البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

إسم البحث : ديالكتيك الدين والدنيا

الباحث : خوسيه كازانوفا - José Casanova

اسم المجلة : الاستغراب

العدد : 8

السنة : السنة الثالثة - صيف 2017 م / 1438 هـ

تاريخ إضافة البحث : August / 13 / 2017

عدد زيارات البحث : 79

حجم ملف البحث : 362.565 KB

 تحميل

..."اعلم أن لك مع الأمراء والعمَّال والظَّلمة ثلاث أحوال، الحالة الأولى، وهي شرُّها، أن تدخل عليهم، والثانية، وهي دونها، أن يدخلوا عليك، والثالثة، وهي الأسلم، أن تعتزلهم فلا تراهم ولا يرونك" (أبو حامد الغزالي)[1]...

يختصر هذا التصريح للفقيه المسلم الذي عاش في القرن الثاني عشر ويلخص الخيارات الأساسية، وكذلك الموقف النموذجي والتقليدي للأديان الخلاصية من عالم السياسة، ومن «الدنيا» عموماً، وقد يقرأ البوذيون والمسيحيون والمسلمون هذا التصريح قراءةً مغايرة، نظراً لأن موقفهم النموذجي الأصلي، وكذلك التجربة الدينية التي راكمتها هذه الأديان عبر العصور، قد يتنوعان تنوعاً شديداً، غير أن هذه الخيارات الثلاثة تبقى قائمة، ولو خيّرت «الأديان الكونيّة الثلاثة الكبرى، لصنّفت على الأرجح هذه الخيارات الثلاثة بالترتيب عينه.

فالقيصروبابوية، أي سيطرة «الدنيا» واستغلالها الدينَ وتحقيقاً لمآربها الخاصة، وفي معظم الأحيان لشرعنة الحكم السياسي وتقديس القمع الاقتصادي والنظام التراتبي، أكثر ما تخشاه هذه الأديان، ربما لأنها تعلم كم من المرات وجدت نفسها عاجزة عن التصدّي لها بأي شكل من أشكالها حتى في العصور الحديثة.

أما الخيار الثاني، أو الثيوقراطية، أي قوّة التأثير في العالم وقولبته وفقاً للمشيئة الإلهية، فهو المفضل على الدوام، كما أنه خيار شديد الإغراء، غالباً ما واجهت صعوبة في مقاومته حتى معظم الأديان الأخروية الأخرى، فإرادة السلطة في الدين الزهدي وقدرتها على رسم ملامح العالم وتغييره مع السعي إلى التسامي تصادف في أقل الأماكن توقعاً، من جبال التيبت إلى صحاري يوتا، غير أن المحاولات الثيوقراطية كلها تنزع في نهاية المطاف إلى الخضوع لمفارقة النتائج غير المقصودة، فكلما أراد الدين تحويل الدنيا إلى اتجاه ديني، تورّط في الشؤون «الدنيوية» وتحوّل من قبل الدنيا، والخيار الثالث، أو الابتعاد والانفصال والاجتناب، ينزع في نهاية المطاف إلى الغلبة، ويميل المتدينون والدنيويون إلى تفضيله لأنه يحمي الدنيا من الدين ويحمي الدين من الدنيا؛ إي إنه لا خيار من هذه الخيارات الثلاثة يستطيع إلغاء الصراع بين «الدين» و«الدنيا» بصورة دائمة.

إن نظرة شاملة لتاريخ العالم من أعلى، مع الإدراك بأن مثل هذا المنظور يسطح كل «الاختلافات»، تتيح للمرء أن يميز بسهولة بين نقلتين «محوريتين» عظيمتين في العلاقة بين الدين والدنيا، والنقلة المحورية الأولى، كما أحسن ملاحظتها كارل جاسبرز ولجأ إليه ماكس فيبر كأساس لعلم اجتماع الدين الدنيوي ـ التاريخي الذي وضعه، كانت موجة التخلي عن الدنيا، تلك الموجة التي زعزعت بداياتها حوالي القرن السادس قبل الميلاد، حضارة قديمة تلو الأخرى، من الهند إلى الصين، ومن الشرق الأدنى إلى اليونان.

ساد هذا الموقف الجديد الذي يقوم على نبذ الدنيا أولاً في أوساط المفكرين والنخب والفلاسفة والأنبياء ولكن، في مرحلة لاحقة، تعمّم هذا الموقف التبخيسي للدنيا سعياً وراء دنيا أسمى وراج بفضل الديانات الخلاصية الجديدة التي برزت بوصفها أهم النتائج الدنيوي ـ التاريخية لتلك النقلة النوعية، وفي حوض المتوسط على الأقل، قام مؤرخو الأفكار والمؤرخون الاجتماعيون بتوثيق مسهب لهذه النقلة واسعة الانتشار من الدين العام إلى الدين الخاص، من العبادة الجماعية إلى الديانات الباطنية والخلاصية، من الإنسان المدني إلى الإنساني الباطني، من الفلسفة الموضوعية إلى الفلسفة الذاتوية، وقد علّل بيتر براون الانتصار المتناقض والثوري للمسيحية في العالم الوثني القديم بأنه: «قيام قادة الكنيسة المسيحية بدمقرطة مفاجئة في سرعتها لثقافة الفلاسفة النخبوية المضادة».

غير أن التحوّل الباطني للدين نحو الفرد الخاص سعياً وراء الخلاص يحفل بالمفارقات العامة والنتائج الخارجية في الدنيا، فحين أراد الدين أن يترك هذه الدنيا وشأنها، لم تتمكن القوى الدنيوية، على ما يبدو، من أن تترك الدين وشأنه. وكانت رسالة المسيح بالتخلّي عن الآمال المسيانية بحلول ملكوت دنيوي وبإيجاد «ملكوت الله» في «قلب» الإنسان يهدد جوهر اليهودية بوصفها ديناً ميثاقياً عاماً.

وكانت «فضيحة الصلب» العقاب على مثل هذه الجريمة العامة، فالدولة الرومانية الإمبراطورية التي تخلّت عن دينها المدني الجمهوري القديم، وأدخلت أنواع الآلهة الغريبة كلها إلى هيكلها، وسمحت لرعاياها باعتناق أغرب الأديان والعبادات الباطنية في حياتهم الخاصة، لم تكن لتسمح بأن ترفض أكثر الأديان خصوصية، وزهداً في الدنيا، وتواضعاً أي المسيحية، الانخراط في العبادة الجماعية الوحيدة المتبقّية، عبادة الإمبراطور، ولذلك، تعرّض المسيحيون للاضطهاد الجماعي.

وأسفرت الردّة المسيحية «الباطنية» نحو «فردية أخروية» عن نتائج خارجية غير مقصودة أخرى في الدنيا، فالزهدوية الأخروية أظهرت وجهها المخاتل في الخلط بين الزهد بالدنيا والسيطرة عليها، وقد برهن المؤرخون الاجتماعيون، انطلاقاً من مقدمات منطقية مختلفة للغاية، بدءاً بماكس فيبر إلى لوي دومون، ومن نوربير إلياس إلى ميشال فوكو أن للانضباط الداخلي «أثراً تحضرياً» أعظم من أي مكافأة دنيوية أو أي نظام وعقاب خارجيين تنزلهما قوى هذه الدنيا، ولا ريب في أن الاعتراف الفريد بمدينة الله[2] في هذه الدنيا، بكنيسة كاثوليكية تتمتع بقوة دنيوية حقيقة فاعلة، وتدّعي بسط سلطتها على الدنيا بصورة مباشرة أو غير مباشرة، اكتسب أهميّة فائقة، وقد أكّد بعض المراقبين أنه لا يمكن إدراك السمة الفريدة تاريخياً للدولة الحديثة ما لم يعتبرها المرء «كنيسة متحوّلة» متعلمنة، وفي مطلق الأحوال، انتهت القصة بصورة لا تخلو من المفارقة مع التزام غير مسبوق للفرد المسيحي بالدنيا، ومع تحوّل جديد للفرد المتوجّه نحو العالم الخارجي إلى الفرد المتوجّه نحو العالم الباطني، مع صعود الفرد الحديث.

