البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

المنهجيَّة التَّفكيكيَّة... معاثرها وأسباب ظهورها وعوامل انتشارها

الباحث :  حمدان العكله
اسم المجلة :  الاستغراب
العدد :  27
السنة :  ربيع - صيف 2022م / 1444هـ
تاريخ إضافة البحث :  November / 12 / 2022
عدد زيارات البحث :  88
تحميل  ( 361.446 KB )
تعدُّ التفكيكية واحدة من أبرز مناهج التحليل الفلسفي والأدبي والتي تنتمي إلى مناهج ما بعد الحداثة، ظهرت التفكيكية في النصف الثاني من القرن العشرين، وارتبط ظهورها بالتحولات الفكرية الكبرى التي طالت بنية النص اللغوي وتحليلاته التقليدية، لتتبنَّى رؤية مختلفة عمَّا هو سائد، فترفض التحليل الثابت للنص، وتدعو إلى منح النص الأدبي معانٍ جديدة غير ثابتة، أي دعت إلى انفتاح النص بالشكل الذي يجعله قابلاً لاستيعاب عدد لا متناه من التأويلات المختلفة، وقد جاء هذا المنهج كردة فعل على المنهجية البنيوية وعلى فكر الحداثة وتقاليدها، ليشكِّك بكلِّ ما تقوم عليه من أفكار، ففي المنهج التفكيكي البناء والهدم للبناء إلى ما لا نهاية.

تحاول التفكيكية تحليل النص بأسلوب يعالج مفاهيم النص، أي هو يستند على المعنى، ويلاحظ التناقضات ضمن المعنى نفسه معتمداً على استقلالية النص بوصفه بنية لغوية، ومتجاوزاً الكاتب الذي يفترض أنَّه لم يعد يتصل بالنص المكتوب والذي بات ملكاً للمتلقي الذي بإمكانه أن يستخرج من النص ما لم يخطر على ذهن الكاتب أثناء إنشاء النص، فالنص ليس لغة ثابتة تملك تفسيراً أحادياً يحتكره الكاتب وحده، بل تميل التفكيكية لجعله أكثر ديناميكية وقدرة على استيعاب التفسيرات الجديدة والمتبدِّلة بتبدُّل الفكر وتاريخ المجتمعات.

البحث دراسة نقدية للمنهجية التفكيكية، ومناقشة للأسباب التي قادت إلى ظهور هذه المنهجية وارتباطها بفلسفات حداثوية، على الرغم من انقلابها على قيم الحداثة نفسها، إلا أنَّ هذا الانتشار ارتبط بظروف مختلفة ساعدت من حضور التفكيكية بشكل قويٍّ في ساحة الفكر الفلسفي والأدبي، وقد تميزت التفكيكية بأسس ومرتكزات قامت عليها وعززت من فاعليتها، إلا أنَّها حوت في الوقت نفسه على جملة من التناقضات في بينيتها وفي تطبيقها.

كلمات مفتاحية: المنهجية التفكيكية- بنية اللغة- الهدم والبناء – نظرية النص – موت المؤلف- المطلق والمتعالي.

أولاً: التَّأسيس الفلسفيُّ للمنهجيَّة التفكيكيَّة:
يعود ظهور التفكيكية بوصفها منهجية نقدية إلى البحث في معنى النص، ورفض التسليم للمعنى الثابت الذي يقضي بيقينية أحكامه، فالصراع بين الشك واليقين صراع طويل عبر تاريخ الفكر، وحضور التفكيكية إلى الساحة الفكرية ما هو إلا نتاج حقيقي لهذا الصراع، حيث تمَّت عبر هذه المنهجية العودة إلى الذات بشكل أكبر وأكثر عمقاً، وقد أسَّست الفلسفة لهذه المنهجية وهيَّأت لها أسباب الظهور؛ ذلك لأنَّ الفكر الفلسفي هو الفكر الذي يبحث باستمرار بين اليقين والشك، فينطلق من المسلَّمات إلى اكتشاف المجهولات، ومن اليقين إلى الشك، إذ «إنَّ تحرُّك الفكر الفلسفي المستمر بين محوري اليقين والشك بين المحاولة المستميتة من جانب الواقعيين لإيجاد مركز بنائي ثابت، مع افتراض وجوده المسبق، ترتكز عليه دعائم الوجود، وهو ما يسميه الفلاسفة بالجوهر والوجود والكينونة والوعي والحقيقة والله والإنسان، وبين الشك في وجود هذا المركز الثابت في المقام الأول، هذا التذبذب المستمر هو الذي يخلق الثنائية  المتعارضة للمحسوس وغير المحسوس، للحقيقة والوهم، للخارج والداخل، للموضوع والذات، وهي ثنائية تمثِّل المدْخَل الأساسي والتفسير الوحيد للتفاوت بين المدارس النقدية واللغوية، حول وظيفة الأدب وطبيعة المعنى ووظيفة اللغة، أي إنَّ التناقضات اللانهائية في تجريبية لوك وهوبز والتي تؤدي في نهاية الأمر إلى الشك عند هيوم ونيتشه تتكرَّر بنفس القدر والتذبذب وبنفس الديناميكية في النقد الأنجلو-أمريكي ونظريات اللغة»[2].

