البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

إنهيار الديكارتيّة؛ نقد معضلة الثنائيّات في عالم ديكارت

الباحث :  إتيان جلسون
اسم المجلة :  الاستغراب
العدد :  24
السنة :  صيف 2021م / 1443هـ
تاريخ إضافة البحث :  October / 18 / 2021
عدد زيارات البحث :  47
تحميل  ( 369.382 KB )
تضيء هذه المقالة على المآلات الأخيرة التي انتهت إليها منظومة ديكارت الفلسفيّة. وهي تشكّل خلاصة الاستنتاجات الكبرى التي توصّل إليها الفيلسوف والَّلاهوتيّ الفرنسيّ إتيان جلسون(1884-1974) في سياق مساجلاته المعمّقة للأبنية التي قامت عليها الفلسفة منذ الإغريق إلى حقبة الحداثة. في المقالة التي وضعها تحت عنوان «إنهيار الديكارتيّة» يبيِّن جلسون طائفة من الاختراقات المنهجيّة التي تعرّضت إليها الديكارتيّة وخصوصًا عندما تطرّق إلى الصلة المعقّدة بين الجسم المادّيّ للكائن الإنسانيّ وبين روحه.

نشير إلى أنّ مقالة جلسون هذه هي ترجمة للفصل الثامن من كتابه المعروف «وحدة التجربة الفلسفيّة» الذي أصدره المركز الإسلاميّ للدراسات الإستراتيجيّة عام 2017.

«المحرِّر»
--------------------------
لا أحد ممّن يعرف مصير مذهب ديكارت يمكنه أن يقرأ العبارة المتهوّرة التي بدأ فيها تأمّله السادس من دون دهشة: «الآن لم يبقَ عليَّ إلّا أن أتساءل عمّا إذا كان ثمّة أشياء مادّيّة»[2]، كان بعيدًا جدًّا عن الخوف من أيّ مشكلة في المرحلة التي حذّره فيها بعض القرّاء من أنّه يسعى للمشاكل، تجاهل التحذير ولم يكترث له، مع ذلك تمّ تحذيره كما ينبغي، فقد سأله غاسندي[3]Gassend: «كيف ينبغي أن نفهم اتحاد الجسمانيّ مع اللاجسمانيّ؟» و«كيف يمكن لِما هو جسمانيّ أن يرتبط بما هو غير جسمانيّ لإبقائه متّحدًا معه؟ أو كيف يتحكّم غير الجسمانيّ بالجسمانيّ ليبقيه مرتبطًا به...؟». صحيح، لقد قلت إنّك تختبر هذا الاتحاد عندما تشعر بالألم، لكن «أنا أسألك إذا قلت إنّك تختبر هذا الاتحاد عندما تشعر بالألم، كيف تعتقد أنّك تقدر، إذا كنت غير جسمانيّ وغير ممتدّ، على اختبار الشعور بالألم؟» باختصار، نختم بكلمات غاسندي:«ما زالت الصعوبة العامّة موجودة، كيف يكون للجسمانيّ ما يشترك به مع غير الجسمانيّ، وما هي طبيعة العلاقة التي يمكن أن تنشأ بينهما»[4].

ردّ ديكارت على اعتراضات غاسندي ببساطة: «لا مجال للاعتراض على حججي»[5]، سيبقى هذا العمى في هذا العبقريّ سرًّا، ألم نعلم أنّ الهدف الحقيقيّ لديكارت من إثبات وجود العالم الخارجيّ لم يكن إثبات شيء خارج الذهن بقدر ما كان توضيح أنّ ما يوجد خارج الذهن هو الامتداد الهندسيّ لا غير، كان يجب أن يفصل تمييزه بين الذهن والجسم كما فهمه بطريقتين؛ أولًا كان يجب البرهان على أن ما يخصّ طبيعة الجوهر الجسمانيّ لا يمكن أن يُنسب للذهن؛ وثانيًا، ما كان يريده ديكارت قبل كلّ شيء، إثبات صحّة العكس: لا ينبغي أن يُنسب شيء ممّا يخصّ طبيعة الذهن إلى المادّة الجسمانيّة، بتعبير آخر، لم يقلق ديكارت كثيرًا على برهانه على وجود المادّة؛ لأنّ المشكلة في ذهنه لم تكن أبدًا هل المادّة موجودة؟ بل، بالأحرى: عندما نبرهن أنّ المادّة موجودة فعلى وجود ماذا نبرهن؟ كان الجواب: على الامتداد، إنّه المكان وفقًا للأبعاد الثلاثة؛ إذًا المادّة هي ذلك، وليست شيئًا آخر.
هكذا لجأ ديكارت مرة أخرى إلى مبدئه: ما يصحّ عن مفهوم الشيء يصحّ عن ذلك الشيء[6]. الوجود الوحيد الذي يمكنني إداركه خارج ذهني هو الامتداد ولا شيء غيره، من هنا كان عنوان تأمّله السادس والأخير: «في وجود الأشياء المادّيّة، وحقيقة الفارق بين نفس الإنسان وجسمه»[7].

