البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

التعدّديّة الدينيّة تهافت الوضعانيّة.. تسامي الوحيانيّة

الباحث :  عبد الله الجوادي الآملي
اسم المجلة :  الاستغراب
العدد :  25
السنة :  خريف 2021م / 1443هـ
تاريخ إضافة البحث :  February / 1 / 2022
عدد زيارات البحث :  77
تحميل  ( 2.417 MB )
تقدم هذه الدراسة التي وضعها الفيلسوف والعارف الإسلاميّ آية الله عبد الله الجوادي الآملي، رؤية معمَّقة لأطروحة التعدّديّة الدينيّة والمباني المعرفيّة التي قامت عليها في الفكر الغربيّ، فضلًا عن الآثار التي ألقتها على النُخب في العالم الإسلاميّ.

ما يميّز هذه المقاربة هو طابعها التأسيسيّ لمنظومة تحليليّة نقديّة لمفهوم التعدّديّة الدينيّة، ذلك بأنّها أخذت بمنهجيّة تناولت هذا المفهوم من وجهة ميتافيزيقيّة وإبستمولوجيّة، ثمّ لتقدّم رؤية وحيانيّة قرآنيّة حيال معضلة معرفيّة لما تزل تداعياتها سارية في عالم الأديان والحضارات المعاصرة.

«المحرِّر»
---------------------------
التعدّديّة الدينيّة هي إحدى المواضيع المهمّة في مختلف الدراسات الكلاميّة والفلسفيّة والدينيّة المعاصرة.
التعدّديّة Pluralisme رؤية قوامها التعدّد الدينيّ  Religious pluralisme، وفي مقابلها رؤية قوامها الوحدة الدينيّة تجسّد نمطًا من التفرّد الدينيّ Religious exclusivism وفي هذا السياق قسّم المفكّر الغربيّ جون هيغ وجهات النظر المطروحة على صعيد تنوّع الأديان إلى ثلاثة أقسامٍ هي:

- رؤية قوامها تفرّديّة دينيّة
- رؤية قوامها تعدّديّة دينيّة
- رؤية قوامها شموليّة دينيّة[1]

يعتقد أصحاب الرؤية التفرّدية أنّ الحقيقة والسعادة والنجاة والكمال عبارة عن قضايا موجودة في دين واحد على نحو الحصر والتفرّد، وعلى هذا الأساس يعتبرون هذا الدين هو الحقّ وفي رحابه فقط يمكن للإنسان أن يبلغ الغاية التي خُلق لأجلها؛ لأنّ الدين وحده يحكي عن الحقيقة ويمنح البشر سعادةً واقعيّةً.

وأصحاب الرؤية التعدّديّة يعتقدون أنّ جميع الأديان تضمن النجاة والكمال لأتباعها، ومعنى ذلك أنّ الأديان كافّةً تحكي عن الحقيقة وتمنح البشريّة سعادةً واقعيّةً.

وأمّا أصحاب الرؤية الشموليّة، فيعتقدون بوجود سبيل وحيد للنجاة والسعادة، وهذا السبيل لا يُعرف إلّا في رحاب دينٍ محدّدٍ، وفي هذا السياق أكّدوا على أنّ كافّة الناس بإمكانهم نيل هذا الهدف شريطة أن يُذعنوا للأحكام التي يفرضها عليهم هذا الدين الحقّ ليصبحوا سالكين حقيقيّين في سبيل النجاة الذي أرشدهم إليه. أصحاب هذه الرؤية يشاركون أصحاب الرؤية التعدّديّة من حيث اعتقادهم بأنّ لطف الله تعالى قد تجلّى في العديد من الأديان ضمن جوانب مختلفة، وعلى هذا الأساس استنتجوا أنّ كلّ إنسانٍ بإمكانه نيل النجاة حتّى إذا لم يكن على علمٍ بالعقائد الحقّة، وهذا الكلام يعني ضرورة اعتقاد المتديّن بما يلي: ما ناله الآخرون من سعادة ومعرفة بالحقيقة يقابل ما لديّ من سهمٍ في هذا المجال، لذا أعتبرهم إلى جانبي في طريقي نحو النجاة والسعادة بحيث لا يختلفون عنّي.[2]

تجدر الإشارة هنا إلى وجود أشكال أخرى من الفكر التعدّديّ الدينيّ، لكنّها لا تندرج ضمن نطاق بحثنا.

أهمّ الأسئلة التي تطرح بخصوص بحثنا يمكن تلخيصها بما يلي:

1) هل المفترض هو تعدّد الأديان أو وجود دين واحد لا يقبل التعدّديّة؟
2) هل يمكن ادّعاء تعدّد المعتقدات الحقّة بحيث يمكن للإنسان اتّباع أيّ دينٍ شاء وسلوك عدّة طرقٍ لبلوغ مرحلة لقاء الله تعالى؟
3) هل بإمكان المتديّن أن يتعايش مع أتباع سائر الأديان بسلامٍ وطمأنينةٍ؟
4) عندما تتعدّد الأديان هل يمكن لأتباع كلّ واحدٍ منها ادّعاء أنّهم سائرون في سبيل النجاة؟ أي هل يمكن لكلّ إنسانٍ نيل النجاة وبلوغ المقصد المنشود بغضّ النظر عن الدين الذي يعتنقه والسبيل الذي يسلكه؟ هل من الممكن ادّعاء أنّ أتباع كافّة الأديان سائرون في الطريق الصحيح الذي هو طريق النجاة والسعادة؟

تعدّديّة المذاهب وتعدّديّة الأديان
التعدّديّة الدينيّة على نوعين، فيوجد فكر تعدّديّ بشكل تنوّعٍ في دينٍ واحدٍ، ويوجد فكر تعدّديّ يُطرح على صعيد تنوّع الأديان. النوع الثاني معناه الاعتقاد بتعدّد الأديان وادّعاء أنّ كلّ واحدٍ منها على حقّ ويأخذ بيد أتباعه إلى الحقيقة والسعادة؛ في حين أنّ النوع الأوّل معناه أنّ تعاليم دينٍ واحدٍ تفسَّر بأنماط متنوّعة، بحيث يتبلور مذهبٌ معينٌ على أساس كلّ تفسيرٍ؛ لذا تتعدّد المذاهب في هذا الدين الواحد، وأصحاب هذه الرؤية يعتقدون بأنّ كلّ هذه المذاهب على حقٍّ ومن شأن كلّ واحدٍ منها الأخذ بيد أتباعه إلى الفلاح والسعادة.

التعدّديّة الدينيّة في رحاب علم الكلام
قبل أنّ نتطرّق إلى بيان معنى التعدّديّة في مباحث علم الكلام، نرى من الأنسب أوّلًا بيان النطاق الذي يجب أن يتمّ تسليط الضوء عليها في رحابه ثمّ، معرفة أهمّ مبادئها كي نتمكّن من معرفة ما إن كانت من الأفكار المتوارثة روايةً أو أنّها مجرّد فكر تجريبيّ أو من النظريّات العقليّة.

لا شكّ في أنّ التعدّديّة تعتبر من النظريّات العقليّة وليست فكرًا تجريبيًّا؛ لذا تُطرح في بوتقة النقد والتحليل ضمن مباحث علمي الفلسفة والكلام، وأمّا السبب في عدم كونها من المسائل التجريبيّة فيعود إلى أنّها ذات ارتباط بالأسس الأيديولوجيّة، وكما هو معلوم فالمباحث الأيديولوجيّة غير خاضعة للتجربة، بل القول الفصل فيها للعقل والوحي (النقل الثابت صوابه بالدليل القطعيّ).
المقصود من العقل هنا ذلك العقل الذي يعتبر أعلى مقامًا من الحسّ والظنّ والخيال، أي العقل البرهانيّ (الاستدلاليّ) الذي له صلاحيّة التفكّر بالقضايا الكلّيّة ومخوّل بإبداء الرأي إزاءها، والمقصود من النقل والوحي (النقل القطعيّ) هو القرآن الكريم أو أيّ خبرٍ يعتبر نصًّا قطعيًّا من حيث صدوره ودلالته على الموضوع، أي ذلك الخبر الدالّ بشكلٍ صريحٍ على الموضوع، ويكون متواترًا أو خبرَ واحدٍ مدعوم بقرينة قطعيّة، وكذا الحال إذا كان هذا النصّ آيةً قرآنيّةً؛ إذ يجب أن تكون دلالته على الموضوع بشكلٍ صريحٍ أيضًا كي يعتبر نصًّا عليه.

استنادًا إلى ما ذُكر، إذا أفاد ظاهر نصوص الوحي الظنّ، لا يمكن الاكتفاء به حسب القواعد القرآنيّة، فقد أكّد تعالى على أنّ الظنّ لا طائل منه على الصعيد الأيديولوجيّ: (إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا)[3].
لا يمكن للتجربة أن تُتّخذ كأساسٍ لتمييز الحقّ عن الباطل على الصعيد الأيديولوجيّ؛ لذا ليس من الصواب الاعتماد عليها لتقويم مدى صواب أو بطلان فكرٍ ما، فهي بمدلولها المتعارف في العلوم التجريبيّة لا تجدي نفعًا على صعيد العلوم غير التجريبيّة والفكر المجرّد؛ إذ لو كان المقصود منها هو التجربة العمليّة، فالكثير من الحقائق في عالمنا لا تندرج في نطاق التجارب العمليّة؛ لكونها مجرّد مبادئ نظريّة ومعتقدات فكريّة، ومن المؤكّد أنّ هذا النوع من الحقائق غير الخاضعة للتجربة لا يمكن إثباتها تجريبيًّا، لذا لو أردنا إثبات مدى صدقها أو سقمها بهذا الأسلوب سوف نواجه مشاكل فكريّة جادّة، ثمّ لا نتمكّن من معرفة ما إن كانت حقًّا أم باطلًا.

المقصود ممّا ذُكر هو أنّ التديّن يندرج ضمن القضايا العقائديّة والأخلاقيّة والسلوكيّة، والحقائق الدينيّة تتجلّى جوانبها الأساسيّة وينال الإنسان ثمارها بعد الموت، وهي بكلّ تأكيد غير خاضعة للتجربة في الحياة الدنيا، فالأمور المرتبطة بعالم البرزخ والقيامة والجنّة والنار على سبيل المثال لا يمكن الاطّلاع على حقائقها من خلال التجربة. وأمّا الأحكام الشرعيّة والأخلاق الدينيّة، فلا يمكن إخضاعها للتجربة إلّا في مجال فوائدها الدنيويّة؛ وذلك لأجل صياغة أنموذج أمثل للسلوك الدنيويّ، حيث تتبلور فوائد تجربتها في الحياة الدنيا فحسب؛ لأنّ كافّة آثارها الأخرويّة لا تندرج في نطاق التجربة، ومن ثمّ لا فائدة من إخضاعها للفكر التجريبيّ، فعلى سبيل المثال لا يمكن للإنسان تجربة أثر الصلاة بشكل ملموس إلّا إذا كانت كلّ آثارها تتبلور في الحياة الدنيا فقط، وكذا هو الحال بالنسبة إلى الصيام وسائر العبادات والعقود والإيقاعات وكافّة المعاملات التي نؤدّيها امتثالًا لأحكام الشريعة، حيث يمكن إثبات آثارها تجريبيًّا فيما لو افترضنا أنّ هذه الآثار تتبلور في الحياة الدنيا فحسب، إلا أنّ الواقع على خلاف ذلك؛ لكون الدنيا بالنسبة إلى الآخرة كحلقة في بيداءٍ، فقد وصفت: «كحلقةٍ في فلاةٍ».[4] المقصود من هذه العبارة أنّ الإنسان مسافر أبديّ وحياته الدنيويّة كالحلقة الموجودة في بيداءَ مترامية الأطراف، فهو كالقطرة في بحرٍ عظيمٍ.

نستشفّ من جملة ما ذكر أنّ التجربة لا طائل منها على الإطلاق لمعرفة واقع الدين، بل لا بدّ في هذا المضمار من الاعتماد على العقل البرهانيّ (الاستدلاليّ) والنقل الثابت بالدليل القطعيّ كنصٍّ ثابتٍ كي نتمكّن من امتلاك معرفة صائبة بخصوص القضايا الأيديولوجيّة والمعارف الدينيّة.

استحالة تنوّع الأديان
أوّل سؤال يُطرح للبحث والتحليل على صعيد التعدّديّة الدينيّة - تنوّع الأديان - هو ما يلي: هل المفترض هو تعدّد الأديان؟ نقول في مقام الجواب إنّ فرضيّة تعدّد الأديان ليست صائبةً؛ لأنّ الدين جاء بهدف تربية الإنسان، وقد تمّ إثبات أنّ الإنسان يجسّد حقيقةً واحدةً في عالم الوجود، ومن هذا المنطلق لا بدّ وأن يكون الدين الهادف إلى تربيته واحدًا لا أكثر.

ثمّة ارتباط وطيد بين الأنثروبولوجيا ومعرفة الدين الحقّ لدرجة أنّنا لو استطعنا معرفة حقيقة الإنسان بدقّةٍ متناهيةٍ سوف نعرف إثر ذلك الدين على حقيقته أيضًا، فعلى سبيل المثال إذا تمّ إثبات وجود تنوّع في حقيقة الإنسان على مرّ العصور وعدم امتلاكه حقيقةً واحدةً بصفته من ذرّية آدم(عليه السلام)، ففي هذه الحالة يمكن الإذعان لفكرة تنوّع الأديان أيضًا؛ لكن إذا تمّ إثبات امتلاكه فطرةً إلهيّةً لا تغيير لها على مرّ العصور وفي شتّى البقاع مهما اختلف جنسه وعرقه ولونه وبعض خصائصه البدنيّة وصفاته الطبيعيّة، فالنتيجة هي وجوب كون الدين واحدًا وثابتًا؛ لأنّه ذو ارتباط تامّ بفطرة بني آدم، وإثر ذلك لا بدّ وأن تكون أصول الدين ثابتةً على مرّ العصور حتّى إذا تغيّرت فروعه التي تندرج ضمن الأحكام الشرعيّة الموسومة بالمنهاج والشريعة.

بنو آدم يشتركون بحقيقة واحدة مهما تغيّرت الظروف والأزمنة؛ لأنّ عقولهم وقلوبهم وفطرتهم من سنخ واحد على الرغم من وجود تغييرات في نمط حياتهم وهيئة أبدانهم وكيفيّة ارتباطهم بعالم الطبيعة، فهذه التغييرات تحدث مع تنوّع الأزمنة والأمكنة، وهذا التنوّع يتجلّى أيضًا في طريقة تعاملهم مع بعضهم وأساليب أسفارهم، فقد كانت المعاملات التجاريّة في قديم الزمان بنحوٍ يختلف عمّا عليه الحال في عصرنا الحاضر، كما كانوا يسافرون مشيًا أو على الدوابّ إلا أنّنا اليوم نسافر بوسائل نقل حديثة كالسيارات والطائرات. هذه هي المتغيّرات في حياة البشر، وأمّا الأمور الفطريّة فهي ثابتة على مرّ العصور وفي كلّ مكانٍ من الكرة الأرضيّة، فعلى سبيل المثال الإنسان القديم كان يحبّ العدل ويستاء من الظلم، ويستحسن التواضع وحفظ الأمانة، ويسعى إلى نيل حرّيّته واستقلاله بحيث يشعر بالسعادة إذا تمكّن من تحقيقهما، كذلك كان يبغض التكبّر والخيانة والاستعمار والاستغلال والعبوديّة والذلّ؛ وكلّ هذه الحالات تكتنف فكر الإنسان المعاصر أيضًا ولا تغيير فيها.

إذن، المبادئ العامّة للدين والأخلاق، كذلك المعارف التي لها ارتباط بالفطرة الإنسانيّة؛ ثابتة لا تغيير لها لكون الفطرة ثابتةً ذاتيًّا وليست عرضةً للتغيير، وعلى هذا الأساس نستنتج وجود ارتباط وطيد بين التعدّديّة الدينيّة والأنثروبولوجيا، ومن ثمّ لو اعتبرنا الإنسان صاحب فطرة ثابتة وحقيقة واحدة لا يبقى مجال لادّعاء وجود تعدّديّة دينيّة على الإطلاق؛ لكن إذا قيل بتعدّد حقيقة الوجود الإنسانيّ وعدم ثباتها يمكن حينها افتراض وجود تعدّديّة دينيّة.

فرضيّة التعدّديّة الدينيّة باطلة من أساسها، والقرآن الكريم رفضها بصريح العبارة في قوله تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ)،[5] وقوله تعالى: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ)،[6] مفهوم هاتين الآيتين هو أنّ الدين الحقّ واحدٌ لا أكثر.

الحكمة من تعدّد الشرائع
البراهين العقليّة والآيات والأحاديث كلّها تدلّ على امتلاك الإنسان روحًا واحدةً فقط تضمّ عقلًا وقلبًا وفطرةً وشؤونًا أخرى كثيرة، كذلك تؤكّد على أنّ بدنه ذو ارتباط ببيئته الجغرافيّة - الطبيعيّة - بينما روحه ذات ارتباط بعالم ماوراء الطبيعة ومن صفاتها أنّها ثابتة على مرّ العصور بحيث لا يؤثّر عليها تغيّر الزمان، فهي في الواقع ليست شرقيّةً ولا غربيّةً ولا شماليّةً ولا جنوبيّةً، بل عبارة عن شأنٍ ماورائيّ؛ ومن هذا المنطلق إذا أردنا معرفة العوامل المساعدة في رقيّها لا بدّ وأن نستكشف خصائصها في عالم ماوراء الطبيعة. وأمّا البدن فهو مرتبط بالبيئة الجغرافيّة التي يعيش فيها بحيث يتأثّر بها وتتغيّر خصائصه الطبيعيّة وفقًا لخصائصها من جهة كونها شرقيةً أو غربيةً أو استوائيةً أو معتدلةً، وما إلى ذلك من ظروف جغرافيّة أخرى؛ ناهيك عن أنّ قابليّات البشر متنوّعة وفي تطوّر متواصل؛ لذا على ضوء هذا التنوّع ونظرًا لوجود اختلاف في الخصائص الجغرافيّة لكلّ منطقة ووجود تباين في الآثار التي تتمخّض عنها، تتنوّع قابليّات الإنسان وكذلك حاجاته من الناحية الجغرافيّة، ومن ثمّ لا بدّ من تلبية هذه الحاجات المتنوّعة بتنوّعٍ أيضًا؛ وهذا هو السبب في تعدّد الشرائع (المناهج) فهي مرتبطة بالجوانب المتغيّرة من حياة البشر.

لذلك نلاحظ وجود تناسقٍ بين المسائل الرياضيّة التي هي ذات ارتباط بالعقل، وبين المسائل الفلسفيّة والكلاميّة (العقائديّة) التي هي ذات ارتباط بالعقل والفطرة معًا، وهذا التناسق ثابت سواء أكان في شرق الأرض أو غربها أو شمالها أو جنوبها؛ بينما مسائل العلوم التجريبيّة مثل الطبّ والصيدلة - من حيث جهتها العمليّة دون العلميّة - تختلف مع اختلاف الناس.
أصول الدين والمبادئ العامّة للأخلاق والقانون والفقه ثابتةٌ لكونها ذات ارتباط بالجانب الثابت من وجود الإنسان، فهو صاحب فطرة ثابتة تقتضي ثبوت هذه الأمور: (لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ)،[7] في حين أنّ الشريعة (المنهاج) متغيّرة ومتعدّدة من منطلق ارتباطها بظروف بيئته الطبيعيّة وأسلوب حياته.

وحدة المتعدّد وتعدّد الواحد
قد يسأل سائل: هل امتلاك الإنسان بُعدين وجوديَّين هما الروح والبدن، دليلٌ على وجود تعدّديّة دينيّة؟
نقول في الإجابة عن هذا السؤال: لو كان المقصود إمكانية تحميل العديد من الأديان على فطرة البشر الواحدة، فهذا التحميل ليس صحيحًا لأنّه يستلزم القول بوحدة المتعدّد وتعدّد الواحد، ومن ثمّ فالكثير بما هو كثير يصبح واحدًا، والواحد بما هو واحد يصبح كثيرًا؛ وكلاهما في الحقيقة مستحيل، وهذه الاستحالة دليل على بطلان التعدّديّة الدينيّة.

استنادًا إلى ذلك يثبت لنا أنّ الروح من حيث عدم تعدّدها تقتضي وجود دينٍ واحدٍ لا غير، ومن ثمّ فالقانون الذي يُسنّ لتربيتها والرقيّ بها إلى أعلى الدرجات يجب أن يكون واحدًا إذا كانت بذاتها واحدةً حقًّا؛ وفي غير هذه الحالة فالقانون الواحد في عين وحدته يجب أن يكون متعدّدًا، والفطرة الواحدة في عين وحدتها يجب أن تكون متعدّدةً؛ وهذا الأمر مستحيل بكلّ تأكيدٍ.

إذن، بما أنّ فطرة بني آدم واحدة، فالدين الحاكم عليها والمربّي لها والمدبّر لشؤونها واحدٌ أيضًا، ورغم أنّ كلّ نبي اتّبع أسلوبًا تبليغيًّا خاصًّا في بيئة جغرافيّة وظروف خاصّة تناسبًا مع طبيعة حياة قومه وبنيتهم البدنيّة، إلّا أنّ كافّة الأنبياء متّفقون على الأسس العامّة والمبادئ الثابتة؛ لذا لا صواب للرأي القائل بالتعدّديّة الدينيّة بمعنى وجود أديان متنوّعة تتنوّع مبادئها العقائديّة والأخلاقيّة والشرعيّة سواء أكان ذلك في عصر واحد أم في عدّة عصور؛ كذلك لا صواب للرأي القائل بجواز اعتناق الإنسان عدّة أديانٍ في آنٍ واحدٍ أو اعتناق عدّة أديانٍ واحدًا تلو الآخر بحيث تتوّع المبادئ العقائديّة والأخلاقيّة والشرعيّة التي يعتقد بها؛ لأنّ الصواب فقط هو إمكانيّة تعدّد الشرائع مع تعدّد العصور في رحاب دينٍ واحدٍ.

 أنواع التعدّديّة
التعدّديّة الدينيّة يمكن تصوّرها ضمن أنواع عديدة هي:

1) هدف واحد وسبيل واحد
أحيانًا تندرج أمور متعدّدة ضمن سبيلٍ واحدٍ لأجل تحقيق هدفٍ واحدٍ، وهنا يمكن اعتبار هذا التعدّد غير بعيد عن الحقّ، فهو إمّا أن يكون حقًّا محضًا أو قد يكون قريبًا من الحقّ نظرًا لوحدة الهدف والسبيل العامّ، والاختلاف في هذه الحالة كامنٌ في السبل الفرعيّة فقط والتي يجب أن ترتبط بهذا السبيل العامّ، فهي على ضوء ارتباطها به تقود صاحبها إلى الهدف المنشود الذي لا وجود لهدفٍ غيره.

