البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

الفينومينولوجيا بوصفها أنطولوجيا

الباحث :  سوزان عبد الله إدريس
اسم المجلة :  الاستغراب
العدد :  27
السنة :  ربيع - صيف 2022م / 1444هـ
تاريخ إضافة البحث :  November / 12 / 2022
عدد زيارات البحث :  71
تحميل  ( 390.243 KB )
يُنظر إلى هايدغر كأحد أشهر الفلاسفة الذين حاولوا تقويض المنهج الفلسفيّ الذي كان سائدًا من قبل في بحث مشكلة الوجود، ولاسيّما الميتافيزيقا التي كانت تسأل عن الموجود بما هو موجود، ونسيت الوجود وأغفلته بشكل تامّ، فقد عُرف هايدغر بفيلسوف الأنطولوجيا الإنسانيّة التي تحتفي بوجود الموجود والكائن، بحيث أعاد الاعتبار للموجود باعتباره وجودًا مغايرًا للفلسفات التقليديّة الميتافيزيقيّة السابقة التي تهتمّ بالموجود على حساب الوجود، أمّا هو فقد اعتبر الفلسفة أنطولوجيا فينومينولوجيّة كلّيّة تنبع من تأويليّة الدازاين، مؤكِّدًا على تلازم الأنطولوجيا مع الفينومينولوجيا، إذ يشرح الدازاين بأنّه كينونة الوجود المتمثّل في حالة الإنسان من زاوية وجوده، وحضور الشيء القائم أمامنا مباشرة، ويهتمّ بوصف الكائن القائم أمامنا ثمّ وجوده وتواجده.

 فهذا المصطلح "الوجود" مخصّص للبشر، فالأشياء تكون، أمّا الإنسان فوحده يوجد، وبهذا نجد أنّ هايدغر اطّلع على الدراسات السابقة عن الكينونة والزمان، ولكنّه خرج بتصوّرات ومنظور جديد ومختلف عما سبقه، وقد ظهرت هذه التصوّرات في مفهومه عن الكينونة والزمان من خلال تفكيك تاريخ الأنطولوجيا السابقة. ينطلق هايدغر من الموجود بمعنى (الإنسان) الذي يتميّز بحالة من الفهم لهذا الوجود، الأمر الذي يميّزه عن غيره من الموجودات، ويتجلّى هذا الفهم في سلوكيّاته التي تكشف عن "وجود" هذه الموجودات أو كينونتها.

كلمات مفتاحيّة: الدازاين – الوجود – الكينونة – الفينومينولوجيا – الأنطولوجيا – الإنسان- فيلولوجيا.

شكّلت الأنطولوجيا الأساسيّة عند هايدغر منعطفًا مهمًّا في تاريخ الفلسفة الغربيّة، حيث خرج عن سؤال الوجود التقليديّ السابق عليه الذي اختزله كانط بإرادة العقل، وهيغل في مفهوم الروح، أمّا هوسرل في التفكير (الأنا أفكّر) التابعة للكوجيتو الديكارتيّ، بينما عمل هايدغر على قلب الفلسفة الحديثة والتأسيس لنظريّة جديدة في الوجود انطلاقًا من المنهج الفينومينولوجيّ الذي يتّجه إلى الأشياء مباشرة.
يرى هايدغر أنّ الوجود هو أكثر المفاهيم غموضًا، فالوجود لا يعني ذلك الإنسان الكونيّ المشخّص، إنّما الطبيعة التي يتعيّن من خلالها ذلك الإنسان ككائن؛ لذلك فإنّ فهم مشكلة الوجود يتعلّق بمحاولة فهم هذا الكائن؛ لأنّ من يسأل عن وجوده هو في الوقت نفسه يبحث في مسألة الوجود بصفة عامّة[2].

فالوجود ليس ما يدركه الإنسان فقط، وليس ما يظهر له أنّه موجود، بل يتجاوزه إلى اللَّاموجود الذي يشكّل جزءًا أساسيًّا من ماهيّة الوجود ذاته، ويتبلور مسار هايدغر في نقطة انطلاقته من السؤال عن معنى الوجود  إلى السؤال عن الذي يسأل عن الموجود (الإنسان) الذي اصطُلِح على تسميته بـ (الدازاين) او (الإنّيّة) أو الوجود- هناك، الكائن الذي يتميّز عن بقيّة الموجودات بأن وجوده يتجلى في التواجد أي في إقامة علاقة مع ذاته ومع العالم.

فالسؤال عن الوجود هو في الوقت نفسه تساؤل عن الموجود الذي يسأل عن وجود الموجود، فتحليل الوجود هو في الوقت نفسه تحليل الموجود، (فالوجود-هنا) يسمى بـ (الإنّيّة) أو (الدازاين)، حيث الإنّيّة هي الإمكانّية العينيّة الكاملة لوجودي[3].

1- المائز بين الوجود والموجود
 يفرّق هايدغر بين الوجود وبين وجود الموجود، فالموجود يشمل كلّ الموضوعات والأشخاص، أمّا وجود الموجودات فهو كونها موجودة، ووجود الأشياء غير الأشياء نفسها وغير فكرة الموجودات أيضًا، وهذا التمييز يجعل هايدغر يتميّز عن الفلسفات السابقة عليه التي كانت تخلط بين المفهومين[4].

فالموجود هو المعطى الحسّيّ، وهو ثبات وتحدُّدٌ وتمركز، أمّا الوجود فهو اللَّاثبات واللَّاتحدد والَّلاتمركز. وهو الصيرورة المستمرّة في الزمن، بل هو كمّيّة من الزمن. وهذا يحيلنا إلى علاقة الموجود بالزمان، فهما لا يوجدان متخارجان، بل الزمان وجود والوجود زمان، فالموجودات هي تمظهرات للوجود، أي هذا ما يظهر من الوجود  في كلّ مرّة، وبهذا يكون الموجود واحدًا أمّا وجوده فهو شكل ظهور هذا الواحد في كلّ مرّة، فالوجود مثلًا هو هذه التفاحة من جهة اعتبارها موجودة، فهي واحدة أمّا عندما يراها أحدهم لذيذة المذاق والآخر يرى أنّ لها طعمًا سيئًا، فهذا شكل ظهورها كلّ مرّة، ويختلف وجودها من ذات إلى أخرى، فهذا التصوّر ذاتيّ، والقول بترجيح أحد التصوّرات السابقة على الآخر هو الخطأ، وسؤال الوجود إذًا يتجاوز كلّ السرديّات الذاتيّة التي تفرض نفسها لتقصي ما دونها، يجمع هذا السؤال كلّ الفلسفات، هذا ما يبرّر أنّ الوجود عند هايدغر لا تحدّد وتغيّر وصيرورة في الزمان. وهنا نجد في صدد المنفتح الهايدغري أن هايدغر يرتكب مغالطة؛ فهو يعتقد أن وجود الموجود نفسه يرتهن بنا، وكأنه يفكر فينا وبنا، وكأننا نفكر فيه وبه، وإذا كان الأمر كذلك فعلينا أن نستنتج أن الوجود في النهاية ليس إلا وجود الموجود الإنساني، وهذا مايرفضه هايدغر.

يرى الأخير (أي هايدغر) أن سؤال الوجود هو الفضاء الذي تجتمع فيه كلّ النظريّات على اختلافها دون أن تقصي إحداها الأخرى، وبهذا يكون الوجود انفتاحًا أي ما يظهر لنا في كلّ مرّة، فهو في تغيّر مستمرّ لا يبقى على حاله، فلا حقيقة سوى التغيّر والتحوّل الدائم (وهنا نلاحظ تأثر هايدغر بأفكار هيرقليطس حول التغير المستمر). إلّا أنّ السؤال الذي يُطرح هنا: إذا كان الموجود الحسّيّ يحصّله الموجود الذهني- أي العقل- فما الذي يحصّل الوجود في تغيّره المستمرّ ؟ وهنا يجيب هايدغر عبر مفهوم الدازاين بمعنى (الوجود- هناك): فالدازاين لا يهدف إلى تحصيل المعرفة لأنّه مسلّح  بالفهم وليس العقل، فهو لا يبحث عن الحقائق إنّما عن (الفهم)؛ أي فهم الوجود في تغيّراته المستمرّة، وهو الوحيد المؤهّل لفهم الوجود، فالكائن «الدازاين» كمّيّة من الزمان شأنه شأن الوجود بما له من صفات الَّلاتمركز، وهو الإنسان الذي يحمل همّ وجوده الذي يحمل معنى القلق إزاء ممكنات وجوده. وهكذا يشير هايدغر من خلال مفهوم الدازاين إلى أنّ غاية فهم الوجود لا تُبْلغ إلّا بعد تحقيق ضربٍ من الانسجام، أي الانسجام والتوافق بين بنية الدازاين وبنية الوجود. وهكذا فإن

فهم الوجود يتمّ في الإنسان وبالإنسان، وهذا الفهم لا ينعزل عن بقية أفعال الإنسان، بل نوع وجود الإنسان نفسه هو الذي يحدّد وجود الإنسان لا ماهيّته، فدراستها هي دراسة للوجود الإنسانيّ وللوجود عامّة. على أنّ الوجود في الآنيّة هو حالة مشروع يتحقّق في المستقبل. فالوجود الآن هو ما سيكون عليه وجود الفرد في المستقبل؛ ذلك أنّ الوجود في هذا العالم هو وجود إحالة من أشياء بعضها إلى بعض، وهذا الوجود في العالم هو حالة سقوط، من أجل تحقيق الإمكانيّات التي ينطوي عليها هذا الوجود. وهنا يمكن نقد هايدغر في فكرته عن الماهية، لأننا عندما نهتم بوجود الإنسان فإننا لانستطيع إغفال ماهيته الخاصة التي تميز إنسان عن غيره، وهي التي تحدد طبيعة وجوده الفردي وليس الوجود عامة.

