البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

ما هو علم الاجتماع الأخلاقي؟ (ضرورة التفكير بمعيارية القيم)

الباحث :  باتريك فارو - Patrick Phro
اسم المجلة :  الإستغراب
العدد :  4
السنة :  السنة الثانية - صيف 2016 م / 1437 هـ
تاريخ إضافة البحث :  July / 12 / 2016
عدد زيارات البحث :  2286
تحميل  ( 300.672 KB )
ما هو علم الاجتماع الأخلاقيّ؟
ضرورة التفكير بمعياريّة القيم[1]
باتريك فارو[2][*] Patrick Phro
لم يكن هذا النص لعالم الاجتماع الفرنسي باتريك فارو مرصوداً ليدخل كمادة علميّة في نطاق التعريف الاصطلاحي لمفهوم علم الاجتماع الأخلاقي، بل هو في مضمونه ومقصده دعوة إلى ضرورة التفكير بإعادة الاعتبار لقيم. وقد جاء النص موضوع هذه المقالة حصيلة محاضرتين قدّمهما الكاتب في إطار الحلقات الفكرية التي نظّمها "مركز أبحاث الحسّ والأخلاق والمجتمع" في فرنسا في الثالث والعشرين من شباط فبراير 2006.
يذهب الكاتب هنا إلى التأكيد على وجوب بلورة نظريات في التفكير الأخلاقي تمكِّن من مواجهة تحدّيات أزمنة العولمة وأسئلتها الكبرى المطروحة.
المحرر
إذا كان من الواجب محاولة الإجابة بكلمة عن الأسئلة التي صاغتها مجلّة الحركة المناهضة للّانفعيّة في العلوم الاجتماعيّة (MAUSS) عن إمكانيّة نظريّةٍ اجتماعيّةٍ عامّة(1)[3]، لقلتُ أنّ بناءَ النظام الاجتماعيّ كعلم خاصّ بعلم الاجتماع التاريخيّ الإنسانيّ يصطدم نظريّاً منذ البداية بصعوبة كبيرة تتعلّق بـ البنية المعياريّة والخلقيّة للحقائق الاجتماعيّة. هذه الصعوبة تبدو في مظهرين مترابطين بشكل وثيق: أحدهما يتعلّق بالعلاقات بين موضوع علم الاجتماع (لنقُل بشكل عام المجتمعات الإنسانيّة) وبقيّة العالم الحي؛ الآخر يتعلّق بالوضع، في عالم المسائل الطبيعيّة، بقواعد معياريّة مجرّدة وضعها البشر. أسّس الأساتذة التقليديّون لعلم الاجتماع، لا سيّما فيبر[4] ودوركايم[5]، النظامَ مشيرين إلى كيف أنّ هذه القواعد المعياريّة والقيم الدينيّة أو الموافقات الاجتماعيّة تشكّل بنية مجرى الحياة الإنسانيّة، ولكن، على الرغم من جهودهم[6] لم يوضحوا تماماً مشكلة وضع الحقائق المعياريّة.
هذه الصعوبة تفسّر برأيي الوضع الحاليّ للنظام، المنقسم بين تيّار بنائيّ قويّ مستوحًى من العرف الدوركايميّ (نسبة إلى دوركايم) ولكن أيضاً من التأثير الفيبريّ (نسبةً إلى فيبر) على العلوم الاجتماعيّة الثقافويّة، وبين تيّارٍ عقلانيّ، مرتبط بشكل وثيق بأنموذج نفعيّ يهيمن على علم الاقتصاد. يتركز الاختلاف بين هذين التيارين بشكل أساسيّ على المفهوم الأنتربولوجيّ [علم الإنسان] للواقع الاجتماعيّ: من جهة، لدينا ما يمكن أن نُسمّيه المفهوم الإلهيّ للناس في المجتمع حيث يكونون قادرين بقوّة ثقافتهم، على تكوين، ليس فقط أنماط حياتهم وبيئتهم، ولكن أيضاً طببيعتهم الخاصّة؛ ومن الجهة الأخرى تصوّر أكثر واقعيّة يربط العقليّة الإنسانيّة بغايات الحفاظ على الذات التافهة والرضا الذاتيّ الذي يميّز النظام الطبيعيّ للحيّ الذي يتضمّن النَّزَعات العفويّة للأفراد.
هل يمكن مصالحة هذين التيارين أو توحيدهما؟ بالنسبة إلى الكثير من علماء الاجتماع، لا تشكِّل الإجابةُ عن هذا السؤال، إنّ صحّ القول، سوى فائدة محدودة، نظراً إلى الدور السياسيّ الملموس لعلم الاجتماع، الذي هو أساساً للحفاظ على معلومةٍ وخبرةٍ كفوءة بالمجالات الاجتماعيّة والأجنحة الثقافيّة بُغية توضيح المناقشات الإعلاميّة والسياسيّة. يعتقد بعض المفكّرين أنّ التوحيد يجب أن يكون حول نظريّة الخيار العقلانيّ، لأنّه الوحيد الذي لديه قوّة تفسيريّة حقيقيّة [انظر بوفيه، 2004]، بينما التيّار المهيمن في فرنسا لا يرى سلاماً خارج منظور البنائيّة، أي أنّه في العمق الثقافويّ ملائم أكثر لالتزاماته الحرجة. عندما نبحث عن تقييم هذه الادعاءات في ضوء الحقائق العلميّة والاجتماعيّة المعاصرة، نرى من جهة، أنّ العلوم المعرفيّة تقف في صف الإتجاه الأوّل، بقدر ما تؤكّد هذه العلوم على ترسيخ الظواهر الإنسانيّة في تطوّر الخيار الطبيعيّ للأنواع الحيّة. ولكن، من جهة أخرى، يبدو أنّ مقاومة الثقافات الاجتماعيّة الخاصّة في مختلف عمليّات العولمة تناصر الاتجاه الأوّل. إذاً ماذا نستنتج؟
بالنسبة إليّ، أنا لا أعتقد بوجود حلّ قادر على إيجاد توافق سريع بين علماء الاجتماع. ولكن من خلال تقديمنا في هذه المقالة المبادئ والرؤى الاجتماعيّة الأخلاقيّة[7] أود المساهمة في توضيح وضع الحقائق الاجتماعيّة المعياريّة الإنسانيّة في العالم الحيّ الطبيعيّ، وهو توضيحٌ يبدو ضروريّاً لدفع النقاش حول النظريّة السوسيولوجيّة العامّة إلى الأمام. سأتحدّث هنا لمصلحة موقف ثالث، يقبل بالواقعيّة الطبيعيّة وبعض مظاهرها في الحسابات العقليّة الفعليّة للكائنات البشريّة ولكن، التي تشير أيضاً، من خلال التركيز على البعد الأخلاقيّ للحياة الإنسانيّة الاجتماعيّة، إلى حدود هذه الطبيعيّة وإلى نطاق السلطة المعياريّة والحرجة للناس المجتمعين في المجتمع. بأنّ السوسيولوجيا (علم الاجتماع الأخلاقي) ليست بالتأكيد حلّاً لكلّ مشاكل علم الاجتماع العام، ولكنّها تشير إلى باب للخروج من جهة واقعيّةِ الحدث الحسّاس والعقلانيّ في الوقت نفسه، أي الحدث الموجّه تفكيريّاً نحو غايات يمكنها أن تكون غايات أخلاقيّة، يحملها أشخاص أو جماعات.