2) أهداف متعدّدة على امتداد بعضها
التعدّد يرتبط أحيانًا بالهدف، وهذا يعني كثرة الأهداف وليس السبُل، لكن رغم ذلك تبقى هذه الأهداف مرتبطة بهدف متعالٍ واحد لا غير، لذا يمكن لكلّ إنسان أن يبلغ أحدها بنحوٍ معيّن كي يبلغ هذا الهدف المتعالي الذي هو الغاية النهائيّة؛ وفي هذه الحالة يمكن قبول التعدّديّة، لأنّ الاختلاف الكائن بين الأهداف الفرعيّة فرعيّ في واقعه وليس أساسيًّا.

3) أهداف متعدّدة في موازاة بعضها
أحيانًا تكون الأهداف المفترضة متنوّعة ومتباينة، وفي موازاة بعضها لدرجة أنّ أحدها يدلّ على شيءٍ والآخر يفنّد هذه الدلالة من أساسها،  كما لو أكّد أحدها على وجود مبدأ ومعادٍ لعالم الوجود والآخر يؤكّد على العكس من ذلك تمامًا - والعياذ بالله -، حيث يعتقد الإنسان حسب مدلول الهدف الأوّل أنّه سينعم بالحياة بعد موته وسيبعث في يوم القيامة حيًّا، في حين أنّه حسب مدلول الهدف الثاني يعتقد بأنّه سيفنى بالكامل ولا وجود لحساب وقيامة بعد موته.

لا شكّ في بطلان هذا النوع من التعدّديّة التي تتعارض فيها الأهداف؛ إذ ليس من الممكن أن تكون حقًّا لأنّ الأفكار التي تتبلور في رحابه إمّا أن تكون متناقضة مع بعضها بالكامل أو أن تكون بمثابة النقائض، ونظرًا لاستحالة الجمع بين النقيضين؛ لذا ليس من الممكن مطلقًا أن يكون كِلا الأمرين حقًّا، وفي الوقت ذاته لا يمكن ادّعاء بطلانهما معًا.

4) وحدة الهدف وتعدّد السبُل
قد يكون الهدف واحدًا أحيانًا، إلّا أنّ السبُل التي تقود إليه عديدة وفي مقابل بعضها على نحو التضادّ والتعارض، أي أنّها سبُل فرعيّة لا تنبثق من مبدأ واحد ولا تنتهي إلى سبيل عامّ واحد، بحيث يتّجه أحدها على سبيل المثال إلى شرق الأرض والآخر إلى غربها أو إلى القطب الشماليّ أو القطب الجنوبيّ.
الجدير بالذكر هنا أنّ اتّجاه هذه السبُل ليس منحنيًا على غرار انحاء الكرة الأرضيّة، لأنّها لو كانت كذلك سوف يلتقي بعضها ببعض في نقاط معيّنة، لذا كلّ واحدٍ منها يجري على امتداد معين نحو جهة خاصّة بحيث لا يمكن أن يلتقي بغيره على الإطلاق.

هذا النوع من التعدّد غير مقبول طبعًا، إذ لا يمكن بتاتًا ادّعاء أنّ كافّة الطرق تنتهي إلى الحقّ، فهذا الادّعاء عبارة عن تعدّديّة تقتضي الجمع بين النقيضين، ومن البديهيّ أنّ الجمع بينهما مستحيل كما هو ثابت عقليّا ومنطقيًا.

5) تعدّد الثقافات والأعراف والتقاليد
يعتقد المفكّرين بعض أنّ الثقافة هي ذات الدين، وعلى هذا الأساس استدلّوا على تعدّديّته، حيث قالوا بما أنّها متعدّدة فهو متعدّد أيضًا، ممّا يعني أنّ الاعتقاد بالتعدّد الدينيّ هو نفس الاعتقاد بالتعدّد الثقافيّ. وغفل هؤلاء عن أنّ التعدّديّة الدينيّة تختلف عن تعدّديّة الثقافات والأعراف والتقاليد، لأنّ كلّ قومٍ عادةً ما يتبنّون نمطًا ثقافيًّا خاصًّا له مميزاته الفريدة من حيث الأعراف والتقاليد التي تتناسب مع واقع حياتهم وبيئتهم الجغرافيّة؛ لذلك نلاحظ وجود فوارق بين مختلف الشعوب والأمم في شتّى المجالات مثل طريقة تناول الطعام ونمط الثياب وطريقة السفر والحضر، فكلّ أناس لهم أعرافهم الخاصّة في هذه المجالات وسائر مجالات الحياة العمليّة.
هذا النوع من التعدّد الثقافيّ مقبول ولا حاجة للبحث عن دليل لإثبات حقّانيّة مصاديقه أو بطلانها، إذ ليس هناك أيّ مانع يحول دون تعدّد الثقافات والأعراف والتقاليد، كذلك لا يوجد أيّ سبب يدلّ على ضرورة حدوث وحدة ثقافيّة شاملة بين كافّة البشر بادّعاء أنّ الثقافة الحقّة واحدة لا غير؛ لذا هذا التعدّد خارج عن نطاق التعدّديّة الدينيّة.

هنا ملاحظة جديرة بالذكر على صعيد موضوع البحث، وهي أنّ عدم وجود ضرورة فكريّة تدعونا لأن نتطرّق إلى شرح وتحليل تفاصيل كلّ ثقافة بما فيها من أعراف وتقاليد لإثبات ما فيها من حقّ وباطل، إلا أنّ مسائل الكفر والإيمان تختلف؛ إذ لا بدّ من شرحها وتحليلها لإثبات الحقّ والباطل فيها. السبب في المورد الأوّل يعود إلى كون الثقافات والأعراف والتقاليد عبارة عن قضايا متّفق عليها اجتماعيًّا، أي أنّها عقد اجتماعيّ، في حين أنّ السبب في ضرورة التعمّق فكريًّا على صعيد المسائل من النوع الثاني يعود إلى أنّ الكفر والإيمان ليسا أمرين اعتباريَّين يقرّهما الناس في إطار عقدٍ اجتماعيّ بحتٍ دون أن تكون لهما خلفيّة واقعيّة، بل الحقيقة هي أنّ أحدهما حقّ والآخر باطل، كما أنّ السبيل إلى بلوغ الحقّ سالكٌ للجميع بحيث يتسنّى لكلّ إنسان معرفة الحقّ عن طريق البحث والتحليل وتبادل وجهات النظر بشكل متواصل لأجل معرفة الدين الواحد الشامل.
بناءً على ذلك لا تقتضي الضرورة البحث والتحرّي بخصوص الثقافات وما فيها من أعراف وتقاليد، في حين أنّ مسألة الإيمان والكفر ذات ارتباط وثيق بالواقع وبمصير الإنسان وسعادته في حياته الآخرة؛ لذا تقتضي الضرورة البحث والتحرّي بخصوصها.

إمكانيّة التعايش السلميّ بين أتباع مختلف الأديان
ليس المقصود من التعدّديّة الدينيّة إمكانية التعايش السلميّ بين أتباع أديان ومذاهب متنوّعة في رحاب مجتمع واحد؛ إذ من الممكن أن يتعايش الناس مع بعضهم في رحاب حياة مشتركة بأمنٍ وسلامٍ رغم تنوّع أفكارهم ومعتقداتهم ومذاهبهم وأديانهم.

كذلك ليس المقصود من تعايش الناس بشكل سلميّ مع اختلاف أجناسهم وأعراقهم وألوانهم هو تفرّد كلّ قومٍ بعقيدتهم وادّعاء أنّ غيرهم على باطل ومصيره جهنّم وبئس المصير بحيث ينبذون بعضهم لكنّهم يضطرّون لأن يتعايشوا في رحاب حياة مشتركة، فربّما يعتبر كلّ قومٍ غيرهم على باطلٍ، لكنّهم يرون أن هؤلاء معذورون؛ لأنّهم لا يعتبرون كلّ باطلٍ مصيره جهنّم وبئس المصير من منطلق احتمال وقوعهم في خطأ على صعيد تشخيص الحقّ؛ إذ لو أخطأ إنسان في معرفة الهدف الصحيح بعد السعي والمحاولة قد لا يكون مصيره العذاب في الآخرة حتّى إذا حُرم من نيل بركات فيض الربّ تعالى.

إذن، الحياة السلميّة بين أتباع مختلف الأديان والمذاهب هي في الواقع كالإمساك بجمرةٍ، أي أنّها مجرّد تظاهر بالسلم، وهي ليست سلمًا سياسيًّا وإنّما سلم إنسانيّ، إذ قد يكون أحد الأطراف على حقّ والآخر على باطل، إلّا أنّ من اتّبع الباطل ربّما لم يكن مقصّرًا في تشخيص الحقّ، بل عجز عن تشخيصه، أي أنّه بذل ما بوسعه في هذا المضمار دون أن يتمكّن من تحقيق هدفه، لذا حتّى إذا كان كلامه باطلًا، فهو ليس من أهل جهنّم، لأنّه معذور ومصداق لمن وصفهم الله تعالى بالمرجون لأمره في قوله تعالى: (وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ)[8].

معيار الحياة السلميّة
نستشفّ من مضمون آي الذكر الحكيم أنّ بإمكان أتباع مختلف الأديان التعايش مع بعضهم في إطار حياة سلميّة فيما لو اتّفقوا على المبادئ العامّة للأديان التي يعتنقونها، وبعبارة أخرى يمكنهم التعايش بأمنٍ وسلامٍ مع بعضهم فيما لو كان الدين الحاكم واحدًا وأتباع سائر الأديان خاضعين لأحكام هذا الدين على صعيد القضايا العامّة الحاكمة في البلد رغم أنّهم في شؤونهم الشخصيّة تابعون لأحكام أديانهم؛ ومن هذا المنطلق خاطب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أهل الكتاب قائلًا: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ).[9] مفهوم كلام رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في هذه الآية هو أنّنا موحّدون وينبغي أن لا نفرض رأينا على بعضنا وأن نؤمن بالمبادئ العامّة لوحي السماء. من المؤكّد أنّ هذا الكلام لا يدلّ على التعدّديّة الدينيّة التي يدّعي القائلون بها صواب تعاليم جميع الأديان وكون كافّة العقائد على حقّ حتّى إذا تعارضت مع بعضها، بل الواقع هو أنّ التعاليم والمعارف التي تتطابق مع التعاليم والمعارف الإسلاميّة هي الحقّ، أي الحقّ هو ما تطابق مع الإسلام بصفته خاتم الأديان السماويّة وحاكمًا عليها.

غير المسلمين لهم الأمان ومن حقّهم العيش تحت كنف الإسلام لكنّ النجاة في المعاد لطائفة واحدة من منطلق أنّ سبيل الحقّ واحدٌ لا غير، فالسبيل الذي يقود الإنسان نحو السعادة الأبديّة في الحياة الآخرة ليس متعدّدًا.

في هذا السياق يُطرح سؤالان أساسيّان هما:
السؤال الأوّل: هل من الصواب أن نعيش بسلامٍ مع أتباع سائر الأديان والمذاهب؟ وبعبارة أخرى: هل يمكن لأتباع مختلف الأديان والمذاهب التعايش مع بعضهم بسلامٍ كي يحافظوا على أمن بلدهم واستقراره؟

الإجابة عن هذا السؤال تفاصيلها خاصّة سوف نذكرها لاحقًا.
السؤال الثاني: هل العامل الحقيقيّ لتكامل الإنسان واحد أو متعدّد؟ ويمكن تقرير هذا السؤال بتعابير أخرى كالتالي:
- هل يتسنّى للإنسان بلوغ كماله المنشود على ضوء الاعتقاد بحقيقة واحدة لا ثاني لها وسلوك سبيل واحد لا وجود لغيره؟
- هل العامل الذي يقود الإنسان نحو تكامله عبارة عن حقيقة واحدة أو حقائق متعدّدة؟
- هل القيامة هي المضمار الذي تتجلّى فيه كمالات تلك الحقيقة الواحدة؟

للإجابة نقول: إذا أردنا الحديث عن الكمال الحقيقيّ ومسألة القيامة، لا بدّ لنا من الإذعان بوجود سبيل واحدٍ يضمن للإنسان هذا الكمال ولا وجود لسبيل غيره، لكنّ الأمر بالنسبة إلى إدارة البلد وجمع آراء كافّة العلماء والمفكّرين تحت مظلّة واحدة يختلف، إذ هناك سبيلان في هذا المجال هما:

1) اعتناق الشعب دينًا واحدًا فقط.
2) يمكن لأتباع مختلف الأديان الحفاظ على معتقداتهم إلى جانب احترام المقرّرات التي يتمّ إصدارها وفق تعاليم دينٍ واحدٍ، وعلى هذا الأساس يتسنّى لهم العيش مع بعضهم بأمنٍ وسلامٍ، إذ لا سلطة لأحدٍ على معتقداتهم وأفكارهم في حياتهم الدنيويّة، ولا يمكن لأحدٍ نبذ أفكار غيره وزعم أنّ الفكر مختصّ به على نحو الحصر وكلّ ما يقوله حقّ بحيث يلزم الآخرين باتّباع ما يمليه عليهم ويجبرهم على أن يفكّروا مثله، بل الفكر حقّ للجميع ولا يمكن لأحدٍ منعهم منه؛ لذلك قال تعالى في كتابه الكريم على لسان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): (وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا). مغزى هذه العبارة القرآنية هو عدم جواز فرض الإنسان فكره على الآخرين، بل لا بدّ من قبول كلّ فكر متقن ودقيق أيًّا كان صاحبه.
مسألة الحياة السلميّة مع أتباع سائر الأديان ومنحهم الحقّ في حرّية الفكر وطرح الآراء التي تتمخّض عن أفكارهم، تختلف عن مسألة النجاة والسعادة في الحياة الآخرة، فهي لا تعني أنّهم جميعًا ناجون وسعداء في الحياة الآخرة، فالهدف من الخلقة واحدٌ والفطرة الإنسانيّة واحدةٌ والسبيل إلى النجاة والسعادة واحدٌ أيضًا كما ذكرنا آنفًا، وعلى هذا الأساس يجب على الإنسان أن يسلك سبيلًا واحدًا بغية تحقيق هدفٍ واحدٍ وفق ما تمليه عليه فطرته الواحدة.

بناءً على ذلك لو أردنا استقصاء واقع الآراء والعقائد من حيث ارتباطها بالحياة الآخرة، فلا بدّ من الإذعان إلى أنّ السبيل الذي يضمن النجاة والسعادة في تلك الحياة واحدٌ، أي أنّ سبيل الحقّ واحد لا ثاني له؛ لكن لو أردنا استقصاءها من حيث تعايش البشر في الحياة الدنيا، فعندها نقول إنّه يمكن لكافّة الناس - مهما تنوّعت أديانهم - العيش بأمن وسلام والتفكير بحرّيّة، ومن ثمّ بإمكانهم السير في السبيل الصحيح دون أن يتجاوزا الأسس المستوحاة من العقل والنقل بحيث يتسنّى لهم تحقيق مقاصدهم الدنيويّة.

الدعوة الإسلاميّة لحياة سلميّة
تعاليمنا الإسلاميّة تؤكّد على ضرورة أن يعيش المسلمون مع أقرانهم المسلمين ومع أتباع سائر الأديان السماويّة وغيرهم بأمنٍ وسلامٍ وأن يتعاملوا بعدلٍ، وهذا ما نلسمه جليًّا في القرآن الكريمـ وقد تمّ تطبيقه في رحاب الحكم الإسلاميّ، والآيات الدالّة على هذا الموضوع نستنتج منها ما يلي:

1) يجب على المؤمنين والمؤمنات أن يتعايشوا مع بعضهم بأخوّةٍ وسلمٍ، فقد قال تعالى في كتابه الكريم: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُم).[10] فحوى هذه الآية هي أنّ المؤمنين إخوةٌ في الدين، لذا لا بدّ من الإصلاح بينهم.
2) يجب على المؤمنين والمؤمنات أن يتعاملوا بسلمٍ مع الموحّدين الذين يعيشون تحت مظلّة الحكومة الإسلاميّة مثل اليهود والنصارى الذين يؤمنون بالله ونبوّة الأنبياء، لأنّهم موحّدون من جهةٍ معيّنةٍ باستثناء الذين يعتقدون عامدين بالتثليث أو التشبيه.
3) يجب على المؤمنين والمؤمنات أن يتعاملوا بسلمٍ مع الكفّار والملحدين الذين استحوذ عليهم الفكر المادّيّ الإلحاديّ وحالَ دون توحيدهم واعتقادهم بالمبدأ والمعاد، شريطة أن لا يكونوا متآمرين للإطاحة بالحكومة الإسلاميّة، وأن يكون لديهم الاستعداد للتعايش مع المسلمين بأمنٍ وسلامٍ؛ ولو حاولوا الإطاحة بالحكومة الإسلاميّة فلا بدّ حينئذٍ من التصدّي لهم وفق تعاليمنا الإسلاميّة.
قال تعالى في سورة الممتحنة بهذا الخصوص: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُون).[11] استنادًا إلى هاتين الآيتين، يجب التعامل بقسطٍ وعدلٍ مع الكفّار الذين لم يكن ماضيهم إجراميًّا تجاه المسلمين ولا حاضرهم إجراميّ، أي أولئك الكفّار الذين لم يلحقوا الضرر بالمسلمين ودينهم قبل انتصار الإسلام ولا بعد انتصاره.

نستنتج من هذا الكلام أنّ التعايش بسلامٍ واجبٌ مع الذين لم يؤذوا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) حينما كان مضطهدًا في مكّة، ولم يتعرّضوا له ولدينه ولسائر المسلمين بعد أن هاجر إلى المدينة وأسّس فيها حكومةً إسلاميّةً. كذلك يمكن التعايش بسلامٍ مع الكفّار المحايدين الذين لا يحاربون الإسلام ولا يعينون من يحاربه ولا يحاولون فعل شيءٍ ينصبّ في ضرره من مختلف النواحي الفكريّة والماليّة والعسكريّة والسياسيّة، بحيث يتمسّكون بهذا الحياد بشكل دائم؛ لذا يجب التعامل معهم بأسلوب إنسانيّ، أي لا يقتصر الواجب على عدم ظلمهم فقط، بل لا بدّ من معاملتهم بقسطٍ وعدلٍ وإحسانٍ؛ لأنّ هذه السلوكات تعكس الخصال الحميدة للإنسان المسلم حتّى إذا طبّقها مع كافرٍ؛ وفي الوقت ذاته يستقبح لكلّ مسلم التعامل بجور وظلم حتّى مع الكافر.

إذن، العيش بسلامٍ مع أتباع سائر الأديان والمذاهب أمرٌ مقبول حسب التعاليم القرآنيّة، وأمّا مسألة عاقبة البشر في الحياة الآخرة من حيث النجاة والعذاب، فهي بحثٌ آخر.

الجدير بالذكر هنا أنّ القاصرين - غير المقصّرين - معذورون، وأمرهم موكولٌ إلى الله عزّ وجلّ.
رفض التسامح في الدين
التعايش بسلامٍ مع الآخرين يختلف عن التسامح، فقد أمر الله تعالى المسلمين بأن يتعايشوا مع الكفّار والمشركين بسلامٍ وفق شروط خاصّة وفي ظروف معيّنة لكن لم يأمرهم بالتسامح على الإطلاق، إذ لم يقل لهم تعاملوا معهم بتساهل وتسامح، بل الركيزة الأساسيّة في القرآن الكريم هي عدم مهادنة الباطل وأتباعه، فقد قال تعالى: (فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُون)،[12] لا تطع المكذّبين، إنّهم يرغبون في أن تتساهل بأحكام دينك كي يتساهلوا معك، لكن هذا التساهل فيه انحراف عن الحقّ. إذن، هذه الآية تدلّ على أنّ الله عزّ وجلّ حذّر النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) من إبداء أدنى مرونة أمام اقتراح المشركين الباطل، وأمره أن لا يداهنهم.

أهل الحقّ لديهم أهداف مقدّسة راسخة بحيث لا يساومون عليها مطلقًا ولا يهادنون أحدًا بخصوصها بأيّ شكلٍ كان، ولا يمنحون الطرف المقابل امتيازًا لا يستحقّه، فقد رُوي عن أمير المؤمنين(عليه السلام): «ولَعمري، ما عليَّ من قتال مَن خالف الحقَّ وخابط الغيّ من إدهانٍ وإيهانٍ»[13].

المتديّن لا يبدي أيّ ضعفٍ أو ليونةٍ من الناحيتين العمليّة والاعتقاديّة أمام الأعداء وأهل الباطل، فهو لا يتراجع مطلقًا عن مبادئه الأيديولوجيّة والاعتقاديّة، ولا يتخلّى عن مواقفه الأصيلة في كلّ سلوكاته.
الأحاديث المباركة وصفت الإسلام بأنّه دين الشريعة السمحة السهلة، ولم تعتبره دينًا متسامحًا متساهلًا، وهذا يعني أنّه دين يتناغم مع الفطرة الإنسانيّة السليمة، وهذا التناغم الفطريّ سببه يعود إلى سهوله الأحكام الشرعيّة الإسلاميّة، بحيث يمكن للإنسان والمجتمع تحمّلها، فالإسلام لم يشرّع أحكامًا شاقّةً لا تتناغم مع القابليّات الفرديّة والاجتماعيّة للبشر.
روى الشيخ محمد بن يعقوب الكلينيّ (رحمه الله) في كتاب الكافي عن الإمام جعفر الصادق(عليه السلام): «جاءت امرأة عثمان بن مظعون إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فقالت: يا رسول الله، إنّ عثمان يصوم النهار ويقوم الليل؛ فخرج رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) مغضبًا يحمل نعليه حتّى جاء إلى عثمان فوجده يصلّي، فانصرف عثمان حين رأى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فقال له: يا عثمان، لم يرسلني الله تعالى بالرهبانيّة، ولكن بعثني بالحنيفة السهلة السمحة، أصوم وأُصلّي وألمس أهلي، فمن أحبّ فطرتي فليستنّ بسنّتي، ومن سنّتي النكاح»[14].

كذلك روى عنه: «إنّ الله تبارك وتعالى أعطى محمّدًا(صلى الله عليه وآله وسلم) شرائع نوح وإبراهيم وموسى وعيسى(عليه السلام): التوحيد والإخلاص وخلع الأنداد والفطرة الحنيفيّة السمحة ولا رهبانيّة ولا سياحة؛ أحلّ فيها الطيبات وحرّم فيها الخبائث ووضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم»[15] .