يتساءل هايدغر عمَّا يعني الوجود؟ ومن أجل إدراكه فإنّه يبتعد عن طريق الميتافيزيقا ويتوجّه نحو الإنسان في (آنيّته) ووجوده الأنطولوجيّ، أي من خلال وجوده في العالم، مع التركيز على الفصل بين الوجود والموجود، على أن يكون الوجود هو الكلّ الذي ينوجد فيه الموجود ويوجد، فوجود الإنسان يتميّز بأنّه يفهم وجوده بالنسبة إلى ذاته، ويتحدّد فيه سؤاله عن معنى الوجود في أفق الزمان، وذلك الحضور يتحدّد عن طريق اللغة، ولا يمكن إدراك الوجود وامتلاكه إلّا بتجاوز نمط التفكير الميتافيزيقيّ من أجل تملّكها وفهم ما خفي فيها وفضح أسرارها[5].

هنا تكمن غاية هايدغر في زعزعة النسق الميتافيزيقيّ بتحطيم فينومينولوجيّ اهتداءً بالأنطولوجيا، ولهذا فإنّه يصف معنى الوجود على أنّه «أنطولوجيا أساسيّة»؛ ولذلك يتعرّض هايدغر لانتقادات عدّة بحيث يذهب (إيمانويل ليفينيانس) إلى القول «إنّ هايدغر يظلّ داخل نسق الفلسفة المثاليّة؛ لأنّه يحاول تأسيس الكينونة على شيء ليس من هذه الكينونة، فاللجوء برأيه إلى غير الموجود لفهم الموجود لا يعدّ ثورة في الفلسفة بتاتًا»[6]، ويرى  ليفيناس أنّه كان يتعيّن على هايدغر أن يسلك مسلك الأنطولوجيا الأخلاقيّة بدلًا من الأنطولوجيا الأساسيّة؛ لأنّ الأخلاق أساس كلّ تجربة وجودانيّة[7].

غير أنّ هايدغر في تمييزه بين الوجود والموجود، يرى أنّ الأصل في الأنطولوجيا هو تجديد هذا الاختلاف وكيفيّاته. فإذا كان (هيغل) قد تحدّث عن الاختلاف في مقابل الهويّة والتطابق، فإنّه لم يخرج من دائرة الجدل (السلب)، أمّا هايدغر فقد زعزع كلّ تصوّر للوجود خاضع لمفاهيم الوحدة والحضور[8]. بهذا انتقل هايدغر من انغلاق النسق في الذات إلى انفتاح لامشروط في شكل من الانعتاق من الذات، إلى اعتبار «الدازاين» هو ذاتٌ خارج الذات موجودة في العالم وتسعى إلى اكتشافه وإخراج كلّ مكنوناته الوجوديّة. وهنا تتبدَّى فلسفته في تحويل الفينومينولوجيا إلى أنطولوجيا؛ ذلك بأنّ طريق هايدغر نحو تأسيس أنطولوجيا خاصّة بالفهم سيقوده إلى الانتقال من حدس الماهيّات الفينومينولوجيّة إلى فهم الوجود؛ وهنا تتحوّل الفينومينولوجيا إلى الذات، فتنتقل من لحظة المعرفة والوعي إلى الأنطولوجيا.

ولكننا نرى أن المفاضلة التي أقامها هايدغر بين الموجود والوجود عبر مفهوم الفارق الأنطولوجي، قد دعته إلى إيجاد جسر بينهما وهو وجود الموجود الإنساني، وهذا مايدعونا إلى دحض ذلك، فنتساءل عن ماهية المفارقة بين الإنسان والنمر والأسد والشجر من الزاوية الأنطولوجية، أليس الإنسان في النهاية زيداً وعمراً وسواهما، كالنمور والأسود والأشجار إن سميت بأسماء خاصة بها؟ بمعنى أنه لو كان الموجود الإنساني (الدازاين) يتمتع بخصائص الموجود كموجود، فما يدرينا ألّا تتمتع بها بقية الموجودات الأخرى، وهنا يسقط الفارق الأنطولوجي الذي تحدث عنه هايدغر.

2- الوجود في العالم ( الوجود مع الآخرين):
يرى هايدغر أنّ السؤال: ما الوجود؟ يجعلنا نقرّ أنّنا لا نعرفه، وهذا يحيلنا إلى التمييز بين الموجودات: الموجود الذي يدخل في علاقة مع نفسه ويعمل على تطويرها وتنميتها، وبين موجود عاجز عن هذه القدرة: فمثلًا عندما نتحدّث عن شجرة أو قلم أو بيت، فإنّه يوجد، ولكنّه لا يملك القدرة على الدخول في علاقة مع نفسه. وهذا ينطبق على غيرها عن الموجودات غير البشريّة، أما الإنسان فإنّه الكائن الوحيد الذي يتعدّى أن يكون موجودًا إلى حدّ الدخول في علاقة مع ذاته ومع الذوات الأخرى التي تشاركه الوجود، فالإنسان برأيه عندما يوجد فإنه  يحمل مسؤوليّة الوجود؛ ولهذا استحقّ أن يُطلق عليه لقب (الدازاين) أو (الموجود الإنسانيّ الملقى به هنا أو هناك) أو لقب (الآنيّة). فلا نستطيع أن نقول إنّ هذا الوجود تحقّق واكتمل إنّما هو في سبيل التحقّق، وينبغي على هذا الإنسان أن يتحمّل مسؤوليّته حتى يصل إلى ما يسمّيه هايدغر (الوجود الأصيل)[9]، وتعبير (الدازاين) هو تعبير خالص عن الوجود الذي يميّز (الموجود) في أسلوبه النوعيّ في الوجود وفي قدرته على اختيار ذاته، وهنا يميّز هايدغر بين الوجود الزائف والوجود الأصيل. فالموجود الإنسانيّ يفهم ذاته دومًا من خلال تواجده ، أي من خلال إمكانيّاته في أن يكون ذاته أو لا يكون، وهذه الإمكانيّة من اختياره هو، فهو المسؤول عن أسلوب تواجده  سواء باختياره أو في تقاعسه عنه.

وفقًا لهايدغر فإنّ القرار الذي سيتّخذه الموجود هو الوضع الذي يتمّ من خلاله الكشف عن الدازاين لنفسه كإرادة للتصرّف وفقًا لوعيه، والقرار هو رغبة الدازاين في عرض مواقف لا يشعر فيها بالذنب لعدم اهتمامه بالأشياء، وتجربة الكرب: الوجود الأصيل يتمّ حلّه بفضل هذا القرار. يوحّد «الدازاين» بين الماضي والحاضر والمستقبل: يتأرجح بلا انقطاع، فيخرج الإنسان من نفسه نحو العالم، يخطّط للمستقبل، يعود للماضي، ويتقدّم نحو الحاضر، فهو دومًا خارج نفسه، فيقوم «الدازاين» بتأجيل نفسه من خلال وجوده في العالم. ولكن هايدغر عندما يرى أن الآنية متزمّنة ولاوجود لها إلا بالزمان، وكل وجود يتصور خارج الزمان إنما هو وجود موهوم، نجد أنه قد غالى كثيراً في تفسير كل أّنات الزمان على هذا الأساس، فالغالب على الزمانية في المستقبل أن تكون متضمنة للرجاء والأمل على عكس الماضي المحفوف بالندم والأسف، ويمكن القول أن المستقبل ليس هو (الآن) الرئيس الحقيقي للزمانية، ولا نستطيع أن نعدّ (الآن الماضي) على أنه الآن الحقيقي للزمانية، وذلك لأنه يدل على الانتهاء الذي يعطل الوجود الديالكتيكي.

