البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

معاثر التعدّديّة الدينيّة؛ تنظير نقديّ للمفهوم وأبنيته المعرفيّة

الباحث :  محمد حسن زراقط
اسم المجلة :  الاستغراب
العدد :  25
السنة :  خريف 2021م / 1443هـ
تاريخ إضافة البحث :  February / 1 / 2022
عدد زيارات البحث :  81
تحميل  ( 1.002 MB )
تتناول هذه الدراسة بالتحليل والنقد مفهوم التعدّديّة الدينيّة كما يُطرح في الفكر الغربيّ وفي بعض الأوساط في مجتمعاتنا الفكرِّية الإسلاميّة. كما تعرّض إلى أهمّ المرتكزات المعرفيّة التي شكَّلت حقل النقاش على مدى حقبات متّصلة في الدوائر اللَّاهوتيّة والفلسفيّة في الغرب.

وفي سياق مقاربته التحليليّة والنقديّة لمفهوم التعدّديّة سعى الباحث إلى التمييز بين السبيل الإلهيّ المنطلق من واحديّة الوحي والسبل المتعدّدة المترتّبة على إفهام البشر.

«المحرِّر»
-------------------------------
تنقَّل مصطلح التعدّديّة بين العلوم المختلفة، واكتسب تبعًا للمجال المستخدَم فيه معنىً جديدًا[1]، وما نهدف إلى البحث عنه في هذه المقالة هو التعدّديّة في مجال الدراسات الدينيّة، إلّا أّن من المناسب للإحاطة بالموضوع الإشارة إلى بعض هذه المعاني، والوقوف على المداليل المختلفة له في الدراسات الدينيّة، وفي غيرها. وسوف نلاحظ أنّ التعدّديّة ببعض المعاني المقصودة من المصطلح قد تكون مقبولة، بل مندوبًا إليها في الأدبيّات الدينيّة الإسلاميّة. وسوف نستعرض بعض المباني والمنطلقات الفكريّة أو الاجتماعيّة التي استندت إليها دعوة التعدّديّة. وقبل أيّ شيء أرى من المناسب الإطلالة على الأصل اللغويّ لهذا المفهوم.

التعدّديّة في اللغة والمصطلح
يبدو أنّ مصطلح التعدّديّة من المفردات الوافدة على اللغة العربيّة رغم الجذر العربيّ الذي يشير إلى الكثرة والتعدُّد إلّا أنّ هذا الاشتقاق لا يُلاحظ له أصل في اللغة. ومن هنا، خلت منه بعض المعاجم العربيّة غير المتخصّصة[2]. وهو مصدر صناعيّ يُراد به الدلالة على المذهب، أو الاتجاه، أو غير ذلك من المفاهيم المشابهة وأمثال هذا المصطلح في اللغة كثير منها: الاشتراكيّة، والعلمانيّة، والبيروقراطيّة... ومنها ما استحدثه الفلاسفة للتعبير عن مراداتهم ككلمة ماهيّة وكيفيّة وغيرها.

يشير مصطلح التعدّديّة في مجال الميتافيزيقا[3] إلى تشكّل العالم من مجموعة من العناصر يصل عددها إلى أربعة عند أمبادوقليس وهي: التراب، والماء، والهواء، والنار، بينما لم يجد أنكساغوراس هذا العدد الضئيل من العناصر كافيًا لتفسير الكثرة الموجودة في هذا العالم، ومن هنا لم يحصرها بأربعة، مبقيًا عددها في دائرة اللامتناهي[4].

وقد شقَّت نظرية العناصر الأربعة طريقها إلى الفلسفة العربيّة الإسلاميّة، ولاقت قبولًا من كثير من الفلاسفة المسلمين؛ حيث نجد إشارة إليها عند ابن سينا وشرّاحه. يقول شارح الإشارات: «...والمراد من قوله أمّا التي لا يمكن فيها ذلك هو الفلكيّات... فالجسم البالغ في الحرارة بطبعه هو النار، والبالغ في البرودة بطبعه هو الماء، والبالغ في الميعان هو الهواء، والبالغ في الجمود هو الأرض أراد أن يشير إلى أنّ العناصر أربعة ويعيِّنها...»[5] وبقيت هذه المقولة قيد التداول الفكريّ أيضًا إلى عصور متأخرة، فها هو نصير الدين الطوسيّ ينسج جزءًا من فلسفته الطبيعيّة على هديها فيقول: «وأمّا العناصر البسيطة فأربعة كرة النار، والهواء، والماء، والأرض. واستفيد عددها من مزاوجات الكيفيّات الفعليّة والانفعاليّة»[6]ويشرح الحلّيّ كلامه قائلًا: «... واعلم أن البسائط العنصريّة أربعة، فأقربها إلى الفلك النار، ثمّ الهواء، ثمّ الماء، ثمّ الأرض ...»[7].

وربما أصرّ كثير من الفلاسفة على هذه الفكرة وعضوًا عليها بالنواجذ-بل فعلوا[8]  - لولا أنّ مندلييف
(Mendeleyev 1834-1907) فاجأهم بزعمه أنّ العناصر تصل في عددها إلى ثمانية وسبعين عنصرًا، وما زالت بعض الخانات في جدوله الأثير فارغة بانتظار من يملؤها باكتشاف عناصر جديدة، وهكذا اتضح أنّ بسائط الفلسفة اليونانيّة أضحت مركّبات كغيرها من المركّبات.

وعلى أيَّ حال، لا يدخل البحث عن هذا النمط من التعدّديّة في صميم غرضنا، وإنما أشرنا إليه رغبة في الوضوح كونه أحد معاني المصطلح المبحوث عنه.

التعدّديّة السياسيّة:
يُقصد بمصطلح التعدّديّة عندما يُستخدم في المجال السياسيّ: أن يسمح لفئات الشعب على اختلاف اتجاهاتها وتيّاراتها من أحزاب وتجمّعات غير حزبيّة  أن تتداول السلطة وأن تشارك في صناعة القرار السياسيّ. وهي بهذا المعنى من أهمّ الأسس التي يرتكز عليها النظام الديمقراطيّ. ولو رجعنا في تأمّلنا للنسق الفكريّ السياسيّ لا نجد تنظيرًا واضحًا لهذا المفهوم ولآليّات ممارسته في الفلسفة السياسيّة، أو ما يُعرف في التراث الإسلاميّ بـ «الأحكام السلطانيّة»، حيث لم تكن فكرة الأحزاب بالمعنى السائد اليوم قد أبصرت النور. والأحزاب التي عُرفت في التاريخ الإسلاميّ لم تكن سوى تكتّلات تجمعها ولاءات دينيّة أو عصبيّة مختلفة.

ومن هنا، نجد أنّ فكرة الحزب احتاجت إلى محاولات لإثبات مشروعيّتها وعدم منافاتها للشريعة كطريقة للعمل السياسيّ أو الاجتماعيّ قبل البحث حول جدواها وأهمّيّتها في أيّ عمليّة نهوض بالأمّة أو تغيير لواقعها الراهن؛ حيث يُدَّعى أنّ الحزبيّة نسق غربيّ يتضمّن الكثير من السلبيّات التي تمنع من اقتباسه في الإطار الإسلاميّ، مضافًا إلى أن القرآن الكريم يتحدّث عن الحزبيّة بشكل سلبيّ يقول تعالى: (وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ)[9] ويقول تعالى في مورد آخر: (فَٱخْتَلَفَ ٱلْأَحْزَابُ مِنۢ بَيْنِهِمْ ۖ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ)[10].
هذا ولكنّنا نجد على الجهة الأخرى أنّه يتحدّث -سبحانه- عن نمط آخر من الحزبيّة بطريقة توحي بالرضى والقبول، فيقول سبحانه: (وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ)[11].

