ملخصات أبحاث ومقالات العدد 26

 

الملـف

الأنثروبولوجيا القهرية

نقد فوكو لمنطق السلطة في العقل الغربي

رامز أحمد

لفهم علاقة الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو بـ"الأنثروبولوجيا"، قبولاً أو رفضاً، تأثراً أو تأثيراً، ينبغي، أولاً، التطرق إلى العلاقة المعقدة والإشكالية التي نشأت بين هذه الأخيرة والفلسفة، وينبغي، ثانياً، دفع التساؤل، حول هذه العلاقة، إلى ما هو أبعد من الرؤية المبسطة التي تقيم تعارضاً بين ميدانين معرفيين يقوم أحدهما على نوع من التساؤلات النظرية والتأملات الفكرية حول الطبيعة الإنسانية ومعنى الوجود الإنساني وغايته، بينما يقوم الآخر على نوع من البحث الميداني الهادف إلى فهم المجتمعات البشرية "علمياً" بعيداً عن النظريات الفلسفة التي شغلت المفكرين زمناً طويلاً. ولا بد من الإشارة في هذا السياق إلى أن الأنثروبولوجيا قد نهضت، تاريخياً، على نوع من القراءة النقدية للفلسفة، وبصورة خاصة فكرة الحق الطبيعي والعقد الاجتماعي، وفي قلب هذه القراءة النقدية طرحت مشكلة أصل الدولة والفرق بين الحضارة والبدائية كموضوعات وسمت نشأة البحث الأنثروبولوجي.

نشير في هذا السياق إلى أن القانون القديم لهنري سومنر مين (Henry Sumner Maine (1822-1888) )، وهو واحد من النصوص التأسيسية الكبرى للأنثروبولوجيا السياسية، يكرِّس فصلاً كاملاً لمناقشة النظريات الفلسفية لحالة الطبيعة والعقد الاجتماعي، وينخرط في نقد شديد لأطروحات روسو قبل أن يميِّز بين "التنظيم الاجتماعي"، حيث تهيمن القرابة، و "التنظيم السياسي" القائم على أساس الأرض. وهو تمييز سيظهر لاحقاً لدى ، إدوارد إيفانز بريتشارد و ماير فورتس Edward E. Evans-Pritchard et Meyer Fortes في عملهما الهام حول النظم السياسية الإفريقية (1940) إذ يقيم كلا المؤلفين، وهم من أساتذة الأنثروبولوجيا البريطانية.

كلمات مفتاحية: أنثروبولوجيا السلطة- التنظيم السياسي – سؤال الإنسان – الطبيعة اللاَّواعية- الثقافة اللاَّشعورية.

الأنثروبولوجيا كعلمٍ ماكر

عندما يتلاشى الإنسان في مجاهل التخمينات

نذير بوصبع

يحاول هذا البحث استقراء الأنثروبولوجيا ومدى استقامتها على سلّم العلم، وطرح السؤال حول امتلاكها قواعدَ محكمةً وموضوعاتٍ محدّدة... وكذلك نظرةٌ إلى غاياتها ووقفة عند أوهام المعتنقين لها والمؤمنين بجدواها والساعين إلى فرضها وافتكاكها من أحضان العلوم (الأم) التي سطت عليها (الأنثروبولوجيا) وأخذت منها -جميعاً- بنصيب وازن، كما يسعى إلى نقد احتفاء الباحثين العرب والمسلمين بهذا الدخيل والتقاطهم لما يلقونه مُلقًى من آثاره على قارعة الطريق، شارحين ومترجمين... ثم يصل البحث إلى خلاصة مؤداها أن الحديث عن الأنثروبولوجيا يأبى إلا أن يكون مقترنًا بالاستعمار الغربي الأوروبي القديم الأميركي الحالي، بأشكاله المادية والفكرية، وهو ما يَسمُ هذا (العلم) بوسم مستقبح، ويجعله بضاعة رديئة سيئة السمعة تستحقّ المقاطعة. وانطلاقاً من هذه المقدمات لم يهدأ العقل الغربي منذ الثورة الكوبرنيكية التي هزت مركزيّة الإنسان، ولم يكفَّ عن البحث في أبجديات الأشياء، بحثًا يوحي ظاهرُه بالسير في ركاب المعرفة، ولكنَّ باطنه يضمر ضروبًا من التمرّد والعبثية الصارخة أحيانا...عبثية تتاخم اللامعقول وتترك المرتكزات العقلية وراءها في نزعة لم تكن بمنأى عن الاحتفاء بحركة الشباب الأوربي المندفع والمتمرد على الأوضاع الاجتماعية والسياسية بعد الحرب العالمية الثانية، والانقياد لنزغاتها بدل السيطرة عليها وتوجيهها... وتلك هي الأجواء اتي احتضنت كثيرا من التيارات الثقافية والفلسفية، كالأنثروبولوجيا والتفكيكية والبنيوية وغيرها، خاصة في فرنسا وأميركا.

