البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

التعدّديّة الإبستيمولوجيّة؛ ما ينبغي القبول به من نظريّتها وما لا ينبغي

الباحث :  عبد الحسين خسرو بناه
اسم المجلة :  الاستغراب
العدد :  25
السنة :  خريف 2021م / 1443هـ
تاريخ إضافة البحث :  February / 1 / 2022
عدد زيارات البحث :  102
تحميل  ( 384.853 KB )
تتناول هذه الدراسة قضيّة نظريّة طالما كانت حاضرة بقوة في مساجلات الفلسفة الحديثة، نعني بها نظريّة التعدّديّة الأبستمولوجيّة (المعرفيّة). ومن خلال تحليله وبسطه للمبادئ التي تقوم عليها هذه النظريّة يسعى الباحث إلى إجراء مقاربة تنظيريّة مع نظريّة التعدّديّة الدينيّة ليبيِّن أبرز الاختلالات التي تنطوي عليها في بنية الفلسفة الحديثة.

«المحرِّر»
---------------------------------
التعدّديّة في عالمنا موجودة على نحو الحقيقة، ولا يشكّك أحدٌ بوجودها ولا يمكن إنكارها مطلقًا، وأمّا التعدّديّة التي لا يمكن الإقرار بها معرفيًّا حسب الأمر الواقع فهي التعدّديّة الإبستيمولوجيّة وليس سائر أنواعها؛ إذ لا بدّ من قبول بعض أنواع التعدّديّة لكونها ذات وجود خارجيّ وتتداعى عليها آثار قطعيّة.

المبادئ الأنطولوجيّة هي من جملة المبادئ الأساسيّة في التعدّديّة الإبستيمولوجيّة، وتتبلور ضمن أطر متنوّعة مثل تحقّقها في كافّة طبقات الحقيقة المتداخلة مع بعضها والتي تكون على امتداد بعضها، فهي موجودة حتّى ضمن مراحل تغييرها وتحوّلها المتواصلة إثر عدم ثباتها، وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ كلّ مبدأ أنطولوجيّ عادةً ما يكون عرضة للنقد.
الإبستيمولوجيا العقليّة مستوحاة من نظريّات الفيلسوف الغربيّ إيمانوئيل كانط، فهو على ضوء صياغة أطر عقليّة خاصّة، حيث ادّعى أنّ المعرفة تتحصّل نتيجةً لتصادم الأطر العقليّة للإنسان في عالم الخارج. لو تأمّلنا في هذا الرأي نجده مجرّد ادّعاء بلا دليلٍ، ناهيك عن عدم إمكانيّة إثبات التعدّديّة من خلال ذكر معنى لغويّ للحقيقة؛ لذا فإنّ هذه النظريّة تعاني من تناقض ذاتيّ.

النظريّات التي طُرحت من قبل بعض الفلاسفة والمفكّرين لإثبات تحقّق التعدّديّة الإبستيمولوجيّة تتعارض دلاليًّا مع نظريّة التطابق، وهذه النظريّة في الواقع تعدّ من النظريّات الأكثر نجاحًا في الأوساط الفكريّة، وأدلّ على الحقيقة، لدرجة أنّها همّشت كافّة النظريّات التي تعارضت معها وأعقمت أطروحاتها؛ لأنّها تطرح معيارًا محدّدًا وثابتًا يمكن على أساسه ترسيخ المعرفة الصائبة وتعيينها.
نظريّة التعدّديّة الإبستيمولوجيّة التي طرحت على أساس مبادئ لغويّة ضمن النظريّات الهرمنيوطيقيّة المعتمدة في فلسفة هانز جورج غادامير هي الأكثر رواجًا في هذا المضمار، لكن يرِدُ عليها نقد من عدّة جهاتٍ، مثل حقيقة دوام دلالة الألفاظ على المعاني وثبوتها؛ إذ في غير هذه الحالة من الممكن ادّعاء ما نشاء من معانٍ لكلّ لفظٍ، ناهيك عن حدوث اختلاف في الفرضيّات الارتكازيّة في ذهن القارئ؛ لذا فإذا أردنا إدراك المعنى الصحيح، فلا بدّ من الامتناع عن اللجوء إلى فرضيّات جزميّة.

كلمات مفتاحيّة: التعدّديّة الإبستيمولوجيّة، الأنطولوجيا، علم دراسة العقل، علم اللغة، الإبستيمولوجيا، علم الدين

أدلّة المعتقدين بالتعدّديّة الإبستيمولوجيّة
الذين يدّعون صدق وجود معارف ذاتيّة متعدّدة ذكروا عدّة نظريّات وأدلّة لإثبات مدّعاهم، ويمكن تصنيفها ضمن خمسة أقسامٍ نظريّة:
1) نظريّة التحليل الأنطولوجيّ 
2) نظريّة التحليل العقليّ
3) نظريّة التحليل الإبستيمولوجيّ
4) نظريّة التحليل اللغويّ
5) نظريّة التحليل الدينيّ
وسوف نوضّح المقصود منها ضمن نقد الأدلّة التي ذُكرت لإثباتها.

أوّلًا: نظريّة التحليل الأنطولوجيّ
مبادئ هذه النظريّة يتمّ بيانها في نطاق تفاسير عديدة كما يأتي:

* التفسير الأوّل
الحقيقة عبارة عن طبقات متداخلة، والحقائق الخارجيّة ليست قضايا بسيطة وموحّدة؛ لذا يمكن تشبيه الحقيقة ببصلةٍ مكوّنةٍ من طبقات مختلفة، وبالتالي بإمكاننا معرفة حقيقتها على ضوء تحديد هذه الطبقات العرضيّة المتعدّدة، فكافّة الطبقات من شأنها أن تكون صائبةً؛ لذا معرفة الطبقة (أ) تعني معرفة الطبقة الأولى من الحقيقة، ومعرفة الطبقة (ب) تعني معرفة الطبقة الثانية منها، وهلمّ جرًّا بالنسبة إلى معرفة سائر الطبقات والحقائق المرتبطة بها.

لدى العلماء آراء متنوّعة ونظريّات إبستيمولوجيّة مختلفة بالنسبة إلى بعض القضايا، مثل الوردة، فمنهم من يعتبرها جوهرًا للشيء ويتحدّث عنها في هذا المضمار، ومنهم من يتطرّق إلى الحديث عن أحد العناصر المكوّنة له، في حين يسلّط آخرون الضوء على جانبها البيولوجيّ، ويذهب بعضهم إلى بيان عناصرها الجمالية ووصف روعتها؛ لذا كلّ واحدٍ منهم ينظر إليها من زاوية معيّنة وبإمكانه أن يتحدّث عن كافّة جوانبها أيضًا.

