البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

رؤية ديكارت للإله؛ نقد الأُسس والمرتكزات الأنطولوجيّة

الباحث :  صالح حسن زاده
اسم المجلة :  الاستغراب
العدد :  24
السنة :  صيف 2021م / 1443هـ
تاريخ إضافة البحث :  October / 18 / 2021
عدد زيارات البحث :  25
تحميل  ( 474.909 KB )
تتناول هذه الدراسة الجانب الميتافيزيقيّ في منظومة ديكارت الفلسفيّة، حيث تضيء على المشكلات الأساسيّة في رؤيته للإله. يرى الباحث أنّ الله في رؤية رينيه ديكارت هو جوهر لامتناهٍ، سرمديّ، لا يقبل التغيير، قائم بالذات، عالم مطلق، وقادر مطلق، وخالق جميع الكائنات الأخرى. ولكنّ المشكلة أنّ الإله عنده ليس له شأن وجوديّ، وإنّما شأن معرفيّ، وبالتالي يكون شديد البُعد عن الإله الحقيقيّ. يذهب ديكارت إلى الاعتقاد بأنّ الله قد خلق العالم كما لو كان ماكينة عظيمة من الأجسام المتحرّكة، ثمّ ترك هذه الماكينة وشأنها لتواصل حركتها بنفسها، الأمر الذي جعله عرضة لانتقاد مخالفيه. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا. هل هو إله وجوديّ حقيقيّ؟ وهل يؤمن به ديكارت إيمانًا دينيًّا، أم هو بالنسبة له مجرّد ضامن للمعرفة اليقينيّة وتفسير العالم المنشود لديكارت بواسطة المنهج الميكانيكيّ والهندسيّ؟

«المحرِّر»
------------------------------
لا شكّ أنّ الفلسفة والَّلاهوت المسيحيّ هي من مصادر ومناشئ رؤية ديكارت حول الله، كما كانت رؤية الَّلاهوت المسيحيّ في العصور الوسطى بشأن الله مأخوذة بدورها من منشأين، هما: الكتاب المقدّس، والفلسفة اليونانيّة، حيث يتجلى شرح التفكير الفلسفيّ في الَّلاهوت المسيحيّ من خلال توظيف مصطلحات الفلسفة اليونانيّة ـ ولا سيّما فلسفتَيْ أفلاطون وأرسطو ـ في آثار الَّلاهوتييْن البارزَين (أوغسطين وتوما الأكويني)، بشكل واضح. كما تركت فلسفة هذين المفكّرين ـ بدورها ـ تأثيرها في آراء ديكارت وتصوّره عن الله أيضًا[2]. لقد سمحت يقينيّة الرياضيّات في مجموعة التحوّلات العلميّة، لديكارت بتحقيق وبحث كلّ ما يرِد على ذهنه بواسطة المنهج العلميّ/الرياضيّ الخاصّ[3]، وهذا منهج واضح في جميع أبحاثه، بما في ذلك طريقة استدلاله على وجود الله وإثبات الأمور الأخرى.

ومن ناحية أخرى، سبق لرينيه ديكارت أن قرأ الفلسفة الرسميّة المدرسيّة ـ لا سيّما بما يتطابق مع الَّلاهوت العقليّ لتوما ـ في مدرسة «اليسوعيّين». وقد كان ديكارت يرى صحّة بعض كلمات كبار الحكمة المدرسيّة ـ وإن بلحاظ المضمون والمحتوى في الحدّ الأدنى ـ ولم يكن يتردّد في تكرارها عند الحاجة وفي المواضع المناسبة، كما أنّه ـ بطبيعة الحال ـ لم يكن يعتبر هذا التكرار بمعنى الاقتباس؛ ومن ذلك أنّ طريقه من أجل الوصول إلى اليقين ـ على سبيل المثال ـ إذا لم يكن مقتبسأ من طريقة أوغسطين، فإنّه شديد الشبه بها، وحيث كان المنهج الرياضيّ والهندسيّ لرينيه ديكارت منهجًا متطابقًا مع البراهين العقليّة، فقد كان نظام فلسفته نظامًا عقليًّا بشكل كامل. ومن ناحية أخرى فقد كان ديكارت يعتبر نفسه مسيحيًّا مؤمنًا ومتمسّكًا بالأصول والعقائد المسيحيّة؛ ومن هنا كانت عقائد الدين المسيحيّ تهيمن على نظامه الفلسفيّ والَّلاهوتي، ونتيجة لذلك فإنّ ديكارت من خلال انتهاجه لطريقة الإيمان المعتدل، كان يفصل الأمور الدينيّة عن الأمور التي تقبل الإثبات العقليّ[4].

إنّه يصوّر الله ـ بزعمه ـ على نحو واضح ومميّز؛ ولكنّه يرى أنّ براهين الله يجب بيانها وترتيبها بشكل واضح، إذ يقول: «ليس في الفلسفة ما هو أنفع من مناقشة أفضل هذه الأدلة والبراهين لمرّة واحدة وإلى الأبد، وأن نعمل على بيانها بأسلوب واضح ودقيق، بحيث تكون منذ الآن وصاعدًا واضحة بالنسبة إلى الجميع، فلا يعود أحد يشكّك في صحّتها»[5]. فالله في رؤية رينيه ديكارت جوهر، لامتناهٍ، سرمديّ، لا يقبل التغيير، قائم بالذات، عالم مطلق، وقادر مطلق، وخالق جميع الكائنات الأخرى[6]. وقد ذكر صفات الله في كتابه «أصول الفلسفة» على النحو الآتي:

«من خلال التدبّر بشأن التصوّر المودع في فطرتنا عن الله؛ ندرك أنّ الله سرمديّ، عليم، قدير، مصدر كلّ خير، وخالق كلّ شيء، وهو باختصار واجد في ذاته لكلّ ما يمكن لنا أن نجد فيه كمالًا لا متناهيًا، ولا يتطرّق النقص إلى ذاته أبدًا»[7].

إنّ لله في المنظومة المعرفية لديكارت دورًا أساسيًّا ورئيسًا؛ وذلك لأنّ المعرفة اليقينيّة من وجهة نظر ديكارت، معرفة تتّصف بصفة «الوضوح» و»التمايز»، وهاتان الصفتان إنّما تتحقّقان من خلال معرفة الله[8]. وقد تحدّث ديكارت في نهاية الأصل الثالث عشر من القسم الأوّل من «أصول الفلسفة» ـ ضمن الإشارة إلى هذه المسألة ـ قائلًا: «لن يصل تفكيرنا إلى أيّ معرفة يقينيّة، قبل الوصول إلى معرفة خالقنا»[9].

وعلى هذا الأساس فإنّ رينيه ديكارت في سياق الحصول على اليقين العلميّ بشأن إثبات وجود الله، يلجأ إلى أدلة فلسفيّة على طريقته الخاصّة، ولا يعتمد على الأدلّة الكلاميّة، على نحو ما يعتقده المسيحيّون، ومن هنا يمكن لنا أن ندرك أنّ الله في فلسفة ديكارت ليس له شأن وجوديّ، وإنّما يقتصر شأنه على الشأن المعرفيّ فقط. ويرى بعض الباحثين أنّ ماهيّة الإله الديكارتيّ بشكل رئيس قد تمّ تحديدها وتعيينها بما ينسجم مع وظيفته ومهمّته الفلسفيّة (خلق وإبقاء العالم الميكانيكيّ العلميّ) على نحو ما يتصوّره ديكارت نفسه[10].
سوف نثبت في هذه المقالة أنّ رينيه ديكارت وإن لم يكن منكرًا لله، ولكنّه مع ذلك فيلسوف إنسويّ، حيث يعمد إلى تعريف الله في ضوء الذهنيّة البشريّة، ومن هنا كان ينطلق ـ في الاتجاه الاستدلاليّ لإثبات الذات اللامتناهية ـ من النفسانيّة الفرديّة المتناهية، كما لم يتمكّن رينيه ديكارت ـ بسبب استناده إلى الكلام والَّلاهوت الطبيعيّ والعقلانيّ ـ من بيان ذات الله وصفاته بشكل صحيح، وبالتالي فإنّ الإله الذي توصّل إليه ديكارت يختلف عن الإله الحقيقيّ والعينيّ إلى حدّ كبير؛ فقد تنزّل هذا الإله عن مقامه المتعالي، وقد تمّ تصويره لمجرّد ضمان صحّة نظريّات ديكارت بشأن العالم لا أكثر، ومن هنا فقد استدعى هذا التوجّه ردود فعل قويّة.

الله في فلسفة ديكارت
إنّ من بين هذه المفاهيم الواضحة والمتمايزة في فكر ديكارت؛ تصوّر مفهوم الإله الذي هو أمر فطريّ، إنّ وجود الله يثبت من طريق الإدراك الواضح لتصوّر الله[11]. والله من وجهة نظر ديكارت إنّما يُعرف ويتمّ فهمه من خلال مشاركة الذهن البشريّ ونشاطه في حقل المفاهيم؛ إذ يقول: «إنّ وجود الله يثبت من طريق تصوّر أكمل كائن يجده الإنسان في تفكيره»[12].

يعمد ديكارت إلى بيان الله من أجل الحصول على العلم اليقينيّ ونبذ المعرفة الاحتماليّة؛ بمعنى أنّه يبدأ من التفكير ليصل إلى الموجود. إنه ينطلق أولًا من بحث مفهوم الله، وبعد أن يدرك أنّ هذا المفهوم واضح ومتمايز ولامتناه، يحكم عندها بأنّ هذا المفهوم يجب أن يكون موجودًا في الخارج[13]، ومن هنا فإنّ الإدراك الذهني ّلله يكون متقدّمًا بشكل ذاتيّ على التصديق بوجوده؛ ومن ناحية أخرى، فإنّ ديكارت يرى أنّ الله جوهر كامل ومحض، كما أنّه لامتناهٍ ويتّصف بجميع الكمالات الممكنة[14].

يقول ديكارت في التأمّل الثالث: لطرد الشكّ بشكل كامل، يجب أن أعمل في الأمور اليقينيّة على التحقيق بمجرّد أن تتوفّر الفرصة إلى ذلك وأقول: هل هناك من إله حقًّا، وإذا كان موجودًا أحقّق ثانية وأتساءل: هل يمكن لهذا الإله الموجود أن يكون مخادعًا؛ إذ ما لم يتّضح هذان الأمران، لا أظنّ أنّه سيكون بمقدوري الوصول إلى اليقين أبدًا[15]. كما أشار ديكارت في نهاية الفصل الثالث عشر من القسم الأول من «أصول الفلسفة» إلى هذه المسألة، وقال: إنّ عقولنا لا تستطيع الحصول على أيّ معرفة قبل الوصول إلى خالقها[16].

