البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

الفلسفة الإفريقيّة كنقيض للفكر الكولونياليّ؛ استقلال الذات الثقافية القارية

الباحث :  غيضان السيد علي
اسم المجلة :  الاستغراب
العدد :  30
السنة :  ربيع 2023م / 1444هـ
تاريخ إضافة البحث :  July / 22 / 2023
عدد زيارات البحث :  553
تحميل  ( 537.810 KB )
إذا كان من البديهيّ أن يكون ثمّة إسهام فلسفيّ إفريقيّ بالمعنى الجغرافيّ الشامل للقارة الإفريقيّة، فإنّ العنصريّة الغربيّة -انطلاقًا من نظريّة المركزيّة الغربيّة- قد شكّكت في هذه البديهيّة، وصوّرت الإفريقيّ -جنوب الصحراء الإفريقيّة الكبرى- في صورة رجل بدائيّ غير قادر على التفكير العقليّ أو الإبداع الفلسفيّ؛ لذلك سعت أجيال متعاقبة من مفكّرين وأكاديميّين وفلاسفة أفارقة من داخل القارة وخارجها إلى إيجاد فلسفة خاصّة بالقارة السوداء تقبع خارج التصوّرات المستندة إلى المركزيّة الغربيّة، فلسفة تسعى إلى «أفرقة» ثقافة القارّة وشعوبها، ردًا على محاولات التغريب وطمس الهويّة من قِبل المستعمِر الغربيّ، وبحثًا عن الذات، ونقدًا للمركزيّة الغربيّة؛ لذلك كانت الفلسفة الإفريقيّة بمثابة جزء من مشروع إفريقيّ عامٍّ ينطلق من البحث عن الهويّة إلى نقد الهيمنة الاستعماريّة الغربيّة.
وقد انطلقت هذه الدراسة من عدّة تساؤلات مهمّة شكّلت الإجابة عليها خطوطها العامّة، كان من أهمّها: ما المقصود بالفلسفة الإفريقيّة؟ وكيف مثّلت في حقيقتها نقدًا للفكر الاستعماريّ؟ ولماذا كان سؤال الهويّة هو أهمّ أسئلتها؟ وكيف تجلّت العنصريّة الغربيّة تجاه الإفريقيّ؟ وكيف نظر أهمّ فلاسفة الغرب ومفكّريه إلى الإفريقيّ وقدراته العقليّة؟ وكيف شكّل مفهوم «الإحباط» مفهومًا جوهريًّا في الفلسفة الإفريقيّة؟ وما هي مراحل الفلسفة الإفريقيّة وأهمّ حركاتها؟ وما هي أهمّ المساهمات الفلسفيّة المدافعة عن الهويّة الإفريقيّة الناقدة للهيمنة الاستعماريّة؟

كلمات مفتاحية: الفلسفة الإفريقيّة – الفكر الاستعماريّ- الأفرقة – الهويّة القارّيّة – عنصرية العرق الأبيض.

تمهيد
المقصود بالفلسفة الإفريقيّة؛ هي تلك الفلسفة التي أنتجها فلاسفة القارة السمراء ذوو البشرة السمراء الداكنة من دول جنوب الصحراء الكبرى الإفريقيّة، سواء أكانوا من الذين عاشوا داخل القارة الإفريقيّة أم خارجها، أي أنّها تلك الفلسفة التي تستبعد فلسفة وفكر فلاسفة ومفكّري دول شمال إفريقيا ذوي البشرة الفاتحة من الناطقين بالعربيَّة أو غيرها؛ لأنّ هؤلاء قد وجدوا العناية بالدراسة والبحث فيما اتفق عليه المختصّون قديمًا بالفلسفة الإسلاميّة في شمال إفريقيا، وحديثًا فيما أُتفق على تسميته بالفكر العربيّ الحديث والمعاصر. أمَّا مفكرو وفلاسفة وسط وجنوب وغرب القارّة السمراء فلا يزالون مجهولين تمامًا عند أغلب قرَّاء العربيَّة؛ ولذلك كانت أهمّيّة هذا البحث الذي يحاول أن يقدّم للقارئ العربيّ رؤية مختصرة حول طبيعة الفلسفة الإفريقيّة مرفقة بخريطة توضيحيّة لأهمّ فلاسفتها؛ لعلّها تكون بداية فتح جديد لقرَّاء الفلسفة في البلاد العربيَّة التي اقتصرت على بحث موضوعات الفلسفة الغربيّة، مديرةً ظهرها تمامًا للفلسفة الإفريقيّة التي لاقت تجاهلًا يكاد يكون شبه تاّم حتّى بين المشتغلين بالفلسفة في بلادنا، سوى من بعض المحاولات الفرديّة التي بدأت في الظهور في السنوات الثلاث الماضية، أي مع بداية العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين.
لكن هذا التناول لن يكون في إطار حصر كافة المعلومات عن الفلسفة الإفريقيّة ومذاهبها وفلاسفتها، فهذا أمر ينوء به إطار هذا البحث المحدود؛ ولذلك سيتمّ تناول موقف الفلسفة الإفريقيّة من مسألة المركزيّة الغربيّة، وكيف رفض المفكّر والفيلسوف الإفريقيّ أن يمتد به عهد الاستعمار الغربيّ إلى ما بعد أزمنة الاستقلال من خلال الاستعمار الفكريّ الغربيّ، فعمل على إعادة النظر في الهويّة الإفريقيّة تاريخيًّا وفلسفيًّا وأنثربولوجيًّا، تلك الهويّة التي سعى الاستعمار الغربيّ إلى تدميرها والقضاء عليها سواء أكان في صورته البريطانيّة أو الفرنسيّة أو غيرهما؛ حيث سعى الاستعمار البريطانيّ إلى القضاء على مقوّمات الهويّة الإفريقيّة من دين ولغة وعادات وتقاليد... إلخ، كذلك سعى الاستعمار الفرنسيّ من خلال مفهوم «الاستيعاب» إلى تحويل الأفارقة إلى فرنسيين عن طريق تعليمهم اللغة والثقافة الفرنسيّة. وكان هذا هو دأب الاستعمار الغربيّ -بكافة صوره- تجاه إفريقيا من حيث السعي إلى تغريبها ومحو هويّتها الأصليّة.