وقد أكّد الله عزّ وجلّ على يُسر الذكر في كتابه الحكيم قائلًا: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ)[16].
تتضمّن معارف القرآن الكريم أحكامًا يسيرةً يطيقها الناس كافّةً، لذلك وصفه الله عزّ وجلّ بالكتاب ميسّر الذكر، وإلى جانب ذلك وصفه بالقول الثقيل، ممّا يعني أنّه رغم يسره لكنّه ليس فارغًا - خفيفًا - عديم المضمون، بل ذو مضمون عظيمٍ - ثقيل - لذا فالسهولة في هذا المضمار يقصد منها الجهة المقابلة للصعوبة والمشقّة، لأنّ مواضيع الكتاب الحكيم سهلة وأداؤها يسير ليس فيه مشقّة، لكنّها مع ذلك ثقيلة كما قال تعالى: (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا)[17]. المقصود من الكلام الثقيل في هذه الآية الثري والعميق والمتعالي في مضمونه، لذا فالقرآن الكريم بداعي اتّصافه بهذه الميزة، لا يعدّ خفيفًا أو موهومًا أو ظنّيًّا أو فارغًا من المضمون، بل هو كتابٌ أعلى شأنًا من عرف عامّة الناس رغم إمكانيّة التنزّل بمعارفه السامية إلى مستوى فهمهم وإدراكهم على ضوء بيانه لهم بأسلوبٍ سلسٍ وبسيطٍ.

الإسلام بناءً على ما ذُكر دين سهل يسير، لكن ليس فيه تسامح؛ لأنّ التسامح من صفات البشر، وهو مذمومٌ في القرآن الكريم الذي وصفه بالمداهنة، وإنّما الممدوح في الدين هو السماحة والسهولة؛ كذلك وصف الله عزّ وجلّ القرآن بالثقيل، وهذا الوصف ممدوحٌ بالنسبة إلى القرآن نفسه؛ لأنّ التثاقل وصفٌ مذمومٌ للإنسان كما قال تعالى: (مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْض)[18].

التسامح في أدلّة السنن
أدلّة السنن فيها تسامح، لكنّه لا يعني التساهل في العمل، بل المقصود منه هو أنّ كافّة السنن والمستحبّات يجب أن تستند إلى مرتكز علميّ يقينيّ تكون حجّيّته ذاتيةً باعتبار أنّ كلّ أمرٍ عرضيّ لا بدّ وأن ينتهي بشكل حتميّ إلى أمرٍ ذاتيّ؛ لذا بما أنّ الأدلّة القطعيّة اليقينيّة هي الركيزة الأساس للأحاديث التي نستخلص منها المستحبّات، فالضرورة تقتضي استقصاء أسانيد بعضها بدّقة متناهية.
الجدير بالذكر هنا أنّ علم أصول الفقه المبارك هو الذي يتطرّق إلى بيان تفاصيل هذا الموضوع، إذ بواسطته يتعرّف الباحث على ما إن كانت أحاديث «مَن بلغَ...» تثبت استحباب مضمون الروايات الضعيفة أو أنّها تثبت الثواب الذي يتحقّق من الانقياد لها فحسب أو تثبت شيئًا آخر.
استنادًا إلى ذلك ليس هناك ارتباط بين مسألتي التسامح في أدلّة السنن والتسامح إزاء سلوك الآخرين، فالإسلام في واقعه دين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لذا من خصائص الأمّة الإسلاميّة أن يدعو أبناؤها بعضهم إلى عمل الخير والمعروف والتحذير من كلّ عملٍ غير لائقٍ، فقد رُوي عن أمير المؤمنين(عليه السلام): (وَمِنْهُمْ تَارِكٌ لِإِنْكَارِ الْمُنْكَرِ بِلِسَانِهِ وَقَلْبِهِ وَيَدِهِ فَذَلِكَ مَيِّتُ الْأَحْيَاءِ).[19] من يتسامح إزاء القبيح من سلوك الناس هو في الحقيقة ميّت في قالبٍ متحرّكٍ، أي أنّه جنازةٌ واقفةٌ بشكلٍ عموديّ، فهو حيٌّ في رحاب حياةٍ حيوانيّةٍ نباتيّةٍ ولا ينعم بنصيبٍ من الحياة الإنسانيّة.

احترام آراء الآخرين
من المستحسن للإنسان أن يفسح المجال للآخرين كي يعربوا عن آرائهم ويطرحوا أفكارهم وبدوره يجب أن يستمع لهم ويتعرّف على طبيعة فكرهم، وهذا التنوّع الفكريّ في الواقع محدود في نطاق التفاهم وتبادل وجهات النظر، ولا يدلّ على وجود تعدّديّة فكريّة حقيقيّة، لأنّ الحقيقة واحدة لا أكثر ويجب على كلّ إنسانٍ بذل ما بوسعه لمعرفتها.

الواجب على كلّ إنسانٍ أن يؤمن بضرورة السعي الحثيث بغية معرفة الحقيقة، وفي هذا المضمار بإمكانه الاستعانة بآراء الآخرين كي يُتاح له استكشاف الحقيقة الأصيلة، فلربّما كانت عقيدته متقوّمة بمبادئ خاطئة وعقيدة الآخرين قوامها حقٌّ، لذا من المفترض به الاستفادة من آرائهم.

نستشفّ ممّا ذكر أنّ التعدّديّة الحقّة هي التي تعني السماح للآخرين في أن يطرحوا آراءهم على الصعيد الفكريّ؛ إذ ثمّة العديد من الأساليب - السبُل - التي يمكن للإنسان اتّباعها من أجل معرفة الحقيقة الأصيلة التي لا وجود لغيرها، ومن هذه الأساليب ما هو صائبٌ يقود من يتّبعه إلى الهدف المنشود، ومنها ما هو سقيمٌ وخاطئٌ لا يكشف الواقع لمن يتّبعه على الإطلاق؛ لذا إن أراد الإنسان معرفة الحقيقة، فينبغي له الاستماع إلى آراء الآخرين ثمّ يختار منها النظر الصائب، أي القول الأحسن حسب التعبير القرآنيّ، فقد قال تعالى: (فَبَشِّرْ عِبَادِ  الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَه).[20] إضافةً إلى المعنى الظاهر من نصّ الآية، فهي تستبطن أيضًا معنىً لطيفًا آخر فحواه أنّ الإسلام يتضمّن الكثير من الأحكام، وكلّ هذه الأحكام تمتاز بالـحُسن المطلوب، إلا أنّ فيها ما هو أحسن. من يستقصي المعارف الإسلاميّة بكلّ جزئيّاتها وأنواعها ثمّ يختار ما هو أحسن منها فهو يستحقّ الجنّة والبشرى.

التعدّديّة التشكيكيّة أو نسبيّة الأديان
حينما نستقصي مختلف الأديان نلاحظ أن تعدّدها كائن على نحو التشكيك، أي أنّها لا تنوب عن بعضها، فهي تشترك في الكثير من المبادئ الاعتقاديّة والفقهيّة والأخلاقيّة والقانونيّة، لكنّها على درجات متباينة؛ إذ منها ما هو كامل ومنها ما هو أكمل.
وبيان ذلك أنّ البحث في هذا المجال يتمحور حول موضوعين أساسيَّين، أحدهما وجود تشكيك على صعيد الحقائق الخارجيّة والمعارف البشريّة، والآخر عدم نسبيّة هذه الحقائق والمعارف.
نسبيّة الشيء بمعنى عدم استقلاله بذاتٍ معيّنةٍ، بل عبارة عن أمرٍ يتبنّاه الإنسان عن طريق المقارنة أو الحساب أو الاعتبار، حيث يعتقد بمختلف أنواع القضايا على هذا الأساس، مثل القرب والبُعد، والأمام والخلف، واليمين واليسار، وما إلى ذلك من قضايا مشابهة، فهي نسبيّةٌ ولا تتّسم بأيّ معنى ما لم يقارنها الإنسان بقضايا أخرى، ناهيك عن أنّها عرضة للتغيير والتحوّل تناسبًا مع التغييرات والتحوّلات التي تطرأ حولها، كالشجرة التي توصف بكونها قريبةً من هذا الشيء وبعيدةً عن ذلك الشيء.

هذا النوع من النسبيّة لا يصدق على الحقائق الخارجيّة، لأنّها موجودة بذاتها - بواقعها - في عالم الخارج، فما هو في حقيقته مجرّد يبقى دائمًا في تجرّده وما هو مادّيٌ يبقى دائمًا في مادّيّته؛ لذا لا يتغيّر بالمقارنة أو الحساب أو الاعتبار؛ كما أنّ المعارف البشريّة ليست نسبيّةً، فهي صائبةٌ إن تطابقت مع الواقع، وإن لم تنطبق معه تعدّ باطلةً، وبالتالي لا تتغيّر عن طريق المقارنة؛ وعلى هذا الأساس لا يمكن ادّعاء أنّ الحقائق الخارجيّة أو المعارف البشريّة نسبيّةٌ بهذا النحو؛ لكن التشكيك - اختلاف الدرجات - واردٌ على الأمرين، والسبب في ذلك يعود إلى أنّ كلّ شيء له مقامه الخاصّ به، فبعض الأشياء تعدّ عللًا وبعضها معلولات، ومنها ما هو أفضل، كذلك منها ما هو فاضل.

توجد أربعة عناصر معتبرة في التعدّديّة التشكيكيّة، وهي كالتالي:

1) تعدّديّة حقيقيّة
2) وحدة حقيقيّة
3) تعدّديّة تعود في أساسها إلى وحدة حقيقيّة
4) وحدة تسري إلى تعدّديّة حقيقيّة
تجدر الإشارة هنا إلى أنّ التعدّديّة التي تعود في أساسها إلى وحدة حقيقيّة تعتبر أمرًا حقيقيًّا من الناحية التشكيكيّة وليست مجازًا.

نستشفّ ممّا ذكر أنّ الحقائق الخارجيّة تنتظم على هيئة تشكيك، والمعارف البشريّة هي الأخرى ذات درجات تشكيكيّة؛ إذ لو انطبقت هذه المعارف على الواقع، فهي تتمتّع بحظٍّ من الوجود وتعدّ حقًّا وصوابًا، لكنّها إن لم تنطبق فهي باطلةٌ كاذبةٌ.
الحقّ هو الآخر ذو درجاتٍ، إذ قد يتمكّن أحد العرفاء في عصرٍ ما من تحصيل معرفة شهوديّة تنطبق مع الواقع، أو قد تكون الواقع بذاته، ثمّ يأتي بعده عارف آخر يدرك هذا الواقع على ضوء معرفة شهوديّة أكثر دقّةً وعمقًا؛ لذا يعتبر شهوده أحقّ من شهود الذي سبقه. من المؤكّد أنّ كِلا العارفين حدث لهما شهود صادق هو عين الحقّ، لكنّ شهود الثاني أحقّ من شهود الأوّل؛ وكذا هو الحال بالنسبة إلى العلم الحصوليّ.

التعدّديّة الموجودة على صعيد الأديان والشرائع السماوية تعدّ نسبيّةً في واقع الحال، وهذه النسبيّة ليست حقيقيّةً ولا معرفيّةً، بل تشكيكيّة، فهي عبارة عن تشكيك على صعيد الحقائق الخارجية والمعارف البشريّة، لأنّ كلّ شريعة سماويّة تتناسب مع متطلّبات العصر التي أقرّها الله تعالى له؛ لذا على الرغم من اشتراكها إلا أنّها تحتوي على الكثير من التشريعات والقوانين التي تتنوّع بتنوّع الزمان ويمكن تشبيهها بالدواء المتنوّع الذي يصفه الطبيب البارع للمريض، حيث يأمره في كلّ مرحلة بتناول نوعٍ معيّنٍ من الدواء على أساس أنّ الفائدة تتحقّق في كلّ مرحلةٍ من أحد الأنواع؛ وهذا الأمر يدلّ بكلّ تأكيد على أنّها كلّها مفيدة ولا يدلّ مطلقًا على فائدة بعضها وعدم فائدة بعضها الآخر.

إذن، الاختلاف في الشرائع السماويّة ناشئ من التشكيك الكائن على صعيد الحقيقة، وكذا هو الحال بالنسبة إلى المعارف البشريّة؛ إذ بما أنّ إدراك الناس للواقع ذو درجات متباينة، فهي ذات طابع تشكيكيّ، وهذا هو السبب في الاختلاف بين الفقهاء والمفسّرين على صعيد بعض المسائل.

أسس التعدّديّة
التعدّديّة تضرب بجذورها في نمط معرفة الإنسان وتوجّهاته الأيديولوجيّة، وعلى ضوء هذه المعرفة تسري إلى الفكر الدينيّ، وهذا يعني أنّ الأيديولوجيا هي المصدر الأساسيّ للتعدّديّة؛ لذا إن اقتضت معرفة أحد الناس وتوجّهاته الأيديولوجيّة أن يعتقد بكون الحقيقة والفكر أمرين نسبيّين، فهو يتبنّى هذه الرؤية على صعيد المعتقدات الدينيّة أيضًا بحيث ينظر إلى الدين بأسلوب نسبيّ وتعدّديّ.

وفيما يلي نتطرّق إلى بيان مناشئ الرؤية التعدّديّة:

1) نسبيّة الفهم وارتباط هذه النسبيّة بالتعدّديّة
المقصود من النسبيّة في الفهم هو عدم وجود شيء يمكن للإنسان فهم حقيقته سواء أكان نسبيًّا أم نفسيًّا، محدودًا أم مطلقًا؛ إذ لا قدرة له على معرفة واقعه.

يعتقد أتباع بعض الأيديولوجيات بأنّ الحقيقة عبارة عن أمرٍ غير محدودٍ - مطلق - بينما عقل الإنسان وفكره محدود، وعلى هذا الأساس استنتجوا عدم قدرة العقل على إدراكها لكون المحدود عاجزًا عن فهم كُنه اللامحدود، وهذا يعني أنّ كلّ إنسانٍ بإمكانه إدراكها حسب قابليّته العقليّة. بعد هذا الاستنتاج ادّعوا أنّ فهم كلّ إنسانٍ للحقيقة صائبٌ، ومن ثمّ يجب اعتبار كافّة الآراء والنظريّات صحيحةً، وكلّ المدارس الفكريّة على حقّ.

2) تأثّر الحقيقة بفهم الإنسان
يعتقد بعض الباحثين أنّ المنشأ الآخر للنسبيّة هو الاختلاف بين طبيعة فهم البشر للحقائق الخارجيّة، وقصدهم من ذلك أنّ هذه الحقائق تختلف عمّا يتصوّره الإنسان لكونها ذات طابع معيّن وميزات خاصّة بها، لذا حينما تلج في منظومته الإدراكيّة وتتغلغل في خلايا دماغه ثمّ تجري في ممراته التي تتبلور على هيئة فكرٍ في نهاية المطاف، سوف تتّسم بطابع آخر وميزات مختلفة عمّا كانت عليه في عالم الخارج؛ ونظرًا للاختلاف الكائن بين البشر على صعيد منظوماتهم الإدراكيّة وخلاياهم الدماغيّة فكلّ واحدٍ منهم يدرك الحقيقة وفقًا لقابليّاته بحيث تتّسم بصبغة ما لديه من أفكار.
بناءً على ما ذُكر لا يمكن لأيّ إنسانٍ إدراك الحقيقة المطلقة بواقعها، بل غاية ما في الأمر أنّه يدركها تناسبًا مع قابليّاته الفكريّة وليس كما يدركها غيره، وليس كما هي في عالم الواقع، فالحقيقة بحدّ ذاتها عبارة عن أمرٍ واقعٍ مطلقٍ لا يمتاز بأيّ خصوصيّة، لذا يدركها كلّ إنسانٍ على أساس خصائص إدراكيّة مجازيّة.

هذه الرؤية التعدّديّة على الصعيد الأيديولوجيّ تغلغلت في باطن المعارف الدينيّة، حيث طبّق أصحابها رؤيتهم إزاء عالم الطبيعة على الشريعة الدينيّة، وثمرة ما توصّلوا إليه في هذا المضمار ادّعاء أنّ كلّ إنسانٍ يفهم الدين حسب قابليّاته، وبالتالي فهم كافّة الناس حقّ.

نقد نسبيّة الفهم
المبدأ الأوّل للتعدّديّة هو اعتبار الحقيقة أمرًا مطلقًا، لكن ما هي هذه الحقيقة المطلقة؟ لو كان المقصود من الإطلاق لامحدوديّة حقائق إمكانيّة معيّنة مثل الماء والتراب والأشياء التي يسعى الإنسان إلى معرفتها بداعي ارتباطها به، فهذا الكلام باطلٌ، إذ ليس من الصواب بمكانٍ اعتبار الشجرة حقيقةً مطلقةً بحيث لا يدرك كُنهها حتّى المهندس الزراعيّ، كذلك لا يمكن ادّعاء أنّ الميكروبات كائنات مطلقة لا يدرك حقيقتها حتّى الطبيب المتخصّص في الطبّ الميكروبيّ؛ والسبب في ذلك طبعًا يعود إلى أنّ كافّة الحقائق الخارجيّة محدودة وليست مطلقةً، لذا ليس ثمّة محذور في معرفة كُنهها، والإنسان بدوره قادر على ذلك.

أضف إلى ذلك يوجد تعارض في بادئ وخاتمة القول بإطلاق الحقائق الخارجيّة، إذ لو كان الشيء مطلقًا فليس من الممكن أن يوجد شيءٌ في مقابله، أي لا يمكن القول على سبيل المثال «الماء حقيقة مطلقة، والذهب أيضًا حقيقة مطلقة»، إذ لو كان الماء حقيقة مطلقة حقًّا، فلا يبقى أيّ مجال لوجود حقيقة مطلقة غيره؛ وعلى هذا الأساس فالجمع في شيء واحد بين التعدّد والإطلاق هو في الواقع جمع بين نقيضين، وهو باطل طبعًا.

إذن، كلّ شيء موجود في عالم الخارج يعدّ محدودًا في الواقع - غير مطلق - ومن المؤكّد أنّ كلّ محدود يمكن للإنسان إدراك كُنهه، أي أنّ معرفة حقيقته ليست بالأمر المستحيل.
لكن إذا كان المقصود هو إطلاق كافّة الحقائق الموجودة في العالم فهذا الكلام صائبٌ، لكن ليس ثمّة من يدّعي إمكانيّة فهم كافّة الحقائق الماضية والحاضرة والمستقبليّة.
كذلك لو كان المقصود هو إطلاق ذات البارئ تبارك شأنه، فهذا الكلام وإن كان حقًّا، لكن لا أحد يمكنه ادّعاء قدرته على الإحاطة بمكنون هذه الذات المقدّسة.

نقد القول بتأثّر الحقيقة بفهم الإنسان
المبدأ الثاني للتعدّديّة كما ذكرنا آنفًا هو أنّ كلّ إنسان لديه منظومته الإدراكيّة الخاصّة به ويمتلك خلايا دماغيّة مستقلّة؛ لذا تختلف عناصر الاستقبال الدماغيّة والفكرية لديه عمّا لدى الآخرين، وإثر ذلك تختلف المعارف المكنونة في ذهنه عن معارف غيره.

هذا الاستنتاج غير صحيح؛ لأنّ إدراك الإنسان لا يتوقّف على الدماغ وخلاياه فحسب، بل الخلايا الدماغيّة مجرّد وسيلة لعمليّة الفكر، فالروح المجرّدة هي التي تتولّى مهمّة القطع واليقين العلميّ، وهي صاحبة القرار العمليّ الذي يتّخذه الإنسان.
الإدراك عبارة عن أمرٍ مجرّدٍ وهو ليس من وظائف القلب والدماغ المادّيين، بل تقتصر وظيفتهما على كونهما وسيلتين تؤثّران وتتأثّران، وحينما يواجهان مسائل علميّة تتهيّأ الأرضيّة المناسبة للروح المجرّدة كي تقوم بعمليّة الإدراك، وعلى هذا الأساس عندما تبلغ الروح حدود الفكر فهي تجد نفسها غير مقيّدة بمكانٍ معينٍ، بل تشعر بعدم تعلّقها بأيّ مكانٍ. المقصود من هذا الكلام هو أنّ الإنسان من الناحية البدنيّة يمكنه أن يقول الآن «أنا موجود الآن في هذه المدينة وهذا الزمان» لكنّ روحه ليست كذلك، حيث هي تطوي مسيرتها في السماء والبرّ والبحر، فالتقنيّ المتخصّص في دراسات أعماق البحار على سبيل المثال يجلس في محلّ عمله الخاصّ بالدراسات والبحوث العلميّة لأجل أن يرسم تصميمًا هندسيًّا لصناعة غوّاصة تجوب أعماق البحار، لذا عادةً ما يسخّر وقته لدراسة خصائص هذه الأعماق في كلّ مكانٍ من الكرة الأرضيّة، حيث يؤدّي هذه الوظيفة دون أن يغوص بنفسه في أعماق كافّة البحار والمحيطات لاستطلاع أوضاعها، بل يجلس أمام طاولة وأمامه كتاب أو مجموعة من الكتب إلا أنّ روحه تجوب أعماق البحار والمحيطات؛ وكذا هو حال عالم الفلك الذي يستكشف المجرّات بكلّ براعةٍ.

إذن، روح الإنسان ليست في الأرض ولا في السماء لأنّ الكائن المجرّد غير مقيّد بحدود الزمان والمكان، لذا توجد كائنات محدودة بنطاق الزمان أو المكان، وتوجد كائنات غير محدودة بذلك.

بما أنّ الأرض ذات ارتباطٍ بمسألة الزمان، لذا يمكن للسائل أن يسأل «كم سنةً عمرها؟» لكن لا يمكن السؤال مطلقًا عن عمر المسائل الرياضيّة، إذ ليس من المنطقيّ أن يسأل سائل «كم سنةً عمر المعادلة الرياضيّة التالية: 2+2 = 4؟» أو يسأل «كم سنةً عمر القاعدة القائلة بأنّ مجموع زوايا المثلث يساوي مجموع زاويتين قائمتين؟»، كذلك لا صواب للسؤال عن عمر القاعدة الفلسفيّة القائلة بوجود علّة لكلّ معلول. 

كذلك يمكن للسائل أن يسأل عن وزن الأشياء، كما لو قال «كم غرامًا وزن هذا الكتاب؟»، إذ توجد إجابة لهذا السؤال وما شاكله، لكن ليس من الصواب مطلقًا السؤال عن وزن روح الإنسان أو فهمه أو إيمانه أو عدله لكون هذه الحقائق مجرّدة ولا تتّسم بطابعٍ مادّي أو وزنٍ كي يتمّ تقويم وزنها بالغرام أو غيره من المقاييس المادّيّة؛ كما أنّ كلّ مجرّد لا مكان ولا زمان له على الإطلاق؛ ناهيك عن أنّ الروح التي تدرك هذه المعاني والمعارف المجرّدة من الزمان والمكان، لا يمكن أن تخضع لقيود الزمان والمكان.

