البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

الأخلاق والقيم (في المعنى والمصطلح والتجربة)

الباحث :  علي زين الدين
اسم المجلة :  الإستغراب
العدد :  4
السنة :  السنة الثانية - صيف 2016 م / 1437 هـ
تاريخ إضافة البحث :  July / 13 / 2016
عدد زيارات البحث :  4697
تحميل  ( 268.702 KB )
الأخلاق والقيم
في المعنى والمصطلح والتجربة

علي زين الدين[1][*]

يتناول هذا المقال من عالم المفاهيم، مفهومين متلازمين هما الأخلاق والقيم. وسيتطرق الكاتب إلى تعريفهما في مجال المصطلح والمعنى، وكذلك ظروف نشوئهما وتبلورهما في إطار النظريات الأخلاقية التي سادت عصر التنوير، فضلاً عن التراث الفلسفي اليوناني.
المحرر

عُرفت الأخلاق لدى علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا، ب أنّها قيم أو منظومة قيم، تعرف عليها الإنسان بإعتبارها جالبة للخير وطاردةً للشر، وهكذا تعرفها الفلسفة الليبرالية إذ تعطيها معنى نسبياً يخضع للواقع ولفهم الناس ولطبيعة البيئة. ولهذا فهي ليست من المطلقات، ولهذا أيضاً قيل عنها إنها شكل من أشكال الوعي الإنساني كما تعتبر مجموعة من القيم والمبادئ تحرك الأشخاص والشعوب، كالعدل والحرية والمساواة بحيث ترتقي إلى درجة أنها تصبح مرجعية ثقافية لتلك الشعوب لتكون سنداً قانونياً تستقي منه الدول الأنظمة والقوانين وهي السجايا والطباع والأحوال الباطنة التي تُدرك بالبصيرة والغريزة، وبالعكس يمكن اعتبار الخلق الحسن من أعمال القلوب وصفاته. وأعمال القلوب تختص بعمل القلب بينما الخلق يكون قلبياً ويكون في الظاهر.
وعلم الأخلاق يعتني بدراسة السلوك الإنساني على ضوء القواعد الأخلاقية التي تضع معايير للسلوك، يضعها الإنسان لنفسه أو يعتبرها التزامات وواجبات تتم بداخلها أعماله. فالأخلاق هي محاولة التطبيق العلمي، والواقعي للمعاني التي يديرها علم الأخلاق بصفة نظرية، ومجردة». والكلمة الإنكليزية للأخلاق «Ethic» مستخلصة من القاموس اليوناني (إيثيه) أي «عادة». وتكون الأخلاق طقماً من المعتقدات، أو المثاليات الموجهة، والتي تتخلل الفرد أو مجموعة من الناس في المجتمع.
والديونتولوجيا ـ من الجذر اليوناني (ديون) أي «ما يجب فعله» و (لوغيا) أي «العلم» - أو علم الواجبات وهو مفهوم يستخدم كمرادف للأخلاق المهنية، فيختصّ هذا المجال بالواجبات ويحكم على الفعل راجعاً إلى القواعد والقوانين[2].
أما علم «الأخلاق» Ethics، فإنّّه يتعلق بوجه عام، بمعايير السلوك التي يتحدد بموجبها الإعجاب بموقف معين أو رفضه، احترامه أو إدانته. وربما تسري هذه المعايير على المجتمع بأسره، لتشكل ميثاقاً شرفياً، أو ربما تنطبق فقط على بعض الممارسات المهنية لمجموعة بعينها من هذا المجتمع، وكلمة Moralis هي الأصل اللاتيني لكلمة «أخلاق»، وقد صاغ شيشرون Ciceron (السياسي والخطيب الروماني) هذه الكلمة ترجمة للكلمة اليونانية ethos (الطبع، العادة) بعد أن اشتقها من كلمتي mos و mores بمعنى «عادة» أو «عادات»[3].
معنى القيم
مثل الأخلاق والعلوم التي تناولته بالتعريف والتحليل كذلك الحال بالنسبة إلى القيم ومعناها ودلالاتها الإصطلاحية.
ومفهوم القيمة، أو القيم، من المفاهيم المعقدة ذات الاستخدامات الكثيرة والمعاني المتنوعة. فعلى سبيل المثال نجد هذه المفردة مستعملة بمعان مختلفة في الفلسفة والحقوق وعلم النفس وعلوم الاقتصاد والسياسة والاجتماع وعلم الأخلاق وغيرها، زد على ذلك، أننا لا نجد لها تعريفاً موحداً متفقاً عليه حتى في داخل كل اختصاص[4].