لذلك كان على الانتليجنسيا الإفريقيّة أن تقاوم هذا العدوان الاستعماريّ على هويّتها الأصليّة من خلال رفض المفاهيم الغربيّة والإدعاءات العنصريّة التي وصفت الإفريقيّ الأسود على وجه الخصوص بالدونيّة العقليّة والفكريّة، وأن تعمل -في الوقت نفسه- على تأسيس فلسفة جديدة تعتزّ بالهويّة الإفريقيّة وتصحّح المغالطات التي روَّج لها المفكّرون والفلاسفة الغربيّون؛ ولذلك عمل الإفريقيّ على تحقيق ثلاثية فكريّة رأى فيها خَلَاصَهُ الإيديولوجيّ، وهي: التخلّص من الفلسفات الاستعماريّة وإحلال فلسفات ذاتيّة محلّها، وتجاوز الواقع البدائيّ نحو المدنيَّة والحداثة، والدفع بالإفريقيّ للتعايش مع الآخر الأوروبيّ في ظلّ الاحترام المتبادل.

الفلسفة الإفريقيّة من البحث عن الهويّة إلى نقد الفكر الاستعماريّ
حرص الفيلسوف الإفريقيّ على أن يرسل رسالة للمستعمر الغربيّ مفادها أنَّ هويّة الإفريقيّ لم تعد مُغطّاة ومُؤَمَّنة لصالح المستعمِر الغربيّ، وأنَّ الإنسان الإفريقيّ لم يعد هو ذلك البدائيّ ذا القدرات العقليّة الأقلّ كما زعم عنه أشهر فلاسفة الغرب ومفكّروه، بل إنّه قد أصبح ندًّا لذلك الغربيّ، يرفض بقوة ما ذهب إليه الكثيرون من أصحاب النظرة العنصريّة المنحازة للرجل الأبيض من الغربيّين من فلاسفة، وأنثروبولوجيّين، وعلماء نفس واجتماع، الذين اتهموا الأفارقة باللاعقلانيّة وتدنّي التفكير أو عدم القدرة على التفلسف. ونظروا إليهم عبر ثنائيّة الرجل الأبيض/ الرجل الأسود، تلك الثنائيّة العنصريّة التي تعكس التقابل بين المتحضّر والهمجيّ. ومن هؤلاء أسماء شهيرة ولامعة في سماء الفكر الغربيّ من أمثال: ديفيد هيوم David Hume (1711-1776)، وإيمانويل كانط Immanuel Kant (1724-1804)، وجورج فيلهلم فرديريك هيغل Georg Wilhelm Friedrich Hegel (1770-1831)، وأوجيست كونت Auguste Comte (1798-1857)، وجون ستيوارت مل John Stuart Mill (1806-1873)، وهربرت سبنسرHerbert Spencer (1820-1903)، وماكس موللر Friedrich Max Müller (1823-1900)، وإدوارد تايلور Edward Burnett Taylor (1832-1917)، وجيمس فريزر James George Frazer (1854-1941)، وسيجموند فرويد Sigmund Freud (1856-1939)، وليفي بريل Lévy-Bruhl (1857-1939)، وإميل دوركايم Émile Durkheim (1858-1917)، وكاسبر مالينوفسكي Bronislaw Kasper Malinowski (1884-1942)... وغيرهم[2].

