البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

المنهج الفينومينولوجي وتطبيقاته في العالم الإسلامي

الباحث :  حميد پارسانيا / هاشم مرتضى محمد رضا
اسم المجلة :  الاستغراب
العدد :  27
السنة :  ربيع - صيف 2022م / 1444هـ
تاريخ إضافة البحث :  November / 12 / 2022
عدد زيارات البحث :  81
تحميل  ( 380.551 KB )
ظهرت في الغرب مبانٍ ومناهج مختلفة وانشعبت التيّارات والمدارس المتعدّدة جرّاء هذا التنوّع المنهجيّ ويعتبر المنهج الفينومينولوجيّ أحد أهمّ المناهج التي ظهرت في الفترة المعاصرة على الساحة الفكريّة والثقافيّة العالميّة؛ تبلورت العناصر النظريّة التأسيسيّة للفينومينولوجيا بشكلٍ أوضح على يد الفيلسوف الألماني ادموند هوسرل وحاول أن يحلّها محلّ الفلسفة القديمة في الاشتمال على كلّ شيء. وقد تسرّب هذا المنهج إلى العالم الإسلامي وتبنّاه ثلّة من المفكرين أمثال إسماعيل الفاروقي وحسن حنفي وسواهما. في هذا البحث، نتناول بيان الأسس التي ابتنى عليها المنهج الفينومينولوجي ومن تبنّاه في العالم الإسلامي، كما نتطرّق إلى أهم النقود التي وُجِّهت إليه، ضمن ثلاثة مباحث: يتضمّن المبحث الأوّل لمحةً تاريخيّةً عن المنهج الفينومينولوجي، ويتطرّق الثاني إلى تطبيقات المنهج في العالم الإسلامي، أما المبحث الثالث فيتعرّض للموضوع بالتحليل والنقد.

الكلمات المفتاحية:
المنهج الفينومينولوجي- الفينومينولوجيا الدينية -الفلسفة الغربية – ادموند هوسرل – حسن حنفي.

المبحث الأول: لمحة تاريخية.
المصطلح:
ذهب الباحثون في الفكر الفلسفي الغربي إلى أنّ أوّل من استعمل مصطلح «الفينومينولوجيا» هو ي.هـ. لامبرت، ثمّ استعملها كانط، ومن بعده هيغل وغيرهم، حيث استعان كلّ واحد منهم بها للتنظير والدفاع عن مشروعه الفكري العام. غير أنّ أوّل من استخدمها كمنهج وكمذهب فكريّ تحليليّ عام هو أدموند هوسرل (1859-1938)، وهذا المصطلح رغم قدمه وكثرة المهتمين به يبقى «فكراً لا يخلو من اللبس أحيانًا، والغموض أحيانًا أخرى[3]». وهوسرل نفسه يرجع بجذوز المصطلح إلى الفترة اليونانيّة، ويعتبرها تطويرًا للفلسفة اليونانيّة القديمة، فكما أنّ اليونانيّين نظروا إلى المعرفة والفلسفة نظرةً كلّيّةً شاملةً تضمّ كلّ فروع العلم، فكذلك أراد هوسرل أن تلعب الفينومينولوجيا الدور نفسه وتأخذ موقعها للهيمنة على جميع العلوم والمعارف[4].

يرى جمعٌ من الباحثين أنّ هوسرل تأثّر في مشروعه الفينومينولوجي بكثير من المفكرين والفلاسفة الذين سبقوه، فقد «أخذ من أفلاطون فكرة الماهيات الثابتة، واقتبس من فلاسفة العصور الوسطى فكرة القصديّة، كما عرف من ديكارت «الكوجيتو»، واستفاد من (المونادولوجيا) عند لايبنتز، وتأثّر ببعض آراء كانط في محاولته لتأسيس العقل على مبادئ يقينيّة ثابتة. هذا فضلاً عن أنّه أخذ الفكرة الجوهريّة لفلسفته من المذهب الظاهري، حيث جعل ظاهر الشيء هو موضوع الإدراك ومجال المعرفة ... كما اقتبس من العلم طريقته المنهجيّة الوصفيّة، والرياضية تحليلاتها العقليّة الدقيقة[5]...».

الجديد الذي أتى به هوسرل أنّه مزج بين هذه العناصر المقتبسة من هنا وهناك، وحاول توظيفها في مشروعه الجديد بعد تحويرها وتغييرها «وذلك في إطار شكلٍ فلسفيٍّ جديدٍ، وفي هيئة نسقٍ عقليٍّ مبتكر لم يكن موجودًا في صورته الكلّيّة الحالية عند غيره من السابقين[6]».

ولقد أثير جدلٌ علميٌّ حول الفينومينولوجيا هل هي منهج أو مذهب فلسفي؟ وربّما كان هذا اللبس ناشئًا من هوسرل نفسه، لقوله: «الفينومينولوجيا يدلّ على علم، وعلى نظام من الميادين العلميّة، غير أنّ كلمة فينومينولوجيا تدلّ كذلك في الأصل على منهج وعلى موقف للفكر: موقف الفكر الفلسفي بخاصّة، والمنهج الفلسفي بخاصّة[7]».

وفي مقالته بدائرة المعارف البريطانيّة يبيِّن أن: «الفينومينولوجيا تقدم منهجًا فلسفيًّا جديدًا» وأنّها «فلسفة كلّيّة يمكنها أن تزوّدنا بأداة نستخدمها في المراجعة المنهجيّة لكل العلوم[8]». ويذهب البعض إلى أنّ هوسرل وضع الفينومينولوجيا كمنهج «لكنّه رغم ذلك وضع في ثنايا المنهج الفينومينولوجي مذهبًا يتمّم به هذا المنهج ويتوافق مع خصائصه... وعلى هذا تكون الفينومينولوجيا عند هوسرل جامعة بين المنهج والمذهب معًا[9]».