إذًا، لا يمكن أن نستنتج من القرآن موقفًا قيميًّا من العمل الحزبيّ، بل الأمر تابع للقيم التي يحملها الحزب نفسه، ومن هنا: «قد لا يجد الإنسان حكمًا شرعيًّا منافيًا للعمل الحزبيّ؛ بحيث يوجب حرمته ليكون الإنسان العامل على هذا الخط  مرتكبًا لحرام شرعيّ إلّا فيما قد يحدث من تفاصيل من الالتزام بما لا يجوز الالتزام به... فهي [الحزبيّة] تشبه في الدائرة العامّة الالتزام بفتوى غير المجتهد أو المجتهد الفاسق... ممن لا يجوز تقليده، فهل يمكن أن نقول بأنّ أسلوب الخطّ الفتوائيّ أو خطّ التقليد لا ينسجم مع الإسلام»[12].

إلّا أنّ الواقع الإسلاميّ عبر التاريخ لم يخل من الأحزاب بمعنى التجمعات ذات الطابع السياسيّ أو الدينيّ أو العصبيّ العشائريّ، لكن لم يتفتّق العقل الإسلاميّ على ضوابط تحكم عمليّة تداول السلطة السياسيّة بشكل سلميّ منذ الثورة على عثمان في صدر الإسلام إلى ما يقرب من عصرنا هذا، بل فيه أيضًا إلى حدّ كبير. ولولا التجربة الإسلاميّة الرائدة في إيران لاستطعنا أن نعمم الحكم ونطلقه، هذا رغم ما دوَّنه أصحاب الأحكام السلطانيّة من مقررات وشروط ينعزل الإمام تلقائيّا لو افتقدها.[13]

استدراك حول التعدّديّة السياسيّة:
يمكن الإشارة إلى نوع من التعدّديّة السياسيّة في المجتمع الإسلاميّ، عَنيْتُ بذلك ما يُعرَف في التاريخ الإسلاميّ بأهل الذمّة وما يتعلق بهم من أحكام؛ وذلك أنّه يوجد نموذجان من العلاقة بغير المسلمين في الاجتماع السياسيّ الإسلاميّ:

أ- الاندماج الكامل:
وهو ما يعكسه كتاب النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في المدينة بينه وبين اليهود. هذا الكتاب الذي يعدّ وثيقة سياسيّة كأروع ما تكون الاتفاقيّات السياسيّة، أو فقل: هو عقد سياسيّ اجتماعيّ ينظّم العلاقة بين أهل الأمّة الواحدة ويؤمن انصهارها رغم التباينات السائدة. وينصّ الكتاب على أنّ أهل المدينة من يهود ومسلمين أمّة واحدة من دون الناس وفي تعبير الأمّة إشارة واضحة من النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى القبول بالآخر رغم عدم الرضى بدينه

 يقول الكتاب النبويّ: «بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من محمّد النبيّ بين المؤمنين والمسلمين من قريش، وأهل يثرب، ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم أنّهم أمّة من دون الناس...»[14].

ويعلِّق محمّد مهدي شمس الدين على هذا النصّ قائلًا: «...وعلى كلا الاحتمالين تكون الأمّة بالمعنى العقيديّ قادرة على التشكّل في مجتمع سياسيّ متنوّع يتكوّن منها ومن أمّة أخرى قائمة على أساس عقيديّ أو عرفيّ آخر... وهنا نلفت النظر إلى أمر عظيم الأهمّيّة جدًّا، وهو: إنّ هذا النصّ... يدلّ على أنّه في الفكر الإسلاميّ لا يوجد تلازم بين مفاهيم: وحدة الأمة (بالمعنى العقيديّ)، ووحدة المجتمع السياسيّ، ووحدة الدولة»[15].

ب - الكيان السياسيّ المستقل:
هذا ولم تأخذ العلاقة مع أهل الأديان الأخرى شكلًا واحدًا،  بل تطوّرت إلى مفهوم جديد هو مفهوم أهل الذمّة كما أشرنا إلى ذلك سابقًا. وبغض النظر عن كثير من الالتباسات التي أحاطت بهذا المصطلح، فأخرجته عن معناه الإنسانيّ الجميل الذي يعني نوعًا من الرعاية والإحساس بالمسؤوليّة تجاه الآخر؛ لجهة الحفاظ على كرامته الإنسانيّة أمام من يريد الانتقاص منها، وبغض النظر عن قبول المسيحيّين اليوم لهذا النمط من التعاطي أو عدمه[16]، بغض النظر عن كلّ هذا أريد أن أشير إلى أنّ عقد الذمّة عندما كان يُقَرّ كان يتضمّن نوعًا من الاعتراف بالكيان لأهل الذمّة المقيمين في الدولة الإسلاميّة[17]. وهو ما يمكن تسميته إلى حدّ ما بالحكم الذاتيّ باصطلاح الفكر السياسيّ المعاصر.

التعدّديّة الدينيّة:
لا يتّفق دعاة التعدّديّة الدينيّة على مدلول محدّد لدعوتهم، وإنّما تختلف هذه الدعاوى باختلاف أصحابها. وسوف نعرض لبعض هذه المدعيات في محاولة للبحث عن مرتكزاتها ومنطلقاتها الفكريّة، والمعرفيّة.

1- النظرية الأولى:
الحوار بين الأديان[18]:
وتهدف هذه المقولة إلى إثبات ضرورة قيام حوار فعليّ بين الأديان المختلفة، وتقبُّل كلّ منها الآخر؛ للوصول إلى أسس مشتركة وترك موارد الاختلاف جانبًا. ويكثر دعاة هذه النظريّة في البلاد التي يوجد فيها أديان متعدّدة، أو مذاهب متعدّدة من دين واحد. والنموذج الأبرز لموطن هذه الدعوة، لبنان، إلى حدٍّ قيل: «إنّ اللبنانيّين يتحدّثون عن الحوار أكثر مما يتحاورون!» ولا داعي للحديث عن فوائد الحوار في تخفيف حالة التوتّر، وتقريب وجهات النظر، أو خلق حالة من تقبّل الآخر أو تفهّمه إن لم يُقبَل. وتنطلق هذه الدعوة من منابت متعدّدة أهمها:

المنبت الاجتماعيّ:
تهدف هذه النظريّة كما يبدو منها إلى حلّ مشكلة التنوّع الدينيّ في الواقع الاجتماعيّ، وما ينجم عن ذلك من توتّر يحكم العلاقة بين أتباع الأديان المتعايشين -ولو كرهًا- في بلد واحد. ولا يؤثر الحكم في حلّ هذه المشكلة، فهي تبقى قائمة، سواء بلغ هذا التنوّع درجة التساوي أم كان ثمّة فئة تمثّل أقلِّيّة ضمن أكثريّة. ومن هنا، عبَّر بعض المفكّرين عن هذا التنوّع بالمشكلة: «لم تُطرح مسألة الأقلّيّات في أيّة حقبة من حقب التاريخ العربيّ ـ الإسلاميّ بالحدَّة وبالخطورة التي تُطرح بهما اليوم»[19].

وأعلّق هنا لأقول: إنّ الإسلام قد اعترف بهذه المشكلة وعمل على حلّها بطريقة تضمن للأقلّيات «المغلوبة» كثيرًا من حقوقها عبر تشريعات رائدة[20] وتوصيات قانونيّة ملزمة بالتسامح مع أهل الأديان الأخرى ومراعاتهم: «ولا تكوننّ عليهم سبعًا ضاريًا تغتنم أكلهم فإنّهم صنفان إمّا أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق»[21].