وسواءٌ اعتبر المرء أن هذا الموقف المسيحي الجديد قد شارك في تحديد الصعود المشترك للدولة الحديثة والرأسمالية الحديثة، أو رأى أن الموقف البروتستانتي الجديد المتوجّه نحو العالم الباطنيّ قد تحدد بسبب نشأة النظام العالمي الحديث، فلا شكّ في أن هذه الظاهرة تشير إلى نقلة محوريّة جديدة في العلاقة بين الدين والدنيا، ففي نهاية المطاف، أرغمت الدنيا الدين على الانكفاء نحو نطاق خاص مستحدث و«متأسس» للمرة الأولى في التاريخ، وخضعت الكنائس القومية المحلية، الواحدة تلو الأخرى، للسيطرة الملكية المطلقة، وإذ حرمت من أملاكها الواسعة بموجب قوانين العلمنة، اضطرت لتعزيز حظوتها لدى الطبقات البرجوازية الصاعدة، وسوف تصبح هذه العملية الثنائية نفسها واضحة عبر أوروبا خلال القرن الثامن عشر: فالأرسطوسية والملكية والسيطرة القيصروبابوية من أعلى حوّلت كل فروع المسيحية إلى عبادات جماعيّة للدول الأمم الجديدة «معترف بها» ولكنها عاجزة، وبالمقابل، حدثت ردّة تقوية جديدة نحو الباطن الفرد الحديث من السيطرة الخارجية، الطقسية، والمقدّسة للكنيسة وأمعنت في تحويل شتى المذاهب إلى «جماعات دينية» خاصّة.

والبروتستانتية التي تصلح نموذجاً تحليليّاً في هذه الدراسة، من دون الخوض في تنوّعاتها الداخلية بالغة الأهمية، كانت رائدة لهذه العملية وأسهمت في رسم الشكل الخاص الذي اتخذته سيرورة التمايز المتأسسة للنطاقات حتى الآن.

وفي هذا الصدد، أرست البروتستانتية سابقة تاريخية قوية كان لا بد للأديان الكونية الأخرى، ولابد لها حتى الساعة، من أن تستجيب لها بأساليبها الخاصة، فطوال قرون عديدة، حاربت الكنيسة الكاثوليكية بصورة دونكيشوتية الردّة الحديثة نحو العالم الباطني والتمايز الحديث بين النطاقات بوصفهما طواحين مهرطقة، وأخيراً، مع المجمّع الفاتيكاني الثاني، جاء الاعتراف «الرسمي» المتأخّر بشرعية العالم الحديث، وكانت الكاثوليكية، في أرجاء العالم كله، تنحو نحواً باطنياً يتّسم بنزعة انتقامية، إلا أن الكنيسة الكاثوليكية، وعلى الرغم من قبولها بالمبدأ الحديث «للحرية الدينية» والكفّ بالتالي عن كونها «كنيسة» لكل الأغراض العملية بالمعنى الفيبري للكلمة، تظلّ مع ذلك تؤيد مبدأ «الكنيسة» لجماعة أخلاقية. وتريد الكاثوليكية الحديثة أن تكون ديناً باطنياً وعامّاً في آن. ولكن هل يوجد شكل حديث للدين العام لا يطمح لأن يكون كنيسة دولة أو كنيسة مجتمعية «معترفاً بها»؟

ثالثاً: الأديان الخاصّة والعامّة في العالم الحديث

يمكن للمرء، باللجوء كإطار تحليلي إلى الأساليب الأربعة لمَفْهمة التمييز بين «الخاص/ العام»، كما درسه جيف فاينتراوب، أن يرسم مبدئياً أربعة تآلفات ثنائية مختلفة للأديان «الخاصة» و«العامة»، ومن غير توخّي عرض نماذج شخصيّة مفصّلة، تتضمن الأنماط الناجمة التمييز الثلاثي بين التديّن الفردي والجماعي، والجماعة الدينية والسياسية، والنطاقين الديني والدنيوي/ العلماني، مع تسليط الضوء على الخيارات الأساسية المتاحة للأديان في ظل شروط التمايز الحديث، أي في العالم العلماني المتمايز الحديث.

1 ـ التصوّف الفردي في مقابل المذهبية

إذا ما انطلقنا من تمييز غوفمان السوسيولوجي عوضاً من تمييزه السياسي بين النطاق «الكواليسي» الخاص للذات ومجال «الحياة العامّة»، حيث يحدث التفاعل الوجاهي ـ وهو تمييز أوضح من ذاك الذي استمده فاينتراوب من التاريخ الاجتماعي ل ف. آرييس، يتسنى للمرء أن يميز التدين الفردي الخاص، ودين الذات الخاصة، وكل الأشكال العامّة للدين التجمّعي، ويكاد هذا التمييز يطابق ذاك الذي يرسمه توماس لوكمان بين الدين غير المرئي والدين الكنسي، وكذلك التميز النموذجي بين ما يدعوه إرنست ترولتش «التصوّف الفردي» أو «الدين الروحاني»، والشكل الحديث نموذجياً للجماعة الدينية الطوعية والفردوية والتعددية، أي «الطائفة»، وبالرغم من عدم وجود مكان للطائفة الدينية الحديثة في النموذج الثلاثي لترولتش فهي محكومة بنشر، إن لم نقل بخلافة، الشكلين التقليديين، باعتقاده، للدين التنظيمي، أي «الكنيسة» و«الفرقة الدينية».

إنه لمن الشائع في التحليل السوسيولوجي أن يؤدي التمايز الحديث للنطاقات المستقلة بصورة لا تقبل المعالجة إلى تعدد المعايير والقيم والآراء، وقد عزا ماكس فيبر «شِرْكَ القيم الحديثة» إلى هذا التمايز، ومما لا شك فيه أن تمايز النطاقات يؤدي إلى نزاعات بين الآلهة المتعددة (إيروس، لوغوس، نوموس، مارس، لوياثان، مامون، الإلهات التسع، إلخ)، ولكن هذا النزاع قابل للمأسسة والاحتواء من خلال تمايز وظيفي نسقي، وفي الأحوال كلها، ليس ذلك النزاع المصدر الحقيقي للشِّرك الحديث، فإذا كان هيكل الشرك القديم هو البانتيون، وهو محفل يتسنى فيه عبادة الآلهة المعروفة كلها وغير المعروفة بصورة متزامنة، فهيكل الشرك الحديث هو فكر الفرد نفسه، وفي الواقع، لا يميل الأفراد في العصر الحديث إلى الإيمان بوجود آلهة متعددة بل ينزعون إلى الاعتقاد خلاف ذلك بأن الأديان والأفراد تتعبّد الإله نفسه بأسماء ولغات مختلفة، والأفراد في العصر الحديث وحدهم يجيزون لأنفسهم حق تسمية هذا الإله وعبادته بلغتهم الخاصة.

فقول روسو: «إن دين الإنسان.. لا يعرف الهياكل أو المذابح أو الطقوس»، وقول طوماس جفرسون: «أنا في حد ذاتي فرقة دينية»، وقول طوماس باين: «فكري هو كنيستي»، هي تصريحات نموذجية «ثقافية راقية» عن الشكل الحديث للتديّن الفردي، ويمكن التعرّف في هذه الأقوال الثلاثة إلى الربوبية، وهي الانصهار النموذجي بين التصوّف الفردي والعقلانية التنويرية، أما «الشيلانية»، فهي الاسم الذي يطلقه روبرت بلاّح وتلامذته على التعبير المعاصر «الثقافي الهابط، بعد أن أطلقت سيدة تدعى شيلا اسمها على «إيمانها»، فقالت «شيلانيتي»: «أؤمن بالله. لست متشدّدة دينيّاً، ولا أذكره المرة الأخيرة التي ذهبت فيها إلى الكنيسة، لقد حملني إيماني شوطاً بعيداً، إنها شيلانيتي، صوتي الخافت فقط لا غير». وأضاف الباحثون الذين أجروا معها المقابلة: «يوحي ذلك بالاحتمال المنطقي لوجود أكثر من 220 مليون ديانة أمريكية، أي ديانة لكل واحد منا»، فالشكل العبادي للشِّرك الحديث ليس الوثنية بل النرجسية البشرية، وبهذا المعنى الخاص، تصبح عبادة الفرد، كما تكهّن دوركهايم، دين الحداثة.