نستنتج ممّا ذكر بخصوص المعرفة البشريّة أنّ وسائل الإدراك الموجودة لدى بني آدم مختلفة وإثر ذلك تتنوّع حالات الفعل والانفعال الدماغيّ من شخصٍ لآخر، إلا أنّ هذا الاختلاف الكائن في الجانب المادّيّ لا يعدّ دليلًا يثبت لزوم وجود اختلاف على صعيد الإدراك لكون الفكر لا يقتصر على هذه الوسائل المادّيّة فقط، ويمكن تشبيه هذا الأمر بمن يستخدم عدّة أقلامٍ لكتابة موضوعٍ واحدٍ.
لو افترضنا أنّ كافّة المعلّمين والأساتذة تمكّنوا من نقل ثمرة أفكارهم إلى تلامذتهم بنجاحٍ، بحيث قبل كثير منهم في الامتحانات النهائيّة، فهذا الأمر يدلّ على أنّ هؤلاء الناجحين قد فهموا ذات الشيء الذي أدركه أساتذتهم؛ ويمكن تشبيه المسألة بقراءة كتابٍ، أي أنّ قارئه يفهم ذات ما فهمه مؤلّفه ولم يفهم منه معنى آخر لا ارتباط له بما تمّ تدوينه، فلو كان الفهم غير المقصود لانقطع الارتباط بين الفهم والتفهيم.

إذا كان إدراك الحقائق لدى كلّ إنسان حسب خصائص فهم دماغه وخلاياه، كيف يمكنه حينئذٍ نقلها بذاتها إلى الآخرين؟! من المؤكّد أنّ الخلايا الدماغيّة مجرّد وسيلة للفهم والتفكير وليست مدركًا حقيقيًّا، لأنّ الإدراك من وظائف الروح التي ليس لها لونٌ ولا رائحةٌ أو أيّ ميزة مادّيّة أخرى، وعلى هذا الأساس فما تدركه لا يتّصف أيضًا بأيّ ميزة مادّيّة، ولا يترتّب عليه أيّ أثر من الآثار التي تترتّب على الأمور المادّيّة.

التعدّديّة وليدة النزعة الشكّيّة والفكر السوفسطائيّ
المبادئ الأساسيّة التي ترتكز عليها الرؤية التعدّديّة وليدة للنزعات الشكّيّة والأفكار السوفسطائيّة، فمن يقول: «الحقيقة هي كلّ أمرٍ مطلقٍ، بينما الإنسان كائنٌ محدودٌ، لذا لا يمكنه إدراكها؛ لأنّ المحدود لا قدرة له على فهم المطلق»، هو في الواقع مبتلى بمعضلة السفسطة، لأنّ الوجود المطلق مختصّ بالذات الإلهيّة المقدّسة فحسب، وكافّة الكائنات في عالم الوجود محدودة، ولا أحد يدّعي أنّ الإنسان قادر على إدراكها كافّةً.
الإنسان على ارتباط بما يحيط به، فالخبير المختصّ بصيد الأسماك بطبيعة الحال يعرف مختلف أنواع الأسماك وأسماءها، كما أنّ المهندس المختصّ بتصميم السدود لديه علم بموادّ البناء اللازمة لإنشائها مثل نوع الإسمنت وسائر المكوّنات التي يجب استخدامها في تشييدها وطبيعة الأرض التي تُشيّد عليها. هذا النوع من العلم ممكن للبشر لكون موضوعه عبارة عن أمرٍ محدودٍ، وروح الإنسان من منطلق تجرّدها قادرة على إدراك هذا الموضوع المحدود بكلّ جزئيّاته.

الجدير بالذكر هنا  أنّه قد يحدث اختلاف على صعيد فهم الأمور المحدودة، وإذا كان هذا الاختلاف على نحو التناقض، فهذا يدلّ على أنّ أحد النقيضين حقٌّ والآخر باطلٌ، وإن لم يكن على نحو التناقض من الممكن أن يكون كِلا الطرفين حقًّا أو باطلًا أو أن يكون أحدهما حقًّا والآخر باطلًا، فعلى سبيل المثال لو أبدى عشرة أشخاصٍ آراهم إزاء مسألةٍ ما، فمن الممكن أن تكون كلّ هذه الآراء صائبةً، والسبب في ذلك يعود إلى أنّ كلّ واحد منهم فهم المسألة من إحدى نواحيها؛ كذلك من الممكن أن تكون كلّ آرائهم باطلةً لكونها تتعارض مع الحقّ، إلا أنّ الرأيين المتناقضين اللذين ينفي أحدهما المسألة والآخر يثبتها، لا يوجد حدّ وسط بينهما؛ لذا لا بدّ أن يكون أحدهما صائبًا - على حقّ - والآخر باطلًا وفقًا للقاعدة القائلة باستحالة اجتماع النقيضين واستحالة رفعهما.

معرفة الإنسان الكامل بعالم الوجود
قدرة الإنسان على امتلاك معرفة عن طريق قابليّاته الإدراكيّة وبواسطة ما أدركه أقرانه البشر تدلّ بوضوح على أنّ معظم البشر لديهم قابليّات معرفيّة محدودة، ولا علم لهم بالكثير من الحقائق؛ فالقليل منهم لهم قدرة على الإحاطة التامّة بالكثير من الأشياء بفضل قربهم من الله عزّ وجلّ وتلقّيهم الفيض القدسيّ منه أسرع من سائر البشر.

وبعبارة أخرى: بعض الكائنات خلقت قبل غيرها، أي أنّها الصادر أو الظاهر الأوّل في عالم الخلقة، فقد ذَكَرَت نصوصنا الدينيّة أنّ أوّل نور خلقه الله تبارك وتعالى هو نور النبيّ محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته الكرام(عليهم السلام) ثمّ خلق سائر الكائنات.

الصادر الأوّل في عالم الخلقة لديه إحاطة تامّة بسائر المخلوقات؛ لأنّ وجود كلّ ما خلق بعده يعدّ أدنى درجةً وأضعف من وجوده.
الكائن الذي على رأس هرم خلقة الكائنات، هو الإنسان الكامل وخليفة الله ومظهر اسمه الأعظم، وله القدرة على معرفة مظاهر الأسماء الحسنى؛ لذا لا يمكن ادّعاء عدم وجود أناسٍ لديهم إحاطة تامّة بكافّة علوم عالم الإمكان، بل من الممكن أن يوجد إنسان كامل لديه هذه الإحاطة، لكنّه رغم ذلك لا يُحيط بكُنه الله تعالى وأسمائه الذاتيّة، بل يدرك أسماءه الحسنى على قدر قابليّاته الوجوديّة، وفي الحين ذاته يمتلك إحاطة تامّة وعلمًا كاملًا بالكائنات التي هي أدنى درجة وجوديّةً منه، ومن ثمّ له القدرة على معرفة أحوالها.

العلاقة بين التعدّديّة والمناهج المعتمدة لمعرفة الدين الحقّ

يوجد ارتباط بين النزعة التعدّديّة وكيفيّة معرفة الدين الحقّ، ولو أردنا معرفة طبيعة هذا الارتباط، فلا بدّ من بيان بعض المنهجيّات المعتمدة في الدراسات والبحوث التي تتطرّق إلى بيان حقيقة الدين، وذلك كما يلي:

1) منهجيّة علم الاجتماع
الدين برأي البعض عبارة عن ظاهرة اجتماعيّة، ومن هذا المنطلق يتطرّقون إلى دراسته وتحليله في رحاب علم الاجتماع، لكنّ هذا الرأي غير صائب؛ إذ ليس من الممكن بتاتًا بيان واقع الدين على أساس منهجيّة اجتماعيّة، ناهيك عن عدم إمكانيّة معرفة الدين الحقّ وتمييزه عن الدين الباطل وفق هذه المنهجيّة.

ويمكن بيان ما ذكر بأسلوبٍ آخر، وهو أنّ ظاهرة تعدّديّة الأديان في حياة البشر هي حقيقة اجتماعيّة لا يمكن إنكارها، إلا أنّ منهجيّة علم الاجتماع لا قدرة لها على إثبات الدين الحقّ من بين كلّ هذه الأديان، بل ليس من شأن الباحث الذي يعتمد عليها أن يبدي رأيه بهذا الخصوص؛ لذا حقّانيّة الأديان لا تندرج ضمن المواضيع التي يتطرّق إلى بيانها علم اجتماع الدين ولا تعتبر نتيجةً لها، فالمختصّ في هذا العلم يعتقد بتعدّديّة الأديان لكنّه غير مخوّل بإبداء رأيه بالنسبة إلى الدين الحقّ.

2) منهجيّة تأريخيّة وإقليميّة
بعض المفكّرين المختصّين بعلم الدين يتطرّقون في دراساتهم وبحوثهم إلى شرح وتحليل زمان ومكان ظهور الأديان، حيث تتمحور نشاطاتهم العلميّة على سبيل المثال حول الأديان التي ظهرت في قارّة آسيا وسائر البقاع الشرقيّة من الكرة الأرضيّة والحقب الزمنيّة لظهورها، أو الأديان التي ظهرت في قارّة أوروبا والبقاع الغربيّة من الكرة الأرضيّة والحقب الزمنيّة لظهورها؛ حيث يسلّطون الضوء عليها في إطار دراسات وبحوث ذات طابع تأريخيّ وإقليميّ ضمن ما يسمّى بعلم الدين، لكن على الرغم من فائدة هذه الجهود العلميّة إلّا أنّها لا ترشد الإنسان إلى الدين الحقّ ومن الصعب جدًّا الاعتماد عليها لتمييز الحقّ عن الباطل.

3) منهجيّة سيكولوجيّة
يعتقد بعض الباحثين بإمكانيّة استكشاف حقيقة الدين على أساس الخصائص السيكولوجيّة - النفسيّة - لكلّ إنسانٍ، إذ يقولون إنّ كلّ إنسان أمامه نافذة يتمكّن من خلالها الارتباط بخالقه ومناجاته، لأنّ الذات الإلهيّة المقدّسة لها ظهور ونفوذ في نفس كلّ عابدٍ متهجّدٍ.
هذه المنهجيّة صحيحةٌ بشكل عامّ وليس في كلّ تفاصيلها، وحسب التعبير المتداول في الحوزة فهي صحيحة في الجملة وليس بالجملة؛ لذا لا يمكن الاعتماد عليها لامتلاك معرفة تامّة بالدين، لكن غاية ما في الأمر أنّها تعدّ عاملًا مساعدًا في معرفة الدين. 

نستنتج ممّا ذكر أنّ المنهجيّات الثلاثة المذكورة أعلاه لا تعتبر وسيلةً ناجعةً لمعرفة حقيقة الدين، وقول من قال إنّ كلّ مجتمع له دينه الخاصّ بداعي أسباب وعوامل اقتصادية اضطرّت أعضاءه لأن يعتنقوه وذات هذه العوامل تضطرّهم أحيانًا لاختيار أحد المذاهب التي تنضوي تحت مظلّته؛ هو في الواقع مجرّد تبرير لنظريّة التعدّديّة الدينيّة.

لا شكّ في أنّ مختلف الأحداث التأريخيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة لها دور في إقبال الناس على دينٍ معيّنٍ أو رفضه، إلا أنّ التأريخ يشهد على أنّ الدين ذو منشأ متعالٍ، فحينما ظهر الإسلام على سبيل المثال ببعثة خاتم الأنبياء محمّد بن عبد الله(صلى الله عليه وآله وسلم) الذي دعا الناس إلى كلمة التوحيد: (قولوا لا إله إلا الله تفلحوا)،[21] عارضه الفقراء والأغنياء، واليوم أيضًا إذا دُعي الناس إلى قول لا إله إلا الله في الهند مثلًا سوف يواجه الداعي معارضةً من قبل الكثير من الناس، فقرائهم وأغنيائهم على حدّ سواء؛ لأنّهم يرفضون التوحيد من الأساس وفكرهم متقوّم على أسس دينيّة غير توحيديّة، لذا يتهرّبون منه، في حين أنّ الذين أدركوا فضيلة هذه العقيدة الحقّة، يتمسّكون بها بكلّ ما أوتوا من قوّة وينأون بأنفسهم عن الشرك.

تجدر الإشارة هنا إلى أنّ البلدان التي تقطنها قوميّات متنوّعة، تعاني بطبيعة الحال من تعدّديّة حقيقيّة، لذا تطرح فيها مسائل حقوق الإنسان أكثر من أيّ بلدٍ آخر؛ إذ ليس من الممكن إرضاء عدّة شعوبٍ بقانون قومٍ أو بلدٍ واحدٍ، بل لا بدّ من تشريع قانون شامل بمحوريّة حقوق الإنسان بغية إرضائهم.

البرهان العقليّ هو السبيل الصائب لمعرفة الدين الحقّ
دراسة الدين اعتمادًا على مبادئ علوم الاجتماع والإحصاء والتأريخ والجغرافيا ليس من شأنها بيان ما إن كان أحد الأديان على حقّ أو باطل، بل البرهان العقليّ هو السبيل الصائب على صعيد معرفة الدين الحقّ لكون الدين عبارة عن حقيقة فطريّة وعقليّة بحتة؛ في حين أنّ المبادئ العلميّة الأخرى مثل التأريخ والجغرافيا والاقتصاد والسياسة لها القابليّة على بيان أسباب قبول أحد المجتمعات دينًا ما أو رفضه، كما لها تأثير على التديّن الشخصيّ، أي أنّ الإنسان قد يتأثّر بها لاعتناق دين معيّن أو رفضه، لكنّها غير ناجعة مطلقًا للتمييز بين الدين الحقّ والباطل.

نوضّح ما ذكر بأسلوب آخر: السبيل الصائب لمعرفة الدين الحقّ هو أن يعتمد الباحث على المنهج العقليّ والمبادئ العامّة لعلمي الفلسفة والكلام كي يتمكّن من معرفة واقع العالم والإنسان، ولا بدّ له من تحليل الموضوع وفق أسس ماورائيّة لأجل أن يتسنّى له وضع برنامج تربويّ يلبّي متطلّبات المجتمعات البشريّة. كذلك ينبغي له دراسة وتحليل مسألة تجرّد الروح وخلودها كي يدرك أنّ هدف الدين هو تغذية روح الإنسان الملكوتيّة وتمكينه من الارتباط بالفيض الإلهيّ الذي لا حدّ له ولا نهاية، ولكي يعلم أنّ الدنيا التي يرغب فيها البشر محدودة بالنسبة إلى الآخرة ويدرك أنّ الأحكام الشرعيّة التي تلبّي متطلّباتهم الدنيويّة محدودةٌ أيضًا، لذا يجب أن لا يغفل عن تلك الحقائق التي تلبّي متطلّبات الإنسان اللامحدودة والمرتبطة بروحه الملكوتيّة وحياته الأخرويّة.

إذا استطاع الإنسان فهم الدين عن طريق البرهان العقليّ البحت فسيصبح قادرًا على التمييز بين الدين الحقّ والباطل، ثمّ لا يدّعي أنّ جميع الأديان حقّ، أو أنّ كلّ واحدٍ منها حقّ بنحوٍ ما، أو أنّ كافّة الناس أدركوا الحقّ المطلق، أو أن لا أحد منهم أدركه، أو أنّ كلّ واحد منهم أدرك جانبًا منه.

عجز التجربة عن إثبات الدين الحقّ
لو سأل سائل: هل يمكن الاعتماد على التجربة لإثبات حقّانيّة الدين أو بطلانه؟
نجيب عن سؤاله كما يلي:
أوّلًا: الكثير من القضايا الدينيّة تتجاوز نطاق الحسّ والتجربة بحيث لا يمكن إدراكها اعتمادًا على الحواسّ والتجارب، مثل التوحيد والمعاد في يوم القيامة، إذ لا يمكن إثبات أو تفنيد هذه المعارف العقليّة المتعالية إلا عن طريق براهين غير حسّية وغير تجريبيّة.

ثانيًا: إذا أردنا الحكم على حقّانيّة أو بطلان أحد الأديان اعتمادًا على أدلّة حسّيّة وتجريبيّة، لا بدّ لنا من إخضاع كافّة الأديان إلى الاختبار التجريبيّ كي نتمكّن من تشخيص ما فيها من حقّ وباطل، لكن بما أنّ الأديان والمذاهب كثيرة جدًّا، فالباحث قبل أن يستكشفها جميعًا ويخضع جميع تعاليمها ومعتقداتها للتجربة سوف تنتهي حياته ويبقى بحثه ناقصًا؛ لذا لو اتّبع البشر هذا الأسلوب في تشخيص الدين الحقّ، فسوف يبتلون بنزعة شكّيّة إزاء الأديان قاطبةً، إذ لا يمكنهم اتّخاذ القرار النهائيّ بخصوص الحقّ والباطل من الأديان؛ ومن المؤكّد أنّ الشكّيّة بحدّ ذاتها باطلة؛ لأنّ العقل أثبت بالبرهان القاطع قدرة الإنسان على امتلاك معرفة حقيقيّة لا يكتنفها أدنى شكّ، كذلك الأدلّة النقلية دعته إلى الإيمان الراسخ والعقيدة القويمة التي لا ترديد فيها.

إذن، البرهنة العقليّة أو تحليل الأدلّة النقليّة القطعيّة هما السبيل الأمثل للنجاة من فخّ النزعة الشكّيّة، وليس الحسّ والتجربة.
وفي هذا السياق أكّد أمير المؤمنين(عليه السلام) على وجود الكثير من المعتقدات الدينيّة الرسميّة في منطقة الحجاز وخارجها حينما بعث النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) برسالة السماء واعتنق أصحاب هذه المعتقدات دينه العالميّ، حيث قال: "... بين مشبّه لله بخلقهِ أو ملحدٍ في اسمه أو مشيرٍ إلى غيره".[22] القرآن الكريم نزل في هكذا أجواء دينيّة، فهدى الناس كافّةً؛ لأنّ رسالة السماء لم توجّه إلى قومٍ دون غيرهم، وهذا ما أكّد عليه خام الأنبياء(عليهم السلام) بنفسه، حيث وصف رسالته بأنّها عالميّة يجب على جميع الناس أن يؤمنوا بها.
نستشفّ ممّا ذكر أنّ النبيّ الذي يُبعث في تلك الأجواء الدينيّة التي أشار إليها أمير المؤمنين(عليه السلام)، يجب أن يخاطب الناس قائلًا: ما جئتكم به حقٌّ، وكلّ ما يقوله المشبّهة والملحدون والمشركون باطلٌ؛ وهذا الأمر حتميّ ما لم يبادر النبيّ إلى تفنيد معتقدات أتباع سائر الأديان وإثبات صواب معتقداته وحقّانيّة دينه على نحو الحصر، إذ لا يوجد مسوّغ يضطرّ الناس لأن يتخلّوا عن دين آبائهم وأجدادهم ويعتنقوا الدين الذي جاءهم به. هذا الأمر ليس هيّنًا بكلّ تأكيدٍ، فإذا جاء إنسانٌ بمذهبٍ فكريّ جديدٍ في أجواء اجتماعيّة معيّنة، كما لو طرح أفكاره في مجتمع تحكمه أربعة تيّارات فكرية على سبيل المثال، وذكر دليلًا على صواب مذهبه الفكريّ، ودليلًا آخر على بطلان سائر المذاهب الفكريّة، ليعلم أنّه سيواجه - على أقلّ تقدير - ثمانية أدلّة من قبل أتباع هذه المذاهب الفكريّة؛ لأنّ كلّ جماعةٍ منهم مستعدّون لإقامة أدلّة على صواب مذهبهم وسقم مذهب غيرهم؛ لذا ينبغي له أن يناظرهم جميعًا ويواجههم فكريًّا، ولو بلغ عددها 72 مذهبًا يجب عليه أن يقيم 144 دليلًا لأجل أن يثبت حقّانيّة مذهبه رقم 73 باعتباره المذهب المنجي للبشريّة.

إذن، يجب على من يأتي بفكرٍ جديدٍ للبشريّة أن يقيم دليلًا على حقّانيّة فكرة، و 72 دليلًا على بطلان سائر المذاهب الفكريّة؛ إذ بما أنّ الحقّ الخالص لا وجود له إلا في مذهبٍ واحدٍ وسائر المذاهب لا نصيب لها منه، لذا يجب على أتباع هذا المذهب - الفرقة الناجية - تفنيد أفكار كلّ مذهبٍ آخر بأدلّة قطعيّة؛ ومن المؤكّد هنا استحالة إثبات فكر وتفنيد فكر آخر عن طريق الحسّ والتجربة، بل العقل هو السبيل الناجع لكونه على ارتباط بالقضايا الكلّيّة والحقيقيّة وله القدرة على تحليلها فكريًّا، ومن ثمّ يستطيع أن يحكم بصواب كلّ أو بعض معتقدات أحد المذاهب وبطلان معتقدات سائر المذاهب عبر البرهنة والاستدلال. كما أنّ النقل القطعيّ من منطلق ارتباطه بالمعصوم الذي هو على ارتباط بعالم الغيب وبداعي أنّ علمه شامل يعمّ علوم كافّة المذاهب الأخرى، يمكن الاعتماد عليه لإثبات صواب كلّ أو بعض المعتقدات في مختلف المذاهب.

الجدير بالذكر هنا أنّ اليقين المتحصّل من البرهان العقليّ والدليل القطعيّ نادرٌ جدًّا، فقلّما يتمكّن الناس من تحقيق يقينٍ منطقيّ وفلسفيّ على أساس برهان عقليّ؛ كذلك اليقين المتحصّل عن طريق النصّ نادرٌ أيضًا، أي من النادر أن نجد خبرًا متواترًا أو خبر واحد محفوف بقرائن قطعيّة تجعله نصًّا يفيد اليقين.

اليقين لا يتحصّل إلا لدى القلّة من البشر خلافًا للحسّ والتجربة والوهم والخيال والظنّ والقياس الفقهيّ، فهذه الأمور وافرةٌ بين البشر.
السبيل الأمثل لمعرفة الحقّ
لا قدرة لأحدٍ على إدراك الحقّ المطلق، أي ليس باستطاعة شخص أو جماعة فهم كافّة حقائق عالم الوجود لكون وجودهم محدودًا، والكائن المحدود بطبيعة الحال عاجز عن إدراك كُنه اللامحدود والإحاطة به بشكل تامّ؛ لذا ليس بمقدور أحد أن يدرك حقائق العالم قاطبةً وحده أو يعرف الذات الإلهيّة المقدّسة على حقيقتها؛ كذلك لا صواب لرأي من يدّعي أنّ كلّ إنسان قادر على إدراك جانب من الحقّ حسب قابليّاته الشخصيّة، ثمّ زعم أنّ جميع الإدراكات بتنوّعها تعتبر حقًّا وصدقًا لا باطل فيها، إذ لا يوجد تلازم بين القضيّة الأولى (إدراك جانب من الحقّ وفق القابليّات الشخصيّة) والقضيّة الثانية (كلّ إدراك حقّ)، فمن المحتمل أن لا يتمكّن أيّ إنسان كان من إدراك كُنه الحقيقة المطلقة، كذلك من الممكن أن لا يدركها جماعة من الناس؛ لذا لا صواب لاستنتاج أنّ كلّ ما أدركه الآخرون حقٌّ، فلربّما كلّهم على خطأ لكونهم أدركوا شيئًا آخر غير الدين الحقّ، ومن هذا المنطلق لا يمتّ إدراكهم إلى الدين بأدنى صلةٍ.