- تحليل التفسير الأوّل
التعدّديّة الإبستيمولوجيّة مقبولةٌ حسب هذا التفسير، لكن كما ذكرنا، فهي ليست محلّ خلافٍ بين المفكّرين، وفي هذا السياق ينبغي الالتفات إلى مسألتين:

1) تعدّد هذه المعارف وصوابها متلازمان مع صدقها من الناحية العمليّة؛ لذا لا يمكن إثبات صوابها بأسلوبٍ عقليّ في رحاب تعدّديتها، إذ قد يكون الاستنتاج العقليّ على حقّ، كذلك من المحتمل أن يكون خاطئًا، ففي كلّ نوعٍ من المعارف لا بدّ من تقويم الواقع الإبستيمولوجيّ وفق أساليب ومعايير خاصّة بالعلم الذي تُطرح في مضماره، وهذا الأمر بكلّ تأكيدٍ في غاية الأهمّيّة لأنّ تعدّد المعارف أحيانًا قد يكون وليد آراء متباينة إزاء مختلف الفروع المرتبطة بموضوعٍ واحدٍ، بحيث يحدث تزاحم وتضارب فيما بينها دون أن تتكافأ كلّها على نحو الانطباق؛ ومن هذا المنطلق يمكن اعتبارها صائبةً بأكملها؛ لأنّ مجرّد عدم التزاحم والتضارب لا يعتبر دليلًا على صوابها، بل ثمّة احتمال بكونها خاطئةً بأكملها.

2) عندما تنشأ معارف متعدّدة ومتضادّة مع بعضها إزاء موضوعٍ معينٍ، يلزم القطع حينها بعدم كونها صائبةً بأجمعها، فعلى سبيل المثال لو تبنّى عالِمَا فيزياء وجهتي نظر مختلفتين على نحو التضادّ إزاء وردةٍ، فمن المؤكّد عندئذٍ عدم إمكانية اعتبار كِلا الرأيَين صائبًا؛ إذ عند وجود معرفتين متضادّتين أو متناقضتين لا بدّ من أن تكون إحداهما على خطأ حتّى إذا لم يعرف الناظر إليهما أيّهما على صوابٍ وأيّهما على خطأ.

* التفسير الثاني
الحقيقة حسب هذا التفسير ذات مراتب امتداديّة متعدّدة على غرار مراتب النفس الإنسانيّة، فعلى الرغم من كونها دالّة على أمر واقع، لكنّ هذا لهذا الواقع عدّة مراتب، فعلى سبيل المثال ثمّة نفس لوّامة ونفس عاقلة ونفس ملهَمَة ونفس مطمئنّة ونفس راضية ونفس مرْضيّة، أنواع أخرى؛ كذلك مثل العالم الذي هو واحدٌ حقيقيّ، لكنّه ذو مراتب عديدة على امتداد بعضها، مثل عالم المادّة وعالم المثال وعالم العقل، وفي هذه الحالة يمكن اعتبار كافّة التعدّديّات صائبةً.

- تحليل التفسير الثاني
التعدّديّة الإبستيمولوجيّة بهذا المعنى مقبولةٌ أيضًا، وكما أشرنا سابقًا، فهي ليست محلّ خلافٍ، وثمّة مسألتان تجدر الإشارة إليهما بهذا الخصوص:

1) لا يمكن استنتاج صواب كافّة المعارف من الناحية العقليّة على أساس التعدّد والإمكان، فلربّما تكون بعض أو كافّة هذه المعارف خاطئةً.
2) لا يمكن البتّ بصواب معرفتين إذا كان بينهما تعارض على نحو التضادّ أو التناقض من حيث المراتب الامتداديّة، بل على أساس التصديق غير المحصّل يجب اعتبار إحداهما - على أقلّ تقديرٍ - خاطئةً حتّى إذا كان ذلك «لا على التعيين»، ولو أردنا تحقيق تصديق محصّل، فيجب الاعتماد على المنهجيّة والمعايير الأساسيّة المعتمدة في العلم الشامل للموضوع والمرتبطة به كأساس ارتكازيّ؛ بغية تحديد سقم أو صواب المفاهيم ذات الصلة به.

* التفسير الثالث
فحوى هذا التفسير بالنسبة إلى المبادئ الأنطولوجيّة هو أنّ الأمر الواقع يمرّ بحالة تغيير متواصل؛ إذ ليس لدينا واقع ثابت، لأنّ كلّ معرفة مرتبطة به إنّما تكون صائبةً في رحاب زمانٍ معيّنٍ، وحينها يمكن افتراض وجود معرفة متضادّة أو متناقضة معها في مضمار زمانٍ آخر.

هذا التفسير طرحه أتباع الفكر الماركسيّ والديالكتيكيّ، حيث يعتقدون بوجود حركة دائمة في عالم الوجود.

- تحليل التفسير الثالث
حتّى إذا قبلنا مبدأ الحركة بصيغته العامّة، ففي هذه الحالة أيضًا يجب الإذعان بأنّ معرفة الواقع متغيّرة في رحاب الزمان، فعلى سبيل المثال على الرغم من أنّ الإنسان يمرّ بحركة جوهريّة، لكنّ هذه الحركة لا تجرّده من ميزاته الإنسانيّة، ومن هذا المنطلق حتّى إذا أذعنّا بوجود الحركة الجوهريّة أو بالتغيير الديالكتيكيّ، فهذا الأمر في الحقيقة لا يؤثّر على مسألة ثبوت الواقع بصفته أمرًا كلّيًّا؛ لأنّ المعرفة ناظرة إلى مسألة الحركة بمجملها وتعمّها من كافّة جوانبها.

بناءً على ذلك إذا أُريد الحفاظ على الواقع نفسه في كلّ حركةٍ، فلا بدّ حينها من بقائه ثابتًا، وهذا الأمر محقّق أيضًا في الحركة الجوهريّة التي تحدّث عنها صدر الدين الشيرازيّ (ملا صدرا) لدى تأكيده على كون المادّة الأولى - الهيولى الأولى - ثابتةً، وكذا هو الحال بالنسبة إلى التعدّديّة الإبستيمولوجيّة؛ إذ عندما تكون لدينا عدّة معارف إزاء واقع واحد وفي زمان واحد، فالمفترض هنا تعدّد الواقعيّات والمعارف مع تعدّد الزمان.