وحول الدعوة القرآنيّة إلى حوار الأديان يمكن الإشارة إلى قوله تعالى:
(قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ)[22].

وأعلى درجة من درجات الاحترام للآخر نجدها عند الإسلام، حيث ضمنت تشريعاته المساواة أمام القانون بين جميع الرعايا من أيّ دين كانوا وإلى أيّ ملّة انتموا، فقد ورد عن الإمام الصادق(عليه السلام) عن رجل قتل رجلًا من أهل الذمة؟ فقال: «هذا حديث لا يحتمله الناس ولكن يعطي الذمّيّ دية المسلم ثم يُقتَل به المسلم»[23].
وقد ضمن لهم الإسلام حقوقهم وحرَّم الاعتداء عليهم كما حرَّم الاعتداء على غيرهم من المواطنين في الدولة الإسلاميّة، ففي رسالة الحقوق المرويّة عن الإمام زين العابدين(عليه السلام): «وحقّ الذمّة أن تقبل منهم ما قبل الله عزّ وجلّ ولا تظلمهم ما وفوا الله بعهدهم»[24].

وقد تحرَّج أصحاب الأئمة من التصرّف في أموالهم التي يبيحونها لهم تحت ضغط السلطان الجائر فها هو أحدهم يسأل الإمام الصادق(عليه السلام): «عن قرية لأناس من أهل الذمّة لا أدري أصلها لهم أم لا، غير أنّها في أيديهم وعليها خراج، فاعتدى عليهم السلطان، فطلبوا إليّ فأعطوني أرضهم وقريتهم على أن يكفيهم السلطان بما قلّ أو كثر، ففضل لي بعد ذلك فضل بعد ما قبض السلطان ما قبض؟ فقال: لا بأس بذلك، لك ما كان من فضل»[25].
تكشف هذه الرواية عن دقّة أصحاب الأئمة في التعامل مع أموال أهل الذمّة، فأهل الذمّة هم الذين أباحوا أموالهم وقريتهم التي لا يُعلَم أن أصلها لهم أم، ومع ذلك يتردّد السائل في أخذ ما بقي من الأموال.

ولا يسعني هنا إلا أن أسجل استغرابي للتفاوت الكبير بين أسلوب التعامل مع أهل الذمّة في فتاوى الفقهاء من السنة والشيعة[26]، وبين ما ألزمت به هذه التشريعات العظيمة التي يفترض أن تكون هي المرجع والمستند. ولعلّ هذا التفاوت يعود إلى الأعراف السياسيّة التي سادت في المجتمعات الإسلاميّة، عبر عصور متلاحقة. وعلى أيّ حال، يحتاج هذا الموضوع إلى بحث آخر ليس هنا محلّه.

ولعلّ من المناسب الإشارة إلى شهادتين حول التسامح الإسلاميّ مع أهل الأديان الأخرى قبل أن انتقل إلى بيان النظريّة الثانية للتعدّديّة.
أ - يقول لامارتين الشاعر والمستشرق الفرنسيّ المعروف: «إنّهم  [المسلمين] الشعب الأكثر تسامحًا على الأرض وهو الأكثر تقديرًا واحترامًا للعبادة والصلاة مهما تنوّعت اللغات والطقوس، ذاك أنّه لا يكره بالعمق سوى الإلحاد وهو يعتبره... انحطاطًا للفكر الإنسانيّ وازدراء للبشريّة قبل أن يكون إهانة لله»[27].

ب -  ويقول صموئيل أتينجر: «اتّسمت علاقات اليهود بالمجتمع المحيط بهم طيلة الفترة الواقعة بين القرن السادس عشر والقرن الثامن عشر بقدر كبير من الاستقرار، وكانت أماكن العمل طيلة هذه الفترة تجمع اليهود بإخوانهم من المسيحيّين والمسلمين، وكان أبناء هذه الطوائف يلتقون معًا آنذاك خارج العمل أيضًا»[28].

2- النظريّة الثانية
حقّانيّة الأديان كلّها:
وهذه النظريّة من أشدّ الاتجاهات تطرّفًا بين دعاة التعدّديّة، ويقصد بها الدعوة إلى التعدّد وعدم التعلّق بدين واحد، وحصر الحقّ به دون غيره من الأديان. وقد ذهب هذا المذهب بعض الفلاسفة والعرفاء المسلمين؛ حيث يُنقل عن ابن عربي قوله:

لقد كنت قبل اليوم أنكر صاحبي               إذا لم يكن ديني إلى دينه دانــي

وقد صار قلبي قـابلًا كلّ صورة               فمـرعى لـغزلان ودير لرهبــان

وبيت لأوثان وكعبــة طــاـئف                  وألواح تـوراة ومصحــف قـرآن

أدين بدين الحبّ أنّـى توجّهت         ركائبه فالـحبّ دينـي وإيمانـي[29]

وتنطلق هذه الدعوة من منطلقات معرفيّة ودينيّة عدّة أشير إلى أهمّها:

المنطلق المعرفيّ أو نسبيّة المعرفة:
بدأ الاشتغال الفلسفيّ على المعرفة الإنسانيّة لجهة البحث عن مصادرها وكيفيّة تكوّنها وغير ذلك من المباحث المشابهة في العصر الحديث من عصور الفلسفة الأوروبيّة، حتى قيل: إنّ الفلسفة في العصر الحديث تحوَّلت إلى بحث عن نظريّة المعرفة: «أمّا الفلسفة الحديثة، فقد اتجهت إلى البحث في المعرفة، واهتمّت بدراسة طبيعتها للوقوف على حقيقة العلاقة التي تربط بين قوى الإدراك، والأشياء المدرَكة»[30] مهملة سائر الموضوعات التي كانت الشغل الشاغل للفلاسفة في عصور سابقة كالميتافيزيقا مثلًا.

ومن بين النظريّات التي طُرحت في نظريّة المعرفة نظريّة نسبيّة المعرفة والدعوة إلى عدم الاطمئنان إلى أيّ يقين يتوصّل إليه الإنسان في بحثه عن المعرفة. وربما يمكن تصنيف عدد من الأفكار تحت هذا العنوان.

أ - الاتجاه الكانطيّ:
لقد ميَّز كانط (1724-1804) في مجال المعرفة بين أمرين هما:»الشيء في ذاته» و«الشيء  كما يبدو لنا»، وبناء على هذا المبنى المعرفيّ لا يتيسّر للإنسان معرفة ماهيّات الأشياء وحقائقها كما هي، بل يعرّفها من خلال ما تظهر له[31]. وبعبارة أخرى، فصل كانط بين موضوع المعرفة وبين فاعل المعرفة[32]، ويظهر جليًّا من هذا الطرح الكانطيّ نوع من النسبيّة في المعرفة أو على الأقل استفيد منها للوصول إلى ذلك.

ولعل المطّلع على ما طرحه المناطقة المسلمون في باب التعريف يجد نوعًا من التشابه بين كلامهم وكلام كانط؛ حيث إنّهم اعترفوا بعدم إمكان الاطلاع على حقائق الأشياء للوصول إلى تعريف دقيق لها: «...إنّ المعروف عند العلماء أنّ الاطلاع على حقائق الأشياء وفصولها من الأمور المستحيلة أو المتعذّرة»[33]. وعلى هذا يبتني كلّ تصريح باليأس من العثور على تعريف لظاهرة ما[34].