كلمات مفتاحية: الإستقراء- الأنثروبولوجيا الإستعمارية- الثورة الكوبرنيكية - السلطة العقلية - التفكير العلمي.

الغيريّة الأنثروبولوجيّة

تهافت في المنهج وإبهام في نظرية المعرفة

محمد باقر كجك

أثار إيمانويل ليفانس (1906-1995) في فلسفته عن الغيرية، العديد من الأسئلة التي ترتبط مجدداً، بالهموم الفلسفية التقليدية، اي البحث عن المعرفة انطلاقاً من محورية الذّات. تخيفُ المعرفة التي تولّدها الذّات، عبر التجريد الذي يقوم به العقل النظري، طائفةً من الفلاسفة الانسانيين، باعتبار أنّ الصبغة المطلقة والكليانية التي تتمتع بها الفلسفة العقليّة، تحمل في أعماقها قدرة انتاج حدود إقصائية أو إلغائية أو تصنيفية للآخر. بينما، يعتقد ليفانس والفلاسفة الإنسانيون والغيريون الجدد، أن الخروج من مربع الذّات إلى مربع الغير، وإنتاج معرفة تشاركيةٍ، تجعل تقبّل المنتجات المعرفية للآخر والأنا، أكثر مقبولية، لأنها لا تصدر عن الذّات المتعالية. هذا الهمّ المعرفي لليفانس، قد يظهر بدواً أنَّه يعالج مشكلة الإقصاء التي تقوم بها أغلب الفلسفات بل حتَّى المعارف الصادرة عن تعالي الذّات (الذّات البشرية، وغير البشرية)، إلا أنّ عقبات منهجية، وابستمولوجية، تُظهرُ أن المعرفة التي تقدمها الفلسفة الغيرية المعاصرة، هي معرفة ذاتُ اتّجاه مبهم حتى على مستوى أدوات المعرفة. إن مقاربة سؤال الغيرية من وجهة نظر فلسفية وأنثروبولوجية، بل وإثنوغرافية، والبحث عن نقطة التلاقي بينهما، هي أمر ضروري. إذ تشتد الحاجة أكثر فأكثر إلى اتجاه إنساني ذي أسس فلسفية عقلانية وبناء إنساني يأخذ بعين الاعتبار التداعيات الجادة للفلسفات على واقع حياة الإنسان وعلاقته مع نفسه والآخر. وعلى مستوى فهم الغيرية معرفياً يشكل السؤال الفلسفي الدائم حول حقيقة المعرفة، وأدوات الوصول إليها، وكيفية التثبت منها، الهاجس الدائم للمشتغلين في الفلسفة منذ البدايات المعروفة للفلسفة إلى يومنا هذا.

كلمات مفتاحية: الفلسفة العقليّة، الأنثروبولوجيا، الغيرية، الذّات، الآخر، إثنوغرافية السيرة الذّاتية.

