البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

التكافؤ الخلّاق عن منظومة الحياة الاقتصادية وفق الرؤية الإسلاميّة

الباحث :  حسن أحمد الهادي
اسم المجلة :  الاستغراب
العدد :  23
السنة :  ربيع 2021م / 1442هـ
تاريخ إضافة البحث :  July / 6 / 2021
عدد زيارات البحث :  98
تحميل  ( 1.614 MB )
تُقارب هذه الدّراسة الأطروحة الاقتصاديّة الإسلاميّة بوصف كونها ركناً من الأركان الناظمة لحياة الإنسان فرداً أو جماعة حضارية. وبهذه المثابة لا يعود الاقتصاد وفقاً للقرآن والسنّة الشريفة مجرد حالة نمطية تفترضها شروط البيئة المجتمعية، وإنما يتصل إتصالاً وثيقاً بروح الشريعة وتدبيراتها.

وفي سعيها إلى تظهير نظرية معرفة لفهم المنظومة الاقتصادية الإسلامية، يعمل الباحث على الإحاطة بهذه القضية انطلاقاً من المرجعيّة القرآنيّة، وكذلك استناداً إلى أبرز ما قدّمه الفكر الإسلامي في حقل التدبير الاقتصادي وتنظيم الحياة العامّة.

المحرِّر

الإسلام دين الإنسانيّة، ونظامه نظامٌ شاملٌ لجميع نواحي الحياة، يربط بعضها ببعضها الآخر ربطًا عضويًّا منطقيًّا، وينطلق من واقع الحياة الإنسانيّة وخصوصيّاته لمعالجة قضاياها بشتّى مستوياتها، وبما يتناسب مع تطلّعات الإنسان في هذه الحياة وسواها من مراحل الحياة الأخرى.

ونظرًا إلى الكينونة الاجتماعيّة التي ينطوي عليها الإنسان منذ أن فطره الله وبرأه، ونظرًا إلى أنّه يولد اجتماعيًّا؛ كان الإسلام دين المجتمع كما هو دين الفرد، وكان القرآن كتاب المجتمع الإنسانيّ كما هو كتاب كلّ فرد من أفراد هذا المجتمع بلا استثناء.
لذلك، كان لا بدّ للحياة الإنسانيّة من قانون يحميها، بحيث ينظّم الاجتماع البشريّ، وينشر العدل والخير، ويمنع الظلم والشرّ، ويحقّق لها أهدافها السامية، وهو ما تكفّلت به الشرائع السماوية التي تتطابق بمبادئها وأهدافها مع الفطرة الإنسانيّة، وتستوعب حاجات الإنسان كافّة، وتنظِّمها تنظيماً دقيقاً. قال الله تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ)[2].

فالوجود في الإسلام لا يعرف الفوضى أو العبث، قال الله تعالى: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ)[3]. وكلّ تشريع إلهي مهما كان نوعه، وقد أوجبه الله، أو ندب إليه، أو نهى عنه، يهدف إلى تربية الإنسان وتهذيبه والارتقاء به وحفظ حقوقه العامّة والخاصّة.

ويمثّل الفقه الإسلاميّ الجانب القانونيّ والنظاميّ في التشريع الإسلاميّ، في حين ترعى العقيدة الجانب الإيمانيّ والفكريّ، إلى جانب بقية مكوّنات الشريعة الإسلامية من الأخلاق والقيم.. التي تشكّل بمجموعها منظومة متكاملة تتكفّل بتربية المجتمعات البشريّة وتنظيمها وإدارتها على أسس وأنظمة مستمدّة من وحي السماء.
وقد حملت نظرة الإسلام إلى البعد الاجتماعيّ في الإنسان - أي بما هو كائن اجتماعي - معها كلّ دواعي الاستقرار والتوازن الاجتماعيّ؛ انطلاقاً من التوازن الفرديّ الخاصّ، وصولاً إلى التوازن المنظوميّ العامّ، فشرّعت قوانين تكفل حفظ جميع هذه التوازنات وصيانتها من الاهتزاز والخلل.

وفي هذا الإطار، يمكننا أن نفهم الغرض من التشريعات الإسلاميّة الخاصّة بالعلاقات الاجتماعيّة والاقتصاديّة، والذي يمكننا أن نلخّصه في مقولة واحدة؛ وهي: إنّ الإسلام سعى إلى تربية مجتمع متشرّع على أنقاض مجتمع مشرّع، فعوضاً عن أن يكون الناس مشرّعين لأنفسهم، يصبحون قابلين للشرع الإلهيّ، مسلّمين للشّارع أمرهم وقيادتهم، وهذا هو القدر المتيقّن من الإسلام.

ماذا نقصد بنمط الحياة الاقتصاديّة؟
وبالتوقّف مع موضوع الاقتصاد، نجد أنّ كلمة الاقتصاد ذات تأريخ طويل في التفكير الإنسانيّ، وقد أكسبها ذلك شيئاً من الغموض؛ نتيجةً للمعاني التي مرّت بها، وللازدواج في مدلولها بين الجانب العلميّ من الاقتصاد والجانب المذهبيّ. وهذا ما يدعونا إلى الإشارة إلى مدلول الاقتصاد الإسلاميّ، و تحديد المقصود من الاقتصاد الإسلاميّ. فعلم الاقتصاد: هو العلم الذي يتناول تفسير الحياة الاقتصاديّة وأحداثها وظواهرها، وربط تلك الأحداث والظواهر بالأسباب والعوامل العامّة التي تتحكّم فيها. وأمّا الطريقة التي يفضّل المجتمع اتّباعها في حياته الاقتصاديّة، وحلّ مشاكلها العمليّة فيعبّر عنه بالمذهب الاقتصادي. ولذلك لا يمكن أن نتصوّر مجتمعاً من دون مذهب اقتصاديّ؛ لأنّ كلّ مجتمع يمارس إنتاج الثروة وتوزيعها؛ ولهذا لا بدّ له من طريقة يتّفق عليها في تنظيم هذه العمليّات الاقتصاديّة، وهذه الطريقة هي التي تحدّد موقفه المذهبيّ من الحياة الاقتصاديّة. ولا شكّ في أنّ اختيار طريقة معيّنة لتنظيم الحياة الاقتصاديّة ليس اعتباطيّاً أو مطلقاً، وإنّما يقوم دائماً على أساس أفكار ومفاهيم معيّنة، ذات طابع أخلاقيّ أو علميّ أو أيّ طابع آخر. وهذه الأفكار والمفاهيم تكوّن الرصيد الفكريّ للمذهب الاقتصاديّ القائم على أساسها. وحين يُدرس أيّ مذهب اقتصاديّ يجب أن يُتناول من ناحية طريقته في تنظيم الحياة الاقتصاديّة، ومن ناحية رصيده من الأفكار والمفاهيم التي يرتبط بها هذا المذهب. فإذا درسنا -مثلاً- المذهب الرأسمالي القائل بالحرّيّة الاقتصادية، كان لزاماً علينا أن نبحث عن الأفكار والمفاهيم الأساسيّة، التي يقوم على أساسها تقديس الرأسماليّة للحرّيّة وإيمانها بها... وهكذا الحال في أيّ دراسة لمذهب اقتصاديّ آخر[4].

بناءً على ما تقدّم، فحين نطلق كلمة (الاقتصاد الإسلاميّ)؛ نعني به: المذهب الاقتصاديّ في الإسلام، الذي تتجسّد فيه الطريقة الإسلاميّة في تنظيم الحياة الاقتصاديّة؛ بما يحوي هذا المذهب من رصيد فكريّ؛ متشكِّل من أفكار الإسلام الأخلاقيّة، والأفكار العلميّة الاقتصاديّة أو التأريخيّة التي تتّصل بمسائل الاقتصاد السياسيّ أو بتحليل تأريخ المجتمعات البشريّة، وهكذا.. فنحن نريد بالاقتصاد الإسلاميّ: المذهب الاقتصاديّ منظوراً إليه في إطاره الكامل، وفي ارتباطه بالرصيد الفكريّ الذي يعتمد عليه، ويفسّر وجهة نظر المذهب في المشاكل التي يعالجها.

ويتحدّد هذا الرصيد الفكريّ لدينا؛ وفقاً لبيانات مباشرة وردت في الإسلام، فحينما نريد أن نعرف -مثلاً- رأي الإسلام في حقيقة الدور الذي يلعبه كلّ من رأس المال ووسائل الإنتاج والعمل في عمليّة الإنتاج... يجب أن ندرس ذلك من خلال الحقوق التي أعطاها الإسلام لكلّ واحد من هذه العناصر في مجال التوزيع؛ كما هو مشروع في أحكام الإجارة، والمضاربة، والمساقاة، والمزارعة، والبيع، والقرض، وغيرها.
وهكذا، يتّضح أنّ الاقتصاد الإسلاميّ مترابط في خطوطه وتفاصيله، وهو بدوره جزء من صيغة عامّة للحياة. وهذه الصيغة لها أرضيّة خاصّة بها، حيث يوجد المجتمع الإسلامي الكامل حين يكتسب هذه الصيغة والأرضيّة معاً، فيحصل على النبتة والتربة كليهما، ويستقيم منهج البحث في الاقتصاد الإسلامي حين يُدرَس الاقتصاد الإسلاميّ بما هو مخطّط مترابط، وبوصفه جزءاً من الصيغة الإسلاميّة العامّة للحياة التي ترتكز بدورها على التربة والأرضيّة التي أعدّها الإسلام للمجتمع الإسلاميّ الصحيح.