ونتيجة لهذه الرؤية العنصريّة تجاه الإفريقيّ كان إصراره على أن يكون له فلسفته الخاصّة التي تؤكّد هويّته وتحدّد نظامه الفكريّ وإدراكه المختلف للواقع، فكان عليه أن يؤكّد أنّه قد صار بمقدرته أن ينتج فكرًا وفلسفة خاصّة به بعيدًا عن فكر وفلسفة الغرب التي سيطرت عليه أثناء الفترة الاستعماريّة، فحرص على أن تكون له فلسفة إفريقيّة خالصة تتأسّس على إعمال النظر في العادات والتقاليد والأديان والفلكلور والأساطير الإفريقيّة، مستهدفةً الوصول إلى المبادئ العامّة الكلّيّة التي ترسم الخطوط العامّة للحكمة الإفريقيّة المكمّلة للحكمة الإنسانيّة. والتي تهتمّ بتفسير نشأة الكون(مبحث الوجود) أو تبرير الإيمان، أو كيفيّة الوصول إلى المعرفة الحقيقيّة(مبحث المعرفة)، أو الوقوف على قواعد الأخلاق والسلوك الصحيح (مبحث القيم)، أو وضع تنظيرات فلسفيّة حول ماهيّة الحرّيّة والاستقلال والعدل والمساواة (الفلسفة السياسيّة).
وهكذا عمل الفيلسوف الإفريقيّ بدأب على أن يُكذِّب ذلك الادّعاء العنصريّ الذي ساد لفترات طويلة من الزمن بأنَّ الفلسفة خلقٌ غربيٌّ فريدٌ لا ينازعه فيها أحد[3]، وراح يبرهن -من خلال فلسفته الخاصّة- على أنّ الخطاب الاستعماريّ قد أخطأ عندما أعطى لنفسه الحقّ والسلطة في تسمية الإفريقيّ وتصنيف عالمه وثقافته وفقًا لإطار معياريّ يختزل الإفريقيّ في نطاق التخلّف، وعدم أهليّته على إعمال العقل. كما اهتمّ -في الوقت نفسه- بالدفاع عن هويّته كي يفرض كلمته التي تعبّر عن كينونته، فلا يترك نفسه تحت الوصاية الفكريّة لغيره، ولا يرضى أن يظلّ موضوعًا للبحث والتفسير من قِبل غيره، وأن يجعل لفلسفته التي تحمل خصوصيّته الإفريقيّة طابعًا عالميًّا يتناسب مع تحدّيات عصر العولمة، مؤكّدًا على كونيّة منجزه الفلسفيّ؛ وهو بذلك يواجه شموليّة الفلسفة الغربيّة وأنانيّتها واستعلاءها، ومحاولاتها الدائبة لطمس الهويّة الإفريقيّة. وانطلاقًا من هذا جعلت مويا دياكون Moya Deaccon عنوان فصلها الأوّل من كتابها «الفلسفة الإفريقيّة: من الطبول والأقنعة إلى العقلانيّة»: «نكون أو لا نكون: هذا هو سؤال الفلسفة الإفريقيّة»[4]. وإن لم يمنع هذا الاتجاه الإفريقيّ من الاطّلاع على الفلسفة الغربيّة والتفاعل مع قضاياها من باب كونها تراثًا إنسانيًّا، وتفاديًا للدخول في العزلة والتقوقع داخل فكر الذات.

