البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

أسلمة حقوق الإنسان مبدأ الاستخلاف والتكريم كبديل من التشيّؤ والاستلاب

الباحث :  محمد طي
اسم المجلة :  الاستغراب
العدد :  22
السنة :  شتاء 2021م / 1442هـ
تاريخ إضافة البحث :  April / 14 / 2021
عدد زيارات البحث :  119
تحميل  ( 868.314 KB )
يقتضي البحث في أسلمة العلوم الإنسانيّة، وقبل كلّ شيء، تحديد ما حمله الإسلام للبشريّة لتأتي محاولة الأسلمة في إطارها الصحيح، ثم نعمد إلى البحث في حقوق الإنسان في الإسلام. ومن أجل هذا الأمر نبدأ من منطلق مسلّم به من قبل المؤمنين بأيٍّ من الأديان السماويّة.
أمّا المنطلق الذي يأخذ به الباحث لتسييل أطروحته هو أنّ الأديان السماويّة نزلت لتنقذ البشريّة من الضلال والظلم والتخلّف، وبهذا نرى أنّها أحدثت ثورة على جميع الصعد المتعلّقة بالإنسان، سواء أكان ذلك في جانبها الروحيّ أم في جانبها المادّيّ.

«المحرر»

مصطلح «حقوق الإنسان» هو مصطلح حديث، لكنّ بعض مضامينه قديمة، فالإسلام يعترف بكيان الإنسان، ويؤكّد تكريم الله له، كما يؤكّد خلافته لله تعالى في عمارة الأرض. وإذا أردنا أن نتبيّن الحقوق التي خصّ الله تعالى الإنسان بها، فلا بدّ لنا من بيان أمرين:

أوّلًا: التحرّي عنها بأدواتنا المعرفيّة على قصورها.
ثانيًا: مقارنتها بالحقوق التي تفتّق عنها الذهن البشريّ وكرّست بأشكال قانونيّة.
على أن نبدأ بالموقف البشريّ ثمّ نتناول الموقف الدينيّ:
النظرة البشريّة لحقوق الإنسان (أو الحرّيّات الوضعيّة)
تعدّ «حقوق الإنسان» أهمّ إنجاز حقّقته البشريّة في المجال الحقوقيّ والسياسيّ في العصر الحديث. ولم تكن هذه الحقوق هبة من الحاكمين، بل أتت بعد سيول الدماء والعذاب والمعاناة، لتي تكبّدتها الشعوب على أيدي الملوك والأباطرة.

تتلخّص هذه الحرّيّات والحقوق بالحقّ بالحياة والحرّيّة والمساواة والأمن والاستقرار والعيش الكريم، فما هي تفاصيلها.
الحقّ بالحياة: حقّ سابق لكلّ حقّ؛ لأنّ كلّ الحقوق لا قيمة لها، بل لا فاعليّة لها إن لم يكن الحقّ بالحياة مضمونًا. إلّا أنّ هذا يطرح مشكلة الحقّ بالحياة للشخص الذي يحرم غيره من حياته ويهدّد المجتمع، فقد برز مؤخّرًا اتجاه يدافع حتّى عن حقّ كبار المجرمين بالحياة، ويتصدّى لعقوبة الإعدام. ويقوم اليوم أنصار هذا الاتجاه بحملات مستمرّة لإلغاء هذه العقوبة، متناسين أنّ كبار المجرمين، إذا بقوا على قيد الحياة، فيمكن أن يثيروا ردود أفعال من قبل أولياء ضحاياهم، كما أنّ التساهل في معاقبتهم قد يشجّع غيرهم على اقتفاء آثارهم. 

الحرّيّة: ألغي الرقيق في النصف الثاني من القرن التاسع عشر رسميًّا، واليوم يستمرّ الكفاح لإلغاء ممارسات تقرب بحقيقتها من الاستعباد كالسخرة والعمل الإكراهيّ... 

الأمن: ويقضي بفرض النظام العامّ، ومنع التعديّات وامتناع أجهزة السلطة عن تهديد المواطنين في حياتهم وأرزاقهم وحرّيّاتهم.
الاستقرار: بأن يكون للإنسان بلد ينتمي إليه ويحمل جنسيّته ويكون ملاذه ومستقرّه، ليمارس فيه حقوقه دون أن يكره على ذلك، فيمتلك حقّ تغيير الجنسيّة والانتماء إلى بلد آخر.

العيش الكريم: لا يكفي أن يستمرّ الإنسان على قيد الحياة بحد أدنى من الغذاء، بل لا بدّ من توفير الوسائل التي تسمح لـه بالتغذية وبالطبابة وباللباس والسكن، وبشيء من الفراغ ليشارك في الحياة الاجتماعيّة والسياسيّة.

أمّا الجردة التفصيليّة، كما حملتها الإعلانات ومن ثمّ مقدّمات الدساتير من حقوق وحرّيّات، فيمكن تقسيمها إلى خمس فئات: المساواة، الحقوق الشخصيّة، الحقّ بالحياة الخاصّة، الحرّيّة الفكريّة والسياسيّة، والحقوق الاقتصاديّة والاجتماعيّة، وسنضيف إليها بعض الحقوق إبان الحرب.
المساواة: وتقضي بمعاملة الجميع معاملة واحدة، وبإتاحة الحقوق نفسها لمن يكونون في وضع قانونيّ واحد، وقد شكّلت المساواة أحد شعاري الثورة الفرنسيّة، وعملت الأنظمة على تكريسها كل منها داخل بلاده، ولو من الناحية القانونيّة. والمعركة ما زالت قائمة في مطلق الأحوال.

كما تقضي المساواة بمنع التمييز على أساس العنصر، أو اللون، أو الدين، أو الانتماء السياسيّ، أو الأصل الوطنيّ، أو الوضع الاجتماعيّ أو الثروة... كلّ ذلك بعد ما عانت الإنسانيّة من التمييز العنصريّ المشرعن، والذي استمرّت مظاهره حتى الأمس القريب في الولايات المتحدة الأميركيّة وجنوب إفريقيا، والذي ما يزال يُمارس اليوم في الكيان الصهيونيّ.

الحقوق الشخصيّة: وتشمل مبدأ شرعيّة الجرائم والعقوبات، والضمانات القضائيّة، وحرّيّات الذهاب والإياب، وتكوين الأسرة.
شرعيّة الجرائم والعقوبات: وهي تمنع تجريم أيّ إنسان على أيّ فعل أو امتناع، ما لم يتمّ في ظلّ قانون سابق يجرمهما، فلا يسمح للحاكم الذي يريد الانتقام من خصومه أن يسنّ قوانين تعاقب على أعمال سابقة لوضع هذه القوانين موضع التنفيذ، كما أنّ هذا المبدأ يمنع من إنزال أيّ عقوبة لم تكن ملحوظة يوم ارتكاب هذا الفعل، وهكذا يكون الإنسان آمنًا على حياته وأمواله وحرّيّته، ما لم يرتكب ما يعدّه القانون جريمة، فيتعرض للعقوبة التي ينصّ عليها القانون نفسه.

الضمانات القضائيّة: تحصر هذه الضمانات التجريم والمعاقبة  بيد القاضي ِ النزيه والحياديّ الذي يتمتّع بالحصانة والذي يحفظ للمتهم حقّ الدفاع عن نفسه. إلّا أنّ الأصول الجزائيّة لا يمكن إلّا أن تمسّ الحقوق والحرّيّات، قبل أن يتأكّد القاضي من الوقائع لإصدار حكمه، فيقضي المدّعى عليه مدة 24 – 48 ساعة في النظارة لدى الضابطة، قبل أن يُحال إلى القاضي. ثم قد يحتجزه قاضي التحقيق حتى انتهاء التحقيق، وربما لا تكون نتيجة التحقيق حاسمة، فيستمرّ الاحتجاز حتى إنجاز المحاكمة، وقد تستمرّ المسألة سنوات قبل إثبات البراءة.
حرّيّة الذهاب والإياب: وهي تقضي بأن يتمتّع الإنسان بإمكانيّة الانتقال داخل بلده حيث يشاء، ليقوم بنشاطات مشروعة، دون أن يُمنع عليه المسير، كما يحقّ له اختيار المنزل حيث يشاء، ما لم يكن ممنوعًا بحكم قضائيّ، أو يكون من الموظّفين الملزمين بالإقامة في أماكن معيّنة، وكذلك حرّيّة مغادرة البلاد، إلّا أنّ هذه الحرّيّة الأخيرة تقتضي سماح سلطات البلاد التي يقصدها بدخوله إليها.

هذا بالإضافة إلى بعض القيود على التحرّك بالسيارات، أو على تحرّك بعض أصحاب الحرف والتجارات بتجارتهم

حرّيّة تكوين الأسرة: تكوين الأسرة من الحقوق الطبيعيّة، ولا يُحرم الناس عادة من هذه الحرّيّة، إلّا أنّ بعض الأنظمة قد تحرّم توالد بعض الجماعات، وربما تحُوْل الإمكانات المادّيّة دون تكوين العائلة؛ لذلك يقتضي مساعدة المقبلين على الزواج حتى يتمكّنوا من إنجاز مشروعهم، وهذا ما لا تلتزم به الأنظمة إلّا عند الحاجة الشديدة.

حرمة الحياة الخاصّة:
وهي تحمي الإنسان داخل منزله كما تحمي مراسلاته.
حرمة المنزل: بحيث لا يُسمح لقوى السلطة بدخوله، إلّا بعد تلبية شروط معيّنة، وهي في النهار أسهل منها في الليل، ما لم يكن مكانًا مفتوحًا للعموم.
حرمة المراسلات: لأنّها قد تحتوي على أسرار بين المرسل والمرسل إليه، فلا يجوز الاطلاع عليها، إلّا إذا كان يشكّ بأنّها تهيّئ لجريمة ما.
الحرّيّات الفكريّة والسياسيّة:
وتشمل: حرّيّة إبداء الرأي، الحرّيّات الدينيّة، حرّيّة التعليم، حرّيّة الصحافة، حرّيّة التجمع، حرّيّة الاجتماع.
حرّيّة إبداء الرأي: وهي تشمل تكوين الرأي، ومن ثم إبداؤه في كافة الشؤون، فإذا كان الرأي يمكن أن يخفى، فإنّ إبداءه يجعله معروفًا؛ لذلك ضمنت إعلانات حقوق الإنسان إمكانيّة هذا الإبداء دون إزعاج، ما لم يمسّ بالنظام العام والأخلاق.

الحرّيّة الإعلاميّة: التي تقضي بحرّيّة الصحافة ونشر المعلومات والتحليلات والآراء، على أن لا تحمل القدح والذم ولا التشهير ولا التشجيع على الإجرام، ولا تهدّد السلام الاجتماعيّ، وبهذا تقدّم للناس المادّة الأوّليّة، التي يبنون عليها آراءهم، ويحدّدون خياراتهم السياسيّة والاجتماعيّة.
حرّيّة التجمّـع: بإنشاء التنظيمات ذات الطابع السياسيّ والاجتماعيّ، كالأحزاب السياسيّة والجمعيّات والنوادي وما إليها، من أجل الدعوة إلى مبادئ سياسيّة أو عقديّة أو الدفاع عن مصالح مشتركة في وجه السلطة، وقد أصبحت الأنظمة السياسيّة اليوم، لا سيّما في الدول المتقدّمة، تقوم على الأحزاب، التي تشكّل أساس الممارسة الديمقراطيّة.

