البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

الإسلام علماً، الفيلسوف الشيخ طنطاوي جوهري ناظراً في علوم زمانه

الباحث :  أحمد عبد الحليم عطيّة
اسم المجلة :  الاستغراب
العدد :  13
السنة :  السنة الرابعةــ 1440هـ خريف 2018م
تاريخ إضافة البحث :  October / 23 / 2018
عدد زيارات البحث :  991
تحميل  ( 555.281 KB )
في هذا البحث إطلالة على إحدى أبرز الشخصيات العربيّة الإسلاميّة في عالم المناظرة بين الدين والعلم، وهو الفيلسوف المصري الشيخ طنطاوي جوهري، 1862م ـ 1940م، وهو من أكابر حكماء الأزهر الشريف الذين أثروا الحياة الفكريّة في مصر والعالم الإسلامي في زمنٍ احتدمت فيه القضايا الدينيّة مع العلوم الحديثة، مترافقةً مع التدفّق الهائل للعلوم إثر حملة نابليون بونابرت الاستعماريّة والآثار المعرفيّة والفكريّة والاجتماعيّة التي ترتّبت على الثقافة الدينيّة على مصر والمنطقة، في هذه الحقبة بالذات برز حضور الشيخ طنطاوي جوهري كشاهدٍ على تلك الحقبة وتعلّم من أعلام الفكر والثقافة الإسلامية الأصيلة.
المحرر

تحتاج حياة وأفكار الحكيم الإسلامي الشيخ طنطاوي جوهري إلى أكثر من دراسةٍ تستوفي جوانبه المختلفة. فهو ذو اهتمامات متعدّدةٍ في مجالات: التفسير والدعوة الإسلامية والنهضة الحديثة والإصلاح الاجتماعي، وهو أيضاً مفكرٌ ذو اهتمامات فلسفية: قراءةً وبحثًا، تأليفًا وترجمة، دراسةً وتدريساً يُعلي من شأن العلم ويوسّعه بالتطوّر. صاحب رؤيةٍ يوتوبيّةٍ في إصلاح العالم والسلام الدولي على طريقة الفيلسوف الألماني كانط الذي تأثر به وترجم له بتصرفٍ كتابه «في التربية».
وسوف نتناول في هذه الدراسة الجانب الفلسفي والعلمي عند طنطاوي جوهري، فنعرض لكتاباته الفلسفيّة، والأسس النظريّة لأفكاره، وما قدّمه في كتاباته وتفسيره من آراءٍ علميةٍ وأخيراً محاضراته بالجامعة المصريّة القديمة، التي كان من ضمن أساتذتها، وألقى بها عدّة محاضرات عن «الفلسفة العربية والأخلاق». وتمثل هذه المحاضرات جزءاً مهماً من بدايات الدرس الفلسفي بالجامعة المصرية، الذي يمثل بدوره أساساً من الأسس التي كوّنت الخطاب الفلسفي المعاصر في مصر، والتي تحتاج إلى بحثٍ متعمّقٍ لبيان موضع هذا الدرس من تاريخ الأفكار، الذي لا ينفصل عن تاريخنا المعاصر، وبيان ما استحدثته الجامعة من مناهج وطرق في البحث مختلفة تماماً عمّا هو سائد في الحياة العقلية قبلها، سواءً في التعليم العام أو التعليم الديني، وسواءً ما قدّمه الأساتذة العرب أم الأوروبيون؛ حتى نستطيع تحديد مكانة الدرس الفلسفي عند طنطاوي جوهري داخل هذا الإطار.
وينقسم بحثنا الحالي إلى: مقدمة عامة في الاهتمامات الفلسفية لطنطاوي جوهري، ثم دراسة تحليليّة تاريخية مقارنة لمحاضرات «الفلسفة العربية والأخلاق» التي ألقاها بالجامعة لوضع هذه المحاضرات في سياقها التاريخي مع أعمال سنتلانا وماسينون والكونت دي جلارزا من جانب، وسلطان بك محمد وعلي العناني ومنصور فهمي من جانبٍ آخر. والقسم الثالث تحليل لأعماله وكتاباته حول نظريّة التطور بالمقارنة مع ما قدّمه الأساتذة العرب حولها. حتى نلقي الضوء على مفكرٍ مغمورٍ ربّما يجهله الكثيرون، أسهم في الكتابة والتدريس في بداية القرن العشرين، وكان له دوره الإصلاحي مع زعماء حركة الإصلاح الحديثة.
القراءة الفلسفيّة العلميّة لأعمال طنطاوي جوهري:
هناك بعض المحاولات السابقة التي حاولت تناول أفكار الكاتب والمفكر العربي المسلم، والذي أطلق عليه «الفيلسوف الشيخ» و«الأستاذ الحكيم»، إلا أنّ هذه «القراءات» تناولته من نواحٍ جزئيةٍ مختلفةٍ وقدّمته في صورٍ كثيرةٍ كادت تتناقض، أو على أقلّ تقدير كانت تضع أفكار الرجل في مواضع متباينة، ولا تلتقي عند ملامحٍ معيّنةٍ يتّسم بها تفكير وكتابات هذا المفكر الجاد الطموح غزير الإنتاج، الذي نتوقف الآن أمام نتاجه الفكري وخطابه الإصلاحي ويوتبياه العالميّة ودرسه الفلسفي بالجامعة الأهلية، محاولين تقديم قراءة لأعماله. ورغم تعدّد القراءات السابقة التي تدل على أهمية الكاتب المفكر، إلا أن أيّاً منها لم تقدم صورةً متكاملةً أو رؤيةً شاملةً لأفكار المفكر الإصلاحي الذي قورن دوماً بالشيخ محمد عبده، بل عدّه البعض أكثر جذريةً منه. ومن هنا علينا إعادة النظر في نتاجه الفلسفي من أجل تقديم قراءة جديدة له.
لقد عُرف الشيخ في هذه القراءات بـ «المفسّر»، حيث أبرز كل من: محمد حسين الذهبي في «التفسير والمفسرون» ومصطفى الحديدي في «اتجاهات التفسير في العصر الحديث»وبنت الشاطئ في «القرآن والتفسير العصري» الناحية الدينية في خطابه اعتماداً على أهمّ وأضخم كتاباته «الجواهر في تفسير القرآن» وما يرتبط به من كتابات مثل: «التاج المرصع بجواهر القرآن والعلوم»، و«القرآن والعلوم العصرية»، حيث يعدّ تفسيره موسوعةً علميةً ضربت في كلّ فنٍّ من فنون العلم مما جعل هذا التفسير يوصف بما وُصف به تفسير الرازي. فالشيخ كما يرى الذهبي معروفٌ بتفسيره للقرآن على نمطٍ علميٍّ اختصه لنفسه لم يسبقه إلى مثله ولم يقلده فيه أحد، فهو يبدأ بالتفسير اللفظي للآيات، ثم يتلوه بالشروح والإيضاحات والكشف كما يقول عبد المجيد عبد السلام «أي أنه يشرح متوسّعاً في الفنون العصرية المتنوعة».