ثانيًا: نظريّة التحليل العقليّ
الفيلسوف الغربيّ إيمانوئيل كانط هو أوّل من طرح نظريّة التحليل العقليّ، حيث ادّعى أنّ عقل الإنسان مكوّن من اثنتي عشرة مقولةً، وهي برأيه منقوشة فيه بشكل فطريّ وذاتيّ، بحيث لا تنفكّ عنه مطلقًا، وعلى هذا الأساس استنتج أنّ كلّ معرفة وليدة للتركيب والتلاقح بين القضايا الخارجيّة والصور الذهنيّة.
هذه المقولات هي التي تكوّن مناشئ الإدراك وتحوّلها إلى معارف، وفي هذا السياق أكّد على ضرورة غربلتها في مصفاة الزمان والمكان كي ترِدَ في ذهن الإنسان، وإثر ذلك فكلّ قضيّة غير زمانيّة ولا مكانيّة ليس من شأنها أن تردّه، وعلى هذا الأساس فالقضايا الميتافيزيقيّة لا يمكن إثباتها وتحليل حقيقتها في رحاب العقل النظريّ، وهذا الأمر يعدّ سببًا لحدوث فراغ معرفيّ طبعًا؛ لذلك حاول ملأه عن طريق الوجدان والعقل العمليّ، حيث ادّعى أنّ العقل العمليّ هو القادر على إثباتها وتحليلها، ومن ثمّ فالمقولات الاثنتي عشرة يمكن اعتبارها بمثابة نظّارة ملازمة لعين العقل الإنسانيّ، وبإمكانه رؤية كافّة المعارف من خلالها باعتبارها نظّارة منتظمة، وثمرة ذلك هي عدم إمكانيّة معرفة الحقيقة بواقعها وبوجودها المحقّق.

نظّارة كانط ذات قواعد منتظمة، وهي متلاصقة على بؤرة الرؤية العقليّة للبشر، بحيث لا تنفكّ عنهم؛ لأنّها موجودة معهم منذ لحظة ولادتهم، كما أنّها على نسقٍ واحدٍ لديهم جميعًا.
وفي هذا السياق استخدم تعبير النومين لبيان القضايا التي تطرّق إلى تحليلها، حيث يعتقد أنّ العقل يتعامل مع الظواهر - الفينومينات - وليس الحقائق الذاتيّة - النومينات -.[2]

اعتمد بعض المفكّرين على هذه النظريّة، واعتبروا المقولات الذهنيّة التي طرحها كانط فرديّةً وليست جماعيةً، وعلى هذا الأساس توصّلوا إلى نتيجةٍ فحواها أنّ التعدّد العقليّ يستلزم بالضرورة التعدّد الإبستيمولوجيّ، وبما أنّ العقل عبارة عن أمرٍ ذاتيّ للنفس وكامنٌ فيها بشكل منتظم يتلائم مع وجودها، فالتعدّد الإبستيمولوجيّ أيضًا يجب أن يكون ذاتيًّا لا محيص عنه.

التحليل العقليّ الكانطيّ لم يكن سببًا في تبنّيه فكرة التعدّديّة من منطلق اعتقاده بتكافؤ المقولات الاثنتي عشرة وعموميّتها لدى كافّة الناس؛ لذا لم يكن يعتقد بأنّ التعدّديّة الإبستيمولوجيّة وليدة لهذه المقولات، فالنظّارة العقليّة المنتظمة التي اعتقد بها مشتركة بين الجميع وعلى نسق واحد، لذا لا يمكن ادّعاء أنّ زيدًا يمتلك القدرة على النظر من خلالها وعَمْرًا لا يمتلكها أو أنّه يمتلكها بنحوٍ آخر، بل هما متكافئان من هذه الجهة والمقولات كلّها مكنونة في ذات كلّ واحدٍ منهما، وبناءً على ذلك فالتعدّديّة وليدة لأسباب وعوامل أخرى من شأنها أن تحول دونها.

ثالثًا: نظريّة التحليل الفينومينولوجيّ
حفّزت نظريّة إيمانوئيل كانط بعض الباحثين على طرح مبادئ تحليليّة فينومينولوجيّة، حيث ادّعوا عدم وجود أيّ عالمٍ في ماوراء العقل والمعرفة، فالعالم برأيهم من صناعة ذهن الإنسان ومعارفه؛ لأنّ العقل لا يعتبر مرآةً لعالم الخارج، وعلى هذا الأساس لا صواب لما يقال في المنطق من وجود قوّة إدراكيّة تنقش صور الأشياء في ذهن الإنسان كما تنتقش في المرآة؛ لأنّ الذهن بذاته صانع للمعرفة، أي أنّ وجود المعارف في الحقيقة معلول له، لذا لا يمكن أن يكون الإنسان شيئًا موجودًا في الواقع ولا الكتاب ولا غير ذلك؛ بل كلّ ما هو موجودٌ لدينا مجرّد ظواهر (فينومينات).[3]
إيمانوئيل كانط هو الذي وضع حجر الأساس للمثاليّة الجديدة، وفريدريك هيغل اعتمد عليها حينما طرح فينومينولوجيّة أخرى، كذلك حذا حذوه مارتن هايدغر وسائر أتباع الفلسفة الوجوديّة، وأمّا أصحاب الرؤية النسبويّة ومفكّرو ما بعد الحداثة، فقد تبنّوا نحوًا من الفينومينولوجيا المعرفيّة؛ لذا عندما يعتبر بعض الباحثين التعدّديّة الإبستيمولوجيّة خطوةً قريبةً من الرؤية النسبويّة، فهم يقصدون هذه التعدّديّة الإبستيمولوجيّة التي توضّح على هذا المبدأ الفينومينولوجيّ؛ في حين أنّ نظريّة كانط في أساسها تؤكّد على كون معارف البشر فينومينولوجيّة وليست واقعيّةً. يعتقد أصحاب الرؤية التعدّديّة الإبستيمولوجيّة بواقعيّة هذه المعارف، لذا عندما يقول الفيلسوف الألمانيّ لودفيج فويرباخ «الله من صنع عقل البشر»، وحينما يقول نظيره فريدريك نيتشه - والعياذ بالله من قوله - «الله ميّت»، فالمقصود هو أنّ المعرفة الحداثيّة لا يمكنها أن تصنع إلهًا للبشر، فهو في القِدم من صناعة عقول أسلافنا، لكنّه الآن لا يمكن أن يصنع، فهو «ميّت».