ويشبه أيضًا ما تفتّقت عنه عبقريّة الشهيد الصدر الفذّة من ابتكاره لمصطلح اليقين الذاتيّ في مقابل اليقين الموضوعيّ، ويقصد بالأوّل اليقين بما هو حالة نفسيّة يتّصف بها الإنسان المتيقّن، سواء امتلك هذا اليقين مبرّرًا موضوعيًّا أم لم يمتلك. وبالثاني اليقين الذي يستند إلى معطيات خارجيّة[35].
والفرق بين هذه الموارد من الفكر الإسلاميّ وبين نظام المعرفة الكانطيّ أنّها  لا تتنافى مع إمكان المعرفة ضمن حدود معيّنة، بخلاف ما يُنسب إلى كانط من إنكار إمكانيّة الوصول إلى معرفة صافية. ولا نريد في هذه المقالة التعرّض للردود التي وُجِّهت إلى المذهب الكانطيّ في المعرفة ولمن يريد ذلك مراجعة الكتب المتخصّصة في هذا المجال[36].

ويتضح الموقف الفلسفيّ في الإطار الإسلاميّ بملاحظة تحليلات الفلاسفة المسلمين لمسألة الوجود الذهنيّ؛ حيث لا يقبلون أيّ نوع من الاختلاف بين عالم الواقع وعالم الذهن. ويرون في ذلك سفسطة وبعدًا عنه وجهلًا.

 يقول الطباطبائيّ في سياق ردّه لنظريّة من ينكر الوجود الذهنيّ: «وهذا [القول إنّ العلم هو عبارة عن صورة تشبه الواقع المعلوم] في الحقيقة سفسطة ينسدّ معها باب العلم بالخارج من أصله»[37]ويعلّل ذلك في الهامش بقوله: «لمغايرة الصور الحاصلة عند الإنسان لما في الخارج مغايرة مطلقة، فلا علم بشيء مطلقًا وهو السفسطة»[38].

ب – لا حتميّة هايزنبرغ:
طرح هايزنبرغ في مجال الفيزياء نظريّةً سَرَتْ إلى المعرفة والفلسفة، وتركت آثارها على الفلسفة المعاصرة بشكل واسع. وحاصل هذه النظرية هو أنّنا لا نستطيع معرفة موقع الإلكترون الذي يدور حول نواة الذرّة إلّا إذا سلَّطنا عليه الضوء، وعندما يصطدم الإلكترون بالفوتون يأخذ قسطًا منه، فتزداد سرعته، فيلتبس علينا موقعه. ويشبِّه أحد الفيزيائيّين هذه الظاهرة بقطّة عالقة في قبو مظلم نريد معرفة موقعها في هذا القبو، ولا يمكننا ذلك إلّا بتسليط الضوء عليها من ثقب صغير في باب القبو، ومن الطبيعيّ أنّنا عندما نفعل ذلك سوف تهرب إلى زاوية أخرى غير التي كانت فيها[39]. والنتيجة الأبرز لهذه النظريّة الفلسفيّة هي التنازل الكامل عن دعوى إمكانيّة تحصيل معرفة موضوعيّة، بل كلّ معرفة من المعارف، سواء أكان في العلوم الطبيعيّة أم في غيرها من العلوم يختلط فيها الذاتيّ بالموضوعيّ، ونتيجة المعرفة بأدوات قياسها ومقدمات الوصول إليها.

والتعليق الذي يمكن أن يوجَّه إلى الاستفادة المعرفيّة من هذه النظريّة هو أنّه لا مبرّر للخلط بين مجال الفيزياء وغيرها من المجالات العلميّة الأخرى، فإذا كان موقع الإلكترون لا يتحدّد إلّا بعد تدخّل أجهزة القياس، فلماذا نفرض الموقف نفسه على كلّ معرفة؟! وهذا الالتباس المعرفيّ هو عين ما وقع بعد نظريّة داروين في التطوّر؛ حيث نُقِل التطوّر على فرض صحّته من عالم الطبيعة، إلى عالم الفلسفة والأخلاق وغيرها[40].

المنطلق الدينيّ للتعدّديّة:
قد يستند دعاة التعدّديّة الدينيّة بهذا المعنى المبحوث عنه في هذا الفصل من المقالة إلى مجموعة من الآيات القرآنيّة سوف أحاول الإشارة إلى أهمّها:

أ - قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)[41].
فقد اعترفت هذه الآية لغير المسلمين بأديانهم وأقرت لهم بعدم الخوف والحزن، وهذه هي دعوى التعدّديّة لا أكثر؛ حيث إن المراد من التعدّديّة هو الاعتراف بأكثر من دين كوسيلة للتعبد، والوصول بالتالي إلى النجاة.

هذا ولم أجد أحدًا من المفسّرين فهم من هذه الآية أنّ الله يقبل من المكلَّف أيَّ دين يدين به. ولا أريد أن أقول إن ما فهمه المفسِّرون حجّة لا تجوز مخالفته، إنّما أزعم أنّ فهم أيّ جزء من كتاب، سواء أكان قرآنًا أم غيره، لا بدّ أن يتمّ على أساس السياق العامّ الذي ورد فيه. ومن هنا، عندما نراجع القرآن نجد إلى جنب هذه الآية عددًا كبيرًا من الآيات تؤكّد أنّ الدين واحد وهو الإسلام، منها قوله تعالى: (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ)[42]. وإذا فهمنا من هذه الآية الإسلام بالمعنى اللغويّ، فإنّنا نجد الكثير من الآيات التي تدعو إلى اتّباع النبيّ محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولا تجوِّز اتّباع غيره كقوله تعالى: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ)[43].

ب - قوله تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا)[44]وكذلك قوله تعالى أيضًا: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولاً)[45]. وقد استدل جمع من علماء الأصول (أصول الفقه) بهاتين الآيتين على عدم مسؤوليّة المكلّف تجاه التكليف الذي لم يصله بأيّ نحو من أنحاء الوصول. وهذا ما يسمّونه أصل البراءة في المصطلح الأصوليّ[46].
ولا يمكن استفادة التعدّديّة بهذا المعنى من هذه الآيات، بل هي دالّة عند من يرتضي دلالتها على عدم المسؤوليّة في حال الجهل، وعدم وصول الرسول عقلًا كان هذا الرسول أم شرعًا ووحيًا؛ أي هي تدلّ على تعدّد سبل النجاة.

ج- قول أمير المؤمنين(عليه السلام): «والله لو ثُنيت لي الوسادة لحكمت بين أهل التوراة بتوراتهم وبين أهل الإنجيل بإنجيلهم وبين أهل الزبور بزبورهم...»[47].
وهذه الرواية تكشف عن الإمضاء لشريعة غير المسلمين، وإلّا كيف يحكم الإمام بشريعة باطلة منسوخة. ولكن ربما يُعترض على الاستدلال بهذه الرواية بأنّ الإمام في مقام الاحتجاج وإثبات معرفته الواسعة بالشرائع السابقة. أضف إلى ذلك أنّ الإسلام يسمح لغير المسلمين المقيمين في المجتمع الإسلاميّ أن يطبّقوا شرائعهم في ما بينهم[48]. ولا يعني ذلك بأيّ وجه إمضاء الإسلام لهذه الشرائع إلّا عند أصحابها.

د- اشتهر على لسان كثير من علماء المسلمين مقولة: «الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق»[49].
وهذه المقولة التي لا تستند بحسب تتبّعي إلى نصّ مأثور عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، أو غيره من المعصومين، يمكن أن يفهم منها أحد معنيين:

المعنى الأوّل:
هو أنّ الله يقبل من الإنسان أيّ دين يختاره للتديّن به والوصول إليه، وهذا هو ما يريده دعاة التعدّديّة بهذا المعنى الذي نعالجه الآن، ولكن هذا التفسير هو أحد احتمالين، وليس المعنى الوحيد، بل لعلّنا نجد في المأثور ما يتنافى معها، كالحادثة المشهورة عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، حيث يروي ابن مسعود: «خطّ لنا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يومًا خطًّا، ثم قال: «هذا سبيل الله»، ثم خطّ خطوطًا عن يمينه وعن شماله. ثم قال: «هذه سبل على كلّ سبيل منها شيطان يدعو إليه» ثم تلا قوله تعالى: (وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ...)[50].

