في الاعتبار الأبعاد الاجتماعيّة من الدين، وتغضّ الطرف بل تلغي جوهر الدين في حدّ ذاته.

ويتّفق هابرماس مع فريزر وتشارلز تايلور في أنّ الدين مجموعة من العقائد التي يضعها الناس من أجل تبيين ما يدور في أذهانهم وما يحيط بهم في الواقع الخارجيّ وشرحه. وبعبارة أخرى: إنّ الدين بحسب هذه النظريّات ما هو إلّا نتيجة من نتائج التفكير البشريّ ووسيلة يستطيع الناس بوساطتها حلّ المشكلات التي تواجههم. وبناء على هذا التصوّر يكون السحر والأسطورة مرحلة أوّليّة من مراحل التفكير الدينيّ، والأديان الشركية وبعدها التوحيديّة مراحل أعلى من الدين وأشكال أكثر عقلانيّة له، ولكنّ الحداثة سوف تؤدّي إلى تخريب هذه الأشكال وهدمها. ومن البدهيّ بحسب هابرماس أن تكون الحداثة هي المرحلة الأكثر عقلانيّة؛ ولهذا كانت انقلابًا على جميع المظاهر الدينيّة. وثمّة نقاطٌ عدّة يمكن تسجيلها ضدّ هذه الأفكار والدعاوى: أوّلًا: إنّ المستندات التاريخيّة التي يمكن الدفاع بها عن آراء هابرماس في هذا المجال ضعيفة. وعلى حدّ قول دانيال بالس إنّ بعض العلماء يعتقد أنّ النظرة التوحيديّة التي تعدّ من المراحل العالية العقلانيّة في تاريخ الدين، كانت منتشرة بين جماعات بدائيّة وفي ثقافات ساذجة أكثر من انتشارها بين الجماعات المتطوّرة، ومن نماذج الفئات البدائية التي عرفت الديانة التوحيديّة جماعات الصيد وجمع الغذاء، ومن نماذج الجماعات الأكثر تطوّرًا الجماعات البشرية التي تعتمد على الزراعة وتربية المواشي (Pals،  1996: 47)؛ ثانيًا: يبدو أنّ هابرماس يشكّل قناعاته حول الدين بناءً على نظريّات المفكّرين السابقين عليه، ويبدو أنّه يثق أكثر من الحدّ اللازم ببعض النظريّات الفكريّة التي كانت سائدة في عصره من ذلك نظريّة اللاوعي عند فرويد، والنظريّة الاجتماعية عن دوركهايم، والمادية الماركسية، والعقل العمليّ عند كانط، وهذه الثقة المفرطة بهذه النظريّات مصادرةٌ غير مبرّرة بحسب معايير البحث العلميّ.

وقد عاين هابرماس كماركس التطبيق المحرّف لبعض المبادئ المسيحيّة عند كلٍّ من الكاثوليكية والبروتستانتية على حدّ سواء، وقد رأى في هذا التطبيق الخاطئ ترويجًا لاستسلام الفقراء والمظلومين ورضاهم بالواقع على الرغم من كلّ مساوئه وفداحته. وهذا التطبيق الخاطئ هو الذي جعل ماركس يرى في المسيحية دينًا يمجّد العبوديّة في العصور القديمة والقرون الوسطى، ويعظ بضرورة وجود الطبقة الحاكمة؛ ويسوّغ الظلم بأنّه عقوبة عادلة عن الخطيئة الأولى التي اقترفتها البشريّة، وبأنّه امتحانٌ إلهيٌّ للخلاص (Marx and Engels،  1975: 74). هذا ولكنّ الأديان الحقيقيّة كثيرًا ما جعلت من مواجهة الظلم والظالمين ومقارعة المستغلّين غايةً لها وشعارًا، وقد أثبتت كثير من التجارب الدينيّة نجاعتها في مواجهة هذا الظلم ورفعه عن كاهل المظلومين. ومهما يكن من أمرٍ، ومع الاعتراف بوجود نقاط خللٍ كبيرةٍ في المنطلقات التي ينطلق منها هابرماس في نظراته إلى الدين، فإنّ النسخة الأحدث من طروحاته وتصوّراته حول الدين تستحقّ المزيد من البحث والتأمّل.