على سبيل المثال لو أبدى شخصان رأيهما بالنسبة إلى حقيقة البحار والمحيطات، فهل يمكن حينئذٍ ادّعاء أنّهما أدركا حقائقها بالتمام والكمال دون أدنى نقصٍ وخللٍ؟ ولو افترضنا أنّ إنسانًا غار في أعماق البحار والمحيطات وإنسانًا آخر جاب البوادي والقفار الجدباء المحرقة من شدّة الحرّ وتاه في مساحاتها الشاسعة، من الواضح أنّ علم الأوّل بحقيقة البحار والمحيطات مقتصر على ما استطاع استكشافه منها فقط، ومن ثمّ لا يمكنه أن يبدي رأيه إزاءها أكثر من ذلك، في حين أنّ الثاني غير مخوّل بإبداء رأيه بخصوصها على الإطلاق بادّعاء أنّه على علم بجانب من الحقيقة لكونه لم يستكشفها، بل خصّص وقته لاستكشاف البوادي والقفار فحسب.
وكذا هو الحال بالنسبة إلى معرفة حقيقة الدين، فمن لا يعرفه على حقيقته ولم يغر في أعماق بحر علوم القرآن والحديث لا يمكنه بتاتًا أن يقول لمن وفّقه الله لذلك: "أنا أيضًا لدي معرفة بحقيقة الدين"، لأنّه لم يلج في مضمار العلوم والمعارف الدينيّة الأصيلة ولا خبرة له في استكشاف جزئيّات الدين؛ لذا لا يحقّ له ادّعاء أنّه فهمه حسب قابليّاته الشخصيّة، في حين أنّ المسلمين والذين ولجوا في أعماق بحر القرآن والحديث واستقصوا الحقائق الدينيّة وأدركوا تعاليم رسالة السماء، يمكن أن يدّعي كلّ واحدٍ منهم أنّه أدرك جانبًا من حقيقة الدين حسب قابليّاته، إذ من المؤكّد أنّ المعرفة الدينيّة ذات درجات متباينة لكونها مرتبطة بمقدار بحث كلّ إنسان عن الحقيقة واستقصائه لما يرتبط بها.

الله تبارك وتعالى اعتبر الحقّ أمرًا مشتركًا بين جميع المعتقدين بالأصول العامّة للدين وجميع المؤمنين والملتزمين بهذه الأصول حتّى إن اختلفت شرائعهم السماويّة، لأنّ الوجه المشترك بينهم هو الإيمان به عزّ وجلّ؛ إلا أنّ الملحدين وصفهم في كتابه العزيز بالضالّين، حيث قال: (فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ).[23] فحوى هذه الآية المباركة هي أنّ كلّ ما سوى عقيدة التوحيد باطل. كذلك خاطبهم قائلًا: (فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ)،[24] أي ليس أمامكم سبيل غير صراط الدين المستقيم.
بناءً على ذلك ثمّة أناس يوفّقون للسير في سبيل الدين الحقّ ويؤمنون بتعاليمه ويعملون بها، لكن غاية ما في الأمر أنّ بعضهم يتحرّكون في هذا المضمار بسرعة وبعضهم ببطء؛ وكلّ من سواهم تائه ضالّ في مسالك الباطل، ومن هذا المنطلق في بادئ الأمر دعا الله تبارك شأنه الكافرين والملحدين في كتابه الكريم إلى الإذعان للحقّ، ثمّ إن لم يذعنوا فليعلموا أنّهم - حسب التعبير القرآنيّ - في خوضهم يلعبون: (قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ)،[25] أي قل لهم إنّ الله تبارك وتعالى هو المدبّر لشؤون عالم الإمكان من أوّله إلى آخره، ثمّ دعْ أهل الباطل يخوضون (يلعبون) في مضمار الباطل.

الجدير بالذكر هنا أنّ الأحاديث المباركة أكّدت على تعدّد الطرق إلى الحقّ، فقد روي: "الطرق إلى الحقّ بعدد أنفاس الخلائق".[26] فسّر بعض الباحثين هذا الحديث بأنّ كلّ من أدرك شيئًا على أساس تجربته الشخصيّة، فقد أدرك الحقّ.
هذا الكلام يعني أنّ التعدّديّة الدينيّة حقّ، لكنّ هؤلاء غفلوا عن المدلول الحقيقيّ للحديث، فمضمونه في الواقع يتمحور حول المسائل المرتبطة بباطن الدين وليست المرتبطة بأشياء خارجة عن نطاقه.
بيان ذلك أنّ الله عزّ وجلّ ذكر في كتابه الكريم تعاليمَ ضمن سياقين هما:
السياق الأوّل: تعاليم ترتبط بالنطاق الداخليّ للمفهوم العامّ للدين، وفحواها أنّ كلّ دين سماويّ له نصيبٌ من الحقّ يتناسب معه بشكل عامّ.
السياق الثاني: تعاليم ترتبط بقضايا خارجة عن نطاق المفهوم العامّ للدين (أي مرتبطة بمفهومه الخاصّ)، وفحواها أنّ الإسلام فقط دين الحقّ وكلّ ما سواه باطل لا صلة له بالحقّ.
ثمرة هذا الكلام هي أنّ وجود الله تعالى ووحدانيّته حقّ، بينما الشرك والإلحاد باطل.
الشاعر جلال الدين الروميّ والتعدّديّة الدينيّة
يعتقد المفكّرين أنّ الشاعر المعروف جلال الدين الروميّ (مولانا) هو أوّل من وضع حجر الأساس لنظريّة التعدّديّة الدينيّة بأسلوبٍ صائبٍ ضمن قصّة ذكرها في ديوانه "مثنوي"، وهي كالتالي: غرفة مظلمة كان فيها فيلٌ وأربعة أشخاصٍ، وبما أنّهم لم يستطيعوا رؤيته بأعينهم بسبب الظلام الدامس، راحوا يتحسّسون أعضاء بدنه كي يعرفوا ما هو، وإثر ذلك أبدى كلّ واحد منهم برأيه فتعدّدت آراؤهم، حيث لمس الأوّل رجله وقال: "هذا عمودٌ"، والثاني لمس أذنه فقال: "هذه مروحة يدوية"، بينم الثالث مرّر يده على ظهره وقال: "هذا سرير"! رابعهم كان عارفًا يرى الفيل ببصيرة قلبيّة، فخاطبهم قائلًا: "هذا ليس عمودًا وليس مروحةً يدويّةً وليس سريرًا، ولا أيّ شيء من هذا القبيل؛ وإنّما فيلٌ لمس كلّ واحد من منكم أحد أعضاء بدنه فأبدى برأيه حسب ما تحسّسه من هذا اللمس المحدود، لذا كلّكم قلتم الحقّ لكن بما أنّكم لم تشاهدوا البدن بأكمله فقد اختلفت آراؤكم".

ثمّ على أساس هذه القصّة استنتجوا ما يلي: الاختلاف الموجود في معتقدات الناس الدينيّة هو الذي جعل منهم المسلم والمسيحيّ واليهوديّ وغير ذلك، فهو على غرار الاختلاف الذي حدث في تشخيص حقيقة الفيل في الظلام، وهذا يعني أنّ التعدّديّة الدينيّة فكرٌ صائبٌ، حيث تختلف آراء الناس إزاء حقيقة واحدة، لذا كلّ رأي منها يحكي عن جانب من الحقّ.
استدلّ هؤلاء بهذه القصّة على إمكانيّة تعدّد الأديان باعتبار أنّها قاطبةً على حقّ، إلا أنّ استدلالهم باطلٌ، فجلال الدين الرومي لم يعتبر كلّ الآراء التي ذُكرت بخصوص الفيل في الظلام صحيحة كي يدّعى أنّها صائبة وحقّ، بل اعتبرها خاطئة، وقصد بذلك أنّه بما أنّ ثلاثة من الذين كانوا في الغرفة المظلمة لم يسلكوا السبيل الصائب للمعرفة - سبيل العرفاء - لذلك ما عرفوا الفيل على حقيقته، ممّا يعني أن لا أحد منهم على حقّ باستثناء رابعهم - العارف - فهو على حقّ لكونه أدرك أنّ الكائن الموجود في الظلام فيلٌ.
إذن، جلال الدين الرومي أيّد رأي العارف فقط وفنّد آراء الآخرين لكونها خاطئةً برأيه، وقد أراد إخبارنا بأنّ هؤلاء الثلاثة رغم خطئهم لكنّهم معذورون بسبب ظلام الغرفة التي كانوا فيها؛ لكن مع ذلك يجب عليهم السعي لإنارتها كي يتسنّى لهم إدراك الحقيقة على واقعها، لأنّ من يقصد مكانًا مظلمًا ولا يأخذ معه سراجًا يستنير به أو لم يصدّق كلام أصحاب البصيرة والقول السديد، فهو غير معذور.

بناءً على ذلك ينبغي للإنسان أن يسعى للاستفاضة من المعرفة الحقّة اعتمادًا على البراهين القطعيّة المستوحاة من العقل والنقل - القرآن والحديث - ويحصّن نفسه بنورها كي يستطيع معرفة واقع عالم الوجود والفكر السديد والأيديولوجيا الصائبة، وعندئذٍ سيدرك أنّ الحقيقة واحدة ويوقن بوجود صراطٍ مستقيمٍ يقوده إلى معرفتها ويضمن له السعادة المنشودة.

التعدّديّة الدينيّة من زاوية قرآنيّة
ربّما يمكن الاستناد إلى بعض الآيات المباركة لادّعاء وجود تعدّديّة دينيّة، إلا أنّ القرآن الكريم لا يؤيّد هذه النظريّة على الإطلاق.
فيما يلي نسلّط الضوء على سورة "الكافرون" كمثالٍ بخصوص هذا الموضوع:
قال تعالى: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ  لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ  وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ  وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ  وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ  لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ).[27] المقصود في هذه السورة هو أنّ الإسلام دين محترم وذو شأن عظيم عند المسلمين، كذلك سائر الأديان محترمة وذات شأن عظيم عند أتباعها، وكلّ إنسان بإمكانه اختيار الدين والفكر الذي يعجبه؛ لذا كلّ دينٍ وفكرٍ يعدّ حقًّا بالنسبة إلى أتباعه، فهو حقّ بحدّ ذاته عند من يتبنّاه.

الواقع أنّ الهدف الأساس المقصود من هذه الآيات هو رفض التعدّديّة الدينيّة وليس إثباتها، فالله تبارك شأنه لم يقل في هذه السورة على لسان نبيّه الكريم(صلى الله عليه وآله وسلم): "دينكم حقٌّ وديني أيضًا حقٌّ" كي يدّعى صواب تعدّديّة الأديان برؤية قرآنيّة، بل مغزى كلامه تعالى هو تفنيدها، ناهيك عن أنّ سبب نزول هذه السورة هو اقتراح مشركي مكّة، حيث طلبوا من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يعبد المسلمون أوثانهم سنةً ثمّ يعبدون ربّ المسلمين في السنة التالية، وفي السنة الثالثة يعبد المسلمون أوثانهم مرّةً أخرى وفي السنة الرابعة يعبدون إله المسلمين؛ فقد تكرّرت العبارات الخاصّة بالعبوديّة أربع مرّات في هذه السورة المباركة وهي كالتالي: (لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ  وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ  وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ  وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ). هذا التكرار ناظر إلى السنوات الأربعة التي اقترحوها، وفحوى اقتراحهم في الحقيقة تعدّديّة دينيّة.

أكّد الله تبارك وتعالى لنبيّه الكريم(صلى الله عليه وآله وسلم) في القرآن الكريم على أنّ الحقّ إذا خالطه الباطل فسوف يفقد حقّانيّته، لذا يجب أن يكون خالصًا لا تشوبه شائبة باطلٍ على الإطلاق؛ ولو امتزجا مع بعضهما عندئذٍ يصبح الحقّ باطلًا ولا يصبح الباطل حقًّا.

امتزاج الحقّ بالباطل يمكن تشبيهه بامتزاج الماء الآسن بالماء العذب الزلال، حيث يصبح الماء الزلال آسنًا بعد الامتزاج ولا يمكن أن يصبح الماء الآسن زلالًا بهذا الامتزاج على الإطلاق؛ كذلك يمكن تشبيهه بامتزاج المجهول بالمعلوم، حيث يؤثّر المجهول على المعلوم فيصيّره مجهولًا والعكس غير صحيح، أي أنّ المعلوم لو خالط المجهول فهو لا يصيّره معلومًا.

فحوى خطاب الله تبارك وتعالى لنبيّه الكريم(صلى الله عليه وآله وسلم) في سورة "الكافرون" ما يلي: يا أيّها النبي، قل للكافرين إنّ الحقّ لا يتناغم مع الباطل بتاتًا، فلا تتصوّروا أنّ دينكم وديني كلاهما حقٌّ، ثمّ تدّعون أنّكم مخيّرون في انتخاب أيّهما شئتم. لقد اقترحتم عليَّ قبول التعدّديّة الدينيّة لكنّي أرفضها، فأنا لا أقبل دينكم - دين الباطل - وأنتم أيضًا لا تقبلون ديني - دين الحقّ - إثر عنادكم، لذلك (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ).

نستنتج من جملة ما ذكر أنّ سورة "الكافرون" لا تؤيّد نظريّة التعدّديّة الدينيّة على الإطلاق.

تفنيد دلالة الآية 62 من سورة البقرة على التعدّديّة الدينيّة

تمسّك بعض المعتقدين بنظريّة التعدّديّة الدينيّة بالآية 62 من سورة البقرة ليدّعوا أنّ القرآن الكريم اعتبر اليهوديّة والمسيحيّة والصابئيّة أديان حقّ، وأكّد على أنّ اتّباعها يضمن للإنسان النجاة في الآخرة ونيل خير ثوابها، فقد قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)[28].إذن، معيار النجاة استنادًا إلى مضمون هذه الآية هو الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح مهما كان دين الإنسان؛ لذا الناس أحرار في اختيار دينهم، لأنّ كلّ دينٍ ضمن لهم معرفة الحقيقة والسعادة والنجاة في الحياة الآخرة.
بناءً على ذلك ادّعى هؤلاء أنّ أهمّ شيء في حياة الإنسان هو توفير أسس النجاة والسعادة الأخرويّة على ضوء الإيمان بالله والحياة الآخرة والعمل الصالح، ثمّ استنتجوا أنّ هذا هو المقصود من التعدّديّة الدينيّة، فالإنسان مخوّل باختيار الدين الذي يعجبه؛ لأنّ كلّ دين سوف ينجيه في الحياة الآخرة ويمنحه السعادة المنشودة.

تجدر الإشارة هنا إلى وجود آية أخرى مشابهة لمضمون هذه الآية باختلافٍ طفيفٍ، وهي الآية 69 من سورة المائدة[29].
استنتاج هؤلاء من الآية المذكورة خاطئ لكونها في مقام بيان قاعدة كلّيّة فحواها أنّ نجاة الإنسان في يوم القيامة مرهونة بإيمانه بأصول دين خاتم الأنبياء محمّد بن عبد الله(صلى الله عليه وآله وسلم) والعمل بأحكامه، وهذا الدين هو الإسلام طبعًا؛ لذا يمكن تفسيرها كما يلي: كلّ واحدٍ من المؤمنين واليهود والنصارى والصابئة، ثوابه محفوظٌ عند الله تبارك وتعالى ومصونٌ من الخوف والحزن في يوم القيامة إذا كان معتقدًا بالله واليوم الآخر.

الاعتقاد بأصول دين خاتم الأنبياء والمرسلين محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) هي التي تنجي الإنسان، ولا ينجيه الاعتقاد بدينٍ آخر، وذلك لما يلي:
أوّلًا: ذمّ الله عزّ وجلّ أهل الكتاب وأمر المسلمين بقتالهم حتّى يذعنوا لدين الحقّ الذي هو الإسلام المحمّديّ، أو يدفعوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون، فقد قال في كتابه الكريم: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ)[30].

ثانيًا: قال تعالى: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ)[31]. مضمون هذه الآية هو أنّ المسلم فقط سينعم بالنجاة في يوم القيامة، أي الذي يعتقد بأصول الدين الثلاثة ويعمل صالحًا.

الحقيقة أنّ الآية 62 من سورة البقرة تفنّد ادّعاء أنّ التدين وحده كافٍ لنجاة الإنسان في يوم القيامة، أي اعتقاد الإنسان - بسذاجةٍ - أنّه على حقّ؛ فقد أشار تعالى إلى هذا التصوّر الباطل في الآيتين التاليتين: (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا * وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا)[32].

لو ادّعي أنّ الآية أكّدت فقط على الإيمان بالله تعالى ويوم القيامة والعمل الصالح ولم تتطرّق إلى مسألة النبوّة، نردّ على هذا الادّعاء قائلين: عبارة (وَعَمِلَ صالِحًا) تدلّ على أنّ الله تعالى يريد تنبيهنا على شيئين هما:

1) الاعتقاد بالوحي (النبوّة).
2) وجوب العمل بما جاء به نبيّ العصر (حجّة الله في الأرض).
مصطلح العمل الصالح حسب المفهوم القرآنيّ يشير إلى العمل الذي ينسجم مع تعاليم الوحي وما جاء به نبيّ العصر الذي هو حجّة الله في الأرض؛ لذا لا يصدق على الإنسان أنّه استجاب لوحي السماء و"عمل صالحًا" إلا إذا آمن بنبيّ عصره.

إذن، الآية المذكورة تشير إلى الاعتقاد بالتوحيد والمعاد بشكلٍ صريحٍ، وتشير إلى الاعتقاد بالنبوّة بشكلٍ ضمنيّ في رحاب مفهوم العمل الصالح؛ وعلى هذا الأساس لا يمكن الاستناد إليها لادّعاء صواب نظريّة التعدّديّة الدينيّة، أي أنّ رأي الذين استدلّوا بها لإثبات هذه النظريّة وادّعاء أنّ كلّ إنسان حرّ في اختيار الدين الذي يشاء، باطلٌ جملةً وتفصيلًا؛ بل تدلّ على أنّ السبيل الوحيد لنجاة البشر في الحياة الآخرة هو اعتقادهم بأصول الإسلام والعمل بأحكامه.

ثلاثة تفاسير للآية 62 من سورة البقرة
فيما يلي نذكر ثلاثة آراء تفسيرية للآية 62 من سورة البقرة وما فيها من احتمالات على صعيد بيان مدلولها:

الاحتمال الأوّل:
احتمل بعض المفسّرين أنّ الآية تدلّ على ما يلي: المؤمنون واليهود والنصارى والصابؤون نصيبهم النجاة في الحياة الآخرة شريطة أن تتوفّر في دينهم العناصر الثلاثة المذكورة في هذه الآية، والمسلمون هم من تتوفّر في دينهم هذه العناصر في العصر الحاضر، ممّا يعني أنّ كلّ إنسانٍ في أيّ عصرٍ كان إذا اتّبع دين ذلك العصر وحجّة الله فيه وعمل بتعاليم شريعة هذا الدين فهو من الناجين، وثمرة ذلك هي أنّ النجاة كانت من نصيب اليهود عندما اتّبعوا النبيّ موسى(عليه السلام) إلى أن نزل الإنجيل، وكانت من نصيب النصارى عندما اتّبعوا النبيّ عيسى(عليه السلام) إلى أن نزل القرآن الكريم، وكانت من نصيب الصابئة عندما اتّبعوا النبيّ يحيى(عليه السلام).
هذا الكلام صحيح، إذ من المؤكّد أنّ كلّ إنسان يعمل بتعاليم دين عصره ويتّبع حجّة الله في زمانه ستكون النجاة نصيبه، لكنّ الآية ليست في مقام بيان هذا الموضوع، فالقرآن الكريم لا يهدف إلى بيان تكليف الأسلاف، بل بما أنّه كتاب هدى للعالمين فهو يتطرّق إلى بيان تكليف أهل زمانه والأزمنة المستقبليّة، ومن هذا المنطلق عيّن العامل الأساس لنجاة البشر وذكر من يستحقّ النجاة في عالم الآخرة.

تركيب عبارة (مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِر) في الآية المذكورة إنشائيّ وليس إخباريًّا، وبهذا المعنى فالآية توجّه دعوةً عامّةً لمن هم مسلمون في الظاهر والنصارى واليهود والصابئة كي يعتنقوا الإسلام الحقيقيّ.

الاحتمال الثاني:
احتمل بعض المفسّرين أنّ المراد من الآية هو بيان المصداق الحقيقيّ لليهوديّ الذي يتّبع النبيّ موسى(عليه السلام) والمسيحيّ الذي يتّبع النبيّ عيسى(عليه السلام) والصابئيّ الذي يتّبع النبيّ يحيى(عليه السلام)؛ إذ بما أنّ الكتب المقدّسة لهذه الأديان بشّرت ببعثة نبيّ الرحمة محمّد بن عبد الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بصفته خاتم الأنبياء والمرسلين، لذا من كان بحقّ متّبعًا الأنبياء الثلاثة المشار إليهم لا بدّ وأن يؤمن بنبوّة خاتم الأنبياء(صلى الله عليه وآله وسلم) ويعتنق الإسلام دينًا.

هذا الكلام صحيح أيضًا لكنّه لا يتناغم مع المعنى المقصود في الآية المباركة، إذ لو فسّرناها بما ذكر - بيان المصداق الحقيقيّ لأتباع الأديان السابقة - يجب حينئذٍ الإذعان بالآتي:

1) تقدير عبارة "منهم" في قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا) وفي قوله تعالى (مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ)، فنقول: "إنّ الذين آمنوا منهم..." و "من آمن منهم بالله واليوم الآخر". من المؤكّد أنّ التقدير خلاف الظاهر.
2) الآية المباركة حسب ما ذكر في الاحتمال التفسيريّ الأوّل في مقام دعوة أتباع سائر الأديان إلى اعتناق الإسلام كي يسلكوا سبيل الإيمان ويصبحوا كسائر المؤمنين في عصر نزول القرآن والفترة اللاحقة له.

