البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

ديكارت أسيراً؛ المراوحة بين العقلانيّة المفرطة والميتافيزيقا المدرسيّة

الباحث :  محمد محمود مرتضى
اسم المجلة :  الاستغراب
العدد :  24
السنة :  صيف 2021م / 1443هـ
تاريخ إضافة البحث :  October / 18 / 2021
عدد زيارات البحث :  245
تحميل  ( 416.745 KB )
تعرض هذه الدراسة إلى المباني التأسِّيسيّة لفلسفة رينيه ديكارت والتي شكَّلت بالنسبة إليه الإطار الإجماليّ لنظريّة المعرفة الحاكمة على منظومته، كما يتطرَّق الباحث بالتحليل والنقد إلى العقلانيّة الديكارتيّة وبيان معاثِرها ومغالطاتها، خصوصًا لناحية التناقض بين اليقين العقليّ الصَّارِم كشرط لتحصيل المعرفة الحقيقيّة، وبين التسليم بالإيمان الدينيّ كيقين لا تشوبه شائبة.

«المحرِّر»
---------------------------
اعتنى العلماء والفلاسفة منذ القدم بموضوع المعرفة وكيفيّة حصولها، فتشعّبت المذاهب والمدارس في تفسير أساسها، وكيفيّة تحقّق رأسمال الفكر البشريّ، والذي من خلاله يُشاد هرم المعرفة، وتُبنى عمارها، ويتمّ التحقّق من صحّة مدركاتنا، ومن أبرز هذه المدارس والاتجاهات اتجاهان: الأوّل قال إنّ الحسّ هو أساس معارفنا وعلومنا؛ والثاني استبعد الحسّ، أو قلَّل من أهمّيّته، واعتبر أنّ الأساس كامن في ذات الإنسان، على اختلاف تفسيراتهم لهذين الاتجاهين.

ويُعتبر الفيلسوف الفرنسيّ «رينيه ديكارت» من أصحاب الاتجاه الثاني، أي من أولئك الذين استبعدوا الحسّ من ميدان التأسيس المعرفيّ، وبنوا الفلسفة على الاتجاه العقلانيّ القائم على المدركات الفطريّة والمعارف الأوّليّة.

ويذهب كثير من الباحثين إلى أنّ الفيلسوف الفرنسيّ هو أحد أهمّ المؤسّسين الجدد لهذا الاتجاه، وأنّه فاتح عهد التجديد في الفكر الإنسانيّ، وفي إنتاج تصوّر جديد ومختلف عن العالم، وفي تقديم مسار منتظم وصارم للتعامل مع الأفكار، كما يذهب العديد منهم أيضًا إلى اعتباره الشخصيّة المحوريّة في الانتقال من الفلسفة الكلاسيكيّة إلى الفلسفة الحديثة، وفي شقّ طريق الاتجاه العقليّ ابتداءً من القرن السابع عشر، وهذا ما جعل كثيرًا من المفكرين يطلقون عليه لقب أبي الفلسفة الحديثة في الغرب، ومؤسّس «فلسفة الأفكار الواضحة والمتميِّزة».

ولا يضرّ بالنتيجة السابقة النقاش الذي يمكن أن نجده بين قرّاء ديكارت حول أنّه هل كان بفكره وطروحاته أشبه بالمرحلة التي سبقته والتي يطلق عليها: المرحلة المدرسيّة (السكولائيّة)، أو أنّه كان أشبه بالعصر الذي تلاه والذي تتالت فيه الفتوحات العلميّة، واشتدّ الميل فيه نحو الابتعاد عن الهيمنة اللاهوتيّة على الفكر بشكل عامّ.
لقد كان عصر ديكارت هو العصر الذي بدأت فيه الاكتشافات العلميّة تتوالى، مُحدِثة تغيّرات عميقة في النظرة إلى العالم وإلى موقع كوكبنا من المنظومة الكونيّة التي يسبح فيها. هذه الاكتشافات كان لا بد لها من «شاقول» فكريّ، وفلسفة مواكبة تستطيع عكس طروحاتها، ضمن منهجيّة تفكير مختلفة عن تلك القديمة، والتي كانت قد دخلت في صراع شديد مع أفكار نخبة من علماء الطبيعة من أمثال غاليلي[2] وكوبرنيكوس[3] وكيبلر[4] وغيرهم، فكان ديكارت هو الحامل الأوّل للواء المواكبة والتغيير. وتذكر بعض كتب السيرة الذاتيّة أنّه لأجل التفرُّغ الفكريّ لهكذا مشروع اضطر ديكارت لترك بلده فرنسا، وهو في حدود الثلاثين من عمره، واختيار الإقامة في بلد يتمتّع بهامش من الحرّيّة وهو هولندا.

ورغم عدم تنكّر ديكارت للإله الذي حاولت فلسفته صياغة منهج مختلف لإثبات وجوده، ورغم إظهار تعلّقه بدين آبائه، إلّا أنّ هذا لم يُنجهِ من تعقّب الكنيسة الكاثوليكيّة له، مما جعله دائم التنقّل، ويعيش في وحدة هائلة، محاولًا الابتعاد قدر الإمكان عن الشهرة، وعن أن يكون معروفًا في أماكن سكنه وتجواله[5].

لقد قيل إنّ أهمّ ما يميّز فلسفة ديكارت هو سمتها العقلانيّة؛ بحيث إنّ هذه السمة اقترنت باسمه كلّما ذُكر اسم هذا الفيلسوف؛ لكن ديكارت لم يصبح الفيلسوف الذي نعرفه، أي فيلسوف العقلانيّة في العصر الحديث، إلّا حينما استعاد المشروع الفلسفيّ لأفلاطون، وهو استعاده وعدّل عليه بما يتناسب مع المعرفة العلميّة في عصره. فالعقلانيّة التي أعاد ديكارت إنتاجها كانت هي لحظة انبعاث الحضارة الغربيّة الحديثة في توجّهاتها الفكريّة التي صبغتها فيما بعد عهد ديكارت[6].
ورغم هذه الهالة التي أُحيطت بديكارت، وبمنهجه «الصارم»؛ لكنّه لم يكن وفيًا له، فقد تاه ديكارت بين عقلانيّة تبدّى أنّها تريد توطيد قطيعة مع الوحي، والاقتصار على العقل فقط، في تكريس لانفصال الانسان عن السماء، وبين تقليديّة مارس فيه «النكوص» المعرفيّ وإظهار العقل عاجزًا عن النهوض وحده عندما يتأتَّى الأمر إلى الميتافيزيقا والوجود الإلهيّ.

من هنا، سيتمحور الكلام فيما سيأتي حول الإجابة على مجموعة من الأسئلة أهمّها:
ـ هل العقلانيّة والاعتماد على العقل وحده كاف لإخراج الانسان من مأزقة المعرفيّ؟ وهل يلبّي حاجاته المعرفيّة؟
ـ إلى أيّ مدى ساهمت العقلانيّة الديكارتيّة في تأكيد وترسيخ القطيعة المعرفيّة والسلوكيّة مع الوحي والميتافيزيقا؟
ـ هل يمثّل العقل بعدًا وحيّدًا في الإنسان، أم أنّ له أبعادًا أخرى لا بدّ من ملاحظتها والاهتمام بها؟
ـ الى أيّ مدى كان ديكارت «وفيًّا» لمنهجه «الصارم»؟ وهل التزم بهذا المنهج في المباحث المتعلّقة بالميتافيزيقا؟
هذه بعض الأسئلة التي يسعى هذا البحث للإجابة عليها.

أوّلًا: العقلانيّة
1. ما هي العقلانيّة؟
إنّ المتبادر الأوّل إلى الذهن من هذه الكلمة هو ارتباطها بالعقل وبكلّ ما هو عقليّ؛ فالعقلانيّ هو الذي يؤكّد على قدرات الإنسان العقليّة تأكيدًا خاصًّا، ولديه إيمان بقيمة العقل والمحاججة العقليّة وأهمّيّتها، الذي هو الشرط المسبق لكلّ بحث فكريّ جادّ، وقد كان أوّل أبطاله في تاريخ التراث الفكريّ الغربيّ هو سقراط الأثينيّ. لقد كان سقراط لا يكفّ عن الإلحاح على أنّه ينبغي ألّا نكون راضين بالهوى الشعبيّ أو الرأي السائد، بل يجب إخضاع كلّ ذلك للفحص النقديّ[7].

من هنا، فإنّ لهذه الكلمة معنى عامًا، ودائرتها الواسعة تشمل جلّ الفلاسفة منذ عصر اليونان وإلى عصرنا هذا؛ ولكن حينما نأتي إلى معناها الفنيّ الخاصّ، فإنّه حتى أمثال أرسطو يخرجون من دائرتها، وكذا يخرج «برتراند راسل» مثلًا، الذي هو من الفلاسفة المتأخّرين، فأمثال أرسطو وراسل يطلق عليهم أنّهم كانوا ملتزمين عمومًا باستخدام العقل والحجَّة لتحرير الفلسفة وصياغتها، بينما العقلانيّة بمعناها الفنيّ الخاصّ، فهي على خلاف ثابت مع أصحاب المنهج التجريبيّ أو الذين يعطون قيمة مهمّة للتجربة والحسّ في المعرفة، فالتجريبيّة تزعم أنّ المعرفة البشريّة يستحيل أن تستغني عن الحسّ والبعد التجريبيّ، بينما العقلانيّون، خلافًا لذلك، يؤكّدون على الدور الذي ينهض به العقل بمعزل عن الحواس في اكتساب المعرفة[8].