في نهاية المطاف اتخذت التفكيكية موقفاً إيجابياً من تيار الشك الذي أرسى دعائمه كلٌّ من نيتشه وهوسرل ومارتن هيدغر وغيرهم عبر كتاباتهم الشكيَّة المؤسِّسة للفكر المتحرر من أطره الضيقة التي كانت سائدة، وكان تحرُّر الفكر يستلزم بالضرورة تجاوز النص ولغته ومدلولاته، ممَّا يتطلَّب تجاوز المؤلِّف عبر منهجية ما سمِّي بـ (موت المؤلِّف)، والتي تعدُّ من المقولات الرئيسة في المنهجية التفكيكية التي تفكِّك المعنى الثابت للنص، وترى أنَّ النص يمتلك عدداً لا نهائياً من المعاني، قد لا يصل إليها كاتب النص نفسه، فتقدِّم هذه التأويلات قراءة جدية مغايرة لكلِّ ما هو سابق، وفهماً جديداً للنص، وهذه القراءات غير النهائية للنص قد تكون كلُّ واحدة منها مختلفة عن السابقة تماماً، وهي آلية ذات أساس فلسفي تعود إلى مفهوم (موت الإله) عند نيتشه، والتي تعني موت المطلق والمتعالي والحقيقة الثابتة وفتح المجال أمام الذات لتكون لها حريتها المطلقة دون أيِّ مرجعية مركزية فكرية تقليدية، والقول بلا مركزية إلهية للكون، كما قال نيتشه بمفاهيم كثيرة (موت الإله، الإنسان الخارق، إرادة القوة..)، فتقوم هذه المفاهيم على مبدأ الحفر في الأفكار دون الاكتفاء بما هو ظاهر، وبشكل يمنح الاعتبار لما هو مهمَّش أو مسكوت عنه، وهي المنهجية التي تعدُّ من أهم المبادئ التي قامت عليها القراءة التفكيكية عند جاك دريدا وغيره من مفكري الغرب، وهو الطرح الذي اتكأ عليه دريدا، الذي بدوره قام بنقد للفلسفات الأوروبية التقليدية من خلال آلية التفكيك التي قام بتطبيقها إجرائياً، لتكون التفكيكية استراتيجية قراءة ومميزة للخطاب بمختلف أنواعه، فجعل النص كتلة غامضة بحاجة إلى سبر أعماقه الداخلية عبر منهجية التفكيك أو التفجير لإعادة بنائه من جديد، فيقول دريدا: «لا أتعامل والنص، أي نص، كمجموع متجانس. ليس هناك نص متجانس، هناك في كلِّ نص، حتى النصوص الميتافيزيقية الأكثر تقليدية قوى عمل هي في الوقت نفسه قوى تفكيك للنص. هناك دائماً إمكانية لأن تجد في النص المدروس نفسه ما يساعد على استنطاقه وجعله يتفكَّك بنفسه، سواء أتعلق الأمر بفرويد أم بهوسرل، بهيدغر أم بأفلاطون، بديكارت أم بكانت، ما يهمني في القراءات التي أحاول إقامتها ليس النقد من الخارج، وإنَّما الاستقرار أو التموضع في البنية غير المتجانسة للنص، والعثور على توترات، أو تناقضات داخلية، يُقرأ النص من خلالها نفسه، ويفكِّك نفسه بنفسه.. إنَّ هناك في النص قوى متنافرة تأتي لتقويضه وتجزئته»[3]، فالتفكيكية برأي دريدا حركة بنائية لا نهائية، وليست حركة تهديمية فحسب، فهي فلسفة التقويض الهادف والبناء الإيجابي، وقد جاءت لتعيد النظر في فلسفة البنيات والثوابت، كالعقل واللغة والهوية، وغيرها من المفاهيم التي هيمنت على التفكير الفلسفي الغربي طويلاً، أو جاءت لتنتقد وتفكِّك المقولات المركزية السائدة.

كما أنَّ الفلسفة الظاهراتية (الفينولومينولجية) ساهمت بالتأسيس للتفكيكية، حيث كان إدموند هوسرل «يولي أهمية قصوى للوعي الذي يراه تفاعلاً حقيقياً مع العالم الخارجي، فالوعي فعل، حيث تكون الذات قاصدة، ويكون الشيء مقصوداً، ويكون كلاهما متضمَّناً بالتبادل وحيث تكون الذات حقيقية، ويكون الشيء حقيقياً أي صادراً حقَّاً من الخارج»[4]، إذ إنَّ نظرة الظاهراتية للعالم تعود لاعتباره نصاً مفتوحاً على التأويل للبحث في الوجود وماهيته، ممَّا فتح الأفق لتعدد القراءات المختلفة فأسست للمنهجية التفكيكية، ذلك أنَّ الظاهراتية لا تبحث عن تحديد الصلات التي تعتمد على التسلسل التاريخي، بل ترسم صورة واضحة للجوانب النظرية الكثيرة للقراءة، فالظاهراتية تعني تحقيق وصف شامل لظاهرة المعنى الأدبي، وقد ركَّز روادها على فعالية الفرد الذي يؤلِّف النتاج الأدبي ومعناه بوصفه موضوعاً ضمن قصد معين، إنَّ هذه الرؤية للقراءة تؤكِّد الحدث الشخصي الذي يربط القارئ بالنص أو المؤلف، وتنير الطريق أمام معظم النقد الحديث الذي يعتمد على استجابة القارئ، فضلاً على أنَّها تقيِّد بدرجة ما نقد التحليل النفسي، وبدرجة أقل النقد الذاتي، فالمفاهيم الظاهراتية حول الذات والفاعلية وغيرها لها دور بارز في تكوين الشخصية، كما أنَّها العامل المساعد للفكر التفكيكي اللاحق لها[5]، فالفكر في الظاهراتية يقوم على أساس أنَّ المعرفة الحقَّة للعالم لا تتمثَّل بتحليل الأشياء كما هي خارج الذات؛ وإنَّما لا بدَّ من تحليل الذات نفسها وهي تقوم بمهمة التعرُّف على العالم؛ لأنَّ الوعي البشري لا يكون منفصلاً، بل هو وعي بشيء معين، ولكنَّ هذا الوعي بحاجة لعملية إفراغ من التصورات القبلية، لذا لا بدَّ من التركيز على القارئ بوصفه شخصية فاعلة في عملية القراءة وعلمية إنتاج المعنى، حيث التفاعل بين القارئ والنص المقروء، وهذا ما ظهر في فكر هوسرل وهيدغر وغيره من روَّاد الظاهراتية.

لقد قام هيدغر بتنبيه دريدا لأهمية الفكر التفكيكي كمنهجية لتجاوز الفكر الفلسفي التقليدي المبني على أساس الموجود والذي أسَّس له مبدأ الكوجيتو الديكارتي، فقد تبنَّى دريدا مفهوم (التدمير) عند هيدغر، والذي كان يقصد به، تحليل بنية النص وتشريحها بدقة، إذ إنَّ «كلمة تفكيكية التي يستخدمها دريدا تستلهم مشروع هيدغر بخصوص تدمير تاريخ الأنطولوجيا»[6]، حيث تتلاقى فلسفة هيدغر مع التفكيكية في تقويض أسس الفلسفة الغربية، فقد تناول في فلسفته مفاهيم كثيرة تمَّ استخدامها كأسس للتفكيكية، كمفاهيم الغياب والحضور، والمعرفة واللغة، والتناص، وغيرها، كما استخدم دريدا مفاهيم كانت سائدة في التحليل النفسي الفرويدي كالكبت والحلم والهلوسة، إضافة إلى بعض المصطلحات التي استخدمتها التفكيكية والتي تعود إلى الفلسفة الوجودية ومثالها مصطلحات الوجودية والعبثية والحرية، وكذا الحال في فلسفة ميشيل فوكو التي كسرت الجمود في الفكر والوعي الذي سيطر على التفكير الأوروبي، ممَّا دفع فوكو للبحث عن الحقيقة في الغياب فيما تبوح به الخطابات، ممَّا يعني أنَّ المنهج التفكيكي ذو بنية وأسس فلسفية.

ثانياً: العوامل التي ساعدت على ظهور التفكيكيَّة:
لقد شكَّلت الحرب العالمية الثانية ونتائجها الكارثية صدمةً لشعوب العالم بشكل عامٍّ، والشعوب الأوروبية بشكل خاصٍّ، وذلك بعد أن تبيَّنت النتائج السلبية للعلم والأبحاث العلمية التي تمَّ استخدامها بشكل سلبي، فتحوَّل العلم من أداة سلام وطمأنينة إلى أداة قلق وتوتُّر ومصدر للآلام، لاسيَّما بعد ظهور فشل الأنظمة الاقتصادية (الاشتراكية، الرأسمالية، وغيرها)، ممَّا تسبَّب بظهور تيار تشكيكي ساند مجموعة من الفلسفات التي أرادت إحداث تغيير في الواقع الأوروبي، كما أرادت تجاوز الفكر التقليدي السائد، والسماح بحرية النقد دون أيِّ معوقات كتعريض المقدَّسات المسكوت عنها للنقد، فلا إيمان بالحقيقة، ولا شيء يمنع سبر هذه الحقيقة والتشكيك في صحتها.