2 ـ الآراء الأخيرة لهابرماس حول دور الدين في الفضاء العموميّ

خلاف ما تقدّم من تقويم لدور الدين في فكر هابرماس، فإنّ النظريّات المتأخّرة له في دور الدين في الفضاء العموميّ تكشف عن موقفٍ إيجابيّ من الدين ودوره. وهو يؤكّد أنّ الدين يعرض صورًا لحياة خالية من الشوائب وملهمةٍ في آنٍ. ويرغّب أتباعه، ويحرّضهم على أداء أفعالٍ مقبولةٍ ومفيدة. وفي عالم الحداثة الدين وحده هو الذي يقدر على مواجهة التشتّت وغيره من أشكال الخلل في المجتمع، وهو وحده الذي يمكن أن يفهِمنا ما الحياة وكيف يجب أن تكون. وبعبارة أخرى: يوافق هابرماس على أنّ الإطار الذي يرسمه الدين للحياة الأفضل أكثر عمقًا بمراتب وأكثر تطوّرًا من الإطار الذي ترسمه النظريّة النقديّة أو نظريّة «الفعل التواصلي». ويعترف هابرماس في مقالة له نشرها عام 1988 أن مواقفه السابقة من الدين كانت مشوبة بالتسرّع. وبناء على هذا التطوّر في فكره لم يعد الدين يقبع في حواشي الحياة الاجتماعية والسياسيّة والثقافيّة وهوامشها. وهذا يفتح أبوابًا جديدة لفهم الدين ويعكس تحوّلًا في طريقة التعاطي معه. وباعترافه بالتفاته إلى إمكان وقوع الفلسفة في الأخطاء، ونتيجة لذلك اهتزاز مكانتها الاجتماعيّة، فإنّه يدعو الفلسفة إلى التعلّم من الدين، بدل محاولة الحلول محلّه: «إنّ الفلسفة لديها الكثير من الأدلّة والمسوغات التي تدعوها إلى التعلّم من التقاليد الدينيّة» (Habermas: 2008،  109). وقبل الدخول في عرض تفاصيل النسخة الأخيرة من مواقف هابرماس من الدين، من المناسب التمهيد لذلك بعرض سريع لمسار التحوّل الفكريّ عند هابرماس في ما يرتبط بالدين، لعلّ هذا التمهيد يسهم في توضيح أفكاره ورؤاه في هذا المجال.

2-1- التطوّر التاريخيّ في آراء هابرماس حول دور الدين في الفضاء العمومي

تسمح المصادر المدوّنة التي نشرها هابرماس بتحقيب اهتمامه بالقضايا الدينيّة وتحوّله الفكريّ في التعاطي مع الدين وفق ما يأتي:

1ـ  ينشر هابرماس عام 1961 مقالة بعنوان: “المثالية الألمانيّة وأعلامها اليهود”، يكتفي فيها بعرض توثيقيّ للعلاقة بين الفلسفة والدين وتأثير أحدهما في الآخر من غير أن يصرّح بأيّ موقفٍ من الدين، ما جعل هذه المقالة أشبه بسجلٍّ توثيقيّ يشبه الحوليّات التاريخيّة. هذا على الرغم من أنّه في كتبه المتعدّدة وخاصّة في مجلّدي كتابه “الفعل التواصليّ” المنشورين في عامي 1978 و1984، يميل إلى التفسير الماديّ، ويقسّم مراحل التطوّر الاجتماعيّ إلى ثلاث مراحل، ويميل إلى مرحلة الحداثة بالمقارنة مع المرحلة الأسطوريّة والدينيّة – الميتافيزيقيّة.

2- وينشر هابرماس أيضًا مقالة أخرى عام 1988 بعنوان: “الاستعلاء من الداخل، الاستعلاء في هذا العالم”، وفي هذه المقالة يحمل تحذيرات هلموت بوكرت على محمل الجد، ويردّ على انتقاد موجّه إليه، ويعترف بالتسرّع في المواقف التي اتّخذت من الدين. ويرى أنّ اضمحلال الدين في عصر الحداثة يؤدّي إلى التحلّل من أيّ مسؤولية سوى في مقابل بعض المبادئ الأخلاقيّة العلمانيّة.