حرّيّة الاجتماع: وذلك من أجل التعبير عن المواقف، سواء أكانت احتجاجيّة أو تأييديّة، أو من أجل إظهار الفرحة أو الاستياء، فتُعقد الاجتماعات والمهرجانات، وقد يتمّ الاعتصام أو التظاهر، فلا تصطدم بالقوى العسكريّة والأمنيّة، بل على هذه حمايتها والمحافظة عليها.

 حرّيّة التعليم: وتضمن للأهل بأن يختاروا لأولادهم نوع التعليم الذي يرون، والمدرسة التي يختارونها. وتقضي تبعًا لذلك بحرّيّة إنشاء المدارس ووضع برامج التعليم، ضمن القوانين المنظّمة لذلك. على أنّ هذه الحرّيّة، كغيرها من الحرّيّات، تصبح لغوًا لدى المعوزين، وهو الأمر الذي دفع إلى إقرار مجّانيّة التعليم، فنشأت المدارس العموميّة التي تموّلها الدولة، إلى جانب المدارس الخاصّة التي تتقاضى الأجور، ثمّ عمدت الدولة إلى فرض التعليم، فأصبح إلزاميًّا في مرحلته الأساسيّة.

الحرّيّات الدينيّة
وتضمن أن يعتنق الإنسان أيّ دين يختاره، وأن ويعلن ذلك، سواء أكان عن طريق ممارسته للشعائر الدينيّة أم بالتعليم. كما تقضي بتمكين الإنسان من تغيير دينه أو الإلحاد. كل ذلك ما لم يهدّد وجود الجماعة أو استمرارها أو يهدّد أخلاقها أو النظام العامّ.

الحقوق ذات الطابع الاقتصاديّ والاجتماعيّ:
وتشمل الحقّ بالعمل والحقّ بالملكيّة وحرّيّة التجارة والصناعة إلى جانب الحقّ بالضمانات الاجتماعيّة:
الحقّ الملكيّة الخاصّة: وهو يمنع السلطة من الاعتداء على أملاك المواطنين ومصادرتها دون وجه حقّ، حتى إذا احتاجت إليها، فهي تحصل عليها مقابل تعويض، وعلى أن يكون ذلك من أجل المصلحة العامّة.

حرّيّة التجارة والصناعة: وهي تؤمّن للإنسان إمكانيّة أن يقوم بهذه الأصناف من النشاطات، وينشئ المؤسّسات التي يشاء، ضمن حدود القوانين والأنظمة، التي تمنع العمل فيما يشكل تهديدًا للنظام العامّ والأخلاق، كما تمنع الاحتكار والتعسّف باستعمال الحقّ.
حرّيّة العمل: وذلك ليؤمّن الإنسان معيشته، إلّا أنّ هذا لا يكفي، فهو قد لا يجد عملًا؛ لذلك نصّت التشريعات على الحقّ بالعمل. بحيث تصبح السلطة ملزمة بتأمين العمل لمن يطلبه، وقد شرعت بعضها ضرورة التأهيل المهنيّ، حتى يصبح الحصول على عمل أسهل، والعمل يقتضي الأجر؛ لذلك وضعت التشريعات في هذا الخصوص، حيث راحت تضمن حدًّا أدنى من الأجر، كما راحت تحدّد ساعات العمل التي تقابل هذا الأجر، وتفرض الإجازات، ليحقّق العامل راحته وحياته الإنسانيّة.

الحرّيّات النقابيّة: في مقابل قوّة أصحاب العمل وتفوّقهم المادّيّ، وتلافيًا لتحكّمهم بالطرف الآخر الأضعف، شُرّعت إلى جانب الضمانات القانونية للعمال، الحرّيّة النقابيّة، بحيث يتكتّل العمّال في مواجهة أصحاب العمل، فيحمون حقوقه. ويُسمح لهذه التكتّلات، كما للعمّال، بحقّ التوقّف عن العمل ـ الإضراب ـ وسيلة من وسائل الضغط للحصول على حقوقهم.

الضمانات الاجتماعيّة: حتى يوفّر للطبقات الدنيا الحدّ الأدنى من العيش الكريم، عمدت التشريعات المختلفة، إلى جانب تأمين الحدّ الأدنى من المعيشة، إلى تأمين الطبابة وحماية الأمومة والطفولة من العوز، وكذلك ضمان الشيخوخة والزمانة والعجز وفقدان وسائل العيش.

القانون الإنسانيّ  
هذا القانون يحمي الإنسان إبان الحروب، فيقضي بتقليص الآلام إلى الحدّ الأدنى، ويحمي غير المقاتلين، سواء أكانوا ممن عجزوا عن الاستمرار في حمل السلاح، أم من الأسرى والجرحى، في البحار أو في البر، ويحمي بشكل أخصّ المدنيّين، بأنفسهم أو بوسائل عيشهم. كما يحمي المؤسّسات الثقافيّة والتراثيّة والدينيّة والطبّيّة، وكذا منظّمات الدفاع المدنيّ، ووسائل الإعلام...

حقوق الإنسان في التطبيق
يزعم الغرب أنّه اعترف بهذه الحقوق وأنّه حصّنها بأن ضمّنها الدساتير، وجعل أمر تقييدها عائدًا لممثّلي الشعب دون السلطة التنفيذيّة؛ لأنّ السلطة التنفيذيّة هي التي تعتدي عادة على الحقوق. وبهذا هو ضمّن المبدأ في الدساتير، أمّا التفاصيل العمليّة، فهي أعمال تشريعيّة، أي من المستوى ما دون الدستوريّ.

وفي هذه العمليّة جعل الحقوق، ومن حيث لا يدري، تحت رحمة السلطة الحاكمة بمجموعها، وغالبًا تحت رحمة السلطة التنفيذيّة التي تستطيع، ضمن شروط معيّنة، أن تستصدر من البرلمان ما تشاء من قوانين، ومن بينها تفويضها بالتشريع بدلًا منه.

كما أنّ عمليّة التقنين التي جعلت الأمور أكثر وضوحًا، هبطت بهذه الحقوق من المستوى الفلسفيّ والإيمانيّ، إلى المستوى الوسائليّ الأدواتيّ، أي أصبحت نصًّا وضعيًّا، وأيّ نصّ لا بدّ أن يعتوره الغموض والخطأ أيًّا تكن خبرة واضعيه. من هنا فإنّ سيّئي النيّة يستخدمون الخبراء للبحث عن الثغرات، لينفُذوا منها، أو ليجترحوا التفسيرات التي تسمح لهم بالتهرّب.

وإلى كلّ ما تقدّم، اقتصر الاعتراف بحقوق الإنسان على الداخل في البلدان الاستعماريّة، ولم يُعترف بها للخارج، الذي تعرّض للاحتلال وللنهب، وتعرّض أهله للسخرة، وحتى للقتل.
وهكذا فقد عمدت الدول الليبراليّة، التي عدّت رائدة في مجال حقوق الإنسان، وخاصّة بريطانيا وفرنسا، إلى استعمار الأقطار الضعيفة، بعد أن شنّت الحروب على أهلها، وقيّدت أحيانًا حكامها بمعاهدات استغلّت فيها عدم خبرتهم، وراحت تستخدم خيراتهم ومواقعهم لتحقيق مآربها في توفير القوّة والوفرة للمتروبول ( الدولة المستعمرة).

وفي الوقت الذي تدّعي فيه توفير الحقوق والحرّيّات للفرد في الداخل، راحت تمارس استعباد الشعوب ونهبها في الخارج، فلو سُجن مواطن من مواطنيها أكثر من اللازم ولو بساعات تقوم الدنيا، أمّا إذا قُتل خمسة وأربعون ألفًا في الجزائر، كما حصل في مواجهة تظاهرة سنة 1945 مثلًا، تكون الضرورة قد ألجأت إلى ذلك.

وكذلك استخدم شعار رسالة الرجل الأبيض تجاه الشعوب البربريّة، التي يراد «تمدينها»، أو تحت الشعار، الذي تلا ذلك، وهو شعار نشر الديمقراطيّة، حيث أُجلي شعب فلسطين من أرضه مثلًا، واستُبدل بمهاجرين «ديمقراطيّين» يجيدون فنون القتل والترويع والعدوان، كما قسّمت كوريا إلى كوريّتين، وفيتنام إلى فيتنامين، ثمّ الشعار المطروح اليوم آخر صرعة: «محاربة الإرهابـ«، حيث احتلت أفغانستان والعراق وربما الحبل على الجرار.

وإذا عدنا إلى الداخل في البلدان «الرائدة»  في مجال حقوق الإنسان، فإنّنا نرى أنّ هذه الحقوق صوريّة في  الغالب، ذلك أنّ الفقراء لا يمكنهم أن يتمتّعوا منها، إلّا بالنزر اليسير، الذي لم يوفّر لهم شيئًا منها، إلّا بعد تدخّل الدولة، التي خافت على نظامها من التحدّي الشيوعيّ والفاشيّ وغيرهما.

واليوم، إذا حاولنا أن نستقصي من يتمتّع بحرّيّة إبداء الرأي مثلًا، فهل يستطيع أحد أن يُقنعنا أنّ الناس جميعًا يتمتّعون، وعلى قدم المساواة، بهذه الحرّيّة، التي أصبحت حرّيّة وهميّة في ظلّ صناعة الرأي العامّ.

وإذا أخذنا الحقوق والحرّيّات كلًا على حدة، فإنّنا نجد أنّ:
الحقّ بالحياة: حقّ لا يحترم، لا سيّما عندما تلعب المطامع برؤوس الحكام، فهم يحافظون على حياة الأفراد في مواجهة القتل من قبل رجال الأمن، إلّا أنّهم يزجون الملايين، أو أقلّه مئات الآلاف، في أتون الحرب، فيقتلون ويُقتلون لتحقيق مصالح الطبقات الحاكمة في الحصول على المواد الأوّليّة والأسواق وما إليها، ويقتل هؤلاء في طريقهم ملايين المدنيّين أحيانًا، كما حصل في  الحربين العالميّتين في القرن الماضي.