إنَّ الظهور الحقيقي للتفكيكية كان في سبعينيات القرن الماضي، وقد نشأت على أنقاض البنيوية، وعُدَّ جاك دريدا من أبرز أعلامها ومؤسسيها، فعرَّفها بأنَّها أسلوب فهم العلاقة بين النص والمعنى، مستخدماً أسلوب ربط قراءات النص وتحليله وكشف معانيه وتناقضاته، وقد توصَّلت هذه المنهجية إلى معنى يناقض المعنى المقصود أو الوحدة الهيكلية لنص معين، فظهرت على أنَّها هدم لقيم الحداثة، لأنَّها تستهدف القيم العقلانية التي تبنَّتها الفلسفات الحديثة، محاولة تفكيكها وتحليلها وسبر أعماق تلك النصوص، فهي تعمل على إحداث نسق استفزازي، وتؤكد عدم ثبات المعاني التي يقوم عليها النص، فالنص موضع قراءات لا نهائية، لذا فقد أثرت في النقد الأدبي وساهمت في تطويره، فهي «محاولة مستميتة ومتعمَّدة لتغليب مصادر الأسلوب التفسيري على أيِّ عرف متصلب ومتعنَّت من أعراف المنهج أو اللغة، وقد برزت التفكيكية كما رأينا من خلال اصطدام فكر ما بعد البنائية بالذات بالنقد الأمريكي الجديد الذي يكشف بالفعل عن أعراض التوتر الداخلي والشك الذاتي، غير أنَّ التفكيكية لها جانب أكثر وأشد جدلاً ينبع من دوافع استبيانية مماثلة، ولكنَّه يوجِّه تلك الدوافع صوب هدف مختلف، وبرغم أنَّ قراءات التفكيكية تشكِّك في كلٍّ من المنهج والنظام فإنَّ هذه القراءات بحدِّ ذاتها تقدِّم حججاً صارمة وقاطعة»[7]، إذ إنَّ القراءة التفكيكية للنصوص تقوم على اعتبار الاختلاف مرتكزاً أساسياً في عملها، فتتعدد القراءات مع اختلاف كلِّ قراءة عن الأخرى، ومن المعروف أنَّ النزعة العقلية سادت في الفكر الأوربي قبل ظهور التفكيكية ممَّا جعل الكتابة مقدَّمة على الكلام، وذلك دفع دريدا للاهتمام بالكتابة، دون أن يقدِّم الكلام على الكتابة كما فعل روسو، في حين أنَّ دريدا رأى أنَّه لا وجود لمجتمع من دون كتابة أو توثيق.

بينما نجد في الطرف الآخر من التفكيكية رائدها بول دي مان الذي بنى منهجيته التفكيكية على أهمية القراءة بوصفها القاعدة الأساسية للإنسان، فأنسنة القراءة مهمة تفكيكية، وهي المهمة التي يعمل فيها الإنسان باستخدام إحساسه وإدراكه، وهي قدرة إنسانية خاصة، فقد طرح دي مان ما سماه بالقراءة الجديدة والتي تُعنى بتأويل اللغة المجازية، عبر قراءة للعالم المؤثِّر بأفكارنا وقراراتنا، فاللغة المجازية هي المحرِّك الذي يحرِّك هذه القراءات في بوتقة العالم، فلا بدَّ من الابتعاد عن التسليم بالمعاني الثابتة والأحادية المتداولة بشكل استاتيكي وجامد لا يعبِّر عن حقيقة إدراكنا للعالم، والاتجاه صوب التأويل اللغوي دون التوقف عند القراءات مهما كثرت، وهذا ما سيزيح كلَّ التقسيمات التقليدية في التحليل الأدبي.

وبذلك فإنَّ دي مان دفع القارئ لتقديم معنى جديد للنص يكون معنى منتجاً في الواقع، من دون أيِّ إنكار أو تجاوز لمكانة صاحب النص أو المؤلف الأصلي، إنَّما قد يتناول القارئ جانباً ترميمياً عبر آلية تفكيكية تبعث في النص حياة جديدة تجعله أكثر واقعية أو تناسباً مع الواقع الجديد، إذاً «دي مان لا يُعلي من مكانة القارئ على حساب المؤلف بوصفه مصدراً للمعنى في النص فحسب، لأنَّ ذلك سيكون قلباً للثنائية الضدية التي لم تسهم في إزاحة نموذج القراءة القانع بذاته والذي يميز النقد الأدبي التقليدي الذي تنتج عنه هذه الثنائية في المقام الأول، وكذلك فإن دي مان لا يرغب في إزالة فكرة القراءة كلياً، على العكس من ذلك، إنَّ ما يجعل نصوص دي مان ضرباً من ضروب التفكيك هو التأكيد الإيجابي على القراءة واللغة الأدبية»[8]، فالنص الأدبي موضع بحث تفكيكي بمفاهيمه التقليدية، وإعادة طرح مفاهيم جديدة وفقاً لآلية جديدة قادرة على إزالة النسق التقليدي من روح النص، من دون أن يبتعد عن الحقيقة المراد إيصالها عبر النص الأصلي، فتفكيك النص عند دي مان هو عبارة عن بحث عن معانٍ جديدة داخل النص ربما لم ينتبه لها الكاتب الأصلي للنص أو أنَّه لم يعرها الكثير من اهتمامه أثناء الكتابة.

 إنَّ المنهجية الجديدة برأي دي مان تقوم على منح الحياة والروح للنص ويبين ذلك بقوله «لا تمضي الروح العامة الحالية في اتجاه النقد الداخلي الشكلي، ومن ثمَّ يصعب تكوين رأي عنه من خلال الكتابات الحديثة، ربَّما لأنَّنا لم نعد نسمع الكثير عن التلازم بين العناصر الداخلية، وأصبحنا نسمع الكثير والكثير عن المرجع و»الخارج»، غير اللفظي الذي تشير إليه اللغة والذي يشترط طريقة عمل اللغة، بل ويملي عليها طريقة عملها، ولم ينتج هذا الوضع عن التشديد على الكنه الخيالي في الأدب.. بل نتج عن التفاعل بين العناصر الخيالية وعدد المقولات التي يقال إنَّ لها صفة الواقع، من قبيل مقولة الذات، ومقولة الإنسان، ومقولة المجتمع، أو ما يعبِّر عنه بعض النقاد بالعبارة الآتية: الفنان وثقافته والجماعة الإنسانية»[9]، والكثير من المقولات التي قيدت النص بأطر تنميطية جعلت من النص عاجزاً عن الخروج من هذه الأطر الضيقة على الفكر الحر، فكانت دراسته التفكيكية الآلية التي بثت الروح في النص القديم وبعثته بلبوس مناسب ومنطقي أكثر، من دون أن تمنع القراءات الجديدة أو ما سمِّي بالإساءة للقراءة حسب تعبير التفكيكية، وكلُّ ذلك يعدُّ من العوامل المحرِّكة لظهور التفكيكية ومعالجة واقع النصوص في الأدب والفلسفة وطرحها بروح جديدة وقابلة للتجديد المستمر، وهذا ما سيدفعنا للحديث عن المقولات التي تقوم عليها التفكيكية.