3- ثمّ ينشر عام 1991 مقالة للدفاع عن ما كتبه آلفرد اشميدت حول هوركهايمر، بعنوان: «السعي للنجاة بدون التسليم لله سعي بلا طائل: تأمّلات في مقولة عن ماكس هوركهايمر».

4ـ  وفي عام 1992 وفي كتابه “الفكر ما بعد الميتافيزيقي: مقالات فلسفية” يعالج هابرماس عددًا من المباحث ذات الطابع الدينيّ. ويستبعد هابرماس في هذا الكتاب قدرة الأوروبيّين على إدراك مفاهيم من قبيل: الأخلاق والحياة الأخلاقية والفردية والحرية والخلاص دون الالتفات إلى جوهر الدين، ويرى أنّ هذه المفاهيم أقرب إلى الشهود الأفلاطونيّ وربّما استوحاها الفكر الغربيّ من هذا المصدر (Habermas: 1992،  15).

5 ـ وفي عام 1997 نشر هابرماس كتابًا بعنوان: “السلطة المحرِّرة للرموز: مقالات فلسفيّة”. ويخصّص هذا الكتاب للبحث في الآراء والنظريّات التي تدور حول الدين لبعض الفلاسفة.

6 ـ وعام 2001 يلقي محاضرة في مراسم جائزة السلام حول “الإيمان والعلم”، ثمّ أعاد تحريرها ونشرها في كتاب “مستقبل الطبيعة البشريّة”.

7 ـ زار هابرماس عام 2002 إيران وبقي فيها مدّة أسبوع تقريبًا. والتقى في هذا الأسبوع عددًا غفيرًا من الأساتذة والمفكّرين والطلّاب. وفي 23-2-1381 ألقى محاضرة في لقاء مع أعضاء جمعية علماء الاجتماع الإيرانيّين وعدد من أساتذة الفلسفة في إيران تحدّث فيها عن التحوّل الدينيّ. كما ألقى في هذه الرحلة محاضرتين مهمّتين إحداهما بعنوان: “نهاية التمييز بداية المداراة”، والأخرى بعنوان: “التديّن في بيئة العلمنة”، وقد ألقيت المحاضرتان على الترتيب في جمعية الحكمة والفلسفة (أنجمن حكمت وفلسفه) في 22-2-1381، والآخرى في جامعة طهران بتاريخ 24-2-1381. وكان له لقاء أخير مع عدد من المفكّرين والفلاسفة وعلماء الاجتماع والعلوم السياسيّة.

8 ـ عام 2002 نشر هابرماس مجموعة من المقالات التي تعالج قضايا ترتبط بالدين والعلاقة بينه وبين العقل، في كتاب بعنوان: «الدين والعقلانيّة: مقالات حول العقل والله والحداثة.

9 ـ عام 2003 نشر كتابًا بعنوان: “الفلسفة في عصر الخوف والرعب”، وهو مجموعة من المقالات إحداها حوار أجراه بينه وبين بورادوري حول الأصولية والإرهاب.

10 ـ نشر هابرماس عام 2003 أيضًا كتابًا بعنوان: “مستقبل الطبيعة البشريّة” يحتوي على عدد من المقالات والمحاضرات أهمّها مقالة بعنوان: “الإيمان والعلم”، هي في الأصل المحاضرة التي ألقاها عام 2001 في احتفال جائزة السلام.

11 ـ ألقى هابرماس عام 2005 محاضرة عامّة بعنوان “الدين في الفضاء العمومي”، وذلك في مؤتمر جائزة هولبرغ. وفي هذه المحاضرة يتحدّث هابرماس عن إحياء الدين والتديّن في العالم بأسره.

12ـ عام 2006 نشر هابرماس مقالة في المجلة الأوروبيّة للفلسفة بعنوان: «الدين في الفضاء العمومي»، وقد أكّد فيها من جديد بعض الأفكار التي أثارها في محاضرته في جائزة هولبرغ وزادها بسطًا وتوسعةً.