وكانت صورة المفسر تلك في هذه القراءة من أهم الجوانب في كتابات الشيخ التي أشار إليها وأشاد بها معظم من كتب عنه فهي غير تقليديةٍ وغير مسبوقةٍ نجد ذلك لدى علي الجمبلاطي الذي رأى فيه عالماً في طليعة أولئك الناظرين البُصراء إلى حقائق زمنهم، آمن إيمان الدين المتين أنّ التقدم العصري رهين العلم وكتب رجاء النقاش مقالين: عن «القرآن والفكر الجديد تفسيرٌ للقرآن بالخرائط والصور»، و«حول تفسير القرآن: أضواءٌ جديدةٌ على عالمٍ كبيرٍ مجهول» يتحدث فيهما عن تفسير الجوهري الذي يقف متميزًا بمنهجه الخاص اللامع بين جميع تفاسير القرآن، «فالشيخ هو أحد علماء الدين البارزين، وواحدٌ من المفكرين النابهين في هذا العصر، برغم أنّه لم يحظ بما يستحق من الدراسة والاهتمام»، ويرى محمد عبد الجواد أنّ علم الرجل لا ينحصر في دائرةٍ محدودةٍ وكتابه الموسوم بـ«الجواهر» موسوعةٌ علميةٌ إسلاميةٌ حديثةٌ أكثر فيها من الكلام عن العلوم الحديثة: كالفلك والنبات والحيوان، وأشار عبد العزيز عطية في التقويم نفسه لدار العلوم إلى أن أكثر ميل الشيخ كان متّجهاً إلى الإصلاح الديني والاجتماعي، وكان أكبر همّه أن يذيع في العالم رسالة السلام عن طريق تعاليم الإسلام وكتب في المعنى نفسه عبد المنعم البحقيري في مجلّة «الوعي الإسلامي» مبيناً كيف استطاع أن يقدم صورةً لتعاليم الإسلام السمحة في دعوته إلى المحبة والسلام.
ومقابل تلك الصورة الدينية التي عُرضت للشيخ ضمن «اتجاهات التفسير في العصر الحديث» سواءً في شكلها التقليدي لدى من تناوله في إطار «التفسير والمفسرون» أو في الدراسات العصريّة التي ربطت لديه بين الدين والعلم الحديث، فإن هناك صورةٌ أخرى وقراءةٌ ثانية – ربما تكون ضد القراءة الأولى وهي تتناول الشيخ كرائدٍ من روّاد البحث الروحاني اعتماداً على كتابه «الأرواح»، الذي يدافع فيه عن علم الروح محاولاً التوفيق بين الآراء الدينية أو الصوفية وشبيهاتها في العلوم الروحيّة الحديثة ويقدم لنا هذه الصورة كلّ من: عبد الجليل راضي في «مجلة الروح» ورؤوف عبيد في «مفصل الإنسان روحٌ لا جسد» فهو عنده رائدٌ من روّاد الروحيّة، وأبرز علماء العرب المحدثين. وكذلك يكتب عنه أيضاً كلٌّ من عبد اللطيف الدمياطي في «الواسطة الروحية» وعبد العزيز جادو، الذي كتب عنه أكثر من دراسة، فقد تناوله في البداية بالتعريف والتأريخ له ولحياته وريادته الروحية في كتابه «الروح والخلود بين العلم والفلسفة»، ثم خصص فصلاً مهماً عن الشيخ طنطاوي الرائد الروحي في كتابه عنه ونشرت جريدة الجمهورية مقالاً بتوقيعٍ  مستعارٍ عن «طنطاوي جوهري الرائد الروحي». وتُمثّل هذه الكتابات السابقة جوانب متعدّدةٍ من اهتمام المفكر الديني، وتظهره عالماً مفتوناً بدراسات الباراسيكولوجي متعلقاً بأهداب الغيبيات مؤمناً بعالم الأرواح والاتصال بها والانقياد لأوامرها يكتب ما تمليه عليه وما تشير له به يخوض المعارك الفكرية والتاريخية انطلاقا من إيمانه بها فيكتب عن براءة العباسة أخت هارون الرشيد رداً على ما كتبه جرجي زيدان عنها. وربما لا يكتفي بالتأليف والكتابة بل يصبح أحد أعضاء جمعية الأرواح بل رائداً من روادها.
وهناك قراءةٌ أخرى توقّف أصحابها أمام الجانب الأدبي عند الكاتب الأديب طنطاوي جوهري، وهذه القراءة نجدها لدى محمد محمد حسين الذي يضع الشيخ داخل الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر، فقد كانت لديه ثقةٌ كبيرةٌ في نهضة المسلمين واستعادتهم مجدهم وعمارتهم الأرض وإصلاحهم ما آل إليه أمرها من فسادٍ واضطراب، وكانت هذه الفكرة تنزل من نفسه منزلة اليقين الذي لا يخامره فيه شك. وربما تجد هذه القراءة ما يؤكدها ليس فقط في كتب الشيخ الأدبية مثل: «مذكرات أدبيات اللّغة العربية»، «سوانح الجوهري»، «جوهرة الشعر والتعريب» بل أيضاً في كتاباته الأخرى التي يتحدث فيها عن الطبيعة الإنسانية مثل كتبه عن» «الزهرة في نظام العالم والأمم»، و«نظام العالم والأمم»، و«جمال العالم»، و«جواهر العلوم» الذي وضعه على هيئة رواية مثل كتاب «أين الإنسان؟»؛ لذا فإننا نجد قارئه كما يؤكّد علي الجمبلاطي لا يتعثّر في لفظه ولا يستصعب فكرة، كأنه قاصٌ يقصّ عليك أمتع القصص وأغرب الوقائع. والقراءة نفسها يقدّمها محمد عبد الجواد في «تقويم دار العلوم» حيث يراه «حاضر الذهن، واضح الحجة كثير الاستشهاد بالنصوص، كثير الاطلاع، أوتي من فصل المقال ما يعز على أهل اللسان والفلسفة»، وقد بين عبد العزيز عطية «أن الشيخ بعد أن روي من معين العربية وكوثر العلوم الشرعيّة والفقه الأكبر وكثير من العلوم طار صيته في معمور الأرض». ويجعله عبد العليم القباني من روّاد الشعر السكندري فقد كان الشيخ يعمل مدرسا بمدرسة رأس التين الثانوية، وكان يلقن تلاميذه بعض الأفكار الثورية في قصائد من نظمه.