المنطلق:
منطلق هوسرل لتأسيس المنهج الفينومينولوجي، جاء بسبب الأزمات المعرفيّة التي شهدها الغرب، ممّا حدى به لتأليف كتاب تحت عنوان «أزمة العلوم الأوروبيّة» ليجعلها في خانة الأزمة لا سيّما الفلسفيّة منها، لذا يرى لزوم «إخضاع علميّة كل العلوم إلى نقد جذري وضروري جدًّا» إذ يرى «ظهور إبهامات غير قابلة للحلّ ومليئة بالألغاز في العلوم الحديثة بما فيها العلوم الرياضيّة، وبالارتباط مع ذلك في ظهور نوع من الألغاز المتعلّقة بالعالم لم تعهده الأزمنة السالفة[10]».

كان هوسرل يشكو من حدوث أزمة في الفلسفة الغربيّة ونكران للميتافيزيقا التي تساوي انهيار العقلانيّة عنده، وهو ما أعرب عنه بالقول ان «أزمة الفلسفة هي أزمة كل العلوم الحديثة كفروع للفلسفة الشاملة، كانت هذه الأزمة أوّل الأمر في كمون ثمّ أصبحت جلّيّة أكثر فأكثر، إنّها أزمة تمسّ البشريّة الأوروبيّة ذاتها في معنى حياتها الثقافيّة بأسره، في وجودها بأسره[11]». لذا لا بدّ من الحصول على معرفة يقينيّة، ومعارف لا يبلغها الشك تكون ذات صدق ولا يدخل في صدقها مدخلاً للشك إطلاقًا[12]. وهذا ما توفّره الفينومينولوجيا.

التعريف:
تعني الفينومينولوجيا الظاهرة أو علم الظواهر، وهي تختلف عن المذهب الظاهري الذي يحصر المعرفة على الظواهر المادّيّة فقط، بينما الفينومينولوجيا تطمع وراء ذلك إلى أن تصبح «علمًا كلّيًّا دقيقًا تقوم عليه بقيّة المعارف وتؤسّس عليه كل العلوم الممكنة... لقد تخطّت الفينومينولوجيا حدود المذهب الظاهري لتسعى إلى هدف أعلى هو تأسيس المعرفة البشريّة على مبادئ قبليّة يقينيّة[13]».

وفي هذا السياق، سيعترّض هوسرل على المذهب الظاهري قائلًا: «والفينومينولوجيا تطلب من أصحاب المذهب الظاهري أن ينبذوا الأنساق الفلسفيّة الخاصّة المغلقة، وأن يساهموا مع الآخرين في عمل قاطع في سبيل إقامة فلسفة دقيقة ودائمة[14]».

ولقد اختلفت كلمات هوسرل في تعريف المنهج الفينومينولوجي في كتبه المتنوّعة، غير أنّها جميعها تهدف إلى هدف ومحتوى واحد، ويكمّل بعضها البعض الآخر، وفيما يلي نشير إلى ما قاله هوسرل في تعريف هذا المنهج:

ـ تسعى الفينومينولوجيا لأن تكون العلم الكلّي الدقيق للمعرفة الإنسانيّة.
ـ لذلك فإنّها تحدّد مقدّمًا نقطة البداية لهذا العلم الكلّي الذي يدور في مجال محايد هو الشعور.
ـ وتكتفي بدراسة الشعور من الناحية الوصفيّة فقط من دون أيّ محاولة لتفسيره.
ـ والهدف من ذلك هو إدراك الماهيات الكامنة في الشعور اعتمادًا على الحدس.
ـ يمكن حينئذٍ التوصّل إلى المعرفة اليقينيّة الشاملة، وتأسيس العلم الكلّي الدقيق الذي يمثّل الغرض الحقيقي للفينومينولوجيا[15].
وبناء على هذا يمكننا رسم خصائص عدّة للفينومينولوجيا:
أولاً- الاقتصار على الوصف والابتعاد عن إعمال النظريّات الفلسفيّة.
ثانياً- معارضة أيّة محاولة لتحديد الظواهر وفق مفاهيم فلسفيّة معيّنة أو اختزالها في صورة محدّدة.
ثالثاً- الاهتمام بالنيَّات، وبما أنّ الموضوعات الخارجيّة انعكاسات للتصوّرات الداخليّة، فإنّ البحث عن النيَّات يوقفنا على الكيفية التي يشكل الواعي الذاتي من خلالها الظواهر.
رابعًا- التوقّف عن إصدار الأحكام، واجتناب جميع أنواع التأويلات والتقييمات[16].

الفينومينولوجيا إذن «تعتمد إلى الظواهر لتدرسها وتنفذ من خلالها إلى حقائقها وبنيتها الأساسيّة، بدون فرض أيّ شيء على تلك الظواهر من جانب الدارس». كما أنّها تولي «أهميّة كبيرة للنوايا بدون التقيّد بأيّة نظريّة سيكولوجيّة أو ميتافيزيقيّة أو لاهوتيّة أو فلسفيّة[17]».

الأسس والمباني:
قسّم هوسرل العلوم إلى قسمين: علوم الواقع وعلوم الماهية، حيث إنّ الوجود الخارجي يتضمّن وقائع جزئيّة حسّيّة مادّيّة ندركها بالمنهج التجريبي، وتوجد إلى جانبها ماهيّات أخرى أعلى منها لا تدرك بالمنهج التجريبي، إذ هي عقليّة معنويّة كلّيّة ثابتة ندركها بالحدس العقلي، ومن هنا جاء مسعى هوسرل للجمع بين هذين العلمين ليصل إلى العلم الكلّي اليقيني مستعينًا بالمنهج الفينومينولوجي[18].

ولتحقيق هذا الهدف يستعين هوسرل بمجموعة مباني فكريّة ينطلق منها لتقويم  المنهج، نوردها فيما يلي:

1. الشعور: قسّم هوسرل كما قلنا العلوم إلى وقائع مادّيّة وإلى ماهيات عقليّة، وكل باحث ومفكّر يبدأ عمله من إحدى هذه العلوم، ويبني مشروعه عليها، فهو إن كان مادّيًّا يبدأ من الوقائع والمحسوسات، وإن كان عقلانيًّا يبدأ من الماهيات والمعقولات، غير أنّ هوسرل لم يرتضِ هذه الطريقة وأراد أن يبدأ من نقطة أخرى، لذا اعتمد على الشعور نفسه أي «الاتّجاه لإدراك الأشياء ذاتها كما تظهر ماهيّاتها حيّة في الشعور[19]». فالشعور هو من الركائز الأساسيّة في المنهج الفينومينولوجي، وهذا الشعور هو الشعور الكلّي الخالص، ولا علاقة له بالشعور الذي يدرس في علم النفس التجريبي، حيث هو ليس إلّا موضوع مادّي يخضع للمنهج الاستقرائي، وله معنى جزئي متغيّر، بل إنّ ما يقصده هوسرل هو الشعور في صورته الماهويّة وأفعاله القصديّة وشفافيّـته المتميّزة، وعليه فقد «أصبح الشعور في وضعه الجديد هو الأساس الصحيح الذي يمكنه أن نحصل منه على كل معرفة يقينيّة ثابتة، تكون هي أساس العلم الكلّي الدقيق[20]».