وفي حين شعر ترولتش بأن التصوّف الفردي هو دين المستقبل، لم يستطع التكهّن مسبقاً بشكله التنظيمي: «بما أنه قد نشأ من فشل الروح الكنسية الحقيقية، فهو يواجه صعوبة في إقامة علاقات مُرضية مع الكنائس، وبشروط تنظيمية مستقرة ودائمة». غير أن التصوّف الفردي وجد في أمريكا تربة خصبة، فالتقوية الإنجيلية، أو “دين القلب”، كانت الوسيلة التي نشرت التصوّف الفردي، وأضفت عليه طابعاً ديمقراطياً وشعبياً، في الواقع، من خلال البروتستانتية الأمريكية بينما أصبحت المذهبية، ذلك الاختراع الديني العظيم، شكله التنظيمي، وفي الواقع، تحتل التقوية في التحوّل الحديث للدين الموقع نفسه الذي ينسبه ماكنتاير إلى الانفعالية في تحوّل ـ انحلال الفلسفة الأخلاقية التقليدية.

كانت الأسس العقائدية للمذهبية قد برزت أصلاً مع الصحوة الكبرى الأولى[3]، ولكن، وعلى غرار أوروبا، لم تسمح البنية المؤسسية للكنائس المعترف بها والانشقاق المذهبي، بالرغم من تعدديتها الشديدة أصلاً، بإظهارها. فأولاً، حوّل سحب اعتراف الدولة بالكنيسة دستورياً، ومن ثم، الصحوة الكبرى الثانية[4]، الكنائس والفرق البروتستانتية على حد سواء إلى مذاهب، وبحلول ثلاثينيات القرن التاسع، كانت البروتستانتية الإنجيلية، المنظمة مذهبياً، قد أصبحت حكماً الدين الأميركي المدني المعترف به ثقافياً، وإن لم يحظَ بالاعتراف سياسياً، وفي أعقاب الحرب العالمية الثانية، أضيفت الكاثوليكية واليهودية إلى هذا النظام، وأصبحت «البروتستانتية ـ الكاثوليكية ـ اليهودية» الأشكال المذهبية المحترمة الثلاثة للدين الأميركي، وخلَّفت التجربة الدينية العظيمة في الستينيات الأبواب مشرعة على مصاريعها، وبحلول عام 1970، ومع صدور الحكم في قضية ولش[5]، قامت المحكمة العليا الأميركية التي طالما نظمت قوانين الانخراط في السوق الدينية المذهبية التنافسية الحرّة بالسماح للمواطنين باعتناق أي عقيدة إيمانية مستعدة لاحترام قوانين اللعبة، وتجدر الإشارة إلى أن البنية المذهبية للنظام الديني الفرعي هي التي تحوّل كل الديانات في أمريكا، بغض النظر عن أصولها ومزاعمها العقائدية، وهويتها الكنسية، إلى مذاهب.

في الدراسة الشاملة التي أعدها روبرت فوثناو حول «المجتمع والإيمان منذ الحرب العالمية الثانية»، بعنوان إعادة بناء الدين الأميركي، يوثق المؤلف توثيقاً مفصَّلاً تداعي الروابط المذهبية الداخلية، وتضاؤل النزعات والأحكام المسبقة بين المذاهب، وتعاظم تنظيم الموارد الدينية وحشدها عبر المذاهب لا من خلالها، غير أن المؤلف يرى أن هذا الدليل يشير إلى «تضاؤل أهمية المذهبية»، في حين كان بالإمكان فعلياً تأويل هذا الدليل بأنه مؤشر إضافي على منطق المذهبية، فمنذ البدايات خلال الصحوة الكبرى الأولى، لم تكن المذهبية إطلاقاً مرادفاً لولاء المرء الحصري المطلق لمذهبه، فهذه النفوس، «المولودة ثانية» التي «اختبرت» فردياً القوة المخلصة «للنور الجديد»، طالما نزعت إلى الشعور بالتآلف مع أرواح ذات قرابة تنتمي إلى مذاهب أخرى أكثر مما تشعر بالتآلف مع «الأنوار القديمة» في مذاهبها الخاصة، وحالما تصبح المذاهب وسائط خاصة للتجربة الدينية الفردية، تتعاظم ثانوية الشكل التنظيمي الخارجي والمحتوى العقائدي للمذهب المعيّن، ولا يعود الناس بحاجة إلى تغيير مذاهبهم لإيجاد إيمانهم الخاص، أو للانضمام إلى زملاء عشائريين في حركات اجتماعية مذهبية بينية، وفي حين قد يشير هذا التطوّر إلى تضاؤل أهمية الكنائس المذهبية، فهو قد يعلّل كذلك على أنه انتصار للمبدأ المذهبي.

وحتى الفرق الدينية الكلاسيكية نموذجياً كالبروتستانتية الأصولية أو الكنيسة التقليدية، الكنيسة الكاثوليكية الواحدة المقدسة، الجامعة، الرسولية تخضع لقيود خارجية، والأهم من ذلك، لتحريض داخلي من أجل التصرّف مذهبياً، والدليل على قوة الفردية الحديثة تعدّد الكنائس والمبشرين الأصوليين «المستلين»، وكل منها أو منهم يفوق الأخرى أو الآخر قداسةً وأصوليةً معلنين تأويلهم «الخاص» الحرفي لأصول الدين المسيحي نفسه، الموجود في النص عينه، أي الكتاب المقدّس، وتشكّل لقراءة الخاصة الفردية لأي نص ديني أساساً شديد الهشاشة للأصولية العقائدية، فحين تفارق هذه الذرات الأصولية المتعددة عزلتها المذهبية الخاصة التي فرضتها على نفسها بهدف تنظيم نفسها علناً ضمن أغلبية أخلاقية، أو ما يساوي الشيء عينه، وتتجند هذه الموارد الفردية تجنيداً بارعاً بوساطة مقاولين سياسيين من أجل التحرّك الجماعي، تصبح الأصولية مجرد مذهب آخر.

وتواجه الكنيسة الكاثوليكية ضغوطاً داخلية وخارجية مشابهة، فقد أظهرت الزيارات الأخيرة التي قام بها البابا إلى الولايات المتحدة، وبصورة مقنعة، أن الأميركيين الكاثوليك مستعدون أكثر من أي وقت مضى للتعبير العلني الحار عن اتحادهم مع «وكيل المسيح» وعن ولائهم للكرسي الرسولي، ولكن الأميركيين الكاثوليك، على غرار الأفراد العصريين الآخرين، يحتفظون، على ما يبدو، لضمائرهم بالحق النهائي غير القابل للمصادرة، لتحديد أي من العقائد الأساسية في الوديعة الإيمانية التقليدية هي الجوهرية بالفعل، وحين يتقبل الكاثوليك طوعاً سلطة بعض التعاليم كالدوغما أو العقيدة السلطوية، فالمشكلة التأويلية، أو الانحراف، تبقى مطروحة، فدلالة أي نص مكتوب أو شفهي وأهميته لأي سياق تظل بحاجة إلى التأويل، وعلاوة على ذلك، يقوم الأفراد، على نحو متعاظم، بهذا التأويل، وعلى هذا النحو، تحسم الملصقات على السيارات التي تفيد العكس «قالت روما» [6]، أي إن الله تكلّم عالياً وبوضوح، هذه المسألة بأي حال، إن تاريخ الأديان الكبرى في الكتاب المقدّس، أي اليهودية، والمسيحية، والإسلام، سواءٌ ارتبطت أو لم ترتبط بسلطة مؤسسات كنيسة مقدّسة أو بمذاهب فقهية رسمية يشير إلى تورطها جميعاً في المأزق التأويلي العقائدي نفسه، وكلّما تدخّل التمايز البنيوي الحديث والفردية الدينية، ظهر منطق المذهبية عينه، وفي مطلق الأحوال، تحوّلت كل منظمة دينية تلو الأخرى في الولايات المتحدة ـ الكنائس والفرق البروتستانتية، والكاثوليكية، والمسيحية الشرقية، واليهودية، والديانات الآسيوية، ومؤخراً، الإسلام ـ إلى مذهب داخليّ والواحدة مقابل الأخرى، غير أن السؤال المثار يتعلّق بقدرة المذهب، بوصفه الشكل الطوعي الحديث للجمعية الدينية القائمة على الحرية الدينية والتعددية الدينية، على القيام كذلك بنوع مختلف من «الترويج» السياسي، في المجتمعات المتمايزة الحديثة.