الفطرة بوصفها نظرية أنثروبولوجية

رؤية لسجال منهجي مع العلوم الإنسانية الحديثة

حسين سوزنجي

تقترب هذه الدراسة من قضية إشكالية شديدة الحساسية والتعقيد في علم الإنسان كموجود مفارق في عالم الوجود. هنا تأسيس لرؤية ميتافيزيقية تنطلق من مفهوم الفطرة البشرية بما هي خاصِّية ينفرد بها الكائن الإنسان دون سائر الموجودات. وهذه الخاصِّية بقدر ما تتخذ أبعاداً متصلة بأصل الخلق الإلهي، هي أيضاً ذات أبعاد فعلية في الحقل الأنثروبولوجي. وفي يومنا الحاضر يبدو أن نظرية تشارلز دارون بشأن ماهية الإنسان قد تمّ اتخاذها لتكون أساساً للأنثروبولوجيا الإنسوية الحديثة، ويتم تحليل جميع شؤون الإنسان بوصفه حيواناً متكاملاً وفي ضوء الغريزة. وفي المقابل فإن الذي يتمّ تداوله في التعاليم والنصوص الإسلامية عن الإنسان بوصفه موجوداً متميّزاً هو اشتماله على حقيقة متعالية باسم "الروح" أو "الفطرة الإنسانية". وعلى الرغم من ذهاب بعض المفكرين في الثقافة الإسلامية إلى القول بأن الفطرة هي "أمّ المعارف"، بيد أن الحق هو أن "الفطرة" لم يتمّ التمكن حتى الآن من بيانها وتقديمها بوصفها نظرية متكاملة ومنسجمة يمكن لها أن تظهر لوازمها بالمقارنة إلى الآراء المنافسة الأخرى في حقل العلوم الإنسانية والاجتماعية. لقد تمّ السعي في هذه المقالة إلى إعادة صياغة نظرية "الفطرة" في قبال بعض الثنائيات الهامّة للفكر الغربي في إطار النظرية، والتعريف ببعض زواياها وأبعادها بشكل ضمني داخل الدائرة الأنثروبولوجية؛ وهي الأنثروبولوجيا التي تذهب إلى أبعد من العموميات، ويمكن توظيفها بوصفها مبنى في دائرة العلوم الإنسانية والاجتماعية في قبال النظريات الغربية.

كلمات مفتاحية: الفطرة، نظرية التطوّر، الإنسان، العلوم الإنسانية، العلوم الإجتماعية، تشارلز دارون.

المنهج الأنثروبولوجي وتطبيقاته في العالم الاسلامي

مقاربة تأصيلية

حميد بارسانيا 

هاشم مرتضى محمد رضا

تعد الانثروبولوجيا او علم دراسة الإنسان من المباحث الساخنة في الساحة الفكرية حالياً، بحيث حلَّت محل الفلسفة وأصبحت هي التيار الغالب في الأندية الفكرية الغربية. وهذه النظرية كسائر النظريات والعلوم قد تسربت الى العالم الإسلامي والعربي شيئاً فشيئاً وأصبح لها رواد ومتابعون وتم تطبيقها في قراءة التراث والظاهرة الدينية وعليه مست الحاجة الى التعرُّف على الأنثروبولوجيا علماً ومنهجاً وتحليل ونقد تطبيقاتها في العالم الإسلامي وهذه المهمة هي المحور الرئيسي في هذه الدراسة التي كتبها كل من حميد بارسانيا وهاشم مرتضى محمد رضا، وهي تتضمن مباحث ثلاثة: يتطرق المبحث الاول الى موجز تعريفي عن الأنثروبولوجيا وتاريخها. والمبحث الثاني يتعلق بتطبيقات المنهج الانثروبولوجي في العالم الإسلامي أما المبحث الثالث فمخصص للتحليل والنقد. وفي مجال تأصيل المصطلح ودلالاته أشرنا إلى أن الأنثروبولوجيا (Anthropology) هي علم دراسة الإنسان طبيعيًّا واجتماعيًّا وحضاريًّا، والمصطلح منحوت من كلمتين يونانيّتين (Anthropos) بمعنى الإنسان، و (Lagos) بمعنى العلم، وتعنيان معًا علم الإنسان.