13 ـ عام 2006 نشر كتابًا تُرجم من اللغة الألمانية إلى الإنجليزيّة بعنوان: “ديالكتيك العلمنة: في باب العقل والدين”، وتضمّن الكتاب حوارًا دار بينه وبين الكاردينال جوزف راتسينجر في مدينة ميونخ عام 2004.

14ـ  عام 2008 نشر هابرماس كتابًا بعنوان: “الطبيعانية والدين” باللغة الإنجليزيّة، تضمّن بعض المطالب الجديدة مضافًا إلى مطالب قديمة نشرها أو ألقاها في مناسبات أخرى.

15ـ عام 2010 نشر كتابًا بعنوان: “الوعي بما هو مفقود: الإيمان والعقل في عصر ما بعد العلمانيّة” تضمّن مقالتين لهابرماس.

16ـ عام 2001 نشر هابرماس مقالة في كتاب “سلطة الدين في الفضاء العمومي” وكان عنوان مقالته “الشأن السياسيّ: المعنى العقلانيّ لتراث يمكن الشك فيه اسمه اللاهوت السياسيّ”. وفي هذه المقالة يبيّن هابرماس أنّ كلود لفور استند إلى التمييز بين الشأن السياسيّ  والسياسة ليلفتنا إلى أنّ كلّ أمّة تنسى منطلقاتها الدينيّة تُبتلى بوهم الخلود المحض.

17ـ عام 2013 نشر هابرماس مقالة بعنوان: «الردّ على منتقديّ» (reply to my critics)، وفي سياق ردّه على بعض الفلاسفة والمفكّرين الذين انتقدوه يبيّن ضرورة نقل مضامين اللاهوت إلى مجالات ثقافية غير دينيّة.

يكشف النظر في الموارد المذكورة أعلاه عن تحوّل في اهتمامات هابرماس وصيرورة الدين مركزًا من مراكز اهتمامه في هذه المرحلة من حياته، وما زال هذا التوجّه مستمرًّا. وفي تصنيف لهذا الاهتمام نجد أنّ اهتمام هابرماس بالدين والموضوعات الدينيّة بدأ توصيفيًّا ثم انتقل إلى النقد وأخيرًا بدأ يظهر منه التفهّم والدفاع.

ففي كلمته التي ألقاها في جامعة طهران في الرابع عشر من شهر مايو/ أيار عام 2002، بعنوان: «التديّن في سياق علمانيّ»، يتحدّث هابرماس عن نموذجين من العلمانية أحدهما استبدالي (replacement) والآخر مُصادريّ (expropriation) ويحكم بأنّ كلا النموذجين خاطئ وغير صحيح. النموذج الأوّل يُطلق على التوجّهات التي يُسعى فيها إلى استبدال الصور الدينيّة للحياة بمعادلات عقلانيّة. وأمّا النموذج الثاني فهو بعبارة صريحة ومبسّطة سرقة. وبعد تقديم هذين النموذجين في إيران نشر هابرماس كتابه المعنون بـ»مستقبل الطبيعة البشريّة»، يشرح فيه الأفكار المشار إليها على النحو الآتي:

بالنسبة إلى الصيغة الأولى تمّ استبدال طرق التفكير وأشكال الحياة الدينيّة بأشكال مناسبة عقلانيّة وهي أشكال أسمى بكلّ الأحوال؛ أمّا بالنسبة إلى الصيغة الثانية فإنّ أشكال الفكرة والحياة الحديثة قد تمّ رفع الاعتبار عنها باعتبارها ثروات تمّ تحصيلها بطريقة لا مشروعة. النموذج الأوّل هو نموذج كبت يؤوّل الحداثة بمعنى تفاؤليّ تجاه التقدّم، بوصفها حداثة متحرّرة من السحر؛ النموذج الثاني الذي يرفع من قيمة نزع الملكية يؤوّل الحداثة بمعنى النظريّة في الانحطاط؛ أي إنها حداثة لا تجذّر لها. تقترف كلّ من القراءة الأولى أو الثانية الخطأ نفسه؛ إذ تعتبران الحداثة بمنزلة لعبة بطرفين، فمن جانب أول هناك العلم والتقنية وقد تحرّرت القوى المنتجة من أغلالها بوساطة الرأسمالية، ومن جانب آخر الكنائس والقوى التي فيها تهدف إلى المحافظة. وهكذا نخضع لقواعد اللعبة الليبرالية التي تحبّذ القوى المحرّكة في الحداثة (Habermas: 2003/b،  104).