ثالثاً: مقولات التفكيكيَّة واختبارها:
بعد معرفة الأساس الفلسفي الذي هيَّأ لظهور الفكر التفكيكي، ومراجعة العوامل التي ساهمت في حضوره، يمكننا الحديث عن المقولات الأساسية لهذه المنهجية، وهي المقولات التي تشكِّل بنيتها الفكرية، وتعبِّر عن آلية ممارسة منهجها، فالتفكيكية عملت بشكل رئيس على تقويض لبنات العقلانية الغربية، لذا فلابدَّ من حضور مقولات تعمل بها خارج الصندوق التقليدي، لتفتح بوابة الاختلاف وتقدِّم دلالات جديدة يتمُّ عبرها التخلُّص من الأحكام المسبقة المهيمنة على التفكير، وللوقوف على سرِّ التفكيك الباحث عن لغز الكينونة لابدَّ لنا من الكلام على هذه المقولات، ونذكر أبرز هذه المقولات:

أولها، نقد المركزية أو قراءة الإساءة: تقوم على رفض أيِّ مرجعية فكرية قد تؤثر في النص أثناء عملية التحليل، وهي متنوعة؛ فقد تكون ذات مرجعية اجتماعية أو تاريخية أو نفسية أو غيرها من الأشكال التي تؤثِّر في التحليل، لذا فقد رفضت التفكيكية المناهج النقدية السياقة التي سبقتها لما لها من مركزية ثابتة وقاعدة تنطلق منها، فالنص يجب أن يتعدَّد ويتنوَّع بتعدُّد القراءات وتنوِّعها، وهنا ظهر مصطلح (موت المؤلِّف)، والذي يعود في أساسه الفلسفي إلى فكرة (موت الإله) عند نيتشه، وبناء على ذلك فإنَّ القارئ هو الذي يفسِّر النص وفقاً لثقافته أو بيئته أو تعليمه أو توجهاته، فتنتهي مهمة المؤلِّف عندما يقدِّم النص للقارئ، ويعدُّ رولان بارت أوَّل من قال بموت المؤلِّف في مقالة حملت الاسم نفسه، حيث يقطع بارت الصلة بين النص ومؤلِّفه؛ لأنَّ استمرار العلاقة بين النص ومؤلِّفه «تؤدي إلى إيقاف النص وحصره وإعطائه مدلولاً نهائياً، وهذا ما يغلق الكتابة، وإن كان يريح النقد والناقد، اللذين يبحثان عن المؤلف، أو عن حوامله؛ من مجتمع وتاريخ ونفس وحرية، ولكنَّه لا يفيد النص ولا متلقيه المشاكس، غير المستسلم، الذي يظلُّ دوماً في حالة بحث عن شيء ما داخل النص، وخارج ما أراد المؤلِّف قوله»[10]، فتتوقَّف فاعلية المؤلِّف في النص، ممَّا يفتح الباب أمام تعدُّد القراءات للنص الواحد، وكلُّ قراءة جديدة تهدم القراءات السابقة لها، ومن هنا جاءت تسمية قراءة الاساءة؛ ذلك لأنَّ كلَّ قراءة تهدم وتتنكَّر لما قبلها وتعيد قراءة النص وفقاً لرؤية جديدة مختلفة كلياً عن سابقتها.

ثانيها، الإرجاء والاختلاف: وترتكز على مفهوم الكينونة عند هيدغر، والذي يتكَّون من ثنائية (المعرفة والذات العارفة)، حيث إنَّ كلاً من المعرفة المكتسبة والذات العارفة المدركِة للموضوع قابلة للتغيُّر مع سيرورة الزمن، ممَّا يجعلها عرضة لتغيرُّ فهمها، وبذلك تبقى الحقيقة التي يتمُّ الوصول إليها اليوم ويتم التأكيد على صحتها مرجأة إلى حين ظهور حقيقة أحدث وأدق منها، وقد تنفيها بشكل كامل، وهكذا تكون حقيقة النص الذي يتوصل لها قارئ مرجأة لحين وصول قارئ آخر لمعنى آخر جديد، أي إنَّ الفعل «ينطوي على إطالة وتسويف، وتفترض هذه البنية سلفاً أنَّ العلامة التي تؤجِّل الحضور، لا يمكن تصوُّرها إلا على أساس الحضور الذي تؤجِّله، ولا يمكن تصوُّرها إلا وهي تتحرَّك نحو حضور مؤجَّل تسعى إلى استملاكه، وبمقتضى هذه السميولوجيا الكلاسيكية يُعدُّ استبدال العلامة بالشيء نفسه أمراً ثانوياً ومؤقتاً؛ ثانوياً بالنظر إلى الحضور الأصلي المفقود الذي عنه تنشأ العلامة، ومؤقتاً بالنسبة إلى هذا الحضور الضائع المبتغَى. والعلامة بهذا المعنى حركة متوسطة تتَّجه إلى إحراز الحضور»[11]، فالإرجاء يجعل الدلالة غير حاضرة، والعنصر يكون موسوماً بشيء من أثر العنصر السابق، وتاركاً نفسه للعنصر القادم تحفر فيها علامة جديدة، ولهذا كان الإرجاء والاختلاف يقود إلى مقولة لا نهائية المعنى.

ثالثها، لا نهائية المعنى: مع الإقرار بعدد لا نهائي من القراءات فإنَّه سيترتب على ذلك عدد لا نهائي من المعاني، ممَّا يعني حالة من توالد المعاني المتتالية، وبالتالي حضور معانٍ ثمَّ غيابها بشكل متتالٍ ومستمر، وقد أكَّدت نظريات القراءة والتلقي فكرة تعدد التأويلات، واختلاف القراءات نتيجة لاختلاف القرَّاء، وفي ذلك إشارة إلى نفي أحادية معنى النص، والقول بمرونته الذي لم يُعر أيَّاً من النظريات النقدية السابقة أيَّ اهتمام، فالقراءة ما هي إلا إجابة عن سؤال الكتابة، وهذا الجواب يقدمه كلُّ واحد منَّا، مع ما يحمله من تاريخ ولغة وحرية، والتاريخ واللغة والحرية هي تحوُّل لا نهائي، لذلك فإنَّ جواب العالم للكاتب لا نهائي، ونحن بطبعنا لا نكفذُ عن الإجابة عمَّا كُتب خارج كلِّ جواب، فلا حدود لقراءات النص ولا حدود لمعاني النص.