يطلق ديكارت مصطلح «الجوهر» على الله[17]، ويقول في تفسير هذا المدّعى: لا شكّ في أنّ المفاهيم التي تحكي عن الجوهر، هي شيء أكبر؛ وبعبارة أخرى: تحتوي على المزيد من الواقعيّة الذهنيّة؛ أي أنّها بواسطة الحكاية تشتمل على مرتبة أعلى من الوجود أو الكمال، مقارنة بتلك المفاهيم التي تحكي عن مجرّد الحالات أو الأعراض فقط[18].
إن إطلاق الجوهر على الله وتعريفه لا يتماهى مع الفلسفة المسيحيّة، تقدّم التعريف على الإثبات، يعني تقدّم الماهية على الوجود؛ في حين أنّ الفلسفة المدرسيّة ـ ولا سيّما فلسفة توما ـ تخضع لتأثير نظريّة الخلق الوجوديّ، وقد كانت فلسفة الوجود والإله الوجوديّ في العصور الوسطى تحظى بالاهتمام الكبير في ظلّ غلبة التفكير المسيحيّ والمدافعين عنه من أمثال أوغسطين وتوما. وقد ابتعد ديكارت عن هذا المنهج الفكريّ من خلال إطلاقه الجوهر على الله، كما لا يُطلق الجوهر على الله في الفلسفة الإسلاميّة أيضًا؛ وذلك لأنّ تقسيم الأمور إلى الجوهر والعرَض هو من شؤون الماهيّة؛ في حين أنّ الله وجود بحت وبسيط؛ فالله ليس بجوهر ولا عرَض.

يذهب ديكارت في الصفات المذكورة إلى التأكيد على مفهوم (اللامتناهي) كثيرًا؛[19] إذ هو متّهم بأنّه قد جعل تصوّر الله ـ الذي يراه بنفسه من نوع التصوّرات الفطريّة ـ وسعى إلى إثبات أنّ الله بوصفه لامتناهيًا، ليس من جعل ذهنه المتناهي.
ينفصل ديكارت من خلال إطلاق الجوهر على الله، والتوسّل بإثباته لنيل العلم والمعرفة عن الله الوجوديّ؛ أي الإله المذكور في الفكر المسيحيّ؛ ولا شكّ في أنّ الله الذي يؤمن به ديكارت هو ذات الإله في المسيحيّة، بيد أنّ ديكارت إنّما كان يتعامل مع نظام الاكتشاف والإثبات، دون نظام الوجود والثبوت. الله هو المتقدّم في نظام الوجود، وأمّا في فكر ديكارت، فيكون التقدّم للنفس المتناهية، ومن هنا فإنّ ديكارت يضطرّ إلى إثبات النفس أوّلًا، ثم يثبت الله في مرحلة لاحقة، وهكذا فإنّ الله في النظام الفلسفيّ لديكارت منتسب إلى فكر الإنسان؛ سواء أكان من حيث كون فكر الإنسان هو المبدأ في إثبات وجود الله، أم من حيث أنّ الله مطروح في الرؤية الإبستمولوجيّة دون الرؤية الأنطولوجيّة، وقد ذكر ديكارت ثلاثة براهين على إثبات وجود الله، وهي: البرهان الوجوديّ (بتقريرين)، وبرهان التجارة أو برهان الأمارة.

بيان ديكارت وتقريره للبرهان الوجوديّ
المبدع الأوّل لهذا البرهان في التفكير الفلسفيّ المسيحيّ هو سانت أوغسطين[20]، ولكن بما أنّ آنسلم تداوله في تاريخ الفلسفة، فقد ارتبط هذا البرهان باسمه[21]. لقد تجلّى هذا البرهان منذ العصور الوسطى فصاعدًا، وتمّ تفسيره والاستفادة منه وتوظيفه على أشكال متنوّعة[22]، ويعدّ هذا البرهان الوجوديّ من بين أكثر البراهين إثارة للبحث والجدل، فقد كتب كلّ من المخالفين والموافقين عن هذا البرهان بصخب. لقد ذكر آنسلم هذا البرهان في كتاب (بروسلوغيون)[23] مع أجوبته على اعتراضات غونيلو وهو من المنتقدين المعاصرين له[24].

إنّ آراء العلماء حول هذا البرهان مختلفة للغاية، فبينما ذهب بعضهم إلى اعتباره فاقدًا للاعتبار والقيمة، وأنّه مجرّد تلاعب بالألفاظ، ذهب بعضهم الآخر إلى الإشادة والثناء على آنسلم بسببه[25]. وقد قام ديكارت بإعادته بأسلوب جديد، وعمل على توظيفه في إثبات عقائده الفلسفيّة، وقد حظي تقرير ديكارت للبرهان الوجوديّ ـ بسبب طريقة بيان الموضوع وللأسباب السياسيّة الخاصّة بعصر النهضة ـ باهتمام من قبل المفكّرين على نطاق واسع. لقد ذكر ديكارت نقطة[26] تدور حولها كثير من الأبحاث الجديدة في حقل البرهان الوجوديّ؛ وهي أنّ الوجود بالنسبة إلى الله خصّيصة ذاتيّة؛ بمعنى أنّ الله من دون هذه الخصّيصة الذاتيّة (الوجود) لا يمكن أن يكون إلهًا؛ كما لا يمكن للمثلّث أن يكون مثلّثًا بعد تجريده من خاصّيّته الذاتيّة.

لقد قدّم ديكارت تقريرين عن البرهان الوجوديّ؛ التقرير الأوّل يقوم على أساس الاستفادة من مفهوم «الموجود الكامل مطلقًا» الذي يستلزم وجوده، ويقول ديكارت في هذا الشأن: «لا أجد مفهوم الوجود الكامل المطلق في ذهني أقلّ من مفهوم أيّ شكل أو عدد على نحو القطع واليقين، وعلى هذا الأساس فإنّ اليقين بوجود الله في ذهني يجب أن يكون ـ في الحدّ الأدنى ـ على مستوى يقيني بالحقائق الرياضيّة»[27].

وأمّا في التقرير الثاني فقد أثبت ديكارت ضرورة الوجود لذات الله (وجوب الوجود):
عندما أفكر في الله بدقّة أكبر، أرى بوضوح أنّ الوجود لا ينفكّ عن ماهيّة الله، كما لا ينفكّ مجموع زوايا المثلّث بزاويتين قائمتين عن ماهيّة المثلّث؛ لا يمكن للذهن أن يتصوّر إلهًا فاقدًا للوجود، تمامًا كما لا يمكن له أن يتصوّر جبلًا دون سفح[28].
وعلى هذا الأساس فإنّ ديكارت يُدخل مفهوم «الموجود الكامل بالمطلق» في برهانه الوجوديّ، وهذا الأمر هو الذي تسبّب بتحريك وإثارة كثير من الأبحاث بعد القرن السابع عشر للميلاد حول البرهان الوجوديّ.

نقد البرهان الوجوديّ لديكارت
إنّ البرهان الوجوديّ لديكارت في إثبات وجود الله ليس جديدًا، وقد اقتبس في الغالب من الفلسفة المدرسيّة، ولا سيّما من آنسلم. وتكمن جاذبيّة بيان ديكارت لهذا البرهان في أنّه يعمل على تفسير وبيان رؤيته الميكانيكيّة والهندسيّة للعالم من خلال اللجوء إلى إثبات وجود الله.

لقد واجهت تقارير ديكارت للبرهان الوجوديّ منذ البداية مخالفة من قبل منتقديه المعاصرين له، من أمثال كاتروس[29] قس ألكمار[30]، وبيير غاسندي؛ بيد أنّ الانتقاد الجادّ هو الذي أورد عليه من قبل إيمانوئيل كانط. وفيما يلي ننقل انتقادات هؤلاء المفكرين الثلاثة. وأمّا البحث والمناقشة الأوسع بشأن هذه الانتقادات ـ وهي كثيرة، فيحتاج إلى مجال آخر.
لقد ذهب كاتروس ـ في مواجهة ديكارت ـ إلى الاعتقاد[31] بأنّ البرهان الوجوديّ إنّما يثبت الوجود الذهنيّ ـ وليس الوجود الحقيقيّ ـ لله. يضاف إلى ذلك أنّه يدّعي[32] أنّ الألفاظ المركّبة من قبيل «الأسد موجود»، إنّما تكون ضروريّة من الناحية الذهنيّة، بشرط أن يكون التركيب باقيًا، إلّا أنّ هذا الأمر لا يُثبت أنّ مثل هذا الأسد يجب أن يكون موجودًا. وأنّ الفرد لكي يُقرّ بوجود الأسد، يجب عليه أن ينظر في الأسد بالتجربة لا بالمفهوم الضروريّ.
كما جادل بيير غاسندي الشكّاك في البرهان الوجوديّ لديكارت، قائلًا: إنّ ديكارت قد خلط الوجود بالصفة، وقد جاءت بعض اعتراضات غاسندي على النحو الآتي[33]:

ـ إنّ الوجود ليس صفة، لا بالنسبة إلى الله، ولا بالنسبة إلى المثلّث.
ـ إنّ نسبة الله والمثلّث إلى الوجود واحدة؛ فالله لا يحتاج إلى الوجود بشكل أكبر من حاجة المثلّث إلى الوجود؛ لأنّ ذات كلّ واحد منهما يمكن تصوّرها بمعزل عن وجودهما.
أمّا الإشكال الأوّل لكانط فهو: إنّ الانتقال من عالم التصوّر ـ أي المستوى المنطقيّ ـ إلى عالم الحقيقة والوجود العينيّ فاقد للشرائط اللازمة والمطلوبة، فلا يمكن أن نستنتج الوجود الخارجيّ لله، من خلال القول: (إنّ الله وجود كامل مطلق، أو القول إنّه موجود لا يمكن تصوّر ما هو أكبر منه).
الإشكال الثاني لكانط هو أنّ الوجود ليس محمولًا حقيقيًّا أو صفة إيجابيّة. وإنّ الوجود لا يمكن أن يكون واحدًا من خصوصيّات مفهوم الله؛ لأنّه لا يضيف شيئًا إلى مفهوم الموضوع[34].
وبطبيعة الحال ترِد بعض الإشكالات على هذا النقد من قبل كانط، ولكن لا يتّسع هذا المقام إلى بيانها[35].
ونكتفي هنا بالإشارة إلى أنّ مناشئ الإشكالات التي أوردها إيمانوئيل كانط على البرهان الوجوديّ هي الملاكات التجريبيّة، ومن هنا فإنّ أغلبها غير وجيه، وبطبيعة الحال لسنا هنا بصدد تعزيز أسس البرهان الوجوديّ وأركانه، وإنّما المراد هو عدم اعتبار أغلب هذه الإشكالات.