ولا تعطي تلك القراءات – رغم أهميتها - الصورة المكتملة لجهود المفكر الكبير التي اتسعت لاستيعاب الثقافة العربية الإسلامية وعلومها الدينية المختلفة والثقافة العصرية من: فلسفة وعلوم رياضيّة وطبيعيّة متعدّدة، والتي تظهر لنا من خلال كتاباته، التي نجد فيها أسماء لابلاس ودارون وايفبري مع كانط وأرفلد كوليه مع أسماء الغزالي وإخوان الصفا وابن خلدون. وتوضح لنا كتابات طنطاوي جوهري مدى اتساع ثقافته وتنوع مصادره الفكريّة كما ظهرت في مؤلفاته الكثيرة التي نستطيع عند تحليلها جميعاً قراءة الخطاب الفلسفي الإسلامي المعاصر في بواكيره الأولى.
ويمكن القول أنّ مجمل كتابات المفكر المصري ذاتُ أساسٍ فلسفيٍّ عقلاني يُبني عليه ويتفرع منه الخطاب النهضوي الذي يوضّح جوانب تفكيره المختلفة الدينية الإصلاحية، التي تنطلق أساساً من موقفه السياسي والاجتماعي كأحد دعاة الحزب الوطني (القديم) وكأحد كتّاب جريدة اللواء المعبّر عنه اتجاههما الوطني الإسلامي، كما تمثّل في كتابيه «نهضة الأمة وحياتها» و«نظام العالم والأمم» وغيرهما مما ميّز ما قدّمه طنطاوي جوهري عن غيره من مفكري هذه الفترة بسمةٍ فلسفيّةٍ علميّةٍ واضحة.
والصورة التي نقدّمها هنا في قراءتنا الحالية – هي صورة الفيلسوف، فقد عُرف جوهري بألقاب متعدّدة، وكان الغالب عليه لقب "الفيلسوف الحكيم" وهو الاسم الذي كان يميل إليه ويسبق اسمه دائما على أغلفة كتبه، وقد حدّد علي الجمبلاطي هدفه من الكتابة عن «ذكرى طنطاوي جوهري» بأنه يريد تقديم سيرة فيلسوف الإسلام في العصر الحديث، ويرى عبد العزيز جادو «أن الفيلسوف والحكيم (ويقصد جوهري) في مقدمة هؤلاء الأعلام من رجال الفكر العصريين الذين لا نزال إلى اليوم نذكرهم»، وهو عنده من فلاسفة القرن العشرين ومصلحٌ دينيٌّ مجدّدٌ تقدمي، وقد جاء في ما نشرته عنه الجمعية الأسيوية الفرنسية «أنه فيلسوفٌ حكيمٌ بقدر ما هو عالم دين»، ولقبته جريدة «مصر الفتاة» في عددها 343 الصادر في نوفمبر 1959م بأنه «فيلسوف مصر»، وهو عند محمد عبد الجواد «عالم أديب فيلسوف»، وعند سنتلانا المستشرق الإيطالي «أحد رؤساء الحركة السياسية والاجتماعية التي انتشرت في طبقات الشعب الإسلامي كافة تحت اسم «الجامعة الوطنية»، وكذلك أشاد به مرجليوث في مجلة الجامعة الأسيوية الملكية مقارنا بينه وبين كانط، وهو نفس ما فعله جب في جريدة المقطم 8 يناير 1938م، وريتشارد هارتمان الذي ربط بينه وبين محمد عبده والغزالي، وكذلك كارادي فو في «مفكري الإسلام»، ويرى الدكتور محمد يوسف موسى أنه يستحق من المجد أكثر مما يستحق الإمام محمد عبده لولا أنّ زملاءه وإخوانه جهلوه وعجزوا عن نصرته عندما تقدمت الدوائر العلميّة لترشيحه لنيل جائزة نوبل كأول مصري يُرشّح لهذه الجائزة.
وقبل قراءة مشروع المفكر الإصلاحي وبيان أسس تفكيره فإن إشارةً موجزةً إلى كتاباته تلقي الضوء على خطابه الفلسفي والعلمي وتحدد محاوره النظرية.
وإذا ما استبعدنا بعض كتابات طنطاوي جوهري مثل «الفرائد الجوهرية في الطرق النحوية» و«مذكرات في أدبيات اللغة العربية» و«جوهر التقوى في الأخلاق» أو حتى نحّيناها جانباً مؤقتاً باعتبارها ذات منحى تعليمي كتبت للطلاب. وكذلك إذا أبعدنا كتابيه «الأرواح» و«براءة العباسة أخت هارون الرشيد» التي قيل: إن روحها اتصلت به ليصحح أخطاء جرجي زيدان في بيان قصتها التاريخية: فإننا نجد أن تآليفه كلّها رغم تعدّد موضوعاتها يجمعها اهتمامٌ واحدٌ يسري في كلّ أجــزائها وكأنّها مجلدٌ واحدٌ أو سفرٌ ضخمٌ صدر في أجزاءٍ متعددة، ويؤكـد ذلك رأي الجمعية الأســـيوية الفرنسية في كتـابه «نظــام العالم والأمم والحكمة الإسلامية العليا» ويرتبط بهذا رسالة «الزهراء في نظام العالم والأمم» وهي دراسةٌ مترجمةٌ عن الإنجليزية نقلها عن اللورد إيفبري (السير جون لويك) الذي تأثّر به كثيرا في كتاباته. ويتناول في هذه الدراسة عالم النبات والزهور وكل ما يتعلق به، وهي توضّح اهتمامه بالطبيعة وتأمّلها، ذلك الاهتمام الشاعريّ الرومانسيّ الذي سيطر على أجزاءٍ متعدّدةٍ من كتاباته التي يغلب عليها التأمل، ويعدّ تأمّل الطبيعة سمةً أساسيةً في تفكير طنطاوي جوهري، بل إن كتبه في التفسير تهتم في الأساس، كما يبدو من تحليلها ببيان مقاصد الإسلام ونظام العالم، كما يظهر في كتابه «التاج المرصع بجواهر القرآن والعلوم» الذي يقسمه إلى اثنين وخمسين باباً أو جوهرةً كلّ منها تفسير آية من آيات القرآن الكريم على ضوء ما كشف عنه العلم الحديث، ويلاحظ في هذا الكتاب أنّه استخدم العرض الموضوعي لآيات القرآن الكريم وشرحها حسب موضوعاتها، ويظهر في هذا الكتاب المنحى التوفيقي الذي اتخذه المؤلف بين القرآن من ناحيةٍ والفلسفة اليونانية من ناحيةٍ ثانية، والكتاب دعوةٌ صريحةٌ للإسلام موجهة إلى مؤتمر الأديان باليابان 1906م، وقد ترجم إلى لغات عديدة، منها: اليابانية والفارسية والهندية والروسية.