الحقيقة أنّ النظريّة الفينومينولوجيّة ليست سوى رؤية نسبويّة لعالم الوجود؛ لذلك ترٍد على من ادّعاها ذات المؤاخذات التي ترِد على أتباع الرؤية النسبويّة.

* تحليل النظريّة الفينومينولوجيّة
النظريّة الفينومينولوجيّة التي طُرحت على أساس منظومة إيمانوئيل كانط الفكريّة يمكن تحليلها كما يلي:
1) المرتكز الأساسيّ في الرؤية العقليّة التي تبنّاها إيمانوئيل كانط هو في الواقع مجرّد ادّعاء لا دليل عليه، فهو عبارة عن وصفٍ وتقريرٍ لا غير، والسؤال الذي يطرح عليه: ما السبب في تقييد العقل البشريّ ضمن اثنتي عشرة مقولةً لا أكثر ولا أقلّ؟ فهل ثمّة مسوّغ للاعتقاد بهذا العدد المحدّد من المقولات فحسب؟ ولماذا تُقيّد هذه المقولات بأطر عقليّة بحته ويُدّعى أنّ المفاهيم العقليّة من سنخ المعقولات الثانية؟
2) هذه النظريّة لا تحكي عن وجود تعدّديّة عقليّةٍ كي يمكن الاستنتاج على أساسها وجود تعدّديّة ذاتيّة على الصعيد الإبستيمولوجيّ.
3) حتّى إذا أذعنّا بكون التعدّديّة العقليّة تقتضي تعدّديّة إبستيمولوجيّة، فهذا الادّعاء في الواقع مجرّد نقطة البداية لطرح موضوع البحث للنقاش، فهو مجرّد بيانٍ لغويّ لمفهوم التعدّديّة؛ لذا لا يمكن الاستناد إليه لاستنتاج صواب المعارف المتعدّدة.
إذن، لا يمكن الاعتماد على هذه النظريّة للاستدلال على صواب التعدّديّة الإبستيمولوجيّة.
4) من يتبنّى هذه النظريّة فهو كمن يجلس على غصن ويأخذ منشارًا فيقطعه من أصله - كما أشرنا ضمن مبحث النسبويّة -، وهذا يعني أنّه يذبح نفسه بيده، لأنّه ينقض ما ادّعاه على أساسها.

نظريّة إيمانوئيل كانط التي تعتبر واحدةً من إنجازاته الكبيرة لا تثمر سوى عن تشكيكٍ لمن يتبنّاها، فعلى الرغم من أنّه يعتبر نفسه من أصحاب المدرسة الواقعيّة، لكنّ المبدأ الذي وضعه ليست فيه أيّ نتيجة سوى إثارة النزعة الشكوكيّة؛ لأنّ فحوى كلامه هي كون الشيء في عالم الخارج غير الشيء الموجود في إدراكنا؛ لذا إنْ افترضنا صواب رأيه هذا فكيف يمكن عندئذٍ الإقرار بوجود حقائق في عالمنا بحيث نمتلك معرفةً نسبيّةً إزاءها؟! إذ لو ادُّعي أنّ كافّة إدراكاتنا تنشأ من مقولات عقليّة، فكيف يمكن تصوّر أنّ ما هو موجود في أذهاننا يحكي عن الشيء نفسه الموجود في عالم الخارج ولو بشكل نسبيّ؟!
لا نبالغ لو قلنا إنّ كانط أحيا الشكوكيّة البيرونيّة ضمن هذه النظريّة، فهو لم يفنّد وجود الأعيان الخارجيّة، لكنّه ادّعى أنّ الإنسان ربّما يدركها بنحوٍ يختلف عن حقيقتها، وغاية ما في الأمر أنّ بيرون طرح نظريّته على هيئة شكّ مصرّح به، بينما طرحها كانط كأمر جزميّ وقطعيّ، لكنّها في الواقع تستبطن شكًّا.

من المؤكّد أنّ المنظومة الفلسفيّة الكاطنيّة لا قدرة لها على إثبات القضايا الذاتيّة، ومن ثمّ فهي تتمخّض عن رؤية مثاليّة بحتة؛ لذلك أشكل عليه نظراؤه من أتباع المدرسة المثاليّة، مثل يوهان غوتليب فيشته وفريدريك هيغل، حيث أكّدوا على أنّ منظومة كانط الفكريّة تسفر عن رؤية مثاليّة وليست واقعيّةً.
وممّا قاله فيشته في هذا السياق: إيمانوئيل كانط يعتقد بوجود الشيء بذاته، أي أنّه يقطع بوجود الذات، لكن في الوقت نفسه يعتقد بعدم قدرة البشر على معرفة الذوات، وهذا الأمر بكلّ تأكيد يحكي عن تناقض صريح، لأنّ البتّ بوجود الذات يعتبر معرفةً به.[4]

خلاصة الكلام هي عدم إمكانيّة إثبات التعدّديّة الإبستيمولوجيّة على أساس نظريّة إيمانوئيل كانط، إذ لا يمكن مطلقًا ادّعاء صواب كافّة المعارف التي يحصل عليها البشر حتّى لو افترضنا صواب مبدأ التحليل العقليّ واعتبرناه أمرًا فرديًّا وليس جماعيًّا، أو حتّى إذا أذعنّا بالفينومينولوجيا التي أشار إليها.

رابعًا: نظريّة التحليل الإبستيمولوجيّ
المرتكز الأساسيّ الذي اعتمد عليه بعض المعتقدين بالتعدّديّة الإبستيمولوجيّة لإثبات هذه التعدّديّة هو النظريّات التي تبرّرها باستدلالات معينة وتدّعي صوابها، وضمن المواضيع التي سنطرحها على طاولة البحث والتحليل بخصوص قيمة المعرفة، سوف نتطرّق إلى بيان معنى صوابها وكيفيّة تقويمها لاستكشاف مدى صوابها وإثباته بالدليل؛ لذا سنسلّط الضوء في هذا المبحث بشكل إجماليّ على أهمّ النظريّات المطروحة بهذا الخصوص بهدف بيان الأسس الإبستيمولوجيّة التي اعتمد عليها القائلون بالتعدّديّة الإبستيمولوجيّة.
أهمّ نظريّة مطروحة على صعيد بيان مدلول صواب المعرفة هي نظريّة التطابق التي تعتبره بمعنى انطباق الفكر على ذات الواقع، وقد عمل بها غالبيّة المفكّرين وكافّة الفلاسفة المسلمين، وعلى هذا الأساس حكموا بعدم صدق كافّة المعارف في آنٍ معًا؛ لأنّ من يتبنّى هذه النظريّة لا يمكنه قطعًا الإذعان بصواب كلّ معرفةٍ وبأيّ نحوٍ كان.