الاحتمال الثالث:
احتمل بعض المقسّرين أنّ الآية المباركة تتحدّث عن الجهلة والقاصرين من اليهود والنصارى والصابئين، أي أنّ جهلهم هو السبب في عدم اعتناق الإسلام، فهم بهذا المعنى قاصرون وليس مقصّرين، لكنّهم مع ذلك متمسّكون بالمبادئ الأخلاقية في حياتهم؛ لذا هؤلاء مصيرهم النجاة في عالم الآخرة وسوف يثيبهم الله عزّ وجلّ.

هذا الاحتمال ليس صحيحًا، لأنّ الجاهل القاصر معذورٌ وليس مأجورًا، أي من الممكن أن لا يُعذّب في عالم الآخرة لكنّه لا ينال ثوابًا، لأنّ المعذورية لا تستلزم الأجر والثواب.

حقّانيّة الأديان والشرائع السالفة
روح الأديان السماويّة حسب التعبير القرآنيّ واحدة؛ لذا الدين واحد لا ثاني له، ومن الأولى أن لا جمع له.

كلّ دين يعدّ حقًّا في عصره، أي أنّ الأديان التي جاء بها شيخ المرسلين نوح وخليل الله إبراهيم وكليم الله موسى وروح الله عيسى(عليهم السلام) كانت حقًّا في عصرها وليست باطلةً، إذ لولا دين النبيّ السابق لما كان لدين النبيّ الثاني أيّ تأثير على الناس، ولولا دين النبيّين الأوّل والثاني لما كان لدين النبيّ الثالث أيّ تأثير على الناس أيضًا؛ وعلى هذا الأساس كلّ دين يعدّ حقًّا في عصره وشريعة كلّ نبي في عصره حقّ.
إضافةً إلى ما ذكر فالمبادئ العامّة للأديان السماويّة - أي التوحيد والنبوّة العامّة والمعاد - لم تتغيّر على الإطلاق، إذ قال تبارك وتعالى في كتابه الكريم: (مُصَدِّقًا لِـما بَيْنَ يَدَيْهِ).[33] خاتم الأنبياء والمرسلين محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) مصدّق للحقّ الذي جاء به النبيّ الذي سبقه، ومسألة التصديق بالحقّ السابق لا تختصّ به، بل الأنبياء الذين سبقوه صدّقوا بعضهم، فالنبيّ عيسى(عليه السلام) صدّق كلّ ما جاء به النبيّ موسى(عليه السلام)، وموسى بدوره صدّق كلّ ما جاء به النبيّ إبراهيم(عليه السلام)؛ فضلًا عن ذلك فقد بشّر كلّ نبيّ بمن سيحمل رسالة السماء بعده، وحسب هذه القاعدة الربّانيّة بشّر المسيح عيسى(عليه السلام) ببعثة الحبيب محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) من بعده.

إذن، لو لم تكن الأديان السماويّة حقًّا، لما صدّق النبيّ اللاحق من سبقه بالنبوّة، ولما بشّر النبيّ السابق بمن سيليه في النبوّة، ونتيجة ذلك هي أنّ كلّ دين سماويّ في عصره حقٌّ.
الجدير بالذكر هنا أنّ المبادئ الجزئيّة في الأديان - الشريعة والمنهاج - تختلف مع بعضها، كالصيام على سبيل المثال، فبعض الأديان شرّعته في أقلّ من شهر بينما الإسلام شرّعه لمدّة شهر كامل؛ ومثل الصلاة، حيث يتوجّه المسلمون في صلواتهم الواجبة نحو الكعبة المشرّفة، بينما أتباع بعض الأديان يتوجّهون نحو قبلة أخرى رغم أنّ الله تبارك وتعالى غير محدودٍ بجهةٍ معينةٍ، فهو ربّ المشارق والمغارب وأينما نولّي وجوهنا فثمّ وجهه الكريم: (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ)[34].

إذن، بما أنّ الله تبارك وتعالى غير محدودٍ بجهةٍ معينةٍ، لذا بإمكان المسلم أن يتوجّه نحو أيّة جهةٍ يشاء وبأيّ شكلٍ كان في الصلواة المستحبة وليست الواجبة، كذلك بإمكانه أن يؤدّيها عن طريق الإيماء برأسه ووجهه، فالربّ الموجود في جهة الكعبة موجود أيضًا في الجهة الأخرى، وموجود في السماوات والأرض: (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ).[35]

نستنتج من جملة ما ذُكر أنّ المبادئ العامّة للدين، أي الأصول العقائديّة والفقهيّة والحقوقيّة والأخلاقيّة ليست عرضةً للتغيير مطلقًا، لذلك لم تتغيّر على مرّ العصور، فقد بعث الأنبياء كافّة لترسيخ مبادئ التوحيد والنبوّة والمعاد وبيان حقائقها لبني آدم، كما وضّحوا لهم المبادئ الأخلاقيّة والاجتماعيّة الأساسيّة مثل قبح الظم ووجوب مقارعته، إذ لم يدّع أحدهم بتاتًا أنّ الظلم حسنٌ ومقارعته قبحٌ؛ إلا أنّ شرائعهم فيها اختلافٌ.

التعدّديّة في باطن الدين (تعدّديّة مذهبيّة)
التعدّديّة تطرح أحيانًا بخصوص حقيقة الدين ثمّ على أساسها تعمّم على الأديان كافّةً، وأحيانًا تطرح بخصوص أحد مصاديق الأديان، وفي هذه الحالة تطرح مسألة المذاهب التابعة لهذا الدين؛ وهنا يأتي الكلام حول التعدّديّة في باطن الدين، ممّا يعني ظهور العديد من المذاهب والفرق من دينٍ واحدٍ إثر تنوّع التفاسير إزاء معتقداته وتعاليمه.

قبول مسألة التعدّديّة في باطن الدين مرهون بمختلف المبادئ التي تتبنّاها المذاهب، فبعض المذاهب تستوعب في مبادئها مسألة التعدّديّة خلافًا لمذاهب أخرى لا تستوعبها، وفيما يلي نشير إلى عددٍ من هذه المبادئ:

1) إذا كانت الركيزة الأساسيّة في فهم الدين هي الاعتقاد بصواب سائر المذاهب وليس تفنيدها، ففي هذه الحالة يمكن استيعاب مسألة التعدّديّة في باطن الدين - تعدّد المذاهب -، لكن إذا كانت الركيزة الأساسيّة تفنيد سائر المذاهب، ففي هذه الحالة ترفض مسألة التعدّديّة في باطن الدين.
بيان هذا الموضوع كما يلي: بعض الناس يعتقدون بحقّانيّة سائر المذاهب في دينهم استنادًا إلى فهمهم الخاصّ لأحكام الشريعة، حيث يدّعون أنّ فهم كلّ إنسانٍ حقٌّ، وهذا يعني أنّ الحقّ ينشأ وفقًا لاجتهاد الإنسان في فهمه، وبالتالي ليس ثمّة حقٌّ متعيّنٌ وثابتٌ مسبقًا.

هذا الرأي يتناسب مع نظريّة التعدّديّة الدينيّة.
لكن إذا أقررنا بأنّ كلّ أمرٍ لا بدّ وأن يستبطن حقيقةً معيّنةً وآمنّا بقدرة الإنسان على معرفة الواقع - رغم احتمال وقوعه في خطأ -، فلا مجال حينئذٍ للقول بالتعدّديّة المذهبيّة؛ لأنّ الفهم الصائب المنطبق مع الواقع واحدٌ فحسب، وكلّ ما سواه باطلٌ.

2) إذا اعتبرنا الحقيقة أمرًا نسبيًّا بحيث تختلف من شخصٍ إلى آخر مع اختلاف الظروف، وادّعينا عدم وجود حقيقة محضة ومطلقة، ففي هذه الحالة يمكن الاعتقاد بوجود تعدّديّة مذهبيّة؛ لكن إذا اعتقدنا بوجود حقيقة محضة مطلقة وليست نسبيّةً وادّعينا قدرة الإنسان على إدراكها، ففي هذه الحالة لا يمكن الاعتقاد بوجود تعدّديّة مذهبيّة.

3) إذا تبنّى العلماء والمفكّرون تفاسير متنوّعة ومتباينة إزاء أحد المذاهب الفكريّة، فهذه التعدّديّة صحيحة شريطة أن تطرح التفاسير بأسلوب منهجيّ صائب ووفق أسس ومبادئ قويمة.

بناءً على ذلك فالذين أمضوا سنوات طويلة في دراسة مواضيع دينيّة على نحو التخصّص، وتتلمذوا عند أساتذة حاذقين لهم رأيهم السديد، ثمّ أصبحوا هم أيضًا حاذقين ذوي رأي سديد وعلى أساس هذه القدرة العلميّة بادروا إلى تحليل وتفسير البراهين العقليّة والقرآن والحديث ليستنتجوا منها ما يرومون معرفته، ففي هذه الحالة تُقبل استنتاجاتهم لأنّها في هكذا حالة لا تختلف إلّا في التفريعات الجزئيّة، وهذا النوع من الاختلاف لا ضير فيه.
الباحثون الذين يتعاملون مع موضوع البحث بأسلوب علميّ قويم، منذ ألف سنة وإلى يومنا هذا ألّفوا المئات من الكتب التفسيريّة والفقهيّة التي تتقوّم على مبادئ كلّيّة مشتركة رغم اختلافها في التفريعات، لذا يحترم المفسّرون والفقهاء آراء بعضهم رغم اختلافهم في عدد منها.

الجدير بالذكر هنا عند حدوث اختلاف جذريّ في الآراء واختلفت الفتاوى مع بعضها على نحو التضادّ بحيث لم تتناسق مع بعضها وفق المبادئ العامّة، فمن المؤكّد في هذه الحالة أنّ أحدها حقٌّ وكلّ ما سواه باطلٌ؛ فقد روي في مصادر الفريقين شيعةً وسنّةً عن النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم): (ستفترق أمّتي على ثلاثة وسبعين فرقةً، منها فرقةٌ ناجيةٌ والباقون هالكون)[36].
الكثير من الطوائف تعتبر نفسها "الفرقة الناجية"، لكن من المؤكّد عندما تحدث مواجهة فكريّة بين العديد من الآراء المتناقضة، فإنّ واحدًا منها حقّ وكلّ ما سواه باطل، ومثال ذلك لو قال أتباع أحد المذاهب إنّ الإمام عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) هو الخليفة الشرعيّ بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ورفض أتباع المذهب الآخر كلامه هذا، أو كما لو قال بعضهم إنّ الضرورة تقتضي كون الخليفة الشرعيّ لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) معصومًا لكنّ الآخرين تبنّوا رأيًا آخر غيره؛ ففي هذه الحالة يوجد رأي واحدٌ حقٌّ وكلّ رأي سواه يعدّ باطلًا.

نستنتج ممّا ذكر أنّ فهم المعارف الدينيّة إذا ارتكز على مبادئ منهجيّة صائبة وتمحور الخلاف بين العلماء والمفكّرين حول مسائل فرعيّة، فمن المؤكّد أنّ واحدًا من الآراء المختلف حولها حقٌّ وكلّ ما سواه باطلٌ في مقام الثبوت وعالم الواقع رغم امتلاكهم الحقّ جميعًا بالاعتراض في مقام الإثبات، بحيث يعمل كلّ واحد منهم برأيه استنادًا إلى الأدلّة التي اعتمد عليها في إثبات صواب ما قال؛ ومن هذا المنطلق قيل لو استنفد الإنسان جهده وفق منهج علميّ قويم، ثمّ تمكّن من استكشاف الواقع سوف ينال أجرين، لكنّه إن لم يتمكّن من استكشاف الواقع رغم هذه الجهود الحثيثة، فله أجرٌ واحدٌ لأنّه استنفد جهده وفق منهج علميّ قويم "للمصيب أجران وللمخطئ أجرٌ واحدٌ".

وإذا لم يتطرّق الإنسان إلى دراسة وتحليل النصوص الدينيّة بجدّ واجتهاد اعتمادًا على منهج علميّ قويم، فهو عندما يخطئ لا ينال أيّ أجرٍ، بل لا يعدّ معذورًا في خطئه بحيث يتحمّل وزرًا وإثمًا.
إذن، التعدّديّة المذهبيّة سببها تنوّع الاستنتاجات واختلاف الآراء، لذا إن توصّل الباحث إلى رأيه وفق منهج علميّ قويم ولم يتوانَ في السعي لاستكشاف الحقيقة، يعدّ رأيه حجّةً بالنسبة إليه، ثمّ لا يعذّبه الله تبارك وتعالى حتّى إذا كان مخطئًا؛ لكن إذا توصّل إلى رأيه دون أن يجدّ ويجتهد ولا يسعى بأسلوب صائب لاستكشاف الحقيقة، بحيث أذعن للباطل عالمًا عامدًا ومقصّرًا، فقد اشترى جهنّم بفعله هذا.

فيما يلي نذكر ملاحظتين على صعيد ما ذكر:
الملاحظة الأولى: التعدّديّة الدينيّة تتبلور أحيانًا في باطن مذهبٍ واحدٍ وفي أحيان أخرى تتبلور على صعيد عدّة مذاهب بحيث تعود في أساسها إلى دينٍ واحدٍ، مثل مذاهب الشيعة والأشعريّة والمعتزلة.
الملاحظة الثانية: كما أنّ الاختلاف بين علماء مذهب واحد لا ضير فيه، كذلك لا ضير في حدوث اختلاف بين عدّة مذاهب، وكما ذكرنا آنفًا لو كان الباحث قاصرًا وليس مقصّرًا لا يمكن ادّعاء أنّ مصيره جهنّم فيما لو تبنّى رأيًا باطلًا، إذ ليس ثمّة قاعدة تقول إنّ كلّ من قال باطلًا يستحقّ عذاب جهنّم، فلربّما يكون معذورًا، وقد وصف الله تبارك شأنه من كان معذورًا بقوله: (وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ).[37] فهو قد يستحقّ رحمة الله تعالى ولطفه.

جواز التعدّديّة في المذاهب والعلوم
تنوّع الاستنتاجات إزاء العلم (الطبيعة) والمذاهب وأحكام الشريعة يعدّ أمرًا مقبولًا، وثمّة سببان أساسيّان في جواز هذا النوع من التعدّديّة والتسامح إزاءه، هما:
السبب الأوّل: الذين يتوصّلون إلى نتائج متنوّعة لديهم علم بالمبادئ الأساسيّة، بحيث أمضوا سنوات مديدة في مضمار دراساتهم وبحوثهم العلميّة، وإثر ذلك امتلكوا ثروةً علميّةً تؤهّلهم لأن يستدلّوا على ما يريدون إثباته وفق منهج معتبر وقويم.

السبب الثاني: أصحاب الآراء المختلفة متّفقون على الكثير من المبادئ الأساسيّة، بحيث يعتبرونها منطلقات ارتكازيّة ومشتركات فكريّة، لكنّهم يختلفون في القضايا الفرعيّة؛ لذا من لا يتوفّر فيه هذان الشرطان، آراؤه بكلّ تأكيد تختلف في مبادئها الأساسيّة مع ما يتبنّاه سائر المفسّرين والفقهاء كما تختلف من حيث المنهجيّة. مثال ذلك طبيبان يختلفان في الرأي إزاء أحد الأمراض، لكنّهما في رحاب الاعتماد على المبادئ الأساسيّة في علم الطبّ من الممكن أن يتوصّلا إلى رأي مشترك فيما بعد لكونهما يعتقدان بهذه المبادئ ويتّبعان المنهج العلميّ القويم في علم الطبّ، لكن من لم يدرس علم الطبّ لا يمكنه مطلقًا أن يتوصّل إلى رأي مشابه لما توصّلا إليه لكونه لا يتقن مبادئ علم الطبّ الذي لم يدرسه من الأساس كذلك لا يمكنه تحليل طبيعة المرض وفق منهج علميّ قويم.

ضرورة مراعاة جانب الاحتياط
لا يكفي الإنسان في فهم حقيقة الدين أن يعتمد على منهجيّة قويمة فحسب، بل إلى جانب ذلك يجب أن يكون حرًّا في فكره شريطة أن يسلك السبيل الفكريّ الصحيح دون أن يتجاوز حدود العقل والنقل، فهو في الحقيقة ليس كائنًا مطلق العنان، بلّ حرٌّ، والحرّيّة مستحسنةٌ بكلّ تأكيدٍ وتختلف بالكامل عن الجموح.
الإمام عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) وأهل البيت(عليهم السلام) كانوا أحرارًا، ولم ولن تشهد الدنيا حرًّا حقيقيًّا كالإمام الحسين(عليه السلام)، كذلك لم يظلموا أحدًا على الإطلاق ولم يذعنوا لظلم ظالمٍ، لكنّهم التزموا جانب الحيطة والحذر وقيّدوا أنفسهم، لذا أمرونا بأن نقيّد أنفسنا، وهذا يعني رفضهم إطلاق العنان لجموح النفس.
روي عن أمير المؤمنين(عليه السلام) في هذا السياق: "أخوكَ دينُكَ، فاحتَطْ لدينكَ بما شئتَ".[38] الاحتياط بمعنى إيجاد حائط، لذا ينبغي للإنسان أن يشيّد حائطًا يطوّق به دينه، فالمحتاط هو من يفعل ذلك.

كذلك روي عن الإمام جعفر الصادق(عليه السلام): "لكَ أنْ تنظرَ الحزمَ وتأخذ الحائطَ لدينكَ".[39]
المزارع الذي يعرف أهمّيّة مزرعته وقيمة ثمارها فهو بطبيعة الحال يحوطها - بأسلاك شائكة على سبيل المثال - كي لا يدخلها الغرباء وينهبوا ما أثمرت، وكذا هو حال الإنسان المحتاط، حيث يحوط دينه كي لا يدخل حريمه أحدٌ، لأنّ دين كلّ إنسانٍ ثمرة وجوده، لذا يجب أن يحوطه كي لا تُنهب ثماره.

الاحتياط يحصّن الإنسان، لذا كلّ من امتلك إيمانًا بسعي حثيثٍ، فهو على غرار المزارع الذي أثمر زرعه، وعلى هذا الأساس يحوّط دينه لأجل أن يصون ثماره.
إذا أراد الإنسان انتهاج السبيل القويم فلا بدّ أن يمرّن نفسه، ومن المؤكّد أنّ الصلاة والصيام أفضل تمرين؛ ولو أراد معرفة الأسرار الإلهيّة فيجب أن لا يفكّر بشيءٍ ولا يذكر شيئًا سوى اسم الله تعالى، وإن لم يفعل ذلك فسوف يتراكم على مرآة روحه غبار ذكر غير اسمه تعالى ثمّ لا ينال منه معرفةً بعالم الوجود ولا بأسراره.

لو مرّن الإنسان نفسه بالعبادة الحقّة سوف تفنى روحه في نور الحقّ الإلهيّ ولا يرغب في كلّ ما سواه، بل لا يطيق شيئًا آخر غيره، وحينها تنبعث في روحه الكثير من الأسرار المقدّسة؛ لذا إن أراد حقًّا الاستفاضة من نور الحق تبارك وتعالى الذي هو (نُورُ السَّماواتِ والأَرْضِ)،[40] فلا سبيل له سوى أن يوجّه قلبه نحوه ويعبده بإخلاصٍ.

العرفان والتعدّديّة
حينما ينظر الإنسان إلى عالم الوجود من زاوية عرفانية فهو يرى ما فيه من حسنات وبركات، كذلك يرى ما فيه من سيّئات وشرور، لكنّه يعتبرها قاطبةً حسنًا وجمالًا.
يا ترى هل تعدّ هذه النظرة إلى عالم الوجود مؤشّرًا على تناسق السلوك العرفانيّ مع نظريّة التعدّديّة الدينيّة؟ نقول في الإجابة عن هذا السؤال: القول بتناسق العرفان الذي يرى الإنسان في رحابه الكون جميلًا بكلّ ما فيه مع التعدّديّة الدينيّة، مجرّد مغالطة في مضمار التكوين والتشريع، لأنّ رؤية عالم الوجود جميلًا في الواقع رؤية عرفانيّة لعالم التكوين، فالعارف من منطلق اعتقاده بأنّ العالم من آثار الربّ الجميل وبفضل معرفته بأسرار هذا العالم، يرى أنّ كلّ ما فيه متناسق وجميل؛ لكن في مقام التشريع ينظر إلى كافّة معارف الوحي وحقائقه من جنّة وجهنّم وفي هذا السياق يدرك أوامر الله تبارك شأنه ونواهيه، وفي الحين ذاته يعتبر نفسه ملزمًا باتّباع هذه الأوامر واجتناب كلّ معصية، لذا ينشأ لديه شوق بالجنّة فيسعى جاهدًا لأن يصبح من أهلها، كذلك تنشأ لديه خشية من جهنّم، فيسعى جاهدًا لصيانة نفسه من العقاب الإلهيّ، وعلى هذا الأساس يميّز بين المطيع والعاصي من الناس ويميّز بين المؤمن من جهة والكافر والمنافق من جهة أخرى.

الفقه العبوس والعرفان الجميل
يتساءل بعض الناس قائلين: هل يتعيّن إسلام الإنسان عبر امتثاله لأحكام الفقه العبوس؟ أليس تقديس الجمال شرطًا لإسلام الإنسان وعبادة الله عزّ وجلّ؟
الله تعالى جميلٌ وقد خلق كلّ شيءٍ جميلًا، وبما أنّ عالم الوجود جميلٌ؛ لذا يجب على الإنسان أن يسلك نهج هذا الجمال ولا يعتمد فقط على شيءٍ عبوسٍ، أي يجب أن لا يستند إلى الفقه وحده.
نقول في بيان ما ذكر: صحيح أنّ الله تعالى جميل وقد خلق العالم جميلًا أيضًا، ويجب على الإنسان أن ينتهج نهج الجمال، لكنّ جماله كامنٌ في عقله وليس في حواسّه المادّيّة؛ لأنّ الله عزّ وجلّ يصوّر الجمال للبشر على ضوء إدراكهم له ولنتائجه بشكلٍ صائبٍ وانعكاسه في أعمالهم.