المساواة:  ويطرح السؤال بكلّ بساطة بين من ومن؟  أبين القيّمين على الإمبراطوريّات الاقتصاديّة والماليّة، أم بين أبناء الشعب العاديّين، ومنهم من يعيش تحت خطّ الفقر في أغنى الدول، وتطرح هنا أيضًا مسألة العيش الكريم ولا نعلّق.
شرعية الجرائم والعقوبات: وهذه الشرعيّة مستمدّة من أنّ المشرع يمثّل الإرادة الشعبيّة، وهو في الحقيقة يمثّل إرادة الإمبراطوريّات الاقتصاديّة والإعلاميّة والقوى الضاغطة واللوبيات، وهذا المشرّع هو الذي يحدّد الجرائم  ويحدّد العقوبات، فيأتي كلّ ما لا يهدّد مصالح القوى المذكورة مسموحًا به، كالزنا واللواط والإجهاض، وما ينتج عن بعضها من تربية أطفال مؤسّسات دون معرفة والديهم، وما يؤدّي إليه ذلك من خطر على الجنس البشريّ أوّلًا، وعلى السلوك ثانيًا، والظواهر ناطقة، حيث نجد شعوبًا تتناقص، ونرى أنواعًا من الجرائم لم تكن معروفة عبر التاريخ، ترتكب اليوم، وهي من أخطر ما يمكن تصوّره.

أمّا الحديث عن الضمانات القضائيّة فهو حديث مملّ، حيث تقضي أصول المحاكمات بأن لا تبتّ المحاكمة إلّا بعد سنوات طوال، الأمر الذي يؤدّي، إذا كان الخصم فقيرًا، إلى ترك حقّه؛ لأنّ هذا أوفر بالنسبة إليه.
وأمّا الحقّ في تكوين الأسرة: فقصّته طويلة، من شبّان لا يملكون إمكانات في هذا الجوّ الاستهلاكيّ، إلى شيوع الدعارة أو مثيلاتها، تحت مسمّيات مختلفة، كالتساكن، الذي تكون ضحيّته المرأة؛ لأنّ الرجل يتخلّى عنها عندما يحلو له، خاصّة عندما تتقدّم في السن، فتُشرّد من الناحية العمليّة، وثمّة كثير من هذه النماذج في أوروبا وأميركا وغيرهما؟ 

وإذا تفحّصنا حرمة الحياة الخاصّة، فإنّنا نجد اليوم أنّ هذه الحرمة أصبحت سلعة لدى الجهات الأمنيّة وحتى غير الأمنيّة، بعد انتشار وسائل المعلوماتيّة، وأساليب التجسّس المختلفة، التي تستطيع استخدام أجهزة الهاتف الشخصيّة كآلات للتسجيل، يمكن أن تُفْشي أسرار البيوت والعائلات. واليوم يسعى بعض أصحاب الضمائر لإيجاد حلّ لهذه المعضلة. وما يُنقل عن التجسّس على الناس في أميركا، وما تثيره من ردود فعل، هو دليل مهم على ذلك.

أمّا الحقّ بالحصول على المعلومات، فهو إذا ما استُقصي بشكل جِدّيّ، حقّ وهميّ، فإذا كانت مؤسّسات الدولة ملزمة بقاعدة الشفافيّة من حيث المبدأ، فإنّ هذه المؤسّسات هي واجهة، كما قلنا، للقوى الاقتصاديّة والماليّة وللوبيات، فهل تخضع هذه القوى لمبدأ الشفافيّة؟ هل المركّبات هائلة القدرة، من صناعيّة وعسكريّة ونفطيّة التي تتحكّم بالعالم، تعمل بشكل شفّاف؟ وهل يمكن الاطلاع على طبيعة أعمالها والحكم عليها؟ هل نشاطات المحافظين الجدّد في أمريكا في مجال النفط والمخابرات وإدارة الحروب هي نشاطات شفّافة؟ وتقدم عنها المعلومات إلى أولئك الذين تتلاعب بمصيرهم حتّى في بلادها.

وهل اللوبي الصهيونيّ العامل في الولايات المتّحدة، والذي يحدّد سياستها في الشرق الأوسط عن طريق السيطرة على صنّاع القرار بالترغيب والترهيب، يعمل بشكل شفّاف؟ هل يمثّل أمام الكونغرس ليحاسب؟

ومن هنا، فإنّ المتحكّمين اليوم بمصير الإنسانيّة من إمبراطوريّات المال واللوبيات، يعملون في الخفاء، ويصنعون الرأي العام ويعيّنون الحكّام ويعزلونهم عمليًّا، دون أن يتعرّضوا للمساءلة. ومَن يتحمّل التبعة هم صنائعهم الذين قد يستخدمونهم كبش محرقة عند اللزوم.

الحقوق والحرّيّات في الإسلام:
ينتظم الشرع الإسلاميّ شؤون الإنسان في هذه الدنيا وفي الآخرة، وهذا الشرع الإلهيّ قد فرغ الله تعالى من إنزاله وانتهى الأمر، فلا يستطيع أحد تعديله، ولا يخضع بالتالي للأهواء والمصالح، ولا تؤثّر في تحديده إمبراطوريّات المال والاقتصاد، ولا قوى الضغط. ثمّ هو لا يحتمل الثغرات التي تدفع الإنسان إلى التشريع لسدّها، ومن هنا، فإنّ كلّ ما يتعرّض لـه التشريع الوضعيّ ينزّه عنه هذا الشرع.

أمّا من جهة الضمانات، فإنّ الشريعة الإسلاميّة تستخدم أصولًا للمحاكمات لا تضيّع الحقوق، التي لا تزول بمرور الزمن عليها، كما تقضي به الشرائع الوضعيّة.
وأمّا من جهة المسؤوليّة، فإنّ الشرع يرتّب المسؤوليّة على المسؤول الفعليّ والشريك، من هنا فلا أحد يستطيع أن يستخدم أحدًا كبش محرقة، ولا يعقل أن ينجو الجاني الفعليّ إذا تخفّى وراء الستار، لتطال المسؤوليّة صنائعه من دونه.
وأخيرًا، فإنّ الشرع إذا منح حقًا للإنسان، فإنّه يلزم الجميع بمن فيهم الحاكم باحترامه. ومن هنا، فلا يمكن أن تكون الحقوق وهميّة بحيث يعترف بها، لكن يعجز صاحبها عن ممارستها.
فكيف نقل لنا الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) عن الذات الإلهيّة حقوقنا، وما هي الحرّيّات التي منحَناها؟

أسارع هنا إلى القول: إن إجابتنا لن تكون إلّا نسبيّة وعلى قدر إمكاناتنا.
وأبدأ بالقول: إنّ الله تعالى يعلن في كتابه العزيز تكريمه للإنسان وتفضيله على سائر المخلوقات: ( وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا) (الإسراء/70)

وهذان التكريم والتفضيل يعودان إلى أنّ الله خلق الإنسان ليكون خليفة في الأرض: (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) ( البقرة  /30)، يتصرّف بها ويسأل عن تصرّفه.
ولمّا كنّا لا نستطيع أن نسبر غور التكريم ونستقصيه، فسنحاول بإمكاناتنا المحدودة تناول هذا الأمر؛ لذلك ترانا مضطرّين إلى المقارنة مع ما اكتشفه الذهن البشريّ في مجال حقوق الإنسان، على قصوره، لنبرز نقاط الالتقاء ونقاط الافتراق، ولنجري المقارنة في نقاط الالتقاء، ليظهر لنا الفارق بين ما منحَنا الله تعالى وما انتزعه الإنسان لنفسه.

ونحن سنعالج الأمر على ضوء ما قدّمناه من أنّ الأديان السماويّة ألغت الحقوق التي كان يمارسها الحاكمون على الأنفس والحرّيّة والأموال، فسنبدأ بالحقّ في الحياة، مرورًا بالحرّيّة بمعناها العامّ التي تشمل: المساواة فالحقوق الشخصيّة فحرمة الحياة الخاصّة، فالحرّيّات الفكريّة والسياسيّة، وصولًا إلى الحقوق الاقتصاديّة المعيشيّة أو الحقوق ذات الطابع الاجتماعيّ والاقتصاديّ.

 الحقّ بالحياة:
 يضمن الإسلام الحقّ بالحياة فلا يسمح بإزهاقها إلا عقوبةً على الجرائم شديدة الخطورة، يقول تعالى: ( مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا).

وقد جعل النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) حرمة المسلم كأقدس الحرمات؛ إذ يقول (صلى الله عليه وآله وسلم): فإنّ دماءكم وأموالكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا (يوم الحجّ) وحرمة شهركم هذا (شهر ذي الحجّة) في بلدكم هذا (البلد الحرام) [2].

 وللتدليل على أهمّيّة هذا الدم يقول (صلى الله عليه وآله وسلم): «والذي بعثني بالحقّ، لو أنّ أهل السماء والأرض شركوا في دم امرئ مسلم ورضوا به، لأكبّهم الله على مناخرهم في النار».[3]

وإذا كان دم المسلم حرامًا، فإنّ دم الذمّيّ حرام هو الآخر، إذ يقول الله تعالى: ( مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا) (المائدة/32)
كما يقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «من قتل رجلًا من أهل الذمّة لم يجد ريح الجنة».[4]
على أنّ إزهاق الأرواح يمكن أن يحصل بالقتل المباشر أو في الحروب العدوانيّة، أي التي لا يبيحها الله تعالى. وهذا محرّم كالقتل المباشر.

وإذا كان الإسلام يحترم الحياة إلى هذا الحدّ، فلا بدّ له من أن يحميها، ليس فقط من اعتداء الحاكمين، بل من الآخرين أيضًا، فلا يسمح للمجرمين بإزهاقها. من هنا كان الردع، وهو يتمثّل بإنزال العقوبات الرادعة بمن يعتدي على الحياة وصولًا إلى الإعدام.
وهنا يطرح فريق من المفكّرين المهتمّين بحقوق الإنسان مشكلة عقوبة الإعدام، على أساس أنّها، هي الأخرى عمليّة قتل، ولما فيها من «الهمجيّة»، وعلى أساس أنّ هذه العقوبة، إذا ما تبيّن مستقبلًا خطأ في الحكم بها، فلا يمكن التراجع عنها.

لكن هؤلاء المفكرين ينظرون إلى الشخص المرتكب، ولا يعيرون الاهتمام الكافي للمجتمع المهدّد بمثل هذا الشخص، الذي يمكن إمّا أن يكرّر فعلته، أو يشجّع غيره على الأقلّ، عندما يرى أنّه، إذا تعمّد القتل، فسيبقى على قيد الحياة، حتى لو سُجن، فيأمّل بعفو أو بغيره من الوسائل لاستعادة حرّيّته.

من جهة أخرى، لابدّ من أن نتذكّر دائما أنّ عقوبة الإعدام، فرضها الله تعالى جزاء على جرائم فظيعة، فمن أدرى منه تعالى بمصلحة خلقه، فهل صنع الإنسان نفسه أم الله سبحانه خلقه ومنحه الحياة؟َ!  فإذا  كان الله مانح الحياة، فلا يمكن أن يكون الإنسان أدرى بالهدف والحكمة من ورائها، بل الأدرى هو الذي وهبها، وهو الذي يستطيع أن ينظّمها بحيث تصل إلى الغاية المرجوّة، ويصبح الخلاف حول ضرورة أو عدم ضرورة عقوبة الإعدام مناقشة لله تعالى في أحكامه.