في المعجم الفلسفي لـ «لالاند»، ذُكِرَت لمفهوم القيمة استخدامات توزعت على أبعاد أربعة هي:
-1 إلى أيّ مدى تكون مطلوبة وتتعلق بها رغبة الفرد أو الجماعة؟
-2 ما هي الدرجة التي تحظى بها من الأهلية والمطلوبيّة؟
-3 ما هو الهدف الذي تثمره وتنتجه هذه القيمة؟
-4 ما هو مستوى التفاعل الذي تحققه هذه القيمة بالقياس إلى جماعة وزمان معينين[5].
عُرِّفت القيمة في علم الاجتماع ب أنّها ما يُحكم عند الفرد أو الجماعة بكونه حسناً أو قبيحاً، لائقاً أو غير لائق، مطلوباً أو غير مطلوب. وعرفها بعضهم أيضًا ب أنّها الميزان والمعيار المختار من قبل الفرد أو الجماعة من بين البدائل المتاحة المطروحة بالنسبة إلى موقع ما.
وذهب العالم الفرنسي غي روشيه، متأثراً في ذلك بكل من دوركايم وبارسونز، إلى القول بأنّ القيمة هي الركيزة الأساسية التي يستند إليها الفعل، وقال: «القيمة طريقة في الحياة أو العمل ينظر إليها الشخص أو الجماعة بوصفها مفهوماً يتلبس ويتشخّص به الأفراد وتصرفاتهم ويصبح شعاراً لهم» ورأى ان القيمة ذات خصائص جوهرية، وهي عبارة عن:
-1 القيمة هي الملهمة للعمل، أو ـ بتعبير بارسونز ـ هي الهادية والموجهة.
-2 القيم نسبية، (بالنظر إلى عوامل الزمان والمكان والاجتماع).
-3 للقيم ثقل وأساس عاطفي.
-4 للقيم سلسلة من المراتب، ما يعني أن بروز قيم جديدة في المجتمع يكون أمراً نادراً. وأمّا ما يحدث في الغالب، فهو أنّ سلسلة مراتب القيم أو جماعة ما تكون عرضة للتغير. ولهذا السبب، فإنّّنا في تغيير القيم يجب حصول التغيير على مستوى سلسلة مراتب هذه القيم، وحاصل هذا الأمر أنّ القيم الرفيعة ذات الدرجة العالية تهبط وتنخفض درجتها لتحل قيمٌ أخرى مكانها[6].
إلى هذا، نستطيع أن نجد في علم النفس تعاريف عديدة أخرى لمفهوم القيمة، نشير من بينها إلى ما يلي:
1- القيمة هي بمثابة الدافع والمحرك (motive)، أو أنّها تعود في جذورها إليه. [ويلسونم وماك ليلاند].
2- القيمة هي بمثابة التعلق والاهتمام (interest)، [باريش، أولبرت، وفرتون].
3- القيمة هي بمثابة الاعتقاد (beilef)،[روكيتش].
4- القيمة هي بمثابة الميل والنزوع[7].
وعلى هذا الأساس فإنّ القيم هي عبارة عن الميزان والمعيار لتعريف وتحديد الوضع المطلوب الذي ينبغي أن تكون عليه الأمور، والميزان الذي على ضوئه يتم الاختيار من بين الخيارات المختلفة بشكل غير مشروط وغير نفعي(مطلق)، من قبل الفرد أو الجماعة، وبعبارة أخرى: القيم هي المعايير للاختيار بشكل غير مشروط وغير نفعي والتي تحدد للفاعل الوضع اللازم والمطلوب.
وعلى ضوء هذا الذي ذكرناه، لا بد – في دراسة القيم والخصائص التي تتسم بها من أخذ النقاط التالية بعين الاعتبار:
-1 تنتمي القيم إلى فصيلة الأمور الذهنية والمعرفية، وإن كان لها آثار عينية.
-2 تندرج القيم تحت الضروريات القطعية.
-3 تتصل القيم من داخلها، وفيما بينها، وبالاضافة إلى سائر عناصر الثقافة، من خلال سلسلة من المراتب البنيوية والجوهرية.