وعليه، تُطلق العقلانيّة بمعناها الفنّيّ والخاصّ على نوع الفلسفة التي تعتبر العقل مصدرًا للمعرفة على اختلافها، ومنها معرفة العالم الفيزيقيّ. والفلسفة التي تقوم على المذهب العقليّ تعتمد على الاستدلال الخالص مصدرًا للمعرفة، بما يعني إمكانيّة الوصول إلى معرفة جوهريّة عن العالم، دون الرجوع إلى أيّ مقدّمات تجريبيّة[9].

وكثيرًا ما توصف العقلانيّة في الكتب المدرسيّة وكأنّها ظاهرة بدأت وانتهت في القرن السابع عشر، مع أنّ العقلانيّة مازالت تمارس تأثيرًا ملحوظًا في كثير من المجالات الفلسفية اليوم؛ ومن جهة ثانية، حتى أعمال العقلانيّين الكبار في القرن السابع عشر، من قبيل: ديكارت: ولايبنتز، لم تنشأ من عدم، فهي مَدينَة، بشكل أو بآخر، إلى بعض التراث اليونانيّ في بعده العقلانيّ، وإلى سمات فكريّة ظهرت في أديان سماويّة قديمة وحركة الأنبياء، بما ظهر لنا من تعاليم وحيانيّة تعطي للعقل دوره، في نظرة وسطيّة لا تُفرّط بالعقل وتضيّع دوره، ولا تُفرّط فيه حدّ التأليه.

2. العقلانيّة والمنهج التجريبيّ
العقلانيّون الذين يعتنقون مذهب العقلانيّة بمعناه الخاص الذي أشرنا إليه، يهملون الحواس لكونها مجالًا لحصول الشبهة، وغير جديرة بالثقة لتحصيل المعرفة أساسًا، فيما يُسلّم بعض منهم بأهمّيّة الحس والتجربة؛ ولكنّه يعتبرهما غير كافيين بحدّ ذاتهما للوصول إلى معرفة موثوقة.
ومن جهة أخرى، يؤكّد كلّ العقلانيّين على إمكانيّة المعرفة القبليّة، وهي المعرفة التي تحصل قبل التجربة؛ وهناك من يعرّفها، ككانط مثلًا، بأنّها المعرفة التي يمكن أن تتأسّس حقيقتها بمعزل عن أيّ ملاحظة تجريبيّة. وهذا ما يجعلنا، بحسبهم، قادرين على الوصول إلى معرفة بعض الحقائق المهمّة والأساسيّة عن الواقع[10].

ولكن هل تتنكّر المدارس العقليّة للتجربة والحسّ مطلقًا؟ بالدقّة، إنّ عامّة المذاهب العقليّة في تفسير المعرفة العلمية لا تُنكر دور التجربة والحسّ في عمليّة بناء المعرفة ضمن مستويات محدّدة، وذلك بالتعاضد مع المبادئ العقليّة القبليّة التركيبيّة، أي المبادئ العقليّة الإخباريّة، فالمبادئ القبليّة التي تتوفّر عليها أذهاننا قد تكون مبادئ تحليليّة، وقد تكون مبادئ تركيبيّة، أمّا مبادئ العقل التحليليّة، أي القضايا بشرط المحمول، فهي لا تُخبر إلّا عن نفسها، وتصدُق على قاعدة مبدأ الهويّة، واستحالة اجتماع النقيضين؛ أمّا القضايا التركيبيّة القبليّة، فهي قضايا إخباريّة، كمبدأ العلّيّة، والتماثل والاطراد في أحكام الطبيعة، أي أنّ محمولها غير متضمّن في موضوعها. ومدارس المذهب العقليّ عامّة لا تُنكر دور المعرفة التجريبيّة الحسِّيّة، بل تعتقد أنّ العقل وأحكامه التركيبيّة القبليّة شرط ضروريّ لكي تتشكّل الأحكام التجريبيّة، ويفاد من الحواس فائدة علميّة، أي أنّ قواعد العلم وأحكامه الكلّيّة تتوقّف على ضمّ المعارف والقضايا القبليّة إلى معطيات الحسّ والتجربة[11]، أمّا التجريبيّون فيميلون إلى أنّ القضايا الوحيدة التي يمكن أن نعرفها قبليًّا هي القضايا من النوع الذي لا يقدّم معلومات إضافيّة على الإطلاق، من قبيل «كلّ العزَّاب غير متزوّجين»، أي التي لا تقدّم معلومات عن العالم، بل تعتمد على تعريف المصطلحات المستخدمة لمفردات القضيّة[12].

ثانيًا: معالم العقلانيّة في الفلسفة الديكارتيّة
1. إرهاصات العقلانيّة عند ديكارت
كانت التعاليم المدرسيّة التي تلقّاها ديكارت منذ حداثة سنّه موضع تأمّل لديه؛ إذ خلص إلى نتيجة مفادها أنّها غير مقنعة، وأنّها ينبغي أن تخضع للتفنيد أكثر لاكتشاف مدى صلاحيّتها.
إنّ الأخذ بالأفكار التي نتعلّمها والتسليم بها لأجل أنّها من السلف فقط هو أخذ بالفكر والعلم بلا تبصُّر أو تفكير. هذا ما كان يحدّث ديكارت به نفسه وهو يحاول صياغة منهجيّة جديدة في النظر إلى الأفكار واختبار صحّتها.

لقد قرّر ديكارت بعد ذلك رمي جميع ما تلقّاه وراء ظهره، والشروع بطريقة جديدة في التفكير، وفي استثمار عقله، فقد ظهر له بأنّ حواسنا تخدعنا أحيانًا، وهذا يعني لزوم رفض شهادتها، ثمّ إنّ من الناس من يخطئ في استدلالاته؛ ولهذا سيتمّ رفض كلّ ما يقوم عليه الدليل باعتباره خاطئًا، وسيستخدم ديكارت منهجيّة صارمة للوصول إلى ذلك. وأخيرًا، فقد يكون هناك شيطان ماكر خادع قويّ يحلو له أن يلعب بنا ويستخدم مواهبه في تضليلنا. فإذن، فلنتوقّف عن الحكم في كلّ ما يعرض لنا، وهكذا كان الشكّ المنهجيّ باستخدام أداة العقل أوّل خطوة في الفلسفة الديكارتيّة، وفي مسار العقلانيّة على بنى مختلفة عمن سبقه[13].

2. العقلانيّة الديكارتيّة والتأسِّيس للإنسانويّة (نقد الإنسانويّة)
إنّ الإطاحة بإرث فكريّ سابق ليس أمرًا سهلًا، فهو يحتاج إلى جرأة ومغامرة فكريّة استثنائيّة، وإلى تأسيس قابل للبقاء والانتشار فيما يلي من سنوات، وهذا ما قام به ديكارت حينما أسس لمسار عقلانيّ معتمد على ما اعتبره «أعدل الأشياء قسمة وتوزّعًا بين الناس»، ألا وهو العقل، فعلى الإنسان، بحسب ديكارت، العودة إلى داخله ليتيقّن ويعرف، وهو بهذا الأمر يحرّر الآخذين بمنهجيّته من الإلزام السابق في البحث عن الأجوبة المصيريّة والحسّاسة والكبرى خارج الذات الإنسانيّة؛ سواء أكان في النظام الكونيّ، أم في الإله المهيمن، ومن ثمّ يؤسس لأن يصبح الإنسان هو سيّد نفسه وهو مالكها، وهذا ما يعتبر الحجر الأساس في المذهب الإنسانويّ الذي كُتب له بعد ديكارت التوسّع أكثر في الغرب والاتكاء عليه في أغلب التفاصيل[14]، وهذا المذهب هو نفسه الذي أدّى إلى منعرجات هدَّامة فيما بعد وصلت ذروتها في القرن العشرين.

إن أبرز مفرزات المسار الذي أسّسه ديكارت، والقائم على مبدئيّة التوسّل بالعقل، هو ترك التوسل في أفكارنا وسلوكنا بالوحي، والاقتصار على العقل فقط. فأضحى العقل هو السلطان الداخليّ الذي يملكه الإنسان لإصدار أحكامه على جميع الأشياء، ولإتيان أفعاله على مقتضى هذه الأحكام، فلا سلطان خارجيّ يهديه إلى صواب الأفعال والأحكام. وبالتالي، كان هذا المسار مكرِّسًا لانفصال الإنسان عن كلّ ما يربطه بالسماء[15]، وإجراء قطيعة معرفيّة سلوكيّة مع الوحي والمعرفة الوحيانيّة.