 يمكن رؤية الهدف المحدّد، الذي تمنّى تحقيقه في برهانه، واضحًا في نتيجته المقرّرة بدقّة: «من هنا لا بدّ من التسليم، بأنّ الأشياء المادّيّة موجودة، لكن ربما ليست بالضبط كما ندركها عبر الحواس،... فيجب أن نسلّم على الأقلّ، أنّ كلّ الأشياء التي ندركها بوضوح وبتميّز، أي كلّ الأشياء التي، تُفهم في موضوع الرياضيّات المحضة ينبغي إدراكها بحقّ كموضوعات خارجيّة»[8]. سوف نضطر إلى إزالة كلّ ما يسمّى «كيفيّات» من فكرة المادّة، مثل الوزن، والصلابة، واللون وغير ذلك؛ لأنّ هذه الكيفيّات لا تنشأ من الجسم وحده، وبالتالي، لا تنتمي إليه بالفعل[9]. بالطريقة نفسها، وللسبب نفسه، هل سنكون مضطرين لإلغاء ما يسمّى«طبائع»، أو«صور»، من المادّة التي افترض أرسطو وأتباعه في العصور الوسطى وجودها في أجسام حيّة وغير حيّة، والتي اعتبرها الأسباب الداخليّة للحركات، والنموّ، والغذاء، والتكاثر، والحس. وما هذه الطبائع، أو «الصور،» إلّا نفوس مقنّعة، ينسبها الإنسان إلى المادّة، كما لو كانت كلّ الأجسام الطبيعيّة مخلوقة من جسم ونفس. صحيح أنّ في الإنسان وهمًا طبيعيًّا لإدراك كلّ شيء على صورة الإنسان؛ لكنّ ذلك، ليس أكثر من وهم، فللإنسان وحده جسم وذهن؛ أمّا الأجسام الطبيعيّة، فهي ليست إلّا أجسامًا، وهذا يعني، أنّها جزيئات مختلفة الأشكال من الامتداد، مرتّبة وفقًا لأنظمة مختلفة، وتشغل حيّزًا في المكان، وحتى الأجسام الحيّة، كالحيوانات مثلًا، فهي مجرّد آلات، كما أنّ جسمنا الإنسانيّ ذاته، عندما يُنظر إليه بمعزل عن الذهن الذي يتّحد معه، ليس إلّا آلة.
إنّ النتيجة النهائيّة التي خلص إليها ديكارت في الميتافيزيقا، زوّدته بالمبدأ الأوّل للفهم الميكانيكيّ والهندسيّ المحض للعالم الطبيعيّ، وكان هذا ما أراده. إذًا دعنا نفرض معه مادّة خلقها إله كلّي القدرة، بالتالي ليس ثمّة سبب لتصوّر امتداد لا يمكن أن يكون بعدَه امتداد إضافيّ، ولا إمكانيّة لذلك أصلًا؛ لذا يمكننا القول، كما نقول إذا كانت فكرة المادّة موجودة في ذهننا، فإنّ المادّة نفسها ممتدّة بلا حدود والعالم المادّيّ لا حدود له. من جهة أخرى، نظرًا لأنّ المادّة تتماهى مع الامتداد، إذًا حيث يوجد مكان، يوجد امتداد، وبالتالي توجد مادّة؛ أي أنّ عالم المادّة ممتدّ في الفضاء بلا حدود، وهو ممتلئ أيضًا. وأخيرًا، لا نستطيع أن ندرك أنّ جزءًا من الامتداد لا يمكن إدراك قابليّته للقسمة إلى أجزاء أصغر؛ لأنّنا نميل للاعتقاد بأنّ الأجسام المادّيّة تقبل الانقسام إلى ما لا نهاية. باختصار، لا يوجد ذرّات، تجعل الحركة ممكنة في عالم ممتلئ تمامًا، فالحركة المادّيّة دائمًا دائرة تامّة من الجزيئات المادّيّة اللامتناهية في صغرها التي تتحرّك معًا، وهذا شبيه بشارع ممتلئ تمامًا بالعربات، بحيث لا يستطيع إنسان أن يدخل من دون أن يخرج غيره، فكل جزيء مادّيّ يشغل على التوالي مكانًا من الأماكن الباقية التي أخلاها السابق. وكلّ الحركات الطبيعيّة في الأجسام المادّيّة هي حركات لولبيّة، تشكّل كلّ واحدة منها «دوارة» vortex.

الفرضيّة الميتافيزيقيّة الوحيدة التي نحتاجها غير هذه الخصائص الجوهريّة للمادة هي، أنّ الله عندما خلق المادّة سبّب فيها كمًّا من الحركة، وبناء على هذه الفرضيّة الأساسيّة، سوف تستنتج كلّ قوانين الفيزياء على أساس دليل رياضيّ؛ ولن يكون للملاحظة والتجربة أيّ دور غير توضيح كلّ نقطة تالية من الاستنتاج، أو توفير مزيد من الحقائق المستنتجة من المبادئ نفسها، فالله الذي خلق العالم وخلق فيه كمًّا من الحركة، لا يتغيّر لأنّه كامل، وهو ما زال يحافظ على مقدار من الحركة في العالم يساوي المقدار الذي أوجده فيه يوم الخلق؛ إذًا كلّ متحرّك يواصل تحرّكه، بقدر ما يكمن فيه من الحركة، التي وضعت فيه منذ البداية، ويخسر من الحركة بمقدار ما ينقل من حركة إلى الأجسام الأضعف. وهذه الحركة ليست التجلّي الخارجيّ للطاقة الكامنة في المادّة؛ غير أنّ هذا التصوّر لا ينسجم مع الآلية المباشرة وسيرجعنا إلى الوهم السكولائيّ لـ «الصور» أو «الطبائع». وفي النهاية يعني أنّ بعض «النفوس» تحيي المادّة من الداخل، وتحرّكها وتوقفها عندما تريد. إنّه مفهوم هندسيّ محض للحركة يختزل نفسه إلى تغيّر مكانيّ، إذًا سيُقال إنّ الجسم يتحرّك عندما يمرّ بجوار تلك الأجسام التي تكون على تماس مباشر معه، إلى جوار أجسام أخرى[10]، كما يقول ديكارت: «الحركة ليست إلّا الانتقال، لا هي القوّة التي تنقل ولا هي الفعل»، سبب قوله هذا واضح: «الحركة موجودة دائمًا في الشيء المتحرّك، لا في الشيء الذي يحرّك»[11]. فعندما تكون الأجسام في حالة حركة فإنّها تحتفظ بحركتها التي تلقّتها حتى تنقلها إلى أجسام أخرى وفقًا للقوانين البسيطة جدًا؛ وربما كان القول إنّ الحركة تمرّ عبر الأجسام، من بعضها إلى بعضها الآخر أكثر صحّة؛ لأنّ الأجسام المتحرّكة، هي أشياء متحرّكة وليست محرّكة، وصولًا إلى المحرّك الوحيد للعالم الذي هو نفسه ليس في حركة: إنّه الحافظ الذي لا يتغيّر ومحرّك المادّة المتحرّكة، إنّه الله.