وتعبر الفلسفة الإفريقيّة في أغلبها عن صرخة اعتراض من قِبل الفلاسفة الأفارقة على كافة الفلسفات الاستعلائيّة التي تميزت بها المركزيّة الغربيّة سواء أكانت العقلانيّة الفرنسيّة أو التجريبيّة الإنجليزيّة أو المثاليّة الألمانيّة أو البراجماتيّة الأميريكيّة، لتقدّم نفسها بوصفها فلسفة مفتوحة تعبّر عن ثقافات متعدّدة وتؤكّد على جوهريّة العلاقة بين الفكر والواقع، بين النظريّة والتطبيق. رافضةً في إباء استيراد الفلسفات الغربيّة التي زعم أهلها كونيّتها وصلاحيّتها لكلّ الشعوب والأمم في كافة الأماكن والأزمنة؛ وبذلك تصبح الفلسفة الإفريقيّة بمثابة برنامج كفاح الإفريقيّ ضدّ الاستعمار وضدّ الفلسفات الغربيّة المتعالية، من أجل الإعلان عن حقيقة وجود الإفريقيّ صاحب الهويّة الخاصّة، وفي ذلك تقول مويا دياكون: «إن هويّة الإنسان الإفريقيّ كانت أهمّ الأهداف الرئيسيّة لتطوّر الخطاب الفلسفيّ في إفريقيا الناطقة بالفرنسيّة، حيث يرتبط تطوّر هذا الخطاب بالمشروع الإيديولوجيّ للقوميّة الحازمة. إنّ حركة الفكر التي تُعلم التأمل الذاتيّ لدى الأفارقة الناطقين بالفرنسيّة والذين بلغوا ذروتهم في فكرة العرقيّة يستمدّون الدافع الأكبر من استجابة عاطفيّة مناهضة للوضع الاستعماريّ... وما يصاحبها من تشويه إيديولوجيّ ورؤية متدنّية للعرق الأسود»[5]. كما ترى دياكون أيضًا أنّ الحجّة الاستعماريّة الأوروبيّة قد قامت على فكرة أساسيّة هي دونيّة الثقافة الإفريقيّة، وأن تمدين هذه الثقافة والإعلاء من شأنها هي وظيفة المستعمر الغربيّ[6]. لتبقى -في رأينا- الفلسفة الإفريقيّة بمثابة ردّ فعل على هذه الادّعاءات والمزاعم الكاذبة، وبمثابة أمل وحلم رَاودَ الإفريقيّ كثيرًا، وهو أن تصبح فلسفته وسيلة لتأكيد الذات أمام الآخر، بل تصبح فنًّا للحكمة، ومساهمة حقيقيّة في الفكر البشريّ الشامل الذي يتغيّا الوصول إلى الحقيقة.

ومن ثمّ كان البحث عن الهويّة أهمّ أهداف الفلسفة الإفريقيّة -ولا سيّما في الفترة المبكرة- التي تبحث عن تأكيد الذات في مواجهة الآخر المستعمِر الذي عمل بالفعل على تجريدها من كلّ حقّ أصيل لها في أن تكون ذاتها، حيث عمل على محو الهويّة الإفريقيّة وإضعاف الإيمان بكلّ ما يمكنه تغذيتها، فحقَّر القيم الذاتيّة للإفريقيّ، وعمل على إضعاف اللغة التي تعطي معنى لروحه، والدين الذي يربطه بأصله وجذوره. كلّ ذلك كان بمثابة الدافع القويّ للإفريقيّ الذي جعله يسعى إلى تأكيد ثقافة الذات لكي يتم الإقرار بشرعيّة ثقافة كانت موضع الإنكار والانتقاص من قِبل ذلك المستعمِر الذي اختزل الإبداع الإنسانيّ في السياق الغربيّ دون سواه، وتحديدًا السياق الأوروبيّ.

العنصريّة الغربيّة تجاه الإفريقيّ
تجلّت العنصريّة الغربيّة البغيضة بشكل بارز في صورة ثنائيّة الرجل الأبيض/ الأسود؛ تلك الثنائيّة التي يرى فيها الغربيّ الأبيض أنّه الأرقى عِرقًا والأكثر فهمًا والأرجح عقلًا، وأنّ ثقافته عبارة عن قِبلة يجب أن يُولّي الجميع وجوههم شطرها، فتكون المُخلّص لهم من حال البربريّة إلى حال الحضارة، ومن التقليد إلى الحداثة، ومن الجماعة إلى الفرد، ومن الاستبداد إلى الديمقراطيّة، وهو الأمر الذي يعكس المركزيّة الغربيّة بوضوح مطلق.