إنَّ القول بانعدام المعنى الواحد للنص بمثابة نتيجة طبيعية لتتالي الفِكَر السابقة واختلافها فيما بينها، وبالتالي فهي تقرُّ بضرورة مشاركة مختلف المتلقين في بناء النص وتقديم معانٍ مختلفة وجديدة له، فالنص الجديد مختلف باختلاف المتلقين له، وبالتالي يتمُّ التأكيد على لا نهائية المعنى للنص الواحد، ممَّا يعني موت فكرة المعنى الموروث للنص؛ لأنّه قابل لعدد لا متناهٍ من التفسيرات والتأويلات، إذ يؤدي اختلاف القراءة زمانياً ومكانياً إلى اختلاف نظرة القارئ للنص، وبالتالي اختلاف معناه باختلاف فهمه، فالعلاقة بين القارئ والنص علاقة خاصة، فلكلِّ قارئ تصورات وانفعالات مختلفة، ولهذا فإنَّ النص لا يكون نصاً كاملاً، فمعنى النص ينتج من تفاعل بين بنيته ومتلقيه[12]، لذا فإنَّ النص سيتجاوز  صاحبه الأصلي، وسينتج أبعاداً أخرى عبر القراءات المتنوعة التي سيتعرض لها، ولا شك أنَّ النصوص المهمة هي النصوص التي تحثُّ القارئين على استنطاقها مع السيرورة التاريخية للنص، فيكون النص قد تعرَّض لعدد كبير من القراءات، ولعدد لا نهائي من المعاني، وهذا التفاعل داخل النص -حضوراً وغياباً- يدخلنا في المقولة التفكيكية الرابعة وهي الحضور والغياب.

رابعها، ثنائية الحضور والغياب: إنَّ التغيُّر المستمر لمعاني النصوص يجعلنا نعالج ثنائية الحضور والغياب؛ لأنَّنا أمام نصوص متطورة يحضر فيها أثر ويغيب آخر، وهناك الكثير من النصوص الخالدة عبر التطور التاريخي ما تزال تطرح معانٍ جديدة وتغيب عنها معانٍ قديمة، وبذلك تعتمد التطورات الحضورية في التفكيكية في بداية الأمر على التناقضات التي تحصل من المؤلف أو في داخل النص، وهو أمر كفيل بتغييب معانٍ لتناقضها مع الحقائق الجديدة أو لتناقضها مع البنية التحليلية للنص ذاته، فيكون ذلك مبرراً لهدمه، كما أنَّ التفكيكية تبحث في النص القديم مستفيدة من النتائج العلمية والبحثية الجديدة فتقدِّم النص بروح جديدة ومعانٍ مغايرة لسابقتها.

إنَّ استراتيجية التفكيك تقوم على النفاذ إلى النص وسبر أعماقه لاكتشاف مواطن الغياب فيه، وماسُكت عنه، ثمَّ إحداث الإبدال فيه بعد تجاوز الإرجاء الذي يتجاوز الحضور ويؤخره ليجعله تحت رحمة أجل غير مسمَّى، فالحضور مرتبط بالوعي، والغياب نتاج للاوعي، أمَّا الإبدال فيلزم عنه الحضور (أو بلغة هوسرل انعدام – ملء الحس)، أي يشير إلى مهمة التعويض الاستبدالي[13].

 وكذلك هناك مقولة خامسة، هي التناص: وهي امتداد لمقولة لا نهائية المعنى، والتي تعني أنَّ قراءتي للنص تستدعي في ذهني نصاً آخر، ممَّا يفتح النص على تأويلات واستحضار لمعانٍ جديدة مستوحاة من النص الحاضر في ذهن القارئ، وبذلك تكون قد اجتمعت كافة مقولات التفكيكية على امتلاك النص على عدد لا نهائي من المعاني، وعلى تجاوز المؤلِّف الذي تنتهي مهمته بطرح النص للتداول بين القرَّاء.

رابعاً: تطبيق التفكيكيَّة على النقد الأدبيِّ:
على الرغم من نهوض التفكيكية على أسس فلسفية إلا أنَّ تطبيقها كمنهج نقدي يتناول النص الأدبي أكثر ممَّا يتناول النص الفلسفي؛ لأنَّ هدفها التشكيك بأن يكون للنص الأدبي معنى ثابت، كما حاول دريدا أن يؤكِّد على أنَّ النص الأدبي بما فيه من عناصر تمنعه من أن يكون نصاً مستقراً، فبرأيه –وبرأي التفكيكيين- إنَّ النص الأدبي يحوي في طياته على احتمالات كبيرة ولا متناهية من المعاني، لاسيما وأنَّ التفكيكية تؤمن بأنَّ الإنسان بشخصيته وسلوكه يتأثَّر بحياة اللاوعي الكامن أو المكبوت – حسب تعبير فرويد- في منطقة الهو (اللاشعور)، وقد يكتب نصاً أدبياً أو فنياً ليعبِّر عن حالته اللاشعورية، كما أنَّ القيم الإنسانية متطورة ومتغيرة، فتتغير تبعاً لذلك القراءات ونظرة القراء للنص، كما أنَّ اللغة متطورة وقد تكون لغة النص الأدبي أكثر بلاغة ودلالة من غيرها من النصوص، بالإضافة إلى أنَّ التفكيكية قامت كردَّة فعل على البنيوية التي تقرُّ بأنَّ النص الأدبي متكامل وثابت، ولا تذهب لتعدد المعاني والقراءات، في حين أنَّ التفكيكية غايتها تأسيس ممارسة فلسفية نقدية «تتحدَّى تلك النصوصَ التي تبدو وكأنَّها مرتبطة بمدلول محدد ونهائي وصريح، إنَّها لا تريد تحدِّي معنى النص فحسب، بل تطمح إلى تحدِّي ميتافيزيقا الحضور الوثيقة الصلة بمفهوم التأويل، القائم على وجود مدلول نهائي[14]. فصحيح أنَّ تفكيكية دريدا لم تكن تسعى للتخصص بالأعمال الأدبية فقط، رغبة منه بعدم حصرها في نوع محدد من الكتابة بهدف أن يتحوَّل فكره إلى فكر مؤسساتي، فلقاء دريدا مع النقاد الأمريكيين هو ما جعل منحاه التفكيكي يتحوَّل إلى واحد من اتجاهات النظرية الأدبية المعاصرة، حيث يرى ريتشارد رورتي أنَّ شهرة دريدا لم تأت عن طريق أقرانه الفلاسفة، بل جاءت عن طريق نقاد الأدب الذين كانوا يجدِّون البحث وراء وسائل جديدة لقراءة النصوص بدلاً من السعي وراء فهم التاريخ الفكري فهماً جديداً، فقد صار هذا الشعار لصيقاً بمدرسة فوجئ دريدا بأنَّه رائدٌ لها.