وقد كان للمفكر الوطني مواقف ضدّ الاحتلال الإنجليزي للبلاد، وكانت كتاباته تهدف إلى تجميع القوى الإسلامية المختلفة في إطار وحدةٍ جامعةٍ على أسسٍ إسلاميةٍ عقلانية مصحوبة بفهمٍ معاصرٍ لنظم الحياة المختلفة ذي منهج إصلاحي. وقد طمأن هذا النهج الدوائر الغربية. كما يتّضح مما كتبته الجمعيّة الملكية الإنجليزية، التي تناولت الخطاب الطنطاوي في الإطار الإبستمولوجي المعرفي لا السياسي الثوري – تعليقاً على كتاب «نهضة الأمة وحياتها» - بقولها: «إن الإنجليز مطمئنون إلى أن الشيخ لم يرد بلفظ النهضة ثورةً يثيرها وإنما أراد الإصلاح ورقي الأمة، فهو أقرب إلى محمد عبده منه إلى الأفغاني، وليس في ثنايا كتبه ما يحضّ على الثورة أو يشير إلى عصيان». وفي ختام المقال نذكر رأيه في سياسة الأمم، وهو في الحقيقة مقصود الكتاب الذي وضع للحكومات نظاماً جميلا؛ إذ أبان كيف يكون التشابه بين جسم الإنسان ووظائف أعضائه؟ وما الحكومات العادلة؟ وكيف ينوب فريق من الأمة عنها؟ وما طريق الانتخاب؟ 
وينطبق الرأي نفسه على كتابه «النظام والإسلام» الذي كان أيضاً مجموعة مقالات نشرت بـ«المؤيد»، وقد ترجم أيضا إلى التركية والهندية. وفي الإطار نفسه نجد كتابه «جمال العالم» الذي يتفق من حيث الاسم مع «نظام العالم والأمم» و«الزهرة في نظام العالم والأمم»، ويتفق من حيث المحتوى أيضا مع هذه الكتب ومعه «التاج المرصع بجواهر القرآن والعلوم»؛ حيث ينتقل المؤلف من ذلك النظام والإبداع والجمال الموجود في العالم، ليعبّر عن قدرة الخالق الذي أوجد هذا العالم، وهو وإن كان يستخدم الأدلة التقليدية نفسها التي يستخدمها الفلاسفة، إلا أنه يستعين في ذلك بالدراسات العلمية في مجال الطبيعة والحيوان، وهي سمةٌ تظهر في كلّ كتاباته؛ مما جعل كثيراً من الباحثين يؤكدون تميز الكتاب وصاحبه بحبّ الطبيعة حباً غير خفي. وما يستوقفنا هنا هو مناسبة تأليف الكتاب التي توضح الاتصال وعدم الانفصال نتيجة نقاشٍ طويلٍ بين الشيخ وشاعر النيل حافظ إبراهيم الذي استمع طويلاً إلى أفكار الكتاب ونصحه بقوله: «لو دون هذا الكلام في كتاب لترقت الأمة المصرية».
ويهدف بكتابيه: «جواهر العلوم» و«ميزان الجواهر في عجائب هذا الكون الباهر» إلى الغاية نفسها. الكتاب الأول وضعه على هيئة رواية وهو نفس ما فعله في «أين الإنسان؟» وقد قرّرت وزارة المعارف على طلابها هذا الكتاب الذي جعله الشيخ كما يذكر لنا سُلّماً إلى فهم ما هو أدق وأرقى في الفكر وهو و«ميزان الجواهر»، وذكر فيه بواطن العالم وقواه وعجائبه الباطنة رابطاً بين آرائه الكونية وأسسها الفلسفية مع المقارنة بين آراء الفلاسفة الأقدمين ومقابلته بكلام الفلاسفة الأوروبيين، ووزن الأقوال بالحجج العقلية. والكتاب الثاني «ميزان الجواهر» يدور أيضا حول التفسير العلمي لحقائق الكون، وفيه تظهر آراء المفسر مع آراء السابقين من علماء المسلمين مثل الغزالي والرازي، يقول الشيخ حمزة فتح الباب في تقديمه للكتاب مخاطبا مؤلفه: «ولقد ذكرني ميزانك ما قاله السعد في شرح المقاصد نقلاً عن الإمام حجة الإسلام في أثناء تعريف علم الكلام... وما قاله القطب الرازي في «شرح مطالع الأنوار» والشيخ الأكبر (ابن عربي) في فتوحاته».
وفي كثير من أعمال الشيخ ما يؤكد أن كتابته كانت استجابةً من المفكر لحاجات الواقع، فقد جاءت رسالته في «أصل العالم» رداً على تساؤلٍ من الشيخ عبد العظيم فهمي يسأل فيه عن أصل الكون ومادته الأولى والنظرية العلمية التي تفسر طبيعته، وهي من الرسائل الفلسفية المهمة التي توضّح رأيه في المسائل الأنطولوجيّة والكونيّة الكبرى معتمداً على النظريات العلمية الحديثة التي قال بها لابلاس وغيره من العلماء. وجاءت ترجمته لكتاب كانط «في التربية»، وأعتقد أنه أول من نقل كانط إلى العربية استجابةً لطلبٍ من مجلة النهضة النسائية ليكتب شيئاً يتعلق بتربية النشء وطرق معاملة الأطفال والمبادئ التي على الأمم الإلمام بها لإعداد جيل صالح.
وفي الاتجاه الأساسي نفسه لأعمال الأستاذ الفيلسوف يأتي أهم أعماله: «الجواهر في تفسير القرآن» و«بهجة العلوم في الفلسفة العربية وموازنتها بالعلوم العصرية» ويبدأه الشيخ كعادته بقوله: إن الإنسان مهيئٌ بفطرته لقبول الفلسفة ويتحدث في تاريخ علومها ويتوقف أمام عناية الدولة الإسلامية بالفلسفة والترجمة ويبيّن جهود الفارابي، ثم العلاقة بين الدين والفلسفة... ويتحدث عن تاريخ الأمة اليونانية في الفلسفة منذ القدم، وسقراط وأفلاطون، وكتابه «القرآن والعلوم العصرية» كما جاء على غلافه: «خطاب إلى جميع المسلمين وإن الصناعات والعلوم يأمر بها القرآن، وإن الأمراء والعلماء وأغنياء المسلمين هم المكلفون بذلك وبإحكام الرابطة بين الأمم الإسلامية عموما. ويقوم هذا الخطاب على إعمال العقل. فالعقل الصحيح والرأي الرجيح والعمل بهما المنجي في الدنيا والآخرة». وفي «سوانح الجوهري» يبيّن لنا كيفية ترقية الأمة عن طريق الاقتصاد وترقية الصناعة والزراعة وحركة التعليم من أجل نهضةٍ إسلاميةٍ شاملة. وبالإضافة إلى تلك الكتابات الدينية التي تحاول تفسير آيات القرآن بما اكتشفه العلم الحديث وذلك بإعمال العقل الإنساني في الكون والطبيعة من أجل دعوة المسلمين إلى النهضة وكيف تعامل العرب مع هذه الفلسفات بحثاً ودراسة.