برهان العلامة التجاريّة
لدى ديكارت برهان آخر على إثبات وجود الله، وهو (برهان التجارة) أو (برهان العلامة التجاريّة)، وقد تمّ بيان هذا البرهان في كتاب التأمّلات على النحو الآتي[36]:
هناك ذات كاملة موجودة على نحو الضرورة، وهي مشتملة على جميع الكمالات المندرجة في مفهوم الذات الكاملة، من التعالي والسرمديّة وعدم التناهي والعلم المطلق والقدرة المطلقة والخالقة لجميع الممكنات، وهذه الذات بالضرورة هي الله.
وعليه فإنّ مفهوم الكمال المطلق يعتبر ـ من وجهة نظر ديكارت ـ مساويًا لمفهوم الله، والله في أذهاننا بمنزلة الواقعيّة العينيّة التي لا يمكن تصوّر أيّ علّة لوجوده، سوى الإله الموجود حقًا، والذي طُمغ مفهومه في فطرتنا كما يقوم الصانع بوضع بصمته وعلامته التجاريّة على صناعته؛ لتكون علامة دالّة عليه. يقول ديكارت في التأمّل الثالث: «لا ينبغي التعجّب قطعًا من أنّ الله عندما خلقني، قد أودع في فطرتي هذا المفهوم ليكون بمثابة العلامة التي يضعه الصانع على صناعته»[37].

نقد برهان العلامة التجاريّة
إنّ من أهمّ الاعتراضات على ديكارت في هذا الخصوص هو تطابق المفاهيم الفطريّة مع متعلّقاتها الخارجيّة. يذهب كلٌّ من كاتروس وغاسندي إلى الاعتقاد بأنّ مفهوم الله وصفاته والمفاهيم الأخرى ـ التي يدّعي ديكارت فطريّتها ـ ليست فطريّة، فهذه المفاهيم ناشئة من عوامل وأسباب أخرى، وذهن الإنسان قد صاغها من خلال التصرّف في سائر المفاهيم[38].

يقول جان لوك: «لا وجود للأصول الفطريّة في الذهن»[39]. وقال في الجواب عن الاستدلال القائل: إنّ «الاتفاق العام» يعتبر دليلًا على وجود الأصول الفطريّة: «إنّ الاتفاق العام لا يُثبت فطريّة شيء ما»[40].
وقال ديفيد هيوم تبعًا لجان لوك ومتأثّرًا به: «ليس لدينا تصوّرات فطريّة أصلًا، وليس لدينا سوى تصوّرات حصلنا عليها بتأثير من تجاربنا»[41].

إنّ فطريّة المفاهيم ـ بالمعنى الديكارتيّ ـ غير قابلة للإثبات. ويذهب ديكارت إلى الاعتقاد بأنّ طبيعة الذهن تقتضي أن تكون جميع مفاهيمنا فطريّة،؛ ولكن أيّ مفاهيم؟ هل المراد هو المبادئ العامّة للمعرفة الإنسانيّة من قبيل: أصول «الهوهويّة» و»عدم التناقض»؟ فإذا كان كذلك، فلماذا يغادر الأطفال والبُله وحتى الكثير من الناس العاديين هذه الدنيا، دون أن يكتشفوا هذه المبادئ»[42].
لقد استفاد ديكارت في «برهان العلامة التجاريّة» من أصل العلّيّة، ولا سيّما أصل التكافؤ العلّيّ والعلّيّة الفاعليّة، وفي هذا الخصوص تمّ إيراد بعض الاعتراضات على رؤية ديكارت أيضًا، فقال مرسن وغاسندي في اعتراضاتهما حول نفي التكافؤ العلّيّ:

أوّلًا: إنّ هذا الأصل لا يجري إلّا في العلّيّة المادّيّة.
ثانيًا: إنّ العلّة الفاعليّة الخارجيّة والمعلول من طبيعتين مختلفتين.
ثالثًا: ليس من الضروريّ أن تكون العلّة المعطية للكمال مالكة لذلك الكمال والواقعيّة، بل يمكن أن تكون قد أخذتها من موضع آخر.
رابعًا: حتى لو لم تكن تلك الذات المتعالية موجودة، أو لم نكن نعلم بوجودها، مع ذلك هناك أرضيات كافية لتصوير تلك المفاهيم وبلورتها في أذهاننا[43].

وقال رينيه ديكارت في الجواب عن اعتراض غاسندي: إنّه قد أخطأ في إرجاع أصل كمال العلّة والمعلول إلى العلّيّة المادّيّة، حيث إنّ مراد ديكارت هو العلّة الفاعليّة بالمعنى الخاصّ الذي لا يمكن قياسه بالعلّة الفاعليّة، وعلى الرغم من أن جواب ديكارت يبدو قويًّا، ولكنّه لا يمكن أن يكون صحيحًا؛ إذ لا يزال يعاني من الخلط بين المفهوم والمصداق.
الضعف الآخر الذي يعاني منه استدلال ديكارت في برهانه أنّه يدّعي بعض الصفات لله دون أن يثبتها؛ في حين أنّ صفات الله بحاجة إلى إثبات أيضًا. وعلى كلّ حال، فإنّ مبنى برهان ديكارت (فطريّة مفهوم الله) موضع إشكال، ونتيجة لذلك فإنّه لم يكن موفّقًا في إثبات الله بالأوصاف التي يدّعيها له. ويستفيد ديكارت في نسبة هذه الصفات إلى الله من منهجه الفلسفيّ (امتلاك الإدراك الواضح والمميّز لكلّ أمر)؛ ولكنّه على الرغم من ذلك يواجه بعض المشاكل الفلسفيّة في فهم حقيقة الله، فديكارت عاجز عن بيان ذات الله، وبالتالي فإنّه لا يعتبر الذات اللامتناهية لله قابلة للإدراك.

إنّ الإشكال الآخر الذي يرِد على ديكارت في إثبات وجود الله، هو وقوعه في الدور الباطل في الاستدلال؛ وذلك لوجوب الاستفادة من المقدّمات الواضحة والمُحدّدة، في حين أنّ صحّة وحقيقة الإدراك الواضح والمحدّد يتوقّف على إثبات وجود الله.

إلهيّات ديكارت في ضوء تقويم الفلاسفة الإسلاميّين
على الرغم من أن الغرب كان سبّاقًا في تفصيل برهان الوجود، إلّا أنّه لم يتمّ التعاطي معه بجديّة بين أوساط المفكّرين المسلمين، ومع ذلك ثمّة من عمل على تقويمه. يقول آية الله جوادي آملي: (إنّ إنكار الوجود الذي لا يمكن تصوّر ما هو أكبر منه، لن يستلزم التناقض في الخارج؛ وذلك لأنّ هذا العنوان بالحمل الذاتيّ الأوليّ أكبر، وبالحمل الشائع الصناعيّ ليس أكبر)[44]. أمّا الإشكال الآخر الذي يرِد على مقترح آنسلم (وديكارت) من وجهة نظر الأستاذ جوادي آملي، فهو أنّه ليس عاجزًا عن إثبات الضرورة الأزليّة فحسب، بل وهو عاجز عن تثبيت الضرورة الذاتيّة أيضًا[45].

يذهب الأستاذ الشيخ مرتضى المطهّري إلى القول إنّ البرهان الوجوديّ بسبب فصل ذات الأشياء عن الوجود، وفرض عروض الوجود على ذات الموجود من قبل، ضعيف وفاقد للاعتبار[46]، ويأتي المزيد من التأكيد من قبل الأستاذ الشيخ المطهّري حيث يقول: إنّ برهان آنسلم لإثبات وجود الله غير مناسب، ولا يرقى إلى مستوى برهان الصدّيقين لصدر المتألّهين. والنتيجة هي أنّ البرهان الوجوديّ دليل مبهم وغير معتبر، ويقوم على مغالطة من نوع مغالطة الخلط بين مفهوم الوجود ومصداقه.

وقد ذهب العلّامة محّمد تقي الجعفريّ ـ بعد بحث تفصيليّ مطوّل، واستبدال كلمة (الوجوديّ) في عنوان البرهان بكلمة (الوجوبيّ) ـ إلى تأييد هذا البرهان، وعمد إلى الإجابة عن الإشكالات والاعتراضات الواردة عليه، أو قام بتأويلها[47].
وقد عمد بعض أصحاب المعرفة ـ ومن بينهم الحكيم المتألّه الآغا محمد رضا قمشئي في حاشيته على كتاب (تمهيد القواعد)، وبعض المفكّرين الإسلاميّين المعاصرين[48] ـ إلى إقامة البرهان على إثبات وجود الله، على طريقة وأسلوب استدلال آنسلم، بيد أنّ هذه المقالة لا تتّسع لبحثها ومناقشتها.

الإشكال الآخر الذي يرِد على ديكارت أنّه يصوّر لله منشأً ذهنيًّا داخليًّا، في حين يذهب العلّامة الطباطبائيّ إلى أنّ الله هو عين الوجود الخارجيّ الذي لا يمكن للذهن أن يتّسع له: (إنّ ذاته ـ سبحانه وتعالى ـ هي الهويّة الحقيقيّة الخارجيّة، حيث يكون بها قوام وظهور كلّ هويّة أخرى في الخارج)[49]، فليس الذهن هو الذي اجترح مفهوم الله؛ بل الله هو عين التحقّق الخارجيّ.
النقطة الأخرى هي أنّ أسلوب ديكارت في معرفة الله، هي الاعتماد على المعرفة العقليّة، وهي محدودة للغاية؛ بمعنى أنّ العقل بالنظر إلى إحساس التصوّر الواضح والمتميّز، يتّجه إلى معرفة الله؛ في حين أنّ الفلسفة الإسلامّية ترى أنّ المعارف الشهوديّة والوحيانيّة ضروريّة أيضًا في إدراك حقيقة الوجود، وعليه فإنّ معرفة الله في الحكمة والفلسفة الإسلاميّة بالإضافة إلى المعرفة العقليّة، تكمن في معرفة الله الفطريّة والدينيّة، وهذه أغنى وتخلو من الإشكال[50].