الجدير بالذكر هنا أنّ الجمال على نوعين، محسوس ومعقول، وقد خلق الله تعالى كلّ شيءٍ جميلًا؛ لذا يجب على الإنسان أن يعرف الدين ويؤمن بتعاليمه ويعمل بأوامره في رحاب هذا الجمال بمعيار عقله وقلبه، وممّا روي عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في هذا السياق: «إيّاكم وخضراء الدِّمَن»، فقيل له: يا رسول الله، ما خضراء الدِّمَن؟ قال: «المرأة الحسناء في منبت السوء»[41]. قصد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) الفتاة الجميلة التي نشأت وترعرعت في أسرة غير متديّنة، فهي كالوردة النابتة في مزبلةٍ، لذا يجب الابتعاد عنها. هذا النوع من الجمال لا يستسيغه العقل، لأنّه جمال ظاهريّ يستبطن قبحًا؛ فمن كان جميل المظهر قبيح الباطن هو في الواقع منافق اجتمع فيه جمالٌ ظاهر وقبحٌ باطن، ولا يمكن للإنسان أن يعيش مع منافق، إذ من ميزات المنافق جمال ظاهره وقبح باطنه، وإذا عاشره الإنسان فهو في الحقيقة يرتبط بجمالٍ مسمومٍ.
المجرم - المنافق - في المصطلح القرآنيّ أشدّ وطئًا على البشريّة من العقارب والأفاعي؛ لأنّ هذه المخلوقات المخيفة يدلّ ظاهرها على باطنها، بينما المنافق إنسان في ظاهره وأفعى في باطنه، لكن يعاشره الناس لكونه واحدًا منهم فينفث سمومه فيهم، لذا معاشرته تسمّمهم.

الإسلام دينٌ جميلٌ ويدعو الناس إلى حبّ الجمال، لذا اعتبر بلال الحبشيّ - الموحّد - جميلًا رغم سواد بشرته، وفي الحين ذاته قبّح الكثير من الرومانيّين البيض إثر إلحادهم.

الأحاديث والروايات المباركة ذكرت معيار الجمال، فقد رُوي «جمال الرجال في عقولهم».[42]
وأمّا بالنسبة إلى رأي من اعتبر الفقه عبوسًا، نقول: القرآن الجميل الذي اعتبره الله تعالى أجمل كلام «اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثَ»،[43] زاخر بالأحكام الفقهيّة مثل حرمة النظر إلى غير المحارم ووجوب ستر المحرم نفسه عمّن ليس محرّمًا له.

الله تعالى أكّد على عدم وجود كلام أجمل وأكثر جاذبيّةً من كتابه المجيد، وهذا الكتاب المبارك خاطب المؤمنين: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ)[44].

ذات مرّةٍ أراد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يختبر من حوله، لذا سأل عن أجمل زينة للمرأة، فأجابه كلّ واحدٍ حسب رأيه، إلا أنّ السيّدة فاطمة الزهراء قالت له إنّ زينة المرأة في عدم اختلاطها مع غير المحارم[45].

إذن، حينما يتمّ التأكيد على وجوب حجاب المرأة وضرورة مراعاة حدود العفاف والطهارة، وعندما يتمّ التأكيد على ضرورة عدم الاختلاط بين الأولاد والبنات في المدارس، فالهدف هو الحفاظ على العفاف والرقيّ بالفضائل الروحيّة وصيانة حرمة المرأة، وهذا ما دعا إليه القرآن الكريم؛ لذا لا تعدّ هذه المبادئ من آراء الفقهاء كي يدّعى أنّ الفقه عبوس.

كذلك قرآننا الجميل وصف الإسلام بأنّه دين جامع وكامل، وخاطب المسلمين قائلًا: بإمكانكم الارتباط مع كافّة البشر وفق مبادئ إنسانيّة مشتركة، ولكم الحقّ في أن تعاشروهم بسلمٍ وأمانٍ دون أن يطالهم منكم أذى، لذا تعاملوا معهم بعدلٍ إلا من أراد الاعتداء عليكم أو إسقاط حكمكم، فمن يفعل ذلك منهم لا حيلة لكم سوى الدفاع عن أنفسكم، ودفاعكم أمرٌ معقولٌ.

نتائج نظريّة التعدّديّة الدينيّة
الاعتقاد بالتعدّديّة الدينيّة تترتّب عليه آثار مختلفة نذكر منها ما يلي:
1) نسبيّة الأخلاق
من يعتقد بالتعدّديّة الدينيّة لا محيص له من قبول التعدّديّة الأخلاقيّة، ومن المؤكّد أنّ النتيجة التي تترتّب على ذلك هي وجوب الاعتقاد بكون الأخلاق أمرًا نسبيًّا، ونسبيّة الأخلاق معناها عدم قبول مسألة ثبات المبادئ الأخلاقيّة؛ لذا يمكن لكلّ قومٍ أن يتبنّوا أخلاقًا خاصّة بهم، وكلّ فردٍ حينئذٍ تصبح الأخلاق بالنسبة إليه ذات مدلولٍ خاصٍّ.

2) نسبيّة الفهم
النتيجة الأخرى التي تترتّب على الاعتقاد بالتعدّديّة الدينيّة هي حدوث نسبيّة على صعيد الفهم وفق مداليل متنوّعة، وقد تطرّقنا إلى بيان هذا الموضوع سابقًا.

ارتباط الوحي والتجربة الدينيّة بنظريّة التعدّديّة الدينيّة
يا ترى ما المقصود من تجربة الدين؟ هل يمكن اعتبار الوحي تجربةً دينيّة؟
هنا عدّة مواضيع ينبغي تسليط الضوء على كلّ واحدٍ منها بأسلوبٍ تحليليّ وبيانه بشكلٍ مستقلٍّ كي لا يحدث خلطٌ بينها وبين مواضيع أخرى.

يقول بعض الباحثين: إذا اعتمد الإنسان على التجربة الدينيّة لتفسير المسائل الدينيّة بحيث اعتبر التديّن ثمرةً لخوضه تجارب على صعيد مظاهر الحقيقة التامّة - التي نعتبرها حقيقةً غائيّةً متمثّلةً بالله عزّ وجلّ - بإمكانه الاعتقاد بالتعدّديّة الدينيّة[46].
كذلك يقولون: جوهر الدين في باكورة ظهور الإسلام كان عبارةً عن نمطٍ من السلوك الدينيّ - تجربة دينيّة - وليس اعتقادًا بعددٍ من القوانين[47].

يقولون أيضًا: الذين يبدؤون دراساتهم بخصوص الدين انطلاقًا من التجربة الدينيّة، ينظرون إلى جميع الأمور من زاوية تجريبيّة وبما في ذلك الوحي المنزل على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، حيث يعتبرونه تجربةً دينيّة عليا حسب تفسيره الصحيح[48].

كما يقولون: الأنبياء كانوا هداةً علّموا الناس الأسلوب الصحيح لتفسير التجربة الدينيّة، وهذا هو معنى هداهم ومعنى عقيدة التوحيد[49].

هؤلاء يعتبرون الوحي تجربةً دينيّة، وعلى هذا الأساس يتناسق مع ما يطرح في نظريّة التعدّديّة الدينيّة، إلا أنّ رأيهم باطل بكلّ تأكيد، وفيما يلي نفنّده ضمن بيان عدّة مسائل مرتبطة بموضوع البحث:

أوّلًا: أقسام اليقين
اليقين على قسمين هما كالتالي:
- علميّ
- سيكولوجيّ
اليقين العلميّ يناله الإنسان على صعيد مسائل الرياضيّات التي إمّا أن تكون واضحةً أو توضيحيّةً، مثل المسألة الثابتة "2+2 = 4"، فهذه المسألة واضحة؛ وإمّا أن تكون على هيئة معادلات معقّدة تختم في نهاية المطاف بمسائل رياضيّة واضحة مثل مسألة  "2+2 = 4"، إذ ما لم تختم بهذه المسائل البديهيّة فهي لا تمنحنا يقينًا.

إذن، لو أردنا تحصيل اليقين بخصوص موضوعٍ ما، يجب أوّلًا أن نسعى لاستكشاف مجاهيله، وحينها لا بدّ وأن تُختم كافّة المعلومات النظريّة بمعلومات بديهيّة.

هذا النوع من اليقين علميّ يمكن الاعتماد عليه.
اليقين السيكولوجيّ ينشأ من التلقين، فلو تمّ تلقين أحدهم شيئًا ما عدّة مرّات سوف ينشأ لديه اعتقاد بشكل تدريجيّ ثمّ يتصرّف على أساس اعتقاده اليقينيّ هذا؛ وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ هذا النوع من التلقين خارج عن نطاق بحثنا.

اليقين العلميّ على قسمين، أحدهما بيّن (واضح) والآخر مبيَّن يجب أن يتّضح بمعونة البديهيّ مثل قضيتي "الأربعة عددٌ زوجيّ" و "الخمسة عدد فرديّ"، فأمثال هذه قضايا تعدّ بديهيّة لا تستوجب الاستدلال، وحتّى إذا أقيم دليل عليها فإلى جانبه يوجد مدلول، لذا يُقال "الأربعة عدد زوجيّ"؛ لأنّه قابل لأن ينقسم إلى عددين متساويين، إذ كلّ ما يمكن أن يقسم إلى عددين متساويين فهو زوج.

إذن، العدد أربعة زوجٌ، وهذا دليل موجود إلى جانب ذلك المدلول، ممّا يعني أنّ اليقين العلميّ يجب أن يعود إلى أمر بديهيّ.
أوّل قضيّة بديهيّة هي "استحالة اجتماع النقيضين"، بمعنى امتناع اجتماع وجود الشيء وعدمه، مثلًا يستحيل أن يكون (ألف) بذاته (ألف) وفي الوقت نفسه ليس بـ (ألف)، وهذه الاستحالة تعدّ أمرًا بديهيًّا.
كلّ القضايا العلميّة اليقينيّة يجب أن تعود في أصلها إلى أمرٍ بديهيّ، وعندئذٍ يتّضح لنا أن لا داعي لأن يسأل سائل: ما السبب في استحالة كون القضيّة (ألف) بذاتها (ألف) وفي نفس الوقت ليست بـ (ألف)؟ السبب في عدم صواب طرح هذا السؤال هو عدم جواز السؤال عن البديهيّ، ولو سأل أحدهم عن أمرٍ بديهيّ فهو لم يدرك الموضوع بشكل صحيح، لذا يجب إرشاده إلى الحقيقة.

ثانيًا: أقسام العلم
العلم على قسمين هما:
- حصوليّ (مكتسب)
- حضوريّ (فطريّ)
العلم الحصوليّ هو العلم الذي لا يكون المعلوم فيه ذات الحقيقة، بل مجرّد مظهر لها، لذا لا تترتّب عليه آثارها الخارجيّة؛ فإذا اتّضح لنا مفهوم شيءٍ ما، فالعلم به حصوليّ.

العلم الحضوريّ هو العلم الذي يكون المعلوم فيه ذات الحقيقة، لذا تترتّب عليه آثارها، وبيان ذلك كما يلي: إذا نشأ لدينا علم بوجود شيء، فهذا علم حضوريّ، مثل العلم الذي تمتلكه النفس بوجودها.
كما لدينا علم حصوليّ يقينيّ لا يشكّك به أحدٌ، مثل القضايا التالية: "إثبات الشيء لنفسه ضروريّ" و "سلب الشيء من نفسه محال" و "ألف هو ألف" و "ألف لا يمكن أن يسلب من ذاته"، فهذه القضايا مكنونة في أنفسنا على نحو العلم الحضوريّ اليقينيّ الذي لا يشكّ به أحدٌ على الإطلاق مثل علم الإنسان بوجود نفسه، لأنّ العلم بها حضوريّ شهوديّ، لذا حتّى إذا جهل بحقيقة نفسه فهو مع ذلك عالم بوجودها.

الجدير بالذكر هنا أنّ الرؤى المناميّة تعدّ جزءًا من العلم الحضوريّ؛ لكونها تراود نفس الإنسان ولا تأتيه عن طريق عينيه أو أذنيه، لأنّ قابليّاته الإدراكيّة تتوقّف عندما يخلد إلى النوم، وفي هذه الحالة ينظر إلى الأشياء بعين القلب؛ لكن مع ذلك قد يرى أضغاث أحلام، أي يرى أشياء منبثقة من باطنه ومن ذاكرته.

ثالثًا: حقيقة الوحي
الوحي من سنخ العلم الحضوريّ وهو أعلى وأكمل درجة من درجاته، حيث يتمكّن الإنسان في رحابه من معرفة الواقع بكلّ وجوده.

ويمكن تعريفه كما يلي: عبارة عن مشاهدة حقيقة يتقوّم بها وجود الإنسان.
الإنسان على ضوء علمه الحضوريّ الخالص يدرك قوام وجوده، أي يدرك حقيقة الله تعالى وكلامه، كما يدرك حقيقة نفسه، فهو في الواقع تحصيلٌ، لذا عندما يناله النبيّ ينشأ لديه يقين بأنّ ما حصل عليه وحي؛ ومن هذا المنطلق لا يعتبر من سنخ التجربة الدينيّة كي يدّعي أحد ضرورة تكرار المشاهدة فيه وحتميّة تلازمه مع الشكّ في بادئ الأمر.

لبيان ما ذكر نقول: التجربة تمنح الإنسان يقينًا بشرطين، أوّلهما تكرار المشاهدة وثانيهما وجود قياس خفيّ كامن في باطن التجربة، وذلك أنّ التجربة (المشاهدة) بعد أن تتكرّر في موارد كثيرة يتّضح للمجرّب أنّ وجود ارتباط بين الموضوع والمحمول يعدّ أمرًا ضروريًّا وثابتًا، بحيث لم يحدث عن طريق الصدفة لكون ما يحدث صدفةً ليس متكرّرًا بكثرةٍ وليس دائميًّا؛ وبما أنّ ترتّب كلّ أثرٍ على مبدئه دائميّ وليس من سنخ الصدفة، فالارتباط بين الموضوع والمحمول ضروريّ وحتميّ ولا يحدث عن طريق الصدفة.
إذن، التجربة لا تمنح الإنسان يقينًا إلّا إذا أدرك شيئًا معيّنًا عن طريق التكرار، في حين أنّ الوحي في غنى عن التكرار، حيث يوجد للموحى إليه يقينًا علميًّا شهوديًّا منذ اللحظة الأولى لنزوله.

الشيخ محمد بن يعقوب الكلينيّ (رحمه الله) نقل في كتاب "الكافي" رواية عن شخص سأل الإمام جعفر الصادق(عليه السلام): ... قلت: أصلحك الله كيف يعلم [النبي] أنّ الذي رأى في النوم حقّ وأنّه من الملَك؟ قال: "يُوفَّق لذلك حتّى يعرفه...".[50] إنّه توفيق إلهيّ حقًّا، فكما أنّ الإنسان يدرك وجود نفسه شهوديًّا بشكلٍ لا يحتمل الخطأ بتاتًا، كذلك يدرك كلام الله تبارك شأنه بهذا الشكل بحيث لا يشكّ به على الإطلاق؛ لأنّ إدراك حقيقة الوحي أعلى درجةً من إدراك وجود النفس.

رابعًا: حصانة الوحي من الخطأ
حينما يتلقّى النبيّ وحي السماء فهو يدرك الحقيقة على واقعها؛ لذا لا يكتنف ذهنه أيّ خطأ على الإطلاق، لأنّ الخطأ يحدث عند وجود باطلٍ، كذلك الشكّ إزاء أيّ موضوع لا يحدث إلّا عند تصوّر وجود شيءٍ آخر غير الحقّ في هذا الموضوع؛ بينما وحي السماء منزّه من الباطل بالتمام والكمال، لذا لا يمكن تصوّر حدوث خطأ أو شكّ فيه.

من أبرز خصائص الوحي المنزل على نبيّنا الأكرم محمّد بن عبد الله(صلى الله عليه وآله وسلم) تنزّهه من الشبهة والخطأ في ثلاث مراحل هي كالتالي:
1) مرحلة استلام كلام الله عزّ وجلّ.
2) مرحلة حفظ كلام الله عزّ وجلّ.
3) مرحلة نقل كلام الله عزّ وجلّ للناس إلى الناس.

وقد أكّد البارئ تبارك وتعالى في كتابه الكريم على هذه المحاور الأساسيّة في صيانة الوحي المنزل على خاتم الأنبياء(صلى الله عليه وآله وسلم)، حيث قال: (وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ).[51] النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) يعدّ معصومًا عند تلقّيه الوحي من "لَدُنْ" الذات الإلهيّة المقدّسة، لأنّ لَدُنِيّة البارئ عزّ وجلّ لا يكتنفها أيّ شكّ وخطأ على الإطلاق، إذ يقع الإنسان في فخّ الشكّ والخطأ عند وجود حقّ وباطل بحيث لا يعرف ما إن كان ما لديه حقٌّ أو باطلٌ؛ لكن عندما لا يوجد أيّ مجال للباطل ففي هذه الحالة لا مجال لافتراض الشكّ، وبما أنّ "لَدُنْ" الذات الإلهيّة المقدّسة هي منشأ الوحي، لذا لا وجود للباطل فيه بتاتًا، ومن ثمّ لا يمكن تصوّر أيّ خطأ فيه.

النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) معصوم أيضًا على صعيد حفظ مضمون الوحي، وفي هذا السياق قال تعالى: (سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى)،[52] أي سنقرأ لك الوحي وسوف لا تنساه.
كذلك هو معصوم على صعيد إبلاغ وحي السماء للناس، حيث قال تعالى مؤكّدًا على هذه الحقيقة: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى  إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى).[53]
الجدير بالذكر هنا أنّه كما أنّ نبيّنا الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) معصوم من الشكّ والخطأ في كافّة مراحل الوحي، فهو قطعًا معصوم من ارتكاب الذنوب والمعاصي بأيّ نحوٍ كان، وهذا ما أكّد عليه الرّب الكريم في كتابه الحكيم حينما قال إنّه لا ينطق عن الهوى، وإنّما كلّ ما يقوله وحي.

نستنتج من مجمل ما ذكر أنّ الوحي عبارة عن معرفة تنشأ لدى الأنبياء(عليهم السلام) عن طريق شهود الحقيقة، وهم مصونون في كلّ أفعالهم وأقوالهم من السهو والنسيان والعصيان.

خامسًا: معنى التجربة الدينيّة
ذٌكرت العديد من الآراء لبيان معنى التجربة الدينيّة، منها
1) تجربة أمرٍ مقدّسٍ - تجربة الله - كحقيقة مقصودة، وهذه التجربة تحدث بأشكال عديدة[54].
2) شعور دينيّ يتصوّر الإنسان على أساسه بأنّه مرتبط بموجودٍ متعالٍ، وفي هذا السياق ادّعى الفيلسوف الغربيّ شلايرماخر أنّ التجربة الدينيّة ليست من سنخ التجارب العقليّة أو المعرفيّة، بل عبارة عن شعور بالاعتماد التامّ والمطلق على مبدأ أو قدرة فيما وراء هذا العالم[55].
3) انفتاح نافذة من عالم الغيب على الإنسان، وهذه الحالة يمكن تشبيهها بالمريض الذي لا يأمل الأطبّاء شفاءه لكنّه يشفى بفضل دعائه وتوسّله بالله عزّ وجلّ أو بفضل دعاء وتوسّل غيره؛ بل يمكن تشبيهها بكلّ دعاءٍ مستجابٍ.
4) حالة الكشف والشهود التي يوفّق لها العرفاء إزاء الذات الإلهيّة المقدّسة.
5) تجربة المعارف والحقائق المذكورة في النصوص الدينيّة.

سادسًا: التجربة الدينيّة للمتديّن
التجربة الدينيّة التي يتحدّث عنها بعض المفكّرين إنّما تصدق على أتباع دينٍ ما وليس على النبيّ المعصوم الذي جاء به من عند الله سبحانه وتعالى؛ لأنّ الأنبياء يدركون حقيقة الدين عن طريق الوحي وليس بالتجربة؛ بينما من الممكن أن يجرّب المتدينون مسائل دينيّة، وقد تحدّث الله عزّ وجلّ في كتابه الكريم عن بعض المسائل والمعارف التي جرّبها ويجرّبها المتديّنون مرارًا، فعلى سبيل المثال ذكر قاعدةً عامّةً على الصعيد العسكريّ في قوله تعالى: (كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ).[56] المقصود في هذه الآية هو أنّ الإنسان لو سلك نهج الجهاد في سبيل الله تعالى سوف تنشأ لديه تجربة فحواها أنّه في كثير من الأحيان تتمكّن فئة قليلة من أتباع الحقّ أن تلحق الهزيمة بفئة كبيرة من أتباع الباطل. هذه التجربة ربّما تحدث في عصرنا الحاضر أيضًا للمسؤولين العسكريّين وقواتهم.
الحروب العديدة التي فرضت على المسلمين في عصر صدر الإسلام، منحتهم تجربة أساس فحواها أنّهم لو عملوا بتعاليم دينهم سيكون النصر حليفهم سواءً أكان عددهم أقلّ من الأعداء أو أكثر. هذه تجربة دينيّة على صعيد المسائل العسكريّة، وهي طبعًا من سنخ التجارب الحسّيّة، وليست من سنخ الوحي والشهود الباطنيّ؛ فالتجارب الحسّية والتأريخيّة وغيرها لا تشابه وحي الأنبياء الذي هو عبارة عن شهودٍ من سنخ العلم وليس العمل.

من الأمثلة القرآنيّة الأخرى على مسألة التجربة الدينيّة، الدعاء والتهجّد والعبادة، فقد قال تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ).[57] ثمّة قاعدة عامّة فحواها أنّ الله عزّ وجلّ يستجيب دعاء عباده حينما يتضرّعون إليه طالبين قضاء حوائجهم، فهي تدلّ على وعدٍ إلهيّ دائمٍ، لذا يمكن للناس تجربتها في كلّ عصرٍ.
الشيخ البهائي (رحمه الله) قال في كتابه "الأربعين": "جرّبت مرارًا أنّ الـمَدين إذا قرأ الدعاء التالي يوفّى دينه (اللّهمّ أغنني بحلالكَ عن حرامكَ وبفضلكَ عمّن سواكَ)،[58] وهناك من جرّب غيره".
هذا النوع من التجربة على غرار سائر التجارب الحسّيّة والتأريخيّة وغيرها من حيث عدم تشابهها مع شهود الأنبياء حينما يتلقّون وحي السماء على الرغم من إمكانيّة شمول التجربة الدينيّة كافّة التجارب الحسّيّة والتأريخيّة والعسكريّة والاقتصاديّة وما شاكلها، فحسب الوعد الغيبيّ من الممكن أن تحدث أمور من حيث لا يحتسب البشر ومن ثمّ يصبح الصعب الشاقّ سهلًا يسيرًا مثل شفاء مريض يئس الأطبّاء من علاجه، وما إلى ذلك من حالات أخرى.