إنّ الأخذ بمسلّمة أنّ العقل يستطيع أن يعقل كلّ شيء، هو أرسخ الأمور التي أخذ بها الفكر الغربيّ. وقد واجهت هذه المسلّمة العديد من التحدّيات بعد الذهاب بها إلى عالم الممارسة الفعليّة، فقد ظهر العقل عاجزًا عن الإحاطة بالعديد من متطلَّبات الإنسان، فالإنسان يحمل في نفسه عالمًا وجدانيًّا تمتزج فيه المشاعر والإشارات بالقيم والآيات[16]. ولو كان العقل يستطيع الإحاطة بنفسه بكلّ المنافع والمضار، لما انجرّت الإنسانيّة في القرن العشرين إلى أكبر حربين في تاريخ البشريّة، خلّفتا عشرات ملايين الضحايا ودمارًا هائلًا، وصدمة كبيرة، جعلت المفكّرين الغربيّين يعكفون على إعادة دراسة الأسباب ونقد العوامل التي أوصلت الحداثة القائمة على العقل إلى هذه النتيجة.

3. العقل في المنظور الديكارتيّ
المذهب الديكارتيّ هو مذهب عقليّ، والمذهب العقليّ هو الإطار الذي حدّده ديكارت للفكر، ونادى به في القرن السابع عشر، فاتّسمت به الفلسفة الفرنسيّة بصفة عامّة، وتميَّزت به فلسفة ديكارت بصفة خاصّة.
ينظر ديكارت، كنظرة أوّليّة، إلى العقل البشريّ باعتباره محدودًا؛ ولهذا ينبغي ممارسة الشكّ توصّلًا لليقين، ولكن بما أنّ هذا العقل هو نسخة محدودة من العقل الإلهيّ، فمن المنطقيّ أن تكون ممارسة العلوم في مقدور البشر وضمن دائرة إمكانيّاتهم[17].

وديكارت يصنّف العقول بحسب مدى قدراتها، لا بالرجوع إلى الأنواع البيولوجيّة للكائنات التي تملك تلك العقول، فعقلنا ليس بشريًّا بقدر ما هو محدود، والربّ ليس بشرًا فائقًا بقدر ما هو لا محدود، وامتلاكنا للعقول بالنسبة لنا شأنه شأن امتلاكنا لقدرات من النوع العام نفسه الذي يمتلكه الربّ، وإنْ كانت أكثر محدوديّة وقصورًا من الربّ بمراحل. والنقطة المحوريّة هي أنّ عقل الربّ الكامل أو اللامحدود هو الذي يضع معيار أيّ شيء باعتباره عقلًا[18].

والقدرات الوحيدة التي يجب أن يمتلكها العقل، بحسب ديكارت، هي قدرات فكريّة بحتة، والقدرة على ممارسة الإرادة المطلوبة في إصدار الأحكام. ونظريّته ترى ضمنًا أنّ العقل يمتلك القدرات الضروريّة لاستيعاب علم تجريديّ للمادّة.

إنّ أيّ عمليّة يقوم بها العقل لا مجال للشكّ في أنّها حقيقة من جانب صاحب العقل. ويمكن تعريف كلّ ما هو عقليّ بشكل أساس بأنّه كلّ ما هو غير قابل للشكّ في حقيقته، بأنّه مدرَك مباشرة من جانب النفس[19].
فالعقل عند ديكارت شامل لجميع البشر؛ ولهذا يمكن اعتباره الركيزة التي يمكن الانطلاق منها للتأسيس للمنهج العقليّ الذي على أساسه سيبني صرحه الفلسفي العقلانيّ، فإذا لم يكن هذا النور الفطريّ موجودًا عند الجميع، فكيف يمكن حينئذ أن ينفع أيّ احتجاج أو أن تُقدَّم أيّ فلسفة للآخرين؟ ولكن ديكارت يشترط مع ذلك سلامة استعمال العقل فيما نريد الوصول إليه؛ «.. بل الأهم من ذلك هو أن نستعمله استعمالًا جيّدًا»، بهذه العبارة تحديدًا عبّر عن ذلك في كتابه مقال في المنهج. أمّا كيفيّة استعماله بشكل صحيح فهو ما سيعقّب به، معتبرًا أنّ القدرة على الحكم العقليّ الصالح، وتمييز الخطأ من الصواب يجب أن ينتظم كلّه بالمنهج[20].

ولكن هل هذا الطرح بحقّ لا نقاش فيه؟ هل حقًا اتّخذ ديكارت العقل سندًا وجعل العقلانيّة منهجًا صارمًا في طريقة تفكيره؟ هل استخدم ديكارت العقل للتأسيس لوعي أوروبيّ جديد؟ أم أنّ ديكارت هو مدرسيّ من نوع آخر، من نوع أرقى ممن سبقه؟ هل يعتزّ ديكارت بالمنهج أكثر من تمسكِّه الظاهريّ بالعقيدة، وبالتالي يكون أقرب إلى القديم منه إلى الحديث؟ وهل ديكارت فيلسوف العقل أم فيلسوف الإيمان، وهل نسبة العقل لديه أكثر من الإيمان أم أنّ نسبة الإيمان لديه أكثر من العقل؟

توجد مؤشّرات في أعمال ديكارت تبرزه أقرب إلى فلاسفة العصر الوسيط منه إلى فلاسفة العصر الحديث، كما يبدو أنّه يمثّل نهاية مرحلة أكثر منه تمثيلًا لبداية مرحلة، وأنّه فيلسوف الإيمان أكثر منه فيلسوف العقل. ويمكن الاستناد إلى ما فعله ديكارت بعد عرضه لقواعد المنهج الأربع في مقالته في المنهج؛ إذ قام باستثناء أربعة أشياء لا يطبّق فيها المنهج، ويتمّ التسليم بها بناء على الأخلاق المؤقّتة، فقد استثنى ديكارت من حكم العقل: العقائد، والكنيسة، والكتاب المقدّس، والعادات والتقاليد والأخلاق ونظام الحكم. لقد قصر ديكارت أحكام العقل على موضوعات الفكر فحسب: الرياضيّات والعلوم، دون الواقع الأخلاقيّ والاجتماعيّ والسياسيّ. إنّ ديكارت هو الذي انتهى إلى القول: «أموت على دين مليكي»، و«أموت على دين مرضعتي». وحتى لو افترضنا بأنّ ديكارت قد ترك لمن بعده بأن يقوموا بتطبيق القواعد على كلّ شيء دون استثناء، فإنّه حتى على هذا الفرض يمكن اعتباره قد آثر السلامة، وترك النضال لغيره[21].

4. العقلانيّة عند ديكارت ودور العلوم الرياضيّة
من المعلوم أنّ ديكارت هو عالم رياضيّات، وقد اشتغل كثيرًا في ميدان الهندسة التحليليّة، وهذا ما جعله يستفيد من المنهج الرياضيّ في مجال الفكر الفلسفيّ، ويرى ديكارت أنّ مدار العلم الطبيعيّ في حقيقة الأمر هو الكشف عن العلاقات التي يمكن التعبير عنها رياضيًّا، وبقدر ما يمكن تفسير العالم علميًّا يجب تفسيره رياضيًّا؛ لما تمنحه الرياضيّات لنا من يقين[22]. واليقين هو الذي يضع معارفنا في خانة العلم. إنّ الرياضيّات هي النموذج الأمثل لتحقّق المعارف اليقينيّة الواضحة والمتميّزة.

وهذا ما جعل الرياضيّات تساهم في تأسيس المنهج الديكارتيّ في المعرفة، باعتبارها الأداة المناسبة للسيطرة على العلوم الطبيعيّة، فليس ثمّة معرفة بالعلم إلّا من خلال التصوّرات الرياضيّة.
لقد ذهب ديكارت إلى اعتبار عقولنا عاجزة عن الوصول إلى أيّ معرفة واضحة ومتميّزة عن العالم إلّا من خلال أفكار رياضيّة واضحة وصارمة، بل عُدت الرياضيّات من قبيل الأمور المُنزّلة من عند الله، لما تحتويه من صدق ويقين[23].
من جانب آخر، تجدر الإشارة إلى اختلاف النسق الأفلاطونيّ عن النسق الديكارتيّ في طريقة استخدام الرياضيات وتسخيرها في الفكر والمعرفة. فأفلاطون انساق وراء فيثاغورث، فلم يجعل الرياضيّات منهجًا فحسب، بل ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، حيث أدخل الرياضيّات في صميم الوجود، وفسّر الوجود بالأعداد، والموجودات بالأعداد الهندسيّة. لم يستعن أفلاطون بالرياضيّات منهجًا للفكر فحسب، بل جعلها عاملًا أساسيًّا لتفسير الوجود نفسه، أمّا ديكارت فقد كانت الرياضيّات عنده منهجًا في الاستدلال والتفكير[24]؛ إذ اعتمد على علم الهندسة الرياضيّ لينشئ عمليّات استنباطيّة خطوة بخطوة.