وبهذا يتفرّد «الدازاين» بوضعيّة تقوم على أنّ وجوده يتجلّى في التواجد ويتحقّق فيه، فالموجود في وجوده يختار نفسه، إمّا أن يكسبها أو يضيّعها فيجدّد وجوده الخاصّ. لذا فإنّ الموجود الإنسانيّ الذي يحيا الحياة الأصيلة يختار الإمكانيّات التي تضعه على الطريق، أمّا الذي يحيا حياة غير أصيلة، فيتخلّى عن هذه المسؤوليّة ويترك الأمر لغيره ويسمح للناس الآخرين أن يفرضوا عليه مصيره فهو ليس بأصيل[10]. وهذا يعيدنا إلى المشكلة الأساسيّة التقليديّة حول كيفيّة خروج الذات من عالمها الباطن إلى (الموضوع) الموجود في الخارج، فيردّ هايدغر بأنّ مشكلة وجود الواقع الخارجيّ وإثباته هي مشكلة زائفة؛ «لأنّ الموجود الإنسانيّ عندما يتّجه نحو الموجودات لا يحتاج لمغايرة عالمه الداخليّ»[11] إنّما هو موجود دائمًا «في الخارج» بالقرب من الموجود الذي يلتقي به في العالم باعتباره موجودًا إنسانيًّا هنا هو هناك في هذا العالم، فالمسألة لا تحتاج الى التخطِّي والتجاوز إلى العالم؛ الإنسان هو دومًا موجود بالخارج مع الموجودات، كما أنّه باعتباره (وجودًا– في العالم) يهتمّ وينشغل بالأشياء، فالمعرفة بذلك ليست علاقة تبادل بين الذات والعالم، بل  المعرفة هي حالة من أحوال الوجود الإنسانيّ، أي أنّها وجوده في العالم. وعليه، لا يمكن أن يكون الموجود في العالم مجرّد موجود بين الموجودات، إنّما يتميَّز بقدرة على تفهُّم العالم بما يمكِّنُه من الانفتاح على الموجود؛ لأنّ فهم العالم هو من المكونات الرئيسة للموجود الإنسانيّ. إذن، لا يوجد أنا منعزلة، ولذا وَجَبَ تحطيم أسوار عزلتها وأخذها إلى الآخر، فالآخرون ليسوا أغرابًا، بل نحيا معهم في وجود مشترك، وفي عالم مشترك هو عالم (المعيّة) أو (الوجود- مع)، وأنّ (الوجود - في) إنّما هو في صميمه وجودٌ مع الآخرين. على أنّ عبارة (الوجود- مع) تعني أنّني على الدوام منفتح على الآخرين، وأنّني بصورة مسبقة مع الآخرين ولو عزلت نفسي عنهم، فهذا أمر غير ممكن؛ لأنّ وجودي بطبيعته وجود مشترك مع الآخرين. وهكذا يصفّ هايدغر التعامل مع الآخرين على أنّه «رعاية»، وللرعاية معنيان متناقضان، فثمّة الرعاية  «المقتحمة « التي تجعلنا نجرّد الآخر من مسؤوليّاته فيتّكل علينا بكلّ شيء مما يعرّضنا للسيطرة عليه والتحكّم به، وتوجد الرعاية الواهبة التي تجعلنا نبادل الرعاية برعاية أخرى[12].  ومن عناصر تكوّن الموجود الإنسانيّ (التفهُّم) أو الفهم، والفهم في صميمه انفتاح يتعلّق دومًا بتكوين الوجود في العالم (العالم ليس مجموع الكائنات الموجودة فيه) فالوجود في العالم يحرّر كائنات العالم، حين يحرّر إمكاناتها، وبالفهم ينفتح الموجود الإنسانيّ لنفسه على مجال وجوده. وللفهم نوعان أصيل وغير أصيل؛ أصيل إذا  نبع من الذات، وهو غير أصيل إذا أُدرِكَ الوجود الإنسانيّ من جهة العالم؛ ولذا فالفهم الحقيقيّ للعالم يصدر عن الوجود الإنسانيّ صدورًا أصيلًا، «أما الفهم الزائف فإنّه لا ينمو إلّا من خلال ما تمّ رسمه له ولا يحاول التفكير في أمره.

إن طبيعة وجود هذا الموجود «الذي يوجد لأجل» هي إيجاد مأوى للموجود الإنسانيّ؛ هذا يعني أنّ بنية العالم لا تتكشّف إلّا من خلال تلاحمها مع (إرادة الإنّيّة) واستخدامنا لها، وهنا يقلب هايدغر المفاهيم السائدة في نظريّة المعرفة التي تهتمّ بالذات العارفة وتعطيها الأولويّة، فنحن لا يمكننا معرفة العالم عن طريق التصوّرات العقليّة للذات العارفة، إنّما عبر التعامل والاستخدام والتلاحم معها، وعندما نتأمّل وجود الانسان في العالم يتبيّن لنا وكأنّه موجود وحيد، في حين أنّه وجود في العالم يكون في الوقت ذاته (وجودًا- مع). ولا يقصد بالمعيّة هنا المعية مع شيء مختلف، إنّما مع موجود إنسانيّ آخر (والموجود الآخر يمتلك نمط وجود الموجود الإنسانيّ نفسه). ولكننا نجد أن هايدغر في تركيزه على الطابع المتخارج للإنسان والتي حددت ماهيته وحرصه على تجنب كل فكرة عن خصوصية ما قد يتميز به الإنسان من وعي وفكر وإرادة... إنما يوحي بأنه ينتقد النزعة الإنسانية باسم الإنسان نفسه. وهذه هي المفارقة لديه، وفي حين يرفض النزعة الإنسانية نجده ينحو نحوها، وهذا تأكيد على عدم قدرته على تجاوزها.

 هذا المفهوم عند هايدغر يختلف عن مفهوم (سارتر) للعلاقة مع  الآخر التي يعطيها طابعًا تشاؤميًّا بقوله (الجحيم هو الآخرون)، وهذا ما دفع سارتر إلى انتقاد هايدغر بأنّه لم يبرّر الانتقال من الملاحظة بالتجربة إلى الوجود بالاشتراك إلى حالة التعايش، والواقع أنّ هايدغر لا يتناول الآخر إلّا من ناحية علاقته بالوجود، أمّا أمور التعايش والصداقة وغيرها فإنّ هايدغر لا يهتمّ بها، ويرى أنّ فهم الموجود الإنسانيّ لوجوده الأصيل وانفتاحه على الوجود كفيل بأن يحدّد كلّ هذه الأمور[13].

ويضيف هايدغر حالة أخرى لانفتاح الموجود الإنسانيّ على الوجود من خلال استشراف مستقبله هو ذاته، وهذه القدرة تميّزه عن بقيّة الموجودات (فالموجود الإنسانيّ يفهم نفسه دائمًا من تواجده، من إمكانيّة نفسه، بحيث يمكنه أن يكون ذاته أو لا يكون ذاته) فالتواجد يتعلّق بوجود الموجود الإنسانيّ الذي يمكن أن يكون أصيلًا أو غير أصيل على أساس فهمه لوجوده يفهم الوجود عامّة، فالإنسان وحده الذي يتواجد. ولكننا نرى أن الفهم لاعلاقة له باحتيار نوع الوجود، فعندما ينفتح الموجود الإنساني على الآخر فإنه يكون أمام عدة إمكانيات يختار طريقة تعامله معها، فلا يوجد معيار وجودي لدى دازاين (ما) للتمايز بين مفاهيم الوجود الزائف والأصيل.
إنّ (الآنيّة) ليست شيئًا قائمًا في العالم مكتمل الوجود، إنّما هو (وجود– في العالم)، ذلك على أساس أنّ هذا الوجود لم يتحقّق بعد، فهي(الآنية) بالتالي إمكانيّة للتحقّق، ثمّ تسعى إلى تأصيل وجودها في العالم، حيث تتضح أحوال الوجود في (الوجود- مع - الآخرين). ولكي تفسر الذات وتفهم العالم، فهي بحاجة إلى غيرها من الذوات (فالسفينة التي أراها راسية في المرساة، وقطعة الخبز التي أتناولها...) كل هذه الأدوات تشير إلى مجموعة من الأفراد (يمثّلون البحارة والخبّازين و....).
والآنيّة من خلال هذه الأدوات تكشف نفسها على أساس أنّها ليست فردًا معزولًا عن غيره من الأفراد، فهذا العالم الذي نحيا فيه يحوي أفرادًا آخرين، فالآخرون يشكّلون وجود الدازاين[14].

إنّ (الوجود مع الآخر) أو جود (الهُم) هو وجود يضفي على الدازاين الخضوع لوجود خارجي، وهذا الخضوع هو نفسه صيغة (الدازاين) نفسها؛ لأنّه يتمسّك بها، وإذا انحرف عنها وحاول الفرار منها فإنّه يستطيع تغيير وجوده، وإنّ ميدان سيطرة (الهُم) هو الحياة اليوميّة بكلّ ما تفرضه علينا من التزامات وهموم ومشاعر، دون التمكّن من مقاومتها. وهنا يتقيّد الموجود بما يفرضه عليه الآخرون، ويمنع أيّ فرد من اتخاذ أيّ قرار يحدّد سلوكه، وهنا سوف يخلّصه «الهْم» من ثقل وجوده الشخصيّ، فيستسلم بشكل أعمى، أمّا النصر فيتجلَّى في التحوّل من الوجود الزائف إلى الأصيل من خلال التحرّر من سلطات (الهُم) المفروضة عليه. ولكننا نرى أن هايدغر عندما يؤكد على أن الإنسان مقذوف في العالم، إنما يعبر عن نظرة تشاؤمية، وكأن الإنسان لم يجد أي علامة على الأرض تهديه، وربما هذا يعود إلى بعده عن التوجه الديني وعن الفطرة السليمة، ويؤدي إلى الخلل في التفكير والقلق وعدم الاستقرار.

كما أن فكرة هايدغر عن إدراك الذات الأصيلة للوجود الحقيقي وإرادة التحرر من عالم الناس ومن التِّيه، وما تتطلبه من عزمٍ وتصميمٍ تنتهي إلى فشلٍ واضح فيما يتعلق بالجانب العملي، فهو لايفتح في الواقع أي طريق، ولايلزمه بأية مسؤولية، بل يكتفي بإبراز الطابع الوجودي لوجوده، ولايعطيه أية حكمة عملية أو قواعد للسلوك، فيتخبط في القلق والهم.