2. الذات: بعد الالتفات إلى الشعور، وجعله نقطة الانطلاق، نتّجه إلى إدراك الأشياء ذاتها كما تبدو ظواهرها المجرّدة في هذا الشعور. فالأشياء ذات وجود مستقلّ عن ذاتنا، وخالية عن كل دلالة شخصيّة، غير أنّها قابلة للإدراك لأنّها تعتبر هدفًا يتّجه إليه الشعور لكي يدركها بواسطة أفعاله القصديّة، فتتحوّل إلى مدركات عقليّة وظواهر مجرّدة داخل هذا الشعور[21].

3. القصدية: تعتبر القصديّة إحدى أهم أركان الفينومينولوجيا، حيث إنّ كلّ الظواهر لها تكوينها القصدي الذي يوجّه الإدراك نحوها تلقائيًّا، وهذا الفعل القصدي المميّز للشعور، يمكن اكتشافه بالتفكير التأمّلي حينما ينعكس الفكر على ذاته ليتأمّل أحواله الخاصّة، وتجاربه المتعالية، وحيث يتأكّد أنّ الشعور لا بدّ أن يكون شعورًا بشيء ما اعتمادًا على فعل القصديّة[22]. فالشعور القصدي الذي ابتدعه هوسرل يعني «أنّ هناك إحالة قصديّة متبادلة بين الشعور الداخلي والأشياء الخارجيّة، بحيث إنّ كلًّا منهما يقصد الآخر ليلتحم معه في وحدة شعوريّة متعالية تقوم على مبدأ قصديّة الشعور وشفافيّته[23]». وعليه، فالقصديّة هذه تربط الذات بالموضوع داخل الشعور، فتصبح الخبرة القصديّة الحيّة هي الطريق الذي يؤدّي إلى حلّ مشكلات المعرفة وتأسيسها على مبادئ يقينيّة مطلقة[24].

4. الرد (أو الأيبوخية): يعتبر الرد الفينومينولوجي هو الأساس لفكرة القصديّة، حيث إنّها تعتمد عليه في تكوّنها، ولا يمكن فهم القصديّة من دون عمليّة الرد. والرد عند هوسرل يشمل مرحلتين: 1- الرد الفينومينولوجي المتعالي الذي أضع فيه كلّ هذا العالم الطبيعي المادّي بين قوسين، وأعلّق الحكم مؤقتًا لكي أنفلت من الانبهار به والانغماس فيه، ومن ثمّ أتمكّن من أن أوجّه خاطري إلى شعوري الداخلي أو إلى فعل الإدراك النفسي. 2- الرد الصوري الماهوي الذي أقوم فيه بإدراك الصور العقليّة والماهيّات الحقيقيّة للأشياء كما تظهر حيّة في الشعور، وحيث تتحقّق بالفعل المعرفة اليقينيّة الثابتة لكل الحقائق الممكنة[25].

علمًا بأنّ هوسرل يطلق على تعليق الحكم مؤقتًا، المصطلح اليوناني (ايبوخيه)، أي وضع جميع المدركات المادّيّة وغير المادّيّة بين قوسين، ونستبعدها كي لا تعوقنا عن إدراك جوهر الحقيقة الكامنة داخلنا وبواسطة أنفسنا، وذلك «لأجل تنقية الشعور من رواسب العالم الطبيعي الجزئي المتغيّر والتمهيد لإدراك الحقائق الماهويّة الكلّيّة الثابتة التي تظهر في الشعور الخالص[26]».

5. الأنا المتعالي: يميّز هوسرل بين الأنا النفسي والأنا المتعالي، حيث أنّ الأوّل جاء به ديكارت ويكون جزءًا من العالم الطبيعي، وأصبح موضوعًا للعلوم الوضعيّة ذات الطابع التجريبي، فلا يصحّ أن يكون مقياسًا للحقائق المطلقة والبديهيّات، وعليه يلزم تعليق هذه الأنا وجعلها بين قوسين طبقًا لقانون الرد الفينومينولوجي، ليظهر في شعور الإنسان الأنا المتعالي مع ما له من بداهة ويقين، وهو الذي يضفي كل المعاني ومختلف القيم على العالم الموضوعي الموجود[27].

الفينومينولوجيا والدين:
نشأت فينومينولوجيا الدين على هامش المنهج الفينومينولوجي، وتبنّى كثير من المفكّرين الترويج لها، ومع ذلك لم يتّفقوا على كلام واحد في تعريفه وتحديده، وقد اعترف بهذا الأمر ألن دوجلاس في مقالته عن الدين الظاهراتي في دائرة معارف الأديان، وقال: «إنّه على الرغم من بروز الدين الظاهراتي كحقل علمي كبير، وكاتّجاه ذي تأثير خطير في مجال دراسة الدين في القرن العشرين، فإنّ كتابة ورقة حوله تواجهها صعوبات كبيرة. لقد أصبح المصطلح مشهورًا، واستغلّه كثير من العلماء الذين لا يجمعهم -إن كان هناك أصلًا ما يجمعهم- إلّا القليل[28]».

بناء على هذا، فإنّ فينومينولوجيا الدين تعني في أغلب تعاريفها «دراسة الظواهر الدينيّة المختلفة للتوصّل إلى فهم دقيق للحقائق التي تمثّلها هذه الظواهر بوصفها المدخل الوحيد أو الوسيلة الوحيدة لتحقيق هذا الهدف، وفهم الحقائق يشتمل على التعرّف على البنى الأساسيّة للدين[29]».