والأنثروبولوجيا كعلم وإن ولدت في القرن التاسع عشر في الغرب، غير أنّ تطبيقاتها ومعانيها الجزئيّة تختلف من بلد غربي إلى بلد، ففي أميركا تعني الأنثروبولوجيا دراسة الإنسان من الناحيتين العضويّة والثقافيّة، مع إضافة دراسة حضارات ما قبل التاريخ، ودراسة اللغات وما شاكل. أمّا في أوروبا فإنّها ظهرت أوّلًا لدراسة التاريخ الطبيعي للإنسان.

كلمات مفتاحية: علم الأنثروبولوجيا – المنهج – دراسة الإنسان – التاريخ الطبيعي – أنثروبولوجيا الإسلام – نقد التطبيقات.

النظرية القصديّة عند الأصوليين

شواهد ومبررات من تاريخ الفكر الإسلامي

حسين جهجاه

تُدعى النظرية التي تهتم بقصد المؤلف أثناء عملية تفسير النص، بـ"النظرية القصدية". ومفادها ارتباط مُراد المؤلف بمعنى النص وتفسيره. وهي النظرية التي تبنّاها علماء أصول الفقه الإسلامي. تعرض هذه المقالة أبرز المبررات العامة والخاصة التي دعت الأصوليين إلى تقديم هذه النظرية، ثمّ ملاحظتها وتحليلها. إضافة إلى رصد الشواهد والتصريحات التي أدلى بها كبار الأصوليين حول تبنّي القصدية.  

يمكن لنا تقسيم المناهج المطروحة في مجال تفسير النصوص إلى نظريتين أساسيتين، هما نظريتا: القصدية واللاقصدية (أو ضد القصدية). والنظرية الأساسية والمشهورة التي تبناها علماء أصول الفقه الإمامية وكثيرٌ من الهرمنوطقيين، هي النظرية القصدية. ويُقصد بها –باختصار- تلك النظرية التي يهتم أصحابها بالوصول إلى مقصود المؤلف، ويعتبرون أنّ المهمة الأساسية في فهم النص وتفسيره هو الكشف عن مراده الذي كان يرمي إليه. وذلك على العكس تماماً من أصحاب نظرية اللاقصدية، الذين يدعون أنّه لا بد من عزل المؤلف عن النص حين تفسيره، وتحريره منه؛ لينفتح النص على قراءات متعددة له.

وقد طَرح أصحاب هاتين النظريتين العديد من المبررات على مدعاهما، كما ناقشا معاّ أسباب الطرفين. وما يهمنا في هذه المقالة هو أن نرصد الأسباب التي دعت الأصوليين لتبنّي "القصدية". ولكن قبل ذلك لا بد أنّ نُعرّف القصدية بشكل أدقّ، ونذكر الشواهد على تبنّي الأصوليين لها؛ وذلك لأنّه ظهرت مؤخراً بعض الآراء التي تدعي خلاف ذلك، حيث ذهبت إلى أنّ الأصولي لا يهتم بـ"المراد"، بل المهم لديه هو "المدلول"، وهو الذي يقع موضوعاً للحجية.

كلمات مفتاحيّة: القصدية، قصد المؤلف، النصّ الوحياني، الإرتكاز العقلائي، فلسفة الكتابة، دور المفسّر، فوضى الفهوم..