المساواة:
لم يسمح الإسلام بأيّ شكل من أشكال التمييز بين من هم في وضع قانونيّ واحد، إذ يقول تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا) (الحجرات /13)، كما ينادي الناس بـ:«يا أيّها الناس» على قدم المساواة دونما تمييز

وقد كان اهتمام الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بهذا الأمر عظيمًا، فهو لم يميّز بين أيٍّ من أصحابه وبين بلال الحبشيّ مثلًا، أو بينهم وبين غيره من أبناء الأعراق أو الألوان المختلفة. كما مارس هذا الأمر في سيرته العمليّة، فهو تشبّث به، وأمر بالتشبّث به في سيرته القوليّة، فهو القائل: «لا فضل لعربيّ على أعجميّ ولا لأبيض على أسود... إلّا بالتقوى»[5]. كما منع الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) من التعالي على ذوي الأصول الرقّيّة والسود، بل أمر بطاعتهم عندما يُعيَّنون قادة أو أمراء، وذلك استجابة لقوله تعالى:}أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم{ «(النساء/95). وأوضح الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) هذا المعنى بقوله: «اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشيّ كأنّ رأسه زبيبة» [6].

كما روى أبو ذر(رض) عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، قال: «إنّ خليلي أوصاني أن أسمع وأطيع وإن كان عبدًا مجدّع الأطراف».[7]
وقد بلغ من التمسّك بالمساواة أن مدح الله تعالى أولئك الذين يطعمون الأسير(المسترَقّ): (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا) (الإنسان/8)

 كما أمر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بمساواة الرقيق بصاحبه في المأكل والملبس.
ففي حجة الوداع أمر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) الناس قائلًا: «أرقاءكم، أرقاءكم، أطعموهم مما تأكلون واكسوهم مما تلبسون» [8].

وقد قضى الإسلام بشكل عام، كما أمر الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) كلّ إنسان بمساواة نفسه بالناس، بحيث لا يعاملهم إلّا كما يعاملونه تمامًا، على نحو ما كان يعلّم أخوه عيسى بن مريم(عليه السلام). فقد قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «ما أحببت أن يأتيه الناس إليك فائته إليهم. وما كرهت أن يأتيه الناس إليك فلا تأته إليهم».[9]

العدل:  يشدّد الله تعالى على العدل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ) (النساء/135)،(قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ) (الأعراف/29). ويرتبط مفهوم العدل بمفهوم المساواة، كما يرتبط بمفهوم شرعيّة الجرائم والعقوبات. فهو يرتبط بمفهوم المساواة لجهة تطبيق القانون على الجميع دون تمييز، وهو يرتبط بمفهوم شرعيّة الجرائم والعقوبات؛ لأنّه يقضي بعدم تجريم إنسان إلّا بناء على الشريعة، وهي هنا الشريعة الإلهّية، كما يقضي بتحريم إنزال أيّ عقوبة، ما لم  يكن منصوصًا عليها في الشريعة: (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)(المائدة/44)(هُمُ الظَّالِمُونَ) (المائدة/45) } هم (الفاسقون) (المائدة/47)

ويقوّم الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) العدل، فيرى أنّه أهمّ بما لا يقاس من سائر العبادة، فيقول: «ساعة إمام عادل أفضل عبادة من عبادة سبعين سنة».[10]
أمّا الظلم فهو بالمقابل شرّ عظيم، حيث يقول (صلى الله عليه وآله وسلم): «من تولّ عرافة قوم (المسؤوليّة عنهم) أُتي به يوم القيامة ويداه مغلولتان إلى عنقه، فإن قام فيهم بأمر الله عز وجل أطلقه الله، وإن كان ظالمًا هُويَ به في نار جهنّم وبئس المصير».[11] 

على أنّ العدل لا يقوم فقط على مساواة الناس بعضهم ببعض، أو بتطبيق الأحكام الإلهيّة عليهم جميعًا فقط، بل هو، إلى ذلك، يقتضي إنصاف الناس من أقرب الأقرباء، حيث يقول تعالى: (وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ) (الأنعام/152) كما يقتضي إنصاف الناس من النفس، إذ يقول تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ)(النساء/135). 

كما يقتضي إنصاف الناس من  النفس، بحيث لا يكون الحاكم فوق القانون الساري على الجميع، فقد قال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): «سيّد الأعمال إنصاف الناس من نفسك، وطوبى لمن  أنصف الناس من نفسه».[12]
وهكذا يصبح العدل هاجس الناس جميعًا، حاكمهم ومحكومهم، فإذا تعرّض فرد للظلم، فله أن يقاتل لرفع الظلم عن نفسه، حيث يقول (صلى الله عليه وآله وسلم): «ومن قتل دون ماله فهو شهيد»،[13] ووجب على الجميع أن يهبّوا لنصرته، فلا يترك الضعيف يواجه مصيره مع القويّ، حتى لو كان هذا القويّ حاكمًا، فقد قال تعالى: (وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا) (النساء /75) وقد تضافرت الأخبار التي تحثّ وتأمر بنصرة المظلوم عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وآله الأطهار(عليهم السلام).

على أنّ عقوبة الظالم ليست دنيويّة فقط، بل وأخرويّة أيضًا، حيث يقول جلّ من قائل: ( وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذَابَ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ) (النحل/85 راجع كذلك البقرة/165، الأعراف/165، يونس/52، الكهف/29 و59، الشعراء/227، الروم/57، الزمر/47، الزخرف/65.

 على أنّ الله يستجيب دعوة المظلوم؛ حيث ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إياكم ودعوة المظلوم، فإنها ترفع فوق السحاب حتى ينظر الله إليها فيقول: ارفعوها حتى أستجيب له»[14]، كما يعدّ الله من يظلم أولياءه عدوًا له، إذ جاء في الحديث القدسي:«من أهان لي وليًا فقد أرصد لمحاربتي»[15]. كما جاء: «قد نابذني من أذل عبدي المؤمن»[16].

حرمة الإكراه على الاعتراف
حرّم علي(عليه السلام) ممارسة العنف على المتقاضين بدون وجه حقّ، فلا يجوز استعمال الشدّة مع المتّهم لانتزاع الاعتراف منه، مهما كانت تهمته، فحتى في تهمة القتل، قضى عليّ(عليه السلام) بـ«التلطّف في استخراج الإقرار من الظنين[17]»، ثم هو رفع العقوبة عن المقرّ، إذا كان إقراره نتيجة لعنف على شخصه أو ماله، أو نتيجة لتهديد، فكان يقول: «من أقرّ عن تجريد أو حبس أو تخويف أو تهديد فلا حدّ عليه»[18].

وحتى في حال ثبوت الجريمة وإنزال العقاب، فإنّه يجب عدم التجاوز، فقد كان عليّ(عليه السلام) يعرض السجون كلّ يوم جمعة، فمن كان عليه حدّ أقامه عليه، ومن لم يكن عليه حدّ خلّى سبيله».

أمّا في حال التهمة، فكان عليّ (عليه السلام) لا يسجن على ذمّة التحقيق إلاّ متّهمًا بدم، كما كان لا يسجن بعد معرفة الحقّ وإنزال الحدود، لأنّ الحبس بعد ذلك ظلم..

استقلاليّة القضاء:
يخاطب الله تعالى داوود فيقول: (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ) (ص/26). والحكم بالحقّ يعني ألّا يتأثّر الحاكم بأيّ عامل في ممارسته واجبه.

كما تتوجّه الأحاديث الشريفة إلى القضاة بألّا يميّزوا بين الناس، وبأن يساووا بالتالي بين الحاكم والمحكوم، وقد مارس قضاة عديدون، ومن في حكمهم هذا الأمر مع الجميع، بمن فيهم الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) نفسه، وكذلك خلفاؤه. وتتبدّى الاستقلاليّة في هذه الحياديّة التي كان يصرّ عليها الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقد أوصى (صلى الله عليه وآله وسلم) بالسماع إلى الخصمين، وهذا يعني إتاحة حقّ الدفاع لكلّ منهما على قدم المساواة، كما يوصي (صلى الله عليه وآله وسلم) القاضي بالقول: «إذا جلس بين يديك الخصمان، فلا تقضِ حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأوّل، فإنّه أحرى أن يتبيّن لك القضاء»[19].

وقد تنبّه الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) حتى للتفاصيل الصغيرة، كالمعاملة على هامش العمل القضائيّ، فأمر (صلى الله عليه وآله وسلم) بأن لا يستقبل أيّ متقاضٍ أو عازم على التقاضي دون خصمه، فقد نهى أن يضاف (يستضاف) الخصم إلّا ومعه خصمه[20].

أصل البراءة (براءة المتّهم حتى تثبت إدانته):
 إذا كان العدل مقدّسًا إلى هذه الدرجة، فإنّ الإنسان يجب ألّا يؤاخذ إلاّ بما جاء من عند الله إذ يقول تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا) (الطلاق/7)، فلا يؤخذ بالظنّة، لِـ ( إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا ۚ)(يونس/36). فقد قال (صلى الله عليه وآله وسلم):  «إيّاكم والظنّ فإنّ الظنّ أكذب الحديث»[21]. والظنّ مسألة واسعة تتعدّد فروعها وهي تنطبق على من تحوم حوله شبهة ما.

على أنّه لا بدّ هنا من التمييز بين الظنّ، الذي لا يبيح العقوبة، وبين أمر آخر قد يحمله بعضهم على أنّه ظنّ، وهو أن تكون هناك أدلّة قاطعة على أمر يخفي صاحبه منه بعض العناصر، فهذا يقين، وهنا يجيز الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) إكراه الممتنع على البوح، فقد سمح بإجبار كنانة بن الربيع على أن يدلّ المسلمين على موضع كنز عدّ من غنائمهم، بعد أن كان ثابتًا لدى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه يخفي ذلك الكنز[22].

وهذا الأمر ليس ممنوعًا اليوم، بل هو يبيح أن يستخدم السجن الإكراهيّ حتى يجبر المنكر على الإقرار.

الحرّيّات الشخصية
وتشمل حرمة التعذيب والحقّ في تكوين العائلة وحرمة الحياة الخاصّة وحرّيّة الحركة.

حرمة التعذيب
التعذيب يمكن أن يكون عقوبة قانونيّة تقرّها تشريعات الدول دون استثناء، وهذه لا خلاف على جوازها[23]. من هذا الفهم للتعذيب تنطلق الشريعة الإسلامية في منعه، فقد جاء في الحديث أنّ رسول الله منع التمثيل حتى بالحيوانات: «من مثّل بذي روح ثم لم يتب مثّل الله به يوم القيامة»[24].  كما وبسند عن علي(عليه السلام): «إياكم والمثلة ولو بالكلب العقور»[25]، بل حرّم الإسلام مجرّد تخويف الإنسان، إذ يقول(صلى الله عليه وآله وسلم): «من نظر إلى مؤمن نظرة ليخيفه بها، أخافه الله عزّ وجلّ يوم لا ظلّ إلاّ ظله»[26].