وقد رأى الغربيّ أنّ من هم دونه من الشعوب والأمم الأخرى غير قادرين على التفكير العقليّ والإبداع الفلسفيّ؛ فالأفارقة غير قادرين على إنتاج الفلسفة، فهي لا توجد إلّا في الغرب المتقّدم، وإنّها ترتبط بتاريخه ولغته وبإرثه الإغريقيّ. وكلّ شيء في الشرق يعتمد على الانفعاليّة واللاعقلانيّة والمراهقة الفكريّة؛ فالزنوج مثلًا عند ديفيد هيوم متميّزون في الأعمال الجسديّة، أمّا فيما يخصّ العقل والتفكير فهم عادة جاهلون وغامضون[7]؛ ولذلك كانت الفلسفة في رأي الأوروبيّ الأبيض نتاجًا غربيًّا خالصًا أنتجه العرق الأبيض دون غيره. ولا شكّ في أنّ هذا رأي عنصريّ متحيّز لا يمتّ إلى الموضوعيّة العلميّة بصلة.
لقد بدا هذا التعصب العنصريّ تجاه إفريقيا بشكل لافت للنظر من قِبل العديد من الفلاسفة الأوربيّين الذين رأوا أنّ الإفريقي هو الشخص الذي يفعل كلّ شيء باستثناء القدرة على التعقّل أو التفكير فلسفيًّا؛ فقد كتب هيوم فى إحدى حواشى مقاله «حول السمات القوميّة On National Characters» قائلًا: «إنني أميل إلى الظنّ بأنّ الزنوج متدنّون بشكل طبيعيّ عن البيض، وجميع أنواع الرجال بشكل عامّ (فهناك أربعة أو خمسة أنواع مختلفة) أقلّ مرتبة من البيض بطبيعتهم، فنادرًا ما نسمع عن أمّة متحضّرة تنتمى لغير الجنس الأبيض، ولا سمعنا حتّى بفرد بارز فى نطاق الفعل والتأمّل العقليّ، وليس ثمّة صنّاع مبدعون بين هؤلاء الملوّنين، ولا فنون ولا علوم... ولا يمكن حدوث هذه الاختلافات المنتظمة والمستمرّة عبر كلّ هذه الدول والعصور ما لم تكن الطبيعة نفسها صانعةً لهذا التمايز الأصيل بين سلالات البشر، فبالإضافة لمستعمراتنا، يوجد العديد من العبيد الزنوج المنتشرين في كلّ أنحاء أوروبا، ولم يتمّ حتّى الآن اكتشاف أيٍّ من أعراض البراعة لديهم. ولكن، برغم كونهم أناسًا وضيعين وبلا تعليم، فنشأتهم بيننا ستجعلهم يبرزون في كلّ المجالات.. في جامايكا مثلًا يتحدّثون عن زنجيّ كما لو كان رجلًا موهوبًا وذا علم لكن من المؤكّد أن إعجابهم به سببه إنجازات ضئيلة، فمثله كمثل ببغاء يتمكّن من نطق بضع كلمات بوضوح»[8]. ويتبيّن من هذا النصّ رؤية هيوم العنصريّة العامّة؛ فهو يستبعد السود من دائرة البشر إلى دائرة أشباه البشر، ولا يتصوّر أن يخرج من بينهم موهوبون ومبدعون، ولعلّ تلك الوضعيّة التى رسمها أحد أرباب الفكر الغربيّ، رسمت خريطة فكريّة للغرب الأوروبيّ فى التعامل مع الدول الإفريقيّة فيما بعد ومع بداية عصور الاستعمار الأوروبيّ.
وهو الأمر الذي نلاحظه بقوّة عند الفيلسوف الألمانيّ الكبير إيمانويل كانط الذي قدَّم من خلال نظريّته الأخلاقيّة مستوى رفيعًا للغاية للنظر الأخلاقيّ الذي يبحث في الفضيلة وشروطها الإنسانيّة، مطالبًا باحترام الكرامة الإنسانيّة وحقّ الأشخاص في أنّ يعاملوا بوصفهم غايات في ذاتها لا بوصفهم مجرّد وسائل. وهو ما ظهر جليًا في الصيغة الثانية من قواعد القانون الأخلاقي ّوهي قاعدة «الغائيّة»، أو كما أطلق عليها ألن وود «صيغة الإنسانيّة كغاية»[9]، والتي تنصّ على: «إفعل بحيث تعامل الإنسانيّة في شخصك وفي شخص كلّ إنسان سواك بوصفها دائمًا وفي نفس الوقت غاية في ذاتها، ولا تعاملها أبدًا كما لو كانت مجرّد وسيلة»[10].

ولكن كانط قد تنكّر لمبادئه الأخلاقيّة وغرق في النزعة العرقيّة الشوفينيّة التي تؤمن بتفوّق الرجل الأبيض؛ وصنَّف البشر بحسب المعايير العرقيّة وفق سلّم سيكولوجيّ وفيزيائيّ احتلّ فيه أصحاب البشرة البيضاء (الأوروبيّون) المكانة العليا في مراتب التفوّق والذكاء، مشيرًا إلى أنّهم أكثر الأنواع البشريّة ذكاء وفعاليّة ومقدرة على بناء الحضارات، وهم الذين يمتلكون كلّ المواهب البشريّة والدوافع التي تجعلهم سادة على كلّ البشر أيضًا، باعتبار أنّهم وحدهم من تتحقّق فيهم الإنسانيّة الكاملة. يقول كانط ناسبًا كلّ الفضائل للأوروبيّ: «تتجلّى الإنسانيّة بشكلها الأمثل في العرق الأبيض»[11]، ثمّ يفصل القول في بيان أفضال الأوروبيّين وعلوّ منزلتهم على باقي البشر، فيقول: «فالإيطاليّون والفرنسيّون هم -في رأيي- المتميّزون في الشعور بالجمال، بينما الألمان والإنجليز والأسبان هم الأكثر تميّزًا في الشعور بالسمو، ويمكن اعتبار هولندا على أنّها الأرض التي يوجد فيها الذوق الرفيع»[12]، ثمّ يأتي -بعد الأوروبيّين- أصحاب البشرة الصفراء (الأسيويّون) في الدرجة الثانية، حيث لديهم قدر أقلّ من الموهبة، ويأتي أصحاب البشرة السوداء (الأفارقة) في المرتبة الثالثة، وهم من يمكن تعليمهم -فقط- بوصفهم عبيدًا وخدمًا. ثمّ يضع الهنود الحمر في المرتبة الدنيا على أنّهم الأقلّ ذكاء وتطوّرًا ولا يمكن تعليمهم على الإطلاق[13].