ومن المصاديق الأخرى للتجربة الدينيّة تحقيق أهدافٍ وعد الله تعالى المؤمنين بها في كتابه الحكيم، لذا حينما يتحقّق الوعد الإلهيّ بشأن أحد الناس، فهذا يعني تحقّق إحدى التجارب الدينيّة، حيث قال تبارك شأنه: (كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ).[59] المقصود من هذه الآية هو أنّ المسلمين لو اتّبعوا وحي السماء ودافعوا عن دينهم سوف ينصرهم الله تعالى، وليس المقصود أنّه ينصرهم إذا حاربوا لأجل الفتوحات والسيطرة على العالم وفرض سلطتهم على سائر البلدان أو لأيّ سببٍ مادّيّ آخر. الفعلان "أوقدَ" و "أطفأ" في الآية بصيغة الماضي، وكما هو معلوم حينما يوضّح المتكلّم مراده بأسلوب الماضي، فهو يريد من ذلك قطعيّة تحقّق الموضوع، لذا يكون المقصود هنا تحقّق الوعد الإلهيّ، ومعنا يمكن تفسيره كما يلي: كلّما يشعلون نارًا للحرب قطعًا يطفئها الله.

المسلمون جرّبوا مضمون هذه الآية في عصر صدر الإسلام، وتجدر الإشارة هنا إلى أنّها ليست من سنخ تجارب الوحي، بل من سنخ التجارب الحسّيّة والتأريخيّة والعسكريّة والعباديّة والاقتصاديّة التي ذكرنا طبيعتها التجريبيّة آنفًا؛ والسبب في اندراجها ضمن هذا النوع من التجارب يعود لكونها من الأمور العمليّة وليست العلميّة، على الرغم من أنّنا لو تأملنا في مغزاها ومغزى التجارب المثيلة لها لأمكننا الاستدلال على وجود المدد الغيبيّ وإثبات أنّها نوع من التجارب الدينيّة، لذا نستخلص من نتائجها كونها علمًا حصوليًّا - مكتسبًا - يتحقّق بمددٍ غيبيّ والإيمان بهذا المدد، ولا تعدّ مطلقًا من سنخ الشهود الذي يتحقّق عن طريق الوحي.
وصف أمير المؤمنين(عليه السلام) السخاء والكرم قائلًا: «من أيقنَ بالخلَف، جاد بالعطيّة»،[60] فالعطاء قربةً إلى الله تعالى شبيهٌ بأخذ غَرفة ماءٍ من نهرٍ جارٍ، لذا عندما يغرف الإنسان منه غَرفةً سرعان ما يأتي ماءٌ جديدٌ يملأ الفراغ الحاصل ممّا اغترف؛ ومعنى ذلك أنّه مهما ينفق في سبيل الله تعالى، فسوف ينال عِوضًا عنه بسرعةٍ. النهر الجاري بطبيعة الحال ليس كالأرض الجافّة التي إن اقتطعنا جزءًا منها يصبح مكانه فارغًا.

إذن، لو أيقن الإنسان أنّ الله عزّ وجلّ يعطيه عِوضًا عمّا يبذل من خيرٍ فور بذله إيّاه، فسوف تصبح نفسه سخيّةً كريمةً، وهذا العطاء يعدّ من الأمور الخاضعة للتجربة.

نستنتج التالي من جملة ما ذُكر:
1) الأنبياء ليسوا بحاجةٍ إلى التجربة الدينيّة عند تلقّيهم وحي السماء، بل فور نزول أوّل وحي عليهم ينشأ لديهم قطعٌ ويقينٌ بما جاءهم به.
2) التجربة الدينيّة تصدق في الكثير من مصاديق الوعد الإلهيّ، إلّا أنّها ليست من سنخ شهود الأنبياء عند تلقّيهم وحي السماء، وقد ذكرنا أمثلةً على ذلك.

الفرق بين الوحي والتجربة العرفانيّة (الشهوديّة)
كما أنّ تجربة المؤمنين الدينيّة إزاء القضايا المرتبطة بالدين تختلف عن الوحي الذي يتلقّاه الأنبياء، كذلك التجربة العرفانيّة (الشهوديّة) التي يخوضها العرفاء تختلف عن الوحي.
قبل أن نوضّح وجه الاختلاف بين تجربة العرفاء الشهوديّة والوحي المنزل على الأنبياء، نرى من الأنسب بيان المقصود من هذه التجربة:
العرفان على قسمين هما:
- عرفان عمليّ
- عرفان نظريّ
العرفان العمليّ يتّضح على أساسه ارتباط الإنسان بذاته ووظائفه إزاءها وإزاء عالمه وربّه، حيث يتمّ في رحابه بيان كيفيّة بلوغ قمّة الإنسانيّة المنيعة - التوحيد - على ضوء تعيين نقطة الانطلاق في السلوك الروحانيّ والمنازل التي يجب أن يطويها العارف واحدًا تلو الآخر لأجل أن يبلغ مرحلةً لا يرى في رحابها شيئًا سوى الله تبارك شأنه.
خلاصة ما ذُكر هي أنّ العارف ضمن عرفانه العمليّ يبلغ منزلة وحدة الشهود، لكنّ العرفان النظريّ تتّضح فيه أيديولوجيا العارف ورؤيته النظريّة.

حينما يخوض العارف غمار السير والسلوك الروحانيّ في رحاب تجربته العرفانيّة، تنكشف له حقائق يدرك على أساسها ثمرة وضعه الراهن أو ماضيه في اليقظة أو المنام، ويعرف ما إن كانت في عالم المثال المتّصل أو المنفصل، وهو بطبيعة الحال لـمّا يدرك شيئًا عادةً ما يبحث عن معيارٍ يقوّم على أساسه حالاته الشهوديّة التي أدرك هذا الشيء في رحابها؛ لأنّ هذه الحالات تختلف مع بعضها لدى الكثير من العرفاء، لدرجة أنّ العارف يدرك أحيانًا أنّه كان على خطأ في الحالة الشهوديّة التي اكتنفته؛ لذلك هو بحاجة ماسّة إلى معيارٍ يعينه على تمييز الشهود الربّاني الحقّ عن الشهود الشيطانيّ الباطل.

الجدير بالذكر هنا أنّ العارف ضمن سيره وسلوكه الروحانيّ لو اتّبع شريعة أهل البيت(عليهم السلام) وآمن بولايتهم، سوف يتمكّن من السير في الطريق الصحيح، بحيث يوفّق لنيل جزءٍ يسيرٍ من العلوم الشهوديّة التي ينالها الأنبياء والأولياء مثلما نال جانبًا من العلوم الحصوليّة.

نستشفّ ممّا ذكر أنّ الوحي يختلف عن التجربة العرفانيّة، وذلك لما يلي:
1) لا يوجد أيّ اختلافٍ بين الأنبياء، بل جميعهم متّفقون على كلّ شيءٍ، وكلّ ما لديهم متناسق مع بعضه، لذلك قال تعالى في كتابه الحكيم: (مُصَدِّقًا لِـما بَيْنَ يَدَيْهِ)،[61] أي أنّ النبيّ اللاحق يصدّق النبيّ الذي سبقه، كما أنّ النبيّ السابق يبشّر بالذي سيبعث بعده.
2) عند وجود أيّ اختلاف بين تعاليم الأنبياء، فهو اختلاف معلوم مسبقًا ويسمّى نسخًا.
إذن، الوحي شكل خاصّ من العلوم الشهوديّة، ويختلف عن الشهود العرفانيّ؛ لأنّ العرفاء يختلفون في حالاتهم الشهوديّة وقد يقعون في خطأ، فتارةً يرون مشاهداتهم الروحانيّة في عالم المثال المتّصل، وتارةً أخرى يرونها في عالم المثال المنفصل، في حين أنّ الأنبياء دائمًا يخبرون عن عالم المثال المنفصل لأنّهم شاهدوه.

الفرق بين العرفان والأخلاق
علم الأخلاق جزء من الفلسفة ولا ارتباط له بالعرفان لأنّ مواضيعه تتمحور حول النفس وتهذيبها ومعرفة فضائلها ورذائلها، ومعرفة السبيل الذي يمكّن الإنسان من كسب هذه الفضائل ويصونه من الابتلاء بالرذائل، وما إلى ذلك من مسائل مشابهة.
علم الفلسفة تتمحور مواضيعه حول أصل وجود النفس وتجرّدها وما فيها من قابليّات إدراكيّة ودوافع مختلفة، بعد ذلك يأتي الدور لعلم الأخلاق الذي يوضّح السبيل الأمثل لتحلّي النفس بالفضائل.
الإنسان وفق مبادئ علم الأخلاق يجب أن يتحلّى بالفضائل وأن يؤدّي الواجبات ولا يترك المستحبّات، وأن يجتنب المحرّمات ويترك المكروهات، وأن يسعى جاهدًا لكسب رضى الله تبارك شأنه؛ وكلّ هذه السلوكات تنصبّ في وعاء تهذيب النفس.

وأمّا في مضمار العرفان فالعارف يقوم بما يلي:
1) السعي الدؤوب لكسب شهود روحانيّ بالواحد الحقيقيّ - الله تبارك شأنه - وإدراك جماله وجلاله وتوحيد ذاته وصفاته وأفعاله وآثاره.
2) تجاوز مرحلة تهذيب النفس، لأنّ تهذيبها مرتبة من مراتب عروج الروح، ممّا يعني أنّ العارف يبلغ مرحلة عروج الروح عندما يتحلّى بالأخلاق الفاضلة ويزكّي نفسه بتهذيبه إيّاها إلى جانب تأدية الواجبات والمستحبّات.
3) كما أنّ العرفان أفضل من الفلسفة والأخلاق أدنى مرتبةً منها، كذلك العارف أفضل من الفيلسوف، وصاحب الخلق الفاضل أدنى مرتبةً من الفيلسوف؛ لكن شريطة أن يكون الفيلسوف متديّنًا ومصداقًا للعالم الذي يعمل بعلمه.

التفكيك بين الشريعة والفقه لحلّ معضلة التعدّديّة
يقول البعض: لا بدّ من التفكيك بين الشريعة وعلم الفقه - النظام الحقوقيّ - كي يمكن قبول مسألة التعدّديّة والتسامح العمليّ، فلو تمّ تعيين حدود الشريعة وتمييزها عن حدود الفقه من الممكن حينها قبول آراء مختلف المفكّرين، لأنّ الفقه يحول دون التعدّديّة والتسامح العمليّ، فهو حسب ما يصفه البعض «عبوس» - والعياذ بالله من هذا الوصف - لذا لا يطيق التعدّديّة، بينما الشريعة تطيقها.
للردّ على هذا الكلام نقول: أوّلًا يجب علينا بيان مفاهيم البحث لبيان المقصود من الفقه والشريعة في القرآن الكريم والسنّة المباركة لأجل أن نعرف ما إن كانت هناك حدود خاصّة تفصل بينهما أو لا.

الفقه حسب المدلول القرآنيّ يعدّ جزءًا من الشريعة، والشريعة قرآنيًّا عبارة عن مجموعة من العقائد والأخلاق والأحكا؛ لذا يقصد من الفقه معرفة الواقع؛ وقد عرّفه بعضهم بالتالي: «التوصّل إلى علمٍ غائبٍ بعلمٍ شاهدٍ»،[62] أي أنّ الفقيه يسعى بواسطة فقهه إلى معرفة المجهول، فهو يستكشف ما كان مجهولًا عن طريق ما كان معلومًا، أي أنّ المعلوم عبارة عن سلّم يرتقيه الفقيه لمعرفة المجهول سواء أكان هذا المجهول من مسائل الوجود والعدم والتي تعتبر من مواضيع الحكمة النظريّة وعلم الكلام، أم كان من مسائل الواجبات والنواهي الفقهيّة والأخلاقيّة والقانونيّة.

الفقه في عصر صدر الإسلام لم يكن مختصًّا بمعناه الاصطلاحيّ المعهود بيننا اليوم، أي أنّه لم يكن في مقابل علوم الفلسفة والتفسير والكلام، فالقرآن الكريم لـمّا دعا المؤمنين لأن يشدّوا الرحال نحو مراكز العلم والثقافة في دار الإسلام كي يتفقّهوا في الدين، قصد حينها التفقّه في العقائد والأخلاق والقانون، أي في مسائل على غرار: لعالم الوجود ربٌّ هو الله، الله واحدٌ، توجد جهنّم في الحياة الآخرة، توجد جنّة في الحياة الآخرة، النبوّة في الحياة الدنيا حقٌّ، المعاد بعد الممات حقٌّ، في ذمّة كلّ مكلّف واجباتٌ، ترك المحرّمات واجب على كلّ مكلّف؛ وما إلى ذلك من مسائل أخرى.

كلّ هذه المسائل وما شابهها كانت في تلك الآونة جزءًا من التفقّه في الدين - الفقه -، حيث وجّه القرآن الكريم دعوةً عامّةً للمؤمنين كي يتعلّموها ويعلّموها، فقد قال تعالى: (لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ).[63] مراد هذه الآية هو دعوة المؤمنين لأن يشدّوا الرحال نحو مراكز العلم والثقافة في البلاد الإسلاميّة كي يتفقّهوا بأصول دينهم وفروعه لينذروا الآخرين.
نستنتج ممّا ذُكر أنّ الفقه حسب المفهوم القرآنيّ عبارة عن علمٍ خاصٍّ تندرج فيه جملة من الإلزامات والنواهي العقائديّة مثل الجنّة ودرجاتها وجهنّم ودركاتها والجبر والتفويض والأمر بين الأمرين والله تعالى وصفاته، إلى جانب جملةٍ من الإلزامات والنواهي الفقهيّة والأخلاقيّة؛ لذا سمّي تعلّم مبادئ هذا العلم الشامل تفقّهًا.
القرآن الكريم ذكر معنى آخر للتفقّه غير الذي أشرنا إليه في الآية السابقة، وذلك ضمن إشارته إلى مسألة الجبر والتفويض التي تعدّ من المسائل الدقيقة في علمي الكلام والتفسير، فقد قال تعالى: (وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا  مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ).[64] الله سبحانه وتعالى في هذه الآية قال: لماذا لا يضعون حلًّا لمسألة الجبر والتفويض؟ كيف لا يعلمون أنّ الحسنات والسيّئات من عند الله؟ الحسنات من الله، إلا أنّ السيّئات من عنده، لذا لماذا لا يدركون أنّ السيّئات ليست من الله؟ لماذا لا يتفقّهون بهذا الموضوع؟

كذلك استخدم القرآن الكريم لفظ التفقّه بخصوص المنافقين، حيث قال: يتصوّرون أنّهم قادرون على تحقيق مآربهم وصيانة أنفسهم من خلال التظاهر والكذب (اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً)،[65] لكنّهم لا يدركون أنّ الله سبحانه وتعالى يعلم ما في أنفسهم وسوف يفشي أسرارهم في محكمته العادلة. إنّهم لا يفقهون؛ لذلك لا يدركون أنّه تبارك شأنه يرى كلّ شيءٍ: (وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ)[66].
إذن، كلمة فقه ومشتقّاتها في القرآن الكريم تدلّ على فهم وتعلّم مسائل دينيّة وشرعيّة.
لو اعتقد شخصٌ بأنّ الفقه بمعناه الاصطلاحيّ يبدأ من مباحث الطهارة وينتهي بمباحث الحدود والديّات والذي يعني مجموعة من الإلزامات والنواهي (الواجبات والمحرّمات) ومسائل الحلال والحرام، ثمّ حاول فصله عن الشريعة بادّعاء أنّها متوازنة تطيق التعدّديّة إلا أنّ الفقه عبوس لا يطيق التعدّديّة؛ فليعلم أنّه قد قطّع الدين أشلاءً وهو مصداق لمن ذمّهم القرآن الكريم في قوله تعالى: (الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ).[67] هذه الآية في مقام ذمّ الذين اعتبروا القرآن أجزاءً مشتّتةً، فهذا الفكر غير لائقٍ، لأنّ الدين شجرة طوبى التي لا يمكن قطع أغصانها وأوراقها لكون أصلها ثابتًا وفرعها في السماء.
الفقه بمعناه الاصطلاحيّ الذي يرتبط موضوعه بأفعال المكلّف من أحكام وضعيّة وتكليفيّة، وبالإلزامات والنواهي القانونيّة والأخلاقيّة، عبارة عن جزء من الفقه بمعناه القرآنيّ - الشرعيّ والدينيّ - والذي يكتسب حقّانيّته من حقّانيّة الشريعة والدين، لأنّ الشريعة الإسلاميّة تعمّ هذا النوع من الفقه أيضًا.

الذين أرادوا وضع حلّ لمسألة التعدّديّة عن طريق التفكيك بين الفقه والشريعة، ليعلموا أنّ الفقه وفق مدلوله القرآنيّ يعني فهم الدين، والدين بدوره مجموعة من العقائد والأخلاق والفقه والقوانين، وهذه المجموعة واحدة ليس من الممكن تجزأتها، إذ لو تمّ تفكيكها يصبح الدين ناقصًا، ومن البديهيّ أنّ الناقص لا تأثير له ولا فائدة منه.

الشريعة مرادفة للدين؛ لذا لا يمكن تجزأتها، وبما أنّ الفقه بمعناه الاصطلاحيّ جزء من الدين (الشريعة)، لذا فهو بحكمه، أي أنّه حقّ وليس عبوسًا حاله حال الدين الذي لا يعدّ عبوسًا.
نستنتج التالي من جملة ما ذكر: كما أنّ الفقه لا يطيق التعدّديّة ولا التسامح غير المعقول، كذلك الدين (الشريعة) لا يتحمّل التعدّديّة ولا التسامح غير المعقول؛ لأنّ الدين حقّ والحقّ واحدٌ.
ربّما يحدث اختلاف في فهم الدين، وهذا الاختلاف - تعدّد الفهم - لو كان منهجيًّا فهو مقبول.

المصادر والمراجع
القرآن الكريم.
الراغب الأصفهانيّ، المفردات، ص 642، كلمة «فقه».
الشريف الرضيّ، نهج البلاغة، الحكمة رقم 138.
الشريف الرضيّ، نهج البلاغة، الحكمة رقم 374.
الشريف الرضيّ، نهج البلاغة، الخطبة الأولى، الفقرة 42.
الشريف الرضيّ، نهج البلاغة، الخطبة رقم 24.
عقل و اعتقاد ديني (باللغة الفارسيّة)، ص 37 - 39.
للاطّلاع أكثر، راجع: مباحث بلوراليزم ديني (باللغة الفارسية)، ص 64 - 66.
مجلّة «كيان»، العدد 28، ص 4 و 13 و 20.
محمّد باقر المجلسيّ، بحار الأنوار، ج 100، ص 232.
محمّد باقر المجلسي،ّ بحار الأنوار، ج 18، ص 202.
محمّد باقر المجلسيّ، بحار الأنوار، ج 2، ص 258.
محمّد باقر المجلسيّ، بحار الأنوار، ج 28، ص 4.
محمّد باقر المجلسيّ، بحار الأنوار، ج 43، ص 84.
محمّد باقر المجلسيّ، بحار الأنوار، ج 55، ص 34.
محمّد باقر المجلسيّ، بحار الأنوار، ج 64، ص 137.
محمّد باقر المجلسيّ، بحار الأنوار، ج 92، ص 301.
محمّد بن يعقوب الكلينيّ، الكافي، ج 1، ص 177.
محمّد بن يعقوب الكلينيّ، الكافي، ج 5، ص 494، الحديث رقم 1.

----------------------------
[1]*ـ فيلسوف وعارف إسلاميّ- أستاذ في الحوزة العلميّة – قم – إيران.
. للاطّلاع أكثر، راجع: مباحث بلوراليزم ديني (باللغة الفارسية)، ص 64 - 66.
[2].  للاطّلاع أكثر، راجع: المصدر السابق.
[3]- سورة يونس، الآية 36؛ سورة النجم، الآية 28.
[4]- محمّد باقر المجلسيّ، بحار الأنوار، ج 55، ص 34.
[5]- سورة آل عمران، الآية 19.
[6]- سورة آل عمران، الآية 85.
[7]- سورة الروم، الآية 30.
[8]- سورة التوبة، الآية 106.
[9]- سورة آل عمران، الآية 64.
[10]- سورة الحجرات، الآية 10.
[11]- سورة الممتحنة، الآيتان 8 - 9.
[12]- سورة القلم، الآيتان 8 - 9.
[13]- الشريف الرضي، نهج البلاغة، الخطبة رقم 24.
[14]- محمد بن يعقوب الكليني، الكافي، ج 5، ص 494، الحديث رقم 1.
[15]- المصدر السابق، ج 2، ص 417، الحديث رقم 1.
[16]- سورة القمر، الآية 17.
[17]- سورة المزّمل، الآية 5.
[18]- سورة التوبة، الآية 38.
[19]- الشريف الرضي، نهج البلاغة، الحكمة رقم 374.
[20]- سورة الزمر، الآيتان 17 - 18.
[21]- محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج 18، ص 202.
[22]- الشريف الرضي، نهج البلاغة، الخطبة الأولى، الفقرة 42.
[23]- سورة يونس، الآية 32.
[24]- سورة التكوير، الآية 26.
[25]- سورة الأنعام، الآية 91.
[26]- محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج 64، ص 137.
[27]- سورة الكافرون.
[28]- سورة البقرة، الآية 62.
[29]- (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ). سورة المائدة، الآية 69.
[30]- سورة التوبة، الآية 29.
[31]- سورة آل عمران، الآية 85.
[32]- سورة النساء، الآيتان 123 - 124.
[33]- سورة آل عمران، الآية 3.
[34]- سورة البقرة، الآية 115.
[35]- سورة الزخرف، الآية 84.
[36]- محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج 28، ص 4.
[37]- سورة التوبة، الآية 106.
[38]- محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج 2، ص 258.
[39]- محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج2، ص 259.
[40]- سورة النور، الآية 35.
[41]- محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج 100، ص 232.
[42]- المصدر السابق، ج 1، ص 82
[43]- سورة الزمر، الآية 23.
[44]- سورة النور، الآية 30.
[45]- محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج 43، ص 84.
[46]- مجلّة «كيان»، العدد 28، ص 4 و 13 و 20.
[47]- المصدر السابق.
[48]- المصدر السابق.
[49]- المصدر السابق.
[50]- محمّد بن يعقوب الكلينيّ، الكافي، ج 1، ص 177.
[51]- سورة النمل، الآية 6.
[52]- سورة الأعلى، الآية 6.
[53]- سورة النجم، الآيتان 3 - 4.
[54]- عقل و اعتقاد ديني (باللغة الفارسية)، ص 37 - 39.
[55]- المصدر السابق، ص 41.
[56]- سورة البقرة، الآية 249.
[57]- سورة البقرة، الآية 186.
[58]- محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج 92، ص 301.
[59]- سورة المائدة، الآية 64.
[60]- الشريف الرضي، نهج البلاغة، الحكمة رقم 138.
[61]- سورة البقرة، الآية 97.
[62]- الراغب الأصفهاني، المفردات، ص 642، كلمة «فقه».
[63]- سورة التوبة، الآية 122.
[64]- سورة النساء، الآيتان 78 - 79.
[65]- سورة المنافقون، الآية 2.
[66]- سورة المنافقون، الآية 7.
[67]- سورة الحجر، الآية 91.