ولكي نشرح المعنى الكامل لهذه الثورة الفلسفيّة بشكل أوضح، اسمحوا لي أن أرجعكم للحظات، إلى عالم العصور الوسطى الذي كان ديكارت يحاول الحلول مكانه؛ إذ وفقًا للقدّيس توما الأكويني، يتكوّن النظام الطبيعيّ في جوهره من «طبائع»، أي من المبادئ الناشطة، التي هي سبب الحركات والعمليّات المختلفة لموادّها الموازية، بتعبير آخر، كلّ طبيعة أو صورة، هي بالأساس طاقة وفعل، وثمّة حقيقة واضحة أنّ هذا العالم لم يكن موضوعًا مناسبًا للتفسير الميكانيكيّ المحض للتغيّر الفيزيائيّ؛ لأنّ الأبعاد، والمواقع والمسافات هي بذاتها أشياء واضحة، يمكن أن تُقاس وتُعدّ، لكن تلك الطاقات الخفيّة التي نسبها أرسطو والقدّيس توما للأجسام لا يمكن أن تخضع لأيّ نوع من الحسابات، فلو سمح لها بالبقاء كما هي - وهذا كان بالفعل الهدف الأساس لديكارت - سيبقى في الطبيعة شيء غامض ملتبس، وفي العلم نفسه عنصر متميّز بعدم الوضوح. أراد ديكارت بوصفه هندسيًّا أن تصبح الفيزياء فرعًا من رياضيّاته الكليّة؛ لذا لم يكن بمقدوره أن يحتمل هذا الإزعاج؛ إذًا يجب حذف  الصور، والطبائع، من عالم الطبيعة، كي لا يبقى شيء غير الامتداد ومقدار مساوٍ دائمًا من الحركة التي سبّبها الله.
كم كان إله ديكارت عميق التفكير ومصلِحًا! فهو قادر على خلق العالم الذي لا يمكن تفسيره إلّا بفلسفة ديكارت، كان يحفظ الأشياء بانتظام في غاية الإتقان، بحيث استطاع ديكارت أن يكتشف التفسير الكامل لعالمه من دون أيّ عناء. أدرك باسكال بوضوح المقصد العميق لديكارت، عندما كتب هذا في فلسفته، «ربّما كان يريد الاستغناء عن الله، لكنهّ كان مضطرًا لجعله يقوم بحركة بسيطة ليحرّك العالم؛ وبعد هذا، لن يحتاج إلى الله»[12]، مهما كان هذا صحيحًا، يجب ألّا ننسى أنّ الإله الديكارتيّ، بمعنى ما، لا يؤثّر كثيرًا في العالم؛ لأنّ العالم يمكن أن يطوّر نفسه بحرّية كما لو كان الله غير موجود، وبمعنى آخر، يصحّ القول بالقدْرِ نفسه إنّ الله يفعل كلّ شيء فيه. كان إله القدّيس توما الأكوينيّ مثل إله ديكارت، إلهًا خالقًا مستمرًّا في خلقه لكلّ شيء؛ لكنّ الأشياء التي خلقها، والتي ما زال يحفظها في الوجود هي «طبائع»، وهذا يعني، أنّها أسباب فاعلة، وأسباب حقيقيّة؛ ولأنّها مدينة له بوجودها الفعليّ، فإنّ قواها التشغيليّة وحتى فاعليّة عمليّاتها نفسها، ليست أسبابًا فاعليّة، ولا يمكن القول إنّ هذه العمليّات ناتجة عنها بحقّ، وبالتالي ما كان يفترض على الله أن يحفظ وجوده في العالم التوماويّ، هو مجموعة من الطبائع الناشطة الباقية، في كلّ واحدة منها قوّة أصيلة لها قدرة على القيام بعملها، أمّا بالنسبة لديكارت، فالأمر ليس كذلك، فحينما تُنزع كلّ مصادر الطاقة الفرديّة منه لن يبقى فيه إلّا الامتداد وقوانينه، لا الطبائع، بل الطبيعة، أي تلك التغيّرات التي تجري في الأجزاء المختلفة من المادّة. وبالنسبة «لقوانين الطبيعة»، فهي ليست أكثر من أنظمة خلقها الله بحرّيّة، لتنسجم مع حصول التغيّرات، وعليه ما زال الفعل الإلهيّ الذي لا يتغيّر هو السبب الفاعل الوحيد الموجود في العالم[13].

هنا نجد ديكارتين: ديكارت كان يريد التخلّص من الله تمامًا، وديكارت أراد نسبة السببيّة كلّها إلى الله، فأيّهما كان ديكارت الحقيقيّ؟ كلاهما؛ لأنّ ديكارت كان يريد أن ينسب كلّ شيء إلى الله في الميتافيزيقا، عندما يكون ذلك ضروريًّا لكي لا يُبقي على شيء في الفيزياء غير الامتداد؛ لأنّه لا يفيده أيّ نوع من الطاقة الفيزيائيّة في الفيزياء الميكانيكيّة الصرفة التي قال بها، فما كان يحتاجه ديكارت في الميتافيزيقا إله هائل قهّار، وظيفته الأصيلة أن يسحب من المادّة كلّ ما ليس امتدادًا صرفًا مجرّدًا في الفضاء. أمّا الشرط الفعليّ لهذا العالم، في أيّ لحظة، فلن يحتاج لأّي تفسير إضافيّ غير قوّة وخالقيّة الإله الذي سيجعله كذلك، إذًا ماهيّة هذا العالم ليست ناتجة عن ماهيّته في اللحظة السابقة، ولا هي سبب لما سيكون عليه في اللحظة التالية. باختصار، إنّ وجود هذا العالم ليس استمراريّة لجواهر ثابتة، بل هو تتابع لوجودات آنيّة منفصلة، لا يوجد لأيٍّ منها سبب آخر غير قدرة الله الخلّاقة[14].