أنثروبولوجيا الإسلام
مدخل لتفكيك خطوط التفكير في المركزية الغربية

جعفر نجم نصر

في العقود الأربعة الأخيرة برز وبقوة وبحضور لافت للاهتمام تخصص معرفي جديد داخل حقل الأنثروبولوجيا أطلق عليه بـ(أنثروبولوجيا الإسلام). في ثنايا تبلور هذا الحقل الجديد تمت مراجعة القبليات الفكرية والمعرفية للكثير من مقولات وتصورات ومصطلحات الكثير من الانثروبولوجيين الغربيين، وتمت عملية اكتشاف بقايا مرجعيات ثقافية/استشراقية كانت هي الحاكمة والناظمة لهم وهذا الامر جعل انثروبولوجيا الاسلام أمام مراجعتين مهمتين لم تطل الرواسب الإستشراقية فحسب، بل طالت العمل الميداني/الحقلي ومنهجيته الأساسية الاثنوغرافيا، ولم يقف الأمر عند مراجعات طلال أسد ودانيل فاريسكو وادوارد سعيد وآخرون، بل تجاوزهم عبر مراجعة (الأنثروبولوجيون المحليون) في بعض بلدان العالم الإسلامي. وأمام هذا كله أعيد للمشهد مرة أخرى مسألة المركزية الغربية للوقوف ليس على جذوره الإستشراقية فحسب، بل وعلى إشكاليات المنهج الاثنوغرافي المهمين في الأنثروبولوجيا كذلك ، بعبارة أخرى أعيد طرح التساؤلات عن العلم الإجتماعي الغربي وكيف انه ما زال يعبر عن تلك المركزية الغربية، ويسوقها ضمن براديغمات جاهزة هيمنت هذه المرة على الحقل المعرفي الجديد، حقل (أنثروبولوجيا الإسلام).

تنطلق هذه المقالة من مجموعة أسئلة وتساؤلات تندرج على النحو التالي: ما هي أصول أو منابع ما اصطلح عليه بـ(أنثروبولوجيا الإسلام)؟ ومتى بدأ هذا التخصص الجديد من داخل الدائرة والأوسع (الانثروبولوجيا)؟ وهل استطاع اقامة دراسات ميدانية بعيدة عن الايديولوجيا الكونيالية ''Colonialism'' وما بعد الكونيالية الماثلة في البراديغمات الغربية المهيمنة على العلم الاجتماعي برمته؟ وما هو حضور الاستشراق ومواريثه في داخل هذا الحقل الجديد؟

كلمات مفتاحية: أنثروبولوجيا الإسلام – أثنوغرافيا الميدان – علم الإجتماع الغربي – الرواسب الإستشراقية- الإسلام المتخيّل.

معاثر الأنثروبولوجيا الأحيائية

مناقشة نقدية في تأثير نظرية التطوّر على العلوم الإنسانية

حميد إمامي فر

علي مصباح

عمد تشارلز دارون إلى بيان نظرية التطوّر بوصفها نظرية في علم الأحياء. بيد أن هذه النظرية لم تخلُ من النتائج الميتافيزيقية والتأثير الملحوظ على العلوم الإنسانية، بل إن تأثيرها على العلوم الإنسانية إذا لم يكن أكبر من تأثيرها على العلوم الأحيائية، فإنه لم يكن بأقلّ منها. سوف نعمل في هذه المقالة ـ من خلال تقديم تقرير عن نظرية التطوّر ـ على بيان تأثير هذه النظرية على المباني الأنثروبولوجية للعلوم الإنسانية، في الحقول الخمسة الآتية، وهي: حقيقة الإنسان، وموقع الإنسان في نظام الوجود، وإرادة الإنسان واختياره، والكمال النهائي للإنسان، وخلق الإنسان، ونعمل على بحثها ومناقشتها، وسوف نثبت أن المباني الأنثروبولوجية للعلوم الإنسانية ـ المنبثقة عن النظرة التكاملية إلى العالم ـ لا تنسجم مع المباني الأنثروبولوجية للعلوم الإنسانية الإسلامية التي تحظى بتأييدنا.