النظريّة الأخرى المطروحة في هذا المضمار هي نظريّة الانسجام والتلاؤم، وثمة عدّة أوجهٍ في تفسيرها وبيان ذلك كما يلي:
يفسّر بعض الباحثين المعرفة الصائبة بأنّها كلّ معرفة تنسجم وتتلاءم مع المعارف السابقة.
وثمّة مَن يرى أنّ المعرفة الصائبة هي التي يؤمن بها المجتمع وشريحته العلميّة.

بينما ذهب آخرون إلى أنّ المعرفة الصائبة هي التي تتناغم مع الميثودولوجيا المعرفيّة ومع النظام الفكريّ الذي يتبنّاه من يعتمد على هذه الميثودولوجيا.

من يتبنّى هذه النظريّة يمكنه استنتاج وجود تعدّدية إبستيمولوجية إلى حدٍّ ما، ومن ثمّ فهو قطعًا يعتقد بوجودها، فعلى أساسها لو كانت لدينا معرفتان يمكن اعتبارهما صائبتين معًا حتّى إذا كانتا متضادّتين أو متناقضتين؛ لأنّ كلّ واحدة منهما تتناغم مع الأسس الفكريّة المرتبطة بها.

الجدير بالذكر هنا أنّ الصواب المعرفيّ في هذه الحالة لا يعني التطابق مع الواقع، وإنّما بمعنى الانسجام والتلاؤم.
النظريّة الأخرى التي يمكن أن تُذكر بهذا الخصوص، هي النظريّة البراغماتيّة، التي يطلق عليها أيضًا الذرائعيّة والنفعيّة، والمعرفة الصائبة هي التي تترتّب عليها ثمرة عمليّة؛ لأنّ الصواب بحدّ ذاته يعني الحصول على نفع ونتيجة من المعرفة؛ لذا من الممكن أن توجد معرفتان متعارضتان مع بعضهما، وتكون كلتاهما صائبة؛ لأنّ كلّ واحدةٍ منهما تستتبع فوائد عمليّة، فالفائدة هي معيار الصواب هنا. على سبيل المثال ثمّة تعارض بين هيئة بطليموس وهيئة نيكولاس كوبرنيكوس باعتبارهما نظريّتين متعارضتين، فإحداهما تؤكّد على مركزيّة الأرض بينما الأخرى تؤكّد على حركتها، ورغم ذلك فقد تمّ على أساسهما تحديد مواقيت خسوف القمر وكسوف الشمس بشكل دقيق وتعيين التقويم السنويّ؛ لذا فالنظريّتان صحيحتان باعتبار إمكانيّة ترتّب آثار صائبة على كلّ واحدةٍ منهما.

* تحليل النظريّة الإبستيمولوجيّة
فيما يلي نذكر تحليلًا موجزًا للنظريّات التي طُرحت على صعيد صواب المعرفة:
1) قبول النظريّات الأخرى فيما عدا نظريّة التطابق يرِد عليه إشكال من حيث بنيته الارتكازيّة، وسوف نذكر في مبحث قيمة المعرفة أنّ الصواب المعرفيّ لا يمكن أن يُفسَّر بالانسجام والتلاؤم والنفعيّة؛ لذا ليست هناك نظريّة أخرى يمكن إثباتها بأسلوب علميّ رصين.
الجدير بالذكر هنا أنّ معظم المعنيّين بالفكر والفلسفة، كذلك كافّة المعنيّين بالفكر والفلسفة الإسلاميّين أيّدوا نظريّة التطابق المطروحة بخصوص الصواب المعرفيّ وعملوا بها، في حين أنّ الباحثين والمفكّرين والفلاسفة المحدثين الذين تبنّوا نظريّات أخرى فيما سواها، فعلوا ذلك نظرًا لعجزهم عن نقض الشبهات المطروحة بخصوصها، ومن هؤلاء من يذعن ويقرّ بأنّها صائبة لولا بعض الإشكاليّات التي تُطرح بخصوصها، فهي برأيهم متقنة ورصينة، لكنّ الإشكاليّات التي عجزوا عن وضع حلول لها هي التي جعلتهم يتوقّفون أمامها. على سبيل المثال، الفيلسوف وليام جيمس مبتكر النظريّة البراغماتيّة ذكر بصريح العبارة أنّ الصواب يعني التطابق، لكنّه مع ذلك قال لا أعتقد بصحّة أطروحة نظريّة التطابق بصفتها مصداقًا لصواب المعرفة ومعيارًا لإثباتها، ولا أؤمن بادّعاء من يدّعي أنّ أتباع النزعة العقليّة حينما يبلغون مبلغ التطابق والصواب المعرفيّ، فقد انتهى الأمر وثبت الصدق؛ بل بصفتي عالم نفسٍ لا أعتقد أنّ الصواب يمكن البتّ به نهائيًّا في هذه الحالة؛ إذ لا بدّ لنا قبل كلّ ذلك من لمس نتائجها على أرض الواقع وتحصيل ثمارها العمليّة.

هذه الإشكاليّة الفكريّة سوف نتطرّق إلى بيان تفاصيلها ضمن مبحث قيمة المعرفة.
2) الإشكال الآخر الجدير بالذكر هنا هو أنّ الدليل أخصّ من المدّعى، إذ حتّى لو افترضنا صحّة النظريّات الأخرى فيما عدا نظريّة التطابق، ففي هذه الحالة ما الفائدة من صواب وسقم المعرفة عندما تنشأ لدينا معارف جديدة لا تتناغم مع كافّة الأنظمة الفكريّة الموجودة؟! ومن ثمّ هل توجد ثمرة تترتّب على السعي لإثبات ما إن كانت المعرفة متلائمة مع أحد الأنظمة الفكريّة وتكون خاطئةً وسقيمةً مع غيره؟! كذلك ليس ثمّة أيّ ثمرة عمليّة ننالها من تحديد مدى صواب وسقم نظامين فكريّين متعارضين مع بعضهما ذاتيًّا ومتوائمين من الناحية الظاهريّة.