كنت أتمنّى لو أقدر على إخباركم أنّ ديكارت عوّض عن تضحياته في حقل الميتافيزيقا مئة ضعف من خلال اكتشافاته في حقل الفيزياء، لكن الأمر لم يكن كذلك، فالحقيقة واحدة، والميتافيزيقا الرديئة لا تثمر، حتى لمصلحة العلم، فقد برهن لايبنتز، فورًا بعد ديكارت، أنّ قوانين التصادم الديكارتيّة لم تكن صحيحة علميًّا؛ لأنّ ديكارت فشل في إدراك أهمّيّة بعض المفاهيم مثل الشكل والقوّة والطاقة[15]. وفور نشر نيوتن لكتاب المبادئ الرياضيّة للفلسفة الطبيعيّة Mathematical Principles of Natural Philosophy عام 1687، تبيّن فورًا أنّ فيزياء ديكارت صارت شيئًا من الماضي، فقد استمرّت فيزياء أرسطو عشرين قرنًا، لكنّ فيزياء ديكارت استمرّت حوالي ثلاثين سنة في إنكلترا، وليس أكثر من ستين سنة في أوروبا. صحيح، كان لا يزال بعض الديكارتيّين المتأخّرين في إنكلترا وفرنسا خلال الثلث الأوّل من القرن الثامن عشر، لكنّ العلماء الحقيقيّين اعتبروهم عيّنات طفيليّة من عنصر منقرض بالفعل. ولمّا كان فونتينيل [16]Fontenelle الشهير متجاهلًا لمقارنة ديكارت بنيوتن، فقد شعر الرأي العام البريطانيّ بالسخط وحمّل المسؤوليّة للتعصّب القوميّ الفرنسيّ، وهذا ما عبّرت عنه إحدى الرسائل الموجّهة لجريدة The London Journal في عام 1723 «هذا بالضبط شبيه بمقارنة يجب إجراؤها بين قصّة رومنسيّة والتاريخ الحقيقيّ، بين مشروع وهميّ ومجموعة حقائق واقعيّة، بين تخمينات وتخيّلات ومجرّد أحلام، وحقيقة واضحة، وقوانين مرئيّة وتجارب معروفة»[17]. لكن قرار فونتينيل لم يكن له صدى في فرنسا، فحوالي عام1732  تحوّل فولتير إلى فيزياء نيوتن، وتبعه الرأي العام الفرنسيّ، ولم يكد يوجد بعد ذلك الوقت أيّ عالم يعتبر أيًّا من  القوانين الفيزيائيّة التي وضعها ديكارت في مبادئ الفلسفة Principles of Philosophy صحيحًا. لقد لاقت فيزياء ديكارت فشلًا ذريعًا، لكن ميتافيزيقيا ديكارت حول الطبيعة كُتب لها أن تؤدّي دورًا جديدًا في فلسفة الطبيعة.
كما ينبغي أن نتوقّع، لا بدّ من التوجّه إلى فرنسا لكي نشهد بدايات تلك التطوّرات في عام 1664، عندما نشر أحد تلاميذ ديكارت، لويس دو لا فورج Louis de la Forge كتابا للمعلّم بعد وفاته بعنوان: الإنسان كما رآه رينيه ديكارت Man by Rene Descartes، حيث أضاف لنصّه تعليقًا مهمًّا، وفي عام 1666 نشر دو لا فورج مؤلَّفه الخاصّ: مقالة في روح الإنسان، قواها، وظائفها واتحادها بالجسم وفقا لقوانين رينيه ديكارت Treatise on the Spirit of Man, Its Faculties and Its Union with the Body according to the Principles of Rene Descartes، وأثبت دو لا فورج في الفصل العاشر من كتابه أنّ التغيّرات الفيزيولوجيّة في أجسامنا، وفقًا لمبادئ ديكارت، لا يمكن أن تكون أكثر من «أسباب عرضيّة» لمشاعرنا، ولكنّه طرح سؤالًا آخر في الفصل السادس عشر، تبيّن أنّه سؤال في غاية الأهمّيّة. يتساءل الفلاسفة دائمًا كيف يؤثّر الذهن في الجسم، والجسم في الذهن؛ لكن الجسم بذاته هو مجرّد جوهر متميّز عن جسم آخر، مثل تميّزه عن الذهن، إذًا كيف نفسّر التأثير الذي يمارسه جسم على جسم آخر؟ صحيح أنّنا نرى أو على الأقل نعتقد بأنّنا نرى، أنّ بعض الأشياء المادّيّة التي تكون في حالة حركة تنقل بعضًا من حركتها إلى أجسام أخرى، لكن هل لدينا أيّ فكرة واضحة ومميّزة عن كيفيّة حصول هذا الأمر؟ ليس لدينا أيّ فكرة، في المقابل نحن ندرك بوضوح وتميّز أنّ افتراض هذا التواصل المباشر بين جوهرين متمايزين متناقض. ما يحصل بالفعل أنّ الجسم (أ) يؤثّر في الجسم (ب)، بل الله الذي يحفظ (أ) و(ب) في أماكن متماسّة، يحفظهما الآن منفصلين، يعني في أماكن منفصلة، بالنسبة لتماسّها السابق.
وهكذا كما تأسست السببيّة الفيزيائيّة مع ديكارت ودولافورج، صار انهيارها  حقيقة منجزة فورًا مع جيرو دو كورديمواGeraud de Cordemoy. لم يفعل أحد مثل ما فعل هذا الرجل المغمور الذي نقل تلك المضامين الأساسيّة التي انطوت عليها مبادئ ديكارت إلى الضوء، وعندما شرع بمعالجة المسألة في «مقالة عن فهم الذهن والجسم Treatise On the Discerning of Mind and Body» استطاع حسم كامل المسألة فورًا، وجعل منها عملًا شاملًا. بديهيّتان وانتهى الأمر؛ البديهية الأولى: لا يمكن للشيء بذاته بعد أن يخسر شيئًا أن يبقى كما كان؛ البديهة الثانية: يمكن للجسم أن يستمرّ بخسارة حركته تدريجيًّا وصولًا إلى فقدانه للحركة، دون أن يتوقّف عن كونه جسمًا؛ النتيجة: الحركة ليست ذاتيّة للجسم. وصلت نتيجة كوردموا إلى جذور المشكلة، وهي تساعدنا على إدراك المعنى العميق وراء سخرية باسكال، لم يحتج ديكارت لله، إلّا فقط «لحركة بسيطة ليحرّك العالم» لكن، لأجل ذلك على الأقل، كان في أمسّ الحاجة إليه.

نحن نتذكّر أنّ ديكارت كان يخطّط لتقديم تفسير هندسيّ لكلّ الظواهر، حتى الحياة، لكنّه واجه صعوبة من بداية مشروعه، إذ كيف يمكن تطبيق الهندسة المحضة على الميكانيكا، إذا كانت الهندسة تتعامل مع الامتداد فقط، في حين أنّ الميكانيكا تتعامل مع الامتداد زائد الحركة؟ غير أنّ الحركات لا تنتمي إلى النظام الهندسيّ، إنّها تأتي من الخارج، كشيء جديد لا يمكن استنتاجه من مجرّد ماهية الامتداد، فلا شكّ أنّ الأشياء الممتدّة تتحرّك، لكنّها لا تتحرّك بوصفها ممتدّة، أي بفضل ماهيّتها كأشياء ممتدّة. لقد عرف ديكارت جيّدًا أنّه فعل كلّ ما بوسعه لتذليل الصعوبة، وإذا رأيناه يختزل الحركة نفسها إلى انتقال من مكان إلى مكان بخضوع سلبيّ؛ فذلك لأنّه أراد ألّا يترك شيئًا في الأجسام غير علاقات المكان والمسافة، أي العلاقات الهندسيّة. مع ذلك ما زال الانتقال نفسه بحاجة إلى تفسير، الانتقال بماذا؟ لا يمكن أن يوجد «ماذا» في الامتداد بذاته؛ لأنّ الحركة لا تخصّ الامتداد كامتداد. إذًا الانتقال بواسطة من؟ الجواب الممكن الوحيد يجب أن يكون: بواسطة الله.