يرى ديكارت أنّ المعرفة كلّها وحدة نظاميّة، وتشبه الفلسفة شجرة، تشكّل الميتافيزيقيا جذورها، والفيزياء جذعها، والعلوم الأخرى فروعها. ويقوم ديكارت بإخضاع العلوم الفيزيائيّة للرياضيّات، أي جعلها رياضيّة، وهو اقترح التخلّص النظاميّ من الخصائص المحسوسة، بالإضافة إلى القوى الخفيّة الغامضة من نحو «القوى» أو «الفضائل» المتجانسة والمتنافرة في العلم القروسطيّ لصالح الخصائص القابلة للقياس الدقيق في التفكير الرياضيّ[25].

ولكن من قال إنّ ما هو ناجح في المسار النظريّ لعلم الهندسة يمكن أن يكون ناجحًا في الفيزياء؟ إنّ الفيزياء تتعامل مع الواقع الخارجيّ، ولا يمكن لصرامة خطوات الاستنباط المعتمدة على انتظام الرياضيّات ودقّته، ولا للمعرفة الفطريّة البسيطة والقبليّة، أن تنهض بوصف تعقيدات الكون الواقعيّ. إنّ نسيج الميتافيزيقا الديكارتيّ قد يكون له سحر داخليّ معيّن؛ ولكنّه لا يحمل أيّ صلة مفيدة بالعلم الواقعيّ[26]. وهذا ما تخبرنا عنه التحوّلات التي حدّثت في النظر إلى الطبيعة والكون بعد النهضة العلميّة للبشريّة، حيث حجزت التجربة، في الفكر الغربيّ، مكانًا واسعًا لها في العلوم الفيزيائيّة وأخواتها. وصارت التجربة في صميم اختبار صحّة كثير من المعطيات أو الفرضيّات التي يريد العلماء التحقُّق منها.

5. موقع الحسّ والتجربة في مسار المعرفة العقلانيّة عند ديكارت
إنّ شأن ديكارت شأن أفلاطون، يُلحّ على أنّ العقل يجب إبعاده عن الحواس إذا كنّا نريد بلوغ المعرفة الحقيقيّة. ويمكن ارجاع ذلك جزئيًّا إلى أنّ أحكامنا بشأن العالم الخارجيّ عرضة للخطأ، وقد تخضع إدراكاتنا الحسّيّة للخطأ والوهم.

إنّ ديكارت، حتى بعد أن ينتهي من أعمال منهجه الشكِّيّ، يستمرّ في الإلحاح والتأكيد على أنّ حواسنا، حتى وهي في نظام عملها الكامل، تظلّ مخبِرات لا يعوَّل عليها بشأن الطبيعة الحقيقيّة للواقع. وهذا يتبدى في مناقشات ديكارت لمعرفتنا للعالم الفيزيائيّ، وهو يقدّم مثال قطعة الشمع المأخوذة توًّا من قرص العسل؛ إذ يؤكد ديكارت بأنّ الخصائص العاديّة المحسوسة للشمع لا تخبرنا بشيء عن طبيعتها الجوهريّة. ويتّضح أنّ الخصيصة الجوهريّة الوحيدة للشمع هي امتدادها، فهي ببساطة شيء متمدِّد له طول وعرض وعمق، وهو قابل لأن يتّخِذ عددًا غير محدود من الأشكال الهندسيّة، ولكن ذلك ليس شيئًا ندركه بالحواس أو التخيّل؛ لأنّنا نعلم أنّ الشمع يمكن أن يتّخذ من الأشكال أكثر بكثير مما نستطيع أن نلاحظه فعليًّا أو نصوِّره لأنفسنا. ومن ثمّ نعلم أنّ الأجسام لا يتمّ إدراكها بدقّة بواسطة الحواس أو ملكة التخيّل، والعقل وحده هو القادر على أن يعطينا تحديدًا قاطعًا حول بعض خصائصها[27].
وفي الخلاصة، في مثال قطعة شمع العسل الذي ضربه ديكارت، يتبيّن أنّ عدم ثبات الخواص في المعرفة الحسّيِّة يجعلها معرفة لا يُعوّل عليها. فالخواص الخالدة والثابتة هي وحدها التي يمكن أن تكون مادّة للمعرفة الحقيقيّة؛ وذلك من خلال البُعد العقلانيّ عند الإنسان.

 ولكن لماذا لا يمكن للحواس أن تعطينا معلومات دقيقة وجديرة بالثقة عن طبيعة الأشياء شريطة أن نكون حريصين على تعيين شروط استخدامها!؟[28]، وبعبارة ثانية، مشكلة ديكارت مع المعارف الحسّيّة هي أنّها لا تتّسم بالثبات والديمومة، وهذا ما جعله يستبعدها. ولكن ماذا إذا كان يمكن لهذه المعارف أن تكتسب نحوًا من الثبات فيما لو ربطناها بشروطها الظرفيّة الزمانيّة والمكانيّة وغيرها من الشروط بما يجعل هذه المعارف صحيحة ويمكن الركون إليها ما دامت ضمن هذه الشروط والظروف المحدَّدة لها؟ هذه إشكاليّة طرحها التجريبيّون على عقلانيّة ديكارت.

ثالثًا: اليقين المعرفيّ العقلانيّ عند ديكارت
1. شروط اليقين المعرفيّ العقلانيّ عند ديكارت
من أجل تعبيد الطريق لتحديد المنهج المناسب للوصول إلى اليقين، راح ديكارت يعدّد الأسباب والمؤثّرات التي تجعل من معارفنا غير صالحة وغير يقينيّة؛ ولهذا نجده يحدّد في كتابه: «مقال عن المنهج»، جملة من هذه المؤثّرات. فالعادات، والتقاليد، والبيئة، والأفكار التي تحيط بنا، تؤثّر في آرائنا أكثر من أيّ علم يقينيّ، وإنّ موافقة الكثرة ليست دليلًا ذا شأن على الحقائق التي يتعسّر كشفها، فإنّه أقرب إلى الاحتمال أن يجدها رجل واحد من أن تجدها أمّة بأسرها[29]. وهذا ما جعل ديكارت يعمل على وضع قواعد خاصّة بالمنهج الذي يوصل لليقين، على غرار القواعد الرياضيّة الدقيقة التي أحبّها منذ عهد الدراسة. فبحسب ديكارت، إنّ الحجّة العقليّة إذا كانت يقينيّة وجليِّة أمكن عرضها على الآخرين، فتقنعهم إقناعًا عقليًّا[30]. وحسب ديكارت فإنّ أيّ معرفة، مهما كان نصيبها من الصحّة، لن تكتسب صفة الصدق الرياضيّ أو تكون علمًا يقينيًّا يعدل يقين العلوم الرياضيّة، ما لم تتوفّر فيها شروط الفكر الرياضيّ وخصائصه، وهو يعدّدها على الشكل الآتي:

الأوّل: ألّا أقبل شيئًا ما على أنّه حقّ، ما لم أعرف يقينًا أنّه كذلك؛ بمعنى أن أتجنب بعناية التهور والسبق إلى الحكم قبل النظر، وألّا أُدخل في أحكامي إلّا ما يتمثّل أمام عقلي في جلاء وتميز؛ بحيث لا يكون لديّ أيّ مجال لوضعه موضع الشكّ.
الثاني: أن أقسّم كلّ واحدة من المعضلات التي سأختبرها، إلى أجزاء على قدر المستطاع، على قدر ما تدعو الحاجة إلى حلّها على خير الوجوه.
الثالث: أن أسيّر أفكاري بنظام، بادئًا بأبسط الأمور وأسهلها معرفة كي أتدرج قليلًا قليلًا حتى أصل إلى معرفة أكثرها ترتيبًا بين الأمور التي لا يسبق بعضها الآخر بالطبع.
الرابع: أن أعمل في كلّ الأحوال من الإحصاءات الكاملة والمراجعات الشاملة ما يجعلني على ثقة من أنّني لم أُغفل شيئًا[31].
ويمكن أن نلحظ في الشرط الأوّل كيف أنّ ديكارت يركّز على أهمّيّة الانطلاق مما هو بديهيّ لنستطيع بلوغ اليقين لاحقًا، فالبديهيّ هو الذي يكون جليًّا ومتميّزًا، ولا يكون موضع شكّ.

أمّا الشرط الثالث، فهو يعني أن تسبق البديهيّات في نسق استنباط المعرفة أيَّ معرفة أخرى لاحقة، فترتيب الأفكار في نسق خاصّ هو ما يقوم به الرياضيّ أيضًا؛ حينما يريد الوصول إلى النتيجة الرياضيّة اليقينيّة.