وإذا نظرنا بإيجاز إلى أرضيّة المجتمع الإسلاميّ نجد أنّها تتكوّن من العناصر الآتية:
1. العقيدة؛ وهي القاعدة المركزيّة في التفكير الإسلاميّ التي تحدّد نظرة المسلم الرئيسة إلى الكون بصورة عامّة.
2. المفاهيم التي تعكس وجهة نظر الإسلام في تفسير الأشياء على ضوء النظرة العامّة التي تبلورها العقيدة.
3. العواطف والأحاسيس التي يتولّى الإسلام بثّها وتنميتها؛ لأنّ المفهوم -بصفته فكرة إسلاميّة عن واقع معيّن- يفجّر في نفس المسلم شعوراً خاصّاً تجاه ذلك الواقع، ويحدّد اتّجاهه العاطفيّ نحوه. فالعواطف الإسلاميّة وليدة المفاهيم الإسلاميّة، والمفاهيم الإسلاميّة بدورها موضوعة في ضوء العقيدة الإسلاميّة الأساسيّة. ولنأخذ التقوى مثلاً على ذلك؛ ففي ظلّ عقيدة التوحيد ينشأ المفهوم الإسلاميّ عن التقوى؛ بوصفها ميزان الكرامة والتفاضل بين أفراد الإنسان، وتتوّلد عن هذا المفهوم عاطفة إسلاميّة بالنسبة إلى المتّقين؛ وهي عاطفة الإجلال والاحترام.

ويتألّف الاقتصاد الإسلاميّ من ثلاثة أركان رئيسة، تحدّد محتواه المذهبيّ، وتميّزه بذلك عن سائر المذاهب الاقتصاديّة الأخرى في خطوطها العريضة، وهذه الأركان هي الآتية:

1. مبدأ الملكيّة المزدوجة: يختلف الإسلام عن الرأسماليّة والاشتراكيّة في نوعيّة الملكيّة التي يقرّرها اختلافاً جوهريّاً، فالمجتمع الإسلاميّ لا تنطبق عليه الصفة الأساسيّة لكلّ من المجتمعين؛ لأنّ المذهب الإسلاميّ لا يتّفق مع الرأسماليّة في اعتبار الملكيّة الخاصّة هي المبدأ. ولا مع الاشتراكية في اعتبارها للملكيّة الاشتراكيّة مبدأً عامّاً، بل إنّه يقرّر الأشكال المختلفة للملكيّة في وقت واحد، فيضع بذلك مبدأ الملكيّة المزدوجة (الملكية ذات الأشكال المتنوّعة)، بدلاً عن مبدأ الشكل الواحد للملكيّة الذي أخذت به الرأسماليّة والاشتراكيّة. فهو يؤمن بالملكيّة الخاصّة، والملكيّة العامّة، وملكيّة الدولة[5]. ويخصّص لكلّ واحدٍ من هذه الأشكال الثلاثة للملكيّة حقلاً خاصّاً تعمل فيه، ولا يعتبر شيئاً منها شذوذاً واستثناءً، أو علاجاً موقّتاً اقتضته الظروف.

2. مبدأ الحرّيّة الاقتصاديّة في نطاق محدود: وهو السماح للأفراد على الصعيد الاقتصاديّ بحرّيّة محدودة بحدود من القيم المعنويّة والخلقيّة التي يؤمن بها الإسلام. وفي هذا الركن، نجد -أيضاً- الاختلاف البارز بين الاقتصاد الإسلاميّ والاقتصادين الرأسماليّ والاشتراكيّ. فبينما يمارس الأفراد حرّيّات غير محدودة في ظلّ الاقتصاد الرأسماليّ، وبينما يصادر الاقتصاد الاشتراكيّ حرّيّات الجميع، يقف الإسلام موقفه الذي يتّفق مع طبيعته العامّة، فيسمح للأفراد بممارسة حرّيّاتهم ضمن نطاق القيم والمُثل، التي تهذّب الحرّيّة وتصقلها، وتجعل منها أداة خير للإنسانيّة كلّها.

3. مبدأ العدالة الاجتماعية: جسّد الإسلام هذا المبدأ في تعاليمه؛ من خلال ما زوّد به نظام توزيع الثروة في المجتمع الإسلاميّ من عناصر وضمانات تكفل للتوزيع قدرته على تحقيق العدالة الإسلاميّة، وانسجامه مع القيم التي يرتكز عليها. فإنّ الإسلام حين أدرج العدالة الاجتماعيّة ضمن المبادئ الأساسية التي يتكوّن منها مذهبه الاقتصاديّ؛ لم يتبنَ العدالة الاجتماعيّة بمفهومها التجريديّ العامّ، ولم ينادِ بها بشكلٍ مفتوحٍ لكلّ تفسير، ولا أوكله إلى المجتمعات الإنسانيّة التي تختلف في نظرتها للعدالة الاجتماعيّة؛ باختلاف أفكارها الحضاريّة ومفاهيمها عن الحياة...

وتحتوي الصورة الإسلاميّة عن العدالة الاجتماعيّة على مبدأين عامّين، لكلّ منهما خطوطه وتفصيلاته، وهما: مبدأ التكافل العامّ، ومبدأ التوازن الاجتماعيّ. وفي التكافل والتوازن بمفهومهما الإسلامي تحقّق القيم الاجتماعيّة العادلة، ويوجد المثل الإسلاميّ للعدالة الاجتماعيّة.

عناصر نمط الحياة الاقتصاديّة للمجتمع في ضوء الرؤية الإسلاميّة
نتوقّف بداية مع مقدمات تأسيسيّة هامّة ترتبط بالخلفيّة الدينيّة لهذا النّوع من نمط الحياة الإسلاميّة:

أوّلاً: الإسلام دين الحياة: إنّ الإسلام رؤيةٌ كونيّةٌ، وشريعةٌ حياتيّةٌ متكاملةٌ. وبالتالي، لا يمكنه إهمال كلّ ما من شأنه التأثير في الإنسان ومحيطه، وتركه من دون ضوابط توجّهه. وحيث إنّه بات من البديهي أنّ تشكيل الاقتصاد يُعدّ أحد أهمّ هذه المؤثّرات؛ فقد جاءت الشريعة الإسلاميّة لتنظيمه، وخطوات الإسلام التي خطاها في سبيل إيجاد المجتمع الإنسانيّ الأفضل عبر تجربته التاريخيّة المشعّة، كانت واضحةً وصريحةً في اهتمامه بهذا الركن الرئيس من اقتصاده.

ثانياً: الخلافة العامة وتكريم الإنسان: إنّ الله سبحانه وتعالى شرّف الإنسان بالخلافة على الأرض فكان الإنسان متميّزاً عن كل عناصر الكون بأنّه خليفة الله على الأرض، وبهذه الخلافة استحقّ أن تسجد له الملائكة وتدين له بالطاعة كل قوى الكون المنظور وغير المنظور[6]. وفي هذا التشريف تكريم كبير للإنسان، حيث ينتسب الإنسان بهذه الخلافة إلى سيد الكون ومالكه المطلق، قال تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى ءَادَمَ وَحَمَلْنَـهُمْ فِي ا لْبَرِّ وَا لْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَـتِ وَفَضَّلْنَـهُمْ عَلَى كَثِير مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً)[7].

وتشريف الإنسان وتكريمه يرتفع به إلى مستوى رفيع يحتلّه في الكون ويعطيه شعوراً بالعظمة أمام كل قوى الكون الأخرى، فلا يهبط إلى مستوى سحيق يسلبه هذا الشرف وهذه الكرامة. وهذا الشعور الداخلي بالعزّة -كما قال الله تعالى: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ)[8]- كفيل بأن يرتفع بسلوك الإنسان إلى ما يتناسب مع عزّته وكرامته ولا يتنازل عند الشهوات والأهواء التي تهبط به عن عرش عزته وكرامته. عن الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام): من عرف قدر نفسه لم يهنها الفانيات[9].

وقال تعالى: (مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فللَّهِ ا لْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ)[10]. أرأيت كيف فرّع على إرادة العزة وطلبها الارتباط بالله تعالى ويستتبعه الطيب والصلاح في المعتقد والسلوك.

وعن أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) في دعاء عرفة: يا من خصّ نفسه بالسموّ والرفعة وأولياؤه بعزته يعتزون[11] .
وبهذا نفهم الدور الريادي لأنبياء الله ورسله في هداية الإنسان إلى سبل الحق والخير والطاعة، التي يجب أن تتجسّد في الصالح الاجتماعي العام؛ لأن مبدأ الخلافة الإلهية في الأرض قائم على الطاعة لله والخدمة لعباده. قال الله تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِه)[12] وقال تعالى: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ )[13] .

فالأنبياء وأوصياءهم يقومون بدورٍ تربويٍّ تزكويٍّ رياديٍّ يضمن للسائرين على خطاهم سلامة السير وصحة المسيرة وعدم الانحراف نتيجة التربية بالقدوة الحسنة، وهذا دور يمتاز به الدين الحقّ الذي يجعل من هؤلاء الهداة قادة أكفّاء قادرين على إنجاز مهمّة التربية العظيمة.

وعليه، فإذا كان الإنسان يفكّر في خيره وصلاحه ويحب ذاته دائماً وأبداً، فالدين قادر على حفظ هذه الفطرة وتنظيفها في سبيل التنازل عن لذائذ الحياة الدنيا والتعويض عنها بمبدأ الإيمان والمعاد والحياة الآخرة؛ وهي الحياة الطيبة التي يصبو إليها كلّ إنسان تفتّحت لديه أنواع الخير، ورام الوصول إلى رضوان الله الداعم إلى اجتياز كلّ ما يعيق الإنسان من عقباتٍ كؤودةٍ في هذه الحياة الدنيا.
وبهذا الإجراء الإيمانيّ والتربويّ يمكن لكلّ أبناء المجتمع أن يتنازلوا عن كلّ ما يصدّ عن رضوان الله ويمكنهم أن يحقّقوا كلّ ما تقتضيه الشريعة وتريده لهم من التكافل والتضامن والإنفاق والرعاية فيما بينهم رغم استلزامها الحرمان الدنيويّ ما دام لا ينفك عن الأجر الأخرويّ الأبديّ.

ثالثاً: الاستئمان والرقابة الدائمة داخل الإنسان: الخلافة هي عطاءٌ ربّانيٌّ وفعلٌ ربوبيٌّ تمثل الدور الإيجابيّ والتكريميّ من ربّ العالمين إلى الإنسان. وهو شأنٌ إلهيّ حين يتقبّله الإنسان تصبح أمانة في عنقه. والأمانة المعروضة على السموات والأرض والإنسان، والتي أبت الكائنات من حملها لما لا تتّصف به من الكفاءات اللّازمة لها، وحملها الإنسان العاقل المريد المختار لما يتّصف به من قابليات جعلته قادراً على حملها والتّكيّف حسب مقتضياتها ومتطلّباتها، هذه الأمانة (أمانة الخلافة والمسؤوليّة الربانيّة) هي الوجه التقبّلي للخلافة. والخلافة هي الوجه الفاعلي والعطائي للأمانة.