2 ـ الأديان المعترف بها مقابل الأديان غير المعترف بها

في إطار التقليد السياسي الليبرالي، طالما كان التمميز بين الأديان الخاصة والعامّة واضحاً لجهة الفصل الدستوري بين الكنيسة والدولة، وانسجاماً مع النزعة الليبرالية لحصر النطاق العام في القطاع الحكومي مع تجمّع سائر النطاقات ضمن قطاع «خاص» واسع، تعرف كنائس الدولة المعترف بها بالأديان «العامة» فيما تعتبر الأديان الأخرى أدياناً «خاصة»، ونظراً لأن المفهوم الليبرالي ينزع إلى الدمج بين الحكومي والعام والسياسي والخلط بينها، يعتبر سحب اعتراف الدولة بالدين ويوصف كعملية متزامنة من الخصخصة واللاتسييس، فالدين، بالمفهوم الليبرالي، هو شأن خاص ولابد من أن يظل كذلك، والخوف الليبرالي من تسييس الدين هو، في الوقت عينه، الخوف من مؤسسة قد تهدد حرية المعتقد الفردية، والخوف من دين أخلاقي معمّم قد يدخل مفاهيم خارجية للعدالة، والمصلحة العامة، والصالح العام، والتضامن على المداولات «الحيادية» للنطاق العام الليبرالي.

ويتجلّى التنافر في المفهمة الليبرالية على الفور من خلال التباين المتناقض بين الدين غير المسيِّس والمخصخص إلى حد كبير لكنيسة إنكلترا المعترف بها (أي كنيسة قومية رسمية تقبل بالمبادئ الأرسطوسية) والموقف السياسي والعام للجماعات الدينية غير الملتزمة، «المؤيدة للمساواة»، المستقلة والحرّة، أو لأي ديانة غير معترف بها على استعداد للدخول في صدام مع دولة ظالمة آثمة، والأكثر تناقضاً من منظور سياسي ليبرالي القول المتبصّر لتوكفيل، الدقيق إلى حد كبير على الأقل بالنسبة إلى عصره: إن «الدين في أميركا لا يشارك مباشرة في حكم المجتمع، ولكن لا بد من أن يعتبر أولى المؤسسات السياسية الأميركية».

ويكتسب اليوم المبرر المنطقي الليبرالي لسحب اعتراف الدولة بالكنيسة صفته الشرعية والمقبولة التي طالما تمتع بها، وقد برزت الضغوط التاريخية للفصل بين الكنيسة والدولة انطلاقاً من الدينامية الثنائية للعقلنة الدينية الداخلية وانعتاق الدولة العلمانية من الدين.

وقد جاءت المطالبة المذهبية بـ «الحرية الدينية» من الدين نفسه، وكما أظهر جورج جيلينيك بصورة حاسمة، فقد أنشئ المبدأ الحديث لحقوق الإنسان المصونة مع الجماعات الدينية الراديكالية وتأسس للمرة الأولى دستورياً في مواثيق الحقوق للولايات الأميركية المختلفة، ومن غير هذه المعطيات المذهبية الدينية، قد يتوصل المرء إلى مبدأ «التسامح» الديني، ولكن ليس بالضرورة إلى مبدأ «الحرية» الدينية، وفي الواقع، وقبل التحوّل إلى المبدأ الليبرالي التنويري لـ «حرية الفكر» غالباً ما وجد الضغط من أجل إرساء التسامح أكثر مما لم يجد مصدره التاريخي في المصلحة العليا للدولة وفي مطالبة الدولة الحديثة بالتحرر من الدين.

لحظ البند المزدوج الذي يتضمن «اللا اعتراف» و«حرية الممارسة» في التعديل الأول للدستور الأميركي هذا المبرر التاريخي الثنائي لمبدأ الفصل، وظلت هذه الثنائية حتى اليوم مصدراً للمعارضة لأنها قد تؤدي، كما أوضح توماس روبنز، إلى تأويلات شديدة الاختلاف لمبدأ الفصل، فقراءة «انفصالية ضيقة» قائمة على مبادئ التعصب الراديكالي والتحرر أو «الحيادية» الليبرالية، لا ترفض رفضاً حاسماً أي تأييد حكومي بل كذلك أي تنظيم حكومي للدين، أما القراءة «الانفصالية الخيرية» خلاف ذلك، القائمة على مبدأ التقليد التاريخي و«النية الأصلية»، أو على الحجة الوظيفية لوظائف الدين المجتمعة الإيجابية، فترفض التنظيم الحكومي ولكنها تطالب بتأييد حكومي عام للدين. وعلى نقيض ذلك، تؤيد القراءة «العلمانوية»، المشككة بالوظائف السلبية للدين، تنظيماً حكومياً للدين مع إنكارها لأي تأييد حكومي له، وأخيراً، وحتى عندما يقبل التأويل، المغالي في طابعه الحكومي» بالفصل الرسمي، فهو ينسجم كذلك مع المبادئ القيصروبابوية في تفضيل التأييد الحكومي والسيطرة المطلقة للحكومة على الدين في آن.

وتتأتى حدود المفهوم الليبرالي من نزعة هذا المفهوم لتصوّر كل العلاقات السياسية، بما فيها الدينية، تصوّراً ضيقاً للغاية لجهة خطوط الفصل القانونية ـ الدستورية، غير أن مشكلة العلاقة بين الدين والسياسة لا يمكن أن تختزل ببساطة إلى مسألة الفصل الدستوري بين الكنيسة والدولة، وفيما تبرز ضرورة الاعتراف بالكنيسة والفصل لضمان تحرّر الدين من الدولة، وتحرر الدولة من الدين، وتحرّر المعتقد الفردي من الدولة والدين المنظم معاً، لا يستتبع ذلك ضرورة خصخصة الدين من أجل ضمان هذه الحريات، وفي هذا المقام، تبرز مجدداً ضرورة خصخصة الدين من أجل ضمان هذه الحريات، كما تبرز مجدداً ضرورة القيام بتمييز واضح بين المبدأ القانوني للفصل والتوجّه المعياري لليبرالي نحو الخصخصة، ولعلّ صحة مبدأ «الفصل» الليبرالي تجد أفضل تأكيد غير مباشر لها في كون الكنيسة الكاثوليكية قد وافقت على هذا المبدأ بعد أن رفضته بعناد لأنه غير متكافئ مع مبدأ «الكنيسة»، وفي الواقع، ونظراً لعدم التكافؤ هذا، كان لا بد للإقرار الكاثوليكي النهائي بشأن الشرعية الدينية لمبدأ حرية المعتقد الحديث، وهو مبدأ تراه العقيدة الكاثوليكية متجذّراً في «الكرامة المقدسة للكائن البشري»، من أن يترافق مع التخلّي عن هويتها كمؤسسة إلزامية، فالكنيسة الكاثوليكية في المجمع الفاتيكاني الثاني، وبتبنيها مبدأ «الحرية الدينية»، كفت رسمياً عن كونها «كنيسة» بالمعنى السوسيولوجي للكلمة، إلا أن هذه الكنيسة ترفض حتى الساعة القبول بالمبدأ الليبرالي المتّصل حول الخصخصة المطلقة للدين والأخلاق.

وإلى حدّ ما، يعتبر مبدأ الخصخصة الليبرالي مبدأ لا يرقى إليه الشك، فنظراً إلى أن المبدأ القانوني للفصل لا يقوم فقط على مبادئ المصلحة العليا للدولة أو على مبادئ التسامح الليبرالية بوصفها شروطاً ضرورية لنظام اجتماعي متمايز وتعدّدي حديث إنما على مبدأ حرية المعتقد الصرف، وهو أساس «حق الخصوصية» غير القابل للانتهاك ـ وبدونه لا وجود لدولة ديموقراطية حديثة ولا لمجتمع مدني حديث ـ يفترض «تعميم» الدين خصوصية الدين، ولا يمكن تسويغه إلا إذا تمتع حق الخصوصية وحرية المعتقد كذلك بحماية الدين الشرعية، وبعبارة أخرى، ومن المنظور المعياري للحداثة، لا يمكن للدين أن يدخل النطاق العام وأن يتخذ شكلاً عامّاً إلا إذا قبل بمبدأ الخصوصية غير القابل للانتهاك وبقدسية مبدأ حرية المعتقد.

بعد استيفاء هذا الشرط، يمكن لتعميم الدين بالتالي أن يتسوّغ في ثلاث حالات على الأقل:

أ ـ حين يدخل الدين النطاق العام لا لحماية حريته الدينية وحسب بل لحماية كل الحريات والحقوق الحديثة، ولا سيما حق قيام المجتمع المدني الديمقراطي ضد دولة سلطوية استبدادية، ولعلّ الدور الناشط للكنيسة الكاثوليكية في المسيرات الديمقراطية التي شهدتها كل من إسبانيا، وبولندا، والبرازيل، أفضل مثال لتوضيح هذه الحالة.