3- الفينومينولوجيا في فلسفة هايدغر:
يعرّف هايدغر الفينومينولوجيا بالعودة إلى أصلها الإيتمولوجيّ بما هي كلمة منقسمة إلى (فينومن) و(لوجي)، وهي الشيء الذي يُظهِر نفسه وهي الظاهر والمنكشف، والتي تعني الإضاءة عليه والتألق، وهي متعلّقة بكلمة (فينومن) التي تعني مجموع ما هو عرضة لضوء النهار، أو يمكن تسليط الضوء عليه، إضافة إلى كلمة (لوغوس) ما يتمّ توصيله في فعل الكلام. إنّ ترك الشيء يظهر هو الفينومينولوجيا في تصوّر هايدغر، أمّا وظيفة اللوغوس فهي إذًا كشفيّة. وظيفة العقل ليست إلقاء المعنى على الظاهرة، ولكن ما يظهر هو التجلّي الأنطولوجيّ للشيء نفسه، اللغة هنا وسيلة للرضوخ إلى  ما انكشف وظهر من خلال اللغة نفسه؛ ولهذا السبب تحتلّ اللغة مكانة في فلسفة هايدغر.
إنّ السؤال عن معنى الكينونة يكون المسألة الأساسيّة للفلسفة، ونمط معالجة هذه المسألة هو النمط الفينومينولوجيّ،  بحيث بنى هايدغر رؤيته للعلامات والفينومينولوجيا من خلال مفهوم الظاهرة أو (الفينومان) وفق المنكشف والمتجلّي بنفسه، والظاهر والشبيه والمظهر. ومفهوم الفينومان مشتقّة من الفعل: انكشف، يتكشّف، منكشف، متجلّي، أي حمل الشيء إلى وضح النهار، ووضعه في النور[15].

وإذا تحتاج المظاهر إلى الفينومينات لتتجلّى بذاتها، فقد ناقش هايدغر مفهوم الظاهرة الكانطيّة وأّيّد فينومينولوجيا هوسرل وولج حالات تستبطن بنية سيميائيّة خاصّة بالموجودات التي تتحوّل إلى علاماتٍ دالّةٍ على معنى معيّن وتتجلّى كتواجدات في مجرى الكينونة. تمضي فينومينولوجيا هوسرل إلى الداخل نحو ماهيّات الأشياء والظواهر وتمكث في العقل والخيال كظواهر حتى تنطبع العلامات بطابع كلّ ذلك، بينما فينومينولوجيا هايدغر تمضي نحو الخارج أو التواجد في تجلّياتها وتمظهراتها وتواجداتها كموجودات ذات دازاين في أفق الحياة المرئيّة لانتزاع الحقيقة من الفينومينات[16].

يتأمّل هايدغر حالة الانكشاف استنادًا إلى تجلّي الكائن أو (الفينومان)، إذ تبقى العلامة ذات كينونة متحقّقة وتواجدًا فينومينويًّا أصليًّا يعبّر عن كينونته في الظهور، وإذا لم ينكشف بنفسه يلجأ عبر التواجد العلاماتيّ إلى علامات تعبّر عن كينونته ورسالته وطموحه في الحضور

إنّ تحليل العالم الذي يتضمّنه كتاب «الوجود والزمان» هو نموذج للتحليل الظاهراتيّ، وثمّة من يميل في الوقت نفسه إلى القول إنّ كتابات هايدغر اللَّاحقة علقت في المفاهيم الأسطوريّة ولم تستطع الخروج عنها، وأصبحت كتاباته تعكس عجزًا في اللغة، وكأنّ هايدغر قد بدأ يفقد قوّته الظاهراتيّة[17].

بالعودة إلى المفهوم الأصليّ للفينومينولوجيا، فإنّ أصل كلمة «فينومن» ظاهرة يعود إلى الكلمة الإغريقيّة (فاينومينون) التي تنحدر من كلمة أن يظهر، فالفينومن هو ذاك الذي يظهر بما هو المظَهّر[18]، ويعني أنّه هو بما هو عينه، وليس ما ينوب عنه، و جهة (الوجود – موضوعًا) لشيء ما، ولقد امتدّ عمل الفلسفة في العقود الأخيرة من القرن 19 إلى ظاهرة الوعي، فظهرت فينومينات الوعي، فكانت انبجاسًا لمنحى جذريّ في التفلسف، ومن هذه الوضعيّة العلميّة نشأت البحوث المنطقيّة التي وضعها هوسرل، وهي بحوث تنتمي إلى مجال المنطق، يسمّى هذا البحث المسمى فينومينولوجيا باسم السيكولوجيا الوضعيّة، وهوسرل بلور الظاهرة بعبارة القصديّة، بلورة مكّنت البحوث في المعيش، والمعيشات، ومساقات الوعي. والمعيشات هي ظاهرات،[19] لكن كلمة ظاهرة تبدو مشتّتة من كلمة (يظهر)، وهي الطريقة التي يمكث فيها شيء ما هنا موضوعيًّا، وهي طريقة إشاريّة، وأصبح هذا المصطلح إجرائيًّا في تاريخ العلوم، وأصبح عمل الفلسفة يتركّز على نظريّة العلم، أي المنطق، وعليه فإنّ الفينومينولوجيا هي طريقة في البحث تخضع للموضوعات الحاضرة حدسيًّا، هذا فقط إذا وُجدت هنا حدسيًّا، فهي مقاربة شيء ما خطابيًّا على النحو الذي يظهر عليه وبشرط ظهوره فقط[20]. ثمّ مع تطوّر الفينومينولوجيا تدخلت المثاليّة الترنسندنتاليّة (المتعالية) إذًا في الفينومينولوجيا، ويجب أن تُفهم كشيء غير معطى بذاته، إمكانيّة لها طريقتها في الكينونة، لا يمكن أن نمسك بها كموضوع بحثيّ أو ممارسة فعليّة، القبض على إمكانيّة ما، وهذا يعني على العكس، الإمساك بها وتجلّيها في كينونتها يعني إمساك وتجلية ما يوجد كامنًا في الإمكانيّات، فالفينومينولوجيا إذًا طريقة مهمّة في البحث تتحدّد الموضوعات كما هي معطاة بذاتها، يقوم البحث بما يضمن أن يحضر الشيء المبحوث بذاته، إنّ الظاهرة تعني تهيئة الطريق باستمرار، إنها تحذّر، وهنا تصبح مهمّة الظاهرة مهمّة فينومينولوجيّة.

إنّ الفينومينولوجيا هي طريقة الولوج إلى ما يجب أن يكون موضوعًا للأنطولوجيا، «فليست الأنطولوجيا ممكنة إلّا بوصفها فينومينولوجيا».- وهنا نلاحظ عودة هايدغر إلى مادية أرسطو، وإلى فكرته عن الأنطولوجيا وبحثه في مسألة الوجود، وهو بذلك لايكون قد قدّم الجديد بقدر ما قدمه بلغة جديدة وغامضة. إن ما يقصد إليه المفهوم الفينومينولوجيّ للفينومان من حيث ما هو يكشف عن نفسه، هو كينونة الكائن وليس الانكشاف، وهو ليس شيئًا من قبيل المظهر، فقد يكون مخفيًّا بمعنى أنّه لايزال غير مكشوف عنه، ولم يمكن معرفته بعد، فيكون معنى الفينومينولوجيا هو معطى قابل للتبيين، أي كلّ ما ينتمي إلى نمط الإبانة والتفسير؛ ولأنّ الفينومان هو ما يشكّل الكينونة، فإنّه يحتاج إلى استجلاب صحيح للكائن ذاته، فتصبح الفينومينولوجيا هي العلم بكينونة الكائن، وذلك يعني أنطولوجيا[21]. ولكننا نرى أن تأويل هايدغر للحقيقة على أنها انكشاف واختفاء، والذي يدعو هايدغر من خلاله إلى التفكير في ماهية الإنسان، لايكترث بالواقع الإنساني، ولابجهود الإنسان من أجل إثبات وجوده واستثمار إمكانياته العقلية في تنمية معارفه وعلومه. وبالنسبة لهايدغر ليست الأنطولوجيا والفينومينولوجيا متباينتين، فالفلسفة هي أنطولوجيا فينومينولوجيّة كلّيّة تنبع من هرمينوطيقا الدازاين  من حيث هي تحليليّة الوجود، وإنّ فهم الفينومينولوجيا يكمن في الإمساك بها بوصفها إمكانًا. ولكن في الحقيقة نعتقد أن الفينومينولوجيا قد انعطفت مع هايدغر منعطفاً هرمينوطيقياً لتمتلك طابعاً مضاداً للتفكير، وفعل القصدية عنده لن يظل فعلاً نظرياً محضاً، إنما تشترط التجربة (بالمعية) كمقذوفية في العالم، ولكن هذا المنعطف ما هو سوى ترجمة للغة هوسرل الفينومينولوجية الترانسندنتالية إلى لغة أنطولوجية، كما يكرر هايدغر فكرة الاختزال التي نجدها لدى هوسرل، حتى وإن كان الأخير يبحث عن الوعي، وهايدغر يبحث عن الأصالة.

4- تأثّر هايدغر بفلسفة هوسرل:
تأثّر هايدغر بأستاذه هوسرل في منهجه الفينومينولوجيّ، ولكنه حوّل الفينومينولوجيا إلى أنطولوجيا وصبغها بالتفسير، كما تأثّر بديكارت، وشيلر في اهتمامهما بأنطولوجيا الإنسان وتطبيقهما المنهج الفينومينولوجيّ في دراسة القيم، كما تأثّر بكانط في اعتباره الإنسان مفهومًا أساسيًّا لفهم الزمان لمحاولة إعادة تأسيس الميتافيزيقا، كما تأثّر بمعالجة هيغل لأنطولوجيا الوجود، وتأثّر أيضًا بـ (نيتشه) في محاولته تجاوز العدميّة الأوروبيّة وفكرة العود الأبديّ، واهتمّت فلسفته بالتفكير واعتبرته السبيل الوحيد للخروج من أزمة الإنسان المعاصر، كما أنّها أولت الإنسان اهتمامًا كبيرًا[22].