ويوصي هابرماس المواطنين العلمانيّين بأنّه لا يحقّ لهم إنكار حقّ المتديّنين على الإسهام في المناقشات العامّة بلغتهم الدينيّة وأداء حقوقهم في المواطنة بهذه الطريقة (Habermas: 2008،  113).

2-2- تقويم تحليلي للتوجّه الأخير لهابرماس نحو الدين

مارك بي لالوند واحد من الذين تصدّوا لنقد هابرماس وتحدّي طروحاته. وهو يدّعي أنّ النظرية النقدية عند هابرماس تعاني نقصاً في المعنى الأخلاقيّ البنّاء ولأجل هذا سعى هابرماس إلى سدّ هذه الثغرة بالاستعانة بالدين: «للمساعدة في تطوير مشاعر التضامن الذاتيّ ودعم العلاقات الإنسانيّة. وهذا من دون شكٍّ يقع على طرف النقيض من الحداثة الحدّية التي تُدافع عن نظريّة الفعل التواصلي والعقل. وهذا بدوره يكشف عن تحليل أداتيّ للدين في مقابل ضغوط ما بعد الحداثة» (Lalonde،  1999: 102). ويرى لالوند أنّ بعض مواقف هابرماس من القضايا الدينيّة ليست ضروريّة أو تعبّر عن علاقة قبيحة ومشكلة، وتعارض بالضرورة فروضه النظريّة. «أخيرًا يقرّر هابرماس أن يقول إنّ اللاهوت لا يمكنه التعايش مع فكر ما بعد الحداثة، إلّا إذا تخلّى عن بنيته التحتية أي اللوغوس» (Lalonde،  2007: 53).

هذا ولكنّ التحليل المنصف لأفكار هابرماس يلزمنا بالتصديق بأنّ مواقفه من الدين تطوّرت من الموقف المعارض للدين بناء على خلفيّته الماركسية إلى موقف لا يدعو فيه إلى عدم إخراج الدين من دائرة العمل السياسي فحسب، بل إلى لزوم التعامل معه على أنّه أمرٌ واقعٌ في الفضاء العموميّ يجب القبول به. فهابرماس (2006/a: 17) كما في كلمته التي ألقاها في جائزة هولبرغ (2005: 13) يدّعي ويصرّح بأنّ “الفكر ما بعد الحداثويّ أعدّ نفسه ليتعلّم من الدين... وإنّ المطالب التي يقبلها العقل عن طريق الترجمة، ينبغي ألا تضرّ بالاعتقاد الدينيّ”. ومهما يكن من أمرٍ فإنّ ما هو مهمٌّ للدين في العصر الحاضر أنّ هابرماس في محاولته فهمَ الحقائق الدينيّة يريد أن يتحوّل الفضاء العمومي إلى فضاء مفتوح للعلمانيّ والمتديّن، وهذا في حدّ ذاته موقفٌ إيجابيّ ومهمٌّ من الدين. والمهمّ في التحوّل الذي حصل في فكر هابرماس هو كشفه عن الخطأ الذي وقعت فيه الحداثة وما بعدها في موقفهما من الدين. وبعبارة أخرى: يظهر من هابرماس اعتقاده أنّ الإنسان المعاصر لا يمكنه حلّ مشكلاته الحياتية بعيدًا عن الدين والمفاهيم الميتافيزيقيّة: “إنّ هذا العقل الحديث سوف يتعلّم فقط عندما يستطيع توضيح علاقته بالوعي الدينيّ المعاصر” (Habermas،  2010: 17).