وتشمل الكتابات والأوراق الفلسفيّة التي تركها لنا الشيخ بالإضافة إلى محاضراته بالجامعة المصرية التي ألقاها في العام الدراسي 1912/ 1913م على عدّة كتبٍ ورسائل أخرى منها: «رسالة الحكمة والحكماء» التي تحتوي على مجموعة من الدراسات التي تحمل خصائص أسلوب الشيخ وتعبّر عن الاهتمامات نفسها مثل: المقصود من هذا العالم؟ ووجهة العالم واحدة هي النظام العام، والمقارنة بين فلسفة وفلاسفة الشرق والغرب. وكتابه «المدخل إلى الفلسفة»، الذي يتناول فيه علوم العرب المختلفة وعلوم اليونان، والحديث عن هذه العلوم نجده من أهم محاور محاضراته بالجامعة الأهلية، ويبدو أنه أصدره في دراسةٍ مستقلة (المدخل إلى الفلسفة) مثلما فعل في محاضراته عن «الموسيقى العربية» التي تناولها أيضا في المحاضرات نفسها.
وتأتي محاولته الجادة التي يبدو فيها متأثراً بكانط من جهةٍ والعلوم الرياضية من جهةٍ أخرى من أجل صياغة نوعٍ من السلام العالمي واليوتوبيا الشاملة التي تجمع الشعوب كلّها في إطار وحدةٍ إنسانية، كما يظهر في كتابيه: «أحلام في السياسة والسلام العالمي» و«أين الإنسان؟» اللذين اعتز بهما كثيرًا وأرسلهما إلى معظم مفكري العالم المحدثين لدعوتهم إلى رؤيته نفسها، واستجاب له كثيرٌ منهم وفي مقدمتهم سنتلانا المستشرق الإيطالي الذي سبقه في التدريس بالجامعة الأهلية حيث لخّص الكتاب «أين الإنسان؟» في مجلة العلوم الشرقية التي يشرف عليها وأشاد بالشيخ وأفكاره، فالكتاب من الصحف العظيمة الدالّة في الوقت الحاضر على مبلغ أفكار وشعور الطبقة الراقية الإسلامية، والحق يقال إنه لعملٌ إنسانيٌّ عظيم في قالب احتجاجٍ سياسيٍّ ولم يك كتاباً موجهاً إلى المصريين فقط بل للعالم أجمع، فالمسألة التي يريد حلّها هي مسألة العالم كلّه بالإجماع. ويمثّل كلّ من «أحلام في السياسة والسلام العالمي» وكذلك «أين الإنسان؟» محاولةً أولى مبكرةً في التفكير اليوتوبي العربي المعاصر؛ حيث نجد فيهما صدىً لما قدّمه كانط، ويمثلان معاً نظرية المفكر المصري في السلام العالمي، فهو يسعى إلى مماثلة نظام المجتمع البشري بما عليه الكون والطبيعة من اتفاق وائتلاف. يريد تحويل النفوس في المجتمع من الطبيعة السبعية (من سبع) أو البهيمية إلى إنسانيةٍ بشريةٍ يحلّ بينها التعاون والتوافق بدلاً من النزاع والصراع. وهذا ما أشاد به المستشرقون الذين اطّلعوا على أبحاثه وكذلك بعض الباحثين والكُتّاب العرب المعاصرين.
ولأهمية هذين الكتابين نعرض بإيجاز أهم أفكارهما لبيان جهود الشيخ في الدعوة إلى السلام العالمي والأسس التي تقوم عليها هذه الدعوة. 
الدعوة إلى السلام العالمي:
فالحكيم الفيلسوف يحاول في كتابه «أين الإنسان؟» بيان استخراج السلام العالمي في الأمم من «نواميس الطبيعة» والنظامات الفلكية والفطرة الإنسانية، وبنيان السياسة على أساس الطبيعة، وأن مدنية اليوم حيوانية، ودعوة الناس للإنسانية الحقيقية، وبيان أن الإنسان لم يفهم إنسانيته ولم يستخرج قوته بعد. وخطابٌ موجّهٌ لفلاسفة الأمم ونوّابها وملوكها ودعوة الأولين لبحث هذا الموضوع والآخرين للتعاون على العمل. وهذا (الكتاب) عبارة عن رواية بين طنطاوي جوهري وروح من الأرواح القاطنة بمذنّب هالي لما اقترب من الأرض وسأل عن السلام في العالم وعن أخلاق نوع الإنسان وهو عشرون فصلا.
في الفصل الأول مقدمة الكتاب في أحوال مذنّب هالي، والثاني سؤال عن حال الإنسان، وقول كانط الإنسان لم يتعلم العلم من أعلى منه ولو تعلّم لكان أرقى، ويدور الفصل الثالث في أخلاق الإنسان، والرابع في علومه ومعارفه، والخامس في استعداد الإنسان للعلوم والأخلاق، والسادس في أنواع الحكومات والفلاسفة، والسابع عن المادة والعقل، والثامن يدور حول الحكمة في المادة والعقل، والتاسع يتناول الفلسفة القديمة والجديدة، والعاشر في المنطق والأخلاق والسياسة، وفيه كما يقول المؤلف الحقيقة المرة في مقارنة السياسة بالقضاء والتعليم، وتتناول الفصول بعد ذلك الصعود إلى كوكبٍ جديدٍ ومقارنة ظلم الإنسان بالعدل في عالم السماوات، وفي الفصل الرابع عشر يقدّم تحليلاً للمدنيّة العصرية، وفي الفصل السادس عشر مسألة الأقوى والأضعف، ويتساءل في الفصل التالي على أية قاعدةٍ تُبنى سياسة الأمم، ويتبعه في الفصل الثامن عشر في درس تعليم الأطفال الحب العام، والفصل التاسع عشر مجلس الحكماء وبيان ما وصلت إليه الأمم وشرح معاني الحكمة، والفصل الأخير بيان السبيل للوحدة العامة في سائر الأمم والممالك والدول، وفيه مجمل الكتاب.
ويحاول في «أحلام في السياسة وكيف يتحقق السلام العام». بيان الصورة المثاليّة لما ينبغي أن يكون عليه نظام العالم والسبل التي تُوصِل إلى تحقيق السلام العام بين الأمم جميعاً، وقد ذكر المؤلف أنه عرج على السماء وطاف بها حتى وصل إلى أحد كواكب الجوزاء ووصف ما فيه ولقاءه بالفلاسفة الذين امتحنوه في الحساب والسياسة معا. وقد برهن على أن سياسة الأمم إذا لم يكن بناؤها على حسابٍ كحساب العلوم المختلفة فإنّ الدمار سيحل بالنوع الإنساني. ولم يكتف بدور المفكر المتأمل الذي يبحث في ائتلاف الكون وإيجاد نظامٍ عامٍ لسياسة الأمم، بل سعى للدعوة إلى هذا النظام بإرسال دعوته إلى كثيرٍ من المفكرين ذوي الرأي، فهو لا يكتفي بأن يفكر في السلام العام بل يعمل من أجله، يقول: إنني أعلم الأمم جمعاء بهذا النظام السياسي الموافق لنظام هذه العوالم التي نعيش فيها أن هذه هي الطريقة المثلى الطبيعية لسياسة الإنسان في هذه الحياة.