بالتحديد أكثر، عندما أتحدّث عن الواقعيّة السيوسيولوجيّة، أقصد شيئين: الأوّل أنّه يوجد أساسٌ تجريبيّ، أي في العمق المادّيّ (Physique)، بالنسبة إلى جميع الحقائق الاجتماعيّة، عندما يُنظر إليها من الزاوية العمليّة أو الإدراكيّة أو المعياريّة ـ وهذا يعني أنّ هنالك دائماً شيئاً ما من الماديّة، أو لنتكلّم كعلماء الكلام، ظاهرة انتقاليّة على أساس الحقائق الاجتماعيّة؛ الفكرة الثانية هي أنّ في معظم حالات الحقائق الاجتماعيّة، يترافق ظهورها الماديّ ـ التجريبيّ بطريقةٍ تنبثق من معنى انعكاسيّ مجرّد متيسّر بالنسبة إلى الفاعلين أو بالنسبة إلى غيرهم. هذا ينطبق على كل الحالات أو الأحداث التي تندرج تحت مفاهيم الحدث والعلاقة والحسّ أو النوعيّة. هناك الكثير ممّا يُقال عن الواقعيّة السوسيولوجيّة، وتحديداً في تطبيقها على الحدث والإدراك[8] ولكنّني لن أقول أكثر هنا، إنّ هذه الملاحظة السابقة التي هدفها خاصة تثبيت الإطار النظريّ الذي من دون استبعاد النسبيّة الثقافيّة للتصوّرات أو القيم، يستبعد بالمقابل كلّ نسبويّةٍ في طريقة دراستها.
الوضع المعياريّ للحقائق الاجتماعيّة
اعتاد الفلاسفة الإشارة بعبارة «قاعدة هيوم» إلى المبدأ الذي تبعاً له يمكن الوصول من مقدّمات صِيغتْ بعبارة "ما هو كائن" إلى نتائج بعبارة "ما يجب أن يكون". هذه القاعدة، التي التزم بها فيبر عندما رفض كلّ فكرة عن الأخلاقيّة المعياريّة في علم الاجتماع[9] والتي أعرب دوركايم عنها على عكس التحفّظات[10]، تعبِّر بالتأكيد عن حسٍّ منطقيّ جيّد يبدو غير قابل للدحض. إنّ المنطق في الواقع قادر على نقل قيَم الحقيقةِ من المقدّمات المنطقيّة إلى النتيجة لكن بشروط أن تجد في النهاية روابط (سلاسل) السلوك نفسها التي كانت لنا في البداية، سلاسل الخُلُق التي كانت لديه في البداية. إنّ قلتم مثلاً إنّ الاطارات (الكوادر) العليا هي غنيّة، حيث بيار هو الإطار الأعلى ينبغي على بيار إذاً إعادة توزيع ماله على الفقراء، فأنتم ترتكبون خطأً منطقيّاً. ولكن لا يبدو أنّكم ترتكبون خطأً إنّ قلتم أنّه ينبغي على الإطارات العليا إعادة توزيع أموالها على الفقراء، حيث بيار إطار غالب وأنّ عليه إذاً أن يعيد توزيع ماله على الفقراء. بالإمكان طبعاً تقديم تفاصيل أكثر وإحساسات مرهفة منطقيّة لهذا النوع من الاعتبارات ولكن بالنسبة إلى الكلام الحاليّ، هذا التحليل يبدو كافياً لإثبات أنّ مشكلة "قاعدة هيوم" تطرح نفسها إذا كانت المقدّمات المنطقيّة لهذا الاستنتاج وصفيّة تماماً، ولكنّها لا تطرح نفسها إذا لم تكن وصفيّة تماماً أو إذا كانت، كما يقول هيلاري بيتنام [2004]، متداخلة بأحكام الحقائق والأحكام المعياريّة.
من أجل فهم أفضل لطبيعة التداخل، يبدو لي أنّه ينبغي أيضاً مغادرة الأفكار الأخرى لهيوم، التي لا يمكن فصلها عن التفريع الثنائيّ لأحكام الحقائق والأحكام المعياريّة، التي طبقاً لها تُنسب المعياريّة والأخلاق على وجه الخصوص، خارجيّاً إلى وقائع معتبرة. هل نتذكر ربّما تلك الفقرة لهيوم من بحثه حول الطبيعة البشريّة، التي يقارن فيها هيوم جريمة قتل أحد الأبوين باستبدال سنديانة بشجيرة[11]؟ بحسب هيوم، يوجد بوضوح في هذين المثالين اختلافات في أسباب ـ الإرادة من جهة، أو قانون «مادّة أو حركة» من جهة أخرى، ولكن ولا أيّ اختلاف في «العلاقات»، أي في مفهومه، في علاقات الأفكار المتعلّقة بـ «نقطة الحقيقة» [م.ن، ص 584]. إلّا أنّه على عكس ما يقوله هيوم، يبدو بوضوح أنّ هنالك اختلاف في «العلاقة» بين الحالتين، بكلّ بساطة المعنى المعياريّ الداخليّ لجريمة قتل الوالدين (الذي يقول بصراحة إنّ جريمة قتل الوالدين ممنوعة) بالنسبة للفاعل الذي يرتكبه ويعلم أنّه يرتكبه[12] وليس بالنسبة للشجيرة. وهذا الاختلاف أيضاً ينطبق أيضاً على مثالٍ آخر أخذه هيوم، هو مثال سِفاح ذوي القربى لدى الحيوانات، الذي، كما يشير تماماً لا يُحكم عليه عادةً بأنّه جرم [م.ن، ص 583]. ليس هنالك ما يُثير الدهشة إذا فكرنا أنّ الحيوانات، على عكس البشر، ليس لديها طريق إلى معنى سِفاح ذوي القربى.