وهكذا يمثّل لون البشرة عند كانط العامل الفارق الذي سيحدّد ما إذا كان العرق مستقرًّا في درجة عليا أو دنيا، ويحدذد كذلك الموهبة من انعدامها، وأيضًا القدرة على استيعاب المنطق وإدراك الفكر الأخلاقّ.. وهنا ينظر كانط إلى زنوج إفريقيا نظرة استعلائيّة، حيث يرى «أنّ زنوج القارة الإفريقيّة بطبيعتهم لا يملكون إحساسًا يدفعهم للارتقاء فوق السخف والوضاعة»[14]؛ ولذلك هم بحاجة إلى التدريب والتمدين كي يتخلّصوا من الكسل والخمول والتردّد والغيرة وكافة هذه الصفات اللاأخلاقيّة التي يتّصف بها الإفريقيّ[15]، ويواصل كانط سخريته من سخف الإفريقيّ الذي «من الممكن أن يقدّس أيّ شيء في الطبيعة ريشة طائر، بقرة، قرن،... أو أيّ شيء شائع آخر بمجرّد تقديسه ببعض الكلمات...إنّهم ثرثارون جدًّا ويجب طردهم بالقوّة»[16]. فهم لا يستحقّون الحياة، «ولا يثيرون في النفس الإنسانيّة أيًّا من المشاعر الراقية، وهذا يجعل التخلّص منهم أمرًا لا تهتزّ له المشاعر الإنسانيّة، ومن ثمّ لا يمكن تجريم ما يفعله المستعمر الأوروبيّ في إفريقيا»[17]. لتتجلّى عنصريّة كانط تجاه الإفريقيّ في أسوأ صورها.

ولم يبتعد فريدريك هيغل كثيرًا عن سلفه كانط؛ إذ رأى أن إفريقيا هي «أرض الطفولة التي ترقد فيما وراء نهار التاريخ الواعي لذاته، يلفّها حجاب الليل الأسود»[18]. ويتبيّن من هذا الوصف أنّ هيغل يرى أنّ إفريقيا بعيدة تمامًا عن الوعي، وأنّها تعيش حالة من الدونيّة في كافّة المجالات، فليس لدى مواطنيها عقلانيّة، أو ثقافة، أو قانون عامّ يتحاكم إليه الجميع، أو دين. ليفصل هيغل بذلك إفريقيا صراحة عن تيّار الوعي البشريّ وعن أن تكون جزءًا من تاريخ العالم، فليس لديها أيّ تطوّر أو حضارة لتظهرها، وهو الأمر الذي يؤكّده هيغل في مواضع كثيرة من الجزء الأوّل من كتابه «محاضرات في فلسفة التاريخ»، حيث يقول: «فالسمة البارزة للحياة الزنجيّة هي أنّ الوعي لم يبلغ بعد مرحلة التحقيق الفعليّ لأيّ وجود موضوعيّ جوهريّ، مثل الله، أو القانون، اللذين ترتبط بهما مصلحة الإنسان، وفيهما يحقّق وجوده الخاصّ»[19].
وهذا ما يتبيّن بشكل جليّ في وصفه للإفريقيّ، حيث يرى أنّ الإفريقيّ يمثل الرجل الطبيعيّ بكلّ وحشيّته ونزقه وبدائيّته، فيقول: «فالرجل الزنجيّ يمثّل الإنسان الطبيعيّ في حالته الهمجيّة غير المروّضة تمامًا»[20]، ويرى أنَّه في مرحلة «الطفولة» من تطوّره الذي لا يكتمل ذاتيًّا، بينما يرى أنَّ الإنسانَ الأوروبيّ قد تقدّم في تطوّره، ورفض بطبيعته الأفعال الوحشيّة التي يمارسها الإفريقيّ؛ ولذلك رأى هيغل أنّ الإفريقيّ لم تتطوّر أخلاقه إلّا مع الاستعمار الأوروبيّ لإفريقيا.
أخلاق الإفريقيّ الأصليّة -كما يزعم هيغل- همجيّة مثله؛ إذ ليس لديه أيّ علم بخلود الروح، ولا يُنظر إلى الطغيان عندهم على أنّه ظلم، ويُنظر إلى أكل لحوم البشر على أنّه مسألة عاديّة ومسموح بها، فالتهام اللحم البشريّ عند الزنجيّ الشهوانيّ ليس موضوعًا للتعقّل، بل مجرّد لحم فحسب. وعند وفاة الملوك يُقتل المئات ويؤكلون، ويُذبح المسجونون ويباع لحمهم في الأسواق، ومن المألوف أن يلتهم المنتصر قلب عدوّه بعد ذبحه، وكثيرًا ما يحدث عند تأدية طقوس السحر أن يقتل الساحر أوّل من يصادفه ويوزّع جسده على المارّة. والمشاعر الأخلاقيّة عند الزنوج ضعيفة للغاية أو هي معدومة إن شئنا إلى الدقّة، فالآباء يبيعون أبناءهم، والعكس صحيح أيضًا، أعني أنَّ الأبناء يبيعون آباءهم كلّما سنحت الفرصة لأولئك أو هؤلاء[21].