وهذه الأمانة لم تعرض على الإنسان بوصفها تكليفاً أو طلباً لأنها كانت معروضةً على الأرض والجبال ولا معنى لتكليفها، إذًا فهو عرضٌ تكوينيٌّ لا تشريعيّ.
وهذا معناه أنّ هذا العرض الرباني كان يفتّش عن الموضع القابل لها في الطبيعة، بحيث ينسجم معها بتطرّقه وبتركيبه، والإنسان هو الكائن الوحيد الذي تتقبّل بنيته هذه الأمانة والمسؤوليّة! والاستئمان معناه زرع رقيب داخل الإنسان يراقب أفعاله وتصرفاته وسلوكه إزاء هذه الأمانة والمسؤوليّة، وتدعو إلى الاحساس بالواجب دائماً وأبدًا. فالأمانة عهد والعهد هو المسؤولية كما قال تعالى: (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً)[14]. ومن هنا لم يكن الإنسان متحوّلاً إلّا أن يحكم بموجب حكم الله المستخلِف، وهو الحكم بالقانون والدين الحقّ، وهو الذي يحمّل الإنسان هذه الأمانة، ويجعل منه رقيباً على نفسه.

وهذه الرقابة إن لم تكن مضمونةً، فهي أرضيّة خصبة للاستواء والتكامل والتسامي باتّجاه الحق. ولئن كان الإنسان معرّضاً للانهيار والانحراف، فالدين قد أوجد له كلّ مقتضيات التكامل ومتطلبات السمو والرفعة، ومع ذلك فقد زوّده بما يضمن له التوقّي من الانحراف.

عناصر نمط الحياة الاقتصاديّة للمجتمع
وبالعودة إلى عناصر ومكوّنات نمط الحياة الاقتصاديّة للمجتمع الإسلامي وأصولها، نتوقّف مع مجموعةٍ رئيسةٍ وأساسيّةٍ من هذه الأصول والعناصر التي تشكّل ركائز هذه العمليّة التربويّة للمجتمع، وهي:

1. التكافل الاجتماعيّ:
التكافل الاجتماعيّ جزء من عقيدة المسلم والتزامه الدينيّ؛ وهو نظام أخلاقيّ يقوم على الحبّ والإيثار ويقظة الضمير والشعور بمراقبة الله عزَّ وجل، ولا يقتصر على حفظ حقوق الإنسان المادّيّة؛ بل يشمل -أيضًا- المعنويّة، وغايته التّوفيق بين مصلحة المجتمع ومصلحة الفرد. وقد عُني القرآن بالتكافل؛ ليكون نظامًا لتربية روح الفرد، وضميره، وشخصيّته، وسلوكه الاجتماعيّ، وليكون نظامًا لتكوين الأسرة وتنظيمها وتكافلها، ونظامًا للعلاقات الاجتماعيّة، بما في ذلك العلاقة التي تربط الفرد بالدولة، وليكون في النهاية نظامًا للمعاملات الماليّة والعلاقات الاقتصاديّة التي تسود المجتمع الإسلاميّ.

من هنا؛ فإنّ مدلولات البرّ، والإحسان، والصدقة، تتضاءل أمام هذا المدلول الشامل للتكافل. قال الله تعالى: (يَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ)[15].

وعدّ القرآن الإمساك وعدم الإنفاق سبيلًا إلى التهلكة، بقوله سبحانه وتعالى: (وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ۛ وَأَحْسِنُوا ۛ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)[16]؛ كما عدّ الكنـز وحجب المال عن وظيفته الاجتماعيّة مدعاةً للعذاب الأليم: (وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍۢ)[17]. وقد نفى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) كمال الإيمان عن مَنْ يبيت شبعان وجاره جائع وهو يعلم: «ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع وهو يعلم»[18].

ولقد وضع القرآن أسسًا نفسيّةً وأخرى مادّيّة؛ لإقامة التكافل الاقتصاديّ والاجتماعيّ بين أفراد المجتمع الإسلاميّ. ولعلَّ من أهمِّ الأسس النّفسيّة هو إقامة العلاقات المادّيّة والمعنويّة على أساس الأخوّة؛ لقوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)[19]، وربط الإيمان باستشعار حقوق الأخ، كما رتَّب على رابطة الأخوّة الحبّ؛ فلا يؤمن الإنسان المسلم ولا ينجو بإيمانه ما لم يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه، ويعيش معه كالبنيان يشدّ بعضه بعضًا. وجعل العدل وحفظ الحقوق من قيم الدين الرئيسة؛ بل نُدب إلى عدم الاقتصار على العدل؛ وهو إحقاق الحقّ، أو إعطاء كلِّ إنسان حقّه من دون ظلم، وإنّما الارتقاء إلى الإحسان؛ وهوالتنازل له عن بعض الحقوق. ومن الأسس النّفسيّة -أيضًا- الإيثار؛ وهو عكس الأثرة والأنانيّة. والإيثار تفضيل الآخر على النفس، من أجل إشاعة جوّ العفو والرحمة، وهي الغاية التي جاءت من أجلها الشريعة.

2. تدبير شؤون الحياة ونظمها
لا يختلف اثنان في أنّ تدبير شؤون الحياة يُعدّ من الأمور الهامّة لكلّ إنسانٍ. وبالطبع، فإنّ هذا الأمر مرهونٌ بتطبيق تعاليم الشريعة، والانتهال من منهلها العذب، والاستعانة بما أنعم الله علينا من قوى إدراكيّة. فتنظيم شؤون الحياة حسب تعاليم ديننا الإسلاميّ التي وردتنا عن طريق الوحي المقدّس، من شأنه أن يفتح لنا باب السّعادة على مصراعيه. والمجتمعات البشريّة اليوم بحاجةٍ ماسّةٍ إلى التّعاليم الدينيّة، والعمل بالوصايا المُطَابِقَة للفطرة التي فطر الله النّاس عليها. 

 وحسب اعتقادنا، فإنّ الشريعة الإسلاميّة تكفّلت بوضع برنامجٍ شاملٍ ومتكاملٍ يهدي الإنسان إلى السعادة المنشودة في الدّنيا والآخرة؛ لأنّها تتناول جميع جوانب الحياة المادّيّة والمعنويّة، للفرد والمجتمع على حدٍّ سواء.  ومن الطبيعيّ أنّ الإنسان في بادئ الأمر بحاجةٍ ماسّةٍ إلى معرفة الدّين، وإدراك مفاهيمه، فالذي لا دين له لا حياة له. ومن هنا، ينبغي عليه المثابرة، لتنظيم شؤون معيشته، بحُسن التقدير، ثمّ بعد ذلك لا بدّ له من الصبر وتحمّل المصاعب التي تعترض طريقه. وقد أكّد الإمام جعفر الصادق(عليه السلام) على هذه الحقيقة، بقوله: «لا يَصلُحُ المؤمنُ إلا على ثَلاثِ خِصالٍ: التَّفقُّهِ في الدِّينِ، وحُسنِ التَّقديرِ في المعيشةِ، والصَّبرِ على النّائبَةِ»[20].

إذًا، تدبير شؤون الحياة لا بدّ وأن يكون متزامناً مع أمرين هامّين، هما: التعمّق في تعاليم الدين، والصبر على النوائب. كما أنّ هناك أمرين يُعدّان جوهر المعيشة وأساسها، وهما: الاعتدال، بمعنى: عدم الإسراف، واجتناب تبديد الجهود، وإهدار الثّروة، والتّدبير، بمعنى: التّفكير في عواقب الأمور، وحسن التخطيط، والإدارة الصحيحة. ويكون التّدبير -دائماً- متناغماً مع العلم، والمعرفة، والخبرة، والعقل، فهو بطبيعته بعيدٌ عن العمل من دون تعقّلٍ. ولرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كلامٌ رائعٌ عن التدبير، عندما خاطب ابن مسعود، قائلاً: «يا ابن مسعود، إذا عملتَ عمَلاً فاعملْ بعلمٍ وعقلٍ، وإيّاكَ وأنْ تعملَ عملاً بغيرِ تدبّرٍ وعلمٍ، فإنّه جلَّ جلالهُ يقولُ: وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثَاً»[21].
فالمدير والمدبّر الكفء: هو الذي يراعي النّظم والانضباط في عمله، ولا يُوكِل عمل اليوم إلى غدٍ، لأنّ الإنسان المتديّن يؤمن بأنّ كلّ يومٍ يتطلّب عملاً خاصّاً به. وأكّد الإمام عليّ(عليه السلام) على هذا الأمر بقوله: «فِي كُلِّ وَقْتٍ عَمَلٌ»، فالإنسان -بالتالي- هو مسؤولٌ عن كلّ لحظةٍ في حياته. جاء في رواية عن الإمام جعفر الصادق(عليه السلام) ينقل فيها موعظةً للقمان الحكيم في هذا الصدد، يقول فيها: «إِعْلَم أَنَّكَ سَتُسأَلُ غَدَاً إَذا وَقَفتَ بَينَ يَدَي اللهِ عَزَّ وَجَلَّ عَن أربعٍ: شبابِكَ في ما أَبلَيتَهُ، وَعُمرِكَ في ما أَفنيتَهُ، وَمالِكَ مِمّا اكتَسبتَهُ وَفي ما أَنفَقتَهُ، فَتَأَهَّبْ لِذلِكَ، وَأَعِدَّ لَهُ جَوابَاً»[22].