ويعدُّ بول دي مان أولَّ من دعا للاهتمام بالفلسفة في النقد الأمريكي، الذي كان قد استقر منذ عقود على فكرة استبعاد التاريخ، أو الفلسفة في نقد النصوص الأدبية، معتبراً أنَّ ذلك ما هو إلا نتاج للإرث الذي تعلَّمه النقاد الأمريكيون من النقد الأنجلو- أمريكي، وفي بداية السبعينيات من القرن الماضي تبين لكثير من النقاد أنَّ تفكيك النصوص الأدبية يتعاضد مع هدم المؤسسات الاجتماعية غير العادلة، وأنَّ التفكيك عمل بشكل مميز وبفضل جهد أكاديميي الأدب على محاولة التغيير الاجتماعي الجذري، فكانت من نتاج هذه الجهود أن تأسست مدرسة بيل في النقد الأدبي، والتي ضمَّت أسماء كان لها أثرها الأدبي والفلسفي كهارولد بلوم، وجيوفري هارتمان، وهيلس، ودريدا، وهذا ما قاد إلى دخول التفكيكية إلى الدراسات الأدبية[15]، فتحوَّلت التفكيكية إلى تيار فلسفي وأدبي واتصفت بأنَّها منهجية لمقاربة الظواهر الفلسفية والتاريخية والأدبية تشريحاً وتفكيكاً وتقويضاً، فكانت تقوم بتشريح اللغة والفلسفة والنصوص الأدبية، كما كانت سلاحاً لتقويض المقولات المركزية للسانيين، وإعادة النظر في ثنائياتهم المزدوجة كالدال والمدلول، والصوت والكتابة.

فالتفكيكية في الأدب تعني العمل على إخراج المكونات غير الأدبية من النص، ممَّا يعني تسليط الضوء على الاختلاف بين القارئ والمؤلِّف الحقيقي للنص، وبالتالي معاينة تناقض الكاتب مع نفسه ومع مقولاته، والوقوف على التباين الزماني والمكاني، وما يقود إلى كثرة تعدد المعاني والدلالات والتناص، بحيث يتَّضح أنَّ كلَّ كتابة هي تأسيس على أنقاض كتابات أخرى وخلاصة لها، ممَّا يعيد إلى «فعل القراءة شرعيته ويحفظ للنص قيمته الفنية المطلقة ويحوِّل القارئ من مستهلِك للأدب إلى صانع ومنِتج له، وكما قال دي مان إنَّه يركِّز على اعتماد التفسير اعتماداً مطلقاً على النص، مثلما يعتمد النص اعتماداً مطلقاً على التفسير، وبذلك نعطي القارئ ونعطي النص حقَّهما الكامل نتيجة لكونهما العاملين الوحيدين اللذين التزما بالحضور في التجربة الأدبية، وما عداهما فهو غياب يعتمد على وجودهما كي يمكن إحضاره»[16]، وأنَّ موت المؤلِّف في التفكيكية ليس تقليلاً من القيمة العلمية لصاحب النص الأصلي، وليس تهرُّباً أخلاقياً أو أدبياً فيما يخصُّ تراتبية الإبداع، بل إنَّ المؤلف له مرتبة محفوظة؛ وهي تحفيز القارئ لشحذ طاقاته الإبداعية الكامنة، والوقوف بوجه سلطة المؤلِّف ومعاينته لمفاهيم المؤلِّف برؤية أكثر دقة وأكثر جِدَّة.

برأي دي مان إنَّ اللغة الأدبية تدمِّر معانيها بنفسها؛ لأنَّ لكلِّ لغة مجازاً، وتعمل في هذا المجاز وتضيف له التشبيه، كما أنَّ نظريات الفلسفة والقانون والسياسة مجازية كلُّها، كما هو الحال في القصائد الشعرية، والمجاز يقوم بالأساس على القدرة على إبدال رمز برمز أو دلالة بدلالة أخرى، وأنَّ الأدب هو المكان الطبيعي لظهور مثل هذه المجازات اللغوية، وبذلك يكون الأدب هو الأقدر على تفكيك نفسه، ممَّا يعني أن تكون التفكيكية حاجة أدبية وفقاً لرؤية روَّاد التفكيكية؛ لأنَّ الأدب يُنتج عبر عملية تأويلية.

خامساً: مغالطات المنهجيَّة التفكيكيَّة:

تتعرَّض المنهجية التفكيكية للكثير من الدراسات النقدية لها ولطبيعتها، كما تتعرَّض لمحاولة تفنيد مزاعمها المنهجية والموضوعية، ولعلَّ محاولتنا هنا هي نموذج من هذه الدراسات، والتي سنقوم من خلالها بتلخيص أبرز المغالطات، وهي:

- الافتقار إلى البعد التاريخي، إذ إنَّ روَّاد التفكيكية، وكما أسلفنا، يلجؤون إلى إعادة تحليل النصوص القديمة دون أن يأخذوا بحسبانهم بعدها التاريخي وظروف إنتاجها التاريخية، فيظهر المفكِّك على أنَّه هادم للنص، في حين أنَّه تجاهل البعد التاريخي للنص تماماً، فنحن على سبيل المثال لا نستطيع أن نأخذ قصيدة عربية من أدب العصر الجاهلي، ثمَّ نقوم بتحميلها مضامين وقيم عصرية لم يكن يقصدها صاحبها، ولا تناسب الواقع اليوم بظروفه ومكوناته المادية والثقافية، وهذا ما لا تنكره التفكيكية.

- تعمُّد استخدام مصطلحات فلسفية جديدة وغير متداولة حتى يظهر المفكِّك بصورة الفاهم للنص والقادر على تفكيكيه بشكل سليم، وإعادة صياغته من جديد، في حين أنَّ أغلب المفاهيم التفكيكية مبهمة وغير واضحة، إضافة إلى نحتها بشكل فردي وإعطائها معنى فردياً جديداً، كما أنَّ التفكيكية تهدف إلى  التدمير، تدمير النص الأدبي بكامله وإعادة بنائه وفق رؤيتها، فتنتقد كافة المناهج وترفضها دون أن تقدِّم بديلاً لها بشكل واضح.

- التَّركيز الكبير والمبالغ فيه على النص وتحييد مؤلِّفه عنه، ممَّا قاد إلى سوء فهم الكثير من المصطلحات والتراكيب، بحيث حوَّل المفكِّك النص لساحة حرب بعد أن تسلَّح بكافة الأسلحة التهديمية للنصوص المختارة، كما أبعد صاحبها الأصلي، ورفض أيَّ تعليق أو استشارة منه، بشكل أشعرنا بأنَّه يتعامل بروح فردية بحتة مع نص وضعه على مشرحة دون أيِّ رجوع لكاتبه، وهذا ما قاد إلى الكثير من الشطط في تأويل بعض النصوص بعد إخضاعها لهذا المنهج.

- إنَّ اتباع سياسة التشكيك بكلِّ شيء قادت إلى التشكيك بالكثير من الحقائق العلمية المثبت صحتها، إذ سمح المفككون لأنفسهم بإعادة صياغتها بأسلوبهم، وكأنَّها كانت على خطأ، وبعضها تمَّت إعادتها بشكل مختلف لحقيقتها، ممَّا قاد إلى نزعة عبثية، ليصلوا إلى حقيقة أنَّ الحياة لا معنى لها وبلا هدف، وعلى الرغم من ذلك نبقى على يقيننا بمبادئ ثابتة وهي بمثابة قيم مطلقة، فإذا كانت اللغة بطبيعتها غير مستقرة كما يراها التفكيكيون فكيف لنا أن نتصوَّر أنَّ امرأ القيس عنى هذا ولم يقصد ذاك الأمر في شعره .