وفي فكر هابرماس أربعة أنواع من الفهم حول الدين يمكن استنباطها من كلامه. التصوّر الأوّل للدين هو النظر إليه بوصفه مؤسسة تاريخية- اجتماعيّة (a historical-social institution) على صلة مباشرة بالحياة الاجتماعيّة. النوع الثاني من التصوّر للدين عنده هو النظر إليه بوصفه أداة للعمل النقديّ (an instrument of criticism) وموجبًا للتغيير والتحوّل في العلاقات الإنسانيّة، كما ينظر إليه بما أداة تساعد الإنسان إلى جانب سائر الأدوات النقدية التي يمكنه بالاستعانة بها أن ينتقد محيطه وبيئته التي يعيش فيها. النوع الثالث من تصوّرات الدين عند هابرماس هو الاعتقاد بأنّ الدين هو رؤية كونية (a worldview)، وبحسب هابرماس “إنّ كلّ دين في الأصل هو رؤية كونيّة أو عقيدة شاملةٌ، ومعنى هذا أنّ الدين يدّعي القدرة على تحويل شكلٍ من الحياة إلى نظام عامٍّ” (Habermas: 2008،  111). والنوع الرابع من تصوّرات الدين عند هابرماس هو النظر إليه بوصفه لغة مشتركة (a common language) للتفاهم بين الأذهان. وفي هذا السياق يعتقد حسين علي نوذري أنّ هابرماس يعترف للدين بدورين مهمّين هما: 1- التدجين والترويض والتربية على الطاعة (domestication)؛ 2- عمليّات البحث عن المصلحة والمسالمة والتهدئة، بمعنى أنّ الدين يؤدّي دور إقناع الأفراد بالقيم الاجتماعيّة.

وربّما يُظنّ بأنّ موقف هابرماس من الدين ليس فيه ما يلفت النظر إذ إنّه قدّم أفكاره في عصر ما بعد الحداثة الحافل بالمتناقضات. وبالتالي من الطبيعيّ في ظلّ هذه الظروف الثقافية والفكريّة أن يعمد هابرماس وغيره إلى البحث في الدين والقضايا الدينيّة ويتفهّم هو أو غيره وجود الدين ويتكيّف معه. غير أن التصوّر مجانبٌ للصواب؛ وذلك لأنّ موقف هابرماس من الدين له جذور في أعماق فكره وطروحاته النظريّة، وخاصّة فيما يرتبط بحضور الدين في الخطاب الثقافي للمجتمعات البشريّة. على الرغم من اقتضاءات الظروف والأوضاع مثل هذا الطرح. وفي الحقيقة ليس تحوّل موقف هابرماس من الدين تحيّنًا للفرصة أو مستندًا إلى ضعف في المبادئ الأخلاقيّة؛ بل خلاف ذلك تمامًا إذ إنّ آراءه الأخيرة في إعطاء دور للدين في الفضاء العموميّ وخطابه الثقافيّ، تكشف عن منطق خفيٍّ يكمن في فلسفته كلّها. ويمكن أن تكون لمواقف هابرماس الفكريّة آثار مفيدة وإيجابيّة للدين والمتديّنين، وخاصّة على صعيد إعادة الاهتمام البحثيّ النظريّ في الدين والقضايا الدينيّة، وخاصّة الأخلاقيّات الدينيّة. وقد سعى هابرماس لإثبات أنّ الدين يمكنه أن يؤدّي دورًا محوريًّا في التعاملات والمناقشات الاجتماعيّة. ولأجل هذا نرى أنّ آراءه الأخيرة في الدين مهمّة بالنسبة إلى المتخصّصين في اللاهوت، وبالفعل أبدى علماء اللاهوت اهتمامًا بآرائه ونظريّاته ولم يغفلوها في أبحاثهم ودراساتهم.