 ولكن من الإشكاليّات الموجَّهة إلى منهج تحصيل اليقين، بحسب المنهجيّة الديكارتيّة، تلك التي تظهر لنا حينما نريد إثبات وجود الإله؛ فلكي نُثبت وجود الله علينا، بحسب المنهج الديكارتيّ، أن نبدأ من مقدّمات معيّنة بديهيّة، ولكن كيف لنا أن نعلم أنّ هذه البديهيّات صحيحة، وأنّنا لم نقع في الاشتباه فيها؟ يجيب ديكارت أنّنا نعلم ذلك من خلال إدراكنا حقيقتها بوضوح وتمييز. ولكن سؤالًا ينشأ هنا: كيف يمكن لنا أن نثق بإدراكاتنا الواضحة والمتميّزة؟ نعم، حالما يتمّ البرهان على وجود الله لن تكون هناك مشكلة؛ لأنّ ديكارت يمكن أن يزعم بأنّ الله الكائن الكامل، والذي كلّه خير، لا يمكن أن يكون قد أعطانا عقلًا يخضع للخطأ في المسائل التي يعتقد العقل أنّه يدركها بوضوح. ولكن قبل إثبات وجود الله، يبدو أنّه ليست لدينا ضمانة بإمكانيّة التعويل على العقل حتى في أبسط الأمور، وهذا يعني أنّ الدور هو ما يحكم مسار التفكير الهادف لليقين؛ فنحن لا نستطيع أن نثق بإدراكاتنا الواضحة والمتميّزة حتى نعرف أنّ الله موجود، ومن جهة أخرى، نحن لا نستطيع البرهنة على وجود الله دون الاعتماد على إدراكاتنا الواضحة والمتميّزة.

ديكارت أجاب عن المعضلة السابقة بالقول بوجود مجموعة من القضايا هي من الوضوح بحيث تضمن نفسها بنفسها، حتّى دون ضمانة إلهيّة، من قبيل: «اثنان زائد اثنان تساوي أربعة» أو «إذا فكّرت فأنا موجود». ولكن، مع ذلك تطرأ مشكلة أخرى على ديكارت، وهي أنّ هذه القضايا لا تعطينا سوى معلومات قليلة جدًّا، وهذا ما يجعل الذهاب إلى إثبات قضايا أكثر جوهريّة أو تعقيدًا، كإثبات وجود الإله، رحلة غير مضمونة، وغير معصومة[32].
 ومن الملاحظ أنّ ديكارت الذي يقدّم لنا في قاعدته الأولى للتفكير منهجًا صارمًا، يقوم على عدم قبول شيء على أنّه الحقّ إلاّ إذا كان واضحًا ومتميّزًا، نجده، من جهة ثانية يدعو لتكريس الَّلامعقوليّة والغموض، بحجّة أنّه ليس من الغريب أن يكون في طبيعة الله وفي أعماله أشياء كثيرة تتجاوز ما يمكن لأذهاننا تناوله، وهو أيضًا لا يجعل الفكر مقياسًا للعقائد الدينيّة (الدين المسيحيّ بالتحديد)، بل يجعل تلك العقائد مقياسًا يقيس به مدى صحّة الفكر أو عدم صحّته. وهو يقول صريحًا إنّه ينبغي علينا تفضيل الأحكام الإلهيّة على استدلالاتنا، ويزيد على ما تقدم بأنّه ينبغي الاستمساك بقاعدة تعصمنا من الزلل، وهي: ما أنزله الله فهو اليقين الذي لا يعدله شيء آخر؛ أمّا الحقائق التي لم يذكرها الوحي، فهذه ينبغي التعويل فيها على العقل الناضج، وعدم الأخذ بالموروث، وعدم الركون فيها إلى الحواس، فضلًا عن عدم التسليم بصحّة شيء لم يتمّ التحقّق منه[33].

وهذا ما يجعل الحقيقة العقليّة عنده تقف عند حدود الحقيقة الدينيّة، مما يجعل قاعدته الأولى مكبّلة ومقيّدة، ولا يمكنها المسير إلى الغاية النهائيّة التي هدفت إليها فلسفته، وهي الوصول إلى اليقين بمنهجيّة تفكير مختلفة عن منهجيّة السلف.
والواقع أنّنا لا نعترض على طرح ديكارت المتعلّق بالحقائق الدينيّة اليقينيّة الصدور عن الوحي، اذا كان الطرح ينسجم مع منظومة الفيلسوف، وهنا يكمن جوهر الاشكال على ديكارت، الاشكال الذي ينبع من مدى ملاءمة العقلانيّة التي دعا اليها ديكارت مع الالتزام بحقائق دينيّة تعلو قوّة العقل وسيطرته وقدراته.

إنّ هذا الطرح لديكارت الذي تجده مبثوثًا في مواضع عديدة من كتاباته، يجعله مربوطًا بحبل يشدّه مع فلسفته إلى العصور التي سبقته، بل ربما يجوز القول إنّ فيلسوفًا مثل ابن رشد كان أكثر تعبيرًا عن الروح الحديثة حينما اعتبر العقل هو الأساس فيما إذا وجد بينه وبين الوحي تعارضًا ما؛ فيصير لزامًا العمل على تأويل الوحي بما يجعله متّفقًا مع العقل[34].

ويمكن أن نضيف إلى ما سبق، أنّ ديكارت لا يُطبّق أيضًا القاعدة الثانية الخاصّة بالتحليل؛ فديكارت يُسلّم بالأحكام الإلهيّة المعبّر عنها بالإنجيل، وهو لم يسأل نفسه، ولو من باب إعمال العقل التحليليّ: لماذا يطالبنا الله بأن نؤمن بأشياء تعارض العقل الذي منحنا إياه؟! وإذا كان العقل من أعمال الله كما الوحي، فلماذا لم يطرح السؤال الآتي: هل أعمال الله يعارض بعضها بعضًا؟![35].
إنّ الإله عند ديكارت ليس ضامنًا فقط لصحّة الفكر في إدراكه لذاته، بل هو ضامن كذلك لصحّة إدراك الفكر للعالم والأشياء. فالفكر وحده غير قادر على ردم الهوّة التي حفرها الشكّ بين العقل والأشياء في العالم، والله هو الضامن لردم هذه الهوة، وإنشاء جسر بينهما[36].

ولهذا نجده يقول في تأمّله الخامس: «وإذن فقد وضح لي كلّ الوضوح أنّ يقين كلّ علم وحقيقته إنّما يعتمدان على معرفتنا للإله الحقّ؛ بحيث يصحّ لي أن أقول إنّي قبل أن أعرف الله ما كان بوسعي أن أعرف شيئًا آخر معرفة كاملة. والآن وقد عرفته سبحانه، قد تيسِّر لي السبيل إلى اكتساب معرفة كاملة لأشياء كثيرة»[37].

2. دور الاستنباط في بلوغ اليقين
اعتمد ديكارت على فنّ البرهان العقليّ كوسيلة لبلوغ اليقين المنشود. والبرهان العقليّ يمكن استخدامه في العلوم الرياضيّة والطبيعيّة أيضًا. والبرهان العقليّ مكوّن من جملة من القواعد المؤكّدة التي تعصم مراعاتها ذهن الباحث من الوقوع في الخطأ، وتُمكّنه من بلوغ اليقين في جميع ما يستطيع معرفته، دون أن يستنفد قواه في جهود ضائعة[38].

إنّ الاستنباط، كما يراه ديكارت، هو حركة فكريّة موصولة، فنحن حينما نرى الأشياء واحدًا بعد الآخر برؤية بديهيّة، بحيث لا تشتمل القضايا الأولى التي نعتمد عليها إلّا على قضايا يقينيّة، فهذا يمكّننا من فهم حقائق أخرى كنتيجة للحقائق الأولى الأبسط التي انطلقنا منها. فالاستنباط هو مجموعة حدوس، والحدس[39] هو نقطة البدء في أيّ استنباط.

والجمع بين الحدس والاستنباط يحتاج إلى مجهود عقليّ، وإلى عمليّة نحتاج إلى إجرائها في أذهاننا بحرفيّة وتمرُّس، حتى نصل إلى اليقين بأمور أخرى[40]، ولكن هذا الاستنباط الذي يقوم على مجموعة من المسلَّمات والقبليّات التي نثق بها، بحيث تعتمد الحقيقة اللاحقة على حقائق قبلها أبسط منها، ألم يكن مُتّبعًا في العقليّة الدينيّة التي تجرّدَ ديكارت لانتقادها ومراجعتها والانقلاب على آليّاتها الفكريّة؟! وهذا ما يجعل المنهج الاستنباطيّ الديكارتيّ كلّه ليس إلّا تطويرًا وقراءة علمانيّة عصريّة لاستخراج الحقائق الجديدة من القبليّات السابقة عليها[41]. إنّ كلّ ما فعله ديكارت من خلال اتّباعه لآليّة الاستنباط هذه هو صبغها بصبغة جديدة وبرّاقة، تلائم شيئًا من مقتضيات التحديث الذي كان عصره يحتاج إليه، دون إحداث تغيير بنيويّ في جوهر هذه الآليّة.

إنّ فكرة الاستنباط كانت مألوفة لدى ديكارت في الهندسة التحليليّة والرياضيّات؛ لذا يمكن اعتبار أنّ ما فعله هو دمج بين هيكليّة جديدة في وضع القضايا ضمن نسق صارم ومنتظم لتهيئتها للإنتاج، وبين مضمون لا يختلف عن المدرسيّين في اعتمادهم على قبليّات كأساس لتوليد يقين جديد.