انطلاقاً من هنا، بالإمكان طرح، كنوع من الفرض الأوّلي حيث الحقائق الاجتماعيّة هي بشكل أساسيّ أو أصليّ معياريّة، نظراً إلى المعنى المعياريّ الذي يرافقها بشكل حتميّ لدى الكائنات المفكّرة أي نحن، تنفيذها الفعليّ دائماً بما في ذلك مجموعة التفاهمات والتوقّعات المنظّمة التي تثبّت الإطار العامّ لإنجازها. وفقاً لهذا الفرض الأوّليّ، وَضْعَنَةُ حقيقة معياريّة تستلزم دائماً التعرّف عليه في قوّته الوقائعيّة والمعياريّة. على سبيل المثال، عندما يقارن مراقِبٌ بين ثنائيّ متزوّج وثنائيّ زانٍ، أو بين مدير وموظّف، شرطيّ ومتّهم بجنحة، مالكٍ وزائر، إلخ، يتحمّل شيئاً من المعنى المعياريّ لهذه الأدوار الاجتماعيّة المختلفة في المجتمع المعيّن. بالتأكيد، يمكنه القيام بذلك بطرقٍ مختلفة، من خلال الانخراط بصراحة في اللوحة المعياريّة التي يصفها أو من خلال أخذ مسافة مسبقاً أكبر أو أصغر، أو من خلال ممارسة السخرية أو من خلال الإدلاء بملاحظات انتقاديّة. ومع ذلك، حتّى لو أخذ المراقب على الفور مسافاته، تقريباً مثل بيير بورديو، الذي يصف كلّ الحياة الاجتماعيّة وفقاً للنمط النقديّ والساخر، يجب عليه على الرغم من كل شيء تحمّل مجتمع ما ليس فقط عقلانيّاً بالمعنى الواسع، ولكنّه معياريّ، بالمعنى الضيّق، مع الجماعة التي يصفها، تحت طائلة فقدان مفهوميّة ما يراقبه.
إذا قبلنا بأنّ الحقائق الاجتماعيّة هي معياريّة بشكل أساسيّ، فإنّّ السؤال الذي نفكّر فيه على الفور هو معرفة كيف يمكن لهذه الحقائق المعياريّة أن تبرز في عالم من الأسباب الطبيعيّة. هذا السؤال يشكّل اليوم هدفاً للعديد من الأعمال التي تنضوي ضمن الرؤية الطبيعيّة التطوّريّة والتي تقدّم تفسيرات من حيث المزايا التكيفيّة للتعاون والمعايير الاجتماعيّة أو المشاعر الأخلاقيّة لنمط من التعاطف والحب والرعاية... هذه الافتراضات تبدو مقنعةً جدّاً من وجهة نظر التطوّر الطبيعيّ للأنواع الحيّة، التي يمكنها في الواقع تعزيز ظهور المعايير الاجتماعيّة والمشاعر الأخلاقيّة كوسيلة لحماية الجماعات البشريّة وبقائها. دوركايم (1912) نفسه لديه من البقيّة السابقة على بعض النظريّات التطوريّة الحاليّة من خلال السعي لشرح كيف أنّ الدين والقواعد المرتبطة به وُلدوا تدريجيّاً من تمثيل القوّة الاجتماعيّة غير الشخصيّة المرتبطة بالاحترام الذي يفرضه المجتمع باعتباره كلٍّ متكامل على أفراده. إنّ علم الأنساب الدوركايميّ للتضامن الآليّ، ثمّ العضويّ، يمكنه أيضاً أن يكون مرتبطاً بهذه الوظيفيّة التطوّريّة[13].
ومع ذلك، نظراً إلى أنّ المعايير الاجتماعيّة لا تتقلّص إلى آليّات استتبابيّة يتم تشغيلها آليّاً وفقاً لبعض ظروف البيئة، فمن الضروريّ التساؤل عن معناها، أي عن الطريقة التي تُفهم فيها كي توضع في ما بعد موضع التنفيذ من خلال الفاعلين الاجتماعيّين. إلّا أنّ دوركايم هو الذي جرّب لأوّل مرّة في العرف السوسيولوجيّ، تفسير ما سمّاه «تحديد الحقيقة الأخلاقيّة[14]» من خلال اقتراح تفسير أخلاقيّ للمعايير الاجتماعيّة. الفكرة الأساسيّة لدوركايم كانت التحقيق في ما كان يسمّيه «ردّ الفعل» الذي يسمح بتحديد خاصيّة بعض القواعد الاجتماعيّة من خلال مراقبة ما يجري عندما تُنتهك هذه القواعد. لاكتشاف ردّ الفعل هذا، لاحظ دوركايم أنّ على عكس النتائج التي تتبع بشكل آليّ أو «عن طريق التحليل») انتهاك بعض القواعد التقنيّة (على سبيل المثال العدوى الميكروبيّة)، توجد قواعد اجتماعيّة من نتائجها التأنيب والثناء وبشكل عام أكثر عقوبة اجتماعيّة عندما يتمّ انتهاكها (كالجريمة مثلاً)؛ في هذه الحالة، صلة الفعل بنتيجته هي كما يقول، «توليفيّة» [دوركايم، 1974، ص 59-60]. بحسب دوركايم، ردّ الفعل هذا يكفي لتحديد القواعد والحقائق الأخلاقيّة البحتة ويسمح باستعادة «مفهوم الواجب والفَرض من خلال التحليل التجريبيّ الصارم» [م.ن، ص 61].
هذا المنهج يؤدّي إلى تمييز مناسب بين القواعد الطبيعيّة والقواعد أو المعايير الاجتماعيّة. ومع ذلك، لا يبدو أنّ دوركهايم اقترح التمييز الحاسم بين المعايير الاجتماعيّة العامة والقواعد الأخلاقية على وجه الخصوص. يمكن في الواقع أن يُعترض عليه بأنّه يوجد ثناء ولوم تماماً خارج الأخلاق، على سبيل المثال عندما يصفّق الجمهور لفنّانٍ أو يصفّر له أو عندما يُثني معلمُ الموسيقى أو معلّم صناعة الأثاث على المتدرِّب لقيامه بلفتةٍ ذكيّة. بإمكان كلّ أنواع القواعد الجماليّة والمهنيّة والقانونيّة، والمرح والمتعة، وأيضاً الاجتماعيّة-التقنيّة، أن تؤدّي إلى المدح أو اللوم أكانا تمّا بشكل جيّد أولاً من دون التعلّق بالضرورة بالطابع الأخلاقيّ. إذا كان الأمرُ مختلفاً، تصبح الحياة الاجتماعيّة أيضاً نوعاً من القوقعة الأخلاقيّة الدائمة، التي من شأنها أن تجعلها خانقةً ولا تُطاق أبداً. الاعتراض الآخر، الأكثر انتقادية يقوم على الإشارة إلى أنّ اللوم الذي يوجّهُه عضوٌ في مافيا تنتهك قاعدة قانون الصمت[15] لا يحدّد حقيقةً أخلاقيّة بل بالأحرى يحدّد حقيقة لاأخلاقيّة، كذلك الأمر بالنسبة إلى الثناءات التي تكافئ المبلِّغين عن أنشطة تخريبيّة في دولة شموليّة أو واضعَ متفجّرات تستهدف المدنيّين. بشكل عامّ أكثر، هناك أمثلة كثيرة عن اللوم أو الثناء الإشكاليّ من الناحية الأخلاقيّة، حيث يمكن شرح القواعد المعياريّة من دون الحاجة إلى افتراض أي وعي أخلاقيّ مرتبط بهذه الأفعال، وإن كانت مشوهة أو ملتوية.