- إنَّ التشكيك بلغة النص، دفعهم للبحث في النصوص الدينية ونقدها، مع إيماننا بحرية المعتقدات، إلا أنَّ التفكيكية حملت في طياتها نزعة تهديمية قوية لأيِّ مقدس بعد تجاوزها لنصوص تاريخية مهمة، فهي مشروع لإجراء التحولات وتحديث النصوص، لذلك فقد غيرت المعنى الثابت لتنتزع صفة القداسة من النصوص الدينية سواء بقصدٍ أم بغير قصد، ففتحت الباب أمام تبادل الأدوار والمواقع بين الأنا والآخر، وبين الثابت والمتحول.

- قدَّم التفكيكيون الكتابة على الكلام، متجاهلين ضرورة حضور الذات المفكِّرة عبر الكلام، وليس حصرها عبر الكتابة، وذلك جعل المركز هامشاً، وحوَّل الهامش إلى المركز، بدل أن يخلق حالة من التكامل بين الكلام والكتابة، حيث يرى دريدا أنَّ «الكتابة هي أصل اللغة، أمَّا الصوت الذي ينقل الكلمة المنطوقة - اللوغوس - فهو ليس الأصل، ويرى أنَّ الصمت، واللاوعي، وعمليات الكتابة الاختلافية، قد تعرَّضت للقمع والرقابة في زمن التمركز؛ ممَّا أخفى أوجه الغياب، والاختلاف، والمسافات الخلاَّقة»[17].

- لقد عمل التفكيكيون، ولا سيما دريدا، على ما قد بدأه الفيلسوف هيدغر من نقض لفكرة الوجود والزمن، واعتبار الحاضر هو الأساس، والذي تطلق عليه التفكيكية مسميات عدة كالظاهر والواقع والمباشر، وبذلك لا وجود لنص نهائي أو معنى مكتمل لهذا النص، حيث يكون النص خاضعاً لتعدِّد لا نهائي من التأويلات بتعدد قارئيه، أمَّا مؤلفه الأصلي فقد تمَّ تجاهله تماماً من قبل القارئ، فالتفكيك يتحوَّل لمهمة تبحث عن الكشف عن دلالات النص الخفية حسب زعمهم، ممَّا يعني إنتاج نص جديد بروح جديدة.

- في معرض نقدنا للتفكيكية يتبادر للذهن تساؤل مهم وهو: إذا كانت منهجية التفكيك تقوم أساساً على تعدُّد القراءات أو لا نهائية القراءات ممَّا يلزم عنها لا نهائية المعاني، فهل هذا يعني أنَّ كلَّ النصوص بالضرورة متعددة المعاني، وتملك إمكانية الخضوع لعملية التفكيك؟ بمعنى أنَّ بعض النصوص بسيطة لا تحتمل أي عملية تفكيك أو إخضاع لعملية التأويل التي تجعلها تخرج من إطار المعقولية والمنطقية، وتحيلها إلى ميدان الفوضى واللا معنى؟ وهل يصح تحميل النص الديني معانٍ تأويلية تفكيكية بحجة تقادم النص المقدَّس، وهل يجوز أن ينطبق عليه مقولة تجاوز المؤلف أو موت الكاتب؟

- الخاتمة والنتائج النقدية:
- التفكيكية هي الموقف الإيجابي من تيار الشكِّ الذي ساد في النصف الثاني من القرن الماضي، والذي بني على أساس فلسفي وفكري يدعو للتحرر من كافة القيود الفكرية والسياسية، ويؤسِّس لمنظومة فكرية حرة تتجاوز النصوص المكتوبة كما تتجاوز مؤلفي هذه النصوص ولغتها ومدلولاتها، وتعرضها لعدد غير محدد من القراءات وبالتالي لعدد لانهائي من المعاني، ممَّا سمح بتجاوز المؤلف وتجاوز هيبة نصوص تاريخية مهمة، وإنشاء نسق استفزازي، ثمَّ التعرض للنصوص الدينية المقدسة والقول بلا مركزية إلهية للكون، الأمر الذي ترفضه المرجعيات والمؤسسات الدينية ورموزها؛ لأنَّها وجدت فيه تهديد مباشر للدين ومحاولة لهدمه.

- استندت التفكيكية لمبرِّر أخلاقي في نشأتها، حيث أبرزت الجوانب الكارثية والسلبية لنتائج الحرب العالمية الثانية، متسائلةً عن مكانة العلم والأبحاث العلمية التي من المفترض ألا تُستخدم بشكل سلبي في تدمير الشعوب وقتلها، وما رافقها من فشل الأنظمة الاقتصادية التي أوهمت المجتمعات بالتأسيس لحياة أفضل وأكثر أمناً ورفاهيةً.

- تُمثِّل المقولات التي تستند إليها التفكيكية البنية الفكرية والآلية لممارسة منهج التفكيك في تقويض أسس العقلانية الغربية، وهي آلية لممارسة عمل التفكيك والتفكير برؤية جديدة خارج كلِّ الأطر الفكرية السائدة، بهدف فتح مجال للاختلاف وتقديم دلالات جديدة في رحلة البحث في الكينونة، وما لم يتمّ الحديث عنه ومناقشته من قبل، وهذه المقولات تؤكِّد جميعها على حرية امتلاك النص وتناوله بالطريقة النقدية التشريحية له، دون أن يتوقَّف هذا النص عند عدد معين من القرَّاء وطرح مفاهيم جديدة لا نهاية لها.

- صحيح أنَّ أساس التفكيكية يعود للفلسفات التي سادت قبل ظهورها إلا أنَّ تطبيقها كمنهج نقدي يكون على النص الأدبي أكثر منه على الفلسفي، لأنَّ هدفه التشكيك في معاني النص الأدبي وتفكيكه، كما تذهب إلى أنَّ النص الأدبي يحوي في مضمونه على احتمالات كبيرة ولا متناهية من المعاني، لا سيما وأنَّ التفكيكية تؤمن بأنَّ الإنسان وشخصيته وسلوكه يتأثر بحياة اللاوعي الكامن في حالة اللاشعور المكبوت، كما أنَّ الاتصال بين التفكيكية والنص الأدبي أكثر؛ لأنَّ اللغة الأدبية أكثر تطوراً وبلاغةً وتتنوع دلالاتها بشكل أوسع، وتسليط الضوء على التباينات بين النصوص فيما بينها من جهة، وبين القارئ والمؤلف من جهة أخرى.