-4 ليست القيم بأسرها بمثابة واحدة مطلقة من المطلوبية والمرغوبية، درجات عديدة ومفاوتة. وهذه الميزة توجب أن تكون سلسة المراتب لكل القيم بلحاظ مطلوبيتها عند أفراد متعددين وسلسلة المراتب القيمة عند فرد ما (من بين القيم المختلفة) متنوعة ومتعددة.[8]
فلسفة الأخلاق ومعناها
يركز مصطلح «الأخلاق الفلسفية» أو «الفلسفة الأخلاقية» – وهما مصطلحان يستخدمان هنا بالتبادل – على قضايا «القيمة». وقد نشأت نظريات (في الأخلاق) تتفاوت إلى حد بعيد فيما تصبو إليه وتختلف في درجة شموليتها وتصنيفها وتفصيلها؛ إذ إنّ المفاهيم التي نحاول عن طريقها أن نجد معنى لأنفسنا ولنشاطنا ولحياتنا ولطبيعة التفكير ومداه، وندرك من خلالها المسائل المتعلقة بمعنى الموت والخطايا التي لا تغتفر- تحتاج إلى التحليل والفهم. وبالمثل يحتاج بحث القيم التي نسعى إلى تحقيقها بأنماطها المختلفة من العلاقات الاجتماعية، إلى حسن السيطرة عليها والتحكم فيها. فعلى سبيل المثال، قد يكون من قبيل الخطأ أو الاستنتاج الفاسد أن نفكر في العلاقات الشخصية مثل الحب أو الصداقة، على اعتبار أنّها تتشكل من قواعد وأهداف، وقد تتضمن هذه القضايا تحقيقا أو بحثا في الأساسيات التي توجه السلوك الفعلي أو العملي. فيبحث الفلاسفة الأخلاقيون في دور المثل العليا في توجيه التفكير العملي والنشاط الفعلي، ويعالجون مسائل مثل[9]: ما هو السلوك المقبول، أوما الذي ينبغي أن يفعله شخص ما في حالات معينة («الإفتاء في قضايا الضمير» casuistry، يطبق مبادئ أخلاقية عامة على كل حالة، أمّا الأخلاق الوضعية، أي الأخلاق التي ترتبط بمواقف وأوضاع معينة، فهي تتعامل مع كل حالة كمسألة منفصلة قائمة بذاتها)، ويبحث الفلاسفة الأخلاقيون فيما يتجاوز الأعراف المحددة ومعايير السلوك وما لا يتجاوزها؛ وهذه المعايير هي في حد ذاتها أهداف ربما نبحث في إيجاد تبرير لها. وتبحث الفلسفة الأخلاقية أيضا في طبيعتي الفضيلة والرذيلة ومعنى كل منهما، كما تبحث في مفاهيم تقييم الذات، مثل الشرف والاعتزاز والمعصية والعار والخزي، التخاذل والإقدام، وهي المفاهيم التي قد تنشط أو تخبو في ظل ظروف معينة. إنّ بعض الفضائل والرذائل المحددة مثل الأمانة والخداع، قد يكون لها معنى خاص في علاقتها بأنفسنا وبالأخرين فيما يتعلق بفهم النفس، ومن ثم في علاقتها بالسلامة والأكراسيا akrasia (اللامعقولية الشخصية / ضعف الإرادة). ويجري البحث في مجال الأخلاق في ماهية ما هو موجود، أو فيما يمكن أن يوجد، ليكون شراً أو سيئاً، أو دنيئاً، أو غير لائق، أو مبهرجاً، أو مقبولاً، أو جيداً، أو لطيفاً، أو مثيراً، أو رائعاً، أو مدهشاً، أو مثيراً للمشاعر بشكل آخر، فمواقفنا وتقييماتنا تحتاج دوما إلى الشرح والتبرير.
الأخلاق الشكلية والأخلاق الموضوعية
تتميز أخلاق الشكل أو الصورة Formal ethics عن أخلاق الموضوع objective ethics، الأولى مجالها القيم الأخلاقية للأفعال والأشخاص، بينما تربط الثانية قيمة الشخص بنتائجه العملية، ولذلك يسميها كانط أخلاق نجاح ethics of success، ويعرف كانط الأخلاق الصورية ب أنّها الأخلاق التي تسترشد بقواعد الأخلاق التي يعرفها العقل العملي، وهي قواعد صورية أوشكلية.