وقد رأى البارون كاردي فو – الجزء الخامس من كتابه «مفكرو الإسلام» - في عمل الحكيم الفيلسوف مدينةً فاضلةً حديثةً ويوتوبيا معاصرة يقول: «وكتاب «أين الإنسان؟» هذا وضعه المؤلف بهيئة روايةٍ فلسفيةٍ سياسية، فهو في هذا يشبه الفارابي من حيث أصل الفكرة وابن طفيل من حيث الأسلوب والمنهج، وهو في الأسلوب يذكرنا بأساليب علمائنا وأدبائنا في أوروبا مثل: توماس مور، وكامبانيلا وألدوس هكسلي».
إن جهود الشيخ الحكيم أهلته للدعوة للسلام العالمي من منطلقٍ إسلاميٍّ مبنيٍّ على تفهم واعٍ للعلوم العصرية، وقد أراد مشاركة مفكري العالم له في دعوته، فأرسل لهم كتاباته ليعلمهم بموقفه من مشكلات السلام العالمي. وقد رُشّح لجائزة نوبل للسلام وكان بذلك أول مصريٍّ يرشح لهذه الجائزة، وقد اهتمت الخارجيّة المصرية بهذا الترشيح، وقام الدكتور مصطفى مشرفة بفحص إنتاج الشيخ، لأنه من شروط التقدم لهذه الجائزة أن يكون المرشح من أساتذة الجامعة، وأن يرشحه أحد الوزراء أو أحد أعضاء البرلمان أو أستاذ جامعي، فتطوع الدكتور مشرفة عميد كلية العلوم والدكتور عبد الحميد سعيد عضو البرلمان والرئيس العام لجمعية الشبان المسلمين، وقد قامت الخارجية بإرسال مؤلفات الأستاذ إلى البرلمان النرويجي مع تقرير عن جهوده في سبيل العلم والسلام، وفي أثناء ذلك عاجل القدر الرجل في 12 يناير 1940م ليتوقف كلّ شيء، فالجائزة لا تعطى إلا لعبقري أدى خدمات للإنسانية وما زال على قيد الحياة.
الإنجازات العلمية العربية
وبعد أن تناول طنطاوي جوهري الفلسفة وفروعها، نجده في أكثر من موضعٍ يتناول الإنجازات العلمية العربية الإسلامية وعلى ما عثَر عليه في كتب أسلافنا، وظنّته أمم الفرنجة كشفاً حديثا. وحدد جوهري هذه الإنجازات العلمية في عدّة مسائل، نشير إليها بإيجاز قبل تناول ما كتبه عن نظرية التطور ومعرفة العرب بها:
المسألة الأولى التي أشر إليها هي مسألة الساعة الدقاقة التي يرجعها الغرب إلى جاليليو(1564 – 1642). فقد رأى جاليليو، كما جاء في قاموس لاروس، في كنيسة ببيزة، المصباح المعلق في قبة الكنيسة، يهتز ببطء، ولاحظ أن الهزات تتناقص في الاتساع مرة بعد مرة حافظة دائما لوقت واحد. فكان ذلك سببا في كشفه ناموس توازن هزات الرقاص. ورغم أن هذا هو الرأي السائد الآن في بلاد الشرق والغرب، فقد كذب هذا القول العلامة «سيديو» الفرنسي في كتابه تاريخ العرب، إذ أبان أن الحروب استمرت على الأمة المحمديّة أكثر من مائتي سنة، وانطفأت مصابيح العلم تقريباً إلا من مصر، فصارت مركزاً جديداً للاشتغال بالعلوم والفنون زمن الفاطميين، واشتهر أبو الحسن عباس بن أبي عبد الرحمن بن حمد المشهور بابن يونس بن عبد الأعلى، بأنه كان متصرفاً في سائر العلوم. فاخترع رقاص الساعة الدقاقة، ثم مات سنة 7001 ميلادية. معنى هذا كما يخبرنا طنطاوي جوهري أن جاليليو مسبوق به بستة قرون. يكمل جوهري نقلاً عن «سيديو» صفحة 215: «ولقد تعجب أهل طليطلة من ساعته الدقاقة وذلك في نحو نصف القرن الثاني عشر الميلادي». فكان اختراع «ابن يونس» لم يعرف في طليطلة إلا بعد مائة وخمسين سنة.
ويخبرنا طنطاوي جوهري بخصوص المسألة الثانية؛ مسألة دوران الأرض بذكر ما جاء فى قاموس لاروس من أن (كوبرنيكوس) فتح فتحاً جديداً للإنسانية وحرّك الأرض بعد سكونها وأيقظها من سنة الغفلة بعد نومها حتى يسرد لنا تاريخ مسألة الأرض بأوجز عبارة فيقول: إن فيثاغورس كان يُعلّم تلاميذه في إيطاليا على طريقة حركة الأرض قبل الميلاد بخمسمائة سنة حتى جاء بطليموس قبل الميلاد بمائة وأربعين سنة. فاختار القول بسكون الأرض وحركة الشمس ودورانها عليها، فاشتهرت في البلاد العربية الإسلامية خاصةً عند علماء الإسلام. كلّ ذلك جاء في كتاب العلامة عبدالله باشا فكري الناقل عن كتاب (أسرار الملك والملكوت وشرحه المرسوم بأفكار الجبروت) وهو باللغة التركية، ويواصل جوهري، ثم ظهر (كوبرنيكوس) الذي مهر في العلوم الرياضية من سنة 0051 إلى سنة 0351، فرجع إلى طريقة فيثاغورس. فظهر أن دوران الأرض حول الشمس هي القديمة وتسميتها الجديدة خطأ محض وجهل بتاريخ علم الهيئة. والطريقتان مذكورتان مستفيضتان في الكتب الإسلامية وقد ذكرهما العلامة (عضد الدين عبد الرحمن بن أحمد) المتوفي سنة 657 من الهجرة في كتابه المسمى (بالمواقف) وأورد على طريقة دوران الأرض إعتراضاتٍ ثلاثة. ثم كرّ على تلك الإعتراضات بالنقض والرد، وجرى معه على ذلك شارحه (السيد الشريف علي بن محمد الحرجاني) المتوفى سنة 618هـ في شرحه. وكان فراغه من تأليفه سنه 708هـ. ويورد له جوهري بعض ما قاله المصنف في متنه مع شارحه صفحة 471 على النحو التالي:
الحركة اليومية (حركة الشمس) لا توجد، إنما تُتخيل بسبب حركة الأرض، إذ يتبدل الوضع من الفلك دون أجزاء الأرض، فيُظن أنّ الأرض ساكنةٌ والمتحرك هو الفلك، بل ليس ثمة مطمئن وذلك كراكب السفينة: فإنّه يرى السفينة ساكنةً مع حركتها حيث لا يتبدل وضع جريها معه، وكذلك يرى القمر سائراً إلى الغيم حيث يسير الغيم إليه، وهذا كلّه من غلط الحس. فها هو ذا عضد الدين قبل كوبرنيكوس بنحو 081 سنة فيكون هذا كشفاً للأوروبيين، لأنهم كادوا يقتلون كوبرنيكوس وغاليليو الذي أتبعه لكفرهما في نظر علماء الدين كما هو معلوم، أما عضد الدين وأمثاله فكانت كتبهم تدرّس في الشرق.