إذًا، يعتبر -وفق هذه التعاليم السامية- التماهل في أداء عمل اليوم، وإيكاله إلى وقتٍ لاحقٍ، من الأخطاء التي لا يمكن تداركها. وبالطبع، فإنّ رواج هذه الظاهرة في المجتمع، سيؤدّي إلى انحطاطه وانهياره، لأنّ يوم غدٍ لا يأتي إلا في الغد.
لذلك، فإنّ النّشاطات التي يُمارسها الإنسان لتوفير معيشته، والخدمات التي يقدّمها للمجتمع، وتوزيع الأعمال بين أفراد الأسرة الواحدة، كلّها أمورٌ تنطوي تحت مبدأي النظم والانضباط، كما كان يفعل أئمّتنا عليهم السلام، حيث روي عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) أنّه قال: «كانَ أميرُ المؤمنينَ (عليه السلام) يَحتطِبُ ويَستقِي ويَكنِسُ، وكانتْ فاطمةُ عليها السلام تَطحَنُ وتَعجِنُ وتَخبُزُ[23]. فاتّصاف الإنسان بالنّظم والانضباط في تكاليفه المُلقاة على عاتقه، يحفّزه على السعي لأدائها، ويجنّبه اللامبالاة، كما يمكّنه من الوفاء بالتزاماته ووعوده في أوقاتها المحدّدة، فلا يخالف قول الله تعالى: (أَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُولاً)[24].

وإنّ اجتناب الإفراط والتفريط في أداء الوظائف على المستويين الفرديّ والاجتماعيّ، والتقيّد بمنهجٍ منظّمٍ في الحياة، وإنجاز الأعمال والمشاريع في جميع جوانب الحياة، هي أوامر نابعةٌ من روح تعاليم ديننا الحنيف. فديننا يدعونا إلى تنظيم أوقاتنا، لكي نستثمرها خير استثمارٍ، خدمةً لأنفسنا ومجتمعنا، حيث أشار الإمام موسى الكاظم(عليه السلام) إلى هذه الحقيقة بقوله: «اجْتَهِدُوا فِي أَنْ يَكُونَ زَمانُكُمْ أَرْبَعَ ساعاتٍ: ساعَةً لِمُناجاةِ اللهِ، وساعَةً لأَمْرِ الْمَعاشِ، وساعَةً لِمُعاشَرَةِ الإِخْوَانِ والثِّقَاتِ الَّذِينَ يُعَرِّفُونَكُمْ عُيُوبَكُمْ ويُخْلِصُونَ لَكُمْ فِي الْباطِنِ، وسَاعَةً تَخْلُونَ فِيها لِلَذّاتِكُمْ فِي غَيْرِ مُحَرَّمٍ، وبِهذِهِ السّاعَة تَقْدِرُونَ عَلَى الثَّلاثِ ساعاتٍ. لا تُحَدِّثُوا أَنْفُسَكُمْ بِفَقرٍ، ولا بِطُولِ عُمُرٍ، فَإِنَّهُ مَنْ حَدَّثَ نَفْسَهُ بِالْفَقرِ بَخِلَ، ومَنْ حَدَّثَهَا بِطُولِ الْعُمُرِ يَحْرِصُ. اجْعَلُوا لأَنفُسِكُمْ حَظّاً مِن الدُّنْيا، بِإِعْطائِها ما تَشْتَهِي مِن الْحَلالِ، وما لا يَثْلِمُ الْمُرُوَّةَ وما لا سَرَفَ فِيهِ، واسْتَعِينُوا بذلِكَ عَلَى أُمُورِ الدِّينِ، فَإِنَّهُ رُوِيَ: لَيْسَ مِنّا مَنْ تَرَكَ دُنْياهُ لِدِينهِ، أَو تَرَكَ دِينَهُ لِدُنْياهُ»[25].

3. العمل والمثابرة رأس مال اقتصاد المجتمع:
لا يختلف اثنان في أنّ السعي الحثيث يُعدّ من الاستراتيجيّات الأساسيّة في تدبير المعيشة. ويُعدّ هذا الأمر -بالنسبة للقوانين الحاكمة على وجود الإنسان- وسيلةً لبناء شخصيّته وترسيخها، وفي الوقت نفسه هو وازعٌ لاكتمال قدراته البدنيّة والعقليّة، ونضوج طاقاته الفطريّة والذاتيّة. وتطرّق كتاب الله المجيد -بدوره- إلى العمل والسعي في مواطن عديدةٍ، وأكّد على أهمّيّة ذلك في نظام التكوين والتشريع، حيث جاء في إحدى آياته المباركة: (لَقَدْ خَلَقْنا الإِنْسانَ فِي كَبَدٍ)[26]. والعمل والكبَد (المعاناة) هي أمورٌ ضروريّةٌ في حياة البشر، ولا بدّ لكلّ إنسانٍ من مكابدتها. لذا، يُعدّ الإنسان بذاته ظرفاً للحاجة، وبإمكانه أن يلبّي حاجاته ممّا هو موجودٌ في الطبيعة من ثرواتٍ. وبالتأكيد، فإنّ هذه الثروات ليست مُعدّة على طَبَقٍ من ذهب، بل إنّ استثمارها بحاجةٍ إلى جهدٍ وعملٍ دؤوبٍ، وهذه الضرورة فرضتها قوانين الطبيعة على الإنسان، من أجل أن يتسنّى له الخلاص من الفقر، والحرمان، وكلّ ما من شأنه الإخلال بنظم حياته الفرديّة والاجتماعيّة.

وكان ديدن أنبياء الله تعالى وأوليائه الصّالحين (عليهم السلام) على هذا النهج، حيث أشار الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) إلى هذه الحقيقة. فعن الحسن بن عليّ بن أبي حمزة، عن أبيه، قال: رأيتُ أبا الحسن(عليه السلام) يعمل في أرضٍ له وقد استنقعت قدماه في العرَق، فقلت: جُعلت فداك، أين الرجال؟ فقال (عليه السلام): «يا عَليُّ، قَد عَملَ بِاليدِ مَن هُو خيرٌ مِنّي في أِرضِهِ، ومِن أبي». فقلت: ومن هو؟ فقال: «رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) وأَميرُ المؤمِنينَ (عليه السلام)، وآبائي كُلُّهُم كانوا قَد عَملُوا بأَيدِيهِم، وهُو مِن عَملِ النَّبييِّنَ والْمُرسَلينَ والأوصياءُ والصّالِحينَ»[27].

لذا، فإنَّ تعاليم ديننا لا تجيز لنا ترك أعمالنا، ومدّ أيدينا للآخرين، طلباً للرزق، حتّى في أصعب الظروف. روي عن زرارة: أنّ رجلاً أتى الإمام الصادق(عليه السلام)، فقال له: إنّي لا أُحسن أن أعمل عملاً بيدي، ولا أُحسن أن أتّجر، وأنا محارفٌ[28] محتاجٌ! فقال له الإمام (عليه السلام): «إعْمَلْ، فَاحمِلْ على رَأسِكَ، واسْتغنِ عَن النّاسِ، فإنَّ رَسولَ الله ِ(صلى الله عليه وآله وسلم) قَد حَمَلَ حَجَراً عَلى عُنُقِهِ، فَوَضَعَهُ في حائطٍ مِن حيطانِهِ، وإنَّ الحجَرَ لَفِي مَكانِهِ ولا يُدرى كَمْ عُمقُهُ»[29].
وإنّ تطوّر شخصيّة الإنسان ورقيّ المجتمع مرهونان بالجهد والنشاط، فالمجتمع الذي لا وجود للعمل الحثيث فيه، والمتكاسل الذي لا عمل دؤوب له، لا يشهدان أيّ تطوّرٍ أو رقيٍّ. ومن هذا المنطلق، فإنّ ترك العمل يُعدّ من الأخطاء الفادحة التي تؤدّي إلى الكسل والخمول، وتحول دون نضوج شخصيّة الإنسان وانتعاش المجتمع. ذات يومٍ جاء تاجرٌ إلى الإمام الصادق (عليه السلام) وقال: إنّه وفّر مالاً كثيراً، ويريد ترك العمل، لأنّه ليس بحاجةٍ إليه. فنهره الإمام (عليه السلام) وأخبره بأنّ تفكيره هذا غير صائبٍ، فالإنسان الذي يترك العمل سوف لا يكون مفيداً لمجتمعه[30].

ومن المؤكّد أنّ العمل سببٌ لسلامة الجسم، ووازعٌ لتنامي قدرة الإنسان. وعلى العكس منه، البطالة، التي تتسبّب في إهدار الطاقة، وحصول خلق الهمّ والأرق في نفس العاطل عن العمل. وقد أشار الإمام عليّ(عليه السلام) إلى هذه الحقيقة، بقوله: «مَن يَعْمَل، يَزدَدْ قُوّةً، ومَن يُقَصِّر في العَمَلِ يَزدَدْ فَترَةً»[31]. وعنه (عليه السلام): «مَن قَصَّرَ فِي العَمَلِ، ابتُلِيَ بالْهَمِّ، ولا حاجَةَ للهِ في مَن لَيسَ للهِ فِي مالِهِ ونَفسِهِ نَصِيبٌ»[32].

إذاً للعمل فوائد على جسد الإنسان وروحه، فالإنسان لا يكون فعّالاً في مجتمعه إلا من خلال عمله وجهده. أمّا العاطلون عن العمل، الذين لا نشاط بدنيَّ لهم، فإنّهم يعيشون حياة الخمول، والكسل، والاتّكال على الآخرين. والمجتمع الذي يسوده الكسل، وتنتشر فيه البطالة، سوف تتزلزل أركانه. وبالطبع، علينا أن نتّخذ الروايات الكثيرة التي تحفّز على العمل الحثيث، منهجاً نتّبعه في اختيار نوع العمل الذي يناسبنا، اقتداءً بأنبياء الله تعالى وأوليائه الصالحين عليهم السلام الذين كانت لهم نشاطاتٌ على جميع المستويات، مثل: التجارة، والمضاربة، والزراعة، وتربية الماشية، والسقاية، وما إلى ذلك من أعمالٍ كريمةٍ شجّعوا العباد على مزاولتها.

4. التربية على استثمار الموارد:
يُعدّ استثمار الأموال وسائر الموارد أحد العوامل الأساسيّة في النموّ الاقتصاديّ. وعلى الرغم من ضرورة هذا الأمر، إلا أنّه لا يزال غير متعارفٍ في النشاطات الاقتصاديّة الأُسريّة؛ إذ إنّ الأُسرة هي المصدر الأساس للاستثمار. لذا، من الضروريّ السعي في إصلاح برنامج تخصيص الأموال وإنفاقها، بحيث يتمّ اجتناب الإسراف، والتبذير، وهدر الثروات، أو خمودها، لكي يتمّ تسخير الاستثمار والادّخار في خدمة التطوّر الاقتصاديّ. وهذه الاستراتيجيّة في تدبير المعيشة تؤدّي إلى القضاء على الفقر والحرمان، وتكون ذخراً لا ينضب لأبناء المجتمع.