لقد أقام هوسرل منهجه الفينومينولوجيّ على فكرة القصديّة، وقام بتأسيس كلّ شيء على البنية المباشرة والحدس بمعنى حضور الشيء نفسه للشعور. عبر القصديّة يتوجّه الموضوع إلى الذات، والذات إلى الموضوع، ثمّ تتكشّف الظاهرة أو الشيء ليس بوصفه شيئًا معزولًا عن كل ما عداه، إنّما بوصفه شيئًا مرتبطًا بعلاقة وروابط ضروريّة بما حوله، وكذلك في علاقة الذات بالآخرين، فتظهر الحقيقة على أنّها تيّار من الخبرات، باعتبارها أفعالًا خالصة للوعي، وبه تصبح الحقيقة تابعة لتيّار الخبرة غير مستقلّة عن الذاتيّ، واعتبر هوسرل أنّ الردّ المتعالي بإمكانه أن يبعدنا عن اعتبار التفكير هو وحده الذي يعطي لكلّ موجود إيضاحه، انطلاقًا من الأنا أفكر، كما جعل هوسرل شغله الشاغل وصف الظواهر كما تظهر من تلقاء نفسها (من خلال الوعي) وتتجه نحو الموضوع)، إنّ الذات تؤسّس نفسها بنفسها كوجود، فكلّ وجود آخر يكون فحسب منسوبًا للذات ويكون محصورًا داخل قصديّة الذاتيّة، وبناء عليه اعتبرت فلسفة هوسرل أنّ موضوع الفلسفة هو الذاتيّة.

يعتقد هايدغر أنّ هذه الذاتيّة قد بدأت تدخل إلى الفينومينولوجيا، فيحاول التقريب بين فلسفتي هوسرل وهيجل، على اعتبار أنّ فلسفة كلٍّ منهما اتّجهت إلى الأشياء ذاتها، ولا ينكر أنّ الفينومينولوجيا كان لها الفضل في إثارة الاهتمام المعاصر بالأنطولوجيا، ولكنّه يقرّ بأنّ (هوسرل) لم يدرك مدى الأنطولوجيا، كما يعترف أنّه هو نفسه قد تعرّف على السؤال عن الوجود مستنيرًا بالاتجاه الفينومينولوجيّ، ولكن يرى  في الوقت نفسه أنّ عصر الفلسفة الفينومينولوجيّ قد مضى.
يرى هايدغر أنّ (هوسرل) هو الأقرب من بين جميع الفلاسفة إلى سؤال الوجود، خاصّة في كتابه الأبحاث المنطقيّة. وهكذا سيحاول تجاوز الوصف الميتافيزيقيّ للوجود حيث استند على المنهج الفينومينولوجيّ عند هوسرل) ولكن بتحويرات مهمّة جدًّا. لم يأخذ منه مفهوم الظاهريّات كفلسفة (ترانسندنتاليّة) تردّ كلّ شيء إلى الذات/ الوعي، ولم يكن يؤمن بهذا الأنا الجوهريّ الذي يبقى في العالم كلّه، ومعه ستتجرّد الذات من طابعها المطلق، وسترجع ضمن السياق التاريخيّ ليجعل منها أنطولوجيا من شأنها أن تكشف ليس عن الظاهرة فقط، بل عن ما يظهر الظاهرة نفسها، وعليه لن تكون الأنطولوجيا ممكنة برأيه إلّا إذا أصبحت فينومينولوجيا، يقول هايدغر في هذا الصدد «إنّ الفلسفة هي أنطولوجيا ظاهراتيّة كلّيّة تنطلق من تفسير الآنيّة التي تثبت نفسها بوصفها تحليلًا لهذه الآنيّة»، وبذلك فإنّ مسألة الوجود لديه تقتضي أمرين هما: تفسير الأنطولوجيّات الكلاسيكيّة، وهذا التحطيم هو بداية الأنطولوجيا الأساسيّة بشكل فعليّ، كما يتوجّه هايدغر نحو ما يمكن تسميته بالتفسير الفينومينولوجيّ للوجود، أي التوجّه المباشر للوجود، وتفسير الوجود انطلاقًا من الوجود وليس من الموجود، تفسيرًا لم يعترف به (هوسرل) الذي رفض طريق (هايدغر) في الكينونة والزمان باعتبارها طريق الأنطولوجيا الدينيّة للتاريخ، ولم يكن بإمكان (هوسرل) أن يخصّ الفينومينولوجيا بمقولة الوجود إلى أن جاء هايدغر الذي وظّف الفينومينولوجيا في محاولة تأويل الوجود في أفق الزمان المتعالي[23].

فتحت الفينومينولوجيا عالمًا جديدًا، وأتاحت فهم الظواهر فهمًا سابقًا على التصوّرات الذهنيّة، على أنّ هذا العالم الجديد عند هايدغر كان له دلالة مختلفة عما كان عند هوسرل، فبينما كان هوسرل يقارب هذا العالم لكشف عمل الوعي بوصفه ذاتيّة ترانسندنتاليّة، فقد رأى فيه هايدغر الوسط الحيويّ للوجود الإنسانيّ التاريخيّ في العالم، ورأى في تاريخيّته وزمانيّته مفاتيح لفهم طبيعة الوجود، فالوجود كما يكشف عن نفسه في الخبرة المعاشة يندّ عن التصوّر العقليّ  وعن المقولات اللَّازمانيّة للتفكير الذهنيّ المتمركز على الأفكار وحدها. كان الوجود هو السجين المحجوب والمنسيّ بالنسبة للمقولات الغربيّة، والذي كان هايدغر يأمل في إطلاق سراحه. غير أنّ تأثّره بـ (دلتاي ونيتشه)، وكذلك طبيعة نقده للميتافيزيقا الغربيّة، خاصّة الأنطولوجيا، جعلاه يبتعد عن رغبة (هوسرل) في ردّ كل الظواهر إلى الوعي الإنسانيّ، أي الذات الترنسندنتاليّة. لقد أكّد (هايدغر) على أنّ حقيقة الوجود سابقة على الوعي والمعرفة الإنسانيّة، بينما كان هوسرل يميل إلى اعتبار كلّ شيء حتى حقيقة الوجود كمعطى من معطيات الوعي، ولكنّ هذا الموقف القائم على الذاتيّة لم يقدّم ما يطمح له هايدغر؛ لذلك لا يمكن القول إنّ المنهج الفينومينولوجيّ مذهب صاغه هوسرل واستخدمه هايدغر لغاية أخرى، فالحقّ أنّ (هايدغر) أعاد النظر في المنهج الفينومينولوجيّ اتّخذ لديه طابعًا مختلفًا ومتّسمًا بشكّ جذريّ. وكذلك يظهر اختلاف هايدغر عن هوسرل في مسألة أخرى هي «التاريخيّة»، فبينما ظلّ هوسرل علميًّا أصبحت الفلسفة عند هايدغر تاريخيّة في إعادة اكتشاف مبدعة للماضي بشكل من التأويل.([24]) وقد ألمح هوسرل إلى تاريخيّة الوعي، وقدّم وصفًا فينومينولوجيًّا للوعي الداخليّ بالزمن، بينما رأى هايدغر أنّ الفينومينولوجيا يجب أن لا تؤول للوعي، بل يمكن أن تكون وسيلة لكشف الوجود بكلّ وقائعيّته وتاريخيّته، فالأنطولوجيا تصبح فينومينولوجيا، ويجب أن تلتفت الأنطولوجيا إلى عمليّات الفهم والتأويل التي تظهر من خلالها الأشياء، ويجب أن تخرج إلى النور تلك البنية الخفيّة للوجود في العالم. ولكن الفينومينولوجيا عند هايدغر قد تعرضت لعدة انتقادات من أمثال (جلبارت رايل) حيث خطّ نقداً إلى تعاليمه حول المعنى، نظراً لأن نهجه التمثلي يؤدي في نهاية المطاف، إلى نوع من الذاتوية، فعالم الأشياء والأحداث ليس إلا نسيجاً من المعاني المتولدة من أفعال الوعي، وأن السبب الوحيد في هيرمينوطيقا الدازاين عند هايدغر، أخذت وعدت بأن تأخذ شكلاً من أشكال الميتافيزيقا الأنثربولوجية، لأن هايدغر يفترض مسبقاً بأن المعاني مكوّنة من طرف الذات، وهذا إنما يمثّل الإرث السلبي واللاواعي الذي أخذه من هوسرل وأثّر سلباً على نسقه الميتافيزيقي.

5- مفهوم الإلهيّ (الميتافيزيقا الدينيّة) من وجهة نظر هايدغر:
إذا كان الوجود هو امتداد بين الولادة والوفاة، فإنّ الإنسان هو الكائن الوحيد الذي لا يعرف أنّه مُداهم بالموت فحسب، وإنّما الوحيد الذي يعلم أنّه مُداهم والذي يكون موته متضمّنًا في صميم وجوده؛ والدليل أنّه لا يعيش  تجربة الموت إلّا في إطار تعامله مع الآخرين، بل إنّه ينظر إلى الموت على أنّه حدث يقع للآخرين. إنّ الكائن البشريّ يحوز على صفة الوجود من أجل الموت؛ لأنّ تحقّق إمكان الموت معناه إعدام الإمكانيّات الأخرى، فالدازاين يعاني من قلق الموت، وعليه يرى هايدغر أنّنا نعيش في عصر انسحاب الآلهة، ولا خيار لنا سوى أن ننتظر عودة الإلهيّ الذي يمكن أن ينقذنا. وهنا نرى مغالاة هايدغر، فالوجود بأكمله والموت إنما يعود للخالق سبحانه وتعالى فكيف يدعونا إلى انتظار عودة الإلهي؟ بالإضافة إلى فكرته بأن الوجود يقود إلى مفهوم (الوجود نحو الموت) لأنه المفترض بالإنسان أن يتجه بأفعاله ووجوده للبحث فيما وراء الموت. كما أن فكرته عن الموت تبين أن موت الدازاين هو موت الأنا، أما موت الآخر يظل ثانوياً، وهنا اعتراضنا أن موت الآخر يمثّل تحدياً وجودياً وإيتيقياً أصيلاً، لأن الدلالة الحقيقية للموت تتجلى في موت الآخر الذي يكشف عن عجز الذات وضعف الطبيعة البشرية أمام الموت.