كما أنّ الواقعيّة في الفلسفة الإسلاميّة ـ بخلاف ديكارت ـ متقدّمة على العلم التصوريّ؛ بمعنى أنّ العالم الخارجيّ يتقدّم على التصوّر العلميّ؛ ومن هنا تكون العلوم تابعة أبدًا للحقائق العينيّة: (إنّ معنى التدبير التعقّليّ عندنا هو أنّ نطبّق أفعالنا الصادرة منّا على ما تقتضيه القوانين العقليّة الحافظة لتلائم أجزاء الفعل وانسياقه إلى غايته، وهذه القوانين العقليّة مأخوذة من الحقائق الخارجيّة والنظام الجاري فيها الحاكم عليها، فأفعالنا التعقّليّة تابعة للقوانين العقليّة، وهي تابعة للنظام الخارجيّ لكنّ الربّ المدبّر للكون فعله نفس النظام الخارجيّ المتبوع للقوانين العقليّة، فمن المحال أن يكون فعله تابعًا للقوانين العقليّة)[51]. وإن قوله تعالى: فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ[52]، ينزّه الله سبحانه وتعالى عن التوصيف والتعريف، في حين أنّ ديكارت يعمد إلى تعريف الله من خلال إطلاق صفة الجوهر عليه.

إنّ إطلاق الجوهر على الله ممتنع في الفلسفة الإسلاميّة؛ وذلك لأنّ تقسيم الموجود إلى الجوهر والعرَض إنّما يتعلّق بالماهيّة، في حين أنّ الله وجود بسيط. ويذهب ديكارت إلى أنّ الله منشأ الوجود كما هو منشأ الماهيّة أيضًا، في حين أنّ الحاج الملّا هادي السبزواري يرى أنّ هذا القول (القول بأصالة الماهيّة والوجود)، يستلزم الخروج عن توحيد الحقّ تعالى[53].

لإله ديكارت شأن معرفيّ (إبستمولوجيّ)، في حين أنّ للإله في الحكمة الإسلاميّة شأنًا وجوديًّا (أنطولوجيًّا)، وذات الحقّ تعالى وجود بلا حدّ ولا أمد، فهو لا متناهٍ ووجود مطلق وذاتيّ غير محدود، ووجود كلّ شيء مرتبط بوجوده؛ فهو عين الواقعية والتحقّق الخارجيّ[54].

الله في الحكمة الإسلاميّة فاعل مستقلّ ومبدأ لجميع الموجودات ومنشأ وعلّة لتحقّق الوجود؛ فهو علّة جميع العلل المنتهية إليه[55]، في حين أنّ إله ديكارت معلول للعقل والذهن الجزئيّ، وليس له أيّ خلّاقيّة أو فاعليّة بالنسبة إلى الوجود، وعلى هذا الأساس فإنّ الوجود ليس معقولًا ولا يقبل التفسير طبقًا لإله ديكارت؛ حيث يُعطي الاستقلال إلى ذات (الأنا المدرِكة)، ويجعلها أساسًا لفهم العالم وإيجاده؛ بمعنى أنّه يغيّر موضع المستقلّ والمطلق ويحلّه محلّ المحدود والتابع.

صنع الله تعالى في العالم
يرى ديكارت أنّ الحركة المكانيّة هي وحدها التي يمكن تصوّرها، والحركة في العُرف العام، عبارة عن: (عمل ينتقل به الجسم من مكان إلى مكان آخر)[56]. والحركة بالمعنى الأخصّ، عبارة عن: (انتقال جزء من المادّة أو الجسم من مجاورة الأجسام التي تكون على تماس مباشر معه، ونحن نعتبره في حالة من السكون بالمقارنة إلى مجاورته للأجسام الأخرى)[57].
وقد تحدّث ديكارت ـ في التحقيق بشأن منشأ الحركة ـ عن الفاعليّة الإلهيّة؛ لأنّ الله هو العلّة الأولى للحركة في العالم؛ وبالإضافة إلى ذلك فإنّه يحتفظ بمقدار ثابت من الحركة في العالم، بحيث إنّه على الرغم من تحقّق النقل والانتقال في الحركة، يبقى المقدار العامّ والكلّيّ منها ثابتًا: (أرى بوضوح أنّ الله وحده هو القادر ـ بما لديه من قوّة تامّة ـ على خلق المادّة بتحريك وسكون أجزائها، وإنّه يعمل الآن بمشيئته البالغة في العالم على حفظ هذا المقدار من الحركة والسكون الذي أوجده عند خلقها؛ إذ على الرغم من أنّ الحركة مجرّد حالة من أحوال المادّة المتحرّكة، ولكن مع ذلك فإنّ المادّة تحتفظ بمقدار خاصّ من الحركة التي لا تقبل الزيادة والنقصان أبدًا، ولو أنّها في بعض أجزائها قد تزيد الحركة أحيانًا وتقلّ في أحيان أخرى)[58]. وعلى حدّ تعبير ديكارت[59] فإنّ الله منذ البداية قد مدّ الأشياء بالحركة، وجعل مقدارها ـ بتوفيقه العام ـ ثابتًا في العالم.

إنّ مفاد الكلام أعلاه، أنّ الله قد خلق العالم بمقدار معيّن من الطاقة والقوّة، وأنّ مجموع مقدار الطاقة والقوّة في العالم ثابت؛ فالعالم ـ في رؤية ديكارت ـ منذ بداية الخلق لم يكن سوى ماكنة عظيمة، ولا يحدث فيه أيّ شيء جديد، ويبقى كلّ شيء ثابتًا، ويسير في حركته وامتداده ويواصل ذلك على طبق الأصول. يسعى ديكارت إلى استخراج بقاء مقدار الحركة من المقدّمات ما بعد الطبيعيّة، أي من ملاحظة الكمالات الإلهيّة:

«لا تقتصر كمالات الله على عدم حدوث التغيّر في ذاته، بل كذلك في أنّ فعله بحيث أنّه لا يغيّره أبدًا. لقد أظهر الله جميع التغييرات إمّا في العالم أو من طريق الوحي، وعلينا أن لا نفترض تغييرات أخرى في آثاره. يلزم من هذا البيان أنّ الله عند خلق العالم عمد إلى تحريك أجزاء مادّته بطرق مختلفة، وحيث إنّه يحفظ جميع الأجزاء على نسق واحد، وفق القوانين ذاتها التي أجبرها على رعايتها عند خلقها، فإنّه يحتفظ في المادّة على الدوام بمقدار ثابت من الحركة»[60].

كما يمكن ـ بزعم ديكارت ـ استنتاج القوانين الجوهريّة في الحركة من المقدّمات ما بعد الطبيعيّة: «من خلال هذه الواقعيّة القائلة إنّ الله لا يخضع للتغيّر والتبدّل أبدًا، ويقوم عمله أبدًا على نسق واحد، نحن لا نستطيع الحصول على معرفة بعض القواعد التي أطلق عليها شخصيًّا تسمية القوانين الطبيعيّة»[61].

نقدر رؤية ديكارت في بيان صنع الله في العالم
تعبّر المطالب المتقدّمة بأجمعها عن تصوّر «ربوبيّ»[62] عن العالم، يقول إنّ الله قد خلق العالم على شكل جهاز عظيم من الأجسام المتحرّكة، ثمّ تركه وشأنه، ليواصل حركته بنفسه. وهذا في الحقيقة هو ذات التصوير الذي انتقده باسكال بقوله: «لا نستطيع أن نغفر لديكارت فعلته؛ فإنّه قد سعى في جميع فلسفته إلى المرور بالله مرور الكرام، ولكن لم يكن له بدّ في نهاية المطاف من إجبار الله على تحريك العالم بكبسة زرّ، وبعد ذلك لم يعد له شأن بالله»[63].

ربما كان هذا الفهم القائل بأنّ إله ديكارت هو علّة الحركات الابتدائيّة، وأنّ العالم بإمكانه بعد ذلك مواصلة حركته دون حاجة إلى تدخّل من الله، واعتراض باسكال عليه بأنّه يريد بذلك إقالة الله، صحيح من جهة، ولكنه لا يصحّ من جهة أخرى؛ وذلك أنّ الله ـ طبقًا لنظريّة ديكارت في باب انفصال آنات الزمان[64] ـ بالإضافة إلى خلق العالم، يعتبر مبقيًا للوجود أيضًا: «... إنّ الجوهر يحتاج في بقائه في كلّ آن من آنات دوامه، إلى ذات القدرة وذات الفعل الذي يحتاج إليه ضرورة في صدوره وصيرورته المتجدّدة»[65].
وقال ديكارت في موضع آخر: (إنّ مجرّد تواصل حياتها يكفي دليلًا على إثبات وجود الله)[66]. بيان هذه العبارة: أنّنا إذا نظرنا إلى طبيعة الزمان أو مسار حياتنا، فسوف ندرك أنّنا لا نستطيع الشكّ في حقيقة هذا البرهان لإثبات كون الله مبقيًا أيضًا؛ وذلك لأنّ الزمان إنّما هو من نوع الأشياء التي تقوم أجزاؤها على بعضها وليست متزامنة؛ وبالتالي فلو كانت العلّة التي أوجدتنا في البداية لا تعمل على مواصلة خلقنا في الأزمنة اللاحقة، ولا تعمل على إبقائنا في الوجود، فلا ينتج عن واقعيّة وجودنا الراهن أنّنا سوف نكون موجودين في اللحظة اللاحقة بالضرورة.

وهنا يتجلّى التنافي ما بين الطبيعيّات الميكانيكيّة لديكارت مع ما بعد الطبيعة في لاهوته؛ بناء على نظريّة ديكارت في الحركة، يكون الله مجرّد علّة بداية الحركة، وجميع تحوّلات الطبيعة تقوم على طبق الأصول الرياضيّة وقوانين الحركة، دون أن تكون هناك حاجة بعد ذلك إلى تدخّل من قبل الله. ولكن بناء على نظريّة «مسار آنات الزمان وانفصالها» يكون الله هو القائم بجميع أمور العالم، وهو علّة لكلّ شيء. إنّ تفسير عالم ما بعد الطبيعة لديكارت إنّما يكون ممكنًا بقدرة الله الخلّاقة والمبقّية التي تريد العالم على هذه الشاكلة. لا يوجد في هذا العالم ارتباط علّيّ بين الأحداث والحال والمستقبل، وبعبارة أخرى: إنّ وجود هذا العالم ليس استمرارًا للجواهر الثابتة؛ بل هو توالٍ للوجودات المنفصلة عن بعضها، وعلّة كلّ واحد منها إنّما هي القدرة الخلّاقة لله لا غير؛ بيد أنّ العالم الطبيعيّ لديكارت حيث هو ميكانيكيّ بالكامل[67]، فإنّه يُدار بالأصول الرياضيّة وقوانين الحركة، دون أن تكون هناك حاجة إلى تدخّل من قبل الله.