حرّيّة تكوين العائلة:
يعلّمنا الله تعالى أن الأبناء، إلى جانب المال، هم زينة الحياة الدنيا(الكهف/46)
كما يحثّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) على الزواج وتكوين العائلات، فقد حملت كتب الحديث العديد من الروايات الحاثّة على الزواج، وعلى الإنجاب، حيث يقول(صلى الله عليه وآله وسلم): «تزوجوا بكرا ولودا»[27]، على أنّ للإنسان حرّيّة اختيار شريك حياته، وهذا ليس حكرًا على الرجل، بل هو حق مضمون للفتاة، حيث يشترط قبولها، إلّا أنّ الإسلام يراعي الحياء، فقد تستحي الفتاة التي لا عهد لها بالزواج من أن تعلن قبولها؛ لذلك يكتفى بما يدلّ عليه من الأمارات.

أمّا في مسائل الزواج المبكر، فإنّ للأمر أحكامًا أخرى، إذ يشترط قبول الوليّ، وهذه مسألة تحتاج إلى نقاش من جهتين: الجهة الأولى: جواز الزواج المبكر، الجهة الثانية: من بيده مسألة القبول والرفض.

ففي مسألة الزواج المبكر نرى بعضهم يرفضه ولا يجيزه، ولكنّنا نرى ضرورة تناول مسألتين في مقام الردّ:
أوّلًا: في أيّ سنٍّ يكون الزواج مبكرًا؟ إنّ الزيجات اليوم لا يمكن أن تحصل سواء بالنسبة إلى الشاب أو إلى الفتاة قبل البلوغ، وسن البلوغ كانت مبدئيًّا سنّ الرشد، وهذا أمر كان معروفًا عند الأمم الأخرى أيضًا، وفي سنّ الرشد تصبح موافقة الطرفين ضروريّة، إلّا أنّه يمكن القول إنّ سن البلوغ ليست بالضرورة سنّ الرشد، والسبب أنّ القرآن الكريم يميّز بين البلوغ والرشد، حيث يقضي بأن يُستجلى الرشد بعد البلوغ، وذلك بقوله تعالى: (وَابْتَلُوا الْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ). مما يثبت أنّه لا يكفي البلوغ لحصول الرشد، بل لا بدّ من تلمّس الرشد.

ثانيًا: وبناءً على هذا، فهل يجوز الزواج بعد البلوغ مباشرة، وهو الأمر الذي، كما قلنا، لا يجيزه بعضهم؟
إنّنا نقول هنا: إنّ الحاجة الجنسيّة تفرض نفسها بعد البلوغ، فإمّا الصبر سنوات حتى يتمّ الرشد، الذي قد يتمّ في سنّ الثامنة عشرة بسبب تعقّد الحياة اليوم، وهي السنّ التي أثبتت التجربة أنّها هي التي يتمكّن فيها الإنسان من مباشرة حقوقه والتصرّف بها. وإمّا اللجوء إلى ممارسات غير مستحبّة أو محرّمة، ومنها الزنا؛ وإمّا الزواج، فأيّ هذه الحلول أفضل؟ ومن هنا لا يكون الزواج المبكر أمرًا مستهجنًا، إلّا لأسباب مالّية، وهي والمشكلة المالية تحتاج إلى حل بالتأكيد؛ لأنّنا مأمورون بالزواج المبكر.

فإلى من يعود القبول والرفض؟
يتحرّر كثير من الشباب ويندفعون إلى علاقات جنسيّة غير شرعيّة، فهل يسألون، وهم من وجهة نظر معيّنة غير راشدين؟ وإذا لم يسألوا، فمن يتحمّل التبعات، وهي غالبًا تبعات خطيرة، بغض النظر عن الحليّة والحرمة.

أفلا يكون في هذه الحالة رضى الولي بزواج شرعيّ محدَّد النتائج هو الأفضل؟

حرمة الحياة الخاصّة:
يحضّ الإسلام على الحشمة ومنع الدخول إلى حياة الناس الخاصّة بأيّ شكل؛ إذ يقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَىٰ أَهْلِهَا ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)(النور/27)كما يقول تعالى: (قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ‎﴿٣٠﴾‏ وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ) (النور/30و31)

 كما أمرنا الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بهذا بقوله: «لا يدخل أحدكم بيتًا إلا بإذن»،[28] بل «لا ينظر في قعر بيت قبل أن يستأذن»[29]؛ لأنّ للبيوت أسرارها الخاصّة، غير أنّ الأسرار لا تقتصر على ما يجري داخل البيوت، بل قد تكون الأسرار فيما يريد الشخص إبلاغه إلى شخصٍ آخر، ومن هنا كانت حرمة المراسلات، فلا يجوز انتهاكها، وهذا فرع، كما أسرار البيوت، من مبدأ عام يقضي بحرمة التجسّس على المواطنين بكلّ أشكاله، (وَلَا تَجَسَّسُوا) ( الحجرات/49)، فنحن مأمورون بالستر على بعضنا، حيث يقول(صلى الله عليه وآله وسلم): «من يستر على مسلم ستره الله في الدنيا والآخرة».[30]

وهكذا فلا تجوز ملاحقة الناس لكشف ما لا يريدون إطلاع الآخرين عليه، فقد قال(صلى الله عليه وآله وسلم): «لا تتبعوا عثرات المؤمنين، فإنّه من تتبّع عثرة المؤمن تبع الله عثراته يوم القيامة وفضحه في جوف بيته»[31].

حرّيّة الحركة (الذهاب والإياب):
 إنّ الذهاب والإياب لم يرد ما يمنعهما من حيث المبدأ، كما أنّ الإسلام يحثّ على الحركة، فلا يمكن أن يقيّدها إلّا لأمر خطير، إذ يقول تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ ۖ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) (الملك/15، راجع كذلك الحجر/20 والجمعة/10)

وسنرى تفصيل ذلك في فقرات لاحقة.
الحقوق السياسية
فرض الإسلام على الناس المشاركة في الأمور السياسيّة، فهي ليست حقوقًا فقط، بل واجبات أيضًا؛ لأنّ أمور المسلمين يجب أن تُناقش فيما بينهم، فهي تخصّهم جميعًا، حيث يقول تعالى: (وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ) (الشورى/38)

كما أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: «من أصبح لا يهتمّ بأمور المسلمين فليس بمسلم»[32].

وهذا مطلوب من الأمراء، بطبيعة الحال، كما هو مطلوب من سائر المسلمين، حيث يقول(صلى الله عليه وآله وسلم): «إذا كان أمراؤكم خياركم وأغنياؤكم سمحاءكم وأموركم شورى بينكم، فظهر الأرض خير لكم من بطنها»[33]. على أنّ الشورى تستبطن النصيحة، والنصيحة هي الأخرى واجب في نظر الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) حيث ورد عنه(صلى الله عليه وآله وسلم): «من استشار أخاه فلم ينصحه محض الرأي سلبه الله عز وجل رأيه»[34].

والنصيحة لا تقتصر على مسألة التعامل بين الأفراد كما قد يُتوهّم، بل هي تطال أيضًا العلاقات بين الحكّام والمحكومين؛ لأن النصّ أتى مطلقًا، بل هي واجبة في هذا الصدد أكثر؛ لأنّ أثرها عامّ، بينما هو في الحالة الأولى محصور، وكما أنّ النصيحة واجبة على المحكوم تجاه الحاكم، فهي واجبة على الحاكم تجاه المواطنين؛ لأنه من الساعين في حاجاتهم جميعًا، وقد ورد عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «من سعى في حاجة لأخيه فلم ينصحه، فقد خان الله ورسوله»[35].

مقاومة الجور
يحثّ الله تعالى على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو شكل من أشكال مقاومة الانحراف ومنه الجور، ويمدح القائمين بهذا الواجب فيقول: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ). (آل عمران/110،راجع كذلك التوبة/112).

فإنّ الحاكم إذا تمادى ولم ينفع معه النصح وجبت مقاومته، وأوّل المقاومة التمرّد على الأوامر في معصية الله ورسوله، فقد قال تعالى حكاية عمّن يطيع في المعصية: (وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا) (الكهف /28)كما يقول تعالى: (وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا) (الإنسان/24)

على أنّ الأمر قد يتجاوز التمرّد وصولًا إلى حمل السلاح، فحيث تنفع الكلمة تصبح واجبة، وتفوق أكبر الفرائض إذ يقول (صلى الله عليه وآله وسلم): «وما جميع أعمال البرّ والجهاد في سبيل الله عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إلاّ كنفثة في بحر لجّيّ»[36]، فإذا لم يرعوِ فتجب مقاتلته عند المُكْنَة، لقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «من رأى منكم منكرًا فليغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وهو أضعف الإيمان»[37].
وقد كانت القوانين الغربيّة (خاصّة الفرنسيّة) قد نصّت في يوم من الأيام على الحقّ بالثورة ضدّ الحاكم إلّا أنّها ما لبثت أن تخلّت عن ذلك، على أساس ألّا ضرورة لها في ظلّ الحكم الديمقراطيّ والتناوب على السلطة، غير أنّ الأمور لا تسير دائمًا بهذا الاتجاه، فما العمل عندما تُبتلى الشعوب أو الإنسانيّة بالحكّام المستبدّين؟

إنّه لا يبقى إلّا الثورة عندما تتوفّر إمكاناتها، وبهذا يكون الحلّ الإسلاميّ هو الحلّ الحقيقيّ.
أمّا إذا تركت الأمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإنّها ستتردّى، حيث يقول الله تعالى حكاية عن قوم تخلّوا عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيما بينهم: (كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) (المائدة/79)
كما يفيده قول النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): «لا تزال أمّتي بخير ما أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وتعاونوا على البرّ، فإذا لم يفعلوا نُزعت منهم البركات وسُلِّط بعضهم على بعض، ولم يكن لهم ناصر في الأرض ولا في السماء»[38].

وقد يحصل التخلّي عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من طريق التواكل، بحيث يترك أحدنا الأمر للآخرين، حفاظًا على نفسه أو مصلحته، وهنا تبدأ المصائب، فقد أنبأنا الله تعالى عمّن يتخلّون عن هذا الواجب ويفعلون عكسه بقوله: (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ ۚ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ ۗ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (التوبة/67).
كما أوضح رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) المصير بقوله: «لتأمرنّ بالمعروف ولتنهنّ عن المنكر، أو ليسلّطنّ الله عليكم شراركم»[39]؛ لأنّ المتهرّب، إذا نجا في عاجل أمره فلن ينجو في أجله، لا سيّما إذا تحوّل إلى التملّق ليرضي الحاكمين: «من أرضى سلطانًا جائرًا بسخط الله، خرج من دين الله»[40].

أمّا السلطان نفسه، الذي يوزّع المنافع على أساس التملّق، فهو خائن لما أئتمن عليه معنويًّا ومادّيًّا، فقد تشدّد الإسلام فيما يجب للحكام من مال المسلمين حتى لا يستخدموه لشراء الذمم؛ إذ نهى الله تعالى عن إيتاء الحكّام الظالمين المال بقوله: (وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) (البقرة/188).