3 ـ  الخلاصة ونتائج البحث

حاولنا في هذه المقالة دراسة التطوّر الذي طرأ على نظرة هابرماس إلى الدين والقضايا الدينيّة وخاصّة دور الدين في الفضاء العموميّ، وعلى الرغم من أنّه لم يغفل الدين في دراساته وأبحاثه، غير أنّه يمكن تحقيب مواقف هابرماس من الدين إلى حقبتين أساسيّتين هما: الحقبة الأولى التي كان ينطلق فيها في نظرته إلى الدين وغيره من زاوية التطوّر البشريّ، وفي هذه المرحلة كان هابرماس يقسّم مراحلة التطوّر الفكريّ الإنسانيّ إلى ثلاث مراحل، هي: 1- مرحلة الرؤى الكونية الأسطوريّة؛ 2- مرحلة الرؤى الكونيّة الدينيّة – الميتافيزيقية؛ 3- مرحلة الرؤة الكونية الحداثويّة. وفي هذه المرحلة كان يعتقد أنّ الأسطورة والدين ينبغي لهما التنازل عن مواقعهما للفلسفة والفعل التواصليّ في مسار تحديث المجتمعات الإنسانيّة. وفي مرحلة الرؤى الكونية الحداثويّة ينبغي عيش العالم بعقلانيّة وفي النتيجة ينبغي أن يتحوّل الدين والمقدّس إلى أمرٍ لغويّ. بينما في الحقبة الثانية من مسار هابرماس الفكريّ نجد أن هابرماس يعيد النظر في آرائه ونظريّاته السابقة ويعترف للدين بدورٍ رئيس في الفضاء العموميّ. ولا يمكن ردّ التحوّل الذي طرأ على رؤية هابرماس إلى الدين إلى التحوّلات التي طرأت على العالم الذي يعيش فيه. وبعبارة أخرى هذا التحوّل له جذور في الداخل ولا يستند إلى التطوّرات الخارجيّة فحسب. وربّما يمكن الاعتراف بأثر التحوّلات الخارجيّة في تسريع هذا التحوّل الفكري عند هابرماس. ومهما يكن من أمرٍ فإنّه غادر مواقفه الأولى التي كانت تنظر إلى الدين وتدخّله في الفضاء العموميّ نظرة سلبيّةً. وبالنظر إلى أهميّة هابرماس وموقعه بين الفلاسفة والمفكّرين المعاصرين يتوقّع أن يترك تحوّله الفكريّ أثره على غيره من المفكّرين لمصلحة الدين، وعلى الأقلّ سوف يؤدّي إلى التخفيف من حدّة الموقف العلمانيّ المعادي للدين. وقد استطاع هابرماس تحقيق الربط العميق بين الدين والفضاء العموميّ، الأمر الذي ينبغي النظر إليه بإيجابيّة من زاوية دينيّة خاصّة حين تُقاس مواقفه الفكرية بمواقف غيره من العلمانيّين. فهو يرى أنّ الدين منشأ لكثير من القيم التي تتغيّاها الحداثة، مثل: العدالة، والمساواة، والسلام، والأمن، والسعادة البشريّة. وعليه لا يصحّ تصنيف موقفه من الدين بأنّه اختزاليٌّ أو تبسيطيٌّ. بل هو موقفٌ جادٌّ يمثّل تحدّيًا للنظريّات العلمانية المتطرّفة وللطبيعانيّة.

المصادر والمراجع:

Habermas،  Jürgen. (1961) ‘The German Idealism of the Jewish Philosophers’،  In Religion and Rationality: Essays on Reason،  God،  and Modernity،  Edited and with an Introduction by Eduardo Mendieta،  Cambridge،  Mass.: MIT Press.

Habermas،  Jürgen (1974) ‘On Social Identity’،  Telos 19 (Spring)،  pp. 91-110.

Habermas،  Jürgen (1976) Legitimation Crisis،  Translated by Thomas McCarthy،  London: Heinemann Educational.

Habermas،  Jürgen (1979) Communication and the Evolution of Society،  Translated and with an Introduction by Thomas McCarthy،  London: Heinemann.

Habermas،  Jürgen (1984) The Theory of Communicative Action I: Reason and the Rationalization of Society،  Translated by Thomas McCarthy،  Cambridge: Polity.

Habermas،  Jürgen (1987) The Theory of Communicative Action II: Reason and the Rationalization of Society،  Translated by Thomas McCarty،  Cambridge: Polity.

Habermas،  Jürgen (1988) ‘Transcendence from Within،  Transcendence in the Wold’،  In Religion and Rationality: Essays on Reason،  God،  and Modernity،  Edited and with an Introduction by Eduardo Mendieta،  Cambridge،  Mass.: MIT Press.