ب ـ حين يدخل الدين النطاق العام لمسألة الاستقلالية المشروعة المطلقة للنطاقات العلمانية وادعائها الانتظام وفقاً لمبادئ التمايز الوظيفي بغض النظر عن الاعتبارات المعنوية أو الأخلاقية الخارجية، والمثال على هذه الحالة الثانية يتجلّى في الرسائل الرعوية للأساقفة الأميركيين الكاثوليك الذين يشككون فيها بـ «أخلاقية» سباق التسلّح والسياسات الحكومية في مجال الأسلحة النووية، بالإضافة إلى «عدالة» النظام الاقتصادي الرأسمالي ونتائجه اللاإنسانية، هذا النظام الذي ينزع إلى إضفاء الطابع المطلق على حق الملكية الخاصة ويزعم أن قوانين سوق غير خاضعة للرقابة تقوم بتنظيمه ذاتياً.

ج ـ حين يدخل الدين النطاق العام لحماية الحياة الدنيوية التقليدية من تدخل الدولة الإداري أو القانوني، وخلال هذه العملية، يفسح المجال لإثارة قضايا المعايير وتكوّن الإرادة أمام التأمل الذاتي العام والجماعي للأخلاقيات الخطابية الحديثة، والأمثلة على هذه الحالة الثالثة تتجلّى في التعبئة العامة لما يعرف بالأغلبية الأخلاقية والموقف الكاثوليكي العام من قضية الإجهاض دفاعاً عن «حق الحياة».

في الحالة الأولى، يفيد الدين في تشكيل نظام سياسي واجتماعي ليبرالي، وفي الحالتين الثانية والثالثة، يفيد الدين في إظهار «حدود» النظام السياسي والاجتماعي الليبرالي ومساءلته ومعارضته، وفي أقل تقدير، قد يفيد تعميم الدين في التشكيك بالصحة التجريبية لمقولة خصخصة الدين الحديث، والأهم من ذلك أنه قد يرغم نظرية الخصخصة على التشكيك في أسسها المعيارية الخاصة ضمن النموذج الليبرالي للنطاق العام وضمن الفصل القانوني الصارم بين النطاقين الخاص والعام.

3 ـ الديانات المدنية العامة مقابل الجماعات الدينية الخاصة

يرتبط المفهوم الحديث لـ «الدين المدني» منذ بداياته في أعمال روسو حتى تطوّره على يد روبرت بلاّح ارتباطاً وثيقاً بتقليد الفضيلة الجمهورية الكلاسيكي وعدم ثقته بالتقليد السياسي لليبرالي الحديث. وفي نظرية بلاّح حول الدين الأميركي، يتحدّ هذا التقليد الجمهوري بالتقليد الكالفيني للجماعة السياسية والدينية الميثاقية وبالتقليد الوظيفي المعياري الدوركهايمي وتصوّره لفردية وظيفية أخلاقية في مواجهة فردية مختلفة وظيفياً ونفعية وأنانية.

متى تعلّق الأمر بالدين، يميّز التقليد الجمهوري الكلاسيكي بين أديان عامّة تؤدي وظيفة عبادة الجماعة السياسية من جهة، ومن جهة أخرى، عبادات محلية خاصة، وعبادات جماعية اتحادية، وديانات خلاصية خاصوية فردية، ويظهر التوتر على هذا المستوى بين خصوصية جماعة أخلاقية تدمج كل المواطنين داخل عبادة سياسية متساوية الامتداد مع الجماعة السياسية والولاءات المتنافسة لأشكال جماعية أكثر أهمية أو أكثر شمولية، وتعتبر أكثر الأديان المدنية الجمهورية إزعاجاً تلك العقائد الدينية الخلاصية التي تحرر الفرد من الولاء المطلق للجماعة السياسية، وتساعد على انعتاق الذات لاختيار سبل فردية، باطنية أو خارجية، نحو الخلاص أو الانضمام إلى أفراد آخرين من أجل تشكيل جماعات دينية أكثر قابلية للشمولية تتساوى على خصوصية الجماعة السياسية، سواءٌ كانت هذه الجماعة دولة ـ مدينة أو دولة ـ أمّة. وفي الواقع، تكمن مشكلة التقليد الجمهوري في كيفية تسييس الدين، وتسخير القوّة الاندماجية للدين من غير تعريضه لخطر الثيوقراطية التي من شأنها أن تلغي، إذا انتصرت، استقلالية النطاق السياسي، غير أن الأرسطوسية والمحاولات المشابهة لممارسة سلطة زمنية على المؤسسات الدينية، متى نجحت في مسعاها، سوف تؤدي إلى إضعاف الدين، فيصبح المجال مفتوحاً أمام الانتقادات النبوئية المناهضة للتقاليد بشأن الوثنية السياسية أو أمام انكفاء خلاصي[7] مغالٍ في خصوصيته.

ويعتبر تحليل روسو حول «الدين المدني» خير مثال على كل هذه المعضلات، ويعترف روسو أولاً بأن الانصهار القديم غير المتمايز بين «آلهة» الدولة و«شرائعها» قد تقوّض بسبب التقديم المسيحي «لملكوت العالم الآخر» ولم يعد بالإمكان إعادة بنائه، وبأن البنية السياسية الازدواجية للمسيحية القروسطية التي حلّت محل النظام السياسي في العصور القديمة لم تجلب فقط «أعنف أشكال الاستبداد»، بل كذلك» سلطة مزدوجة»، ومبدأ سيادة ثنائية أسفر عن «نزاع أبدي حول السلطة القانونية جعل أي نظام حكم صالح مستحيلاً في الدول المسيحية»، ويستهل روسو، في معرض صياغته اقتراحَه الخاص من أجل حكم حديث، بمقدمة منطقية مفادها أن «ما من دولة قامت لم يكن أساسها الدين». ولكنه يقرر أن لا شكل من أشكال الدين الثلاثة القائمة يستوفي الشروط من أجل «حكم صالح» لأن «دين الكاهن، أي الكاثوليكية» غير نافع سياسياً وشرير.

فداخلياً، «يمنح هذا الدين للبشر شريعتين، وزعيمين،.. ويتطلّب منهم واجبات متناقضة، ويحول دون كونهم رجالاً أتقياء ومواطنين في آن». وخارجياً، تتجاوز المؤسسات الكنسية المتعدية الجنسية الحدود القومية والمحلية، والسيادة المعيارية للدولة ـ الأمة الحديثة، وبالتالي، لا تستطيع أن تنتج رعاياً مخلصين. وخلافاً لذلك، فـ “دين المواطن” من شأنه من غير شك أن ينتج رعايا مخلصين عبر تقديس الدولة والأمة، ولكن هذا الدين “هو شرٌّ كذلك لأنه يقوم على الخطأ والزيف”، ويؤدي إلى شوفينية قومية غير متسامحة وغلو دموي في الوطنية، وأخيراً، يعتبر “دين الإنسان” ديناً “مقدساً وسامياً” لأنه يحول كل الكائنات البشرية إلى “إخوة”، ولكنه لا يجدي نفعاً سياسياً لأنه لا يضيف، نظراً “لعدم ارتباطه بالجسم السياسي”، أي شيء إلى شرعة القوانين أو إلى “الأواصر الكبرى للمجتمعات الخاصة”، وعلاوة على ذلك، يقوّض هذا الدين الفضيلة الجمهورية مستبدلاً  “في قلوب المواطنين” تعلّقهم بالدولة باهتماماتهم الدنيوية الخاصة أو ما يتجاوزها. وفي نهاية المطاف، يحلّ روسو هذه المعضلة بتأكيده تأكيداً متزامناً ومتناقضاً على الحق الحديث في الحرية الدينية وحرية الرأي اللتين لا يحق لأي حاكم أن يختصرهما أو يسيطر عليهما، وعلى الحاجة إلى “إعلان إيمان مدني صرف يقرر الحاكم مواده، لا بالتحديد كعقائد دينية، بل كمشاعر مجتمعية يستحيل من غيرها أن يكون المرء مواطناً صالحاً أو من الرعايا المخلصين”.