وهذا الاتّجاه يقوم على أسس ومبانٍ عدّة، أهمّها:

1. الإيمان بأنّ الظواهر الدينيّة هي المدخل العلمي الصحيح والوحيد لدراسة الأديان. وبذلك يكون الدين الظاهراتي علمًا تجريبيًّا على حدّ زعمهم.
2. ينبغي أن يكون الباحث متجرّدًا من كل المسلّمات - فلسفيّة أو تاريخيّة أو ميتافيزيقيّة أو غيرها - تجرّدًا كاملًا.
3. الحرص على عدم اختزال الظواهر الدينيّة في صور معيّنة، أو في قوالب محدّدة وفق تصوّرات قبليّة.
4. وجوب إعطاء الفرصة الكاملة للظاهرة للتعبير عن نفسها بدون أي تدخّل من جانب الباحث.
5. الاستفادة من أيّ علم أو منهج آخر يفيد الباحث في إنجاز عمله والتوصّل إلى هدفه، وبالأخص منهج المقارنة والتاريخ وعلم اللغويّات وعلم الآثار.
6. الابتعاد الكامل عن إصدار أحكام سابقة لأوانها، واجتناب أيّ تأويل وخاصّة عندما تكون هذه الأحكام وتلك التأويلات مخالفة لما يعتقده المتديّن أو لا يفهمه.
7. الحرص على النفوذ إلى أعماق الظواهر الدينيّة، والادّعاء بأنّ له القدرة على اكتناه الحقائق الكامنة وراءها.
8. الاهتمام بنيّات المتديّنين ومقاصدهم، وإعطاؤهم الأولويّة القصوى في عمليّة فهم الظواهر.
9. عدم الانخداع بالتسميات الظاهرة لتلك الظواهر، والبحث عن معناها الحقيقي، وهذا ما يؤمّل من خلال عمليّة التصنيف الذي يقوم به الباحث الظاهراتي.

1. مشاركة المتديّن وجدانيًّا حتّى يكون الباحث قادرًا على تفهّم المشاعر الدينيّة وطبيعة التجربة.
وعليه «إنّ هذه الأسس والمنطلقات التي يقوم عليها الدين الظاهراتي، تضمن له الموضوعيّة الكاملة، والحيدة العلميّة العالية -فيما يزعم الظاهراتيّون- ممّا يسهّل الخروج بنتائج علميّة صحيحة[30]».

والهدف من فينومينولوجيا الدين هو «دراسة الأديان من خلال ما تعبّر به عن نفسها بعيدًا عن الافتراضات المسبقة من جانب الباحث، أو تطبيق مسلّمات خارجيّة غريبة عن الأديان موضوع الدراسة، وأن تقيّم بطريقة موضوعيّة دور الدين في حياة الإنسان[31]».
وأوّل من استخدم مصطلح علم الدين الظاهراتي، هو العالم الهولندي بيير دانيال سوسيه، ثمّ راج هذا المصطلح بعده، واستخدم كثيرًا في دراسة الدين والقضايا الدينيّة في الغرب.

وقد استخدم بعض المستشرقين هذا المنهج لدراسة الإسلام، منهم المستشرقة الألمانيّة آن ماري شيمل في كتابها «الكشف عن آيات الله - دراسة ظاهراتيّة للإسلام»، وكذلك المستشرق الفرنسي هنري كوربان في دراسته عن التشيّع عمومًا وعن المهدويّة بالخصوص.

المبحث الثاني: التطبيقات في العالم الإسلامي.
لم يلقَ المنهج الفينومينولوجي عمومًا، وفينومينولوجيا الدين خصوصًا، رواجًا كبيرًا في العالم الإسلامي على غرار باقي المناهج الغربيّة، وربّما يعود سبب ذلك إلى تناغم هذا المنهج مع الدين نوعًا ما، ومخالفته للمنهج المادي التجريبي وللتاريخيّة، وهذا ما لا يروق للخطاب الحداثوي في العالم الإسلامي الذي يرنو تقليص الخطاب الديني، وتأويله وفق متطلّبات الحداثة، والحال أنّ المنهج الفينومينولوجي يرفض هذا الأمر بتاتًا.

وقد جعله بعض الباحثين من أفضل المناهج في دراسة الدين كما يعتقده معتنقو ذلك الدين، ويمكن الاقتراب من المسائل الغيبيّة وتعاطيها أكاديميا على ضوء هذا المنهج[32].

ومهما يكن الأمر، فقد يكون إسماعيل راجي الفاروقي (1921-1986) أوّل من طبّق هذا المنهج في دراساته الإسلاميّة، ويبرز ذلك عيانًا في كتابه «أطلس الحضارة الإسلاميّة»، فإنّه بعدما يقسّم الباحثين في تناولهم الحضارة الإسلاميّة بمن يُعالج الموضوع من ناحية الرقعة الجغرافيّة، ومن يعالجه من الناحية الزمنيّة، غير أنّه لم يرتضِ هذين الطريقين ليقترح طريقًا ثالثًا هو المنهج الفينومينولوجي، ويقول في هذا الصدد: «ويمكن علاج هذه المثالب في الطريقة الظاهراتيّة، التي تتطلّب من المراقب أن يترك الظواهر تتحدّث عن نفسها دون أن يقحمها في إطار فكري مقرّر سلفًا، كما يدع صورة الجوهر الذهنيّة تنسّق المعلومات أمام الفهم فتتعزّز مصداقيّتها بها». ويضيف: «قد يصحّ القول أنّ هذا الكتاب هو أوّل تطبيق للطريقة الظاهراتيّة في دراسة الإسلام وحضارته بوجه عام[33]». وقد استعان الفاروقي في تطبيق فينومينولوجيا الدين على الحضارة الإسلاميّة بعمل اثنين من كبار علماء الفينومينولوجيا الدينيّة، وهما جرارد فان در ليو فيما يخصّ الجوهر والمظهر، وكذلك يواكيم فاخ بخصوص الفكر والفعل والتعبير. وقد استعرض ديانة العرب قبل الإسلام، ثمّ المسيحيّة واليهوديّة والإسلام من خلال مصطلح الجوهر والمظهر، كما تناول في الفصل التاسع والعاشر المظهر في الفعل (الدعوة الإسلاميّة والفتوحات)، وتناول في الفصل الحادي عشر إلى الثامن عشر المظهر في الفكر (العلوم الإسلاميّة) وتناول في الفصل العشرين إلى الثالث والعشرين المظهر على مستوى التعبير (الفنون والآداب والعمارة والهندسة)[34].