فالمال والثروة - بطبيعة الحال - رصيدٌ للفرد والمجتمع على حدٍّ سواء. وبعبارةٍ أخرى: إنّ المال قَوّامٌ عليهما، والخطابات القرآنيّة في هذا المجال جاءت بصيغة الجمع[33]، وذلك للدلالة على أهمّيّة الرصيد المالي وقوّاميّته في المجتمع. وأصل قوّاميّة المال تبيّن لنا أهمّيّة الاستثمار، حتى وإن كانت الثروة بأيدي الناس؛ لأنّ الثروة لو سُخّرت لخدمة المجتمع، وتأمين مصالحه، سوف لا تفقد قوّاميّتها، لكنّها لو ادُّخرت وأصبحت خاملةً، ستفقد هذه القوّاميّة. روي عن الإمام الصادق (عليه السلام): «إنَّما أعطاكُمْ اللهُ هذهِ الفُضولَ مِن الأموالِ، لتُوجِّهوها حيثُ وَجّهَها اللهُ، ولَم يُعطِكُموها، لتكنِزُوها»[34].

وأكّد الدين الإسلاميّ على خاصّية العمل والاستثمار في جميع المجالات الاقتصاديّة التي تخدم المجتمع، كالزراعة، والصناعة، والتعدين، والخدمات العامّة، وما إلى ذلك من نشاطات. وتطرّقت المصادر الإسلاميّة إلى هذا الأمر وشجّعت الناس عليه، تحت عناوين مختلفةٍ: إمّا بشكلٍ مباشرٍ، مثل: إصلاح المال، والعمران، والإحياء، وإمّا بشكلٍ غير مباشرٍ، مثل: منع ركود الثروة، وحرمة الإسراف والتبذير، وحرمة إتلاف المال، وترويج مبدأ القناعة، والاقتصاد في استهلاك الأموال[35].

وقد صرّح القرآن الكريم بمشروعيّة جمع الثروة، وأهمّيّة تأمين المصادر الاقتصاديّة واستثمارها في مجال الإنتاج، وأشار إلى أنّ الله تعالى خلق الإنسان من الأرض، وسخّرها له، وأوكل إليه إعمارها، حيث قال: (هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا)[36]، وبالطبع، فإنّ عمران الأرض لا يتمّ إلا عن طريق الاستثمار.

كما أنّنا  نستلهم من قصّة النبيّ يوسف(عليه السلام) أنّه وضع برنامجاً اقتصاديّاً، لإدارة مصر لأكثر من عقدٍ، وتمكّن من القيام باستثماراتٍ ضخمةٍ في هذه البلاد. وهذه الاستثمارات قد بُرمِجَت في إطار خطّةٍ طويلة الأمد، وفي ثلاثة محاور، هي: توفير عناصر الإنتاج، وإنشاء ثروةٍ ماليّةٍ واستثمارها، وبناء مخازن للموادّ الغذائيّة، بغية حفظها لسنوات الجدب. قال الله تعالى في كتابه العزيز: (قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ  ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ  ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ)[37].

وهذا ما نجده صريحاً في الروايات المباركة التي تناولت قضيّة استثمار الأموال، روى محمّد بن عذافر، عن أبيه، قال: أعطى أبو عبد الله (عليه السلام) أبي ألفاً وسبعمائة دينارٍ، فقال له: «اتَّجِر لِي بِها». ثمّ قال (عليه السلام): «أَما إنّهُ لَيسَ لِي رَغبَةٌ في رِبحِها، وإنْ كانَ الرّبحُ مَرغوباً فيهِ، ولكِنِّي أحبَبتُ أن يَراني اللهُ عزَّ وجلَّ مُتعرِّضاً لفَوائدِهِ». قال: فربحت له فيه مائة دينارٍ، ثمّ لقيته، فقلت له: قد ربحت لك فيها مائة دينارٍ، ففرح أبو عبد الله (عليه السلام) بذلك فرحاً شديداً، وقال لي: «أَثبِتْها في رَأسِ مالِي»[38].

فقد أوصى الإمام جعفر الصادق ر أحد أصحابه أن يشتري مزرعةً أو بستاناً، لأنّ الذي يمتلك رصيداً مادّيّاً يؤمّن حاجاته وحاجات عياله، سوف لا يعاني كثيراً، ويرتاح باله، لو تعرّض إلى نائبةٍ أو حادثةٍ. فقد روى محمّد بن مرازم، عن أبيه: أنّ أبا عبد الله (عليه السلام) قال لمصادف مولاه: «اتّخِذْ عقدةً أو ضَيعةً، فإنّ الرّجلَ إذا نزَلت بهِ النّازِلةُ أو المصيبةُ، فذَكرَ أنّ وَراءَ ظهرَهُ ما يقيمُ عيالَهُ، كانَ أسخَى لنفسِهِ»[39].

وأوصى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الناس باستثمار أموالهم، وعدَّ ذلك من المروءة، حيث قال: «مِن المروءَةِ استصلاحُ المالِ»[40].

5. إدارة الإنفاق المالي وترشيده
لا ريب في أنّ الدخل المحدود، والإمكانيّات القليلة، وغلاء الأسعار، أمورٌ تحول دون قدرة الإنسان على تلبية جميع متطلّبات حياته. لذا، فإنّ حسن التدبير في المعيشة يقتضي تقنين إنفاق الأموال حسب الأولويّات التي تتطلّبها ظروف المعيشة، أي يجب تسخير الأموال لتوفير المتطلّبات الضروريّة، أمّا الأمور الثانويّة، التي لا ضرورة لها، فهي في الدرجة الثانية في سُلّم الترتيب. فلو لم ينتهج الإنسان هذا النهج، ولم يُعِرْ أهمّيّةً لمتطلّبات حياته الضروريّة، ولم يقنّن كيفيّة صرف أمواله، خصوصاً إذا كان دخله محدوداً وثابتاً، فسوف يضطرّ إلى الاقتراض، وبالتالي فإنّ القرض يسبّب ضغوطاً تنهك حياة الفرد والأسرة. ومن هنا، تبرز أهمّيّة إيلاء الأولويّة لبعض الأمور الهامّة في المعيشة.

لذلك  لا بدّ من التصرّف بوعيٍ، وكسب معلوماتٍ لازمةٍ، في كيفيّة تسخير الأموال لموردٍ ما، وإنفاقها فيه. فعلى سبيل المثال: يجب العلم بمقدار الموادّ البروتينيّة اللازمة لجسم الإنسان، ومعرفة مصادر هذه المواد ونوعيّتها، فمن خلال هذه المعلومات يمكن للإنسان أن يشتري ما يحتاج إليه من دون إسرافٍ. فالتدبير الصحيح يقتضي التدرّج في الإنفاق الصحيح، وتعيين الأولويّة في بذل الأموال، ففي بادئ الأمر، يجب الإنفاق في الموارد المهمّة، ثمّ الإنفاق في الموارد الأقلّ أهمّيّةً.

ولا بدّ من تقسيم إنفاق الأموال، وتصنيف ذلك حسب الوقت الذي يتمّ فيه الإنفاق، وحدّ الأموال التي يجب صرفها على المدى القريب -النّفقات الثّابتة- وعلى المديَين المتوسّط والبعيد، فالنّفقات الثّابتة، هي الأموال التي يتمّ إنفاقها يوميّاً، مثل: أجور المأكل، والتنقّل، وإيجار المنزل، والنّفقات التي تُخصّص للاستهلاك في مدّةٍ طويلةٍ نسبيّاً -على المدى المتوسّط- هي التي لا يتمّ إنفاقها يوميّاً، مثل: ثمن الثياب، والأحذية، وما شابههم، أمّا النّفقات التي تُخصّص للاستهلاك على المدى البعيد، فهي التي تؤثّر على اقتصاد الأسرة، مثل: شراء منزلٍ، وسيارةٍ، وسائر الأجهزة المنزليّة. وبالتأكيد لا يمكن توفير هذه النفقات شهريّاً عن طريق الدّخل الشهريّ، لذلك يجب وضع منهجٍ مناسبٍ للنّفقات قريبة الأمد ومتوسّطة الأمد، يمكن من خلاله توفير النفقات بعيدة الأمد[41].

ويكتسبُ الإنسان الخبرة اللازمة في تنظيم نفقاته من خلال حُسن التدبير، والبرنامج المنظّم لأمور المعيشة، في الموازنة بين متطلّبات الحياة والإمكانيّات المادّيّة المتوافرة، بعد إنفاق ما يلزم. لذلك، فإنّ تدوين مقدار النفقات وتحليلها، من شأنه أن يخفّف الضغط المادّيّ على العائلة ويوصله إلى أدنى مستوىً له، ويقلّص الشعور بالحرمان من السلع والخدمات التي يحتاجها. كما أنّ استخدام الطريقة الصحيحة في تدوين النفقات، من شأنه أن يُقنِعَ بعض أعضاء العائلة المعارضين لبرنامج الإنفاق المتّبع، وهو بحدّ ذاته يحول دون الإسراف[42]. وقد عُبّر عن التدوين في الأحاديث الشريفة، بالتقدير والتدبير، حيث روي عن الإمام الصادق (عليه السلام): «التَّقدِيرُ نِصفُ العيشِ»[43]. وعن الإمام عليّ (عليه السلام): «قِوامُ العيشِ حُسنُ التَّقدِيرِ، ومِلاكُهُ حُسنُ التَّدبيرِ»[44]. إذًا، تدوين النفقات في مجالات الإنفاق العامّة -وكذلك الخاصّة-، ووضع برنامجٍ صحيحٍ لمداولة الأموال في إطار نظامٍ اقتصاديٍّ فرديٍّ وجماعيٍّ على جميع المستويات، يعدّ حلّاً ناجعاً للمشاكل الاقتصاديّة.