إنّ الشخص الأوّل الذي اعتبر فلسفة ديكارت مشرفة على أصالة المادّة هو لايبنتز[68]، حيث إنّ الثابت في العالم الفيزيائيّ ـ من وجهة نظره ـ هو مقدار الطاقة دون مقدار الحركة. لقد أخطأ ديكارت حتى من الناحية العلميّة؛ وذلك لأّنه لم يتمكّن حتّى من إدراك أهمّيّة مفاهيم من قبيل: الصورة، والطاقة، والقوّة أيضًا. كما أشكل لامتري بدوره على ديكارت أيضًا[69]؛ حيث قال إنّ افتراض الله بوصفه معطيًا للحركة إلى الطبيعة افتراض زائد، وبطبيعة الحال لا يمكن اعتبار ديكارت ـ الذي يرى أنّ الله كمال مطلق وأنّ النفس جوهر مجرّد عن المادّة ـ من المعتقدين بأصالة المادّة؛ ولكن كما لاحظنا، ثمّة في أفكاره وآرائه أبحاث يمكن القول إنّها تدعم الأفكار المادّيّة، وحيث إنّه لم يكن قطعًا من القائلين بأصالة المادّة، يجب اعتبار هذه العناصر جزءًا من التهافت الداخليّ في فلسفته، وأهمّ هذه العناصر عبارة عن:

1 ـ البيان الميكانيكيّ للحياة
إنّ البيان الميكانيكيّ للعالم هو الجانب المادّيّ الأهمّ في فلسفة ديكارت، فهو يرى أنّ الأجسام الحيّة هي مجرّد ماكنات، وهي لا تختلف عن الأجسام غير الحيّة من هذه الناحية، سوى أنّ الكائنات الحيّة أكثر تعقيدًا. يذهب ديكارت إلى الاعتقاد قائلًا: (فيما يتعلق بتوصيف العالم المرئيّ، توصّلنا إلى نتيجة مفادها أنّ العالم على ما يبدو ماكنة لا يمكن ملاحظة غير الشكل والحركة (في أجزائها))[70]. بل ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، حيث فسّر الأعمال الحيويّة بطريقة ميكانيكيّة[71].

2 ـ التشكيك في وجود العلّة الغائيّة
إنّ من بين خصائص التفكير الإلهيّ والأفكار المعارضة لأصالة المادّة القول بالعلّة الغائيّة. وعلى الرغم من أنّ لدى ديكارت اعتقاد قويّ بالله، إلّا أنّه من خلال الشكّ في وجود العلّة الغائيّة أو إنكار فهمها، قد أعدّ العدّة لتعزيز وتقوية أصالة المادّة. إنّ ديكارت في بيان عالم الوجود دون بيان الغاية[72]، يكون قد اقترب من الفكر والفلسفة المادّيّة، وبطبيعة الحال فإنّ ديكارت لا يقول في تفسيره إنّ الأشياء فاقدة للغاية أبدًا، وإنّما كلّ ما يقوله هو أنّنا لا نستطيع التعرّف على الغايات.

3 ـ قبول الجوهر المادّي المستقلّ عن النفس
كان ديكارت يقول بوجود عالمين، أحدهما: العالم الآليّ والممتدّ في المكان، والآخر: عالم الأرواح المفكّرة وغير الممتدّة[73]، وبالتالي ينبغي أن نرى حقيقة النسبة القائمة بين هذين الجوهرين المتباينين، فإذا كان هذان الجوهران مستقلّين عن بعضهما بالكامل، فكيف سيحصل تأثير وتأثّر متبادل بينهما، وإن كان يوجد بينهما نوع من الارتباط، فلا يمكن الحصول عليه في هذين الجوهرين؛ لأنّهما متمايزان من بعضهما بالكامل[74]. يذهب ديكارت إلى الاعتقاد بأنّ المادّة جوهر ممتدّ ومخلوق لله؛ في حين أنّه لا يرى لله ـ الذي وصفه بالجوهر ـ صفة الامتداد. وهنا يلجأ ديكارت إلى الله مرّة أخرى لحلّ المشكلة أيضًا[75]، وهذا هو الطريق الأقلّ إشكالًا؛ بيد أنّ القول إنّ الجوهر المادّيّ ممتاز في ذاته من النفس، ولا يوجد أيّ فصل مشترك بينهما، خلق ذريعة بيد القائلين بأصالة المادّة، ومهّد الأرضيّة للأفكار الربوبيّة[76]. إنّ هذا النوع من اللجوء إلى الله، يذكّرنا بإله الفيزيائيّين و(الربوبيّين)؛ حيث يرجعون إلى الله كلّما احتاجوا إليه في رفع موارد الجهل وحلّ المشاكل العلميّة، ومن هنا كان المشرّعون المخالفون لهذا النوع من الإيمان يعلّقون عليه بالقول تهكّمًا: «يجب أن يكون الله راتقًا لفتوق الكون؛ كي يعمل على إصلاحها حيثما وُجدت»[77].

كان المؤمنون يبحثون عن إله كي يعبدوه ويناجوه برغبة وخضوع، وليس الإله المعقول الفلسفيّ. ومن هذه الناحية كان باسكال يصيح ساعة الاحتضار: «إله إبراهيم، إله إسحاق، إله يعقوب، لا إله الفلاسفة والمفكّرين»[78]. وقد عمد كلّ من إسبينوزا ولايبنتز ـ بعد ديكارت ـ إلى العمل على رفع هذا الإشكال من خلال سلب الجوهريّة عن المادّة الممتدّة بأسلوب وطريقة خاصّة[79].

نقد رأي ديكارت في بيان اختيار الإنسان
إنّ من بين المشاكل الفلسفيّة الأخرى لديكارت، تطبيق إرادة الإنسان مع التقدير والمشيئة الإلهيّة، فهو لم يقدّم طريقة حلّ محصّلة لهذه المسألة، أو أنّه قد امتنع عن ذلك، وقال في موضع: «نحن على علم ودراية بحياتنا، ولا ينبغي لاعتقادنا بالقدرة الإلهيّة أن يحوْل دون هذا العلم والدراية؛ إذ لا معنى لأنّ نشكّ في شيء نعلمه وندرك أنّه موجود فينا بالتجربة؛ وذلك لمجرّد أنّنا لا نستطيع الحصول على موضوع آخر لا يمكن لنا إدراكه بمقتضى طبيعتنا»[80].
وعليه فإنّ إنكار حرّيّة الإنسان بسبب عدم إدراك المشيئة الإلهيّة، يُعد ـ من وجهة نظر ديكارت ـ أمرًا غير معقول، وفي موضع آخر يرى أنّ العمل الأكثر عقلانيّة هو الاعتراف بقصور فهم الإنسان، والقول إنّ المشيئة الإلهيّة غير قابلة للفهم: «لن يرِد علينا إشكال إذا قلنا إنّ فكرنا متناهٍ، وأنّ القدرة الإلهيّة الكاملة غير متناهية؛ وذلك لأنّ الله بقدرته التامّة ليس له علم أزليّ بما هو كائن وسوف يكون فحسب، بل إنّ كلّ ما هو كائن وسيكون، متعلّق لإرادته السابقة أيضًا»[81].

وظاهر القضيّة أنّه عندما يبحث بشأن المسائل الكلاميّة المرتبطة بالاختيار، يتّخذ بشكل وآخر طرق حلّ مرتجلة، ولا يبذل أيّ جهد حقيقيّ لرفع تناقض هذه الحلول، يُضاف إلى ذلك أنّه يتحدّث بطرق متنوّعة في مختلف المواقع؛ من ذلك أنّه في النزاع الكلاميّ المحتدم بين أتباع غومار وأتباع أرمينوس ـ على سبيل المثال ـ يعلن عن توافقه مع أتباع غومار[82]، وهذه الموافقة تعني ترجيح نظريّة التقدير الأزليّ؛ وذلك لأنّ هؤلاء كانوا يقولون باللطف الإلهيّ والإرادة الأزليّة، إلّا أنّ ديكارت يتحدّث في مراسلاته مع إليزابيث ـ أميرة بوهيميا ـ بشكل آخر، حيث يدافع عن حرّيّة الإنسان، وهنا أيضًا يترك مشكلة إرادة الله واختيار الإنسان دون حلّ، أو أنّه يجدها غير قابلة للفهم والتفسير.

الفصل بين الأمور الإيمانيّة والعقليّة
لم يكن بمقدور ديكارت في حقل اللاهوت العقليّ أن يدخل إلى المسائل المرتبطة بالله على نحو فلسفيّ دون مواجهة الإله المسيحيّ والتثليث والتجسّم. وللتغلّب على هذه المشكلة الفكريّة، تحّدث ديكارت ـ من خلال الفصل بين الأمور الإيمانيّة والأمور العقليّة ـ قائلًا: (فيما يتعلق بالأمور الإيمانيّة الناشئة عن الإلهام الإلهيّ، يجب أن نكون في أحكامنا تابعين للأحكام الإلهيّة، وأمّا بالنسبة إلى الأمور التي لا ترتبط بالأحكام الإلهيّة، فلا يمكن للفيلسوف أن يقبل بذلك الشيء الذي لم تتضح له حقيقته بعد بوصفه أمرًا حقيقيًّا، أو أن يعتمد على حواسّه في ذلك)[83]. لا يمكن لديكارت أن يثبت الأمور الدينيّة بواسطة منهجه ومبانيه الفكريّة، وبالتالي فإنّه يتقبّلها دون استدلال. يعمل ديكارت من أجل الوصول إلى الفكر الحرّ على وضع حدّ بين الإيمان والعقل، وهذا يعود في الواقع إلى التراث اليونانيّ، فقد كان اليونانيّون على الدوام يضعون الحدود بين العلم والعقيدة؛ حيث عمد المتكلّمون المسيحيّون في العصور الوسطى إلى رفع هذه الحدود؛ ثمّ قام ديكارت والفكر الغربيّ اللاحق له بإعادة هذه الحدود إلى موضعها السابق.

وعلى كلّ حال فإنّ الله في فلسفة ديكارت يحتلّ مكانة جوهريّة وأساسيّة بعد الـ (أنا أفكر)؛ بمعنى أنّه كما أنّ ديكارت لا يصل إلى معرفة يقينيّة دون الله، كذلك فإنّ عالم ديكارت غير قابل للتفسير دون الإله اللامتناهي. إن غاية ديكارت هي تفسير العالم بواسطة العلم اليقينيّ. ومن هنا فإنّ التوجّه الخاصّ إلى الله ـ بالإضافة إلى انتماءاته الدينيّة ـ إنّما ينشأ من نمط تفكيره الهندسيّ، وفي الحقية فإنّ إثبات وجود الله يُعدّ أمرًا ضروريًّا بالنسبة إلى ديكارت.