إذاً «ردّ الفعل» الدوركايميّ يسلط الضوء بوضوح على تعدد معنى المعايير الاجتماعيّة، لكنّه يترك المجال مفتوحاً على السؤال الجذريّ عن المعنى الأخلاقيّ لبعضها. المسألة التي يتوجّب أن تطرح نفسها هي معرفة إذا كان بالإمكان أن نجد لها بديلاً ملائماً للفكرة التي يمكن أن نكوّنها اليوم عن الحجج الأخلاقيّة. حول هذا البديل المحتمل سأكرّس القسم الثاني من هذه المقالة، من خلال رسم مشروع لعلم الاجتماع الأخلاقيّ، هو مسعًى تجريبيّ ومعياريّ على السواء حيث يقوم محوره الأساسيّ على التساؤل عن الوضع الخلقيّ وغير الخلقيّ، أو اللامبالي بالأخلاق، للممارسات الاجتماعيّة المنظّمة للبشر.
المعاناة غير الضروريّة وعلم الاجتماع الأخلاقيّ
كانت الفكرة السوسيولوجيّة الأساسيّة لدوركايم، المستوحاة بشكل كبير من هيغل، أنّ المجتمعات الإنسانية قامت على أسس خلقيّة، وأنّه يوجد أخلاقيّة أصليّة للنظام الاجتماعيّ. ولكن هذه الفكرة، التي استقاها علم الاجتماع الوظيفيّ الأميركيّ، ليست واضحة أبداً بالنسبة إلى الأخلاقيّين الفرنسيّين مثل لا روشفوكو أو شومفورت الذين كانوا يميلون أكثر لإيجاد مجتمع غير أخلاقيّ. من جهة أخرى، في عُرف هذه الفضيلة الاجتماعيّة الشكوكيّة والانتقاديّة التي انحاز إليها بيار بورديو، من خلال تقديم رؤية تافهة جدّاً للبنى المعياريّة للمجتمع. غالباً وتماماً لاموا بورديو لأنّه بنى سوسيولوجيّته على الانثربولوجيا الهوبسينيّة، بالإمكان حتّى القول السبوسيريانيّة أو الداروينيّة، التي تُشاهد في النضال من أجل المنافع أو التميّز، الألفا والأوميغا للحياة الاجتماعيّة وللعقلانيّة الفعليّة. مهما كان هذا النهج قابلاً للنقد، فهو يحلّل بنية تنافسيّة وانتقائيّة للحياة الاجتماعيّة التي، وهذا هو أقلّ ما يمكننا قوله، ليست عفوية أو طبيعية السير نحو الأخلاق وتجنب الظلم. وعندما نلقي نظرة شاملة على مختلف مجالات الحياة الاجتماعيّة، لا يكون من الصعب علينا إيجاد ظواهر التنافس والاختيار المميّز لإنتاج وتبادل السلع على سوق الاقتصاد، في مختلف القطاعات الأخرى للحياة الاجتماعيّة: قطاع التربية بالتأكيد، الذي هو المركز في نقد بورديو، وكذلك في علاقات التحالف والتفاهم الاجتماعيّ، الذي يمكن ملاحظتها في كلّ الأوساط، أو أيضاً في العلاقات الغراميّة والجنسيّة، والاستراتيجيّات الانتاجيّة، وهياكل السلطة أو بحوث المنافع الصحّيّة[16].
من الممكن في النهاية أن يكون المجتمع أقل أخلاقيّة بكثير ممّا يعتقده دوركايم، على الرغم من كونه أقلّ بكثير ممّا يعتقده بورديو. يعود ذلك في الواقع إلى ظواهر التنافس والاختيار الاجتماعيّ الموجودين بشكل عفويّ وطبيعيّ ولأنّهما يحدّدان كلّ أنواع المعاناة والظلم التي يمكن تطويرها في مختلف المجتمعات، من بينها مجتمعنا، وبعض الأفعال، المعايير والمؤسّسات العامة الهادفة إلى تقليص الظلم أو مساواة الحظوظ. سواء في إعادة التوزيع الاجتماعيّ، والطبّ، ورعاية كبار السن أو المرضى، ومعاملة الأقليّات والمنبوذين واستقبال الأجانب تبدو الحاجة الأخلاقيّة دائماً محاولة لإنقاذ الأشخاص الأكثر عرضة للآليّات الأكثر وحشيّة أو الأكثر إقصائيّة في المنافسة الاجتماعيّة، للبدء، بالتأكيد، من خلال الجريمة التامّة والبسيطة التي تبرّر إنشاء دولة القانون، ومن خلال المتابعة مع إجراءات الحماية الصحيّة والاجتماعيّة والتربويّة وغيرها التي تميز الدولة الاجتماعيّة أو دولة الرفاه في الديمقراطيّات الحديثة[17].