قضى هايدغر حياته في البحث عن السبل لتحقيق رغبة تحرير نفسه من اللَّاهوت السائد الذي تربّى عليه، لذلك يرفض أن يكون (الله) موجودًا من الموجودات، فهو ليس علّة ولا شخصًا، واعتبر أنّ ذلك يخفي ماهيّة الإلهيّة الحقّة؛ ولذلك كان يستعمل صفة الآلهة ولا الآلهة فوق الوجود ويبيّن أنّ الآلهة في حاجة إلى الوجود أي إلى الحرّيّة وإلى الانتساب إلى ألوهيّة بفضل هذا الانعطاء إلى الوجود، فلا نستطيع أن نفكّر في الله إلا ابتداءً من الوجود، ولكن الوجود نفسه لا يمكن أن يكون هو الله؛ لأنّه ليس حقيقة لازمانيّة، بل هو معنى التاريخ، وهو منزَّه عن الصفات الأخلاقيّة واعتبارات التنزيه والقيمة «إنّ الألوهيّة لدى هايدغر هي مجال يلمح أكثر مما يطلق الأسماء. هي مجال ينتظر التأويل ولا يقبل المعرفة، يقبل الاستعارة ويرفض المفهوم[25]. وهنا نجد أن هايدغر يعطل مفهوم الإله، وكأنه لا يجرؤ على الاعتراف بوجوده على أنه الوجود المحض.

إنّ مهمّة اللَّاهوت الفكريّة حسب هايدغر في الروح المسيحيّة الأصليّة هي «إيجاد الكلمة التي تدعو إلى الإيمان وتبقيه فيه»، لكن هايدغر حاول أن يوفّق بين طمأنينة الإيمان الدينيّ وبين قلق الدازاين وانهمامه المستمرّ، وتبعًا لهذا كان ثمّة علاقة بين اللغة التي تحدّث بها هايدغر عن المقدّس والإلهيّ، وبين اللغة التي يتكلّمها الشعراء؛ لذلك يستعين هايدغر بالعلاقة التي يقيمها الشاعر (هولدرين) مع اختفاء يقترن بنهاية الميتافيزيقا والتفكير في مجاوزتها بتغيير النظرة إلى النواة، فيتحدّث عن الخطيئة وانفصال غامض للناس عن الله، وهو مرتبك باختفاء الآلهة وهروب الله وبقاء الكائنات في حالة ضياع وتشرّد وعذاب، وهذا الاختفاء يقترن بنهاية الميتافيزيقا والتفكير في مجاوزتها بتغيير النظرة إلى النواة الأساسيّة للوجود. ولكننا هنا نعترض على هايدغر وعلى قلقه من اختفاء الله، فالوجود هو سر الفعل الإلهي وتجلي الوجود المحض، وعلامة من آثاره، والوجود بأكمله متوقف ومرتبط بالله سبحانه وتعالى وحده، والأصالة الحقيقية هي من نصيب مطلق الوجود، وحقيقة الوجود إنما تمتد إلى الوجود الإلهي المحض.

يعبّر هايدغر عن حيرته في رسالته عن «النزعة الإنسانويّة» ويعلِّق الحكم بشأن وجود أو عدم وجود الكائنات الغيبيّة، ويبتعد عن إصدار حكم حول الإله، مما يضعه في منطقة وسطى بين الإيمان والإلحاد، ومع ذلك يرفض الخلط بين الوجود والله، بقوله: «فـ (الوجود) ليس إله أو أساس العالم، إنّه من بين  كلّ الموجودات الأكثر بعدًا من الإنسان، ومع ذلك فهو الأقرب إليه من أيّ موجود آخر سواء أكان صخرة أو حيوانًا أو عملًا فنّيًّا أو إلهًا أو ملاكًا، ويرى أنّ الذين يحاولون إثبات وجود الله عبر جملة من البراهين هم يتسبّبون في قتله دون أن يدروا؛ لأنّهم شوّشوا وضوحه الذي يعرفونه، بينما من يبحث عن الله يعرف الله أنّه هناك وأنّه ثمّة الله، ولكننا هنا نرى تناقض هايدغر وتشتته، فكيف يعلق الحكم على وجود الله، وبذات الوقت يقول أنه ينتظر عودته؟! إن هايدغر بقوله أن الله ليس أساس الوجود يرتكب مغالطة كبرى، فمن وجهة النظر الإسلامية فإن الوجود المحض والأصيل والحق هو وجود الله، وهو مصدر الكون والوجود، وهو حاضر ومتجلي في كل لحظات الكون وليس غائباً عنه كما يدعي هايدغر.

 ويشير غادامير إلى أنّ المصادر اللَّاهوتية لهايدغر هي التي جعلته يهتمّ بتاريخيّة الدازاين. وإلى ذلك يتعجّب من الدعوة إلى التناول العلميّ لما هو روحيّ بطرحه السؤال التالي: (كيف يمكن تناول اللَّاهوت بوصفه علمًا من دون أن يفقد روحه المسيحيّة، ومن دون أن يقع مرّة أخرى في نفوذ مفهومَي الذاتيّة والموضوعيّة؟ هنا يتساءل كيف يبعد هايدغر مبحث اللَّاهوت عن الفلسفة ليلقي به بين أحضان العلم، فيبعد غادامير ترتيب طبقات التأويل بحيث يعيد اللَّاهوت إلى الشأن الفلسفيّ. وعند الإمعان في فلسفة الوجود عند هايدغر نلمس تأثير التصوّرات الدينيّة عليها، فعندما يصف الإنسان بأنّه الموجود المهتمّ بوجوده وكلامه عن «الهُم» (الجماعة البشريّة)، وحرصه على تحقيق الوجود الحقيقيّ بما تسعى إليه الأديان، كما يظهر في تحليلاته للذنب والضمير أصداء بعيدة عن الخطيئة الأولى. ومن المعروف أنّ هايدغر قد انحدر من أسرة كاثوليكيّة ونشأ على تعاليم الدين المسيحيّ الكاثوليكيّ، ودرس في شبابه في مدرسة كونستانس، وهي مدرسة كاثوليكيّة تقع في منطقة انتشر فيها تأثير الكاثوليكيّة والبروتستانتيّة إلى حدّ بعيد، ولا يخفى تأثير هذه النشأة الدينيّة في فلسفته، كما يظهر في فلسفته تأثير النزعة الصوفيّة في حديثه عن «الزمانيّة» في مرحلة تفكيره المتطوّر؛ لذلك يرفض أن توصف فلسفته بالإلحاد، فيصرّح بقوله : «أنّ فكرة الإلهيّ يهيئ (بُعد القداسة) الذي يجب أن يسبق كلّ حديث عن الله أو الدين» ويقول: «إنّ التفسير الأنطولوجيّ للآنيّة بوصفها وجودًا في العالم لا يُحسم بمعنى سلبيّ ولا بمعنى إيجابيّ أن يكون الإنسان على صلة بالله أو متّجهًا إليه، ولا مفرّ أوّلًا من الوصول إلى تصوّر كافٍ عن الآنيّة عن طريق توضيح معنى «العلوّ»، ثمّ عن طريق هذا التصوّر يمكننا أن نضع السؤال الأنطولوجيّ عن طبيعة العلاقة بين الآنيّة والإله». وبذلك نجد أن الوجودية (ولاسيما هايدغر) في تراجع دائم نحو اللاهوت حتى لو كانت تتباهى بأنها  ملحدة، لكنها على الرغم من هذا فلسفة لاهوتية تسعى إلى تعطيل مهمة الإله.

وهنا يمكننا القول إنّ هايدغر لم يكن منكرًا للألوهيّة؛ لأنّ فلسفة الوجود تتطوّر في أنطولوجيا توحي بإمكانيّات جديدة لفكرة الإله، وربما كانت هذه الإمكانيّات أكثر تطوّرًا عن مفهوم الألوهيّة التقليديّ، وبذلك يمكن الذهاب إلى أنّ كتابات هايدغر عن الوجود إنّما هي محاولة غير صريحة للبحث عن الله، وتعبير (مقنّع) عن الإيمان بوجود الله، وأنّ تعبيراته الغاضة الصعبة تخفي وراءها المواقف القديمة نفسها إزاء الدين، يقصد هايدغر «بالتصوّر الكافي للآنّية» للأفق الانبثاقيّ المتعالي للوجود بما هو كذلك، فابتداءً من حقيقة الوجود يبدأ التفكير في ماهيّة المقدّس، وابتداءً من ماهيّة المقدس نفكّر في ماهيّة الألوهيّة، وفي ضوئهما نعبّر عن معنى كلمة الإله.