وكذلك قول الله سبحانه في القرآن: (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ)[51].
وكذلك الرواية المشهورة عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) حيث يقول: «اليمين والشمال مضلّة، والطريق الوسطى هي الجادّة»[52].

المعنى الثاني:
ويبدو أنه الأوفق بالمعروف من الذهنيّة الإسلاميّة، بل كلّ أصحاب الأديان الذين يعتقدون أنّ الدين الذي يؤمنون به هو الحقّ من عند ربّهم. وبالتالي، لا يتسنى لهم القبول باتّباع غيره من الأديان. وهذا المعنى هو أنّ سبل الهداية إلى الله والدين الحقّ متعدّدة فمن الناس من يؤمن بعد رؤية المعجزات، ومنهم من يؤمن بعد التأمّل الفكريّ في صحّة المفردات التي يدعو إليها هذا الدين وهكذا... وبناء عليه لا يمكن استفادة التعدّديّة بهذا المعنى من هذه المقولة.

النظريّة الثالثة
التعدّد في سبل النجاة:
يراد من هذا المعنى من معاني التعدّديّة أنّ الله سبحانه يقبل من المكلّف الذي بذل جهده للوصول إلى الحقّ، واستنفد طاقاته المتاحة له لذلك، إلّا أنّه لم يحالفه التوفيق. ويبدو أنّ لهذا المعنى من المعاني مبرّراته في الإطار الإسلاميّ، بل هو من البديهيّات الواضحة في بعض مصاديقه؛ وذلك لأنّ الإسلام لم يحصر سبل النجاة بدين واحد - على الأقلّ - قبل بعثة النبيّ محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم).

نعم، ربما يلاحظ المتتبّع لبعض الآيات القرآنيّة أنّ الله لا يقبل من عباده غير الإسلام دينًا يدينون به، ولكن الإسلام المراد في هذه الآيات يراد منه التسليم والطاعة لله، لا الإسلام بالمعنى المصطلح؛ أي الدين الذي بعث به النبيّ محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم).

ومن هذه الآيات: (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ...)[53] وغيرها مما قد يعثر عليه المتتبّع إلّا أّن هذه الآيات وردت في مقام الدعوة إلى الدين الحقّ وضرورة اتّباعه. وفي مثل هذا المقام لا يمكن لأيّ معتقِد بصحّة أفكاره، إلّا أن يبيِّن صَحَّتها وبطلان غيرها. والدعوة إلى الحقّ تقتضي ذلك أيضًا، ولكن هذا شيء، والحكم على بعض الناس الذين لم يتيسر لهم السير في طريق النجاة شيء آخر. وهذا الأخير هو محلّ كلامنا.

الكنيسة والنجاة:
لقد آمنت الكنيسة المسيحيّة بأنّ النجاة محصورة بالمسيح وبالقيام ببعض الأفعال الخاصّة كالعماد مثلًا. ومن هنا، فلم تحكم حتى على بعض الأنبياء الذين تحترمهم بالنجاة والفلاح كإبراهيم مثلًا؛ لأّنه لم يؤد الطقس الكنسيّ الخاصّ[54]. ووُجِدت تيّارات وآراء أكثر تساهلًا، لكنّها على أيّ حال حصرت النجاة بالمسيح عبر مقولة المسيحيّين المجهولين.

الإسلام والنجاة:
يمكن التنظير لمقولة النجاة لغير المسلمين في الإطار الإسلاميّ من خلال عدّة منطلقات بعضها يرجع إلى الموروث الدينيّ المنقول، وبعضها يستند إلى اجتهادات كلاميّة أو أصوليّة تركّز مقولة التعدّديّة بهذا المعنى الذي نبحث عنه راهنًا في هذه المقالة:

المرتكزات النقليّة:
أ - قوله تعالى: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾[55]لقد وعد الله في هذه الآية بعض الأشخاص بالنجاة دون غيرهم من الذين كانوا احتجوا بالاستضعاف، إلّا أنّ الله لم يقبل حجّتهم، ودفعها بسعة أرض الله وتيسّر الهجرة لهم[56]. وهذه الآية وإن كانت تشير إلى مَن لا حيلة له للكفر كما لا حيلة له للإيمان كما ورد في تفسيرها[57]، إلّا أنّه وبتوسيع الملاك -كما يعبّر الأصوليّون- نستطيع أن نجزم بأنّ الضعف هو السبب في العذر. وأيّ ضعف أشدّ من ضعف من بذل الجهد ساعيًا وراء الحقيقة، فلم تسفر له عن وجهها وتشبّهت له، بأخرى أفلا يُعذر شخص كهذا بعد إيمانه بما قاده إليه الدليل.

ب -  ما ورد عن أمير المؤمنين(عليه السلام): «...فأمّا من وحَّد الله وآمن برسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ولم يعرف ولايتنا ولا ضلالة عدونا، ولم ينصب شيئًا ولم يُحِلَّ ولم يُحّرِّم وأخذ بجميع ما ليس بين المختلفين من الأمة فيه خلاف في أن الله أمر به أو نهى عنه ... فهو ناج»[58].

ج - عنه(عليه السلام) أيضا: «لا تقتلوا الخوارج بعدي، فليس من طلب الحقّ فأخطأه كمن طلب الباطل فأدركه»[59].

وهاتان الروايتان وخاصّة الأخيرة منهما تشملان غير المسلم الذي خانه التوفيق في سعيه للبحث عن الحقيقة. ولا أريد أن أستقصي الأدلّة النقليّة الدالّة على هذا المعنى هنا، وإنّما حسبي الإشارة إلى بعضها، ولعلّ فيما ذكرت كفاية لإثبات إمكان القبول بنجاة غير المسلمين، أو بعبارة عامّة عدم حصر النجاة بجماعة خاصّة لا تعدوها إلى غيرها.

المرتكزات الأصوليّة:
تعرّض علماء أصول الفقه لمباحث ربما يمكن ربطها بالتعدّديّة على مستوى النجاة سوف أشير إليها إجمالًا وأترك التفصيل إلى مجال آخر.
الأمر الأوّل: حجّيّة القطع واليقين:
آمن علماء أصول الفقه بأنّ اليقين الذي يتشكّل عند المكلّف حجّة له وعليه، سواء أكان مصيبًا للواقع أم مخطئًا، وعلَّلوا ذلك بأنّ الحجّيّة من ذاتيّات اليقين التي لا تفارقه: «لا شبهة في لزوم العمل على وفق القطع (اليقين) عقلًا ولزوم الحركة على طبقه جزًما وكونه موجبَا لتنجّز التكليف فيما أصاب باستحقاق الذمّ والعقاب على مخالفته، وعذرًا فيما أخطأ قصورًا ... ولا يخفى أنّ ذلك لا يكون بجعل جاعل»[60].
وهذا الكلام الأصوليّ لاقى قبولًا من أكثر الأصوليّين، وإن ناقش بعضهم في سعته وشموله لليقين الناشئ من مناشئ غير عقلانيّة، وهو ما سمّاه القطع الذاتيّ، في مقابل القطع الموضوعيّ، ومثاله ما يسمّيه الأصوليّون بقطع القطّاع وهو من يحصل له اليقين من أسباب غير متعارفة، وحتى في هذه الحالة وُجِد من الأصولييّن مَن يؤمن بحجّيّة القطع أيضًا [61].