عندما نأخذ هذه العناصر بعين الاعتبار ونحاول التفكير ببعض اتجاهات الحكم الخلقيّ في المجتمعات المتحرّرة المعاصرة، سنكون من دون شكّ ميّالين لرفض فكرةِ أخلاقيّةِ المجتمع أو التهتّك العامّ للمجتمع، والبحث على العكس عن معيار أكثر محدوديّة قادر على تبرير الحس الخلقيّ العاديّ الذي بالإمكان إعطاؤه لبعض الممارسات أو مجالات الممارسات. إلّا أنّ هذا المعيار يمكنه أن يكون بكلّ بساطة المعاناة غير الضروريّة، بمعنى المعاناة التي لا يجب أن تكون ل أنّها كانت نتيجة عملٍ ظالم أو كان يمكن تجنّبها أو تقليصها، حتّى وإن لم يكن قد تسبّب بها عملٌ ظالم[18]. المعاناة غير الضروريّة بهذا المفهوم تبدو اليوم كنوع من المعادل العلمانيّ للشرّ، الذي يجب محاولة تقليصه بكلّ الوسائل، على الأقل طالما نزعم أنّنا نتكلّم ونتصرّف باسم الأخلاق[19]. هذا هو هدف ومحور كل الانتقادات والاستنكارات والمقترحات والتوصيات والتعاويذ الأخلاقية في العالم الحاليّ، سواء في الطبّ، مع تحمّل مسؤوليّة الألم والعلاجات المسكِّنة، في مسائل الأخلاق والجنس حيث قد تكون الحدّ الوحيد الذي لا يزال فعالاً بالنسبة إلى التحرير، في المسألة الاقتصاديّة والاجتماعيّة، مع استنكار تسريح العمّال وترحيل القوى العاملة، في القضايا الحضريّة أو العرقيّة، مع رفض وصمة العار المكانيّة والعرقيّة، في العلاقات الدوليّة ولا سيّما في العلاقات بين الشمال والجنوب، مع الحرص على مصير المدنيّين في حال الصراعات المسلّحة، والمجاعة أو الكوارث الطبيعيّة، أو أيضاً مع إعلان أهداف الأمم المتحدة للألفيّة.... فضلاً عن ذلك، وبعيداً عن المواجهة مع حماية الحقوق، فإنّّ تجنب المعاناة غير الضروريّة هي على عكس التبرير وفق خلفيّة التصريحات حول الحقوق انطلاقاً من تجربة الحرب العالميّة الثانية، يدفع باستمرار من قبل المشاعر الأخلاقيّة التي ترافقها والصراعات الحديثة للاعتراف بحقوق الأشخاص المضطهدين لجنسهم أو لتوجههم الجنسيّ أو لأصولهم الثقافيّة أو العرقيّة [انظر هونت، 2000]: إنّ حرمان المرء من الحريّة أو تعرّضه للإهانات يبدو في الواقع كأسوء أنواع المعاناة غير الضروريّة.
إنّ موضوع خيريّة الضمير الأخلاقيّ المعاصر وإشفاقه يتمايز بشكل منفرّد مع الضمير الذي يحرّك منهج دوركايم الذي يعدُّ العقوبة الاجتماعيّة إنما هي النظير الطبيعيّ للفضائل الأخلاقيّة الأوّليّة مثل الإيثار والإخلاص لقضية جماعيّة.
هذه الفضائل ليست مهجورة بالتأكيد، ولكنّنا أصبحنا اليوم في منطق العمل الإصلاحيّ المستوحى من الإحساس والتضامن مع الشخص الأضعف أو الأوهن: كبار السنّ أو المرضى، العمّال المستغَلّون، الغرباء المدانون، النساء المعنّفات، الأطفال الذين يتعرّضون لسوء المعاملة، المساعدون الذين يتعرّضون للمضايقات، المساجين المعذّبون، المدنيّون الذين يتعرّضون للإرهاب...وابتعدت العلوم الاجتماعيّة في القرن العشرين، لا سيّما مع صوَر ميشيل فوكو أو إرفنغ غوفمان، تدريجيّاً عن الموضوع العقابيّ الذي روّج له الدوركايميّون[20]، من أجل فكرةٍ قد تكون بكلّ بساطة فكرة ظلم العدالة التي عندما تمارس بطريقة قمعيّة بحتة، تُفسد العدالة وتميل دائماً إلى الإطاحة بقوّة أكبر بما طالبت به العدالة بكلّ بساطة. بطريقةٍ ما، النقد النسوي للعدالة اللاشخصانيّة، التي مورست باسم أخلاقيّات الرعاية والمسؤوليّة تجاه احتياجات الآخرين [انظر جيليجان، 1986]، هو أيضاً وسيلة للتشكيك في الظلم الكامن للعدالة اللاشخصانيّة الوحيدة[21].
إلّا أنّه من غير المؤكّد أنّ هذا التناقض مع النهج الجمهوريّ للدوركايميّين هو تاريخيّ أساساً، لأنّه بعد كلّ شيء، هو بالفعل حالة الكثير من الفقراء والضعفاء الذين، على مدى عقود، استوحت الحركة الاشتراكية أو المناهضة للاستعمار، حتّى من دون الكلام عن العديد من التقاليد الخيريّة والشهامة التي وُجدت في تاريخ المسيحيّة أو غيرها من الثقافات الدينيّة. الفرق هو بالأحرى أكثر ممّا أراد دوركايم أن يعطيه معنى التكامل الجماعيّ أو التضامن الاجتماعيّ، بينما قد تكون متطلّبات التضامن مفهومة ومبنيّة حول المعاناة الفرديّة الناجمة عن نظام اجتماعيّ أو قانونيّ وعن الحروب أو البلايا الطبيعيّة. على العكس من ذلك، ليست التشعّبات التي ندينها اليوم حول أعمال الرحمة أو التقديس تجاه الضحايا[22] جديدةً في عصرنا الحاضر، ولن يكون لدينا أي مشكلة للعثور على أمثلة أخرى في عصور أخرى، في أوروبا المسيحيّة في القرون الوسطى على سبيل المثال، أو في العالم الإسلاميّ المعاصر. يبدو أنّ موضوع المعاناة غير الضروريّة، كما ورد في النقاش الحديث، يكشف عن شيء أكثر ثباتاً من الضمير الأخلاقيّ الملازم للحياة الاشتراكيّة. يمكن أن يكون لحساسيّة الإنسان الأساسيّة، أمام معاناة غير ضروريّة، أُسسٌ علم-سلوكيّة أو تطوريّة قديمة جدّاً، إذا صدّقنا أنّ فيها عدداً من أعمال التعاطف الحاليّة بشأن أوضاع الحيوانات والبشر[23]، التي ترتبط من جهة أخرى بتحليلات الفلاسفة الأسكتلنديّين في القرن الثامن عشر[24].
فضلاً عن ذلك، فإنّّ المعاناة غير الضروريّة لا تدلّ بشكل فوريّ على حقيقة أخلاقيّة، لأنّه ليس من الواضح ما هو الخلقيّ في هذه المعاناة، وإنّما هي ظاهرة اجتماعيّة معياريّة، بالمعنى الذي أشرتُ إليه، أي التمتّع بأساس مادي-تجريبي وبشيءٍ من المعنى المعياري الجوهريّ الذي يقول ببساطة، لدى الضحية أو الشاهد: لم يكن يجب أن يحصل هذا! هذه الحقيقة تعبّر عن الحالة الحساسة تكوينيّة البشر، كذلك النفعيّون لهم القدرة على التمتع بالمباهج وبالعذابات، ويفضلون مبدئيّاً الأولى على الثانية، سواء أكان ذلك عذابات جسديّة أو معنويّة[25]. وهذا العنصر الحساس هو مكوِّن أساسيّ للعقلانيّة الإنسانيّة، بمعنى النفعيّة كما في المعنى الأخلاقيّ. كما أنّ لدينا اليوم حججاً جديدة تطوّريّة تتعلّق ببقاء الأنواع وتكاثرها، وحججاً عصبيّة-سوسيولوجيّة تتعلّق على وجه الخصوص بما يسمّى نظام المكافأة، التي تؤكّد على دورٍ تحفيزيّ قويّ للمتعة، التي هي عموماً ما نبحث عنه، من باب الاعتراض على المعاناة التي نسعى لتجنّبها -إلّا إنّ كانت بالطبع هي نفسها مصدراً للمتعة[26].