ويمكن القول إنّ تفكير هايدغر ينقسم إلى تفكير في (المقدّس، وفي الألوهيّة) و(الإله والآلهة) وملتقى هذه التقسيمات هو «الحقيقة بوصفها إنارة للوجود»، كما أنّ العلاقة بين الإنسان والإله عند هايدغر لا تقوم على أساس أنّ الإنسان (حيوان مفكّر) وإنّما بوصفه وجودًا ماهويًّا ينتمي إلى الوجود بمعنى «الحادث». يُلاحَظ في هذا المجال أنّ سؤال هايدغر عن «المقدّس والألوهيّة والإله» في نطاق إنارة الوجود إنّما هو تعبير عن فكرته عن «قرب الإله وغيابه»: فالإنسان  ابتعد عن الوجود، واستغرق في نسيان ماهيّته، وهو عندما يتحرّك باتجاه «مقدّس» يحتاج إلى حقيقة الوجود، أنّه لا يتّضح إلّا من خلالها، أي التفكير في إنارة الوجود يمهّد للمدخل الممكن للمقدّس من خلال «نور الوجود»[26]. وفي هذا المجال يتم انتقاد فلسفة هايدغر أنها نطلق من حقيقة وجود الإنسان كمحور ونقطة انطلاق اساسية نحو المقدس والإلهي، وهذا يتعارض مع الشرع الإسلامي الذي يبدأ من الوجود المحض (وجود الله) كمنطلق أساسي لفهم الوجود.

ويتضح عند هايدغر أنّ المقدّس هو المعنى الذي يتجسّد فيه بُعد الألوهيّة والإله، وأنّ «الفرق الأنطولوجيّ» بين الوجود يناظره (فرق ثيولوجيّ) آخر يفيد أنّ الإله ليس موجودًا، وليس هو الوجود ذاته، وأنّه يختلف عن الوجود بمعنى الحادث، وأنّه في مجال حقيقة الوجود يظهر في صورة الحادث. ولكن الحادث صادر عن قديم أوجده هو الله تعالى، وهذا الكون والوجود ماهو إلا تجليات لقدرته سبحانه.
فلسفة هايدغر إذاً، هي بحث تاريخيّ عن الوجود، بل بحث دينيّ بصفة أساسيّة، يقول في هذا الصدد: «علينا أن نفكّر في اللغة ابتداءً من الوجود»، فالوجود ليس هو (الله)؛ لأنّ الوجود ليس حقيقة لا زمانيّة، بل هو معنى التاريخ، وأنّ الوجود ليس ذاتًا ولا موضوعًا ولا شخصًا ولا شيئًا، بل هو انفتاح محض وعلاقة محضة، وخارج علاقته بالإنسان لا يوجد شيء، فاللغة تعبّر عن وجود ا(لله) بالسلب، فالإله ليس العلّة الأولى وإلا كان مُجانسًا للموجودات التي يخلقها، واللاهوت بدفاعه عن (الله) العلّة قد أسهم في مجيء إله الفلاسفة، فـ(الله) عند (هايدغر) ليس وجودًا من الموجودات ولا علّة أولى ولا شخصًا ووجوده يعبّر عن رفض كلّ تبرير وبرهان، فلـ هايدغر عبارة بالغة الأهمّيّة، حيث يقول: «إله واحد فقط بوسعه أن ينقذنا» بمعنى أنّ الميتافيزيقا التي تخلط بين الوجود والموجود، فمعنى الوجود تابع لفكرة الإله ومن خلالها يصحّح فكرة (الخلاص) أو (النجاة)، علمًا بأنّ الوجود لا يحقّق لنا النجاة، وإنّما الوجود والموجود يتحقّق لهما النجاة بفضل الإله. وهذا إنما يعبر عن تخبط وتناقض عند هايدغر فيبدو تارةً متأثراً بالفيلسوف نيتشه حول فكرة موت الإله, وتارةً أخرى تظهر تربيته المسيحية وتغلغلها في ثنايا تفكيره حول وجود الله.

وقد فسّر هايدغر شعر (هولدرلين) وغيره في مرحلة تطوّر فكره، حيث يقول (إنّ زماننا هو زمان الحاجة؛ لأنّه يقع تحت تأثير نوعين من السلب، فلم يعد يوجد آلهة كما قال نيتشه، ولم يأتِ بعد الإله الجديد، وإنّ الافتقار الشديد إلى الإله إنّما هو بوح ووعد». ويقصد هايدغر أنّ العصر الذي لم تعد فيه آلهة هو العصر الذي ألغى فيه معنى السؤال عن الوجود، وأنّه لا مفرّ من البحث عن معناه، ولا يمكن الوصول إلى هذا المعنى تمامًا؛ لأنّه يعيده إلى أقصى حدّ، وهذا الطريق هو طريق عثورنا على هويّتنا وبه نتّصل بذواتنا وننفتح على الوجود، ونحتفظ بقربنا منه، ونحن الآن نعيش عصر غياب الآلهة، ونحن لا يمكننا أن نفكّر في الإله، بل نستعدّ لانتظاره، وأن نوقظ في أنفسنا الاستعداد لهذا الانتظار[27]. ولكن كيف يصرّ هايدغر على انتظار الإله وهو يقول في ذات الوقت أننا نعيش عصر انسحاب الآلهة؟!، وكأنه هنا في تناقضه يؤكد على فكرة تعطل مفهوم الإله مع التأكيد على وجوده.

لهذا تحدّث هايدغر عن «التفكير بما هو آت»، وهذا التفكير نتركه يتسلّل إلينا كما يتسلّل اللصّ في الظلام، فلم يعد هذا التفكير أنطولوجيًّا ولا ثيولوجيًّا بالمعنى القديم، فهو يرى أنّ السؤال (من هو الإله؟) من أصعب الأسئلة؛ لأنّنا لا نستطيع أن نصل إلى الإله بسبب طريقتنا القاصرة في الحديث عنه، ويمكننا فقط أن نتساءل: ما هو الإله؟ مما يشير إلى القداسة والمقدّس في تفكيره، يقول في هذا الصدد: «ضياع بعد القداسة والمقدّس هو الآفة الحقيقيّة لعصرنا». ونستطع القول إنّ: (السؤال عن الوجود) الذي جاهد هايدغر في سبيل إثارته، ومحاولة الإجابة عليه ليس في النهاية وفي صورته الجديدة سوى السؤال عن الإله». ويستنتج غادامير من فلسفة هايدغر أنّ الإنسان يستطيع أن يعرف المقدّس دون أن يحسم أمره بشأن الألوهيّة، علاوة على أنّ كلّ الآلهة اختفت ولم يبقَ سوى المقدّس،  وهو الأمر الوحيد الذي يجب على الإنسان أن يتمسّك به، ولكن هنا نجد الزخرفة اللفظية ونتائجها المتناقضة عند هايدغر، فهو يتحدث عن المقدس ويلغي وجود الله، مع العلم أن المقدس هو الله سبحانه وحده.

وكذلك يتبيّن لنا من فينومينولوجيا الدين عند هايدغر هو إفلاس التقسيم الثنائيّ عنده: الإيمان والإلحاد بخصوص الفكر والعلم والأدب والثقافة، فمصطلحات مثل: الإلحاد المنهجيّ والعلمانيّة المؤمنة والوجوديّة الدينيّة هي مجرّد مقولات جوفاء، وهنا يصدق كلام هايدغر أنّ السؤال: مَن هو الله؟ هو سؤال في غاية الصعوبة بالنسبة للبشر، وبوسعهم على الأكثر أن يسألوا: ما هو الله؟ وهكذا تكون فلسفة هايدغر في مضمونها عندما يبحث عن الوجود والكينونة ماهي إلا سؤال عن الله مهما حاول تعتيم هذا الأمر وإخفائه.


خاتمة انتقاديّة
يتّضح مما سبق أنّ فلسفة الوجود عند هايدغر تصبو إلى أن تكون شيئًا جديدًا كلّ الجدّة، وأن تشكّل نقطة تحوّل مهمّة في تاريخ الفلسفة، إلّا أنّ واقع فلسفته ومآلاتها يفضيان عكس ذلك. في الواقع هايدغر يبدي زخرفة لغويّة اصطلاحيّة بطريقة جديدة لنمط قديم من التفكير، وستبدو فلسفته الوجوديّة بعد التمعّن فيها بأنّها فلسفة متعسّفة وغريبة عن الحقل المعرفيّ، وبالتالي غير موفيّة لشروط الإقناع العلميّ.

ومن خلال تحليل كتابه الأساسيّ والمهمّ (الوجود والزمان) تبدو تحليلات هايدغر في ظاهرها عميقة، ولكنّها في الحقيقة فاقدة لهذا المعنى الأنطولوجيّ، ليبدو أدنى إلى سفسطة معرفيّة على حدّ تعبير (كرافت) في نقده لـ هايدغر. فهو قد اعتمد على اللغة والمنطق، ولكن من أجل هدم أسس المنطق التقليديّ وأسسه والهجوم عليه، الأمر الذي أدى إلى استياء العقلانيّين منه.

كما نجد أن فلسفته يمكن أن تعدّ امتداداً لفلسفة أخرى وهي فلسفة نيتشه الذي ادعى موت الإله، ويدعو إلى الحرية المزعومة الواهمة، التي سلبت الإنسان فطرته التي فطره الله عليها، وأوقعته فريسة القلق والحيرة والهم.