إن محاولة دوركهايم لحل المشكلة الهوبزية ومعضلات روسو السياسية، من خلال اقتراح نظرية سوسيولوجية للاندماج المجتمعي المعياري المبني على أخلاقية علمانية علمية قد تصلح ديناً مدنياً للمجتمعات الحديثة، لم تفعل سوى إعادة إنتاج التوترات القديمة التي لم تجد لها حلاً بلغة سوسيولوجية جديدة، أما نظرية روبرت بلا حول الدين المدني الأميركي فتتميز بأنها تستند إلى أسس تجريبية، نظراً لأنها تنطلق من مقدمة منطقية مفادها أن السياسة الأميركية تاريخياً تبدو كأنها تشتمل على ما يشبه الدين المدني، غير أن المرء، وإن قبل بالمقدمة التي تعتبر أن السياسة الأميركية كانت مندمجة في وقت من الأوقات داخل دين مدني مؤلف من تركيبة خاصة تقوم على المبادئ التوراتية/ الطهرانية، والجمهورية/ التنويرية، والليبرالية/ النفعية، والدينية/ الأخلاقية، فقد أصبح بدهياً أصلاً في المدة التي صاغ خلالها بلا نظريته أن أي شيء تبقى من هذا الدين المدني أصبح غير ذي صلة على نحو متزايد، وسرعان ما أقرّ بلا نفسه بأن «الميثاق» الوطني قد «انحلّ» وأن أي تذمر عادي لن يعيد الميثاق القديم مجدداً، وفضلاً عن ذلك، فالمبادئ الثلاثة التي تشكل معاً الدين المدني الأميركي، والتي لا تختلف في بعض جوانبها عن الأديان الثلاثة لدى روسو، تجسّد مجدداً المعضلات نفسها، هل تستطيع التقاليد الجمهورية والتوراتية والفردانية الحديثة أن تتحد من غير أن يقوّض أحدها الآخر؟ هل يستطيع الدين المدني الأميركي ألا يكون غير العبادة الوطنية للمصير الإمبريالي الواضح للأمة الأميركية أو عبادة أمة مؤلفة من أفراد يسعون وراء أشكالهم الدينية النفعية الخاصة؟ إن كليهما من شأنه تقويض الفضيلة الجمهورية، وإن نظاماً جمهورياً أكثر التزاماً لسوف ينفي الدين إلى نطاق خاص ويسعى وراء دين السياسة العلماني.

ما دام مفهوم الدين المدني يتكوّن إما سياسياً على مستوى الدولة كقوّة تدمج معيارياً الجماعة السياسية، أو اجتماعياً على المستوى المجتمعي كقوّة تدمج معيارياً الجماعة المجتمعية، فإن مثل هذا الدين المدني لن يعاود الظهور، أغلب الظنّ، في المجمتعات الحديثة، وعلاوة على ذلك، وإذا وجد بالفعل شيء شبيه بدين مدني ومتى وجد، فسوف يكون أغلب الظن تكييفاً لتقليد حي مع الظروف الحديثة، وفي مطلق الأحوال، فإن افتراض وجود مثل هذا الدين المدني على الأساس الوظيفي بأن المجتمعات الحديثة «تحتاج» إلى مثل هذا الدين المدني غير قائم نظرياً وغير مرغوب فيه معيارياً، وما يحتاج إلى الدراسة هو الأساليب المختلفة التي مكن بوساطتها للأديان القديمة والجديدة، التقليدية والحديثة، أن تضطلع بأدوار عامة بناءة أو هدامة وظيفياً في النطاق العام للمجتمع المدني. وبالتالي، لا بد من إعادة صياغة مفهوم «الدين المدني» ونقله من مستوى الجماعة الحاكمة أو المجتمعية إلى مستوى المجتمع المدني.

ويتسنى للمرء، على خطى ألفرد ستيبان، مفهمة «السياسة الحديثة» على أساس أنها تتألف من ثلاثة ميادين متمايزة: الدولة، والمجتمع السياسي، والمجتمع المدني. وبالاعتماد على المثال “الخطابي” لـ “الفضاء العام”، يتسنى للمرء فهم “النطاق العام” على أنه بعد مكوِّن لكل من ميادين السياسة الثلاثة، ومن الناحية المدبئية، يمكن للدين أن يتحدد مكانياً، إذا جاز التعبير، في الفضاءات العامة الثلاثة للسياسة، فقد تبرز أديان «عامة» على مستوى الدولة، فتشكّل «الكنيسة» مثالاً نموذجياً لها، وقد تبرز أديان «عامة» على مستوى المجتمع السياسي، كما في الحالات التي يتعبأ فيها الدين سياسياً ضد حركات علمانية أو دينية أخرى، أو يتأسس كحزب سياسي يتنافس مع أحزاب علمانية أو دينية أخرى، وكل الحركات الكاثوليكية المناهضة للثورة منذ عصر الثورة الفرنسية حتى الحرب الأهلية الإسبانية التي وصفها دايفد مارتن وصفاً ملائماً كـ «عضوانية استجابية» والتعبئة السياسية للأقليات الدينية المستجيبة للأنواع المختلفة من صراع الثقافات[8] أو المناهضة لها، سواءٌ أتت من الدولة أم من حركات أو أحزاب دينية أو علمانية أخرى، والأنساق البنيوية «للدعائمية» الدينية ـ السياسية، كتلك المتطورة على نحو مميز في بلجيكا أو في هولندا، وتعبئة الكنيسة العلمانيين من خلال «التحرك الكاثوليكي» لحماية مصالح الكنيسة وامتيازاتها أو تعزيزها، ونظام الأحزاب المسيحية ـ الديمقراطية الذي تبلور بعد الحرب العالمية الثانية في الدولة الكاثوليكية، وإلى درجة أقل في الدول اللوثرية، والتعبئة الانتخابية الأخيرة لليمين المسيحي الجديد[9]، هذه الحالات كلها يمكن أن ينظر إليها باعتبارها أنواعاً مختلفة من الدين «العام» الموجودة على مستوى المجتمع السياسي.

تقوم إحدى المقولات الأساسية في هذه الدراسة على أن هذه الحقبة التاريخية، «عصر» العضوانية الاستجابية، والحرب العالمية/ الدينية، والحرب الثقافية والسياسية المناصرة/ المناهضة للإكليروس، والتحرك الكاثوليكي، والدعمائية الدينية، والديمقراطية المسيحية قد انتهت على الأقل في أوروبا الغربية، لقد كانت العضوانية الاستجابية بمنزلة رد من الكنيسة على الثورة الفرنسية وعلى الثورات الليبرالية في القرن التاسع عشر كذلك، بينما كان كل من التحرّك الكاثوليكي والديمقراطية المسيحية بمنزلة رد من الكنيسة على نشأة الأحزاب الجماهيرية المتطرفة في زمنيتها وعلمانيتها، لا سيما الاشتراكية مع بداية القرن العشرين، وكان هذان الموقفان دفاعيين أمام ما اعتبر عن حق بيئة عدائية، حديثة، وعلمانية. ولئن صارت الكنيسة اليوم لا تسعى للانخراط مجدداً في الدولة عبر تجييش الناس من أجل استعادة سيطرتها على المجتمع، فذلك يعزى إلى كون الكنيسة لم تعد تشعر بتهديد دولة علمانية عدائية أو حركات اجتماعية عدائية. ولعل اختفاء المناهضة للإكليروس من الحياة السياسية اليومية في الدول الكاثوليكية أبلغ دليل على هذا التحول التاريخي.

لقد حصلت دينامية تعزيزية متبادلة للاعتراف المتبادل والتقارب بين الدين والحداثة، أحدثت تفاهماً بين المراحل النزاعية التي استهلها النقد التنويري للدين. فمن جهة، أدى الاعتراف النقدي بالجدلية التنويرية والمحدودية الذاتية ما بعد الحديثة التي أحاطت بالمشروع العقلاني للخلاص الزمني إلى إعادة اكتشاف المطالب الشرعية للدين وإلى الاعتراف بالدور الإيجابي للكنيسة الكاثوليكية في وضع حدود للنزاعات الاستبدادية التي تتجلى في الدولة الحديثة سواء ف شكلها البولندي الشيوعي أو في شكلها المنادي بـ «الأمن القومي» في أميركا اللاتينية.