وقد طرح الأصوليّون هذه الفكرة في مجال اكتشاف الحكم الشرعيّ الفرعيّ، وتوصّلوا من خلالها إلى أنّ المكلّف لو تيقن بحكم شرعيّ، وقطع بأنّ وظيفته وواجبه الشرعيّ هو كذا، ثم عمل بهذا اليقين، فهو معذور، فيما لو تبيّن له الخطأ بعد ذلك.

والسؤال الذي أودّ طرحه هنا هو: ألا يمكن أن نوسِّع دائرة العذر والقبول إلى ما هو أوسع من إطار الأحكام الفرعيّة؟ أعتقد أن لا مبرّر لتضييق رحمة الله وحصرها في دائرة الأحكام الفرعيّة. وربما نجد في الروايات الشرعيّة ما يؤيّد ما نذهب إليه، ومن ذلك قول النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): «رُفع عن أمّتي ما لا يعلمون...»[62].

الأمر الثاني: الإجزاء:
بحث الأصوليون أيضًا تحت عنوان الإجزاء عن كفاية غير الواقع عنه، بحيث لو امتثل المكلف أمرًا وجِّه إليه في حالة استثنائيّة كالاضطرار، فهل يُكتفى منه بذلك أم عليه إعادة الفعل بعد ارتفاع هذه الحالة الاستثنائيّة. مثلًا: لو كان التكليف الأصليّ هو الوضوء ولكن منع عنه مرض أصاب المكلف فأعاقه عن الوضوء، فانتقلت وظيفته إلى التيمّم بالتراب، هنا قال جماعة من الأصوليّين بأنّ التكليف الاستثنائيّ يغني عن الوضوء ولا داعي لإعادة الوضوء[63]. وهذا ما سمّي في اصطلاح أصول الفقه بإجزاء الأمر الاضطراريّ عن الأمر الواقعيّ.

وتعرّضوا بالمناسبة لفرضيّة أخرى، وهي: ما لو دلّ الدليل على تكليف ثمّ تبيّن الخطأ في دلالة الدليل، فهل يُكتفى بالأمر الذي دلّ عليه الدليل الخاطئ أم لا؟ وهذا ما بحثوه تحت عنوان إجزاء الأمر الظاهريّ عن الأمر الواقعيّ. وهنا أيضًا وجد من يقول بالكفاية والإجزاء وناقش بعضهم في ذلك، إلّا أنّه لم يوجد من حكم بتجريم المخطئ فيما لو لم يكن مقصّرًا[64].

وهنا أكرّر سؤالي السابق لِمَ لا نوسّع دائرة هذه الرحمة إلى المعتقدات التي لم تتمّ عليها الحجّة عند بعض الأشخاص رغم سعيهم للوصول إليها.؟!.

تعريف الكافر:
تتردد كلمة الكفر ومشتقّاتها بكثرة في الكتب الدينيّة ومنها القرآن، وتتضمّن هذه الكلمة حكمًا قيميًّا، على الشخص المتّصف بها، وأنّه من أهل النار، ولا أمل له بالنجاة... إلى ما هنالك من الأحكام التي وصف بها. والتساؤل الذي لا بدّ من تقديم جواب عنه هو: من هو الكافر؟

يقسِّم الشهيد مرتضى مطهّري الكفر إلى نوعين نوع يتضمّن العناد، وهو ما يسمّى بالجحود، وهذا لا يعذر صاحبه، ونوع آخر وهو الناتج عن الجهل و«عدم المعرفة الناتجة عن غير تقصير من قبل المكلّف، فهي تقع موقع عفو ورحمة الله سبحانه»[65]. ثم بعد توضيح طويل ينتهي إلى أنّ الكافر الحقيقيّ هو من ينكر الحقّ عن عناد رغم المعرفة به، وبعد نقله لعبارة عن الفيلسوف الفرنسيّ ديكارت يقول فيها: إنّه يؤمن بالمسيحيّة بعد أن وجدها أفضل الأديان التي تعرَّف عليها، ولكنه لا يستطيع القول إنّها الأفضل على الإطلاق؛ وذلك لوجود بعض الأديان التي لا يعرف عنها شيئًا ويذكر ديكارت إيران مثالًا للبلد التي لا يعرف عن دين أهلها شيئًا.

يعلّق مطهّري على هذه العبارة قائلًا: «فأشخاص كديكارت لا يمكن تسميتهم بالكفّار؛ لأنّ هؤلاء لا  يتّصفون بالعناد ولا يخفون الحقّ، وليس الكفر إلّا العناد وتغطية الحقيقة. هؤلاء مسلمون بالفطرة وإذا كنّا لا نستطيع تسميتهم بالمسلمين، فنحن أيضًا لا نستطيع تسميتهم بالكافرين...»[66]. وبناء على هذا لا يكون غير المسلم دائمًا كافرًا ومن أهل النار...

الخاتمة:
ربما نستطيع القول بعد هذا العرض المتواضع الذي أعترف بحاجته إلى تأصيل أعمق قد لا أجد نفسي مؤهّلًا للخوض فيه: إنّ الإسلام اعترف بشيء من التعدّد على بعض المستويات مع حفاظه على مقولة الحقّ والتمييز بينه وبين الباطل، وندب أتباعه إلى الحرص على متابعة الحقّ مهما كان مصدره.
وقد اتّسع صدر الإسلام والفكر الإسلاميّ للكثير من التنوّع أو التعدّد، وما المناظرات التي تُنقل في التراث الإسلاميّ مع الزنادقة إلّا شاهد صدق على هذا المدّعى[67]. وكذلك ضَمِن الإسلام التعدّد على المستوى الاجتهاديّ، فلم يسدَّ طريق الوصول إلى الحكم الشرعيّ بفتحه لباب الاجتهاد، وعلى المستوى القضائيّ فسح المجال لنوع من الاختلاف بين المجتهدين إلى درجة ضاق بها صدر ابن المقفّع، فنصح الخليفة بتوحيد النظام القضائيّ[68]. وسمح كذلك بالتعدّد على المستوى التربويّ أيضًا ولم يرَ للآباء أن يفرضوا قيمهم الخاصّة بهم على أولادهم، فقد ورد عن أمير المؤمنين(عليه السلام): «لا تقسروا أولادكم على آدابكم فإنّهم مخلوقون لزمان غير زمانكم»[69].
وعندما نقارن هذه القيم بقيم الغرب الذي يمارس في هذا العصر نوعًا من القسر القيميّ على صعد متعدّدة تحت عنوان العولمة ومحاربة الإرهاب وغيرها من الذرائع، نجد أنّ صدر الإسلام كان أرحب بكثير مما يدعو إليه هذا الغرب في مجتمعاته وينكره على الآخرين في مجتمعه وخارجه.