كان هذا جواب كودموا النهائيّ. بما أنّ الجسم لا يمكن أن يتحرّك بواسطة جسم آخر، وبما أنّ الجوهر الوحيد الذي نعلم به هو الذهن، يكون الذهن هو سبب كلّ الحركات في المكان، لكن ليس ذهننا، الذي لا يمكنه تحريك حتّى جسمه الخاصّ به، إذًا لا بدّ أن يكون الله. صدرت النتيجة بالضرورة من منهج ديكارت، في الثلث الأخير من القرن السابع عشر وتلقّاها كلّ الديكارتيّين كحقيقة مبرهنة بشكل نهائيّ، حيث نجدها مقتبسة تحت عنوان «مبدأ الديكارتيّين» في المنشور المجهول المؤلّف: رسالة فيلسوف إلى ديكارتيّ Letter of a Philosopher to a Cartesian الذي طبع عام 1672. وفقًا للفقرة الثانية والثلاثين من الرسالة، يوافق كلّ الديكارتيّين على أنّ الله وحده يقدر على إحداث الحركة. نحن نتخيّل أن قذيفة المدفع هي التي تهدم الجدران؛ لكن الأمر ليس كذلك، فليس ثمّة سلاح في العالم، لا سلاح بارود، ولا مدفع، ولا محرّك، ولا إنسان، ولا حتى ملك، قادر على تحريك أيّ شيء، حتى ولو كان قشّة، الله وحده القادر على ذلك.
عندما تصدّى مالبرانش للمشكلة بدوره، لم يكن بمقدوره أن يفعل أكثر من تزويد معاصريه ببراهين جديدة للنتيجة نفسها. لقد كانت عقول كبيرة أخرى في ذاك الزمان عازمة على العمل لإيجاد حلّ للمسألة الديكارتيّة «الاتصال بين الجواهر»، فسبينوزا مثلًا، يماهي الطبيعة بالله
(Deus sive natura)؛ لذلك فالأشياء المفردة ليست إلّا «صيغًا تعبّر عن صفات الله بطريقة معيّنة، أي أنّها أشياء تعبّر بطريقة معيّنة عن القدرة الإلهيّة التي يوجد ويؤثّر فيها الله[18]». وهكذا فالأجسام، لا تفعل، إنّها فقط تعرض صيغًا معيّنة من أفعال الله، فمونادات[19] لابنتس الشهيرة «ليس لها نوافذ يمكن لأيّ شيء أن يدخل أو يخرج منها»، إذًا، «لا طريق لتفسير كيف يمكن لأيّ موناد أن يتغيّر بنوعه أو داخليًّا عن طريق أيّ مخلوق آخر»[20]. وبالتالي تكون نتيجة لابنتس، أن» تأثير موناد على موناد آخر هو تأثير مثاليّ فقط؛ لأنّه لا يمكن أن يؤثّر إلّا من خلال الوساطة الإلهيّة[21]. «أو باختصار»: يوجد فقط إله واحد، وهذا الإله كافٍ»[22].

إذا كان لجواب مالبرانش عن السؤال تأثير عميق خاصّ على فلسفة القرن الثامن عشر، فهذا لأنّه كان لا يزال مؤمنًا بوجود عالم مادّيّ حسّيّ دائم. بالنسبة إليه، ليست المادّة مجرّد إدراك ملتبس، كما كانت بالنسبة للايبنتز، ولا هي اختزال للأجسام إلى ما كانت بالنسبة لسبينوزا، أي صيغ متناهية لامتداد خالص الوضوح، الذي هو نفسه واحد من صفات الله. حتى بعد معرفته أنّه لا يمكن البرهان عليه، تمسّك مالبرانش من خلال الإيمان بالاعتقاد أنّ الله خلق بعد نموذج الفكرة الواضحة جوهرًا موجودًا بالفعل، الذي كان شيئًا في ذاته، بمعزل عن فكرته في الله وعن معرفتنا به. بذلك كان مالبرانش مجبرًا من موقعه على التعامل مع طبيعة السببيّة في العالم المادّيّ وبالطبع على رفضه.

وفقًا لمالبرانش، كانت نتيجته الأولى ـ أنّ الأجسام لا يمكن أن تؤثّر في الأجسام ـ اعترافًا بأنّنا لا نملك أيّ فكرة عن طبيعة هذا التأثير. ثم أكّد بوصفه ديكارتيًّا مخلصًا على أن نستشير الفكرة التي نملكها عن الأجسام، ونتذكّر دائمًا أنّه «يجب على المرء أن يحكم على الأشياء من خلال الأفكار التي تمثّلها»[23]. إذًا إنّ فكرة التأثير الواقع من جسم في جسم آخر لا تمثّل شيئًا لذهننا، لأنّنا ببساطة لا نملك هذه الفكرة، وبالتالي، ليس هناك فعل كهذا؛ لأنّ نفس افتراضه يحتوي على تناقض صريح، ما الذي نعنيه عندما نقول إنّ جسمًا يحرّك جسمًا آخر؟ المعنى الوحيد الممكن لهذا التعبير أنّ الجسم (أ) يسبّب جسمًا آخر (ب) الذي كان موجودًا أوّلًا في مكان ما أن يوجد الآن في مكان آخ،. لكن كيف يمكن لجسم مادّيّ أن يسبّب جسمًا مادّيّا آخر أن يكون في المكان الذي يجب أن يكون فيه بالفعل؟ إنّها إرادة الله التي تهب الوجود للأجسام كما تهبه لكلّ ما هو موجود، والقدرة الإلهيّة التي خلقتها ما زالت تحفظ وجودها، وإذا توقّفت الإرادة الإلهيّة عن حفظها فإنّ الأجسام ذاتها ستتوقّف عن الوجود بالضرورة. يستحيل علينا أن ندرك جسمًا لا يكون في مكان، كما لا يمكن لنا أن ندرك جسمًا لا يتحرّك ولا هو ثابت، ولا يغيّر علاقاته المسافيّة بالأجسام الأخرى، ولا يحتفظ بالمسافة نفسها. هذا صحيح جدًا، »إنّ الله ذاته، رغم أنّه قدير، لا يستطيع أن يخلق جسمًا لا يكون في مكان ولا تربطه بأيّ جسم آخر علاقة خاصّة. «إذًا، عندما نقول إنّ إرادة الله تحفظ وجود الجسم، فكأنّنا نقول إنّها تحفظ نفس ذلك الجسم بوجوده في المكان نفسه الذي يشغله بالفعل. وإنّ الله، لا يمكن أن يفعل خلاف ذلك؛ لأنّه لا يقدر أن يريد ما لا يمكن فهمه»، أي ما يحتوي على تناقض واضح، لكن ماذا بقي للأجسام المخلوقة لتفعله؟ الجسم موجود حيث هو لأن الله خلق قدرة لحفظه حيث هو، في اللحظة التالية، سوف يحفظ الله الجسم نفسه في مكان آخر، إذا كان الجسم متحرّكًا، أو في المكان نفسه، وإذا كان الجسم في حالة سكون، بالتالي، فالأجسام ليست أسبابًا لكون أجسام أخرى حيث هي، لأنّها لا تحرّك الأجسام الأخرى، ولا تتحرّك بواسطتها[24]. 
قد يصعب إدراك تفسير أوضح للنتائج المنطقيّة المحتواة في فهم ديكارت للمادّة. الامتداد الخالص انفعاليّة خالصة، بمعنى أنّها بطبعها مستثناة من السببيّة. إذ عندما خلق الله العالم، لم يكن للعالم شيء في ذاته، كان ببساطة في حالة مخلوقيّة. «كلّ الناس تفهم أنّ الأشياء في لحظة خلقها، لم تكن أسباب وجود ذواتها، ولا طبائعها، ولا مواقعها في المكان؛ لأنّ الله وحده الذي جعل هذه الأشياء، كما هي، وأن تكون حيث كانت، ويعترف معظمنا أنّ الأمر كان كذلك في لحظة الخلق، لكن بعد أن مضت لحظة الخلق، لم يعد الأمر كذلك. يقول مالبرانش: «عندما انقضت لحظة الخلق! لم تعد كذلك أبدًا. حفظ الخلق هو... الخلق المستمر... في الحقيقة، فعل الخلق لا يتوقّف أبدًا؛ لأنّ الحفظ والخلق، في الله ليسا إلّا نفسَ الإرادة، وبالتالي سينتج عنها بالضرورة نفس النتائج»[25]. باختصار، بما أنّ الأجسام لا تمنح أيّ نوع من الفاعلية، «فالله وحده هو الذي يلائم فاعلية أفعاله لانفعالات مخلوقاته»[26].