ويتناول في المسألة الثالثة الجاذبية، حيث يزعم علماء الفرنجة أن الكاشف للجاذبية إنما هو إسحاق نيوتن الإنجليزى وأنه رأى ثمرةً سقطت من الشجرة على الأرض، فأخذ يفكر في الجاذبية. ويبيّن الشيخ الحكيم أن هذا البحث سبقه فيه علماؤنا بقرون. كما جاء في شرح العلامة محمد بن عمر الرازي المتوفي سنة 606 هجريّة على كتاب الإشارات لأبن سينا صفحة 711 الذي جاء فيه: (قال بن ثابت بن قرة أن المدرة تعود إلى الأسفل؛ لأن بينها وبين كلية الأرض مشبهة في كلّ الأعراض: أعني البرودة والكثافة والشيء ينجذب إلى الأعظم). وثابت بن قرة كان في أيام المطيع العباس المتوفي سنة 363 هجرية وقال الشارح في صفحة 612: (إنا إذا رمينا المدرة إلى فوق فإنها ترجع إلى الاسفل فعلمنا أن فيها قوّة تقتضي الحصول في السفل حتى إنا لما رميناها إلى فوق أعادتها تلك القوة إلى أسفل). وقد أطال ابن سينا وشارحه في هذا الموضوع، فظهر من هذا مسألةُ الجاذبية وسبق لها علماء الشرق بقرون عدة. فإن ثابت بن قرة سبق إسحق بن نيوتن بنحو ستة قرون والرازي سبقه بنحو ثلاثة قرون.
ومن العجيب أنني بعد ما سطرت هذا، يقول طنطاوي جوهري، قابلني صديقي عبد الحميد بك فهمي، فأراني كتاباً فرنسياً في تاريخ العرب ومغاربي إسبانيا، فترجم لي منه ما لفظه في صفحة 571 من الجزء الثاني لمؤلفه الشهير لويز فياردو: وأخذ العلامة (كيبلر) الشهير معلوماته عن إنكسار الضوء في الجو بعد  إطلاعه على ما ألفه (أبو الحسن علي بن سهل) المتوفي سنة 8301 ميلادية بمدينة القاهرة وهو شهير بما ألفه من الكتب في  الضوء وما كتبه عن الشفق وربما كان إسحق نيوتن نفسه مديناً للعرب بمعرفة المعلومات الأولية لمعظم العالم أكثر مما يدين لتفاحة قصره (ولسترد): إذ يظهر محمد بن موسى عندما كان يؤلف كتبه في حركة الأجرام السماوية وخواص الجذب كان أسبق منه إلى ولوج هذا الباب، فتكلم عن هذا القانون العظيم المستنبط منه ما سواه وقال في صفحة 402 من الجزء الثاني. ومن الغرابة بمكانٍ عظيمٍ أن نبحث في كثيرٍ من الأشياء المختلفة فنجد أن العرب كانوا نموذجاً للفرنجة في أوروبا.
ويذكر لنا العلامة الحكيم ثلاثة أنباء في الإكتشاف: نبأ عن علي باشا مبارك بنفسه، ونبآن عن أستاذه الشيخ حسن الطويل؟ أما النبأ الأول  فذلك هو الخاص ببحيرة فيكتوريا نيانزا، وذلك أن علي مبارك باشا ناظر المعارف العمومية، كان كثير العناية بطلبة دار العلوم، لأنه هو الذي أسس المدرسة، يقول: وبينما كنت جالساً في الفصل وقد كان يمتحنني أستاذي إسماعيل بك رأفت في الجغرافيا أخر السنة الأولى إذ دخل الوزير رحمه الله عليه، فسألني عن منبع النيل فقلت: بحيرة فيكتوريا نيانزا فقال: ألم يكشفها العرب؟ فقلت: كلا، قال بل كشفوها وعندي مساحتها بالحبة والدانق والقيراط في كتابٍ بخط اليد! فقلت: إذن لماذا يقال:"أن كاشفها الانجليز؟ فقال: أمرونا فكتبنا! 
أما النبأ الثاني فذلك رسم المنحنيات: قال لنا أستاذنا الشيخ الطويل: جلست مع وزير المعارف علي باشا مبارك فأخذ يذم القدماء من المهندسين المسلمين ويقول إن كتبهم عقيمةٌ سقيمة! فقلت: لماذا قال عندي رسالة في فنِّ رسم المنحنيات مخطوطةً باليد. ولمّا لم أفهمها جاءني رجلٌ فرنسيٌّ وأريتها إيّاه طلبها فأعطيتها إياه منذ عشر سنين، فأرسل اليوم هذا الكتاب الضخم في رسم المنحنيات بالفرنسيّة فقال: إن ما فيه هو مكبر ما في تلك الرسالة الصغيرة! فقال أستاذنا الطويل: ياباشا، كانوا يؤلفون للمهندسين!
أما النبأ الثالث فهو الكتابة بالفضة على الزجاج، وذلك أنّنا ونحن في السنة الأولى من سنين دار العلوم، هكذا يذكر طنطاوي جوهري، جاءنا رجلٌ أفرنجيّ وأخذ يحضّر عقاقيراً لإحداث أثار الفضة على الزجاج مدّعياً أنه الكاشف له. وحضرنا جميعاً عمليته. فلما كان اليوم الثاني أخبرنا أستاذنا الشيخ حسن الطويل أنه أخذ الشيخ (محمد) الإيباري والأستاذ أحمد الأزهري بك وأراهما ليلاً صاحباً له مصرياً يعرف هذه الصنعة عن أجداده، ووصف لهم العملية نفسها التي وصفها الإفرنجي وقال: إنه كان في زمن شبابه يكسب منها أكثر من هذا الزمان الذي كسدت فيه هذه الصناعة.
وعند ذلك قال لنا شيخنا في الدرس: كيف يأخذ هذا الرجل سبعين جنيها من الحكومة مكافأةً على عمله وهو مبطل فى دعواه؟ وكيف تنطلي تلك الحيلة على وزير المعارف؟ كيف يجهل وزير الصناعة في بلاده؟ وكيف يجهل ذلك ناظر المدرسة إبراهيم بك مصطفى وهو الذي أخذ الشهرة والبكوية بعلم الكيمياء؟) عن العددين 68-69 السنة الثانية من النشرة الاقتصادية المصرية بتاريخ 16-23 مايو 1922).