وهناك محاولة طفيفة من قبل محمّد أركون للتمسّك بالمنهج الفينومينولوجي، فهو إذ يذهب إلى تجاوز المنهج الفيلولوجي، يدعو إلى الدخول في المرحلة الثانية «أي مرحلة التحليل الفينومينولوجي الظاهراتي للمعاني القرآنيّة بالطريقة التي تم تلقّيها وعيشها في الوعي الإسلامي على مدار التاريخ[35]».

وعليه، فإنّه يقوم بتطبيق هذا المنهج على دراسة الوحي والنص القرآني[36]، ليشرح كيفيّة تلقّي المسلمين لهذا الوحي القرآني، ليضعه جنبًا إلى جنب في كيفيّة تلقّي المسيحيّة واليهوديّة للوحي الإلهي، ويقول: «ما كان قد قُبل وعُلم وفُسّر وعيش عليه بصفته الوحي في السياقات اليهوديّة والمسيحيّة والإسلاميّة، ينبغي أن يُدرس أو يُقارب منهجيًّا بصفته تركيبة اجتماعيّة لغويّة مدعمة من قبل العصبيات التاريخيّة المشتركة، والإحساس بالانتماء إلى تاريخ النجاة المشترك لدى الجميع». لذا ومن هذا المنطلق يضيف: «وهذا يعني أنّنا سوف نعلّق أو نعطّل كل الأحكام اللاهوتيّة التي تقول بأنّ الخطاب القرآني يتجاوز التاريخ كلّيًّا إلى أن نكون قد وضّحنا كل المشاكل اللغويّة والسيميائيّة والتاريخيّة والأنثروبولوجيّة التي آثارها القرآن كنص[37]». ثم إنّ أركون يستمرّ في عمله هذا ليجعل الوحي خطابًا شفويًّا أوّلًا، ويزعم أنّ الوحي بعدما أنزل فقدَ قدسيّته وأصبح كتابًا عاديًّا، إذ إنّه «قُدّس أو خُلعت عليه أسدال التقديس بواسطة عدد من الشعائر والطقوس والتلاعبات الفكريّة الاستدلاليّة، ومناهج التفسير المتعلّقة بالكثير من الظروف ... السياسيّة والاجتماعيّة والثقافيّة[38]».

في نطاق آخر يُعدّ حسن حنفي أحد أكثر المتأثّرين بالمنهج الفينومينولوجي في دراساته المتعلّقة بالتراث الإسلامي، وحاول الاقتباس منه بشكل كبير، وهذا بيِّنٌ في قوله التالي: «تمّ اختيار المنهج الظاهراتي طبقًا لمطلب أكاديمي خالص فيما يتعلّق باختيار منهج للبحث قادر على دراسة الوحي كظاهرة شعوريّة دون الوقوع في الخطابة أو الدفاع. وكان أقرب المناهج إلى الوصف والتحليل النظري للوحي كظاهرة شعوريّة[39]».

ويضيف: «إنه المنهج الأقدر على تناول البحوث الدينيّة خاصّة علوم التأويل، ويمكن ردّ التاريخ وهو العقبة الكؤود أمام اللَّاهوت الدوجماطيقي عن طريق تطبيق المنهج الظاهريّاتي ... تطبيق المنهج الظاهريّاتي إذن ضرورة نظرًا لما يقدّمه من أقصى درجة ممكنة من النفع[40]»، كما يعتقد حنفي أنّ كتابه «ظاهريّات التأويل» هو القمة في تطبيق المنهج الظاهريّاتي على الظاهرة الدينيّة[41].

ويذهب حنفي أيضًا إلى أنّ الظاهريّات خالية من أيّ مبدأ ميتافيزيقي، بل هي فلسفة كعلم محكم دون الحاجة إلى أيّ ترقيع ميتافيزيقي، كما أنّها لا تنشغل بإثبات أو نفي الله، بل هي منهج مستقل يتعامل معه وعي محايد ابتداء من بداية جذريّة ومن دون افتراض أي نتائج مسبقة، وهو بحث يتلمّس الموضوع الذي ينكشف له تدريجيًّا خطوة خطوة[42].

وهكذا، فإن ظاهريّات الدين عند حنفي تمرّ بست مراحل:

اللغة من أجل إعطاء الأسماء.
التجربة الحيّة من أجل إدخال الكلمات فيها.
رد مضمون التجربة من أجل رؤية ما يظهر منها وينكشف عنها.
إيضاح الرؤية.
فهم ما يتجلّى وما ينكشف.
الشهادة مجابهة مع الواقع[43].
إلى ذلك ثمة خصائص ومميّزات لفينومينولوجيا الدين عند حنفي، نشير إلى أهمّها:
إنّها الأنسب والأقدر على تناول البحوث الدينيّة من غيرها.
التخلّص من النزعة التاريخيّة التي يعتمد عليها اللاهوت.
إخضاع النصوص المقدّسة للبحوث اللغويّة المحكمة، حيث يقدّم المنهج الظاهريّاتي مبادئ لغويّة خصبة.
إنّ عودة الأشياء إلى ذاتها، تضمن حضور الواقع داخل النص ممّا تسبب من التخلّص من الدوجماطيقيّة المغلقة في البحوث الدينيّة.
التخلّص من اللاهوت العقائدي ومن سكونيّته، لأنّ الظاهريّات تعطي الحركة[44].

ومن الطريف أنّ حسن حنفي يحاول أن يتمسّك بالقرآن ليجد له سندًا في تمسّكه بالظاهريّات، فيقول في قوله تعالى: (وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَارِغًا) إنّه «فراغ الشعور وملء الشعور من التحليلات الفينومينولوجيّة». وأيضًا في قوله تعالى: (فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ) أنّه يعني القصديّة[45].