الإنسان الذي يجد هذا التعبير التامّ عن أفكاره لن يُحكم عليه بالتأكيد بعدم الترابط والتفكير غير المنطقيّ، ولا يمكن أن ترفض نتائجه على أساس أنّها غير اعتياديّة ومقلقة؛ لأنّ كلّ النتائج الصحيحة تكون عادة كذلك، لكن يبقى مشروعًا تمامًا أن نسأله إذا كان هناك خطأ في مقاربته للسؤال. وهذا بالضبط ما فعله جون لوك، وفعله بذكائه المعهود، في «بحث في رأي مالبرانش حول رؤيته كلّ شيء في الله» Examination of Malebranche’s Opinion of Seeing All Things in God وفي «بحث حول كتب نوريس التي يؤكّد فيها رأي مالبرانش لرؤيتنا كلّ شيء في الله» Remarks upon Some of Mr. Norris’s Books wherein He asserts P. Malebranche’s Opinion of Our Seeing All Things in God.  أدرك لوك بوضوح السببين الرئيسين اللذين جعلا مالبرانش يتمسّك بالمناسبيّة: الرغبة في تمجيد القدرة المطلقة لله، والاستحالة الجذريّة في إيجاد سبب حركة المادّة في المادّة. ردُّ لوك على أوّل هذين السببين شبيه إلى حدّ التماهي بردّ القدّيس توما الأكوينيّ، في القرن الثالث عشر، على أولئك الذين جعلوا الإنسان «متلقٍّ بشكل كامل في كلّ ما يتّصل بالتفكير». النظير صادم جدًا أستأذن باقتباس نص لوك بالكامل: «الإله الأبدي اللامتناهي هو بالتأكيد سبب كلّ شيء، وأساس كلّ وجود وقدر، ولكن لأنّ كلّ وجود كان منه، فهل يمكن أن يوجد شيء غير الله؟ أو لأنّ كلّ قدرة هي بالأساس فيه، هل لا يمكن إيصال شيء منها إلى مخلوقاته؟ هذا يجعل حدودًا ضيّقة جدًّا لقدرة الله، والادعاء ببسطها، يزيلها على كلّ حال»[27].هذا كثير بالنسبة للّاهوتيّ، لكن هناك أيضًا شيء للفيلسوف. كان مالبرانش مجبرًا على اللجوء للأسباب العرضيّة؛ لأنّنا لا نملك أفكارًا واضحة وأفكارًا مميّزة عن كيفيّة تأثير جسم على جسم آخر، وعلى الذهن. لكن هل لدينا أيّ فكرة واضحة وفكرة مميّزة عن ماهيّة السبب العرضيّ؟ إذا كان لا يعمل وفقًا لله، فهو ليس سببًا، وإذا كان يؤثّر، فسوف نستنتج أنّ الله يمكن أن يعطي الأجسام قدرة على العمل وفقًا لذهنه اللامتناهي، لكنّه لا يقدر على إعطائها قدرة للعمل وفقًا للذهن المتناهي للإنسان، أو لأشياء أخرى، وهذا غير معقول[28]. كانت مشكلة مالبرانش، كمشكلة كلّ الديكارتيّين، أن يجعل كلّ شيء واضحًا وأن يعرف كيف يحرّك كلّ شيء، «لكن ربما الأفضل أن نعترف بجهلنا، بدل أن نتكلّم عن هذه الأشياء بشجاعة ربّ إسرائيل وندين الآخرين لعدم الجرأة على أن يكونوا فظّين مثلنا»[29].
لم يذهب الدرس هباءً، وقد حمل ثمارًا غير متوقّعة في ذهن دايفيد هيوم، فكيف يمكن للأب مالبرانش الخطيب وعميق التديّن والصوفيّ تقريبًا، أن يستشرف أنّ عالمه يومًا ما سيسقط في يدي إنسان لا يستطيع أن يعظ حول وجود الله بنجاح ولا أن يبرهن عليه عقليًّا؟ مع ذلك هذا ما حصل في اليوم نفسه الذي تعرّف فيه هيوم على نتائج مالبرانش الفلسفيّة. وماذا سيحصل لعالم الطبيعة عندما يخرج منه مالبرانش الله الذي هو حجر الزاوية لكامل البنية؟ سوف ينهار ويتفتّت، لن يبقى منه شيء غير شذرات مبعثرة.