وفي مقابل أخلاق كانط الصورية قامت أخلاق الموضوع، بدعوى أنّه لا يمكن أن توجد أخلاق بدون موضوع. وتميزت في أخلاق الموضوع عدة نزعات، أولها: نزعات أصحاب فلسفة القيم وعلى رأسهم ماكس شيلر، الذي يرى أنّ القيم مُثل عليا وانفعالات من الإنسان نحو غايات يصنعها بحرية، وعرف القيمة ب أنّها ما يجب فعله؛ وثانيها: نزعة أصحاب الأخلاق الوضعية، وهؤلاء تتوزعهم علوم البيولوجيا والنفس والاجتماع. ويرى البيولوجيون، وعلى رأسهم سبنسر، أن الأخلاق يجب أن تحترم دورة حياة الإنسان الفسيولوجسة، وأن تقرر المفيد للإنسان علميًا وتبتعد عن الأحلام والتهاويل. يذهب الاجتماعيون، وعلى رأسهم دوركايم، إلى أنّ الأخلاق وقائع اجتماعية يمكن ملاحظتها ووصفها كالوقائع الفيزيائية، وبذلك يمكن إقامة علم أخلاق يسميه بريل «علم الأعراف science of mores». ويرى النفسانيون أن الأخلاق أفعال منعكسة شرطية تكونت بفعل التربية، وأن الالتزامات الخارجية منشؤها الضغوط الوراثية والوالدية التي تشكل ما يسمى بالأنا الأعلى، ودوره الأساسي قمع الدوافع الغريزية، ويمثل الماضي أو الأخلاق المغلقة، بينما يمثل الأنا الصيرورة أو الأخلاق المفتوحة[10].
ولا توجد القيم الأخلاقية مستقلة فلا بد لها من حوامل، لكن إدراكها لا يتوقف على وجود الحوامل، وفي الإمكان أن نتحدث عن عالم من القيم كما تحدث أفلاطون عن عالم من المثل، فالإنسان يدرك القيم الأخلاقية بنوع من الرؤية الباطنة، كما في إدراكه للمعاني الكلية، وهو ما يفسر إدراكها من قبل الطفل والبالغ والجاهل والمثقف. وتتضارب آراء الفلاسفة في نشأتها، فمنهم من يرجعها إلى مصادر خارج الإنسان، إلهية أو اجتماعية، ومنهم من يقصرها على الإنسان دون سواه، فالإلهيون أو اللاهونيون يقولون بالأخلاق اللاهوتية theological ethics وينسبونها إلى مصدر واحد هو الله، ومن هؤلاء نفرّ يقررون أنّ مصدر القيم هو الإنسان، ولكنه لا يدركها لا بتأثير علاقته الروحية بالله، وأنّ الله قد جعل الخير والشر في طبائع الأشياء ليدركها العقل، فما يراه فيها العقل من خير أو شر هو ما فطرها الله عليه، وعلى رأس هؤلاء كيركجارد.
ويغلب على الفلاسفة القول بأنّ الإنسان هو واضع القيم الأخلاقية، وعلى رأس هؤلاء نيتشه، وكان يرى أنّ الفعل الأخلاقي لا يصدر إلّا ممن في استطاعته اتيانه، لأنّه فعل مسؤول وصادر عن ارادة حرة، ومن ثم فأصحاب القيم الأخلاقية هم الأقوياء الأعلون بنفوسهم. أمّا العبيد، والمستضعفون، فهلاء لهم أخلاق العبيد، وهي أخلاقٌ من الاتضاع والزهد والمسكنة والتضحية فضائل.
أربعة مبادئ لفهم المصطلح
في مرحلة متأخرة من الأبحاث حول فلسفة الأخلاق ينطلق الفيلسوف الاسكتلندي ألسدير ماكنتاي من أربعة مبادئ وهو يؤسس نقدياً لما يسميه زمن ما بعد الفضيلة. وهذه المبادئ تبدأ من زمن أرسطو إلى أزمنة ما بعد الحداثة. وهي على الشكل التالي:
ـ المبدأ الأول مبدأ سوسيولوجي مفاده أنّ المجتمع قبل الفرد، فالمجتمع يحتل مرتبة الأولوية في الواقع وفي الاعتبار، في حين يحتل الفرد المرتبة الثانوية.
ـ المبدأ الثاني مبدأ تاريخي وقد عنى أن الأخلاق تابعة للتاريخ أو لها علاقة بالتاريخ، فضائلها تتغير من زمن إلى زمن. فليس هناك فضائل أخلاقية مطلقة.
ـ المبدأ الثالث مبدأ غائي (Telos) أي أن للفضائل غايات ترمي إليها وليست بالأمور الاعتباطية المتروكة للفرد أو الأفراد ونزواتهم وتقلّباتها.