يبني حسن حنفي مشروعه الفكري في تناوله للتراث الإسلامي، على الوعي والشعور، ويزعم أنّ هذا المبدأ هو الذي ساقه نحو المنهج الفينومينولوجي، إذ يقول عن نفسه: «كان من الواضح أنّ المسار الفكري للمؤلف، وتفكيره في الشعور ومنهجه، والتأمّل النظري في الخبرات اليوميّة سينتهي، بعد الاتّصال الموازي بالحضارة الغربيّة، إلى المنهج الظاهريّاتي[46]».
ولكن رغم هذا فإنّه يعتقد بقصور هذا المنهج  فيما يخصّ اللغة والحركية والتطبيق والقواعد، لذا يحاول أن يجري عليه بعض التعديلات، «حتّى يصبح أكثر قربًا قدر الإمكان من التفكير في الشعور ومنهجه[47]». فهو رغم تأثّره العميق بالفينومينولوجيا، واقتباسه الكثير منها، يحاول أن يجعل لنفسه الاستقلاليّة والإبداع بحسب زعمه، إذ يقول: «ليس التحليل الشعوري للخطاب إذن تطبيقًا لمنهج خارجي عادة ما يوصف باسم المنهج الظاهريّاتي وسعيًا إلى تطيبقه، بل هو ما يعرفه القدماء باسم الكلام النفسي[48]».
ومع قطع النظر عن هذا التناقض، فإنّ حنفي يبني مشروعه على نظريّة الوعي الثلاثي: الوعي التاريخي، والوعي النظري، والوعي العملي. علمًا بأنّ الوعي أو الشعور من أهمّ أركان المنهج الفينومينولوجي كما مر، ومهما يكن من أمر، فإنّ هذه النظريّة تتواجد في جميع أعمال حسن حنفي التراثيّة.

ونظريّة الوعي أو الشعور هذه إنّما هي نظريّة قديمة ومعاصرة في الوقت نفسه، «فهناك مستويات عامّة مشتركة بين العلوم الموروثة يمكن الكشف عنها، وهي في نفس الوقت إحدى مقتضيات العصر ... وأهم هذه المستويات هو الشعور ... يكشف عن مستوى حديث للتحليل ضمنًا داخل العلوم التقليديّة نفسها، ولكن نظرًا لظروف نشأتها لم يوضع مكان الصدارة، ولم تعط له الأولويّة الواجبة، ولكن يفهم ضمنًا ويُقرأ فيما بين السطور[49]».

وهذا الكلام يوحي بأنّ حنفي هو الذي اكتشف هذه النظريّة التي تجمع بين التراث والمعاصرة، كما يفهم من عنوان «اكتشاف من مستويات حديثة للتحليل: الشعور» الذي عنون به الباب المبحوث عنه في كتاب التراث والتجديد، وبهذا يحاول أن ينقّب عن مفهوم الشعور المستتر في التراث الإسلامي: الحكمة والعرفان والأصول بكلا شقّيه الديني والفقهي[50]، وإلى أن يكتشف الغرب هذا الشعور ويتجلّى في الكوجيتو عند ديكارت والقصدية عند هوسرل[51].

وختامًا، فإنّ مشروع حسن حنفي الفكري، مشروع فينومينولوجي بامتياز، رغم محاولته إدخال بعض التعديلات عليه، وجعله أكثر مقبوليّة في الوسط الإسلامي.

المبحث الثالث: تحليل ونقد.
1. رغم أنّ المنهج الفينومينولوجي أخفّ وطأة على الدين والظاهرة الدينيّة من سائر المناهج الغربيّة، حيث يحاول أن ينفذ إلى البنى الدينيّة من دون إقصاء أو تحريف وبموضوعيّة تامّة، غير أنّه يشكو من نواقص عدّة وحاله كحال سائر المناهج الغربيّة التي حاولت ملامسة الدين والظاهرة الدينيّة بآليّات ومناهج مادّيّة دنيويّة. فالفينومينولوجيا وسائر المناهج المماثلة وليدة الحداثة الغربيّة، وسيطرة النزعة العلميّة ومحق النظريّات الميتافيزيقيّة، وعليه فهو كغيره غير قابل للاعتماد التام في تفسير الظواهر الدينيّة.

2. صحيح أنّ المنهج الظاهراتي جاء كبديل عن المناهج الوضعيّة والتاريخيّة وغيرهما، غير أنّه لم يسلم من النقد الغربي أيضًا، وقد تلقّى نقود كثيرة من مختلف التيّارات والمدارس الفكريّة الغربيّة، حتّى من المدرسة الفينومينولوجيّة نفسها، فهايدغر الذي يحسب على هذه المدرسة ويتبنّى الظاهراتيّة، لم يرتضِ الاهتمام بالماهية كما اهتمّ بها هوسرل، بل يرى لزوم الاعتماد على الوجود أو «الدازاين»[52]، كما أنّ ألن دوغلاس بعدما قام بتوضيح وشرح المنهج، بدأ بنقده ونفى عنه العلميّة المدعاة والوصفيّة المتوخّاة[53].

ثمّ إنّ الماركسيّين أيضًا نفوا هذا المنهج وجعلوه فلسفةً مثاليّةً غيبيّةً، أضف إلى ذلك سائر المدارس الفلسفيّة الغربيّة حيث أشكلت في تناسق المقدّمات والمباني والنتائج لهذا المنهج، وكذلك في كيفيّة معالجته لنواقص الواقعيّة والمثاليّة وتجاوزهما كما ادعاه هوسرل[54].

3. إنّ المصطلحات التي يستعملها المنهج الفينومينولوجي، هي مصطلحات غامضة كثُر الاختلاف في شرحها وتوضيحها، وقد اعترف حسن حنفي بهذا الأمر إذ يقول: «أصبح من المسلّم به أنّ لغة الظاهريّات لا يمكن فهمها، فقد سال حبر كثير لتقال أشياء قليلة ... الظاهريّات الآن مثقلة بلغتها، غمضت مقاصدها وقلّ وضوحها بسبب تعقّد مصطلحاتها، وطويت بداهة اختياراتها داخل جهاز اصطلاحي مثقل، الظاهريّات ما زالت في المعمل، وما زالت تصنع دون أن تخرج بمنهج واضح ومتميّز[55]». فهكذا منهج لا يتمكّن من تجاوز العقبات الفلسفيّة والفكريّة وتقديم بديل لسائر المناهج، فضلًا عن زعمه الانحصار في مضمار السباق العلمي سيّما في مجال دراسة الدين والظواهر الدينيّة.