هذا ما حصل تحديدًا عندما التزم دايفيد هيوم بمسألة السببيِّة الطبيعية التي تخلّى عنها مالبرانش. عمومًا كان هيوم أكثر بكثير من متمّم للوك من مالبرانش، مع ذلك في هذه المرحلة تحديدًا كان هناك شيء من الشكّ بأن مناسبية مالبرانش أدّت دورًا مهمًّا في تشكيل مذهب هيوم. فقد طبّق تحليله كسلفه هيوم على فكرة السبب والنتيجة، مع أنّه لا يمكن أن يجد شيئًا أساسيًّا، في تلك الفكرة غير تتابع متواصل، بين ما نسمّيه سببًا ونتيجة، زائدًا مفهوم الاتصال الضروريّ بينهما. يقارب أحد الأجسام جسمًا آخر ويلامسه من دون أيّ فاصل، فتنتقل الحركة التي كانت في الجسم الأوّل إلى الثاني، ونحن نرى الأمر كذلك، ونشعر أنّه لا يمكن أن يكون خلافه، وأنّه في الظروف المشابهة، سوف يكون دائمًا كذلك، لكن لماذا وكيف يكون كذلك، ليس لدينا أدنى فكرة؛ لسبب بسيط أننا لا نستطيع حتى تخيّل ما يمكن أن يكون الدافع، أو الناتج[30]، ما هو الشيء الذي يوجد في أذهاننا، مثلًا، ويجيب عن كلمة «فاعلية»؟ لا شيء مطلقًا. مالبرانش الذي يرجعنا إليه هيوم نفسه بطريقة معبّرة في هذه المسألة، كان قد برهن بشكل حاسم على عدم قدرة أيّ فيلسوف على تفسير ما يسمّى «قدرة الأسباب وقوّتها السرية»، إذًا يقول هيوم، نتيجة مالبرانش نفسها «أن القوّة القصوى وفاعليّة الطبيعة مجهولة تمامًا بالنسبة إلينا، وأنّ البحث عنها في كلّ الصفات المعروفة للمادة هباء»، فكيف يستنتج هيوم أنّ الديكارتيّين كانوا قادرين على تقديم جواب آخر عن السؤال؟ أسّسوا مبدأ أنّنا على معرفة تامّة بماهيّة المادّة؛ «كما تتألف ماهيّة المادّة من الامتداد، وكما أنّ الامتداد لا يتضمّن حركة فعليّة، بل قابليّة على الحركة، استنتجوا أنّ الطاقة التي تنتج الحركة لا يمكن أن تكون في الامتداد»[31]. لا يكاد المرء يتمنّى مراقبًا أكثر ذكاء وفطنة، لكن من السهل أن نكتشف أنّ السبب الذي جعل هيوم يراقب اللعبة الفلسفيّة عن كثب هو أنّ نتيجة مالبرانش كانت نقطة البداية بالنسبة إليه.
يخبرنا هيوم أنّ هذه النتيجة أوصلت الديكارتيّين إلى نتيجة أخرى، اعتبروها حتميّة مطلقة، وبما أنّ المادّة في ذاتها، وفقًا لهم، غير فاعلة بالكامل، و«مجرّدة من أيّ قدرة قد تنتج بواسطتها الحركة، أو تواصلها، أو توصلها»، والقدرة التي تسبّب النتائج الطبيعيّة واضحة لحواسنا ولا بدّ أن تكون في الله؛ «ذلك أنّ الله... الذي ليس فقط خلق المادّة أوّلًا، ووهبها حركتها الأساسيّة، لكنّه كذلك، من خلال بذل القدرة الكلّيّة، يدعم وجودها، ويمنحها كلّ تلك الحركات... الموهوبة لها». يقول هيوم، لكن إذا لم يكن عندنا فكرة كافية عن «القدرة» أو «الفاعلية»، ولا فكرة عن «السببيّة» يمكن تطبيقها على المادّة، فأين يمكننا أن نحصل على فكرة تنطبق على الله؟ «لكن بما أنّ هؤلاء الفلاسفة استنتجوا أنّ المادّة لا يمكن أن تعطي أيّ مبدأ فعّال؛ لأنّه يستحيل اكتشاف هذا المبدأ فينا، فنفس مسار التفكير يجب أن يحتّم عليهم استثناءها من الكائن العظيم»[32].

هكذا وفقًا لهيوم، لا يمكن اعتبار السببيّة انتقال شيء بواسطة شيء آخر، أو انتقال شيء بقدرة الله، بل هي انتقال الذهن من فكرة، نسمّيها سببًا، إلى فكرة أخرى، نسمّيها نتيجة. تجعلنا العادة نعتقد أن الفكرة ستُتبع قريبًا بفكرة أخرى، ونحن نخلط بين قوّة إيماننا والقوّة الطبيعيّة الموجودة في الأشياء، وهي نتيجة غير قابلة للدحض فعلًا، ممّا صفع مرّة وإلى الأبد، الأمل الأخير للمدرسة الديكارتيّة في الحفاظ على أخفّ ظلّ للسببيّة في العالم. وهكذا بفضل بُعد النظر الفلسفيّ لهيوم، تمّ إغلاق الدائرة الديكارتيّة، لقد كانت دائرة حقًّا؛ لأنّ نهايتها كانت في بدايتها، شكوكيّة مونتاني في البداية، وشكوكيّة هيوم في النهاية، وفي البيْن جهد هائل، يتجدّد بلا تعب على يد سلسلة من العبقريّات الفلسفيّة والعلميّة، لكن ليس له نتيجة غير محو العالم الخارجيّ على يد بركلي، وبالنسبة لأمثال هيوم الذي ما زال يؤمن بوجود المادّة، الرفض الأخير لمبدأ السببيّة. كان مونتاني قد سأل، ماذا أعرف غير الذي تعلّمتُه عن طريق العادة؟ كان جواب ديكارت، الذهن والله والعالم كوضوح الرياضيّات أو أكثر. لكن هندسة ديكارت حوّلت العالم إلى موزاييك من الجواهر المتمانعة تبادليًا التي لا يمكنها أن تأثّر ولا قابليّة لها للتأثّر ولا تعرِف ولا تُعرَف. وبالتالي بعد تدقيق مستمرّ في هذا الجواب لمدّة قرن، اضطرّ هيوم أن يكتب نتيجته النهائيّة: «إنّ كلّ تفكيرنا المتعلّق بالأسباب والنتائج لم يُستمدّ من شيء غير العادة»[33].
على مستوى أعمق، كان هذا جواب مونتاني عن سؤاله الذي طرحه هو، لكن ذلك الجواب كان يتكرّر بنغمة مختلفة، ليس بلا مبالاة الإنسان المبتسم الذي لا يعرف لأنّه لا يريد أن يعرف، لكن بيأس العقل العظيم، الذي يدخل في التراث الروحيّ لعدد كبير آخر من العقول العظيمة، وفور النظر إليه يراه يذوي في اللاشيئيّة. «أنا... خائف ومُربَك من تلك الوحدة البائسة التي وضعت فيها فلسفتي»، هذا ما قاله هيوم في نهاية المقالة! ألم يكن هيوم في النهاية إلّا مونتاني حزين؟!
لكن دعنا نشكره، على شعوره بعمق وتعبيره بإخلاص عمّا سمّاه «يأسه»[34] لقد سمع صوته فورًا أستاذ فلسفة شاب في جامعة كوينغسبرغ Koenigsberg الألمانيّة اسمه إيمانويل كانت الذي بدأت معه دورة فلسفيّة جديدة، ونحن الآن نحوّل انتباهنا إلى تلك الدورة.