يذهب ديكارت إلى الاعتقاد بأنّ نتيجة التحليل العقليّ لمفهوم الله، هي أنّ الله يجب أن يكون موجودًا في الخارج بالضرورة؛ لأنّ هذا المفهوم الذي يمكن تصوّره بهذه الصفات، يجب أن يكون له وجود حقيقيّ، وبذلك فإنّه يتعرّض إلى الازدواجيّة بشأن بيان ماهيّة إلهه. فهو من ناحية يرى أنّ مفهوم الإله الكامل واللامتناهي في ذهنه، يبدو أوضح وأكثر تميّزًا من أيّ مفهوم آخر؛ ولكن ذات هذا المفهوم الواضح والمتميّز والحقيقيّ، يُعدّ من ناحية أخرى متعذّرًا على الوصف والبيان، ومن هنا نجد أنّ ديكارت يلجأ في بيانه إلى ذكر أمثلة غير وجيهة، من قبيل: الدرّة، والمثلّث، والجبل، وما إلى ذلك.

نقد إلهيّات ديكارت
لقد توصّل ديكارت من خلال تأصيله لـ (أنا أفكر، إذن أنا موجود)، من التفكير إلى وجود النفس والذات. إنّ رسالة هذا النوع من المعرفة والإبستمولوجيا هي أنّ التفكير مستقلّ عن الحياة. يقف التفكير على قمّة هرم الوجود؛ تنبثق الأنا المفكرة ـ بوصفها  منشأ للأثر في عالم الوجود ـ من الإدراك الذهنيّ، وقد كان هذا النوع من التفكير بداية الإنسويّة الجديدة. لقد عمد ديكارت من خلال البدء من الله بمفهومه المسيحيّ وإطلاق الجوهر اللامتناهي عليه[84] إلى تنزيل الله من مفهوم (أهيَه الذي أهيَه)[85] إلى حدود الأصل الفلسفيّ (وكونه مقدّمة في إثبات العالم الخارجيّ).

ونتيجة حذف ديكارت وإلغائه لجميع أنواع الواقعيّة الروحانيّة وفهم الطبيعة ـ حتى الطبيعة المادّيّة للإنسان بوصفه شيئًا ـ ساعد حتّى التفكير الجديد في الأنثروبولوجيا المادّيّة، وبالتالي كان ديكارت يتّجه ـ دون علم أو قصد منه ـ نحو الوضعيّة، وبواسطة هذه الوضعيّة تحطّم الرابط بين نظم وناظم الطبيعة وبين جميع المسائل المرتبطة بالأنطولوجيا والعلّيّة. ومنذ ذلك الحين أخذنا نجد أنّ كثيرًا من الأنظمة ما بعد الطبيعيّة والميتافيزيقيّة ـ بحسب المصطلح ـ يقوم على نوع من فلسفة الطبيعة، والذي هو في الحقيقة ذات الفرضيّة الميكانيكيّة أو المنهج الفيزيائيّ/الرياضيّ[86]. إنّ هذه الميتافيزيقيّة لم تكن بالمعنى التقليديّ للكلمة، بل هو نوع من التعميم القائم على تحويل الطبيعة إلى رياضيّات وكمّيّات، تفصل نظم الطبيعة عن العالم الروحانيّ والأصول الأخلاقيّة المهيمنة على حياة الإنسان، وعن كلّ نوع من أنواع الواقعيّة الدينيّة والمعنويّة التي يمكن للإنسان والطبيعة أن يسهما فيها من طريق غير طريق الواقعيّة الفيزيائيّة للمادّة والحركة فيها. لقد كانت تداعيات هذا المشهد واسعة للغاية بالنسبة إلى ظروف الحياة البشريّة ونتائجها المؤلمة على وجه البسيطة.
يعمل ديكارت على تعريف الله وصفاته بحيث يمكنه توجيه رؤيته الميكانيكيّة والهندسيّة عن العالم، وهذا يعني تحويل الله الواقعيّ والمعبود إلى أصل فلسفيّ معقول. وقد تنبّه باسكال إلى عمق مقولة ديكارت بشكل جيّد، وقال في ذلك: (إنّ غاية ديكارت ترمي إلى عزل الإله، لأنّه إنّما يريده لمجرّد كبس الزر لتحريك العالم، وإلّا فإنّه لا يحتاج إليه لأكثر من هذه الغاية)[87].

يذهب كثيرون إلى الاعتقاد بأنّ فلسفة ديكارت تمثّل منعطفًا في تحوّل اللاهوت العقليّ، بيد أنّ جيلسون[88] يذهب إلى الاعتقاد بأنّ التحوّل الحاصل هنا هو من النمط الارتجاعيّ، فصفات الله في الفلسفة العقليّة لديكارت إنّما تنحصر ـ على ما تقدّمت الإشارة إليه ـ بتلك التي يمكنها تفسير وجود العالم الميكانيكيّ لديكارت.

وهنا يتحوّل الله في نفسه ـ أي الغنيّ المطلق والمختار المطلق والعالم والقائم بذاته ـ إلى موجود يجد نفسه مضطرًّا إلى القيام بمهمّة تفسير العالم الديكارتيّ بالإضافة إلى لوازمه (خواصّ وصفات المكان الهندسيّة والقوانين الفيزيائيّة) لأقصى درجة ممكنة. ويأتي الاعتراض المشهور من باسكال على هذه النقطة من اللاهوت الديكارتيّ؛ إذ يقول: (إنّ إله المسيحيّين ليس مجرّد إله صانع للحقائق الرياضيّة فقط)[89]. لا شكّ في كون الإله المسيحيّ هو الإله الخالق، ولكن ذاته لا تُختزل بمجرّد الخالقيّة؛ إنّما الإله المسيحيّ عبارة عن الوجود والكينونة: (إنّه الوجود الموجود)، وإذا أراد كان بمقدوره أن يخلق أيضًا؛ بيد أنّ وجوده لا يتوقّف على أن يخلق، وحتّى (علّة وجوده ليست دليلًا على وجوده، ويمكن للإله المسيحيّ أن يخلق؛ لأنّه في أعلى مراتب الوجود)[90]، في حين أنّ إله ديكارت حتى بوصفه العلّة الفلسفيّة العليا وتشابهه مع إله المسيحيّة، قد تدنّى إلى حدود الأصل الفلسفيّ[91]. إنّ هذا الإله ليس هو ذلك الإله الواقعيّ والمتميّز والمتعيّن والمصداقيّ؛ بل هو إله مفهوميّ غير متشخّص، ومنتسب إلى تفكير الإنسان[92]. بالالتفات إلى هذه النتائج، لا نجد غرابة في ذهاب هنري مور ـ ضمن انتقاده الشديد لفلسفة ديكارت ـ إلى تصويره (على هيئة عدوّ للعقائد الدينيّة)[93].
لقد كانت الحكمة في العصور الوسطى ـ ولا سيّما في تعاليم ومفاهيم أوغسطين وتوما الأكويني ـ على رأس جميع المعارف البشريّة، وكانت تعتبر الوسيلة الوحيدة لصيانة الإنسان من الانحراف الفكريّ والعقائديّ؛ لأّن موضوعها الأصليّ كان هو الله، وبطبيعة الحال فإنّ ديكارت الذي كان مسيحيًّا معتقدًا، لم يكن مخالفًا لهذه الحكمة، إلا أنّه بوصفه فيلسوفًا ناقدًا، كان يُنشد حكمة بمعنى العقل الطبيعيّ كيما تساعده بواسطة التعرّف على العلل الأوّليّة على بيان العالم المادّيّ بأسلوب رياضيّ.

إنّ اللاهوت التقليديّ ـ من خلال تعريف العالم بوصفه غاية ـ كان يقول: إنّ الله إنّما خلق عالم الطبيعة لينتهي إلى الإنسان (الغاية القصوى للطبيعة)؛ وأمّا ديكارت فإنّه من خلال نفي (التصوّر القائل إنّ الله قد خلق جميع الأشياء من أجلنا، أو حتى أن نفترض أنّ بمقدورنا فهم غايات الله من الخلق)[94]، يعرّف الله بوصفه مجرّد مبدأ الحركات، ويجيز لأحداث العالم لكي تواصل حركتها بوصفها عجلة رياضيّة كبرى. وهنا عمد ديكارت أيضًا ـ من خلال نفي وجود الغاية أو إدراكها ـ إلى تحويل العالم إلى كائن ميكانيكيّ ومادّيّ مترامي الأطراف، وأصبح كلّ شيء جاهزًا ليأتي جيلبرت وبويل ليُشبّها العالم بالساعة التي تمّ تنظيمها من قبل الخالق لمرّة واحدة، لتواصل حركتها ودوران عجلاتها بعد ذلك بشكل دقيق وموزون، بفضل وتوفيق من الرعاية الإلهيّة العامّة.

النتيجة
توصّل ديكارت عن طريق تأصيل التفكير من الفكر إلى وجود النفس، ومن خلال النفس توصّل إلى وجود الله. إن رسالة هذا النوع من المعرفة والإبستمولوجيا هي أنّ التفكير يقف على قمّة هرم الوجود؛ وإنّ الأنا المفكّرة ـ بوصفها  منشأً للأثر ـ تندرج ضمن عالم الوجود، إنّ هذا النوع من التفكير يمثّل بداية الإنسويّة. والله في هذا النوع من التفكير ليس واقعيًّا ولا متعاليًا، بل هو مفهوميّ ومنتسب إلى فكر الإنسان.
عمل ديكارت على تعريف الله وصفاته بحيث يمكنه توجيه رؤيته الميكانيكيّة والهندسيّة عن العالم، وهذا يعني تحويل الله الواقعيّ والمعبود إلى أصل فلسفيّ لا يُشبه الله الحيّ والقادر والمتعالي.

كان اللاهوت التقليديّ ـ من خلال تعريف العالم بوصفه غاية ـ يرى: أنّ الله إنّما خلق عالم الطبيعة لغاية، إلّا أنّ ديكارت ـ من خلال نفي وجود غاية لهذا العالم أو إدراك هذه الغاية ـ عمد إلى تحويل العالم إلى كائن مادّيّ خالٍ من الروح. كان ديكارت يتصوّر أنّ لله منشأً ذهنيًّا، في حين أنّ الله عين الوجود الخارجيّ، ولا يمكن للذهن أن يستوعبه. إنّ منهج ديكارت في معرفة الله عقليّ، وهذا العقل محدود للغاية، وإنّ العقل بالالتفات إلى إحساس التصوّر الواضح والمتمايز يتّجه إلى معرفة الله، في حين أنّ الفلسفة الإسلاميّة ترى أنّ المعارف الشهوديّة والوحيانيّة بدورها ضروريّة في إدراك حقيقة الوجود أيضًا، كما أنّ الحكمة الإسلاميّة تنزّه الله من التوصيف والتعريف؛ في حين أنّ ديكارت من خلال إطلاق الجوهر على الله، يكون قد قام بتعريفه، بينما لا وجود لإطلاق الجوهر على الله في الفلسفة الإسلاميّة والحكمة المسيحيّة.
لإله ديكارت شأن معرفيًّ وإبستمولوجيّ، في حين أنّ لإله الحكمة الإسلاميّة والمسيحيّة شأنًا وجوديًّا وأنطولوجيًّا، وذات الحقّ تعالى وجود مطلق، كما أنّ إله الحكمة الإسلاميّة فاعل ومستقلّ ومبدأ لجميع الكائنات، في حين أنّ إله ديكارت معلول للعقل والذهن الجزئيّ لديكارت، وليس له أيّ خلاقيّة وفاعليّة تجاه الوجود، وعلى هذا الأساس لا يمكن تفسير الوجود أو يكون معقولًا بواسطة إله ديكارت. إنّ هذا الإله ليس هو ذلك الإله الواقعيّ والمتعالي في العالم، وليس متعيّنًا ولا مصداقيًّا، بل هو إله مفهوميّ غير متشخّص، ومنسوب إلى تفكير الإنسان.