- احتوت التفكيكية على تناقضات كثيرة في داخلها وفي آلية عملها، فلم تهتم بالبعد الزمني للنص المتناول بالتفكيك، فتعاملت مع كافة النصوص على نسق تفكيكي واحد، ممَّا أوجد مشكلة مع النصوص الدينية المقدسة التي طالتها سياسة التفكيك، لا سيما في ظلِّ استعمال التفكيكية لمصطلحات غير متداولة وشبه مبهمة، ممَّا زاد التشويش على النصوص التي تمَّت إعادة قراءتها، خاصة في ظلِّ التشكيك الذي طال الكثير من المسلَّمات المتعارف عليها والتي اعتبرت بمثابة حقائق علمية، كما ركَّزت جلَّ اهتمامها على النص والكتابة وتجاهلت الكلام بشكل يهمل حضور الذات المفكرة، كما أنَّ التفكيكية أخضعت كافة النصوص للنقد وإعادة القراءة وتوليد معانٍ جديدة دون مراعاة النصوص البسيطة والتي لا تحتمل أيَّ تأويل.


- لائحة المصادر والمراجع:
عبد العزيز حمودة، المرايا المحدبة من البنيوية إلى التفكيك، منشورات سلسلة عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، ط1، 1998م.
جاك دريدا، الكتابة والاختلاف، ترجمة، كاظم جهاد، منشورات دار توبقال للنشر والتوزيع، الدار البيضاء، ط2، 2000م.
روبيرت جليولا، التناول الظاهري للأدب نظريته ومناهجه، ترجمة، عبدالفتاح الديدي، مجلة فصول، المجلد الأول، العدد،3،أبريل/ نيسان، 1981م.
أنظر: وليم راي، المعنى الأدبي من الظاهراتية إلى التفكيكية، ترجمة، يوئيل يوسف عزيز، دار المأمون للترجمة والنشر، بغداد، ط1، 1987م.
بيير زيما، التفكيكية دراسة نقدية، ترجمة، اسامة الحاج، المؤسسة الجامعة للدراسات والنشر، بيروت، ط1، 1996م.
كريستوفر نوريس، التفكيكية النظرية والممارسة، ترجمة، صبري محمد حسن، منشورات دار المريخ، الرياض، ط1، 1989م.
مارتن ماكويلان، بول دي مان ، ترجمة، محمد بهنسي، المركز القومي للترجمة، القاهرة، ط1، 2016م.
بول دي مان، وجاك دريدا، وآخرون، مداخل إلى التفكيك البلاغة المعاصرة، ترجمة، حسام نايل، منشورات الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، ط1، 2013م.
رولان بارت، مقالة موت المؤلف – درس السيميولوجا، ترجمة، عبد السلام بن عبد العال، دار توبقال، الرباط، ط2، 1986م.
أنظر: فاطمة البريكي، مدخل إلى الأدب التفاعلي، منشورات المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط1، 2006م.
 أنظر: جاك دريدا، الصوت والظاهرة – مدخل إلى مسألة العلامة في فينومينولوجيا هوسرل، ترجمة، فتحي أنقزو، منشورات المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، وبيروت، ط1، 2005م.
 أنظر: أومبرتو ايكو، التأويل، ترجمة، سعيد بنكراد، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، وبيروت، ط2، 2004.
 أنظر: سامي محمد عبابنة، التفكيكية وقراءة الأدب العربي القديم عبد الفتاح كيليطو نموذجاً، مجلة دراسات العلوم الإنسانية والاجتماعية، عمان، المجلد 42، المحلق1، 2015م.
 عبدالقادر مهداوي، المعنى الثاني مأزق التفكيكية و النص، منشورات مركز الكتاب الأكاديمي، عمان، ط1، 2020م.
 عز الدين مناصرة، علم الشعريات، دار مجدلاوي للنشر والتوزيع، عمان، ط1، 2007م.

----------------------------------------
[1]*-  باحث سوري وأستاذ الفلسفة في جامعة ماردين أرتقلو الحكومية في تركيا.
[2]- عبد العزيز حمودة، المرايا المحدبة من البنيوية إلى التفكيك، منشورات سلسلة عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، ط1، 1998م، ص83.
[3]- جاك دريدا، الكتابة والاختلاف، ترجمة، كاظم جهاد، منشورات دار توبقال للنشر والتوزيع، الدار البيضاء، ط2، 2000م، ص49.
[4]- روبيرت جليولا، التناول الظاهري للأدب نظريته ومناهجه، ترجمة، عبدالفتاح الديدي، مجلة فصول، المجلد الأول،العدد،3، أبريل/ نيسان، 1981م، ص183.
[5]- أنظر: وليم راي، المعنى الأدبي من الظاهراتية إلى التفكيكية، ترجمة، يوئيل يوسف عزيز، دار المأمون للترجمة والنشر، بغداد، ط1، 1987م، ص11ومابعدها.
[6]- بيير زيما، التفكيكية دراسة نقدية، ترجمة، اسامة الحاج، المؤسسة الجامعة للدراسات والنشر، بيروت، ط1، 1996م، ص48.
[7]- كريستوفر نوريس، التفكيكية النظرية والممارسة، ترجمة، صبري محمد حسن، منشورات دار المريخ، الرياض، ط1، 1989م، ص51.
[8]- مارتن ماكويلان، بول دي مان ، ترجمة، محمد بهنسي، المركز القومي للترجمة، القاهرة، ط1، 2016م، ص38.
[9]- بول دي مان، وجاك دريدا، وآخرون، مداخل إلى التفكيك البلاغة المعاصرة، ترجمة، حسام نايل، منشورات الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، ط1، 2013م، ص163.
[10]- رولان بارت، مقالة موت المؤلف – درس السيميولوجا، ترجمة، عبد السلام بن عبد العال، دار توبقال، الرباط، ط2، 1986م، ص87.
[11]- بول دي مان، وجاك دريدا، وآخرون، مداخل إلى التفكيك البلاغة المعاصرة، ترجمة، حسام نايل، منشورات الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، ط1، 2013م، ص198.
[12]- أنظر: فاطمة البريكي، مدخل إلى الأدب التفاعلي، منشورات المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط1، 2006م، ص158 وما بعدها.
[13]- أنظر: جاك دريدا، الصوت والظاهرة – مدخل إلى مسألة العلامة في فينومينولوجيا هوسرل، ترجمة، فتحي أنقزو، منشورات المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، وبيروت، ط1، 2005م، ص141.
[14]- أنظر: أومبرتو ايكو، التأويل، ترجمة، سعيد بنكراد، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، وبيروت، ط2، 2004، ص124.
[15]- أنظر: سامي محمد عبابنة، التفكيكية وقراءة الأدب العربي القديم عبد الفتاح كيليطو نموذجاً، مجلة دراسات العلوم الإنسانية والاجتماعية، عمان، المجلد 42، المحلق1، 2015م، ص1077.
[16]- عبدالقادر مهداوي، المعنى الثاني مأزق التفكيكية و النص، منشورات مركز الكتاب الأكاديمي، عمان، ط1، 2020م، ص113.
[17]- عز الدين مناصرة، علم الشعريات، دار مجدلاوي للنشر والتوزيع، عمان، ط1، 2007، ص554.