لقد سجّل تشارلز روبرت دارون في كتابه (أصل الأنواع) تحدّياً أمام أجزاء هامّة من الرؤية التقليدية والدينية حول الحياة والكائنات الحيّة. وقد بدأ تأثير نظريته بشكل جاد على حقيقة وجود الإنسان عندما صدر كتابه تحت عنوان "أصل الإنسان". فقد ذكر في هذا الكتاب ذات ذلك البحث الذي سبق له أن ذكره حتى الآن بشأن سائر الكائنات، ولكنه تناوله هذه المرّة من زاوية الإنسان فقط. وقد أثر بهذه الرؤية على الفهم التقليدي والديني إلى الإنسان بشدّة.

كلمات مفتاحية: نظرية التطوّر، تشارلز دارون، العلوم الإنسانية، المباني الأنثروبولوجية، الداروينية.

 

باب نقد الغرب

المفكر الأزهري محمد البَهِيّ

ناقداً أصيلاً لمذاهب الغرب وداعية إستقلال

غيضان السيد علي

يُعد محمد البَهِيّ (1905-1982) أحد أهم المفكرين في الفكر العربي المعاصر من الذين تصدوا للفكر الغربي الوافد دون الوقوع في براثن الانغلاق الفكري. فقد ركز البَهِيّ على الحلول الإسلاميَّة بوصفها الأنسب والأقرب إلى علاج مشكلاتنا الراهنة. هاجم المَذَاهِب الغربيَّة رائياً إليها على أنها ليست مذاهب فكر ومنطق تستهدف حماية الإنسان من التلبيس والخداع، إنما هي بالأحرى دعوة إلى التلبيس والخداع والغفلة. فمعظم هذه المَذَاهِب الهدَّامة تدعو إلى العالمية، والعالميّة في حقيقتها ليست سوى دعوة لمفارقة المسلمين نظامهم القيمي الذي هو بمثابة الإطار الذي يجمع شملهم ويحفظ وحدتهم من الانفراط وهذه الدعوة من ناحية أخرى هي مسعى إلى ذوبانهم في الآخرين، والإذعان إلى القيم الغربية.

وجَّه البَهِيّ سهام نقده للفكر الغربيَّ عبر دعوته للاستقلال التام للأمة الإسلامية سياسةً وفكرًا عبر كتابه القيِّم والمهم "الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي" الذي فصَّل فيه القول حول بيان السبيل لمن يحرص من أبناء الشرق الإسلامي على الاستقلال في الفكر والسياسة من مفكري الإسلام وزعمائه السياسيين. وهذا السبيل ليس هو سبيل الغرب الذي يدعونا إليه؛ لأن في سبيل الغرب قبول الاستعمار والمذلة والدعوة إلى التخلف والتبعية، وإنما هو سبيل الشرق(الإسلامي) الذي يريد أن يتحرر من استعمار الغرب وإذلاله وحرصه على أن يبقى متخلفًا.

كلمات مفتاحية: المادية المعاصرة – الفكر الهدَّام – الإصلاح الديني- الشالإصلاح معاصرة - الفكر رق الإسلامي- المذاهب الفكرية.

من الحداثة الداروينية إلى الحداثة الدنيوية

نقد المسيري للحضارة الغربية المعاصرة

محمد الشريف الطاهر

يعد مشروع المفكر المصري عبد الوهاب المسيري في جوهره مشروعاً نقدياً للحضارة الغربية، وقد اتجه هذا النقد أساساً نحو الحداثة ومآلها المابعد حداثي، وتكمن أهمية هذه الممارسة النقدية في تفكيك النزعة التقديسية للحداثة الغربية، والتي هي في الحقيقة تعبير عن الانهزامية التي منيت بها الروح العربية المعاصرة، والتي أضحت تنغلق على كل ما هو غربي بدعوى العلمية والتقدمية وغيرها من الإدعاءات والتي تنتهي إلى إغفال الذات العربية وخصوصيتها المتعينة في تاريخها ولحظتها الآنية المعاصرة، فسادت الغفلة عن واقعنا ومشكلاته الحقيقية.