من أجل إضافة ملاحظةٍ أكثر فلسفيّة هنا، يمكن للمرء أن يسأل، لماذا ينبغي، وبصرف النظر عن الاعتبارات التاريخية التي ذكّرتُ بها، وضعُ المعنى الأخلاقيّ في ذلك المكان، وليس في العقوبة كما فعل دوركايم، أو في مكانٍ آخر. لكن الحجّة الرئيسيّة التي تسمح بملاحظة المعاناة غير الضروريّة كحقيقة معياريّة أصيلة للحكم أو الحسّ الأخلاقيّ العاديّ، تبدو سلطةً تصاغ على النحو التالي: لو لم تكن المعاناة موجودة، لكان كلّ شيء مسموحاً، طالما لا أحد يعاني؛ لا أحد أي لا أنا، لا أنت، ولا هي، الآن أو الأمس أو في ما بعد. في مثل هذا الوضع، بالأمكان بالتأكيد إبعاد بعض المباهج، على سبيل المثال من وجهة نظر تجميليّة، وك أنّها ليست جميلة بشكل كافٍ، أو من وجهة نظر وظيفيّة، وك أنّها ليست مفيدة بشكل كافٍ، أو حتّى من وجهة النظر المتْعَتيّة، وك أنّها ليست شديدة بشكل كافٍ، ولكن لن يكون هنالك سبب خلقيّ للحرمان منها أو للانزعاج. لا تبدأ مشكلة الممنوعات والواجبات والحدود فعليّاً بطرح نفسها إلّا لأنّ هنالك منافع حسّاسة ليست جيّدة أو مقبولة من الجميع، بما في ذلك أنا نفسي في فترة أخرى من حياتي.
تستند الحجّة السابقة في أقوى حالاتها على فكرة أنّ أيّ اعتراضٍ يدعي الأخلاقيّة، وليس مرتبطاً بطريقة أو بأخرى بمعاناة غير ضروريّة، هي لاغية وباطلة كاعتراضٍ خلقيّ. لهذه الصيغة أفضليّة شمول العديد من تعابير المعنى الأخلاقيّ التي لوحظت في الحياة الاجتماعيّة، ولا سيما بعض الفضائل المستمدّة من الحِكم الفلسفيّة أو الاجتماعيّة: الكرم والتضامن، ورعاية، والاعتدال... ولكن أيضاً، على المستوى الإجرائيّ أكثر، ما يمكن أن يُطلق عليه «سياسة عدالة الآخر»، وهذا يعني فرصة أن يمكن أن نترك الآخر يشكّل بنفسه المعيار الذي يعتقده مقبولاً ليس بالنسبة إليه فقط ولكن أيضا بالنسبة إلينا، وهو ما يبدو في الواقع الشرط الأكثر احتراماً أو الأقل إهانة للخروج من الصراع[27].
يمكننا الاعتراض أخيراً بأنّ انتقاد المعاناة، التي هي في المقام الأول تجربة ذاتيّة لا يكفي، وربّما حتّى غير ضروريّ لجعل ممارسةٍ غيرَ أخلاقية. لأنّ بعد كلّ شيء، قتل شخص ما هو أمرٌ غير أخلاقيّ، حتى من دون جعله يتعذّب، أو أيضاً، على إثر اعتراضه عليّ، أن نحوّله إلى عبدٍ من خلال إعطائه حبّة دواءٍ للسعادة تجنبه أيّ معاناة. ولكن السؤال هو أساساً معرفة ما إذا كان يمكن حقّاً قتل الإنسان على حين غرّة أو استرقاقه من دون أن يعاني من أي شيء، كإنسان. لكن يبدو هنا أنّ فكرتنا عن الإنسان وعن العلاقات الإنسانيّة تشمل الحقّ في العيش وتستثني بؤسَ العبوديّة، حيث المعاناة الحقيقيّة أو الافتراضيّة (كان سيعاني لو كان يعلم ما يحدث له) لشخصٍ حُرم من حياته أو من حريّته. فضلاً عن ذلك وللأسباب نفسها التي سنعتبرها انسلاخاً كليّاً لمجموعة أو لفرد أو لمنتَج كمعاناة أو بؤس موضوعيّ، حتى لو كان هذا الشخص لا يدركه إلاً عندما يتعرّض له. في هذه الحالة، يتمّ استبدال السلطة الذاتيّة بسلطة الظرف الإنسانيّ، وكما نتصوّره.
استنتاجي الأخير: هو أنّه إنْ كان لدينا فكرة واضحة تماماً عن العقلانيّة الأخلاقيّة لإدراجها في نظريّة الاختيار العقلانيّ، وإذا أدخلنا فضلاً عن ذلك الجرعة اللازمة من الواقعيّة لتخليص البنائيّة الاجتماعيّة من نسبويّتها الارتيابيّة، لن يكون من المستحيل تصوّر مفهوم اجتماعيّ واقعيّ وانتقاديّ وإجرائيّ في مجال البحث العمليّ. هذا المنظور يبدو واضحاً في جوانب مختلفة، ولكن في ما يخصّ علم الاجتماع الأخلاقيّ، فإنّّه يقوم أساساً على استكشاف مختلف المجالات المعياريّة للحياة الاجتماعيّة: السياسة والاقتصاد والتعليم والدين والجنس والطب... مع التساؤل إلى أي مدى، ولأيّة أسباب معلنة بوضوح تنطلق (أم لا) من إشكاليّة أخلاقيّة؟.. وهذه هي بالضبط المشكلة التي تطرح نفسها دائماً في النقاش الاجتماعيّ، ولكن من دون أن تكون الأسباب الأخلاقيّة أو الخارجيّة للأخلاق قد تمّ تفسيرها بوضوح. وميزة هذا النهج هي بشكل خاص تجنّب التفسير الأخلاقيّ المبالغ فيه لجميع أنواع الممارسات التي لا تنطلق المعايير والأسباب بالضرورة من الأخلاق، ولكن من غيرها من الوظائفيّات المعياريّة.



فهرس المصادر والمراجع
1. 1. Abramson P. R., Pinkerton S. D. (sous la dir. de), 1995, Sexual Nature, Sexual Culture [الطبيعة الجنسيّة والثقافة الجنسيّة], University of Chicago Press, Chicago.