3. دور المعرفة الفطريّة في اليقين الديكارتيّ
يعتمد مشروع ديكارت الفلسفيّ العقلانيّ على ركن مهمّ جدًّا، وهو مجموعة المسلّمات أو البديهيّات، أو ما يسمّيه هو «نور الطبيعة الفطريّ»، المتموضع في موقع المعرفة القبليّة التي تعيننا على مراكمة معارفنا وتوسيعها. وهذا النور الفطريّ يرفض إدلال الحواس المُضلّ، ويكشف الغطاء، بحسب ديكارت، عن بنية الواقع الجوهريّة.

لا يُنكر ديكارت وجود بعض الأفكار التي ترد من الحواس، وهو يدعوها أفكارًا عرضيّة، ولكن أفكارًا كهذه لا تزوّدنا إلّا بالقليل من المعلومات، أو لا تزوّدنا بشيء من الطبيعة الحقيقيّة للأشياء؛ ولهذا، بحسبه، إذا أردنا أن نعرف كيف هي الأشياء حقًا، فعلينا أن لا نركّز على الانطباعات الحسّيّة، بل على الأفكار الأكثر جوهريّة؛ من قبيل الامتداد، والعدد، والحركة التي تشكّل الأساس لمدركاتنا الحسّيّة الواضحة والمتميّزة[42]. فالمفاهيم الفطريّة عنده هي وحدها أساس العلم الواقعيّ.

وكي لا نقع في الالتباس الاصطلاحيّ، من الضروريّ التمييز بين أربعة معانٍ، كلّها يطلق عليها معرفة فطريّة أو أفكار فطريّة:
تطلق المعرفة الفطريّة على الإدراكات التي تتعرّف إليها جميع الأذهان على حدّ سواء بغض النظر عن كيفيّة حصولها.
تطلق أيضًا على تلك المدركات الموجودة في أذهان جميع الأفراد بالقوّة، رغم عدم وجودها بالفعل لدى بعض الأفراد.
تطلق كذلك على القضايا التي يكون برهانها ملازمًا لها، بحيث إنّه حين حضورها لا بدّ من حضور برهانها معها، وتسمّى في المنطق: «قضايا قياساتها معها».
وأخيرًا، تطلق المعرفة الفطريّة على الإدراكات والتصوّرات التي تعتبر سمة ذاتيّة للعقل، ولا تتكىء بأيّ وجه من الوجوه على غير العقل.

والمعنى الأخير هو الذي ذهب إليه رينيه ديكارت، وهو الذي رفضه الحسّيّون، وقد رفضه كذلك الفلاسفة المسلمون؛ ولهذا نجد، مثلًا، أنّ الشيخ مرتضى مطهري يؤكّد أنّه لا إشكال في المعنى الأوّل من معاني الإدراكات الفطريّة، فهذه الإدراكات متى تحقّقت فإنّه تتساوى في إدراكها جميع الأذهان، سواء أرضيت بذلك أم لم ترض به، ويرفض مطهّري الربط التلازميّ بين المعنى الأوّل والمعنى الرابع؛ حيث ثمّة من قال إنّ إنكار المعنى الرابع يستلزم إنكار المعنى الأوّل[43]، وهذا الاستلزام غير صحيح.

إنّ ديكارت بهذا الركن الأساسيّ الذي وضعه لمساره الفلسفيّ، لم يسلم من مشابهة من سبقه، ومن قامت فلسفته على تشييد ما هو مغاير لمنهجهم الفكريّ الذي اعتبره غير صالح لإنتاج معرفة لا يُرتاب فيها، فقبليّات ديكارت الفطريّة ليست، في نهاية المطاف، إلّا نحوًا من الإيمان المسبق، ولكنّه ليس إيمانًا دينيًّا ومعتمِدًا على النصوص، بل هو إيمان رياضيّ[44].
ثمّ إنّ مجموعة من الأسئلة فُتحت على الفلسفة الديكارتيّة بعد استبعادها للمعرفة الحسّيّة، من قبيل: هل بوسع الذهن أن يعمل في غياب المثيرات الحسّيّة؟ هل ذهن الطفل الصغير، مثلًا، يتأمّل حقًّا في الميتافيزيقا وهو في رحم أمه؟ وكيف تولّدت لديه هذه الأفكار المسبقة التي نطلق عليها النور الفطريّ؟
نعم، يمكن لديكارت أن يحمي نفسه من خلال مجموعة من التبريرات كافتراض أنّ الطفل الصغير، مع كونه غير مؤهّل للتفكير أو التركيز على الميتافيزيقيا، خصوصًا وأنّه بعد ولادته سيكون محاطًا بشكل دائم بوابل من المثيرات الحسّيّة، ولكنّه مع ذلك يمتلك بالخلقة تلك الأفكار الأساسيّة والحقائق التي نسمّيها بديهيّات. وهذه الأفكار والحقائق البسيطة لا يكتسبها فيما بعد، بل هي موجودة عنده بحيث إنّه لو أُخرج من سجن جسده لوجدها في داخل نفسه[45].

إنّ السبب في اتكاء ديكارت على نظريّته هذه هو أنّه لو كانت هذه المعرفة الأوّليّة خاطئة للزم أن يكون الإله مخادعًا، والخداع لا يليق بالكمال الإلهيّ. وعليه، يحقّ لنا، بحسبه، الاعتماد على هذه المعارف، ولكون السبيل للتعرّف إليها عندنا هو وضوحها وتميّزها.
ولكن هذا الطرح، إضافة إلى تضمّنه الدور الصريح، بسبب اعتماد إثبات وجود الإله على هذا النوع من المعارف، وبسبب اعتبار الإله هو الضامن لها، كذلك يمكن للوجدان أن يكذّبها. فأيٌّ من الأطفال مثلًا وُلد وهو يحوي مجموعة المفاهيم الفطريّة بالفعل؟! الملاحظ أنّها تصير فعليّة عند الإنسان مع مرور الزمن وفقًا لآليّات خاصّة.
ثمّ إنّ ما هو ضابط معياريّة الوضوح والتميّز؟ فهذان الأمران لا يخلوان من الإبهام، ولا يرفعان الغموض حين ننزل لميدان التطبيق والاعتماد عليهما.
إنّ ديكارت، الذي نجده يقول في مكان آخر حول تعلّق الإرادة الإلهيّة ببذر بذور هذه المعارف في ذواتنا، يضيف أيضًا بأنّ هذه المعارف لو أرادها الإله أن تكون على نحو آخر لكانت!! وهذا يفضي بنا إلى نسبيّة المعرفة. ونسبيّة المعرفة تنافي نظريّة ديكارت القائمة على اليقين المعرفيّ العقلانيّ كهدف أساسيّ من حركته الفلسفيّة.

وتبعًا لهذه المقولات فهل تبقى ثمّة قيمة للمعرفة أصلًا؟ إذ المفروض أنّ قيمة المعرفة تنبع من كونها كاشفة عن الواقع، لا من كونها «مجعولة»، بحيث تصبح قابلة لأن تتغيّر وتتبدّل تبعًا للإرادة فقط[46].



خاتمة
لم تكن فلسفة ديكارت فلسفة محلِّيّة، فمن الواضح أنّه نجح بما طرحه من منهج فكريّ في جعل فلسفته واسعة الانتشار، خصوصًا في القارة الأوروبيّة، وجعل من بعده يعكفون على قراءته أو نقده.

لقد وضع ديكارت العقل كأولويّة فيما ينبغي أن يُعين الإنسان في الوصول إلى اليقين، وضبط لنا، بحسب ما توصّلَت إليه إمكانيّاته المعرفيّة والعقليّة، القواعد التي تفصل بين الصواب والخطأ، وقد اتبع في ذلك خطوات منتظمة ومتسلسلة اعتبرها قادرة على عصمة الآخذ بها من الخطأ والزلل.
و لم يُرِد ديكارت تحطيم أساسيّات الاعتقاد في هذا الموروث، فمن الواضح أنّ ملامح الإيمان بالإله كانت جليّة في فلسفته، ولكنّه أراد تغيير المسالك والمناهج التي تربط الإنسان بهذه الأركان الإيمانيّة، بحيث تُغَيّرُ شيئًا ما من الزاوية التي ينظر إليها، مما يؤدّي إلى تغيّرات مؤثّرة وإيجابيّة في حياة الإنسان والمجتمع بشكل عامّ.
ولكن هل وُفّق ديكارت حقًا حينما نأتي إلى ممارسته هو لقواعد المنهج وللضوابط التي وضعها، في إشعال ثورة كبيرة، خصوصًا على الموروث الدينيّ؟ إنّ كتابات ديكارت العديدة كلّها تؤكّد أنّه وضع لنفسه حدودًا في الممارسة لم يتخطّاها. وبغض النظر عن أسباب ذلك، فإنّنا لا يمكن إلاّ أن نقول إنّه ظلَّ عالقًا في هذه المساحة، ولم يستطع تجاوزها، مما يجعل بعضًا من ديكارت يعبّر عن التراث القديم من دون أدنى شكّ.