6. الدخل والكسب الحلال
الدخل: هو المبالغ اللّازمة، لاقتناء المؤونة، وسائر الأموال التي يُحظى بها الإنسان، أو مجموعةٌ من الناس، أو أيّ مؤسّسةٍ أو كيانٍ اقتصاديٍّ في زمنٍ معيّنٍ. ومصدر الدخل قد يكون إنتاجيّاً، كأجرة العمل، والربح، والإجارة، أو قد يكون هديّةً أو أيّ مبلغٍ مدفوعٍ... ويُعدّ الدخل من المواضيع الهامّة جدّاً في علم الاقتصاد، وله تأثيرٌ ملحوظ على اختيار أسلوب الاستهلاك الأمثل، كونه عاملاً يحدُّ من كثرة الإنفاق، حيث إنّ الإنسان ذا الدخل المحدود لا يتمكّن من الإنفاق أكثر من وارده الماليّ؛ لأنّ التدبير في المعيشة يُلزِمُه بتخصيص دخله الثّابت لشراء السّلعِ التي يحتاجها فحسب. ولا بد عند الحديث عن دخل الإنسان المسلم بيان ما إذا كان مصدر الدخل لا يتعارض مع أحكام الشريعة الإسلاميّة أم لا، أي تمييز الكسب المحلَّل عن الكسب المحرَّم. وبما أنّ الدخل من مواضيع الأحكام الإسلاميّة، فمن الضروريّ للمسلم أن يعلم مصدر تحصيل دخله، وكيف يحصل عليه، وأين ينفقه. عن الإمام علي (عليه السلام) قال: «إنَّ مَعايشَ الخلقِ خمسَةٌ، الإمارَةُ والعِمارةُ والتِّجارَةُ والإجارَةُ والصَّدَقاتُ»[45].

فإنّ قوانين الشريعة الإسلاميّة أقرّت حقّ الإنسان في طلب متاعه، والسعي في كسبه، ومنحته الحريّة الكاملة في اختيار طريقة الكسب، إلا أنّها منعته من سلوك طريقٍ منحرفٍ يؤدّي إلى فساده وسقوطه الخلقيّ، أو يتسبّب في المساس بمدنيّة البشر وحضارتهم. فالشريعة الإسلاميّة لم تحرّم جميع المنكرات والفواحش فحسب، بل إنّها حرّمت جميع الطرق التي تؤدّي إليها، كإنتاجها، والتوسّط بين الآخرين لتحصيلها، والمعاملة بها، واستخدامها بأيّ شكلٍ كان. أمّا الأحاديث الشريفة، فإنّها نهت بشكلٍ عامٍّ عن سلوك أيّ طريقٍ يؤدّي إلى تحقّق الفساد في المجتمع، أيّ أنّها لم تذكر بالتفصيل جميع الطرق المشروعة وغير المشروعة في  المعاملات التجاريّة. روي عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): «وأمّا وُجوهُ الحرامِ، مِن البيعِ والشِّراءِ، فكُلُّ أمرٍ يكونُ فيه الفسادُ مِمّا هو مَنهيٌّ عَنهُ، مِن جِهةِ أكلِهِ، وشُربِهِ، أو كِسبِهِ، أو نِكاحِهِ، أو مُلكِهِ، أو إمساكِهِ، أو هِبَتِهِ، أو عاريَتِهِ، أو شَيءٌ يَكونُ فيهِ وَجهٌ من وُجوهِ الفَسادِ»[46]

وتجدر الإشارة إلى أنّ بعض الروايات أطلقت على اقتناء المال الحرام عنوان (أكل السُّحت) وعدّته من كبائر الذنوب؛ إذ نهت عنه نهياً شديداً. لذا يجب القول: إنّ المراد من أكل السُّحت لا يعني بالضرورة الأكل والشرب، بل يعني مطلق التصرّفات بالأموال المحرّمة، وعدم إرجاعها إلى أهلها، سواءٌ بتسخيرها للأكل والشرب، أم باقتناء أشياء أخرى بها، كثيابٍ أو منزلٍ، أم مطلق حيازتها وعدم إنفاقها. ففي جميع هذه الحالات يتحقّق موضوع أكل السُّحت، كما هو الحال في حرمة أكل مال اليتيم والمال المكتسب من المعاملات الربويّة، حيث تحرم جميع أنواع التصرّف فيه.
ويوجد روايات مستفيضة حثّت الناس على ضرورة السعي في كسب لقمة العيش بطُرُقٍ مشروعّةٍ، نذكر منها ما  روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «العِبادَةُ سَبعونَ جُزءاً، أفضلُها طَلَبُ الحلالِ»[47]. وروي عنه -أيضاً-: «مَن باتَ كالاً مِن طَلَبِ الحلالِ، باتَ مَغفُوراً لَهُ[48]» وعن الإمام جعفر الصادق(عليه السلام) أنّه قال: «... فبَكِّروا في طَلبِ الرِّزقِ، واطلُبوا الحلالَ، فإنَّ اللهَ سيرزُقُكُم ويُعينُكُم عَليهِ»[49].

وقد نهى القرآن الكريم عن اتّباع الطرق غير المشروعة في الكسب نهياً شديداً، مثل أكل المال بالباطل، والرّبا، والظلم، والفساد. أمّا الأحاديث والروايات، فإنّها عدّت هذه الطرق من الكبائر، بل شبّهت بعضها، مثل: الاحتكار، والخيانة، والرّبا، بأقبح الذنوب، كالقتل، لأنّ هذه الأعمال تشلّ النشاط الاقتصاديّ للإنسان، وتسوقه إلى الهلاك التدريجيّ[50]. وللإمام عليّ بن موسى الرضا(عليه السلام) كلامٌ طويلٌ ذكر فيه ما حرّم الله تعالى، منه: «واجتنابُ الكبائرِ، وهي قَتلُ النَّفسِ التي حرَّمَ اللهُ تعالى، وأكلُ الرِّبا بَعدَ البيٍّنَةِ، والبَخسُ فِي المكيالِ والميزانِ، والإسرافُ، والتَّبذيرُ، والخيانَةُ»[51].

7. ترشيد الاستهلاك
يُعدّ الاستهلاك من أهمّ طرق التدبير في المعيشة، وهو من الأبحاث الأساسيّة في مجال الاقتصاد. وهو من الأهداف الأساسية في الإنتاج وتوزيع الثروة، إذ له بالغ التأثير في هذا المضمار. من هنا، وضع علماء الاقتصاد أصلاً اقتصاديّاً بعنوان (سيادة المستهلك)، وفحواه: أنّ المستهلك هو الذي يعيّن الإطار اللازم للإنتاج، وتخصيص مصادره، ويحدّد طريقة توزيع الثروة. واستناداً إلى هذه النظريّة، فإنّ الاستهلاك ليس محض تابعٍ للإنتاج والتوزيع، بل إنّ الانتاج والتوزيع تابعان له من جهةٍ ما. وبعبارةٍ أخرى: هناك علاقةٌ متبادلةٌ بين الاستهلاك من جهةٍ، وبين الإنتاج والتوزيع من جهةٍ أخرى: فالاستهلاك يُعدّ آليّةً هامّةً في كيفيّة الإنتاج.
ولا شكّ في أنّ السياسات الاستهلاكيّة الصحيحة - ترشيد الاستهلاك - لها تأثيرٌ بالغٌ على السياسات الاقتصاديّة، فمن شأنها إيجاد حافزٍ في أسواق الاستهلاك، الأمر الذي يؤدّي إلى زيادة الإنتاج، وبالتالي ارتفاع مستوى الدخل العامّ. ولترشيد الاستهلاك فوائد جمّة، فإضافةً إلى كونه منهجاً ضروريّاً للادّخار والاستثمار، كذلك يُعدّ سبباً أساسيّاً للرقيّ الاقتصاديّ.

8. الاستهلاك الأمثل واجتناب الإسراف والتبذير
إنّ أُسس الاستهلاك الأمثل في النظريّة الإسلاميّة هي عبارة عن التعاليم التربويّة السامية التي تشكّل منهجاً صحيحاً ومتكاملاً لتدبير المعيشة، ويأتي في مقدمها التوازن في الانفاق واجتناب الإسراف والتبذير.

 أ- وجوب اجتناب الإسراف: «السّرف هو تجاوز الحدّ في كلّ فعلٍ يفعله الإنسان، وإن كان ذلك في الإنفاق أشهر»[52]. ونستلهم من آيات القرآن الكريم أنّ الإسراف يقابل التقتير، حيث قال تعالى: (وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يُقَتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَوامَاً)[53]. وتؤكّد تعاليمنا الدينيّة على أنّ الإسراف من الأعمال الذميمة جدّاً، حيث نهى القرآن الكريم نهياً شديداً عنه، وكذلك هو الحال بالنسبة للأحاديث الشريفة. فالله تعالى عدّه من السُّنَن الفرعونيّة: (... وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ)،[54] وتوعّد المسرفين بعذابٍ أليمٍ: (... وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ)[55]. ويُعدّ الإسراف في استهلاك الموارد الطبيعيّة تعدّياً على حقوق الآخرين، وإهداراً للثروة العامّة التي هي حقٌّ لجميع البشر والأجيال كافة. وحسب الرؤية الإسلاميّة، فإنّ نتيجة الإسراف والإنفاق المفرط  ليست سوى إهدار الثروة العامّة، وبالتّالي حرمان الشّعب منها. قال الإمام عليّ(عليه السلام) في هذا الصدد: «السَّرفُ مَثواةٌ»[56]. وذلك لأنّ الإسراف خروج عن مستوى التوازن، أي عن حكم العقل والإذعان لأهواء النفس. فهو إهدارٌ للنعمة التي أكرم الله تعالى بها عباده، لإمرار معاشهم. ونتيجة هذا الإهدار هي البعد عن رحمة الله تعالى ورضوانه[57].