المصادر والمراجع
القرآن الكريم.
 باربور، إيان، علم و دين (العلم والدين)، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: بهاء الدين خرّمشاهي، مركز نشر دانشكاهي، طهران، 1362 هـ ش.
 الجعفري، محمّد تقي، تفسير نقد و تحليل مثنوي (تفسير ونقد وتحليل المثنوي)، ج 12، انتشارات إسلامي، طهران، 1368 هـ ش. (مصدر فارسي).
 جوادي آملي، عبد الله، تبيين براهين إثبات خدا (بيان براهين إثبات وجود الله)، مركز نشر إسراء، قمّ، 1374 هـ ش. (مصدر فارسيّ).
 جيلسون، أتين، خدا و فلسفه (الله والفلسفة)، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: شهرام بازوكي، انتشارات حقيقت، طهران، 1374 هـ ش.
 جيلسون، أتين، نقد تفكر فلسفيّ غرب (نقد التفكير الفلسفيّ في الغرب)، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: أحمد أحمدي، 1402 هـ / 1370 هـ ش
 حائري، مهدي، كاوش هاي عقل نظري (بحوث في العقل النظريّ)، انتشارات أمير كبير، طهران، 1361 هـ ش. (مصدر فارسيّ).
 حسن زاده، صالح، سير و تطور مفهوم خدا از ديكارت تا نيچه (مسار وتطوّر مفهوم الإله من ديكارت إلى نيتشه)، نشر علم، طهران، 1387 هـ ش. (مصدر فارسيّ).
ديكارت، رينيه، اعتراضات و پاسخ ها (اعتراضات وإجابات)، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: علي م. أفضلي، انتشارات علمي و فرهنگي، 1384 هـ ش.
ديكارت، رينيه، تأمّلات در فلسفه أولى (تأمّلات في الفلسفة الأولى)، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: أحمد أحمدي، 1381 هـ ش.
 ديكارت، رينيه، فلسفه دكارت (فلسفة ديكارت)، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: منوتشهر صانعي دره بندي، الأصل الرابع عشر والأصل الخامس عشر، 1376 هـ ش.
الربوبيّة (deism): الإيمان بالله بغير اعتقاد بديانات منزلة، أو الإيمان بدين طبيعيّ مبنيّ على العقل دون الوحي. (المعرّب).
السبزواري، الملّا هادي، شرح المنظومة، قسم الفلسفة، انتشارات علامة، قمّ.
الطباطبائيّ، اصول فلسفه وروش رئاليسم (أصول الفلسفة والمذهب الواقعيّ)، بحاشية الشيخ مرتضى المطهّري، نشر صدرا، قم، 1350 هـ ش. (مصدر فارسيّ).
 العلّامة الطباطبائيّ، السيّد محمّد حسين، الميزان في تفسير القرآن، ج 6، 1363 هـ ش.
العلّامة الطباطبائيّ، السيّد محمّد حسين، نهاية الحكمة، انتشارات جامعه مدرّسين، قمّ.
كابلستون، فريدريك، تاريخ فلسفه از دكارت تا لايب نيتز (تاريخ الفلسفة من ديكارت إلى لايبنتز)، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: غلام رضا أعواني، ج 4، انتشارات سروش علمي و فرهنگي، طهران، 1380 هـ ش.
كانط، إيمانوئيل، سنجش خرد ناب (تقويم العقل الخالص)، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: مير شمس الدين أديب سلطاني، انتشارات أمير كبير، طهران، 1362 هـ ش.
 الكتاب المقدّس، العهد القديم، سفر الخروج، الإصحاح الثالث، الفقرة: 14.
 لوك، جان، جستاري در فهم بشر (بحث في فهم البشر)، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: رضا زاده شفق، انتشارات شفيعي، 1381 هـ ش.

المراجع الأجنبية
Anselm, St, 2004, The Cambridge Companion to Anselm, Edited by Davies, B. and Leftow, B., Cambridge university Press.2004: ch: 2 – 5.
Aquinas, Thomas. ,1998, Selected Writings, Edited and translated with an introduction and note by R. Mcinerny, New York: Penguin Classics.
Descartes, Rene. ,1988, Selected Philosophical Writings, Translated by John Cottingham and Robert Stooth off, London: Cambridge University Press.
Hume, David, 1968, A Treatise of Human Nature, Oxford: The Clarendon Press.
Jordan, Howard Sobel, 2004, Logic and Theism (Arguments For and Against Beliefs in God), Cambridge University Press.
Mackie, J. L, 1982, The Miracle of Theism, Arguments for and Against the Existence of God. Oxford university Press.1982.
Osler, Margaret, 1994, Divine Will and the Mechanical Philosophy, Cambridge University Press.
Pascal, B. ,1952, The Provincial Letters Pense’es Scientific Treatises, William Benton publisher.
Woolhouse, R. S, 1993, The Concept of Substance in Seventeenth Century Metaphysics, London.