ولهذا، وكغيرها من الفلسفات، لم تسلم فلسفة ديكارت من الثغرات العديدة، وهذا ما جعل بعض تلامذته، أو بعض الفلاسفة الذين أتوا بعده، يعكفون على محاولة سدّ هذه الثغرات وعلاجها، أو نقدها وتجاوزها نحو إيجاد حلول أجدى للمشكلات المعرفيّة التي بقيت دون إجابات مقنعة معه. ما جعل عقلانيّة ديكارت أشبه بالَّلاعقلانيّة، وفق المحدّدات التي وُضعت لشروحات هذا المفهوم.

وعلى أيّ حال، يمكن اختصار أهمّ الافكار النقديّة التي توجّه نحو عقلانيّة ديكارت بالنقاط الآتية:
1. لقد أسَّس ديكارت بعقلانيّته المفرطة لسيادة المذهب الإنسانويّ، الذي توسّع في الغرب بعد ديكارت وتمّ الاتكاء عليه في أغلب التفاصيل [47]، وهو نفسه الذي أدّى إلى منعرجات هدّامة وصلت في القرن العشرين إلى ذروتها.
2. لقد خطّ مسار مبدئيّة التوسل بالعقل وحده، والذي أسَّسه ديكارت، إلى ما يشبه «تأليه» العقل الذي أضحى هو السلطان الداخليّ الذي يستعمله الإنسان في إصدار أحكامه على الأشياء، ولإتيان أفعاله على مقتضى هذه الأحكام، فلا يوجد سلطان خارج عنه يهديه إلى صواب الأفعال. فكرّس هذا المسار عمليّة الانفصال عن كلّ ما يربط الانسان بالسماء، وأجرى قطيعة معرفيّة وسلوكيّة مع الوحي وكلّ معرفة وحيانيّة أو ميتافيزيقيّة.
3. إنّ الاعتقاد بأنّ العقل يستطيع أن يعقل كلّ شيء، سيواجه لاحقًا العديد من التحدِّيات في عالم الممارسة الفعليّة؛ إذ تجاهَلَ هذا الاتجاه واقع أنّ الإنسان يحايث عالمًا وجدانيًّا تمتزج فيه المشاعر والاشارات بالقيم؛ لذلك لا غرابة أن يصطدم هذا التيّار بواقع ظهور العقل مظهر العاجز عن الإحاطة بالعديد من متطلّبات الإنسان.
4. رغم المنهج الذي سعى ديكارت لأن يكون صارمًا فيه، لكنّه ضعُف أمام قضايا استثناها عند تطبيق المنهج، واعتبر أنّه لا بدّ من التسليم بها بناء على الأخلاق المؤقّتة. وهذه القضايا المستثناة من حكم العقل هي: العقائد، والكنيسة، والكتاب المقدّس، والعادات والتقاليد والأخلاق ونظام الحكم. ما يعني حصر أحكام العقل بموضوعات الفكر فحسب: الرياضيّات والعلوم، أمّا الواقع الأخلاقيّ والاجتماعيّ والسياسيّ فليست محايثة له. ولعلّ السبب في ذلك، ليست قناعة ديكارت بعدم شمول العقل والعقلانيّة لهذه الموضوعات، بقدر ما هو الخوف من الكنيسة وسلطتها، فآثر السلامة، أمّا النضال في سبيل ترسيخ العقلانيّة، فترك المخاطرة في سبيلها لغيره.
5. لم يستطع ديكارت، بحسب منهجه، من تفادي الوقوع في الدور عندما أراد إثبات وجود الله. فلكي يُثبت وجود الله عليه أن يبدأ من مقدّمات بديهيّة. ولكن، كيف نعلم أنّ هذه البديهيّات صحيحة، وأنّنا لم نقع في الاشتباه فيها؟ يجيب: من خلال إدراكنا حقيقتها بوضوح وتمييز، ولكن كيف يمكن لنا أن نثق بإدراكاتنا الواضحة والمتميّزة؟ نعم، تنحلّ المشكلة، وفق منهج ديكارت، عندما يتمّ البرهان على وجود الله؛ ولكن، ما قبل إثبات وجود الله، يبدو أنّه ليست لدينا ضمانة بإمكانيّة التعويل على العقل حتى في أبسط الأمور. وهذا يعني أنّ الدور هو ما يحكم مسار التفكير الهادف لليقين؛ فلا نستطيع أن نثق بإدراكاتنا الواضحة والمتميّزة حتى نعرف أنّ الله موجود، ولا نستطيع البرهنة على وجود الله من دون الاعتماد على إدراكاتنا الواضحة والمتميِّزة.
6. رغم أنّ ديكارت قدم لنا منهجًا صارمًا يقوم على عدم قبول شيء أنّه الحقّ ما لم يكن واضحًا ومتميّزًا، نجده، من جانب آخر، يدعو لتكريس الَّلامعقوليّة والغموض، بدعوى أنّه ليس من الغريب أن يكون في طبيعة الله وأعماله أشياء كثيرة تتجاوز ما يمكن للعقل تناوله. وقد تبدو هذه الفكرة مقبولة عند الدينيّين، لكنها لا تنسجم مع عقلانيّة ديكارت ومنهجه.
7. من المفارقات الموجودة في فكر ديكارت هي تلك المتعلّقة بالحقائق الدينيّة؛ فموقفه يجعلنا نعتقد أنّه مربوط بحبل إلى الفلسفة الوسيطة التي سبقته.
8. في موضوع الاستنباط الذي اعتمده ديكارت، والذي يقوم على تبنِّي حقيقة لاحقة بناء على حقائق قبلها أبسط منها، فإنّ هذا المنهج كان مُتّبعًا في العقليّة الدينيّة التي عمل ديكارت على انتقادها ومراجعتها والانقلاب على آليّاتها الفكريّة! ما جعل المنهج الاستنباطيّ الديكارتيّ مجرّد تطوير وقراءة علمانيّة عصريّة لاستخراج الحقائق الجديدة من القبليّات السابقة عليها. فكلّ ما فعله ديكارت في آليّة الاستنباط هذه هو أنّه قام بصبغها بصبغة جديدة تلائم مقتضيات التحديث الذي كان يحتاج إليه عصره، دون إحداث تغيير بنيويّ في جوهر هذه الآليّة.
9. إنّ الركن المرتبط بالأفكار الفطريّة عند ديكارت، وفق تعريفه لهذه الأفكار لم يسلم من مشابهة من سبقه، ومن قامت فلسفته على تشييد ما هو مغاير لمنهجهم الفكريّ الذي اعتبره غير صالح لإنتاج معرفة لا يرتاب فيها. فقبليّات ديكارت الفطريّة ليست، في نهاية المطاف، إلاّ نحوًا من الإيمان المسبق، ولكنّه ليس إيمانًا دينيًّا ومعتمدًا على النصوص، بل هو إيمان رياضيّ.

المصادر والمراجع
ديكارت، رينيه، التأمّلات في الفلسفة الأولى، ترجمة عثمان أمين، القاهرة، المركز القوميّ للترجمة، العدد 1297، 2014.
ديكارت، رينيه، مقال عن المنهج، ترجمة محمود محمّد الخضيريّ، القاهرة، الهيئة المصريّة العامّة للكتاب، ط 3، 1985.

المراجع
إبراهيميان، حسن، نظريّة المعرفة، قمّ المقدسة، مؤسّسة أمّ القرى للتحقيق والنشر، ط 1، 2004.
أبو رغيف، عمار، نظريّة المعرفة في ضوء آخر تجلّيات عصر الحداثة، كارل بوبر مرتكزًا، النجف الأشرف، معهد الدراسات العقليّة.
جانيه، بول وَسياى، جبريل، مشكلات ما بعد الطبيعة، ترجمة يحي هويدي، القاهرة، مكتبة الأنجلو المصريّة، 1961.
حنفي، حسن، مقدمة في علم الاستغراب، بيروت، المؤسّسة الجامعيّة للدراسات والنشر والتوزيع،
ط 1، 1992.
الخشت، محمّد عثمان، أقنعة ديكارت العقلانيّة تتساقط، القاهرة، دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع، 1998.
سوريل، توم، ديكارت مقدّمة قصيرة جدًّا، ترجمة أحمد محمد الروبي، القاهرة، مؤسّسة هنداوي للتعليم والثقافة، ط 1، 2014.
صالح، هاشم، مخاضات الحداثة التنويريّة، القطيعة الابستمولوجيّة في الفكر والحياة، بيروت، دار الطليعة للطباعة والنشر، ط 1، 2008.
الطباطبائيّ، محمّد حسين، أصول الفلسفة والمنهج الواقعيّ، تعليق مرتضى مطهّري، ترجمة عمار أبو رغيف، قمّ المقدسة، مؤسّسة أمّ القرى للتحقيق والنشر، ط 1، 1418هـ.
عباس، راوية عبد المنعم، ديكارت والفلسفة العقليّة، بيروت، دار النهضة العربيّة، 1996.
عبد الرحمن، طه، روح الحداثة، المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلاميّة، الدار البيضاء، المركز الثقافيّ العربيّ، ط 1، 2006.
فيري، لوك، أجمل قصة في تاريخ الفلسفة، ترجمة محمود بن جماعة، بيروت، دار التنوير للطباعة والنشر، ط 1، 2015.
كوتنغاهم، جون، العقلانيّة، ترجمة محمود منقذ الهاشمي، حلب، مركز الإنماء الحضاريّ، ط 1، 1997.
لويس، جنفياف روديس، ديكارت والعقلانيّة، ترجمة عبده الحلو، بيروت/ باريس، منشورات عويدات، ط 4.
هشام، محمّد، في النظريّة الفلسفيّة للمعرفة، الدار البيضاء، أفريقيا الشرق، 2001.