كما قال علي(عليه السلام)، تعبيرًا عن رأي رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «لا يحلّ للخليفة من مال الله إلّا قصعتان، قصعة يأكلها هو وأهله، وقصعة يضعها بين يدي الناس»[41]، أمّا الباقي فسبله واضحة وعلى الخليفة ألّا يحيد عنها قيد شعرة، بذلك يقطع الطريق على الحيف من جهة، وعلى التملّق من جهة أخرى.

حرّيّة إبداء الرأي والاجتماع والتجمّع
إذا كان مطلوبًا من المسلم أن ينصح للحاكم وأن يمتنع عن طاعته جائرًا، وصولًا إلى الثورة عليه، فهذا يمكن أن يحصل إفراديًّا كما يمكن أن يحصل جماعيًّا، وإذا كان مطلوبًا دائمًا أن تُمارس الأعمال على أكمل ما يكون، فإنّ العمل الجماعيّ هو الأكمل، وبالتالي تمسي هذه الحرّيّات حرّيّات وواجبات في الوقت نفسه.

من هنا كانت أوامر الله تعالى توجّه إلى المسلمين كافّة، مما يدلّ على أهمّيّة العمل الجماعيّ ووجوبه، ومن هنا نشأت التنظيمات المعارضة، التي تسمّى اليوم المذاهب، وهي كانت تشكيلات سياسيّة تسعى للوصول إلى الحكم، وكان القيّمون على بعضها من كبار الفقهاء والأئمة، كأئمة أهل البيت وغيرهم.

الحرّيّة الدينيّة
 إنّ إجبار الناس على اعتناق أيّ رأي أو التديّن بأيّ دين أمر مستحيل، وإذا مُورست الشدّة في هذا المجال، فقد تؤدّي إلى ممارسة النفاق لا أكثر، من هنا يقول تعالى:  (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) (البقرة/256)، كما يسأل تعالى قائلًا:(أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) (يونس/99). والله تعالى لا يأمر بقتال من لا يؤمن لمجرّد عدم إيمانه، حيث يقول تعالى: ( وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) (البقرة/190)، أمّا الذين لم يؤذوا المؤمنين، فلا مانع عند الله من أن يبرّوا: ( لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الممتحنة/7).

 فما هو موقف الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)؟
هذا الجانب من الموضوع نعتمد في معالجته على سيرته العمليّة، أكثر مما نعتمد على السيرة القوليّة، فالرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) كان مكلّفًا بدعوة دينيّة، وكان يعمل على نشرها بالحكمة والموعظة الحسنة؛ (النحل/125)، لذلك فهو لم يقاتل في سنوات الدعوة الأولى في مكة، حتى أُخرج والمسلمين من ديارهم وأموالهم، ولّما قدم المدينة مهاجرًا، وضع الصحيفة التي سمحت للجميع بالتعايش، من مسلمين ويهود، إلّا أنّ اليهود نابذوه بالعداء، كما نابذه المشركون من حول المدينة، فسُمح لـه بالقتال: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا). إلّا أنّه وبنتيجة القتال كان يُسمح لأهل الكتاب بأن يحتفظوا بأديانهم لكن مقابل جزية، وفرض الجزية كان معاملة بالمثل؛ لأنّ كلّ قوّة منتصرة كانت تفرض الجزية على القوّة المهزومة، إلّا أنّه كان للجزية مقابل وهو الحماية، فإذا عجز المسلمون عن حماية أهل الذمّة، وهم أهل الكتاب، فلا تتوجّب الجزية[42].

علمًا أنّ الانتماء كان حينها قبليًّا أو دينيًّا، فلا يُعرف الإنسان بوطنه أو قوميّته بقدر ما يعرف بقبيلته ودينه.
 إذًا لم يساوِ الإسلام الذمّيّ بالمسلم، بل جعله في وضع يجد مصلحته في الخلاص منه واعتناق الإسلام، فقد فرض عليه الخراج في الأرض، أو الجزية على الرؤوس إذا كان قادرًا على القتال، استدلالًا بالآية الكريمة: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) (التوبة/29)

كما أنّ الإسلام حرّم على أهل الذمّة أن يتبوؤوا مناصب الولاية على المسلمين من إمارة وقضاء وما إليهما، بدليل الآية الكريمة: ( لَّا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) (آل عمران /28)، والآية (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ) (سورة المائدة /51)، وفي النكاح يمنع الإسلام زواج المسلمة بكتابيّ، في حين يسمح بزواج المسلم بكتابيّة.
 أمّا في مسائل القصاص، فليس هناك إجماع بين المسلمين في موضوع نفس المسلم ونفس الكتابيّ، إذ ترى بعض المذاهب، كالحنفيّة مثلًا، أنّ ثمّة مساواة بحيث يُقتل المسلم بالكتابيّ، فيما ترى مذاهب أخرى أنّه لا ُيقتل المسلم إلاّ إذا اعتاد قتل أهل الذمّة.

أمّا اليوم فقد زالت الأسباب الموجبة للتمييز بين أهل الكتاب وبين المسلمين، كما كانت عليه في الدولة الإسلاميّة، بزوالها من العالم أجمع من جهة، وبغلبة الانتماء الوطنيّ عالميًّا على الانتماء الدينيّ من جهة أخرى، فلا نرى اليوم نظامًا إسلاميًّا يفرضها على أبناء الأقلّيّات الدينيّة، كما لا تفرضها أيّ أمّة على المسلمين.
أمّا الوثنيّون فلم يؤمر الرسول بقتالهم لما اشتدّت شوكة الإسلام، إلّا دفاعًا عن النفس، ثمّ إبعادًا لهم عن المسجد الحرام، ولم يقبل منهم إلّا الإسلام أو القتل وسبي الذراري.
غير أنّ الإسلام المفروض عليهم هو الإسلام الظاهريّ، أمّا ما يتعدّاه، فلا يمكن لأحد فرضه؛ لأنّه يدخل في مجال الضمير الذي لا يمكن التفتيش عنه.
والإسلام الظاهريّ هو النظام السياسيّ والاجتماعيّ، الذي ما زالت الأكثريّات الحزبيّة أو السياسيّة عامّة حتى اليوم تفرضه عندما تصل إلى الحكم.

الحقوق الاقتصاديّة والاجتماعيّة
إنّ المجتمع الإسلاميّ هو مجتمع تكافليّ؛ إذ جعل الله للفقراء قسمًا مما يغنم المسلمون وقسمًا من الزكاة. (الأنفال/41، والتوبة/60)
والمجتمع التكافليّ ليس مجتمعَ التواكل والكسل والاعتماد على الدولة، بل هو أولًا مجتمع منتج يعيل من يعجز عن كسب رزقه، ومن هنا فإنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يحثّ على السعي لكسب الرزق، فيقول: «دعوا الناس، يرزق الله بعضهم من بعض»[43].

وهكذا فإنّ الكسول الذي لا يسعى للقيام بأود عياله مرذول، حيث يقول(صلى الله عليه وآله وسلم): «ملعون ملعون من يضيع من يعول»[44]، كما أنّه «ملعون من ألقى كَلَّه على الناس»[45]. وهكذا يُمسي طلب الرزق أفضل العبادة حيث يقول تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ ۖ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) (الملك/15)، كما يؤكّد ذلك الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بقولـه: «العبادة سبعون جزءًا أفضلها طلب الحلال»،[46] فإذا جهد الإنسان في العمل انحطّت عنه ذنوبه لقولـه(صلى الله عليه وآله وسلم): «إن من الذنوب ذنوبًا لا يكفرها صلاة ولا صدقة، قيل: يا رسول الله فما يكفرها؟ قال: الهموم في طلب المعيشة»[47]. وهكذا فإنّ طلب الرزق يمسي من أوائل الواجبات على الإنسان، إلّا أنّه يجب أن يكون طلبًا في المجالات المشروعة، يقول تعالى: (وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ) (المائدة/88)، وكذلك من أجل سدّ حاجته وحاجة عياله ومساعدة الآخرين.
أمّا نوع العمل فيمكن أن يكون أيّ عمل مشروع، فلا يتعالى الإنسان عن الأعمال البسيطة: «فمن سقى طلحة أو سدرة، فكأنّما سقى مؤمنًا من ظمأ»[48].

وفي مقابل العمل، يضمن الإسلام الأجر، ذلك أن العمل ينتج عن عقد صريح أو ضمنيّ، ونحن مأمورون باحترام كلامنا المعطى، حيث يقول تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (المائدة/1).

كما نجد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: «من منع أجيرًا أجره، عليه لعنة الله»[49].
وهكذا فإنّ أجر العامل لا يتقادم، لا بمرور الزمن الثنائيّ[50]ولا العشريّ[51]ولا الثلاثينيّ[52]، فالحقّ لا يبطله شيء، كما يقول علي(عليه السلام)[53].
أمّا الضمانة هنا فهي إجازة القتال لتحصيل الحقّ، وضرورة إعانة المسلمين للمظلوم كما رأينا سابقًا، إذ إنّ من قُتل دون ماله فهو بمنزلة شهيد[54].
أمّا العاجزون عن إحراز الرزق، فيجب أن يعطوا من المال العام حتى تُسدّ حاجاتهم ويستغنوا، أو يعيشوا، إن أمكن، في بحبوحة؛ لأنّ الإعانة واجبة لكلّ فقير ومسكين، إلّا أن يكون مستغنيًا قادرًا على الكسب ولكنّه متكاسل.

وحتى تتوفّر البحبوحة، وبالتالي العمل، يدعو الإسلام إلى تحرير السوق ومنع الاحتكار: «الجالب مرزوق والمحتكر ملعون»[55]، كما يمنع اكتناز الأموال وعدم استثمارها، (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ)(التوبة/34)
أمّا في مجال التراحم، فيبلغنا الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّ الله تعالى لا يرحم عباده الذين لا يرحمون الآخرين: «إنّما يرحم الله من عباده الرحماء»[56]، أمّا من لا يرحم أبناء جنسه، فلا يرحمه الله عز وجلّ، إذ يقول رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «لا يرحم الله من لا يرحم الناس»[57]، والأمر بالتراحم لا يقتصر على تعامل الأفراد والجماعات بعضهم مع بعض، بل هو يشمل الحاكمين في تعاملهم مع المواطنين؛ لأنّ الأمر عامّ ولا يستثنى منه أحد، بدليل اللفظ.

أمـّا التكافل والتعاون فقد أمر به الله تعالى بقولـه:(وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ)(المائدة/2)، ثمّ أتى الرسول ليوضحه ويفصّله، فقال: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضه بعضًا»[58]، فكان من مصاديق هذا التكافل والتعاون، البحث عن المحتاجين، كالأيتام، حيث يقول الرسل (صلى الله عليه وآله وسلم): «أنا وكافل اليتيم في الجنة»[59]، وكذلك الأرامل والمساكين: «الساعي على الأرملة والمساكين كالمجاهد في سبيل الله»[60].