خامسًا: نظريّة التحليل اللغويّ
المقصود من المبادئ التحليليّة اللغويّة على الصعيد الإبستيمولوجيّ ما يسمّى بالهرمنيوطيقا الفلسفيّة - التفسير الفلسفيّ - وروّاد هذه النظريّة ومن جملتهم غادامير[5] يعتقدون بأنّ النصّ صامتٌ والقارئ هو الذي يُنطقه على ضوء فهمه الناشئ من فرضيّات خاصّة، ممّا يعني أنّ اللغة بحدّ ذاتها لا تدلّ على شيءٍ، وبما أنّ كلّ فهمٍ وليدٌ للفرضيّات المرتكزة في ذهن صاحبه، فهو يصبح متعدّدًا ومن ثمّ تتعدّد مختلف المعارف التي تنبثق منه إثر تعدّد الفرضيّات المذكورة.

لم يكتفِ غادامير في نشاطاته الفكريّة بتسليط الضوء على مبادئ هرمنيوطيقيّة فلسفيّة وأنطولوجيّة ضمن مباحثه التحليليّة، ولم يقيّد كتاباته ببيان بعض المسائل التي يمكن الاعتماد عليها لتحصيل فهمٍ ومعرفةٍ، كذلك لم يبادر فقط إلى بيان وظائفيّة الفكر، بل إلى جانب كلّ ذلك سلّط الضوء على مسألة تحقّق الفهم والمعرفة الناجمة عنه دون أن يذكر رأيه إزاء صواب أو سقم أو اعتبار أو عدم اعتبار الفهم والمعرفة.[6] هذا الفيلسوف الغربيّ حذا حذو نظيره لودفيج فتجنشتاين، حيث اعتبر أنّ فهم الارتباط بين الفهم والبراكسيس (البراغماتيّة) واحد من أهداف التحليل الهرمنيوطيقيّ، ممّا يعني أنّ الفهم بحدّ ذاته مرتكز على خلفيّة دلاليّة خاصّة، بحيث يتبلور على أساسها، ومن ثمّ لا يمكن التفكيك بينه وبين التطبيق مطلقًا.[7]

الحقيقة وفقًا للنظريّة الإبستيمولوجيّة التي طرحها غادامير ذات طبقات عديدة، وبإمكاننا معرفة هذه الطبقات واحدةً تلو الأخرى عن طريق الحوار،[8] حيث أكّد بصريح العبارة على إمكانيّة ادّعاء عدم صواب أيّ رأي أو حكم بشكل مطلق، كما أناط معرفة النصّ بمعرفة مختلف المسائل المرتبطة به والتي يمكننا استنتاجها منه، ولا فرق في ذلك بين كونها ظاهرةً أو خفيّةً،[9] وفي هذه الحالة يجب على المفسّر أن يطرح وجهات نظره التفسيريّة بخصوصه على على أساس أحكام تمّ تعيينها مسبقًا،[10] وعلى هذا الأساس لا يمكننا مطلقًا فهم أيّ نصّ أو موضوع في منأى عن أحكام مسبقة إزاءه.

خلاصة الكلام هي أنّ غادامير يوعز تحقّق الفهم لدى الإنسان إلى حدوث ارتباطٍ واتّحادٍ بين النصّ والقارئ، فكأنّ القارئ حسب هذا الرأي يتحاور مع النصّ بحيث يكون الفهم هو الناطق في هذا الحوار، لذا من المؤكّد في هذه الحالة أنّه ليس ثمّة أيّ اختلافٍ دلاليّ بين الفهم الصائب والخاطئ.

* تحليل النظريّة اللغويّة
فيما يلي نتطرّق إلى تحليل مضمون النظريّة اللغويّة المطروحة على صعيد التعدّديّة الإبستيمولوجيّة:
1) من يعتقد بوجود دلالة لكلٍّ من اللفظ والمعنى ويتبنّى نظريّة الوضع في الألفاظ والمعاني لا يمكنه قبول رأي من جرّد الألفاظ عن الدلالة، لأنّ كلّ لفظٍ وفق ما ذكر له موضوع خاصّ ومعنى محدّد - ما عدا الألفاظ المهملة طبعًا -؛ لذا لا يمكن لأحدٍ تحديد معنى ذوقيّ له استنادًا إلى الفرضيّات الارتكازيّة في ذهنه، فعلى سبيل المثال لا يمكن لأحدٍ أن يقول لمخاطَبه: «طاولة»، ثمّ يدّعي أنّه قصد كرسيًّا.

اللغة في الحقيقة عبارة عن ظاهرة اجتماعيّة تنشأ في رحاب مبادئ الحوار والتفاهم بين الناس وفقًا لقواعد ثابتة ومتّفق عليها.

2) الفرضيّات المرتكزة في الذهن إزاء الفهم على نحوين:
أ - فرضيّات بخصوص طبيعة الفهم
ب - فرضيّات بخصوص كيفيّة قبول نتائج الفهم
إذن، لا بدّ من التفكيك بين هذين النوعين من الفرضيّات، وبيان ذلك أنّ الفرضيّات المرتبطة بالفهم بذاته تصنّف إلى ثلاثة أنواع هي:
النوع الأوّل: فرضيّات استنباطيّة (استدلاليّة)
النوع الثاني: فرضيّات استفساريّة
النوع الثالث: فرضيّات مقارنة وتأويليّة تُفرض على الفهم

تجدر الإشارة هنا إلى عدم صواب العمل بالنوع الثالث، بل لا بدّ من السعي للحيلولة دون تطبيقه من أساسه، بينما النوعان الأوّل والثاني، فلا محيص من العمل بهما، ومن المؤكّد أنّ ضرورة العمل بهما هنا لا تعني كون الفهم أمرًا شخصيًّا لا معيار له، بل هو عبارة عن قاعدة عامّة وشاملة.
فضلًا عن ذلك حتّى إذا قبلنا بهذا المبدأ في التحليل الهرمنيوطيقيّ، فهذا الأمر في الحقيقة مجرّد نقطة الانطلاق والبداية في الموضوع، لأنّ غاية ما يتمّ إثباته في رحابه هو وجود تعدّديّة إبستيمولوجيّة ليس من الممكن إثبات صوابها على أساس قواعد هرمنيوطيقيّة فلسفيّة، ومن المؤكّد أنّه لا يمكن ادّعاء صواب كافّة المعارف المتعدّدة على ضوء تحليل منطقيّ فحسب[11] .