4. من نواقص هذا المنهج في تناول الظاهرة الدينيّة أنّه يكتفي بالجمع والتدوين والأرشفة للظواهر الدينيّة من مختلف الأديان، ولم يرق إلى مرحلة التقييم والتنقيح، والصحة والكذب، وإنّ أيّ ظاهرة تعدّ دينيّة وأيّ ظاهرة تكون بدعة صاغتها يد التحريف، وهذا الأمر يعدّ نقصًا فادحًا في هذا المنهج، إذ ربّما يجعل اللصيق المنحرف أصلًا ثابتًا من أصول الدين وهو ليس كذلك، وعليه فإنّه باعتماده على الظواهر الصرفة، يغفل جانب الواقع ونفس الأمر، وهل أنّ هذه الظاهرة متوافقة مع نفس الأمر والحكم الإلهي المنزل من الغيب المبتني على المصالح والمفاسد الحقيقيّة أم لا؟ وعليه فلا يمكن الاعتماد على هذا المنهج لتفسير وشرح الظواهر الدينيّة.

5. إنّ هذا المنهج لاعتماده على الظواهر كما هي، وإغفاله للواقع ونفس الأمر، وخلطه بين صدق الظواهر وكذبها، يقع في تعدّديّة دينيّة ترى جميع الطقوس والأعمال والأديان على حق، وتمتلك الصحة طالما تمّ ممارستها في الحياة اليوميّة من قبل فئات مختلفة من الناس، وهذا ما لا يتوافق مع الدين الحق الذي ارتضاه الله لخلقه، والذي هو مدار السعادة والنجاة يوم القيامة، وهذا ما نوّه له أحد الباحثين قائلًا: «إنّ هذا الاتّجاه لم يفرّق بين تجلّيات اللوغوس الأصليّة، والتجلّيات الفرعيّة، كما لم يفرّق بين الأديان الحيّة الراقية والأديان الزائلة، إنّ كثيرًا من علماء فينومينولوجيا الدين لم يمتلكوا معيارًا يفسّروا على ضوئه الظواهر كظواهر تعود إلى الواقع ونفس الأمر[56]».

6. إنّ دعوى التجرّد التام والاعتماد على الشعور أو الوعي من دون أيّ خلفيّة ميتافيزيقيّة، أمر لا يتحقّق إذ المعرفة لا تتكوّن من فراغ، بل توجد أُسس وثوابت فطريّة وبديهيّة تكون هي المعتمد في عمليّة الفهم، كما أنّ هذه الدعوى تنفي دور الرسول في شرح وتفسير وتبيين المعارف التي نزلت من قبل الله تعالى، فالتعرّف على كثير من الطقوس، وتحديد معناها ومحتواها يعتمد على تبيين الرسول لا على مواجهة الظاهرة في ذاتها؛ لأنّ الظاهرة الصامتة حمّالة أوجه، ولا بد أن تنطق من خلال الدليل والهادي المعصوم.

7. إنّ الوقوف على صحّة المعارف وعدم صحّتها يعتمد على وجود معيار يُحتكم إليه، والمعيار لا بد وأن يكون خارج الشيء المدروس، بمعنى أنّ الشيء لا يمكن أن يكون معيار نفسه لاستلزامه الدور، وعليه فالرجوع إلى ذات الشيء وطريقة انكشافه في الذات من دون الاحتكام إلى أيّ شيء آخر، يجعل المعيار نفس ذلك الشيء، وهذا خلف.

8. إنّ الرجوع إلى انكشاف الشيء في شعور المتلقّي ووعيه، يجعل تجربة الظاهرة الدينيّة أمرًا شخصيًّا، وجعلها أمرًا شخصيًّا يؤول إلى النسبيّة، إذ تجارب كل شخص ووعيه وشعوره تختلف عن الآخرين، ممّا يؤدّي إلى كثرة التجارب وتصادمها وبالمآل نسبيّة المعرفة الدينيّة.

9. لا ضير في تطبيق المنهج الفينومينولوجي على المسيحيّة أو اليهوديّة، وقد طالهما التحريف وأصبحا أديانًا بشريّة بعد افتقادهما النقاء الإلهي على يد المحرّفين، فالمنهج المادّي والدنيوي يمكنه تناول المعتقدات الدنيويّة وإن تلبّست بلباس الدين، غير أنّ هذا المنهج لا يمكن تطبيقه على الإسلام لبقائه على نقائه الأوّل من دون أن يناله التحريف في أسسه ومبادئه العامّة والرئيسيّة، وفي مقام بيانه وشرحه وفهمه لابد من الاعتماد على الأسس المعرفيّة القويمة، فبعض المفردات لابد وأن تفهم من خلال العقل السليم المشترك بين جميع بني البشر، وبعض المفردات الاُخر لا يمكن فهمها وتحليلها واستيعابها إلّا من خلال الدليل النقلي، طبعًا مع الالتفات إلى عدم الخلط بين الظواهر الدينيّة الأصيلة التي تثبت بالنصّ القطعي، مع الظواهر التي يبدعها العرف العام بحسب الظروف التي يمرّ بها كل بلد وكل منطقة.

ومن هنا يظهر خطأ أمثال حنفي وغيره ممّن حاول تطبيق هذا المنهج أو غيره من المناهج الغربيّة على الإسلام وشعائره وطقوسه، إذ النتيجة تكون التماهي مع المنهج الغربي على حساب الإسلام، فيصبح الإسلام اسمًا من دون مسمّى، فالشكل إسلام والمحتوى والباطن هو الثقافة الغربيّة بحذافيرها، إذ لا يمكن الجمع بين من يعطي الأولويّة للغيب وبين من يعطيها للدنيا وعالم المادّة.    