وأمّا بخصوص الفينومينولوجيا، فإنّ أتباع مدرسة الفينومينولوجيا يصبُّون جام نقدهم على هايدغر؛ لأنّه استخدم أدوات المنهج العلميّ، ثمّ ارتدّ عليه وهمّشه. فالفينومينولوجيا عنده غدت تاويليّة (هيرمينوطيقا) تهتمّ بتصرّفات الإنسان في حياته اليوميّة، فقد اختار طريقًا وعرة بإحداث مصطلحات تستخدم لغة سرّيّة لكي تبهر النفوس وتدعم قيمتها فتغدو لغة غريبة وتعبيرات يعدّها بعض الفلاسفة ومنهم الفيلسوف (جلبارت رايل)  صبيانيّة أدّت برأيه إلى تشتّت المعنى. إلى ذلك فإنّ منهجه الفينومينولوجيّ سيؤدي في نهاية المطاف إلى نوع من الذاتويّة والمثالية الذاتية: فيكون عالم الأشياء والأحداث نسيجًا من المعاني المتولّدة من أفعال الوعي، وتغدو هيرمينوطيقا الدازاين عنده شكلًا من أشكال الذاتيّة؛ مما أثّر إلى حدّ بعيد في إفساد نسقه الميتافيزيقيّ. ففي الحقل الأنطولوجيّ التأسيسيّ  يُلاحظ أنّ هايدغر قد استخدم كلمة (الإله) بصورة غير معروفة وغير معرّفة ليتجاوز المفهوم الميتافيزيقيّ السابق ويجرّده من مبانيه الشكليّة مع الإبقاء على معنى «تفرّد القداسة»، وبذلك تتراجع فلسفته في الوجود نحو اللَّاهوت التقليديّ حتى لو تباهت بأنّها مجاوزة لها. بل أكثر من ذلك، فهو حين يؤسّس رؤيته الوجوديّة على نقد الميراث الإغريقيّ؛ لأنه قام على ما يسميه بـ «نسيان الكينونة».

وكما أن هايدغر ينطلق من تصور الوجود وحقيقته، فهو يدرك نقطة الانطلاق لديه، لكن تصور الوجود وحقيقته شيء ، والإجابة الفعلية عن وقائعية هذا الوجود وحقيقته شيء آخر، وكأننا نستنتج بأن هايدغر لايدرك الوجود ولم يدركه حتى مماته، لذلك انبرى في الشرح لمسألة حقيقة الإنسان ووجوده وغرق في تداعياتها.

كما تتهاوى دعاوى هايدغر الرامية إلى تكريم الإنسان والإعلاء من شأنه لأنه يرى أن هذا العلوّ لايتحقق إلا بالتفكير بالإنسان من خلال تبعيته لحقيقة الوجود، ولكننا لانكاد ندرك المعنى المقصود بعبارة (حقيقة الوجود) وكأن هايدغر يعتمد هذا الغموض بأن تظل حقيقة الوجود محاطة بالغموض ليضفي على كتاباته قدراً من الصعوبة ومن البقاء داخل مسكن اللغة.

فالأنطولوجيا الأساسية عند هايدغر هي مجرّد ميتافيزيقا فيلولوجيّة، تخلّى عن مطلب هوسرل لبناء فلسفة علميّة، مما أدى إلى ارتمائه في دائرة التصوّف (على الرغم من تنصّله من وصفه بذلك) مع أنّها تتردّد في حنايا كلماته مثل الانكشاف والتحجّب والتجلّي والحضور وغيرها... مما يؤكّد على تأثير الدين المسيحيّ على أفكاره. ويمكن القول إنّ فلسفة الوجود والسؤال عن الوجود عند هايدغر ليس في النهاية سوى السؤال عن الله، وإن كانت الألوهيّة معطلة في فلسفته.

وصفوة القول إنّ هايدغر توقف عند المرحلة الأولى من مشروعه النظريّ (في البحث في وجود الإنسان وفي كينونته)، لم يتجاوزها، وهنا يكمن إخفاقه في عدم وصوله إلى  المرحلة الثانية التي كان يصبو إليها (في تقديم أنطولوجيا وجوديّة).

لائحة المصادر والمراجع
بدوي، عبد الرحمن: دراسات في الفلسفة الوجوديّة، المؤسّسة العربيّة للدراسات والنشر، بيروت
الحياني، محمد خلف: التأويليّة مقاربة وتطبيقات، دار غيداء للنشر والتوزيع، الأردن، 2013م
سليمان، جمال محمد: مارتن هايدغر الوجود والموجود، دار التنوير، 2009م
شنوف، نصر الدين: الفينومينولوجيا التأويليّة وفلسفة المنعطف عند مارتن هايدغر، مجلّة جسور المعرفة، المجلد 06 ، العدد 01 ، جامعة حسيبة بن بوعلي، الجزائر، 2019م
غادامير، هانز جورج: طرق هايدغر، تر: حسن ناظم، علي حاكم صالح، دار الكتاب الجديد المتحدة، لبنان، ط1، 2007م.
فريدة غيور، مفهوم الوجود عند مارتن هايدغر، مجلّة التواصل، عدد 10، مارس، قسم الفلسفة، جامعة قسنطينة، 2003م.
محمد، محمد رسول: تأمّلات في خطاب هايدغر الفلسفيّ في العلامة والاختلاف، مجلّة العرب، مقالة على الإنترنت، 2016م
مصطفى، عادل: فهم الفهم، مؤسّسة هنداوي، المملكة المتّحدة، 2017م
هايدغر، مارتن: الأنتولوجيا تأويليّات الحدثيّة، تر: محمّد أبو هاشم محجوب، مؤسّسة مؤمنون بلا حدود، الرباط، 2019م.
هايدغر، مارتن: الأنطولوجيا هرمينوطيقا الواقعانيّة، تر: عمارة الناصر، منشورات الجمل، بيروت، 2015م
هايدغر، مارتن: الكينونة والزمان، تر: فتحي المسكيني، دار الكتاب الجديد المتّحدة، لبنان، ط1، 2012م
هايدغر، مارتن: نداء الحقيقة ، تر: عبد الغفار مكاوي، مؤسّسة هنداوي، المملكة المتّحدة، 2017م.


------------------------------------
[1]*-  باحثة في الفلسفة الحديثة وأستاذة في جامعة دمشق- سوريا.
[2]- أنظر: فريدة غيور، مفهوم الوجود عند مارتن هايدغر، مجلّة التواصل، عدد 10، مارس، قسم الفلسفة، جامعة قسنطينة، 2003م، ص 129- 130.
[3]- انظر: شنوف، نصر الدين: الفينومينولوجيا التأويليّة وفلسفة المنعطف عند مارتن هايدغر، مجلة جسور المعرفة، المجلّد 06 ، العدد 01 ، جامعة حسيبة بن بوعلي، الجزائر، 2019م، ص 53.
[4]- بدوي، عبد الرحمن: دراسات في الفلسفة الوجوديّة، المؤسّسة العربيّة للدراسات والنشر، بيروت،  ص89- 90 .
[5]- انظر: شنوف، نصر الدين: الفينومينولوجيا التأويليّة وفلسفة المنعطف عند مارتن هايدغر، مجلّة جسور المعرفة، المجلد 06 ، العدد 01 ، جامعة حسيبة بن بوعلي، الجزائر، 2019م، ص534- 535 .
[6]- ليفينيانس، إيمانويل: الزمان والآخر، تر: جلال بدلة، معابر للنشر والتوزيع، سوريا، ط1، 2014م، ص43.
[7]- انظر: شنوف، نصر الله، مرجع سابق، ص539.
[8]- المرجع السابق، ص 538- 539.
[9]- هايدغر، مارتن: نداء الحقيقة ، تر: عبد الغفار مكاوي، مؤسّسة هنداوي، المملكة المتحدة،2017م، ص75- 76 .
[10]- هايدغر، مارتن: نداء الحقيقة، ص 77- 80
[11]- -هايدغر، مارتن: الكينونة والزمان، تر: فتحي المسكيني، دار الكتاب الجديد المتّحدة، لبنان، ط1، 2012م، ص62.
[12]- هايدغر، مارتن: الكينونة والزمان، تر: فتحي المسكيني، دار الكتاب الجديد المتّحدة، لبنان، ط1، ص 88- 92.
[13]- انظر: سليمان، جمال محمد: مارتن هايدغر الوجود والموجود، ص 119- 125
[14]- انظر: فريدة غيور، مفهوم الوجود عند مارتن هايدغر، مجلة التواصل، عدد 10، مارس، قسم الفلسفة، جامعة قسنطينة، 2003م، ص132- 134
[15]- هايدغر، مارتن: الكينونة والزمان، تر: فتحي المسكيني، دار الكتاب الجديد المتحدة، لبنان، ط1، 2012م، ص87
[16]- انظر:  تأمّلات في خطاب هايدغر الفلسفيّ في العلامة والاختلاف، محمّد رسول محمّد، مجلّة العرب، مقالة على الانترنت، 2016م
[17]- غادامير، هانز جورج: طرق هايدغر، ص75.
[18]- هايدغر، مارتن: الكينونة والزمان، ص 88
[19]- هايدغر، مارتن: الأنتولوجيا تأويليّات الحدثيّة، تر: محمد أبو هاشم محجوب، مؤسّسة مؤمنون بلا حدود، الرباط، 2019م، ص210- 215.
[20]- هايدغر، مارتن: الانطولوجيا هرمينوطيقا الواقعانيّة، تر: عمارة الناصر، منشورات الجمل، بيروت، 2015م، ص127- 128
[21]- هايدغر، مارتن: الكينونة والزمان، ص100- 102
[22]- انظر: سليمان، جمال محمد: مارتن هايدغر الوجود والموجود، ص6- 7
[23]- شنوف، نصر الدين: الفينومينولوجيا التأويليّة وفلسفة المنعطف عند مارتن هايدغر، مجلّة جسور المعرفة، ص536- 538
[24]- مصطفى، عادل: فهم الفهم، مؤسّسة هنداوي، المملكة المتحدة، 2017م، ص121- 126.
[25]- مقالة ، زهير الخويلدي، المصادر الدينيّة لفلسفة هايدغرالأنطولوجيّة، مقالة على النت.
[26]- - غادامير، هانز جورج: طرق هايدغر، ص358- 359
[27]- غادامير، هانز جورج: طرق هايدغر، ص 365- 366