طرح عبد الوهاب المسيري عدة أسئلة حول الحداثة الغربية، ابتداء من ماهيتها وانتهاء إلى إمكانية تطبيقها على عالمنا العربي المعاصر، وقد أفضت كل هذه الأسئلة إلى استيعاب للحداثة الغربية ثم نقدها ليصل إلى تقديم بديل عنها، مقدما بذلك خطاباً تفسيرياً يسبق الممارسة النقدية، والتي لا تتوقف فقط عند تفكيك الانتاج المعرفي الغربي بل تمتد كذلك إلى تأسيس بديل حضاري مشروط بالإنسانية مما يطرح علينا عدة أسئلة- هي موضوع المقالة- وهي: لماذا ربط المسيري بين الداروينية والحداثة؟ وما وجه الصلة بينهما؟ وهل قادت هذه الحداثة الإنسانية إلى مآل لا إنساني لتستدعي بديلاً إنسانياً؟ ولكي نصل إلى تكوين صورة شاملة وعميقة حول فهم المسيري للحداثة الغربية، وجب تحديد نموذجها المعرفي، والذي يشهد عند المسيري تشابكاً مفاهيمياً وتداخلاً بين المجالات المفهومية التي يستعملها، والقصد من المجال أن كل مفهوم له مجاله الذي يدُّل عليه.

كلمات مفتاحية: الحداثة – العقلانية – المشروع التحديثي- المادية الصلبة – الداروينية.

 

باب التأصيل

الأمر والنهي بوصفهما نظاماً أخلاقياً إلهياً

قراءة تأصيلية لِإشكالية الحرية الفردية في ضوء القرآن الكريم

سامر توفيق عجمي

الفكر الإصلاحي، الروح الثورية، التغيير الاجتماعي، النقد البنّاء، الواجب الأخلاقي، حسّ المسؤولية، التفاعل الإيجابي، المشاركة الفعّالة، إدراك الدور، مكافحة الفساد، المساندة، الدّعم، التضامن، التعاون، التعاطف... مصطلحات نطالعها يوميّاً في حقول معرفيّة مختلفة: علم النفس، التربية، الاجتماع، السياسة، الإدارة...، كونها تشكِّل عناصر محوريّة في بناء المجتمع العادل وتكوين البيئة الصالحة، ولا نجدّ مصطلحاً إسلاميّاً يجمعها في ظلال شبكته المعنائية بعلاقة المطابقة أو التضمّن أو الالتزام، إلا: "الأمر بالمعروف" و "النهي عن المنكر".

تسعى هذه الدراسة إلى تأصيل آية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إنطلاقاً من مقاصد الكلام الإلهي، والآليات المعرفية التي تشكِّل مفاتيح معرفية لتسييل جملة من المفاهيم المتصلة بالعلوم الإنسانية في حقل النظرية والتطبيق.

لو استقرأنا القرآن الكريم، نلاحظ الأمر والنهي بجملة مفاهيم بنيوية، مثل: الإرادة الإلهية، النبوة، الولاية، التمكين، القيام، الأمّة، الإيمان، الصلاح، الفلاح، الخير، القسط، العدل، الإحسان، الاستقامة، النجاة، المدد، البركة، الشيطان، النفاق، الفساد، الفحشاء، البغي، السوء، الظلم، الهلاك...

فليس كمثلها فريضة، تعبِّر عن قوة الحضور الأخلاقي والعاطفي للإسلام في الحياة الإنسانيّة العامة، وفعاليّة دوره في عمليات تنمية المجتمع، وإصلاحه، وتغييره، والنهوض به في مختلف الميادين: الفكرية، التربوية، الاجتماعية، السياسية، الاقتصادية، الماليّة، الإدراية، والإعلاميّة... في هذا السياق، نفهم ما روي عن الإمام علي عليه السلام: "وما أعمال البرِّ كلّها، والجهاد في سبيل الله، عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إلا كنفثة في بحر لجّيّ".

كلمات مفتاحية: المجتمع العادل – الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- العلوم الإنسانية – الواجب الأخلاقي- التفاعل الإيجابي.