ويبالغ هيغل أشد المبالغة حينما يصف الشخصية الزنجيّة بالافتقار إلى ضبط النفس، أو أنّها تستعذب الرقّ وتستسيغه، فيقول: «إنَّ الرابطة الجوهريّة الوحيدة التي وجدت ودامت بين الزنوج والأوروبيّين هي رابطة الرقّ، ولا يرى الزنوج في هذه الرابطة شيئًا مشينًا لا يليق بهم، بل إنّ الزنوج عاملوا الإنجليز أنفسهم على أنّهم أعداء؛ لأنّهم بذلوا جهدًا كبيرًا في إلغاء الرقّ وتجارة الرقيق في بلادهم»[22]. ولذلك طالب هيغل بإلغاء الرقّ تدريجيًّا وحذّر من إزالته فجأة.
ويؤكّد ليفي بريل على وسم العقليّة الإفريقيّة بعدم القدرة على التفكير العقليّ المجرّد أو التفلسف، فهي عقليّة بدائيّة، والإنسان الإفريقيّ إنسان بليد العقل، عاجز عن التفكير والفهم واستيعاب أبسط الأفكار التجريديّة، أو إدراك أبسط الحقائق، لا سيّما إن قام هو بنفسه بإجراء استدلال ما، هذا إلى أنّه سرعان ما ينسى ما فهم. ولعلّ أهمّ ما ينقصه هو القدرة على تطبيق تفكيره بطريقة معتادة على أشياء أخرى غير تلك التي تقع تحت حواسه أو استهداف غايات أخرى غير الغايات التي يدرك نفعها الفوريّ[23]. فالتفكير المنطقيّ من أصعب الأمور وأشقّها على الإفريقيّ الذي لم يبلغ مرتبة الإنسانيّة الكاملة -وفقًا لرأي ليفي بريل- فهو في أحسن الظروف ثلثا إنسان tow-third human[24].

ويرى بريل أنّ الأفارقة قد يظهرون تفوّقًا ملحوظًا في كلّ ما يعتمد على الذاكرة ولا يتطلّب تفكيرًا أو تعقّلًا. ويستشهد في ذلك برأي المبشِّر (بنتلي) الذي يصفه بالباحث المدقّق؛ إذ يقول: «لا يفكّر الإفريقيّون ولا يعّللون ماداموا يستطيعون الاستغناء عن ذلك؛ ويستوي في هذه الخاصّة الزنوج وأفراد البنتو. وهم مشهورون بقوّة الذاكرة، كما أنّ الطبيعة وهبتهم قوّة الملاحظة والقدرة على المحاكاة وسهولة التعبير، هذا إلى أنّهم يتحلّون بكثير من الصفات الحميدة، وقد يكون الواحد منهم خيّرًا، كريمًا، محبًّا، نزيهًا، متفانيًا، وفيًّا، شجاعًا، صبورًا، مثابرًا، ولكن مواهب التعليل والابتكار عنده في حالة ركود. ومن اليسير عليه أن يدرك الظروف المحيطة به في اللحظة الراهنة، وأن يهيّئ نفسه لها ويؤدّي لها ما تتطلّبه؛ ولكنّه يعجز عن وضع خطّة جدّيّة أو القيام باستنباط يستند على الذكاء»[25]. ويواصل بريل حديثه العنصريّ عن الإفريقيّ قائلًا: «ولا يفكّر الإفريقيّ في شيء حتّى نهايته قطّ، اللهم إلّا إذا اضطرّ إلى ذلك اضطرارًا. وهذه هي نقطة الضعف التي تسيطر عليهم والسمة التي تميّزهم»[26]، وهكذا يجرّد «بريل» الإفريقيّ من كلّ قدرة على التفكير العقليّ المنتظم أو أيّ قدرة على التفلسف بمعناه العامّ.