الـحقّ بالعلم
أصبح هذا الحقّ اليوم من أهمّ الحقوق؛ لأنّه يؤمّن الخبرة الضروريّة لمواجهة أعباء الحياة إضافة إلى حاجة المجتمع للعلماء[61]، والله تعالى يعظّم العلماء، وذلك بقوله: ( إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ) (فاطر/28). ويفضّل الذين يعلمون على الجاهلين (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون)(الزمر/9).

كما يحثّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) على طلب العلم في العديد من الروايات، ويرى بعضهم أنّ هذا العلم المطلوب هو العلم الدينيّ، إلّا أّن السنّة النبويّة تدلّ على أنّ العلم المطلوب أوسع من ذلك، فقد قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «طلب العلم فريضة على كلّ مسلم ومسلمة»[62]. والعلوم المطلوبة، حتى «في الصين»، ليست العلوم الدينيّة، لأنّ العلوم الدينيّة في المدينة ومنها تنتشر إلى المراكز الإسلاميّة، وليس العكس، بينما العلم الدنيويّ يمكن أن يكون في أيّ مكان في العالم.

من هنا نفهم أنّ العلم بكلّ فروعه مطلوب، فلا بدّ من أن يكون التعليم، على الأقلّ متاحًا، إذ كيف يحثّ على العلم ثم يقيّده.
يبقى هناك سؤال وهو: هل العلم جائز أم واجب على الدولة في الإسلام؟
إنّ مسألة الجواز مؤكّدة بما رأينا، أمّا مسألة الوجوب فيجب بحثها، فثمّة اليوم حدّ إلزاميّ معيّن من العلم تجبر الدولة أولياء الأطفال على تمكينهم من تحصيله، وهذا المستوى متفرّع من الأساس وهو توفير العلم، حسب الإمكانات، ونحن نرى أنّ الإسلام لا يمانع في ذلك لضرورة العلم بالنسبة إلى المجتمع وحاجاته، فلا بدّ من توفير المرحلة الأساسيّة الضروريّة لابتداء العلم الجدّيّ.

لكن يبقى السؤال: هل هناك، فيما يلي المرحلة الأساسيّة، علم من الضروريّ تأمينه لتلزم الدولة بذلك؟
لقد كلّف الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) رجالًا من المسلمين بأن يتعلّموا لدى المجتمعات الأخرى بعض الأمور، كما حاول الاستفادة من متقني اللغات الأخرى.

وأرسل (صلى الله عليه وآله وسلم) عروة بن مسعود وغيلان بن سلمة إلى جرش، ليتعلّموا التقنيات التي كانت ضروريّة لقيام الدولة والحفاظ عليها في الجوّ الحربيّ الذي كان سائدًا كاستعمال المنجنيق[63] ونحوه، ومن هنا نستطيع الاستنتاج أنّ على الدولة أن توفّر العلوم الضروريّة لاستمرار المجتمع والدولة الإسلاميّة وتطوّرهما، إذًا من الواجب توفير كلّ أنواع العلوم الضروريّة.
وبهذا تصبح إلزاميّة التعليم مسألة موظّفة لخدمة المجتمع، لا لتخريج أفواج العاطلين عن العمل في جوّ الليبراليّة التعليميّة، التي يروّج لها اليوم.

القانون الإنسانيّ
يمكن تلخيص المبادئ التي بيّنها الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) في مجال الحرب ومعاملة غير المقاتلين، في الحديث والخبرين الآتيين:
الحديث: «لا تغلّوا ولا تمثّلوا ولا تغدروا ولا تقتلوا شيخًا فانيًا ولا صيبًّا ولا امرأة…»[64].
الخبر الأول: «ما بيّت  رسول الله عدوًّا قط» [65].
الخبر الثاني: «نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يلقى السمّ في بلاد المشركين»[66]
هذه النصوص تحوي أسس القتال العامّة وهي، دون مراعاة للترتيب الوارد أعلاه، كما يأتي:
1- لا تمثّلوا: وهذا نهي عن الانتقام من رجال الخصم القتلى، وهو ما سوف تظهر ضرورته بعد كلّ المآسي التي عانتها البشريّة من الحروب، وما كان يحصل فيها من فظاعات، مما دفع المشرّعين الدوليّين إلى تحريم العبث بالجثث، وإلى تشريع ضرورة دفنها في مقابر يعلن عنها. وهذا ما كان يفعله الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بقتلى أعدائه، كما حمل التاريخ عن معركة بدر وغيرها.

على أنّ تحريم التمثيل إبان الحرب لا يقتصر على الأموات، بل هو يحمي الأحياء أيضًا؛ لأنّ اللفظ عامّ غير مخصّص.

2- لا تغدروا: وهذا نهي عن قتال الخصم قبل دعوته وإنذاره، وقد أخلص الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لهذا المبدأ كما لغيره، حتى أنّه لم يباغت عدوًّا له، ليتلافى أيّ حرب، كما ورد في الخبر الأوّل الذي ذكرناه أعلاه.
وتأسيسًا على مبدأ عدم الغدر، كان الالتزام بالعهود التي تُقطع للعدو، وعلى الرغم من مضيّ ما يزيد على أربعة عشر قرنًا على وضع الإسلام لهذه القاعدة، فإنّ البشريّة لم تستطع ترسيخها حتى اليوم. صحيح أنّ مؤتمر لاهاي الثالث ألزم من يزمع شنّ الحرب، بضرورة توجيه إخطار مسبق لا لبس فيه إلى خصمه، وأنّ هولندا اقترحت أن يوجّه الإنذار قبل أربع وعشرين ساعة على الأقلّ من بدء العمليّات الحربيّة، لكن الذي يجري عمليًّا اليوم هو أنّ الإنذار، إذا ما وُجّه، فهو يُوجّه فعليًّا بعد بدء العمليّات، كما أنّ العهود تنقض بكلّ خفّة عندما تمكن الفرص من العدو، وكلّ ذلك حفاظًا على عنصر المباغتة الذي لا ينفصل عن الغدر بسهولة.

3_ «لا تقتلوا شيخًا فانيًا ولا صبيًّا ولا امرأة... لأنّ هؤلاء جميعًا هم من غير المحاربين».
وهذا المبدأ ستُكتشف ضرورته بعد كل الحروب التي خاضتها البشريّة، حتى نهاية الحرب الثانية، حيث كرّست اتفاقيّة جنيف الرابعة، بتاريخ 12آب 1949، وملحقاها لسنة 1977، لحماية المدنيّين زمن الحرب، ولكن هذه الاتفاقيّة وملحقيها، لم تتحوّل فعليًّا إلى مبادئ عامّة توفّر الحماية للأبرياء في جميع الأحوال، ذلك أنّ قانون الحرب ما يزال يسمح بقصف المدن، وإن اشترط أن تكون محميّة، وأن يبتعد القصف عن أماكن العبادة، والمراكز الثقافيّة والأثريّة، وأماكن تجمّع النساء والأولاد والعجّز، شرط أن تحمل شارات تمكّن من تمييزها، فإذا اتخذت هذه الاحتياطات، يتسامح قانون الحرب بقتل الأبرياء، وهو لا يفرض إلا قيدين عامّين مطّاطين لا يمكن التحقّق من توفّرهما، وهما ما نصّ عليهما قرار الجمعيّة العموميّة للأمم المتّحدة المرقّم 2675 (xxv) الذي تضمّن مراعاة مبدأي الضرورة والتناسب.

فمبدأ الضرورة يعني ألاّ يتمّ اللجوء إلى تدبير عسكريّ ما، إلاّ عند الضرورة، بحيث يكون الوسيلة الأخيرة لتحقيق الهدف المنشود، ومبدأ التناسب يقضي بألاّ يُستخدم من أساليب  العنف ووسائل القتل والدمار، إلّا القدر الضروريّ لتحقيق ذلك الهدف، وأن لا يُضحّى بأعداد كبيرة من المدنيّين لتحقيق أهداف بسيطة.

4 _ عدم إلقاء السمّ في بلاد المشركين (الأعداء): لما يمثّله هذا الأمر من الغدر من جهة، ولما يسبّبه من قتل جماعيّ ولو محدود، وهذا ما اكتشفت الإنسانيّة ضرورته مؤخّرًا، فحرّمت الاتفاقات الدوليّة استخدام الغازات السامّة والأسلحة البكتريولوجيّة، لما تُحدِثه من قتل جماعيّ، وذلك في تصريح لاهاي سنة 1899، ثمّ في بروتوكول جنيف بتاريخ 17 حزيران 1925، وأخيرًا في اتفاق 16 كانون الأول لسنة ا197، دون أن تلغي كلّيًّا استخدام حتى الأسلحة النوويّة.
مما تقدّم يتبيّن أنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) أتى الإنسانيّة بمجموعة من الحقوق، لو أنّ المسلمين راعوها ونشروها، أو لو أنّ الإنسانيّة لم تلُذ تجاهها بالسلبيّة، بل بالعداوة، لكانت وفّرت على نفسها دماء ودموعًا كالأنهار، ثمّ لكانت تمتّعت بحقوق حقيقيّة لا وهميّة، يتمتّع بها القويّ والضعيف، الفقير والغنيّ، ولا تؤثّر فيها الإمكانات المادّيّة، ولا موازين القوى الاجتماعيّة.

الخلاصة
مما تقدّم يمكن الاستنتاج أن الإسلام، بصفته الدين الخاتم بين الديانات السماوية، فجّر الثورة الإنسانيّة الكبرى في هذا العالم، في مجال حقوق الإنسان أينما كان، وليس في داخل دولة معيّنة فقط. وهكذا فقد نقل البشرية من حالة العبوديّة الفعليّة أو الاحتياطيّة، حيث يعدّ الحاكم نفسه مالكًا لرعاياه بأنفسهم وأموالهم وحرّيّتهم، إلى حالة الانعتاق وعدم الخضوع إلاّ لله خالقهم ومالكهم. وقد تفرّعت الحقوق الإجماليّة المكرّسة بهذه الحالة إلى تفاصيل أقرّتها تعاليم الإسلام في الكتاب العزيز والسنة المطهّرة بما فيها ما يعود إلى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) مباشرة أو ما استنبطه الإمام عليّ (ع)، فكانت هذه الحقوق حقوقًا حقيقيّة لا تخضع لأمزجة الحكّام ولا تفرغ من مضامينها بسبب العوز؛ لأنّ المجتمع الإسلاميّ يجب أن يكون مجتمعًا متكافلًا يؤمّن العيش الكريم لكلّ شرائحه.

وإذا كانت البشريّة استطاعت، بعد أن دفعت أثمانًا باهظة من الدم والدموع والعرق حتى وصلت إلى إقرار حقوق للإنسان وحرّيّات عامّة، إلاّ أنّ ما أحرزته ليس ثابتًا راسخًا في كثير من الأحيان، لا سيّما وأنّ طبقات واسعة من الناس لا يمكنها التمتّع بكثير من تلك الحقوق لأسباب عديدة جرى تبيانها في متن دراستنا.
وهذه الحقوق لا تحترم ولا تطبّق إلاّ داخل الدولة المعنيّة، فإذا تحكّمت هذه الدولة بدولة أخرى، فإنّ الحقوق تداس، لا سيّما لدى الشعوب المستضعفة.