2. 2. Axelrod R., [1984] 1992, Donnant donnant [أَعطِ تُعطَ](traduit par M. Garène), Odile Ja-cob, Paris.
3. 3. Bentham J., [1789] 1999, Introduction aux principes de la morale et de la legislation [مقدّمة مبادئ الأخلاق والتشريع ] , in Audard C. (sous la dir. de), Anthologie historique et critique de l’utilitarisme. I. Bentham et ses précurseurs[مختارات تاريخيّة ونقديّة للنفعيّة. المجلد الأوّل, بنتام وأسلافه] , PUF, Paris.
4. 4. Berthoz A., Jorland G. (sous la dir. de), 2004, L’Empathie [التعاطف] , Odile Jacob, Paris.
5. 5. Bouvier A., 2004, « Le problème de l’unification des théories en sociologie. Un exemple: choix rationnels et logiques de l’honneur»
6. 6. مشكلة توحيد النظريّات في علم الاجتماع. على سبيل المثال: الخيارات العقلانيّة والمنطقيّة للشرف] , Cahiers d’épistémologie [دفاتر الإبستيمولوجيا (علم المعرفة)] n° 2004-08/n° 320, novembre (GRE C, Université du Québec à Montréal).
7. 7. Bowlby J., [1969] 1978, Attachement et perte [التعلّق والخسارة], vol. 1 L’attachement [التعلّق] (traduit par J. Kalmanovitch), PUF, Paris.
8. 8. Cosmides L., Tooby J., 1992, «Cognitive adaptations for social exchange» [الملاءمات المعرفيّة للتبادل الاجتماعيّ], in Barkow J. H., Cosmides L., Tooby J. (sous la dir. de), The Adapted Mind, Evolutionary Psychology and the Generation of Culture [العقل الملائم, علم النفس التطوّريّ وجيل الثقافة], Oxford University Press, Oxford.
9. 9. Durkheim É., [1906] 1974, «Détermination du fait moral»[تحديد الحقيقة الأخلاقيّة] , in Sociologie et philosophie[علم الاجتماع والفلسفة] , PUF, Paris. [Texte disponibles dans Les Classiques des sciences sociales. JMT].
10. 10. [1893] 1973, De la division du travail social, [من انقسام العمل الاجتماعيّ], PUF, Paris. [Texte disponibles dans Les Classiques des sciences sociales. JMT.]
11. 11. [1911] 1974, «Jugements de valeur et jugements de réalité» [أحكام القيم وأحكام الواقع] , in Sociologie et philosophie, PUF, Paris. [Texte disponibles dans Les Classiques des sciences sociales. JMT.]
12. 12. [1912], 1968, Les Formes élémentaires de la vie religieuse [الأشكال الأوّليّة للحياة الدينيّة] , PUF, Paris. [Texte disponibles dans Les Classiques des sciences sociales. JMT.]
13. 13. Esping-Andersen G., [1990] 1999, Les Trois Mondes de l’État-providence
14. 14. [العوالم الثلاثة لدولة الرفاه]. Essai sur le capitalisme moderne (traduit par F.-X. Merrien et alii), PUF, Paris.
15. 15. Fauconnet P., [1920] 1928, La Responsabilité. Étude de sociologie [المسؤوليّة, دراسة [سوسيولوجيّة, Alcan, Paris. [Texte disponibles dans Les Classiques des sciences sociales. JMT.]
16. 16. Flanagan O., [1991] 1996, Psychologie morale et éthique [علم النفس الأخلاقيّ والمعنويّ] (traduit par S. Mar-nat), PUF, Paris.
17. 17. Gibbard A., [1990] 1996, Sagesse des choix, justesse des sentiments [حكمة الخيارات, دقّة المشاعر] (traduit par S. L augier) PUF, Paris.
18. 18. Gilligan C., [1982] 1986, Une si grande différence [الاختلاف الكبير جدًّ] , Flammarion, Paris.
19. 19. Honneth A., [1992] 2000, La Lutte pour la reconnaissance [النضال من أجل الاعتراف] (traduit par P. Rusch), Éditions du cerf, Paris.
20. 20. Hume D., [1739] 1973, Traité de la nature humaine [بحث حول الطبيعة البشريّة](traduit par A. Leroy) 2 vol., Aubier, Paris. [Texte disponibles dans Les Classiques des sciences sociales. JMT.]
21. 21. Kahneman D., Diener E., Schwarz N. (sous la dir. de), 1999, The Foundations of Hedonic Psychology [أسس علم النفس المتعويّ] , Russel Sage Foundation, New York.
22. 22. L’Année sociologique, 2004, «Éthique et sociologie. Perspectives actuelles de la sociologie morale» [الأخلاق وعلم الاجتماع. الرؤى الحاليّة لعلم الأخلاق الاجتماعيّ] , vol. 54, n° 2 (sous la direction de P. Pharo).
23. 23. Margalit A., [1996] 1999, La Société décente [المجتمع المحتشم](traduit par F. Billard et L. d’Azay), Climats, Castelnau-le-lez.
24. 24. Neuron, 2002, «Reward and decision» [المكافأة والقرار] , numéro spécial, vol. 36, n° 2, 10.
25. 25. Nurock V., 2004, «Intuition morale et morale naïve» [البداهة الأخلاقيّة والأخلاق الساذجة] , L’Année sociologique [عام علم الاجتماع] , vol. 54, n° 2, p. 435-453.
26. 26. Pharo Patrick, 1996, L’Injustice et le mal [الظلم والبؤس] , L’Harmattan, Paris. 1997, Sociologie de l’esprit, conceptualisation et vie sociale
27. 27. [علم اجتماع العقل, المَفْهَمة والحياة الاجتماعيّة], PUF, Paris.
28. 28. 2004, Morale et Sociologie. Le sens et les valeurs entre nature et culture
29. 29. [الأخلاق وعلم الاجتماع. المعنى والقيم بين الطبيعة والثقافة], Gallimard, «folio », Paris.
30. 30. 2006a, Raison et civilisation [العقل والحضارة] , Éditions du Cerf, Paris.
31. 31. 2006b, «Respect et justice d’autrui» [احترام وعدالة الآخر] , in Zaccaï-Reyners N. (sous la dir. de), Les Figures du respect [وجوه الاحترام] , Éditions de l’Université libre de Bruxelles (à para-ître).
32. 32. «How is sociological realism possible?» [كيف تكون الواقعيّة السوسيولوجيّة ممكنة؟] , European Journal of Social Theory [المجلّة الأوروبيّة للنظريّة الاجتماعيّة](à paraître).
33. 33. Pinker S., 2002, The Blank Slate : The Modern Denial of Human Nature [الشريحة الفارغة: الإنكار الحديث للطبيعة البشريّة] , Viking Penguin, New York.