المسألة الأخيرة التي تجدر الإشارة إليها في هذا السياق هي أنّ بعض معاصري غادامير اعتبروا نظريّته متقوّمة برؤية نسبويّة، لذلك انتقدوها[12].

سادسًا: نظريّة التحليل الدينيّ
اعتمد بعض المفكّرين والفلاسفة على موضوع جديد مطروح في علم الكلام تحت عنوان «جوهر الدين وقشوره» لادّعاء وجود تعدّديّة إبستيمولوجيّة دينيّة، حيث اتّخذوا الفينومينولوجيا التأريخيّة الدينيّة كذريعة للانتقائيّة في المفاهيم الدينيّة، فعلى أساسها يمكن اعتبار بعض هذه المفاهيم جوهريّةً بالنسبة إلى الدين، بينما يمكن اعتبار بعضها الآخر مجرّد قشور.
ادّعى هؤلاء أنّ جوهر الدين ثابت على الدوام ولا يطرأ عليه أيّ تغيير، بينما قشوره عرضة للتغيير، والجوهر عبارة عن حقيقة تتجاوز نطاق التأريخ، في حين أنّ القشور ذات ارتباط بحركة التأريخ ومختلف التغييرات الزمانيّة؛ لكونها تتغيّر مع تغيّر زمان الخطاب الدينيّ، أي أنّها تُطرح بأشكال متنوّعة مع تنوّع الأزمنة.

هدفهم من هذا الاستنتاج هو إثبات صواب كلّ ما يندرج ضمن القشور الدينيّة في فترة معينة، بحيث يتغيّر ويتعدّد مع كلّ تغيير يحدث في رحاب الزمان، وبما أنّ الكلام هنا يتمحور من أساسه حول تعيين حقيقة الشيء الذي يعتبر جوهرًا دينيًّا والشيء الذي يعتبر قشرًا دينيًّا، ادّعى بعضهم أنّ التجربة الدينيّة بمثابة جوهر ثابت للدين وسائر التعاليم الدينيّة مجرّد قشورٍ لا ثبات لها. ومنهم من اعتبر العدل جوهرًا للدين، لكنّهم مع ذلك ادّعوا أنّ مدلول العدل كامنٌ أيضًا في قشور الدين؛ لذا فهو برأيهم عرضة للتغيير، وعلى هذا الأساس ليس من الضروري بمكانٍ التقيّد بذات المعنى الذي جاء به النبيّ محمّد، بل الجوهر الحقيقيّ هو مضمون لفظ «عدل» بحدّ ذاته. و اعتبر بعضهم التوحيدَ جوهرًا للدين، بينما سائر التعاليم الدينيّة برأيهم مجرّد قشورٍ، ولا فرق في ذلك بين العبادات والمعاملات وبين القضايا السياسيّة الدينيّة؛ لذا يمكن الاعتماد على كلّ استنتاج يُطرح في هذا المضمار دون التقيّد بالثوابت الدينيّة.

* تحليل النظريّة الدينيّة
فيما يلي نتطرّق إلى تحليل نظريّة التحليل الدينيّ التي أريد منها إثبات صواب التعدّديّة الإبستيمولوجيّة الدينيّة:
1) تقسيم الدين إلى جوهر وقشور مرفوض من أساسه ولا وجه له على الإطلاق.
2) لا يمكن الاعتماد مطلقًا على التحليل الفينومينولوجيّ التأريخيّ لمعرفة جوهر الدين وتمييزه عن قشوره حسب المدّعى.
3) حتّى إذا تنزّلنا وأذعنّا بهذا الادّعاء، فكيف يمكن حينها البتّ بكون شيءٍ ما جوهرًا للدين؟! لو قال أحد الباحثين إنّ جوهره هو التقرّب إلى الله أو العبادات بمختلف أنواعها، فهل لدى هؤلاء دليل على نقض رأيه هذا؟!

أضف إلى ذلك أنه توجد آيات وروايات كثيرة تثبت بطلان هذا الادّعاء.
4) تقسيم الدين إلى جوهر وقشور لا يمكن الاعتماد عليه بتاتًا لإثبات وجود تعدّديّة إبستيمولوجيّة دينيّة، فحتّى لو تنزّلنا وقبلنا بالفينومينولوجيا التأريخيّة للدين، ففي هذه الحالة إذا اعتبر أحدهم (أ) جوهرًا للدين وادّعى الآخر أنّ (ب) هو جوهره، حينئذٍ لا يمكن إطلاقًا القول بصوابهما معًا واعتبارهما أمرين حقيقيَّين، فالأوّل يعتبر (أ) جوهرًا ويدّعي أنّ (ب) قشر، بينما الثاني يعتقد بعكس ذلك تمامًا؛ لذا هل من المنطقيّ هنا ادّعاء أنّ (أ) جوهرٌ للدين وفي الحين ذاته قشرٌ له؟!

* نتيجة البحث  اتّضح لنا من مجمل ما ذكر عقم كافّة النظريّات التحليليّة التي أشرنا إليها في إثبات وجود تعدّديّة إبستيمولوجيّة، فثمّة إشكاليّات ترِد على كلّ واحدةٍ منها؛ لذا يمكن اعتبار الرأي القائل بوجود تعدّديّة دينيّة اعتراضًا صريحًا على الحكم القطعيّ القائل باستحالة اجتماع النقيضين وارتفاعهما.

يمكن تقسيم أساليب تشخيص المعرفة إلى نوعين، بنيويّ وظاهريّ، وتبعًا لذلك يمكن التفكيك بين مختلف المعارف وتعدّدها، وفي مقابل ذلك بالإمكان أن ترتبط التعدّديّة بنطاق إبستيمولوجيّ معيّن.

توجد ثلاثة عوامل أساسيّة تعدّ سببًا للتعدّديّة الإبستيمولوجيّة وحدوث اختلافات على الصعيد المعرفيّ، وهي:
1) اختلاف في ذات المضمار الإبستيمولوجيّ.
2) اختلاف في الأساليب البنيويّة.
3) اختلاف في الأساليب الظاهريّة.