مصادر ومراجع
D. Hume, A Treatise of Human Nature, Bk. I, Part IV, Sec. 3.
Descartes, Reply to Objections II, ed. Haldane and Ross, Vol. SI, Propos. 1; and, Defln. 9.
Eaton, Descartes Selections,
Gassendi, Vth Objections, in Eaton, op. cit.,
J. Locke, Remarks upon some of Mr. Norris›s Books, n. 15, ed. Cit., Vol. II,
Leibniz, Monadology, 1; ed. R. Latta, Oxford, 1898;
MaIebranche, Dialogues ore Metaphysics and on Religion, VII, 5; trans. M. Ginsberg, G. Allen and Unwin, London, 1923
On the Leibnizian meaning of those notions, see the important text quoted in H. W. Carr, Leibniz, Little, Brown and Co., Boston, 1929;
Spinoza, Ethics, Part III, prop. 6.
Descartes, Principles of Philosophy, II, 25; Eaton,.
Pascal, Penates, trans. W. F. Trotter,
Spinoza, Ethica, Part II, prop. 13, lemma 1.
The text is quoted, together with several others to the same effect, by G. Lanson, in Voltaire, Lettres philosophiques, Vol. II.

-----------------------------------
[1]*  فيلسوف ولاهوتي فرنسي من أبرز فلاسفة القرن التاسع عشر في أوروبا وقد تميَّز بنقده المعمّق لفكر الحداثة وفلسفتها.
- إنهيار الديكارتية- إتيان جلسون- تعريب: طارق عسيلي.
[2]- Eaton, Descartes Selections, p. 145.
[3]- بيار غاسندي (1592 – 1655) فيلسوف وعالم تجريبيّ فرنسيّ معاصر لديكارت، نقد تأمّلات ديكارت الفلسفيّة، وكان له اتصالات وتأثيرات متبادلة مع كبلر وغاليلية وهوبز، خاصّة في علم الفلك والفلسفة، نقد التعاليم السكولائيّة وفيزياء أرسطو. (المترجم).
[4]- Gassendi, Vth Objections, in Eaton, op. cit., pp. 245 - 246.
[5]- Eaton, op. cit., p. 262.
[6]- Descartes, Reply to Objections II, ed. Haldane and Ross, Vol. SI, p. 57, Propos. 1; and p. 53, Defln. 9.
[7]- Eaton, op. cit., p. 145.
[8]- Ibid., p. 154.
[9]-Descartes, The Principles of Philosophy, II, 2-4 j Eaton, pp. 290- 291.
[10]-Descartes, Principles of Philosophy, II, 25; Eaton, p. 301.
[11]- lbid., p. 301.
[12]-Pascal, Penates, trans. W. F. Trotter, p. 23, n. 77.
[13]- Descartes, The World, VIII, Eaton, p. 322.
[14]-  لهذا السسبب يعتقد سبينوزا أنّه يجب عدم اعتبار الاجسام جواهر  في العالم الديكارتيّ:
 Spinoza, Ethica, Part II, prop. 13, lemma 1.
[15]- On the Leibnizian meaning of those notions, see the important text quoted in H. W. Carr, Leibniz, Little, Brown and Co., Boston, 1929; pp. 77- 79.
[16]- برنار لو بوڤييه ده فونتنل Bernard le Bovier de Fontenelle (عاش بين ( 1657 - 1757) ويسمى أيضًا برنار لو بوييه ده فونتنل Bernard le Bouyer de Fontenelle، كان فونتنيل أوّل من تحدث عن العلاقة الوثيقة بين العلوم، وعن ثبات قوانين الطبيعة، وعن ضرورة انفتاح الإنسان على فروع العلم المتنوّعة(المترجم)
[17]-The text is quoted, together with several others to the same effect, by G. Lanson, in Voltaire, Lettres philosophiques, Vol. II, pp. 9 -10.
[18]- Spinoza, Ethics, Part III, prop. 6.
[19]- يطلق ليبنتز اسم «الموناد» monad على الجوهر البسيط الذي لا أجزاء له، وهو لفظ يونانيّ معناه الوحدة، والموناد جوهر روحيّ غير منقسم، لايمكن تصوّره إلّا بالفكر وحده، فهو إذن لا مادّيّ، متعالٍ على الزمان والمكان ولا شكل له، كما أنّ «الموناد» لا يفنى ولا ينحلّ؛ ولكنّه مخلوق في هذا العالم على يد خالق يصدر عنه، كما يصدر النور عن الشمس، وللجوهر قدرة ذاتيّة على الفعل والحركة تلقائيًّا، وأحيانًا تكون هذه الفعالية واضحة تمامًا، وأحيانًا تكون خامدة كما في المادّة الخالصة، وتتمايز المخلوقات بحسب موناداتها في التدرّج بالوجود تبعًا لدرجة إدراكها بموجب مبدأ الاتصال الذي يستبعد الانتقال الفجائيّ، فالله «موناد المونادات» كما يسمّيه ليبنتز. (المترجم)
[20]- Leibniz, Monadology, 1; ed. R. Latta, Oxford, 1898; p. 219.
[21]- Ibid., 51; p. 246.
[22]- Ibid., 39; p. 239.
[23]- MaIebranche, Dialogues ore Metaphysics and on Religion, VII, 5; trans. M. Ginsberg, G. Allen and Unwin, London, 1923; p. 183.
[24]- ibid., VII, 6; pp. 184r -185.
[25]- Ibid., VII, 7; pp. 185 - 186.
[26]- Ibid., VII, 10, p. 189.
[27]- J. Locke, Remarks upon some of Mr. Norris›s Books, n. 15, ed. Cit., Vol. II, p. 667.
[28]- Ibid., p. 466.
[29]- Ibid., n. 16; p. 469.
[30]- D. Hume, A Treatise of Human Nature, Bk. I, Part IV, Sec. 3.
[31]- lbid., Bk. I, Part III, Sec. 14.
[32]- D. Hume, loc. cit.
[33]- ibidd., Part IV, Sec. 1.
[34]- Ibid., Part VII, Sec. 8, Conclusion.