34. 34. Putnam H., [2002] 2004, Fait-Valeur : la fin d’un dogme et autres essais [نهاية العقيدة وأبحاث أخرى] (traduit par M. Caveribère et J.-P. Cometti), L’éclat, Combas.
35. 35. Salas D., 2005, La Volonté de punir. Essai sur le populisme pénal, Hachette, «Littératures», Paris.
36. 36. Smith A., [1759] 1999, Théorie des sentiments moraux [نظريّة الأحاسيس الأخلاقيّة](traduit par M. Biziou, C. Gautier, J.-F. Pradeau), PUF, Paris.
37. 37. Weber M., [1917] 1965, «Essai sur le sens de la “neutralité axiologique” dans les sciences logiques et économiques» [بحث حول معنى «الحياد القِيَميّ» في العلوم المنطقيّة والاقتصاديّة] (traduit par J. Freund et alii), in Essais sur la théorie de la science, Plon, Paris. [Texte disponibles dans Les Classiques des sciences sociales. JMT.]
38. 38. [1921] 1971, Économie et société [الاقتصاد والمجتمع] (traduit par J. Freund et alii), Plon, Paris.
39.
[1]*ـ باتريك فارو، عالم الاجتماع، مدير الأبحاث في المركز الوطني للبحث العلميّ (CNRS)، أستاذ مشارك في جامعة باريس 5 ـ ديكارت، وعضو في مركز أبحاث الحسّ والأخلاق والمجتمع (CERSES)(1985).
ـ محاضرة نُشِرت في مجلّة الحركة المناهضة للّانفعيّة في العلوم الاجتماعيّة، العدد الثاني، باريس 2006
Revue du (Mouvement anti-utilitariste en sciences socials).
العنوان الأصلي للمحاضرة: qu'est -ce que la sociologie morale
[2]
[3]1ـ نقلاً مجلّة MAUSS الفصليّة، العدد24، «هل يمكن التفكير بنظريّة اجتماعيّة عامّة؟ في علم الاجتماع» الفصل الثاني، ص 47-48.
ـ تعريب: هـ - الفقيه - مراجعة د. كريم عبد الرحمن.
[4]-. ماكسيميليان كارل إميل فيبر: عالم اجتماع ألمانيّ.
[5]- إميل دوركايم: عالم اجتماع فرنسيّ.
[6]- انظر دوركايم، Les formes élémentaires de la vie religieuse [الأشكال البدائيّة للحياة الدينيّة]، 1912، وفيبر، Économie et société [الاقتصاد والمجتمع]، 1921.
[7]- تحدّث دوركايم نفسه عن علم الاجتماع الأخلاقيّ والقضائيّ أو عن علم اجتماع الحقائق الأخلاقيّة. حول حالة هذا النوع من علم الاجتماع اسمح لنفسي بالإحالة إلى Morale et sociologie [الأخلاق وعلم الجتماع]. Le sens et les valeurs entre nature et culture [المعنى والقيم بين الطبيعة والثقافة] [فارو، 2004] وإلى العدد L’Année sociologique [السَّنة السيوسيولوجيّة] الذي كتبته، «الأخلاق وعلم الاجتماع». توقّعات حاليّة حول علم الاجتماع الأخلاقيّ» [2004].
[8]- لمزيد من التفصيل انظر Sociologie de l’esprit، conceptualisation et vie sociale [علم الاجتماع العقليّ، البناء المفهوميّ والحياة الاجتماعيّة] [فارو، 1997]، ومقالة «كيف تكون الواقعيّة الاجتماعيّة ممكنة؟»، المجلّة الأوروبيّة للنظريّة الاجتماعيّة [فارو، قيد النشر].
[9]- »بحث حول معنى «الحياد الخِلقيّ» في العلوم المنطقيّة والاقتصاديّة» (1917).
[10]- أحكام القيم وأحكامم الواقع (1911).
[11]- بحث حول الطبيعة البشريّة [1973، ص 582].
[12]- بالتأكيد بشرط أن لا يكون في الجهل القاتل لأوديب.
[13]- من انقسام العمل الاجتماعيّ (1893).
[14]- تحديد الحقيقة الاجتماعيّة (1906)، في Sociologie et philosophie [علم الاجتماع والفلسفة] [1974].
[15]- قانون الصمت (l’omerta): حفظ الأسرار لا سيّما في جرائم المافيا أو يشبهها.
[16]ـ شرحت بالتفصيل التوازي بين موضوعيّة التنافس الاجتماعيّ هذا وتوازي الاختيار الطبيعيّ في Morale et sociologie [الأخلاق وعلم الاجتماع] [فارو، 2004] و Raison et civilisation [العقل والحضارة] [فارو، 2006أ].
[17]ـ انظر إسبينغ أندرسون [1999].
[18]ـ درجةُ العذابات غير الضروريّة هي أوسع من درجة العذابات غير العادلة، لأنها تشتمل العذابات التي لا يمكن ربطها بطريقة واضحة ومباشرة بمسألة غير عادلة، في حين أنّ العذابات غير العادلة لها معنى أضيق من العذابات التي سبّبها كائن بشريّ (طرف ثالث أو الشخص نفسه) وبمعنى أقوى، لم تكن لتحدث. فكرة المعاناة غير الضروريّة تتيح من جهة أخرى التمييز بين العذابات التي من دون أن تكون غير ضروريّة، يبدو من الصعب تجنّبها بشكل كامل أو بين تلك التي يمكن أن يكون لها مبرر وظيفيّ.
[19]ـ شرحت للمرّة الأولى هذه الحجّة بالتفصيل في الظلم والبؤس [1996] وتناولتها في ما بعد في الكتب الأخرى.
[20]ـ انظر فوكو، المسؤوليّة. دراسة علم الاجتماع.
[21]- انظر أيضاً النقد لـ أ. مارغلي في المجتمع المحتشم [1999].
[22]- انظر مثلاً د. سالاس [2005].
[23]-انظر برثوز، جورلاند، [بإشراف] [2004]، أو قبل ذلك، بولبي [1978].
[24]-تبدأ بالتأكيد بنظريّة الأحاسيس الأخلاقيّة لـ آدم سميث (1759).
[25]- انظر بنتام، مقدّمة مبادئ الأخلاق والتشريع (1978).
[26]- انظر: في أدبٍ متزايد الأهميّة، أبرامسون، بنكرتون (بإشراف) [1995]، كاهنمان، ديانر، شوارز (بإشراف) [1999] و، على مستوى أكثر تقنيّة، العدد الخاص، «المكافأة والقرار»، من مجلّة نيرون [2002].
[27]- انظر حول هذا الموضوع «الاحترام وعدالة الآخر» [فارو، 2006 ب].