Habermas،  Jürgen،  (1991) ‘To Seek to Salvage an Unconditional Meaning Without God is a Futile Undertaking: Reflections on a Remark of Max Horkheimer’،  In Religion and Rationality: Essays on Reason،  God،  and Modernity،  Edited and with an Introduction by Eduardo Mendieta،  Cambridge،  Mass.: MIT Press.

Habermas،  Jürgen (1992) Postmetaphysical Thinking: Philosophical Essays،  Translated by William Mark Hohengarten،  Cambridge: Polity Press.

Habermas،  Jürgen (1997) The Liberating Power of Symbols: Philosophical Essays،  Cambridge: Polity Press.

Habermas،  Jürgen (2001) The Postnational Constellation: Political Essays،  Translated،  Edited and with an Introduction by Max Pensky،  London: Polity Press.

Habermas،  Jürgen (2002a) Religion and Rationality: Essays on Reason،  God،  and modernity،  Edited and with an Introduction by Eduardo Mendieta،  Cambridge،  Mass.: MIT Press.

Habermas،  Jürgen (2002b) ‘Religiousness in a Secular Context’،  Habermas’s Lecture at Tehran University،  Tehran: Scientific and Cultural Monthly Magazine 26 (May)،  pp. 17-19.

Habermas،  Jürgen (2003a) ‘Fundamentalism and Terror’،  In Philosophy in a Time of Terror: Dialogues with Jurgen Habermas and Jacques Derrida،  Chicago and London: University of Chicago Press.

Habermas،  Jürgen (2003b) The Future of Human Nature،  Oxford: Polity.

Habermas،  Jürgen. (2005) ‘Religion in the Public Sphere’،  http://www. Holbergprisen. No/downloads/diverse/hp/hp-2005/2006. Lecture Presented at the Holberg Prize Seminar،  29 November،  pp. 1-14.

Habermas،  Jürgen (2006a) ‘Religion in the Public Sphere’،  European Journal of Philosophy 14 (1)،  pp. 1-25.

Habermas،  Jürgen And Ratzinger،  J. (2006b) The Dialectics of Secularization: On Reason and Religion،  Edited with a Foreword by Florian Schuller،  Translated by Brian McNeil،  C. R. V. San Francisco: Ignatius Press.

Habermas،  Jürgen،  (2008) Between Naturalism and Religion،  Cambridge: Polity Press.

Habermas،  Jürgen (2010) An Awareness of What Is Missing: Faith and Reason in a Past-Secular Age،  Cambridge: Polity Press.

Habermas،  Jürgen (2011) ‘The Political: The Rational Meaning of a Questionable Inheritance of Political Theology’،  In The Power of Religion in the Public Sphere،  Columbia: Columbia University Press.

Habermas،  Jürgen (2013) ‘Reply to My Critics’،  In Habermas and Religion: Edited by Craig Calhoun،  Eduardo Mendieta and Jonathan VanAntwerpen،  Cambridge: Polity Press،  pp. 347- 390.

Horkheimer،  Max (2005) ‘Theism and Atheism’،  In The Frankfurt School on Religion: Key Writings by the Major Thinkers،  Edited by Eduardo Mendieta،  New York and London: Routledge،  pp. 213- 223.

Lalonde،  Marc. Philippe (1999) Critical Theology and the Challenge of Jurgen Habermas: Toward a Critical Theory of Religious Insight،  New York: Peter Lang.

Lalonde،  Marc. Philippe (2007) From Critical Theology to a Critical Theory of Religious Insight،  New York: Peter Lang.

Marx،  Karl and Engels،  Friedrich (1957) The Holy Family،  or Critique of Critical Criticism: against Bruno Bauer and Company،  Moscow: Foreign Languages Publishing House.

Pals،  Danil L. (1996) Seven Theories of Religion،  New York: Oxford University Press.

-------------------------------------

حسين غفاري : أستاذ الفلسفة في جامعة طهران.

معصومة بهرام : باحثة في الفلسفة المعاصرة ـ جامعة طهران.

ـ ترجمة:  محمد حسن زراقط.