المصادر والمراجع
القرآن الكريم.
ابن أبي الحديد المعتزليّ، شرح نهج البلاغة، بيروت، دار إحياء التراث العربيّ، ج20.
ابن أبي جمهور الإحسائيّ، عوالي اللآلي، ج4.
الإمام عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)، كتاب سليم بن قيس، تحقيق: محمد باقر الأنصاري.
الإمام عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)، نهج البلاغة، بيروت، دار المعرفة، لا تا،ج1.
الإمام عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)، نهج البلاغة، من عهده إلى مالك الأشتر واليه على مصر، ج3.
برهان غليون، المسألة الطائفيّة ومشكلة الأقلّيّات، ط1، بيروت، دار الطليعة، 1979م.
توفيق الطويل، أسس الفلسفة، ط6، القاهرة،  دار النهضة العربيّة، 1976.
الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، ط1، قم، مؤسّسة آل البيت لإحياء التراث، ج 29.
حيدر حب الله، التعدّديّة الدينيّة، ط1، بيروت، الغدير للدراسات والنشر، 2001م.
صموئيل أتينجر، اليهود في البلدان الإسلاميّة، سلسلة عالم المعرفة، الرقم 197، الكويت، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1995.
الطبرسيّ، الاحتجاج، ط1، بيروت، مؤسسة الأعلميّ للمطبوعات.
عباس حسن، النحو الوافي، ط4، القاهرة، دار المعارف، د تا، ج3.
عبد الحسين خسروبناه، كلام جديد، ط1، قم، مركز مطالعات وبژوهشهاي فرهنگي حوزه علمية، 1379هـ. ش.
عبد الكريم سروش، دانش وأرزش، ط2، طهران، انتشارات ياران، 1385 هـ. ش.
علي الهاشمي الشاهروديّ، دراسات في علم الأصول، ط1، قم، مؤسّسة دائرة معارف الفقه الإسلاميّ، 1998، ج1.
علي بن محمد الماورديّ، الأحكام السلطانيّة والولايات الدينيّة، ط2، بيروت، دار الكتاب العربيّ، 1994م.
قارن محمد رضا الكلبايكانيّ، الدرّ المنضود، ط1، قم، دار القرآن الكريم،  1412هـ.،ج1.
كاظم الخراسانيّ، كفاية الأصول، ط1، بيروت، مؤسّسة آل البيت لإحياء التراث.
كريم مجتهدي، نگاهي به فلسفه هاى جديد ومعاصر در جهان غرب، [نظرة إلى الفلسفات الحديثة والمعاصرة في الغرب] ط1، طهران، أمير كبير، 1373هـ.ش.
الكليني، الأصول من الكافي، باب ما رفع عن الأمة، الحديث الثاني.
لامارتين، نقلا عن: جان جبور، النظرة إلى الآخر في الخطاب الغربيّ، ط1، بيروت، دار النهار،2001.
مجاهد عبد المنعم مجاهد، الموسوعة الفلسفية العربية، م س، مج 1.
محمّد باقر الصدر، دروس في علم الأصول، ط1، بيروت، دار المنتظر، 1985م، ج 2.
محمّد باقر الصدر، فلسفتنا، ط15 ، بيروت، دار التعارف، 1989.
محمّد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ط1، بيروت، دار إحياء التراث العربيّ، ج64.
محمّد بن اسحاق بن يسار المطلبيّ، سيرة ابن هشام، تحقيق: محمّد محيي الدين عبد الحميد، القاهرة، مكتبة محمّد علي صبيح وأولاده، 1383، ج2.
محمّد بن الحسن النجفيّ، جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام، ط1، بيروت، دار المؤرّخ العربيّ، 1992م، ج7،  
محمّد بن مسعود العياشيّ، تفسير العياشيّ، ج1.
محمّد حسين الطباطبائيّ، بداية الحكمة، لا ط، بيروت، مؤسّسة أهل البيت، 1986.
محمّد حسين فضل الله، الحركة الإسلاميّة هموم وقضايا، ط2، قم، إسماعيليان للطباعة والنشر، 1991م.
محمّد رضا المظفر، المنطق، لا ط، بيروت، دار التعارف، 1980م.
محمّد عابد الجابري، مدخل إلى فلسفة العلوم، ط4، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربيّة، 1998.
محمّد لغنهاوزن، مجلّة كتاب نقد الإيرانيّة، العدد4.
محمّد مهدي شمس الدين، في الاجتماع السياسيّ الإسلاميّ، ط1، قم، دار الثقافة للطباعة والنشر، 1994م.
المحمودي، نهج السعادة، ج3.
مرتضى مطهّري، العدل الإلهيّ، ترجمة: محمّد عبد المنعم الخاقانيّ، بيروت، دار التعارف، 1981.
معن زيادة وآخرون، الموسوعة الفلسفية العربيّة، ط1، بيروت، معهد الإنماء العربيّ، 1988، مادّة  تعدّديّة.
نجم الدين المعروف بـ «المحقّق الحلّيّ»، شرائع الإسلام، ط1، بيروت، مؤسّسة الوفاء، 1983، ج4، مج2،
نصير الدين الطوسيّ، كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد، ط1، بيروت، الأعلميّ، 1979م.