ومن جهة أخرى، فتجديد الكنيسة الكاثوليكية، أي تحول الكنيسة نحو العالم الباطني، وإعادة التقويم الديني للواقع العلماني، والتزام الكنيسة النبوئي بمبادئ الحرية والعدالة والتضامن في النظام الاجتماعي والسياسي ألغت تحديداً ضرورة جوانب النقد التنويري للدين التي كانت لا تزال ذات شأن منذ عهد قريب في دول مثل إسبانيا أو البرازيل، والأهم من ذلك أن الكنيسة الكاثوليكية قد تخلّت إلى حد كبير عن هويتها الذاتية بوصفها كنيسة، أي بوصفها جماعة دينية إلزامية، منظمة محلياً، ومتساوية الامتداد مع الجماعة السياسية أو الدولة، وأسفر هذا التغيير في الهوية الذاتية للكنيسة، بتحفيز من العلمانية المطردة لدولة حديثة لم تعد بحاجة إلى الاعتراف الشرعي للكنيسة، عن تغيير جذري في موقع الكنيسة الكاثوليكية وتوجهاتها من كنيسة متمركزة ومتركّزة في الدولة إلى كنيسة متمركزة في المجتمع المدني. لقد أتاح هذا «الإنكار» للكاثوليكية، هذا التغيير في الهوية الذاتية، للكنيسة الكاثوليكية أن تضطلع بدور ناشط في المسيرات الديمقراطية في إسبانيا، وبولندا، والبرازيل، والفيلبين.

وتمثّل أهم تطوّر انبثق من المراحل الانتقالية الأخيرة نحو الديمقراطية التي شهدتها الدول الكاثوليكية مؤخراً في كون الكنيسة الكاثوليكية، وعلى الرغم من وجودها في موقع أغلبية مصحوبة بهيبة ونفوذ لا مثيل لهما في المجتمع المدني، لم تقبل في كل مكان فقط بالفصل الدستوري بين الكنيسة والدولة وبالمبدأ الدستوري للحرية الدينية وحسب بل تخلت كذلك عن محاولاتها التقليدية لإنشاء أحزاب كاثوليكية رسمية أو رعايتها، الأمر الذي من شأنه الدفاع عن امتيازات الكنيسة ومزاعمها وتعزيزها سياسياً، ويبدو أن الكنيسة لم تقبل سحب اعتراف الدولة بها وحسب بل كذلك الانسحاب من المجتمع السياسي في حد ذاته. غير أن ذلك لا يعني أن الكاثوليكية أصبحت بالضرورة مخصصة أو أن الكنيسة ما عادت تؤدي أي دور عام، بل يعني فقط أن الموقع العام للكنيسة ليس الدولة أو المجتمع السياسي بعد اليوم، بل بالأحرى، المجتمع المدني.

4 ـ “المنزل” مقابل “العمل”: النطاق النسوي الخاص للدين والأخلاق مقابل النطاق الذكوري العام للعمل والشرعية

وفي نهاية المطاف، يمكن للمرء كذلك أن يطبّق على المجال الديني التمييز الذي تثيره الناقدات النسويات وبعض أنماط التحليل الاقتصادي بين النطاق العام لـ «العمل» والنطاق المنزلي الخاص.

ليس «المنزل» نقيض «العمل» بالطبع من الناحية الدلالية بل «الترفيه». إلا أن هذا التمييز يصف العملية التاريخية للفصل بين مكان العمل والمنزل، كما أنه يؤدي وظيفة نقدية في جذب الانتباه إلى عملية مزدوجة مكوّنة للحداثة، ويبين هذا التمييز، في المقام الأول، أن نطاق العمل المأجور وحده في ظل الظروف الحديثة لإنتاج السلع، يحظى بالاعتراف «كعمل»، وبالتالي فهو يستبعد في الاعتبار والمكافأة (سلطة، منصب، ثروة) نطاق التناسل البشري والاجتماعي كلياً، بدءاً من «العمل» الإنجابي إلى تربية الأطفال وصولاً إلى المجموعة الكاملة من الأنشطة المنزلية المرتبطة بإنتاج اليد العاملة، وكلها أنشطة يحتل فيها إجهاد المرأة وعملها موقعاً بارزاً. وبالإضافة إلى ذلك، يشير هذا التمييز إلى أن نطاق الترفيه نفسه في ظل الظروف الرأسمالية الحديثة، قد تسلَّع وتحوَّل إلى النطاق المستقلّ لـ «الثقافة الجماهيرية» التصنيعية، إلى نطاق إنتاج السلع الثقافية وتوزيعها واستهلاكها.

لدى تطبيق هذا التمييز بين العمل «العام» والمنزل «الخاص» على المجال الديني، يبرز على الفور الموقع الملتبس للدين في العالم الحديث، فمن جهة، بوسع المرء أن يجزم بأن الدين ينتمي إلى نطاق الثقافة، فتاريخياً، كان الدين، كما أثبتت التحليلات الأنثروبولوجية والثقافية التاريخية والحضارية على حد سواء، «نواة» الثقافة، وقد أظهر بعض أفضل التحليلات السوسيولوجية للدين أن الدين في العالم الحديث، مثل سائر الثقافات، يخضع كذلك للقوى التسليعية، وقد كتب بيتر برغز أن «الوضع التعدّدي هو، قبل كل شيء، وضع سوق، وفي هذه السوق، تتحول المؤسسات الدينية إلى وكالات تسويقية وتصبح التقاليد الدينية سلعاً استهلاكية». وفي الواقع، ربما كانت دائرة “الخلاص” في الولايات المتحدة الأميركية أحد القطاعات الأكثر تنوعاً وربحاً في صناعة الثقافة الجماهيرية برمتها، غير أنها تدلّ على الموقع الملتبس للدين في العالم الحديث بحيث إن نظريات الثقافة الحديثة وحقل سوسيولوجيا الثقافة الحديث العهد تنزع إلى إغفال الدين كلياً، ومن المفهوم، على الأقل ضمنياً، أن الثقافة تعني في هذا المجال حصراً الثقافة “العلمانية”.

ولعلّ النقد النسوي للفصل بين العالم الذكوري العام والعالم النسائي الخاص خير مثال على عمق دلالة الخصخصة الحديثة للدين، فالقول إن: «الدين شأن خاص» لا يصف سيرورة تاريخية من التمايز المؤسسي فحسب، بل يحدد بالفعل الموقع الصحيح للدين في الحياة الاجتماعية، فالموقع الذي تحدده الحداثة للدين هو «المنزل»، لا بمعنى الفضاء الملموس للمنزل، بل بمعنى «المكان الثابت لعواطف المرء»، فالمنزل هو نطاق الحب، والتعبير، والحميمية، والذاتية، والعاطفية، والانفعالات، واللامنطقية، والفضيلة، والروحانية، والدين. وعلاوةً على ذلك، فهذا النطاق المنزلي هو النطاق الأنثوي بامتياز، ولقد أحسنت آن دوغلاس وصف السيرورة التاريخية لخصخصة الدين التي حصلت في النصف الأول من القرن التاسع عشر في أميركا بأنها عملية «تأنيثية».

وكما أشارت الناقدات النسويات وفلاسفة الأخلاق، يتسم تأنيث الدين والأخلاق بآثاره التفقيرية على المملكتين الخاصة والعامة، فالدين، على غرار الفضيلة الأخلاقية، أصبح مشبعاً بالعاطفة والذاتية والخصوصية بحيث لم يفقد سلطته العامة وحسب بل كذلك أهميته العامة الذاتية البينية.

أصبح الدين، وكذلك الأخلاق، بعد إعفائهما من العقلانية والمسؤولية الخطابية العامة، مجرد مسألة ذوق فردي خاص. وبينما كانت المجتمعات السابقة للحداثة تنزع إلى الإكراه على التحليلات العامة للدين، بدءاً بـ «الأفعال الإيمانية»[10] الجماعية في الساحات العامة، إلى التكفير العام والجماعي، تنزع المجتمعات الحديثة، خلافاً لذلك، إلى إدانة أي استعراض عام للدين، وفي الواقع، تبلغ خصخصة الدين مبلغاً يصبح فيه استعراض المرء لدينه علناً أمام الآخرين عملاً «غير جدير بالاحترام» وينمّ على «ذوق سيئ»، فعلى غرار إطلاق العنان لاستعراض أعضاء الجسد والانفعالات الحميمية، لا تعتبر الاعترافات الدينية خارج النطاق الديني الضيق انتهاكاً لخصوصية الفرد فحسب بل كذلك تعدّياً على حق الآخرين بالخصوصية.