ـ المبدأ الرابع مبدأ أخلاقي، وبالمعنى الدقيق، ومفاده، مصلحىة المجتمع فوق كل مصلحة، وهو مبدأ أرسطو.
شكلت هذه المبادئ ما يشبه المطرقة النيتشوية والتي نزل بها ماكنتاير على الفلسفات الفردية من أولها إلى آخرها، وبخاصة بعد إخفاق مشروع عصر التنوير (The Enligtenment) أيّما إخفاق، فحطمها تحطيماً. وفي هذا السياق يذكر المختصون على سبيل المثال، لا الحصر، مذهب المنفعة (Utilitarianism) الذي وضعه جيرمي بنتام (Jeremy Bentham) والذي قال بالسعادة الكبرى للعدد الأكبر، في كتابه: مبادئ الأخلاق والتشريع قاصداً العدد الأكبر من الأفراد. كما أذكر مذهب الفيلسوف الألماني كانط الذي قال بالواجب المطلق أو الأمر الأخلاقي المطلق الذي يجب أن يلتزم به الفرد.[11]
ولقد انقسم الفلاسفة بشأن وجود القيم إلى فريقين، فريق الواقعين (ethical realism) الذين يقرون أنّ للقيم موضوعيّة ووجودًا ماديًا كوجود الكليات، وفريق الذاتيين (ethical subjectivism) الذين ينكرون ان يكون للقيم أي وجود موضوعي، ولا ينسبون اليها الّا وجودا ذاتيًا. وكان أفلاون من أنصار الفريق الأول حيث جعل للمثل عالماً بذاته على رأسه الخير، وهذه المثل ليست تصورات ذهنية، أي موجودة في الذهن، ولكنها موجودات حقيقية وإن اختلف وجودها عن الوجود المادي للأشياء. ومن أنصاره في العصر الحديث نيقولا هارتمن، ويجعل لها وجوداً ندركه ادراكا وجدانياً مباشراً بالحدث، إلّا أنّه وجود ذاتي مثالي، حيث القيم الأخلاقية ترتبط بالذوات التي تحملها، وقيم الأشياء، ولا يرتبط السلوك الأخلاقي إلّا بالأشخاص، لأنّه لايثدر عليه إلّا الذوات التي لها إرادة، وتفعل في حرية، وتترسم الغايات والمقاصد. ولا ينبغي أن نفهم أنّ هارتمن يقول بقيم نسبية، فالشجاعة عنده لا تتوقف على الشجاع، بل إنّ الشجاع صار شجاعاً لأنّه قد امتلأ بالشجاعة، ولذلك إنّ هارتمن من القائلين بالوجود المادي (material essence) للقيم الأخلاقية[12].
ومن جهة مبادئ الحياة الأخلاقية ينقسم الأخلاقيون إلى مذاهب شتى، أهمها المذهب العقلي في الأخلاق ethical rationalism كما هو عند سبينوزا وكانط مثلاً، وهؤلاء يستندون إلى العقل في تقرير الخير وقواعد السلوك؛ والمذهب الطبيعي في الأخلاق ethical naturalism ويحدد أصحابه معنى الخير بمفهوم طبيعي، فهو كل ما يؤدي إلى لذة (أبيقور وبنتام) أو إلى منفعة الناس (مل)؛ ومذهب العاطفة في الأخلاق ethics of sympathy (آدم سميث وشوبنهاور).
ويمجد أصحابه العاطفة سواء على صورتها الحيوية، أو على صورة التعاطف والمحبة، ويجعلون أساس الأخلاق ما نستحسنه أو نميل إليه؛ ومذهب الإرادة الأخلاقية ethical voluntarism (نيتشه) ويصف القائلون به الخير: بأنّه كل ما يعلي في الإنسان شعوره بالقوة وإرادة القوة، والشر بأنّه كل ما يصدر عن ضعف، والحياة ب أنّها نمو وزيادة في الاقتناء، ومن ثم فهي إرادة قوة[13].