فكما أنّ للمجتمع حقاً في الأموال العامّة، كذلك فإنّ له حقاً -أيضاً- في أموال الناس الخاصّة، وبما أنّ الإسراف يُعدّ تعدّياً على حقوق المجتمع، فالنتيجة أنّ الإسراف في الأموال الخاصّة غير جائزٍ. يقول العلامة الشهيد مرتضى المطهّري رحمه الله في هذا الصدد: «إنّ الإسراف، والتبذير، وأيّ استخدامٍ غير مشروعٍ للأموال، ممنوعٌ. والمنع هنا ليس ناشئاً من حرمة هذا العمل فحسب، بل لأنّه -أيضاً- يُعدّ تصرّفاً في الثروة العامّة من دون إذنٍ. فهذا المال، وإن كان خاصّاً، فهو متعلّقٌ بالمجتمع -أيضاً-»[58].
ب- وجوب اجتناب التّبذير:  التبذير: التفريق، وأصله إلقاء البذر وطرحه، فاستعير لكلِّ مُضيِّعٍ لماله، فتبذير البذر: تضييعٌ في الظاهر لمن لم يعرف مآل ما يلقيه[59]. والتبذير يخصّ الحالات التي يصرف فيها الإِنسان أمواله بشكلٍ غير منطقيٍّ وفاسدٍ. وبتعبيرٍ آخر: إنّ التبذير هو هدر المال في غير موقعه، ولو كان قليلاً، بينما إذا صُرِفَ في محلِّه، فلا يُعدّ تبذيراً، ولو كان كثيراً[60]. لذا، فإنّ إهدار المال وإنفاقه عبثاً يُعدّ من الأفعال المحرّمة دينيّاً، سواءٌ أكانت هذه العبثيّة من الناحيّة الكمّيّة أم من الناحية النوعيّة، إذ يجدر بالإنسان أن يأخذ بعين الاعتبار الجوانب النوعيّة لمؤونته التي يقتنيها، ومدى كفاية المصادر الإنتاجيّة والخدماتيّة التي يعتمد عليها في معيشته، أي عليه أن يسخّر كلّ مصدرٍ إنتاجيٍّ أو خدماتي، بطريقةٍ يمكنه معها بلوغ أقصى درجات الاستثمار، لكي يستغلّ طاقته الكامنة بشكلٍ أمثل، والقرآن الكريم بدوره عدّ المبذّرين إخوانَ الشياطين، حيث قال تعالى: (إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا)[61]، أمّا كون المبذّرين إخوان الشياطين، فذلك لأنّهم كفروا بنعم الله، حيث وضعوها في غير مواضعها تماماً، كما فعل الشيطان مع نِعم الله تعالى، ثمّ إنّ استخدام (إخوان) تعني أنّ أعمالهم متطابقةٌ ومتناسقةٌ مع أعمال الشيطان، كالأخَوين اللَّذَين تكون أعمالهما متشابهةً[62].

وبتحريم الإسراف والتبذير، والمنع من اكتناز الأموال، والتشجيع على الإنفاق، فإنّ ديننا الإسلاميّ يكون كفيلاً بوضع منهج مناسب لاجتثاث الاختلافات الطبقيّة من المجتمع، إذ يتمّ ذلك عبر إتاحة الفرصة

للطبقة المحرومة، لاستثمار ما كان زائداً عن حاجة الأثرياء، الأمر الذي يؤدّي إلى تقليص الفارق الطبقيّ، ورفع المستوى المعيشيّ للفقراء.
وأنّب القرآن الكريم المسرفين والمبذّرين تأنيباً شديداً، وذمّ تصرّفاتهم في موارد كثيرة، حيث أكّد على أنّهم سيُحرَمون من محبّة الله تعالى: (... كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)[63]، كما قال تعالى في الصدد نفسه: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)[64]. وأشار القرآن إلى سوء عاقبتهم ووجوب عذابهم في جهنّم: (لا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلا فِي الآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ)81. وإلى أنّ عاقبتهم هي الهلاك: (ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنجَيْنَاهُمْ وَمَن نَّشَاء وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ)82.

خاتمة
لقد بات من الواضح أنّ التربية العشوائيّة أو العفويّة تبدّد الطاقات والجهود، وتخلق الاضطراب والبلبلة في المجال النّفسي والسلوكي، وتحرف الأهداف والغايات التربويّة عن مسارها الحقيقي؛ ومن هنا كانت الحاجة إلى منهجٍ تربويٍّ ثابتٍ في اُصوله واضح في مقوّماته وموازينه ضرورةً من ضرورات التربية، فهو الذي يرسم للتربية مسارها السليم المتوازن، ويحدّد لها معالم طريقها، ويوجّه الجهود والنشاطات والبرامج التربوية لتقرير المفاهيم والقيم الصالحة والسامية في الواقع الإنساني. وقد بذل العلماء والباحثون والمتخصّصون في شؤون التربية جهوداً كبيرة ومتواصلة للتوصل إلى منهجٍ تربويٍّ يستندون إليه في انطلاقاتهم نحو تربية الإنسان والمجتمع على اُسس سليمة وصالحة، ولم تتوقّف هذه الجهود قديماً وحديثاً ولا زالت مستمرة، إلاّ أنّها لم تتفق على نقاط مشتركة يمكنها أن تكون ميزاناً ومعياراً للجميع؛ لاختلاف العلماء والباحثين في متبنياتهم العقائدية والفكرية، ولاختلافهم في معرفة القوى المؤثّرة في حركة الكون والحياة والمجتمع والتاريخ.
وفي واقعنا الإسلامي اختلفت البحوث والدّراسات أيضاً، فمنها ما اعتمد على الدراسات الغربيّة النظريّة والميدانيّة، دون بذل جهد للبحث عن منهج يعتمد على الأسس والمفاهيم والقيم الإسلاميّة. ومنها ما هذّب وشذّب لكي يرتدي مظهراً شرقيّاً وإسلاميّاً دون الرجوع إلى أهل الاختصاص في العلوم الإسلاميّة، ومنها ما زاوج بين الدراسات الغربية والدراسات الشرقيّة بما يلائم النظرة الشرقية للحياة والمجتمع. واعتمدت بعض الدراسات على خبرات أساتذة الجامعات في المجالين: النظري والتطبيقي، فخرجت بنتائج ايجابيّة لاعتمادها على الواقع الإسلامي ولكنها ليست بمستوى الطموح.
وينطبق هذا الكلام بغثّه وسمينه على التربية الاقتصادية للمجتمع وفق الرؤية الإسلاميّة، وهذا ما جعلنا في هذه الدراسة المختصرة نركّز على الآيات والروايات والأحكام الشرعية المستنبطة منها، محاولين تقديم ملامح الرؤية الإسلاميّة لنمط الحياة الاقتصاديّة، عسى أن تشكّل رافداً من الروافد التي تساهم في استكمال هذه الرؤية الأصيلة للدين الإسلامي في المجال الاقتصادي، التي تستند على الاستفادة الصحيحة والواعية من مواهب الحياة المشروطةٌ أساساً بالجدّ والسعي والمثابرة، وأنّ الكسل والخنوع مدعاةٌ للتأخّر والحرمان من الخير، ولكنّه من الخطأ البيّن أن نتصوّر أنّ رزق الإنسان يزداد بالحرص، والولع، والأعمال الكثيرة، وأنّ رزقه يقلّ بالتعفّف، والتجلّد.

وتجدر الإشارة إلى أنّ مراعاة الاستراتيجيّات الصحيحة في تدبير المعيشة، كالبرنامج المنظّم والنظم، والانضباط، والرؤية المستقبليّة، واتّباع الإنسان هذه الاستراتيجيّات، يؤدّي به إلى أن ينعم بحياةٍ مرفّهةٍ، ويحقّق طموحاته.
الأمر الذي أشارت إليه نصوص روائيّة كثيرة. ففي الحياة الدنيا هناك نظامان علّيّان، أحدهما: مادّيٌّ، والآخر: معنويٌّ، وجميع العلل الدنيويّة تستفيض أساس علّيّتها من الله سبحانه وتعالى، فهو قادرٌ في كلّ آنٍ على أن يسلب العلّيّة من تلك العلل، إذا ما اقتضت المصلحة ذلك، كما حصل في سلب حرارة النار، عندما أُلقي فيها سيّدنا إبراهيم (عليه السلام).
إنّ أصحاب الرؤية المادّيّة البحتة يظنّون أنّ العلل المادّيّة هي الوحيدة التي تؤثّر على رزق الإنسان، واستئصال جذور الفقر من المجتمع. أمّا أصحاب الرؤية الدينيّة، فيعتقدون أنّ تأثير العلل المعنويّة في الرزق، واستئصال جذور الفقر من المجتمع، هو بمستوى تأثير العلل المادّيّة، بل يرون أنّ تأثير الأولى أكثر. لذلك، فإنّ القرآن الكريم يؤكّد على أنّ كلّ من الإيمان والتقوى سببٌ لنزول بركاتٍ من الله تعالى وفتح أبواب رحمته. وأحاديث الأئمّة المعصومين عليهم السلام تضمّنت أموراً معنويّةً كثيرةً تساعد على سعة الرزق وزيادة النعمة، منها: الشكر، وأداء الأمانة، وحُسن الخلُق، وحُسن الجوار، وإكرام الضيف، والاستغفار، والصدقة، وصلة الرحم، والإكثار من قول: لا حول ولا قوّة إلا بالله، وصلاة الليل، وتنظيف المنزل والثياب والأواني. فهذه الأمور، لا بدّ من أخذها بعين الاعتبار في النظام الاقتصاديّ في الإسلام، وفي جميع البرامج الاقتصاديّة، والمعيشيّة للأسرة والمجتمع على حدٍّ سواء، بغية تحقيق الأهداف المنشودة.

المراجع والمصادر:
القرآن الكريم.
الصدر، محمد باقر: اقتصادنا، ط20، بيروت، دار التعارف للمطبوعات، 1987م.
الصدر، محمد باقر: خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء، تحقيق: أحمد ماجد، ط1، بيروت، دار المعارف الحكمية، 2014.
الحرّ العاملي، محمد بن الحسن: وسائل الشيعة، تحقيق ونشر مؤسّسة آل البيت (عله) لإحياء التراث، ط2، قم المقدّسة، 1414 هـ.ق، ج25.

الكليني، أبو جعفر محمد بن يعقوب بن إسحاق: الكافي، تعليق: علي أكبر الغفاري، ط4، طهران، دار الكتب الاسلامية، 1365 ش، ج2.
الحراني، ابن شعبة: تحف العقول عن آل الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، لاط، قم المقدّسة، منشورات الشريف الرضيّ، لات.
الطبرسي، الفضل بن الحسن: مكارم الأخلاق، ط1، طهران، منشورات دار المعرفة، 1365هـ.ش.