وكانت النتائج بالنسبة إلى النطاق العام لـ «العمل» بارزة على حد سواء، فقد تحوّلت السياسة والاقتصاد إلى نطاقين «لا أخلاقيين» بالمعنى الحرفي للكلمة، ومملكتين لا بد من إقصاء الاعتبارات الأخلاقية أو الدينية منهما، وخلال هذه العملية، أصبح «النطاق العام» ومبدأ «حياديته» يفرضان نوعاً من «القيود التخاطبية» التي تنزع لتأدية وظيفة «القانون الإسكاتي»، مستبعدة من التداول العام المسائل التي تعتبر «خاصة» من الاقتصاد الخاص إلى النطاق المنزلي الخاص إلى التكوين الخاص للمعايير، غير أن بين حبيب تشير إلى أن «مثال الحوار العام القائم على قيود تخاطبية ليس حيادياً، لأنه يفترض نظرية معرفية أخلاقية وسياسية، وهذا بدوره يسوّغ الفصل الضمني بين العام والخاص بحيث يؤدي إلى إسكات اهتمامات بعض الفئات المستبعدة. وفضلاً عن ذلك، ينزع مبدأ “الحيادية الحوارية” إلى إغفال البعد “الجدلي” للسياسة ويخفف من الإقرار بأن كل المعارك المناهضة للقمع في العالم الحديث، تبدأ بإعادة تحديد ما كان يعتبر في السابق مسائل “خاصة”، غير عامة، وغير سياسية، كالهموم العامة، وكقضايا العدالة، وكمواقع السلطة التي تحتاج إلى “شرعية خطابية”.

ولا تفلح بين حبيب، إذ تدرج التجربة العملية للحركات النسائية والاهتمامات النظرية النسوية بصورة انعكاسية في نظريتها السياسية، في إبراز حدود المثال الليبرالي «للمساحة العامة» وحسب بل المدى كله الذي ورث فيه المثال الخطابي لهابرماس، وبصورة غير ضرورية، بعض «التمييزات المشكوك بأمرها من العقد الاجتماعي الليبرالي «التي تبدو متناقضة مع قراءة أكثر إجرائية لهذه النظرية. وفي حال الليبرالية، أدت الحاجة الملحلة للحفاظ على تمايز واضح بين نطاق الشرعية ونطاق الأخلاقية، سعياً لحماية كل الحريات الفردية الحديثة وحق الخصوصية تحديداً، إلى تصور قانوني مفرط حول الهوّة بين الخاص والعام.

وتجادل بين حبيب بأن الاهتمام المسوّغ عينه يقود هابرماس إلى إرساء حدود مغالية في صرامتها بين قضايا «العدالة العامة» و«التصوّرات الخاصة حول الحياة الصالحة»، بين «المصالح العامة» و«الحاجات الخاصة»، بين «المسائل العامة للمعايير والمسائل الخاصة للقيم». ولا تكمن المسألة بالطبع في إلغاء هذه الحدود الضرورية لحماية الحريات الحديثة وتشكيل بنية مجتمعات متمايزة حديثة، بل في الحاجة للاعتراف بأن الحدود نفسها لا بد من أن تكون مفتوحة، بل هي بحاجة لذلك، أمام المعارضة، وإعادة التحديد، وإعادة التفاوض، والشرعية الخطابية.

واستناداً إلى بين حبيب، «إذا كان موضوع الحديث مفتوحاً بصورة جذرية، وإذا كان المتحاورون قادرين على إثارة كل القضايا في ظل التمحيص النقدي والمساءلة الذاتية، فعندئذ لا مجال لتحديد طبيعة المسائل الخاضعة للنقاش مسبقاً بوصفها مسائل عدالة أو مسائل الحياة الصالحة نفسها قبل مباشرة الحديث. ولا بد من أن يشمل ذلك أنواع الحدود كلها: الخاصة والعامة، الأخلاقية والقانونية، العدالة والحياة الصالحة، الدينية والزمنية. كما لا بد من أن تشمل الحدود بين النطاقات النسقية المتمايزة وظيفياً كلها: الدولة، والاقتصاد، والمجتمع المدني، والأسرة، والدين، وهلمّ جرّا.

إن ما أدعوه «تعميم» الدين الحديث هو العملية التي يتخلّى بوساطتها الدين عن موقعه المحدد في النطاق الخاص ويدخل النطاق العام غير المتمايز للمجتمع المدني من أجل المشاركة العملية في المسيرة المتواصلة للمعارضة والشرعية الخطابية وإعادة رسم الحدود، وفي الثمانينيات، كان الدين في كل أنحاء العالم يتصدّر الأشكال المتنوعة للتحرّك الجماعي العام، الانطباقية والخطابية على حدّ سواء، وغالباً على جهتي كل مسألة متنازع عليها تشكل بدورها فاعل المعارضة والسجال وموضوعهما، وبالتالي، لا يمكن أن تتعلّق المسألة بكون الدين جوهرياً مفيداً أم سيئاً للسياسة، بناءً أو هداماً وظيفياً بالنسبة إلى النظام الاجتماعي، تقدمياً أو رجعياً على الصعيد التاريخي، وسوف يحتاج الباحثون الاجتماعيون، بوصفهم ممثلين عمليين ومنظرين منخرطين كذلك في اقتراح «التمييزات» ورسم الحدود، إلى تطوير مقاييس تحليلية ومعيارية للتمييز بين الأشكال المتنوعة من الدين العام ونتائجها السوسيوتارخية المحتملة، إلا أن الباحثين الاجتماعيين يحتاجون، فوق كل شيء، إلى الإقرار بأن الدين ما زال يتمتع، وسوف يظل يتمتع أغلب الظنّ، ببعد عام بالرغم من كل القوى البنيوية، والضغوط الشرعية، والعديد من الأسباب المقبولة التي تدفع بالدين في العالم العلماني الحديث إلى داخل النطاق الخاص.

ونظريات الحداثة، ونظريات السياسة الحديثة، ونظريات التحرّك الجماعي التي تتجاهل هذا البعد العام للدين الحديث تجاهلاً منهجياً هي بالضرورة نظريات غير مكتملة.

-------------------------------

[1]*ـ هذا النص مستلّ من كتاب المفكِّر الأميركي اللاتيني وعالم الأنثروبولوجيا خوسيه كازانوفا "الأديان العامة في العالم الحديث".

ـ ترجمة قسم اللغات الحية في جامعة البلمند ـ المنظمة العربية للترجمة ـ بيروت 2005.

ـ  أبو حامد محمد بن محمد الغزالي، إحياء علوم الدين، 15 ج في 4 (القاهرة: دار الشعب، [د.ت.]ن ج5: كتاب الحلال والحرام، الباب السادس، ص896 (المترجم).

[2] كتاب The City of God – Civitas Dei للقديس أغسطينوس (354-430 ميلادية) (المترجم).

[3] The First Great Awakeing وهي موجة من إحياء الورع الديني اجتاحت المستوطنات الأميركية في الفترة الممتدة بين ثلاثينيات وسبعينيات القرن الثامن عشر لماجهة عصر التنوير، وترى أن التدين الحقيقي يعني تفضيل القلب والشعور على العقل والتفكير (المترجم).

[4] The Second Great Awakeing وهو تعبير اعتمده الزعماء الإنجيليون لوصف إحياء الورع الإنجيلي الذي عاشوه في عشيرينيات القرن التاسع عشر، ويشير إلى ظاهرة دينية تجاوزت الحدود المذهبية والطائفية لاستعادة الموجة الروحانية التي شهدها القرن الثامن عشر في الولايات المتحدة (المترجم).

[5] The Welsh Decision وهو قرار أصدرته المحكمة العليا الأميركية في قضية اليوت أشتون ولش سمح بإعفاء ولش من الخدمة العسكرية بالرغم من إعلانه أن مناهضته للحرب لا تستند إلى معتقداته الدينية الخاصة، وأهمية هذا القرار في اتساع أنواع المعتقدات الإيمانية التي يتسنى اللجوء إليها للحصول على إعفاء من الخدمة العسكرية (المترجم).

[6] Roma dixit (وردت في النص الأصلي باللاتينية) (المترجم).

[7] خلاصي ترجمة لكلمة Soteriological نسبة إلى اللاهوت الخلاصي، أي اللاهوت الذي يبحث في الخلاص، خاصة عن طريق المسيح (المترجم).

[8] KulturKampf (وردت في النص الأصلي بالألمانية) (المترجم).

[9] The New Christian Right يدل هذا التعبير على عودة المحافظين البروتستانت إلى نشاط السياسي المنظم في سبعينيات القرن العشرين دفاعاً عن القيم الاجتماعية والثقافية التقليدية (المترجم).

[10] Actos de Fe (وردت في النص الأصلي بالإسبانية) (المترجم).