---------------------------------------------------------------
يعدّ طنطاوي جوهري من الشخصيات الجدليّة البارزة، ويعود ذلك لشخصيّته العلميّة المميّزة، التي تمعّنت وأتقنت مختلف العلوم، بل وأنتجت عدّة مؤلفات، ما جعله يحمل لقب  العالم والمفكّر والفيلسوف المصري.
 ولد طنطاوي جوهري عام 1862 بقرية عوض حجازي الواقعة بالمنوفيّة شمال العاصمة المصريّة، حيث حفظ القرآن الكريم في سنٍّ مبكّرة، ثم التحق بالأزهر عام 1877 وانتهل من علمائه العلوم العقليّة والنقليّة. وفي عام 1889 التحق بدار العلوم. وكان يجيد اللّغة الإنجليزية إلى جانب العربيّة.
 تقلّد طنطاوي عدّة وظائف ومسؤوليات، حيث اشتغل في التدريس في عدّة مدارس، ثم انتقل لتدريس التفسير بدار العلوم في سنة 1911، ثمّ عُيّن بالجامعة المصريّة كمحاضرٍ في الفلسفة الإسلاميّة، وتولّى رئاسة تحرير مجلّة "الإخوان المسلمين" عام 1933.
 أبرز ما يميّز التجربة الفكريّة والعلميّة لطنطاوي جوهري انتهاجه المنهج العلمي في تفسير القرآن الكريم، وتأثّره الفكري بجمال الدين الأفغاني وتلميذه محمد عبده، وقال في ذلك:" أما بعد فإني خلقت مغرماً بالعجائب الكونيّة، معجباً بالبدائع الطبيعيّة، مشوقاً إلى ما في السماء من جمالٍ وما في الأرض من بهاءٍ وكمالِ آيات بينات وغرائب باهرات، ثم إني لما تأمّلت الأمّة الإسلاميّة وتعاليمها الدينيّة ألفيتُ أكثر العقلاء وبعض جلّة العلماء عن تلك المعاني معرضين، وعن التدبّر فيها ساهين لاهين، فقليلٌ منهم من فكّر في خلق العوالم وما أودعت من الغرائب، فأخذت أؤلف لذلك كتابي". 
 لقد كان لهذا المفكّر المخضرم علميًّا نشاطاتٌ سياسيّةٌ ضدّ الاحتلال البريطاني، حيث أسس "الجمعيّة الجوهريّة" التي نشطت في بثّ الوعي القومي والثقافي بين الشباب. ومن خلال نشاطاته وكتاباته في مختلف الصّحف عُرف بأنّه داعيةُ إصلاحٍ وصحفيٌّ مميّز. كما أنّه اهتم شديد الاهتمام بالتصوّف الإسلامي والعناية بكتب الإمام الغزالي المهتمّة بنهوض علوم الدين، فيما أعطى حيّزاً كبيراً  من اهتمامه في الجانب العلمي للموسيقى العربيّة وربطها بالفكر الإسلامي، والاهتمام بعلوم الطبيعة وحياة الحيوان، والطب والفلك. إن هذا الإلمام الواسع في العلوم المختلفة جعل طنطاوي يبدع في كتابة تفسيرٍ علميّ يتألّف من 26 مجلداً تحت عنوان "الجواهر في تفسير القرآن الكريم" بل قام أيضاً بالتنظير لهذا المنهج العلمي الذي لطالما لاقى نقوداً من مختلف مدارس التفسير، حيث إنهم يعتبرون القرآن الكريم كتاب هدايةٍ لا كتاب علم، أما أما طنطاوي فيرى القرآن الكريم على أنّه سرّ العلوم، وأنّ الإنسان لا يستطيع أن يفهم القرآن حقّ الفهم ما لم يعرف العلوم الحديثة، وقام بالربط بين رسالة القرآن العلميّة والإعجاز، كما دعى لربط العلم الطبيعي بالدين لأجل نشر النهضة في بلاد الإسلام.
إن هذا المنهج الذي انتهجه طنطاوي جوهري جعل منه شخصيّةً جدليّةً بين أوساط العلماء، حيث اختلفت فيه الآراء فقال فيه عميد كليّة اللّغة العربيّة في باكستان محمد حسن الأعظمي :"لم تشتهر في الشرق شخصيّةٌ من المصريين كما اشتهر شيخنا العلاّمة طنطاوي جوهري... الشرقيّون يعتقدون أنّه المصريُّ الوحيد الذي عرَف الثقافة الدينيّة الحديثة أتمّ المعرفة". أمّا السيد قطب فقد انتقد منهجه التفسيري ورأى أنّه ارتكب أخطاءً منهجيّةً بسبب ربطه الحقائق القرآنيّة القاطعة المطلقة بحقائقٍ غير نهائيّةٍ.
 ومن مؤلفاته:  أين الإنسان، أحلام السياسة وكيف يتحقق السلام العام، جواهر العلوم، نهضة الأمم وحياتها، علاقة الإنسان بالحضارة، حياة العالم، التاج المرصّع بجواهر القرآن والعلوم، الجواهر في تفسير القرآن الكريم.
 رُشح عام 1939م  إلى الدوائر الغربيّة لنيل جائزة نوبل للسلام، رشّحه للجائزة الدكتورعلي مصطفى مشرفة بوصفه عميداً لكليّة العلوم والدكتور عبد الحميد سعيد عضو البرلمان والرئيس العام لجمعيّة الشبان المسلمين، وقامت وزارة الخارجية بإرسال مؤلفاته إلى البرلمان النرويجي مشفوعةً بتقريرٍ عن جهوده في سبيل العلم والسلام وشهادات علماء إنجلترا وفرنسا  وإيطاليا وألمانيا في قيمة هذه المؤلفات، لكن وفاة الشيخ "طنطاوي" حالت دون إتمام الأمر.
 توفي طنطاوي جوهري سنة 1940 بالقاهرة، بعد أن كان داعياً للسلام العالمي حيث أولى اهتماماً خاصاً بالسلام العالمي، ووضع نظريّةً في هذا المجال استمدّها من مفاهيم القرآن، وخلاصة رأيه فيها أن "سياسة الأمم إن لم يكن بناؤها على حسابٍ كحساب العلوم فإنّ النوع الإنساني سيحلّ به الدمار ولا يستحق البقاء". كما جعل علوم الرياضة والفلك والنبات والكيمياء والتشريح وعلم النفس وسيلةً توصل إلى حلّ مشكلة السلام العام، وله كتابان وجّههما إلى العالم في هذا الشأن هما: "أين الإنسان" وصاغه على هيئة روايةٍ سياسيّةٍ فلسفيّةٍ تناول فيها آراء عددٍ من الفلاسفة مثل "الفارابي" و"ابن طفيل" و"توماس مور"، وكتاب "أحلام في السياسة وكيف يتحقق السلام العام".