----------------------------------
[1]*ـ  باحث في الفكر الدينيّ وأستاذ محاضر في جامعة القدّيس يوسف- لبنان.
- ابن أبي الحديد المعتزليّ، شرح نهج البلاغة، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ج20، ص267.
[2]- ابن أبي جمهور الإحسائيّ، عوالي اللآلي، ج4،  ص110.
[3]- ابن عربي، نقلًا عن: سعاد الحكيم، مجلّة الحياة الطيبة، العدد التاسع، ص 200.
[4]- استخدمت هذا المصطلح هنا، لأنّ الكلام عن أصل الكائنات وما وراء طبيعتها.
[5]- الآخوند الخراسانيّ، كفاية الأصول، م س، ص 258.
[6]- الإمام عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)، كتاب سليم بن قيس، تحقيق: محمّد باقر الأنصاريّ، ص170.
[7]- الإمام عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)، نهج البلاغة، بيروت، دار المعرفة، لا تا،ج1، ص 108.
[8]- الإمام عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)، نهج البلاغة، من عهده إلى مالك الأشتر واليه على مصر، ج3، ص 84. 
[9]- الحر العاملي، وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، ط1، قم، مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، ج 29، ص 108.
[10]- الحسن بن يوسف الحلي، م. ن، ص156.
[11]- المحمودي، نهج السعادة، ج3، ص 431.
[12] - المحمودي، نهج السعادة،   ج 15، ص179.
[13] - المصدر نفسه، ج19، ص 58.
[14] - المصدر نفسه، ص 336. 
[15] - المصدر نفسه، ص 86.
[16]- المصدر نفسه، ص36.
[17]- إن عقد الذمة يكتسب مشروعيته القانونية من رضا أهل الذمة أنفسهم به، فهو عقد كسائر العقود التي يلزم الإنسان نفسه بها وشروط الالتزام يحددها التوافق بين المتعاقدين فربما تغيرت من زمن لآخر. لمزيد من التفاصيل حول كيفية عقد الذمة وشروطه، انظر: محمد بن الحسن النجفي، جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام، ط1، بيروت، دار المؤرخ العربي، 1992م، ج7، ص       
[18]- انظر: الكليني، الأصول من الكافي، باب ما رفع عن الأمة، الحديث الثاني.
[19] - انظر: حيدر حب الله، التعددية الدينيّة، ط1، بيروت، الغدير للدراسات والنشر، 2001م، ص20، وما بعدها.
[20] - انظر: عبد الحسين خسروبناه، كلام جديد، ط1، قم، مركز مطالعات وبژوهشهاي فرهنگي حوزه علمية، 1379هـ. ش، ص 170.
[21] - أنظر: علي الهاشمي الشاهرودي، دراسات في علم الأصول، ط1، قم، مؤسسة دائرة معارف الفقه الإسلاميّ، 1998، ج1، ص76. وقارن بمحمّد باقر الصدر، دروس في علم الأصول، م. س، ج2،ص14.
[22] - انظر: علي بن محمّد الماورديّ، الأحكام السلطانيّة والولايات الدينيّة، ط2، بيروت، دار الكتاب العربيّ، 1994م، ص53.
[23]- انظر: محمد بن مسعود العياشيّ، تفسير العياشيّ، ج1، ص268.
[24]- انظر: محمّد عابد الجابريّ، مدخل إلى فلسفة العلوم، ط4، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربيّة، 1998، ص381.
[25]- انظر: محمد لغنهاوزن، مجلّة كتاب نقد الإيرانيّة، العدد4، ص41.
[26]- برهان غليون، المسألة الطائفيّة ومشكلة الأقلّيّات، ط1، بيروت، دار الطليعة، 1979م، ص 5.
[27] - تقدّمت الإشارة قبل قليل إلى فكرة أهل الذمّة، ولا يصرّ المسلمون على هذا الحلّ، فربما يعدّ عند بعضهم حلًّا تاريخيًّا يناسب فترة زمنيّة محدّدة ولا يناسب أخرى. ومن هنا، لا نجد أثرًا لهذه الصيغة القانونيّة في التجربة الإسلاميّة الإيرانيّة. انظر: دستور الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة، المادة التاسعة عشرة، والمادة الثالثة والعشرون.
[28] - توفيق الطويل، أسس الفلسفة، ط6، القاهرة، دار النهضة العربيّة، 1976، ص 51.
[29] - راجع للاطلاع على بعض النماذج: الطبرسيّ، الاحتجاج، ط1، بيروت، مؤسّسة الأعلميّ للمطبوعات.
[30] - ربما يستكشف القبول بهذه النظريّة من إبراهيم الزنجانيّ في تعليقته على كشف المراد. انظر: م. ن، ص 156.
[31] - سورة آل عمران: الآية 19.
[32] - سورة آل عمران: الآية 64.
[33] - سورة آل عمران: الآية 85.
[34] - سورة آل عمران: الآية 85. وسوف يأتي لاحقًا المراد من الإسلام في هذه الآية.
[35] - سورة الإسراء: الآية 15.
[36] - سورة الأنعام: الآية 153. والرواية نقلها عدد من المحدّثين منهم: الدارمي في سننه، ج1، ص67. وأحمد في مسنده، ج1، ص425.
[37] - سورة البقرة: الآية 62.
[38]- سورة الطلاق: الآية 7.
[39]- سورة المائدة: الآية 56.
[40]- سورة النساء: الآية 65.
[41] - سورة النساء: الآية 98.
[42] - سورة النساء: الآية 98.
[43] سورة مريم: الآية 37.
[44] - سورة هود: الآية 17.
[45] - شرح الإشارات، ص 251.
[46] - صموئيل أتينجر، اليهود في البلدان الإسلاميّة، سلسلة عالم المعرفة، الرقم 197، الكويت، المجلس الوطنيّ للثقافة والفنون والآداب، 1995، ص 208.
[47] - عبد الله بن المقفع، رسالة الصحابة، ضمن مجموعة رسائل البلغاء، ص126، حيث يقول: «ومما ينظر أمير المؤمنين فيه من أمر هذين المصرين وغيرهما من الأمصار والنواحي اختلاف هذه الأحكام المتناقضة...».
[48]- كاظم الخراساني، كفاية الأصول، ط1، بيروت، مؤسّسة آل البيت لإحياء التراث، ص 348.
[49]- كريم مجتهدي، نگاهي به فلسفه هاى جديد ومعاصر در جهان غرب، [نظرة إلى الفلسفات الحديثة والمعاصرة في الغرب] ط1، طهران، أمير كبير، 1373هـ.ش، ص142.
[50]- لاحظ: المنجد ولسان العرب. ولكن لا يفتقد هذا النمط من الاشتقاقات إلى المشروعيّة اللغويّة فقد أشار بعض الباحثين في اللغة إلى الحاجة إليه في كثير من العلوم للتعبير عن مفاهيمها الخاصّة بها والتي لا يوجد في أصل اللغة ما يدل عليها. (عباس حسن، النحو الوافي، ط4، القاهرة، دار المعارف، د تا، ج3، ص187)
[51] - لامارتين، نقلا عن: جان جبور، النظرة إلى الآخر في الخطاب الغربيّ، ط1، بيروت، دار النهار،2001، ص264.
[52] - لمزيد من التقاصيل راجع: عبد الكريم سروش، دانش وأرزش، ط2، طهران، انتشارات ياران، 1385 هـ. ش، ص131.
[53] - مجاهد عبد المنعم مجاهد، الموسوعة الفلسفيّة العربيّة، م س، مج 1، ص 526.
[54] - محمّد باقر الصدر، دروس في علم الأصول، ط1، بيروت، دار المنتظر، 1985م، مج 2، ص39.
[55] - محمّد باقر الصدر، دروس في علم الأصول، م. س، ص13. قارن بمناقشة الآخوند الخراسانيّ، كفاية الأصول، م.س، ص 93. وقارن كذلك بـ:ابن حزم، الأحكام، تحقيق أحمد شاكر، مطبعة العاصمة، ج1، ص94.
[56] - محمّد باقر الصدر، فلسفتنا، ط15، بيروت، دار التعارف، 1989، ص126 وما بعدها.
[57] - محمّد بن اسحاق بن يسار المطلبي، سيرةابن هشام، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، القاهرة، مكتبة محمّد علي صبيح وأولاده، 1383، ج2، ص348.
[58] - محمد حسين الطباطبائيّ، بداية الحكمة، لا ط، بيروت، مؤسّسة أهل البيت، 1986، ص36.
[59]- محمّد حسين فضل الله، الحركة الإسلاميّة هموم وقضايا، ط2، قمّ، إسماعيليان للطباعة والنشر، 1991م، ص28.
[60] - محمّد رضا المظفر، المنطق، لا ط، بيروت، دار التعارف، 1980م، ص 101.
[61] - محمد كاظم الخراسانيّ، كفاية الأصول، م.س، ص 84. 
[62] - محمد مهدي شمس الدين، في الاجتماع السياسي الإسلاميّ، ط1، قم، دار الثقافة للطباعة والنشر، 1994م، صص 289 و290.
[63] - مرتضى مطهري، العدل الإلهيّ، ترجمة: محمد عبد المنعم الخاقاني، بيروت، دار التعارف، 1981، ص330.
[64]- معن زيادة وآخرون، الموسوعة الفلسفية العربية، ط1، بيروت، معهد الإنماء العربي، 1988، مادة  تعددية.
[65] - من فقهاء الشيعة لاحظ: محمّد بن الحسن الطوسيّ، المبسوط، ج3، ص44. ومن أهل السنّة لاحظ: ابن قدامة، المغني، ج1، ص 74.
[66] - نجم الدين المعروف بـ «المحقّق الحلّيّ»، شرائع الإسلام، ط1، بيروت، مؤسّسة الوفاء، 1983، ج4، مج2، ص934. وقارن محمد رضا الكلبايكانيّ، الدر المنضود، ط1، قم، دار القرآن الكريم،  1412هـ.،ج1، ص943.
[67] - نصير الدين الطوسيّ، كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد، ط1، بيروت، الأعلميّ، 1979م، ص156.
[68] - وردت هذه العبارة عند كثيرين منهم: محمّد باقر المجلسيّ، بحار الأنوار، ط1، بيروت، دار إحياء التراث العربيّ، ج64، ص137. وملا هادي السبزواريّ، شرح الأسماء الحسنى، قم، بصيرتي، لات، ج1، ص145. ومصطفى الخميني، تفسير القرآن الكريم، ط1، طهران، العروج، ج2، ص127. وقد وردت كعنوان لرسالة من تأليف أحمد بن عمر المعروف بنجم الدين الكبرى، في رسالة منسوبة إليه بعنوان رسالة الطرق افتتحها بقوله: «والطرق إلى الله بعدد أنفاس ...».
[69] - ينقل أحد الأصدقاء أنّ المطران جورج خضر قال في حوار مع أحد المفكّرين المسلمين ما مضمونه: «إنّ هذا النموذج في التعامل السياسيّ جميل جدًّا وفي غاية الحسن إلّا أنّنا لا نرضاه نحن النصارى لأنفسنا  مهما حاولتم تجميله وتحسين صورته».