وإذا كانت القواعد الحقوقيّة في الإسلام تنبع، ما وراء النصوص، من الإيمان الذي يمنع الالتفاف والاستغلال، فإنّ الأمر يتحوّل في الأنظمة الوضعيّة إلى نصوص تشريعيّة يمكن المماحكة، لا في مسألة إثبات خرقها وحسب، بل وفي تفسير مضمونها نفسه، وهذا ما يفسح المجال للتلاعب عليها من خلال الثغرات والغموض اللذين لا بدّ أن يلازما أيّ نصوص وضعيّة مهما أوتي واضعوها من حنكة ودراية وبعد نظر، ناهيك عن تعمّد ذلك لأسباب مختلفة.
على أنّنا ملزمون بالاعتراف بأنّنا لم نستقصِ حقوق الإنسان في الإسلام، بل حاولنا، بإمكاناتنا المتواضعة القاصرة، استكشاف ما يوازي الحقوق التي أصبحت متعارفًا عليها في المجتمعات المتقدّمة مادّيًّا، وحسبنا فتح باب للدارسين، وخاصّة في الجامعات، كي يلجوا منه إلى أحكام الإسلام الواسعة بعيدة الغور، فيحقّقوا ويكتشفوا.
على أنّ الطريق طويل ولا نعتقد أنّه يمكن اجتيازه، إلا أنّ الأمر يستحقّ المغامرة.

المصادر والمراجع العربية
1. ابن شعبة الحراني، أبو محمد الحسن بن علي بن الحسين: تحف العقول، تصحيح وتعليق: علي أكبر الغفاري، ط3، قم، مؤسسة النشر الاسلامي (التابعة) لجماعة المدرسين بقم المشرفة، 1404هـ.
2 ابن هشام، السيرة النبويّة، دار الجيل، ج 3.
3. البروجردي، الحاج آقا حسين الطباطبائي: جامع أحاديث الشيعة في أحكام الشريعة، لا ط، قم، مطبعة المهر، 1373 ه ش/ 1415هـ ق، ج26.
4. الطبريّ، مذكور سابقًا، ج 2، وابن هشام السيرة النبويّة، ج4، وابن الأثير، مكتب الإعلام الإسلاميّ، قم،1418، ج2.
5.الريشهري، محمد: ميزان الحكمة، تحقيق: دار الحديث، ط1، قم، دار الحديث، 1416 ه، ج4، الجاحظ، البيان والتبيين، دار صعب، بيروت، دون تاريخ.
6. سنن أبي داوود المعروف بـ"السنن" (202هـ 275هـ) ويكي مصدر-  الأقضية/6. سلسلة كتب الحديث الستة.
7. الشيخ الأميني، عبد الحسين أحمد: الغدير، ط1، بيروت، دار الكتاب العربي، 1977م، ج10، ابن ماجة، جهاد/39.
8.  الشيخ الطوسي: تهذيب الأحكام، تحقيق وتعليق: السيد حسن الموسوي الخرسان، ط4، قم، دار الكتب الإسلاميّة، 1365 ش، ج6.
9.صحيح البخاري- مجموعة مصادر الحديث السنية – قسم الفقه- سنة الطبع 1401- 1981 م  الجزية والموادعة/5- دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع.

10.العلامة المجلسي: بحار الأنوار، ط3، بيروت، دار إحياء التراث العربي، 1983م، ج70.
11. الكليني، أبو جعفر محمد بن يعقوب بن إسحاق: الكافي، تصحيح وتعليق: علي أكبر الغفاري، ط3، قم، دار الكتب الإسلاميّة، 1367 هـ، ج7.
12.المادة 1/1/الجملة الأخيرة من اتفاقيّة منع التعذيب بتاريخ 10 كانون الأول/ديسمبر 1984.
13.الماورديّ، الأحكام السلطانيّة، مكتب النشر الإسلاميّ، السعوديّة، 1406.
14.مستدرك الوسائل من المجاميع الحيدثية المعتبرة الشيعية في القرون الأخيرة- ج 18- سنة 1319هـ - إشراف: الميرزا الشيرازي.
15.مسند أحمد بن حنبل – المؤلف: أبو عبد الله احمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني- المحقق: شعيب الأرناؤوط- ط 1- 1421هـ(2001م).
16. ميثاق الحقوق الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة بتاريخ 16 كانون الأوّل/ديسمبر 1966.
17. نهج البلاغة، شرح: محمد عبده، ط1، بيروت، دار المعرفة للطباعة والنشر، 1412 هـ، ج4؟
18.نهج محمد باقر المحموديّ، نهج السعادة، ج1.
19.وسائل الشيعة، 15/49- تأليف: الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي- تحقيق: مؤسسة آل البيت لإحياء التراث.

-------------------------------
[1]ـ باحث وأستاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية.
[2]- البروجردي، الحاج آقا حسين الطباطبائي: جامع أحاديث الشيعة في أحكام الشريعة، لا ط، قم، مطبعة المهر، 1373 ه ش/ 1415ه ق، ج26، ص100.
[3]- الكليني، أبو جعفر محمد بن يعقوب بن إسحاق: الكافي، تصحيح وتعليق: علي أكبر الغفاري، ط3، قم، دار الكتب الإسلاميّة، 1367 هـ، ج7، ص273.
[4]- بخاري، الجزية والموادعة/5.
[5]- الريشهري، محمد: ميزان الحكمة، تحقيق: دار الحديث، ط1، قم، دار الحديث، 1416 ه، ج4، ص3629؛ الجاحظ، البيان والتبيين، دار صعب، بيروت، دون تاريخ، س229.
[6]- الشيخ الأميني، عبد الحسين أحمد: الغدير، ط1، بيروت، دار الكتاب العربي، 1977م، ج10، ص273؛ ابن ماجة، جهاد/39.
[7]- مسند أحمد، 5/161 ومسلم أمارة،/35و 37.
[8]- الجاحظ، مذكور سابقا.
[9]- راجع: الكلينيّ: أصول الكافي، لا ط، بيروت، دار الأضواء، ج2، ص146؛ النسائيّ، بيعة/25.
[10]- الكليني، الكافي، م.س، ج7،ص175.
[11]- الحر العاملي، وسائل الشيعة، 12/136.
[12]- الكلينيّ، الكافي، م.س، ج2، ص145.
[13]- وسائل الشيعة، 15/49.
[14]- راجع: وسائل الشيعة، 7/28.
[15]- الكافي، مذكور سابقًا، ج2، ص351.
[16]- المصدر نفسه، ص352.
[17]- مستدرك الوسائل، ج 18، ص 273.
[18]- الوسائل، م 16، ص  111.
[19]- سنن أبي داوود، الأقضية/6.
[20]- الكلينيّ، مذكور سابقًا، ج7، ص413.
[21]- وسائل الشيعة، 27/59؛ بخاري، وصايا/8.
[22]- راجع ابن هشام، السيرة النبويّة، دار الجيل، ج 3،  ص 217.
[23] - راجع المادة 1/1/الجملة الأخيرة من اتفاقيّة منع التعذيب بتاريخ 10 كانون الأول/ديسمبر 1984.
[24] - المصدر نفسه، 2/92 و 115.
[25] - النهج، الكتاب 47.
[26] - أصول الكافي، دار الأضواء، 1998، ج 2 ص 368.
[27]- وسائل الشيعة، 14/33.
[28]- أحمد، 5/250 و261.
[29]- مسند أحمد، 5/261 و280.
[30]- مسلم، بر/58 وبخاري، مظالم/3
[31]- الكليني، مذكور سابقًا، ج2، ص355.
[32]- أصول الكافي 2/163.
[33]- ابن شعبة الحراني، أبو محمد الحسن بن علي بن الحسين: تحف العقول، تصحيح وتعليق: علي أكبر الغفاري، ط3، قم، مؤسسة النشر الاسلامي (التابعة) لجماعة المدرسين بقم المشرفة، 1404هـ، ص36.
[34] الوسائل، 12/44.
[35]- الكليني، مذكور سابقّا، ج2، 362.
[36]- نهج البلاغة، شرح: محمد عبده، ط1، بيروت، دار المعرفة للطباعة والنشر، 1412 ه، ج4، ص89.
[37]- الريشهري، ميزان الحكمة، م.س، ج3، ص1950.
[38]- الوسائل، 11/394.
[39]- الشيخ الطوسي: تهذيب الأحكام، تحقيق وتعليق: السيد حسن الموسوي الخرسان، ط4، قم، دار الكتب الإسلاميّة، 1365 ش، ج6، ص176.
[40]- الكليني، مذكور سابقًا، ج2، ص373.
[41]- مسند أحمد، 1/78.
[42]- الماورديّ، الأحكام السلطانيّة، مكتب النشر الإسلاميّ، السعوديّة، 1406، ص142.
[43]- مسلم، بيوع/20 وأبو داوود، بيوع/45.
[44]- الوسائل، 12/43.
[45]- المصدر نفسه،ص 18.
[46]- المصدر نفسه، ص11.
[47]- المجلسي: بحار الأنوار، ط3، بيروت، دار إحياء التراث العربي، 1983م، ج70، ص157.
[48]- الوسائل 12/25.
[49]- الوسائل 19/18.
[50]- كما في قانون العمل اللبنانيّ.
[51]- كما في قانون الموجبات والعقود اللبنانيّ.
[52]-كما في القانو ن المدني الفرنسي
[53]- نهج محمد باقر المحموديّ، نهج السعادة، ج1، ص198و 199.
[54]- الوسائل 18/589.
[55]- الكليني، الكافي، م.س، ج5، ص165؛ العلامة الحلي: تذكرة الفقهاء، ج12، ص166.
[56]- العلامة المجلسي، بحار الأنوار، م.س، ج79، ص91.
[57]- الريشهري، ميزان الحكمة، م.س، ج2، ص1044؛ بخاري، توحيد/2 .
[58]- بخاري، مظالم/5 ومسلم بر/ 65.
[59]- الريشهري، ميزان الحكمة، م.س، ج4، ص3708؛ بخاري، أدب/24 ومسلم، زهد/ 42.
[60]- بخاري، نفقات/1 ومسلم زهد/41.
[61] - راجع ميثاق الحقوق الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة بتاريخ 16 كانون الأوّل/ديسمبر 1966.
[62]- الكليني، الكافي، م.س، ج1، ص30.
[63]- راجع الطبريّ، مذكور سابقًا، ج 2، ص353 وابن هشام السيرة النبويّة، ج4، ص90 وابن الأثير، مكتب الإعلام الإسلاميّ، قم،1418، ج2، ص922
[64]- الكليني: الكافي، دار الأضواء، ط3، م5، كتاب الجهاد، ص28؛ راجع كذلك أبواب الجهاد في سائر الصحاح.
[65]- المصدر نفسه.
[66]- المصدر نفسه.