----------------------------------
[1]*ـ  باحث وأكاديميّ لبنانيّ. مدرّس تاريخ الفلسفة الغربيّة في جامعة المعارف/بيروت.
[2]- غاليليو غاليلي (1564 - 1642) عالِم فلكيّ وفيلسوف وفيزيائيّ إيطاليّ، نشر نظريّة كوبرنيكوس ودافع عنها بقوّة على أسس فيزيائيّة، وأثبت خطأ نظريّة أرسطو حول الحركة، سالكًا من أجل ذلك طريق الملاحظة والتجربة..
[3]- نيكولاس كوبرنيكوس (1473 – 1543) راهب وعالم رياضياتيّ وفيلسوف وفلكيّ وقانونيّ وطبيب وإداريّ ودبلوماسيّ وجنديّ بولنديّ، كان أحد أهمّ علماء عصره، ويعتبر أوّل من صاغ نظريّة مركزيّة الشمس وكون الأرض جرمًا يدور في فلكها، وهو مطوّر نظريّة دوران الأرض، ويعدّ مؤسس علم الفلك الحديث.
[4]- يوهانس كيبلر (1571 - 1630) عالم رياضيّات وفلكيّ وفيزيائيّ ألمانيّ كان أوّل من وضع قوانين تصف حركة الكواكب بعد اعتماد فكرة الدوران حول الشمس مركزا لمجموعة الكواكب من قبل كوبرنيك وغاليلي. المصدر.
[5]- راجع: صالح، هاشم، مخاضات الحداثة التنويريّة، القطيعة الابستمولوجيّة في الفكر والحياة، بيروت، دار الطليعة للطباعة والنشر، ط 1، 2008، ص 41 – 40.
[6]- راجع: هشام، محمّد، في النظريّة الفلسفيّة للمعرفة، الدار البيضاء، أفريقيا الشرق، 2001، ص 59 – 58.
[7]- راجع: كوتنغاهم، جون، العقلانيّة، ترجمة محمود منقذ الهاشميّ، حلب، مركز الانماء الحضاريّ، ط 1، 1997، ص13.
[8]- راجع: كوتنغاهم، جون، العقلانيّة، ص17 – 16.
[9]- راجع: عباس، راوية عبد المنعم، ديكارت والفلسفة العقليّة، بيروت، دار النهضة العربيّة، 1996، ص31.
[10]- راجع: كوتنغاهم، جون، العقلانيّة، ص17.
[11]- راجع: أبو رغيف، عمار، نظريّة المعرفة في ضوء آخر تجلّيات عصر الحداثة، كارل بوبر مرتكزًا، النجف الأشرف، معهد الدراسات العقليّة، ص87.
[12]- راجع: كوتنغاهم، جون، العقلانيّة، ص17.
[13]- راجع: جانيه، بول وَسياى، جبريل، مشكلات ما بعد الطبيعة، ترجمة يحي هويدي، القاهرة، مكتبة الأنجلو المصريّة، 1961، ص 43
[14]- راجع: فيري، لوك، أجمل قصّة في تاريخ الفلسفة، ترجمة محمود بن جماعة، بيروت، دار التنوير للطباعة والنشر، ط 1، 2015، ص 41 – 40.
[15]- راجع: عبد الرحمن، طه، روح الحداثة، المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلاميّة، الدار البيضاء، المركز الثقافيّ العربيّ، ط 1، 2006، ص 101.
[16]- راجع: عبد الرحمن، طه، روح الحداثة، ص 44 – 43.
[17]- راجع: سوريل، توم، ديكارت مقدّمة قصيرة جدًّا، ترجمة أحمد محمد الروبي، القاهرة، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، ط 1، 2014، ص 86.
[18]- راجع: سوريل، توم، ديكارت، مقدّمة قصيرة جدًّا، ص 85.
[19]- راجع: سوريل، توم، ديكارت، مقدّمة قصيرة جدًّا، ص 84 – 83.
[20]- راجع: لويس، جنفياف روديس، ديكارت والعقلانيّة، ترجمة عبده الحلو، بيروت / باريس، منشورات عويدات، ط 4، ص 17.
[21]- راجع: حنفي، حسن، مقدّمة في علم الاستغراب، بيروت، المؤسسة الجامعيّة للدراسات والنشر والتوزيع، ط 1، 1992، ص 183 – 182.
[22]- راجع: عباس، راوية عبد المنعم، ديكارت والفلسفة العقليّة، ص 79.
[23]- م.ن، ص 78.
[24]- راجع: عباس، راوية عبد المنعم، ديكارت والفلسفة العقليّة، ص 83.
[25]- راجع: كوتنغاهم، جون، العقلانيّة، ص 53.
[26]- م.ن، ص 57.
[27]- راجع: كوتنغاهم، جون، العقلانيّة، ص 51 – 50.
[28]- م.ن، ص 56 – 55.
[29]- راجع: ديكارت، رينيه، مقال عن المنهج، ترجمة محمود محمد الخضيريّ، القاهرة، الهيئة المصريّة العامّة للكتاب، ط 3، 1985، ص 185.
[30]- راجع: لويس، جنفياف روديس، ديكارت والعقلانيّة، ص 18 – 17.
[31]- ديكارت، رينيه، مقال عن المنهج، ض 192 – 190.
[32]- راجع: كوتنغاهم، جون، العقلانيّة، ص 55 – 54.
[33]- راجع: الخشت، محمّد عثمان، أقنعة ديكارت العقلانيّة تتساقط، القاهرة، دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع، 1998، ص 34 – 33
[34]- راجع: الخشت، محمّد عثمان، أقنعة ديكارت العقلانيّة تتساقط، القاهرة، ص 34.
[35]- م.ن، ص 35.
[36]- م.ن، ص 18.
[37]- ديكارت، رينيه، التأمّلات في الفلسفة الأولى، ترجمة عثمان أمين، القاهرة، المركز القوميّ للترجمة، العدد 1297، 2014، ص 222-221.
[38]- راجع: عباس، راوية عبد المنعم، ديكارت والفلسفة العقليّة، ص 77 – 75.
[39]- الحدس عند ديكارت هو إدراك للشيء في لمحة أو ومضة، وهو نور فطريّ يجعل المرء يدرك الفكرة في لحظة خاطفة، دون أن يستند إلى مقدّمات. ويستطيع الإنسان أن يعرف به الحقائق البديهيّة كالدائرة والمثلث ويعرف ذاته مفكّرًا. والحدس لا يتوقّف على المعاني ولا على الأفكار، بل يتناول حقائق مؤكّدة وطبائع بسيطة وهي الخواص الطبيعيّة المجرّدة التي تدرك لبساطتها بالذهن بطريقة مباشرة، وتبلغ من الوضوح والتميّز درجة لا يستطيع معها الذهن تقسيمها إلى أجزاء أكثر تميزًا منها. فالحدس عند ديكارت ليس شهادة الحواس التي هي متغيّرة، ولا الحكم الخادع أي حكم الخيال، بل هو الفكرة القويّة التي تقوم في ذهن خالص منتبه. وهو بذلك لا يصدر إلّا عن نور العقل وحده، ويمثّل بذلك بصيرة العقل ورؤيته لطبيعة الشيء وماهيّته. راجع حول ذلك: عباس، راوية عبد المنعم، ديكارت والفلسفة العقليّة، ص 80.
[40]- راجع: عباس، راوية عبد المنعم، ديكارت والفلسفة العقليّة، ص 81.
[41]- راجع: حنفي، حسن، علم الاستغراب، ص 183.
[42]- راجع: عباس، راوية عبد المنعم، ديكارت والفلسفة العقليّة، ص 83.
[43]- راجع: الطباطبائيّ، محمّد حسين، أسس الفلسفة والمنهج الواقعيّ، تعليق مرتضى مطهّري، ترجمة عمار أبو رغيف، قمّ المقدّسة، مؤسّسة أمّ القرى للتحقيق والنشر، ط 1، 1418 هـ، ج 1،، ص 327 – 328.
[44]- راجع: حنفي، حسن، علم الاستغراب، ص 183.
[45]- راجع: كوتنغاهم، جون، العقلانيّة، ص 87.
[46]- راجع: إبراهيميان، حسن، نظرية المعرفة، قم المقدسة، مؤسسة أم القرى للتحقيق والنشر، ط 1، 2004، ص 211 – 214.
[47]- راجع: فيري، لوك، أجمل قصّة في تاريخ الفلسفة، ترجمة محمود بن جماعة، بيروت، دار التنوير للطباعة والنشر، ط 1، 2015، ص 41 – 40.