أخلاق الاستحسان Ethics of Approbation
مجموعة من النظريات المثالية في الأخلاق تقوم على فكرة أنّ الصواب هو ما يستحسنه المجتمع أو الدين أو الضمير. ويصف ليفي بريل الضمير الفردي والاجتماعي بأنّه مجموعة من العادات والأعراف التي تستحسنها المجتمعات خلال عملية تطورها التاريخي، ومن ثم يسميها وقائع اجتماعية، ويبنى عليها علماً يسميه علم الأعراف science of mores أو علم الآيين وتدور النظريات الدينية في الأخلاق عند بارت ونايبور وغيرهما على فكرة أنّ الله أعلم بصالح عباده، ومن ثم فإنّّ ما يأمر به الله كان واجب الفعل، لأن مصدره الله، فيه صالح البشر. غير أنّ النوع الثالث من نظريات الاستحسان يجعل الإنسان نفسه هو مصدر الإلزام الخلقي بمجموعة من الأفكار تسمى نظريات الحس الخلقي moral sense theories تقول بوجود حس أو إحساس خلقي في الإنسان حيث تسعده أفعاله التي تتوجه إلى الخير العام، وتصرفه عن متابعة اللذة إلى ممارسة الواجب الاجتماعي. وفسر شافتسبري بهذا الحس الأخلاقي إعجابنا بالتضحية بذواتنا دون طمع في مكافأة، أو خوف من عقاب. وأطلق جوزيف بتلر (1692 ـ 1752) على هذا الحس الأخلاقي اسم الضمير، وهو هنا ضمير فردي وليس ضميراً اجتماعياً، ووصفه بأنّه حدس الواجب intuition of duty، وجعله المصدر السيكولوجي للأخلاق. وردّ آدم سميث (1723 ـ 1790) الأخلاق في التحليل النهائي إلى مصدر واحد هو التعاطف مع الناس، ومن ثم أطلق على هذا الضرب من الأخلاق اسم أخلاق التعاطف ethics of sympathy. ودورها ديفيد هيوم (1711 ـ 1776) إلى أخلاق الاستحسان، حيث قال بوجود عاطفة استحسان sentiment of approbation، ووصف الصواب بأنه ما نستحسنه وما يعطينا اللذة العاجلة، أو ما يؤدي إلى لذة آجلة، ووصف الفضائل ب أنّها ما يجعل الإنسان مقبولاً أو مفيداً لنفسه وللآخرين. وكان آدم سميث يشترط أن لا يترك لكل شخص على حدة أمر البت فيما يجوز وما لا يجوز، وإلا كان ما نستحسنه مسألة شخصية، وعلى ذلك افترض شخصية مثالية كان يتمنى لو توجد، ونسب إليها ما يمكن أن يحظى باستحسان الجميع، وقامت على هذه الشخصية المفترضة مجموعة من الأفكار سُميت بنظريات المراقب المثالي ideal observer theories في الأخلاق. وبالرغم من أنّ جميع هذه النظريات تحاول أن تنسب الأخلاق إلى مصدر موضوعي، إلّا أنّها تظل مع ذلك ذاتية الطابع، وإن كانت لا تعد من نظريات النزعة الذاتية الخاصة في الأخلاق ethical subjectivism.[14].
مهما يكن من أمر، فقد احتل مفهوم الأخلاق في عصر ما بعد الحداثة موقعه المتجدد في عالم المفاهيم. حيث يأخذ النقاش في الغرب مساحات واسعة وخصوصاً لجهة إعادة تعريف ماهية الأخلاق في ضوء التحولات التي يشهدها العالم المعاصر.


[1]*ـ مترجم وصحافي لبناني.
[2] - راجع «معنى الأخلاق»- https://ar.wikipedia.org
[3] - عبد المنعم الحفني – موسوعة الفلسفة والفلاسفة – الجزء الأول – مكتبة مدبولي – القاهرة – 1999 – ص 106.
[4] - أبو تراب طالبي – مفهوم القيم – قراءة تاريخية – فصلية «المنهاج»- العدد 75 – خريف 2014.
[5] - المصدر نفسه.
[6] - المصدر نفسه.
[7] - المصدر نفسه.
[8] - المصدر نفسه.
[9] - موسوعة الفلسفة والفلاسفة – المصدر المذكور آنفاً- ص 112.
[10] - عبد المنعم الحفني – موسوعة الفلسفة والفلاسفة – الجزء الأول – مكتبة مدبولي – القاهرة – 1999 – ص 108.
[11] - ألسدير ماكنتاي – بعد الفضيلة – بحث في النظرية الأخلاقية- المنظمة العربية للترجمة – بيروت 2013 – أنظر: مقدمة المترجم حيدر حاج اسماعيل- ص 18.
[12] – الموسوعة – المصدر المذكور آنفاً- ص 109.
[13] - موسوعة الفلسفة والفلاسفة – المصدر نفسه – ص 107.
[14] - الموسوعة – المصدر نفسه – ص 111.