الرضي، محمد بن الحسين بن موسى(الشريف الرضي): نهج البلاغة (الجامع لخطب الإمام علي(عليه السلام) ورسائله وحكمه)، شرح الشيخ محمد عبده، ط1، قم المقدّسة، دار الذخائر، مطبعة النهضة، 1412هـ.ق.
الحسينيّ، رضا: نمط توزيع الدخل وسلوك المستهلك المسلم (اُلكوي تخصيص درامد ورفتار مصرف كننده مسلمان)، ط1، لام، منشورات مركز الثقافة والفكر الإسلاميّ، 1379هـ.ش.
القمي، أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه (الصدوق): من لا يحضره الفقيه، تعليق: علي أكبر الغفاري، ط2، قم، منشورات جماعة المدرسين في الحوزة العلمية في قم المقدسة، 1404 ه، ج3.
القمي، أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه (الصدوق): الأمالي، المجلس48، تحقيق ونشر تحقيق مؤسّسة البعثة، ط1، قم المقدّسة، 1417هـ.ق.
القمي، أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه (الصدوق): عيون أخبار الرضا(عليه السلام)، لاط، طهران، منشورات الأعلميّ، لات، ج2.
دستغيب، عبد الحسين: كبائر الذنوب(كناهان كبيرة)، ط6، لام، لان، 1363هـ.ش، ج1.
مير معزيّ، حسين: نظام الإسلام الاقتصاديّ(نظام اقتصادى إسلام)، ط1، إيران، منشورات المؤسّسة الثقافيّة للعلم والفكر المعاصر، 1378هـ.ش، ج2.

-------------------------------------
[1]*ـ  باحث في الفكر الإسلامي ورئيس تحرير مجلة الحياة الطيبة التخصّصية ـ لبنان.
[2]- سورة الروم: الآية 30.
[3]- سورة المؤمنون: الآية 115.
[4]- الصدر، محمد باقر: اقتصادنا، ط20، بيروت، دار التعارف للمطبوعات، 1987م، ص417 ـ 418، تحت عنوان (المذهب الاقتصادي والإسلام، و ص421، تحت عنوان (التمييز بين علم الاقتصاد والمذهب الاقتصادي). بتصرّف.
[5]-  أمّا الملكية الخاصة فهي معروفة، ولا حاجة إلى الإشارة لمواردها. وأمّا الملكيّة العامّة؛ فمثل الأرض المفتوحة عنوة، فإنّها مشتركة بين المسلمين؛ إذا لم تكن مواتاً حين الفتح. انظر: الحرّ العاملي، محمد بن الحسن: وسائل الشيعة، تحقيق ونشر مؤسّسة آل البيت (عله) لإحياء التراث، ط2، قم المقدّسة، 1414 هـ.ق، ج25، كتاب إحياء الموات، باب 18، ص435. وكذا هم شركاء في الماء والنار والكلأ؛ ما لم يكن ملك أحدٍ بعينه. انظر: م.ن، باب5، ص417.
[6]- انظر: الصدر، محمد باقر: خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء، تحقيق: أحمد ماجد، ط1، بيروت، دار المعارف الحكمية، 2014، ص 51.
[7]- سورة الإسراء، الآية 70.
[8]- سورة المنافقون، الآية 8.
[9]- غرر الحكم: 8628.
[10]- سورة فاطر، الآية 10.
[11]- بحار الأنوار 98: 320.
[12]- سورة الأنعام، الآية 90.
[13]- سورة الجمعة، الآية2.
[14]- سورة الإسراء: الآية 34.
[15]- سورة البقرة، الآية 215
[16]- سورة البقرة، الآية 195.
[17]- سورة التوبة، الآية34.
[18]- الكليني، أبو جعفر محمد بن يعقوب بن إسحاق: الكافي، تعليق: علي أكبر الغفاري، ط4، طهران، دار الكتب الاسلامية، 1365 ش، ج2، كتاب العشرة، باب حقّ الدار، ح14، ص 668.
[19]- سورة الحجرات، الآية10.
[20]-  الحراني، ابن شعبة: تحف العقول عن آل الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، لاط، قم المقدّسة، منشورات الشريف الرضيّ، لات، ص263.
[21]-  الطبرسي، الفضل بن الحسن: مكارم الأخلاق، ط1، طهران، منشورات دار المعرفة، 1365هـ.ش، ص458.
[22]- الكليني، الكافي، م.س، ج2، كتاب الإيمان والكفر، باب ذم الدنيا...، ح20، ص135.
[23]- الكليني، الكافي، م.س، كتاب المعيشة، باب عمل الرجل...، ح1، ص86.
[24]- سورة الإسراء: الآية 34.
[25]- الحراني، تحف العقول، م.س، ص409.
[26]- سورة البلد: الآية 4.
[27]- الكليني، الكافي، م.س، ج5، كتاب المعيشة، باب ما يجب من الاقتداء بالأئمّة عليهم السلام، ح10، ص75-76. 
[28]- المحارف: المحروم، يطلب فلا يُرزق، وهو خلاف المبارك.
[29]- الكليني، الكافي، م.س، ج5، كتاب المعيشة، باب الحثّ على الطلب...، ح14، ص67-77.  
[30]- انظر: الكليني، الكافي، م.س، ج5، كتاب المعيشة، باب فضل التجارة...، ح4، ص148، ح10-11، ص149.  
[31]- الواسطي، عيون الحكم والمواعظ، م.س، ص454.
[32]- الرضي، محمد بن الحسين بن موسى(الشريف الرضي): نهج البلاغة(الجامع لخطب الإمام علي ورسائله وحكمه)، شرح الشيخ محمد عبده، ط1، قم المقدّسة، دار الذخائر، مطبعة النهضة، 1412هـ.ق/ 1370هـ.ش، الحكمة127، ص30. 
[33]- وردت في القرآن الكريم عبارات عديدة بصيغة الجمع في هذا المجال، مثل: ﴿خلقَ لكم﴾، ﴿جعلَ لكم﴾، ﴿للنّاس﴾، ﴿رزقاً لكم﴾...
[34] الكليني، الكافي، م.س، ج4، أبواب الصدقة، باب في أداء المعروف، ح5، ص32
[35]- الحسينيّ، رضا: نمط توزيع الدخل وسلوك المستهلك المسلم (اُلكوي تخصيص درامد ورفتار مصرف كننده مسلمان)، ط1، لام، منشورات مركز الثقافة والفكر الإسلاميّ، 1379هـ.ش، ص159.
[36]- سورة هود:الآية 61.
[37]- سورة يوسف: الآيات 47-49
[38]- الكليني، الكافي، م.س، ج5، كتاب المعيشة، باب ما يجب من الاقتداء بالأئمّة عليهم السلام، ح12، ص76.
[39]- الكليني، الكافي، م.س، ج5، كتاب المعيشة، باب الدين، ح5، ص92.
[40]- القمي، أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه (الصدوق): من لا يحضره الفقيه، تعليق: علي أكبر الغفاري، ط2، قم، منشورات جماعة المدرسين في الحوزة العلمية في قم المقدسة، 1404 ه، ح3616، ج3، ص166.
[41]- رزاقي، إبراهيم: الأنموذج الأمثل في الإنفاق والهجمة الثقافيّة
[42]- رزاقي، أنماط الإستهلاك والغزو الثقافي(الكوي مصرف وتهاجم فرهنكي)، م.س، ص187-188.
[43]- الصدوق، من لا يحضره الفقيه، م.س، ح5904، ص416.
[44]- الآمدي، غرر الحِكم ودرر الكلِم، م.س، ح6807.
[45]- الحرّ العاملي، محمد بن الحسن: وسائل الشيعة، تحقيق ونشر مؤسّسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، ط2، قم المقدّسة،  طبعة مهر، 1414هـ.ق، ج19، كتاب المضاربة، باب استحباب الزرع، ح10، ص35. 
[46]-  دستغيب، عبد الحسين: كبائر الذنوب(كناهان كبيرة)، ط6، لام، لان، 1363هـ.ش، ج1، ص384-385.
[47]-  الكليني، الكافي، م.س، ج5، كتاب المعيشة، باب الحثّ على...، ح6، ص78.
[48]-  القمي، أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه (الصدوق): الأمالي، المجلس48، تحقيق ونشر تحقيق مؤسّسة البعثة، ط1، قم المقدّسة، 1417هـ.ق، ح9، ص364.
[49]-  الكليني، الكافي، م.س، ج5، كتاب المعيشة، باب الحثّ على...، ح8، ص78-79.
[50]-  الحكيمي، المعايير الاقتصادية في السيرة الرضوية(معيارهاى اقتصادى در تعاليم رضوى)، م.س، ص55.
[51]-  القمي، أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه (الصدوق): عيون أخبار الرضا، لاط، طهران، منشورات الأعلميّ، لات، ج2، ص125.
[52]-  الأصفهاني، المفردات في غريب القرآن، م.س، مادة «سرف».
[53]-   سورة الفرقان: الآية 67.
[54]-  سورة يونس:الآية 83.
[55]-  سورة غافر:الآية 43.
[56]-  المجلسي، بحار الأنوار، م.س، ج68، ص347.
[57]-  مير معزيّ، حسين: نظام الإسلام الاقتصاديّ (نظام اقتصادى إسلام)، ط1، إيران، منشورات المؤسّسة الثقافيّة للعلم والفكر المعاصر، 1378هـ.ش، ج2، ص102.
[58]-  مطهّري، إطلالة على النظام الاقتصادي في الإسلام(نظرى به نظام اقتصادى اسلام)، م.س، ص55-56. أ
[59]-  الأصفهاني، المفردات في غريب القرآن، مادة «بذر». 
[60]-  الشيرازي، ناصر مكارم: الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، ج8، ص459.
[61]-  سورة الإسراء:الآية 27.
[62]-  الشيرازي، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، م.س، ج8، ص460.
[63]- سورة الأنعام:الآية 141
[64]- سورة الأعراف:الآية 31.