إحدى المسائل الجديرة بالذكر على صعيد الاختلاف الإبستيمولوجيّ هي أنّه إذا لم يكن ثمّة اختلاف في الأساليب البنيويّة والظاهريّة، ففي هذه الحالة لا مجال للبحث والتحليل حول المبادئ الميثودولوجيّة، بل لا بدّ من تقييد الحوار في ذات النطاق الإبستيمولوجيّ. وعلى سبيل المثال لو حدث اختلاف بين فقيهين من فقهاء الشيعة حول إحدى المسائل الفقهيّة، فينبغي لهما عندئذٍ تقييد النقاش بينهما في نطاق هذه المسألة إذا كانا متّفقين على الأساليب البنيويّة والظاهريّة لها، لكن إذا كان اختلافهما في الأسلوب الظاهريّ فيجب حينها تركيز موضوع البحث على ظاهر المسألة.

وأمّا الاختلاف الحاصل بين فقيهين في فتويين مختلفتين، فهو لا يرتبط بمسألة معيّنة أو بأسلوب بنيويّ على نحو التحديد، بل ذو ارتباط بأساليب ظاهريّة، فعلى سبيل المثال قد يرى أحد الفقهاء أنّ مرسلات ابن أبي عمير غير معتبرة، في حين يعتقد غيره بحجّيّتها.
لا شكّ في أنّ الاختلاف في الفتاوى سببه وجود اختلاف منهجيّ بين الرواة، وأحيانًا قد يكون هذا الاختلاف وتعدّد الآراء وتضاربها بسبب الأساليب البنيويّة؛ لذا يجب في هذه الحالة الرجوع إلى مستهلّ موضوع البحث بغية طرح رؤية مشتركة.

في الكثير من الأحيان تتعدّد آراء العلماء، لكنّهم ضمن حوارهم ونقاشهم يعتمدون على مواضيع ظاهريّة، في حين أنّ الاختلاف في حقيقته بنيويّ، وفي هذه الحالة لا بدّ من أن يستهلّ موضوع البحث من نقطة البداية في هذا الاختلاف؛ ويرى بعض الباحثين أنّ أفضل وأبسط وسيلة يمكن الاعتماد عليها في هذا المضمار هي التعدّديّة الإبستيمولوجيّة، فهي الأنجع من غيرها لحلّ الاختلاف الحاصل، لكنّ هذا الرأي ليس صائبًا، بداعي أنّ هذه التعدّديّة مجرّد وسيلة لبيان واقع الموضوع، وليست حلًّا جذريًّا، بل الحلّ الأنجع هو تتبّع جذور الخلاف الفكريّ وتشخيص مكامنه ثمّ وضع حلّ مناسب له.

المصادر والمراجع
إدغار موران، روش 3 (باللغة الفارسيّة)، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة علي إسلامي، بدون تأريخ طبع.
بابك أحمدي، ساختار و تاويل متن (باللغة الفارسيّة)، الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة، طهران، منشورات "مركز"، 2009م.
عبد الحسين خسرو بناه، كلام جديد (باللغة الفارسيّة)، الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة، قم، منشورات معهد الدراسات والأبحاث الثقافيّة، 2004م.
جعفر السبحاني، بلوراليزم ديني يا كثرت كرائي (باللغة الفارسيّة)، الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة، منشورات مؤسّسة الإمام الصادق ، 2002م.
ديفيد كوزنيس هوي، حلقه انتقادي (باللغة الفارسيّة)، ترجمه إلى الفارسية مراد فرهاد بور، الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة، طهران، منشورات «روشنكران» ومعهد الدراسات النسائيّة، 2006م.
يوستوس هارتناك، نظريه معرفت در فلسفه كانت (باللغة الفارسيّة)، ترجمه إلى الفارسيّة غلام علي حداد عادل، الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة، طهران، منشورات «فكر روز»، 2006م.

-----------------------------
[1]*- أستاذ مشارك في معهد دراسات الثقافة والفكر والإسلاميّ، إيران.
هذه المقالة نُشرت في مجلة (حكمت وفلسفة) الفصليّة، العدد الأوّل، سنة 2010م.
ترجمة: أسعد مندي الكعبيّ.
[2]- إدغار موران، روش 3 (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة علي إسلامي، بدون تأريخ طبع، ص 158.
[3]- يوستوس هارتناك، نظريه معرفت در فلسفه كانت (باللغة الفارسيّة)، ترجمه إلى الفارسيّة غلام علي حداد عادل، الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة، طهران، منشورات «فكر روز»، 2006م، ص 16.
[4]- جعفر السبحاني، بلوراليزم ديني يا كثرت كرائي (باللغة الفارسيّة)، الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة، منشورات مؤسّسة الإمام الصادق، 2002م، ص 56 - 57.
[5]- هانز جورج غادامير Hans Georg Gadamer ولد في بولندا سنة 1901م وتتلمذ عند مارتن هايدغر Martin Heidegger وأهمّ كتاب ألّفه هو الحقيقة والمنهج Truth and Method بمحورية مباحث الهرمنيوطيقا الفلسفيّة.
[6]- ديفيد كوزنيس هوي، حلقه انتقادي (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية مراد فرهاد بور، الجمهورية الإسلامية الإيرانية، طهران، منشورات «روشنكران» ومعهد الدراسات النسائية، 2006م، ص 141.
[7]- المصدر السابق، ص 150. 
[8]- بابك أحمدي، ساختار و تاويل متن (باللغة الفارسية)، الجمهورية الإسلامية الإيرانية، طهران، منشورات "مركز"، 2009م، ج 2، ص 571.
[9]- ديفيد كوزنيس هوي، حلقه انتقادي (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية مراد فرهاد بور، ص 67.
[10]- المصدر السابق، ص 14.
[11]- الجدير بالذكر هنا أنّ نظريّة غادامير انتُقدت من قبل بعض المفكّرين والفلاسفة الغربيين من أمثال يورغن هابرماس وولفهارت بانينبيرغ.
[12]-  للاطّلاع على تفاصيل هذا النقد، راجع المصدر التالي: عبد الحسين خسرو بناه، كلام جديد (باللغة الفارسية)، الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة، قم، منشورات معهد الدراسات والأبحاث الثقافيّة، 2004م، ص 112 - 117.