لائحة المصادر والمراجع
أزمة العلوم الأوروبيّة والفينومينولوجيا الترنسندنتالية، أدموند هوسرل، ط الأولى 2008، المنظمة العربيّة للترجمة
إسماعيل الفاروقي وإسهاماته في الإصلاح الفكري الإسلامي المعاصر، مجموعة مؤلفين، ط الأولى 2014 دار الفتح.
أطلس الحضارة الإسلاميّة، إسماعيل راجي الفاروقي ولویس لمياء الفاروقي، ط الأولى 1998، العبيكان.
تأويل الظاهريّات، حسن حنفي، ط الأولى 2013، مكتبة مدبولي.
التراث والتجديد موقفنا من التراث القديم، حسن حنفي، ط الرابعة 1992م، المؤسسة الجامعيّة للدراسات والنشر والتوزيع.
روش شناسي مطالعات إسلامي در غرب. عبد العزيز ساشادينا ط الاولى المعهد العالي للعلوم والثقافة الاسلامية.
ظاهريّات التأويل، حسن حنفي، ط الأولى 2013، مكتبة مدبولي.
فكرة الفينومينولوجيا، أدموند هوسرل، ط الأولى 2007م، المنظمة العربيّة للترجمة.
فهم الفهم مدخل إلى الهرمنيوطيقا، عادل مصطفى، ط الأولى 2007، رؤية للنشر والتوزيع.
الفينومينولوجيا عند هوسرل، دراسة نقديّة في التجديد الفلسفي المعاصر، سماح رافع محمّد، ط عام 1994، دار الشؤون الثقافيّة العامّة بغداد.
قراءات في القرآن، محمّد أركون، ط الأولى 2017، دار الساقي.
القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني، محمّد أركون، ط الثالثة 2012م، دار الطليعة.
مدخل إلى الفلسفة الظاهراتيّة، أنطوان خوري، ط الأولى 1984م، دار التنوير.
معرفت ومعنويت، سيد حسين نصر، طبع عام 1385ش، دفتره بزوهش ونشر سهروردي.
مقالات في المنهج، دين محمد محمد ميرا، ط الأولى 2001، دار البصائر.
من النص إلى الواقع، حسن حنفي، ط الأولى 2005، دار المدار الإسلامي.

------------------------------------------
[1]*-  استاذ علم الاجتماع والفلسفة الاسلامية جامعة طهران .
[2]*-  طالب دكتوراه في الفكر المعاصر للمسلمين جامعة المصطفى العالمية .
[3]- مدخل إلى الفلسفة الظاهراتيّة، أنطوان خوري: 36.
[4]- الفينومينولوجيا عند هوسرل، سماح رافع محمّد: 26.
[5]- م.ن: 57-58.
[6]- م.ن: 58.
[7]- فكرة الفينومينولوجيا، هوسرل: 56.
[8]- عنه: الفينومينولوجيا عند هوسرل، سماح رافع محمّد: 97.
[9]- م.ن: 97.
[10]- أزمة العلوم الأوروبيّة، هوسرل: 43-44.
[11]- أزمة العلوم الأوروبيّة، هوسرل: 53.
[12]- فكرة الفينومينولوجيا، هوسرل: 32.
[13]- الفينومينولوجيا عند هوسرل، سماح رافع محمّد: 56.
[14]- م.ن: 56. (عن دائرة المعارف البريطانيّة).
[15]- الفينومينولوجيا عند هوسرل، سماح رافع محمّد: 92.
[16]- مقالات في المنهج، دين محمد ميرا: 98-99.
[17]- م.ن: 100
[18]- الفينومينولوجيا عند هوسرل: سماح رافع محمّد: 122.
[19]- الفينومينولوجيا عند هوسرل: سماح رافع محمّد: 134.
[20]- م.ن: 135.
[21]- الفينومينولوجيا عند هوسرل: سماح رافع محمّد: 136.
[22]- م.ن: 186.
[23]- م.ن: 188.
[24]- م.ن: 190.
[25]- م.ن: 141.
[26]- الفينومينولوجيا عند هوسرل: سماح رافع محمّد: 145.
[27]- م.ن: 161.
[28]- عنه: مقالات في المنهج، دين محمّد ميرا: 94.
[29]- مقالات في المنهج، دين محمّد ميرا: 122.
[30]- مقالات في المنهج، دين محمّد ميرا: 122-123.
[31]- م.ن: 93.
[32]- روش شناسي اسلامي در غرب حوار مع البروفسور ساشادينا: 49. 50. 216.
[33]- أطلس الحضارة الإسلاميّة، إسماعيل الفاروقي: 25، 27.
[34]- جهود إسماعيل الفاروقي في علم تاريخ الأديان، محمّد خليفة حسن (ضمن كتاب: إسماعيل الفاروقي وإسهاماته): 59، 67.
[35]- قراءات في القرآن، محمّد أركون: 117.
[36]- القرآن، محمّد أركون: 17.
[37]- القرآن، محمّد أركون: 21.
[38]- م.ن: 25.
[39]- تأويل الظاهريّات، حسن حنفي: 25.
[40]- ظاهريّات التأويل، حسن حنفي: 59.
[41]- تأويل الظاهريّات، حسن حنفي: 411.
[42]- م.ن: 450.
[43]- م.ن: 515.
[44]- ظاهريات التأويل، حسن حنفي: 59-62.
[45]- من النص إلى الواقع، حسن حنفي 1: 36.
[46]- ظاهريات التأويل، حسن حنفي: 59-60.
[47]- م.ن: 60. وهو يحاول أن يقوم بهذا الأمر في كتابه (تأويل الظاهريّات) كما يصرح به في هامش رقم 3 من صفحة 35 من نفس الكتاب.
[48]- من النص إلى الواقع، حسن حنفي 2: 9.
[49]- التراث والتجديد، حسن حنفي: 132.
[50]- م.ن: 133-136.
[51]- م.ن: 137، وانظر أيضاً: في الفكر الغربي المعاصر:264.
[52]- للمزيد راجع: فهم الفهم، عادل مصطفى: 213.
[53]- راجع: مقالات في المنهج، دين محمّد ميرا: 129 فما بعد.
[54]- راجع للمزيد: الفينومينولوجيا عند هوسرل، سماح رافع محمّد: 207 فما بعد.
[55]- تأويل الظاهريّات، حسن حنفي: 26.
[56]- معرفت ومعنويت، سيد حسين نصر: 548.