---------------------------------------
[1]*- أستاذ مساعد في مجموعة المعارف الإسلامية في جامعة العلامة الطباطبائيّ- إيران.
  ـ تعريب: حسن علي مطر.
[2]- انظر: حسن زاده، صالح، سير و تطور مفهوم خدا از ديكارت تا نيچه (مسار وتطوّر مفهوم الإله من ديكارت إلى نيتشه)، ص 34، نشر علم، طهران، 1387 هـ ش. (مصدر فارسي).
[3]- See: Osler, Margaret, 1994, Divine Will and the Mechanical Philosophy, Cambridge University Press. p. 118 – 136.
[4]- انظر: ديكارت، رينيه، فلسفه دكارت (فلسفة ديكارت)، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: منوتشهر صانعي دره بندي، الأصل 25، انتشارات بين المللي الهدى، طهران، 1376 هـ ش.
[5]- المصدر أعلاه، ص 15.
[6]- انظر: المصدر أعلاه، ص 63.
[7]- المصدر أعلاه، ص 241.
[8]- انظر: ديكارت، رينيه، تأملات در فلسفه أولى (تأمّلات في الفلسفة الأولى)، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: أحمد أحمدي، ص 53، نشر سمت، طهران، 1381 هـ ش.
[9]- انظر: ديكارت، رينيه، فلسفه دكارت (فلسفة ديكارت)، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: منوتشهر صانعي دره بندي، الأصل 235، 1376 هـ ش.
[10]- See: Osler, Margaret, 1994, Divine Will and the Mechanical Philosophy, Cambridge University Press.  p. 146;
جيلسون، أتين، خدا و فلسفه (الله والفلسفة)، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: شهرام بازوكي، ص 89، انتشارات حقيقت، طهران، 1374 هـ ش
[11]- انظر: ديكارت، رينيه، تأمّلات در فلسفه أولى (تأمّلات في الفلسفة الأولى)، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: أحمد أحمدي، ص 65، 1381 هـ ش.
[12]- المصدر أعلاه، ص 65.
[13]- انظر: ديكارت، رينيه، فلسفه دكارت (فلسفة ديكارت)، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: منوتشهر صانعي دره بندي، الأصل الرابع عشر والأصل الثامن عشر، ص 236 ـ 238، 1376 هـ ش.
[14]- انظر: المصدر أعلاه، الأصل الثاني والعشرين، والأصل السابع والعشرين، ص 241 ـ 244.
[15]- انظر: المصدر أعلاه.
[16]- انظر: المصدر أعلاه، ص 235.
[17]- انظر: ديكارت، رينيه، تأمّلات در فلسفه أولى (تأمّلات في الفلسفة الأولى)، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: أحمد أحمدي،  ص 63، 1381 هـ ش.
[18]- انظر: المصدر أعلاه، ص 57.
[19]- انظر: المصدر أعلاه، ص 64.
[20]- انظر: جيلسون، أتين، نقد تفكر فلسفيّ غرب (نقد التفكير الفلسفيّ في الغرب)، ترجمه إلى اللغة الفارسية: أحمد أحمدي، ص 150، انتشارات حكمت،  طهران، 1402 هـ / 1370 هـ ش.
[21]- See: Jordan, Howard Sobel, 2004, Logic and Theism (Arguments For and Against Beliefs in God), Cambridge University Press. P. 59.
[22]- See: Ibid, p. 29 – 96.
[23]- Proslogion.
[24]- See: Anselm, St, 2004, The Cambridge Companion to Anselm, Edited by Davies, B. and Leftow, B., Cambridge university Press.2004: ch: 2 – 5.
[25]- See: Mackie, J. L, 1982, The Miracle of Theism, Arguments for and Against the Existence of God. Oxford university Press.1982: p. 41.
[26]- انظر: ديكارت، رينيه، تأملات در فلسفه أولى (تأمّلات في الفلسفة الأولى)، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: أحمد أحمدي،  ص 3 ـ 5، 1381 هـ ش؛ ديكارت، رينيه، فلسفه دكارت (فلسفة ديكارت)، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: منوتشهر صانعي دره بندي، الأصل الرابع عشر والأصل الخامس عشر، ص 14 ـ 15، 1376 هـ ش.
[27]- انظر: ديكارت، رينيه، تأمّلات در فلسفه أولى (تأمّلات في الفلسفة الأولى)، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: أحمد أحمدي،  ص 85، 1381 هـ ش.
[28]- انظر: المصدر أعلاه، ص 86.
[29]- Caterus.
[30]- Alkmaur.
[31]- انظر: ديكارت، رينيه، اعتراضات و پاسخ ها (اعتراضات وإجابات)، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: علي م. أفضلي، ص 98، انتشارات علمي و فرهنگي، 1384 هـ ش.
[32]- انظر: المصدر أعلاه، ص 100.
[33]- انظر: المصدر أعلاه، ص 365 ـ 388.
[34]- انظر: كانط، إيمانوئيل، سنجش خرد ناب (تقويم العقل الخالص)، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: مير شمس الدين أديب سلطاني، ص 650 ـ 666، انتشارات أمير كبير، طهران، 1362 هـ ش
[35]- انظر: حسن زاده، صالح، سير و تطور مفهوم خدا از ديكارت تا نيچه (مسار وتطوّر مفهوم الإله من ديكارت إلى نيتشه)، ص 235 ـ 238، نشر علم، طهران، 1387 هـ ش. (مصدر فارسيّ).
[36]- انظر: ديكارت، رينيه، تأملات در فلسفه أولى (تأمّلات في الفلسفة الأولى)، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: أحمد أحمدي،  التأمل الثالث، 1381 هـ ش.
[37]- انظر: المصدر أعلاه، ص 70.
[38]- انظر: ديكارت، رينيه، اعتراضات و پاسخ ها (اعتراضات وإجابات)، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: علي م. أفضلي، المجموعة الثانية والخامسة، 1384 هـ ش.
[39]- انظر: لوك، جان، جستاري در فهم بشر (بحث في فهم البشر)، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: رضا زاده شفق، ص 29، انتشارات شفيعي، 1381 هـ ش.
[40]- انظر: المصدر أعلاه، ص 29.
[41]- See: Hume, David, 1968, A Treatise of Human Nature, Oxford: The Clarendon Press. p. 160.
[42]- انظر: جيلسون، أتين، نقد تفكر فلسفيّ غرب (نقد التفكير الفلسفيّ في الغرب)، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: أحمد أحمدي، ص 160، 1402 هـ / 1370 هـ ش.
[43]- انظر: ديكارت، رينيه، اعتراضات و پاسخ ها (اعتراضات وإجابات)، ترجمه إلى اللغة الفارسية: علي م. أفضلي، المجموعة الثانية والخامسة، ص 135 و331، 1384 هـ ش.
[44]- انظر: جوادي آملي، عبد الله، تبيين براهين إثبات خدا (بيان براهين إثبات وجود الله)، ص 54، مركز نشر إسراء، قم، 1374 هـ ش. (مصدر فارسي).
[45]- انظر: جوادي آملي، عبد الله، تبيين براهين إثبات خدا (بيان براهين إثبات وجود الله)، المصدر أعلاه، ص 56.
[46]- انظر: الطباطبائي، اصول فلسفه و روش رئاليسم (أصول الفلسفة والمذهب الواقعيّ)، بحاشية الشيخ مرتضى المطهّري، ص 94 ـ 96، نشر صدرا، قم، 1350 هـ ش. (مصدر فارسيّ).
[47]- انظر: الجعفري، محمّد تقي، تفسير نقد و تحليل مثنوي (تفسير ونقد وتحليل المثنوي)، ج 12، ص 19 ـ 37، انتشارات إسلامي، طهران، 1368 هـ ش. (مصدر فارسي).
[48]- انظر: حائري، مهدي، كاوش هاي عقل نظري (بحوث في العقل النظري)، ص 175، انتشارات أمير كبير، طهران، 1361 هـ ش. (مصدر فارسي).
[49]- انظر: العلّامة الطباطبائيّ، السيد محمّد حسين، رسائل توحيدي (الرسائل التوحيديّة)، ص 71، مركز چاپ و نشر دفتر تبليغات اسلامي، قم، 1387 هـ ش.
[50]- انظر: العلّامة الطباطبائيّ، السيد محمّد حسين، الميزان في تفسير القرآن، ج 6، ص 261، 1363 هـ ش.
[51]- المصدر أعلاه، ج 14، ص 377.
[52]- الأنبياء (21): 22.
[53]- انظر: السبزواري، الملا هادي، شرح المنظومة، قسم الفلسفة، ص 13، انتشارات علامة، قم.
[54]- انظر: العلّامة الطباطبائيّ، السيد محمّد حسين، نهاية الحكمة، ص 273، انتشارات جامعه مدرّسين، قم.
[55]- انظر: المصدر أعلاه، ص 176.
[56]- انظر: ديكارت، رينيه، فلسفه دكارت (فلسفة ديكارت)، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: منوتشهر صانعي دره بندي، الأصل 291، 1376 هـ ش.
[57]- انظر: المصدر أعلاه.
[58]- انظر: كابلستون، فريدريك، تاريخ فلسفه از دكارت تا لايب نيتز (تاريخ الفلسفة من ديكارت إلى لايبنتز)، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: غلام رضا أعواني، ج 4، ص 169، انتشارات سروش علمي و فرهنگي، طهران، 1380 هـ ش.
[59]- المصدر أعلاه.
[60]- انظر: كابلستون، فريدريك، تاريخ فلسفه از دكارت تا لايب نيتز (تاريخ الفلسفة من ديكارت إلى لايبنتز)، المصدر أعلاه.
[61]- المصدر أعلاه، ص 170.
[62]- Deistic.
[63]- See: Pascal, B. ,1952, The Provincial Letters Pense’es Scientific Treatises, William Benton publisher. p. 186.
[64]- Duration.
[65]- انظر: ديكارت، رينيه، تأملات در فلسفه أولى (تأمّلات في الفلسفة الأولى)، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: أحمد أحمدي، ص 68، 1381 هـ ش.
[66]- انظر: ديكارت، رينيه، فلسفه دكارت (فلسفة ديكارت)، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: منوتشهر صانعي دره بندي، الأصل 21، ص 240، 1376 هـ ش.
[67]- See: Osler, Margaret, 1994, Divine Will and the Mechanical Philosophy, Cambridge University Press, p. 123 – 153.
[68]- انظر: جيلسون، أتين، نقد تفكّر فلسفيّ غرب (نقد التفكير الفلسفيّ في الغرب)، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: أحمد أحمدي، ص 192، 1402 هـ / 1370 هـ ش؛ ديكارت، رينيه، فلسفه دكارت (فلسفة ديكارت)، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: منوتشهر صانعي دره بندي، ص 57، 1376 هـ ش.
[69]- انظر: المصدر أعلاه.
[70]- انظر: ديكارت، رينيه، فلسفه دكارت (فلسفة ديكارت)، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: منوتشهر صانعي دره بندي، ص 29، 1376 هـ ش.
[71]- See: Descartes, Rene. ,1988, Selected Philosophical Writings, Translated by John Cottingham and Robert Stooth off, London: Cambridge University Press. p. 201 – 203.
[72]- See: Ibid, p. 169.
[73]- See: Woolhouse, R. S, 1993, The Concept of Substance in Seventeenth Century Metaphysics, London. p. 164.
[74]- انظر: ديكارت، رينيه، تأملات در فلسفه أولى (تأملات في الفلسفة الأولى)، ترجمه إلى اللغة الفارسية: أحمد أحمدي، التأمل الثاني والخامس والسادس، 1381 هـ ش.
[75]- See: Woolhouse, R. S, 1993, The Concept of Substance in Seventeenth Century Metaphysics, London. p. 19.
[76]- الربوبية (deism): الإيمان بالله بغير اعتقاد بديانات منزلة، أو الإيمان بدين طبيعي مبني على العقل دون الوحي. (المعرّب).
[77]- انظر: باربور، إيان، علم و دين (العلم والدين)، ترجمه إلى اللغة الفارسية: بهاء الدين خرّمشاهي، ص 52، مركز نشر دانشكاهي، طهران، 1362 هـ ش.
[78]- See: Pascal, B. ,1952, The Provincial Letters Pense’es Scientific Treatises, William Benton publisher. p. vI.
[79]- See: Woolhouse, R. S, 1993, The Concept of Substance in Seventeenth Century Metaphysics, London. p. 190.
[80]- ديكارت، رينيه، فلسفه دكارت (فلسفة ديكارت)، ترجمه إلى اللغة الفارسية: منوتشهر صانعي دره بندي، ص 252، 1376 هـ ش.
[81]-  ديكارت، رينيه، فلسفه دكارت (فلسفة ديكارت)، ترجمه إلى اللغة الفارسية: منوتشهر صانعي دره بندي، ص 252، 1376 هـ ش.
[82]- انظر: كابلستون، فريدريك، تاريخ فلسفه از دكارت تا لايب نيتز (تاريخ الفلسفة من ديكارت إلى لايبنتز)، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: غلام رضا أعواني، ص 179، 1380 هـ ش.
[83]- ديكارت، رينيه، فلسفه دكارت (فلسفة ديكارت)، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: منوتشهر صانعي دره بندي، الأصل السادس والسبعون، ص 276، 1376 هـ ش.
[84]- See: Woolhouse, R. S, 1993, The Concept of Substance in Seventeenth Century Metaphysics, London. p. 190.
[85]- الكتاب المقدّس، العهد القديم، سفر الخروج، الإصحاح الثالث، الفقرة: 14.
[86]- See: Osler, Margaret, 1994, Divine Will and the Mechanical Philosophy, Cambridge University Press, p. 3.
[87]- انظر: جيلسون، أتين، نقد تفكر فلسفيّ غرب (نقد التفكير الفلسفيّ في الغرب)، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: أحمد أحمدي، ص 191، 1402 هـ / 1370 هـ ش
[88]- انظر: جيلسون، أتين، خدا و فلسفه (الله والفلسفة)، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: شهرام بازوكي، ص 92، انتشارات حقيقت، طهران، 1374 هـ ش.
[89]- انظر: جيلسون، أتين، خدا و فلسفه (الله والفلسفة)، المصدر أعلاه، ص 93.
[90]- See: Aquinas, Thomas. ,1998, Selected Writings, Edited and translated with an introduction and note by R. Mcinerny, New York: Penguin Classics p. 360.
[91]- انظر: جيلسون، أتين، خدا و فلسفه (الله والفلسفة)، ترجمه إلى اللغة الفارسية: شهرام بازوكي، ص 92، انتشارات حقيقت، طهران، 1374 هـ ش.
[92]- See: Pascal, Blaise, 1968, Pensees, Translated by Isaac Taylor, PR. U.S.A, Set in Grolier Ultratype. p. 163 - 173.
[93]- انظر: كابلستون، فريدريك، تاريخ فلسفه: فيلسوفان انگليسي از هابز تا هيوم (تاريخ الفلسفة: الفلاسفة الإنجليز من هوبز إلى هيوم)، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: أمير جلال الدين أعلم، ص 8 ـ 74، نشر سروش، 1362 هـ ش.
[94]- انظر: ديكارت، رينيه، تأملات در فلسفه أولى (تأمّلات في الفلسفة الأولى)، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: أحمد أحمدي، ص 745، 1381 هـ ش.