وقد تكرّرت هذه النزعة العنصريّة المقيتة تجاه الإفريقيّ عند الكثيرين من مشاهير الفكر الغربيّ، سواء أكانوا فلاسفة أو مفكّرين أو رحالة أو مبشّرين من الذين رأوا أنّ الأفارقة في غاية التأخّر من الناحية العقليّة، وأنّهم غير مؤهّلين للتفكير المنطقيّ في كلّ الحالات تقريبًا، كما أنّهم حسّيّون إلى أقصى درجة؛ حيث إنّهم ينظرون إلى كلّ ما لا يدركونه بواسطة الحواس على أنّه من أمور السحر والشعوذة؛ ولذلك يجدون من العبث أن يقفوا عنده ويفكّروا فيه. هذه هي الرؤية العامّة التي يجدها المطّلع على دراسات: إميل دور كايم، وأوجيست كونت، وجيمس فريزر، وسيجموند فرويد، ومالينوفسكي، وماكس موللر، وهربرت سبنسر، وإدوارد تايلور،... وغيرهم من مشاهير الفكر الغربيّ الذين نظروا إلى الإفريقيّ من خلال رؤية عنصريّة بغيضة فحواها أنّ الزنوج الأفارقة ينفرون من التفكير العقليّ التجريديّ والتعليليّ بمعناه الصحيح، وهم غير قادرين على التفلسف أبدًا؛ مما حدا بالفيلسوف الفرنسيّ المعاصر عبدالنور بيدار إلى القول: «لقد تحوّل الإنسان الغربيّ ولبس رداء الذئب أمام الإنسان الآخر ذي لون البشرة المختلف عنه»[27]. وقد عُرفت هذه النزعة العنصريّة المتمثّلة في الزعم بأنّ العالم الأوروبيّ عالم متفوّق ومتطوّر للغاية في كافة المجالات عن بقية العالم بالمركزيّة الأوروبيّة.
وأمام هذا التمييز العرقيّ وتجاه تلك العنصريّة المقيتة التي شعر بها الأفارقة الذين ذهبوا للتعلّم في الغرب؛ حيث تمّ وصفهم بأنّهم: «المنحدرين من العبيد» و«القادمين من المستعمرة البعيدة»، و«غير القادرين على التفكير العقليّ والنقديّ»، والذين لاقوا معاملة عنصريّة سيّئة في الخارج، وفي الداخل بعد عودتهم إلى أوطانهم من قِبل المسؤولين الاستعماريّين أيضًا، وهو الأمر الذي أدّى إلى حالة من «الإحباط» أو «اليأس» لدى المثقّف الإفريقيّ. وأمام هذا الشعور الذي عاناه المثقّف الإفريقيّ نشأت فكرة «الأونوما Onuma»، وهي فكرة جديدة ومفهوم مفتاحيّ في الأدبيّات الفلسفيّة الإفريقيّة الحديثة وتعني «الإحباط» وهي تعادل معنى «الدهشة» عند اليونان. و«الأنوما» هي المفهوم الذي بدأت به الفلسفة الإفريقيّة النسقيّة في عشرينات القرن العشرين، نتيجة الإحباط الذي حفَّز المثقّف الإفريقيّ ليكتب فلسفته الخاصّة، ويبدع ما يعبّر عن ذاته، رغبةً منه في تجاوز الفترة الاستعماريّة والعنصريّة العرقيّة والتراث العبوديّ[28].

نشأة الفلسفة الإفريقيّة وتيّاراتها
يرى أستاذ الفلسفة بجامعة بريتوريا University of Pretoria بجنوب إفريقيا جوناثان أو. شيماكونام Jonathan O. Chimakonam أنّ «تلك التراكمات القبيحة من العبوديَّة والكولونياليّة والعنصريّة لم تشكّل فقط تصوّر الإفريقيّ للعالم، ولكنّها حرّضت المثقّفين الأفارقة على إحداث ثورة فكريّة. فلقد أدّى الإحباط من النظام الاستعماريّ إلى طرح أسئلة وردود أفعال غاضبة أدّت إلى نشوء الفلسفة الإفريقيّة؛ أوّلًا في شكل قوميّات، وبعد ذلك في شكل تصوّرات إيديولوجيّة»[29].
ومن ثمّ لم يكن غريبًا أن تنشأ دعوات تدعو إلى القطيعة مع الفكر الغربيّ من أجل إخراج إفريقيا من حالة التبعيّة؛ ومن أشهر هذه الدعوات كانت دعوة السنغاليّ فلوين سار Felwine Sarr (1972-؟) الذي دعا مفكّري القارّة إلى الالتزام بقطيعة إبستيمولوجيّة من خلال ترك المفاهيم الغربيّة التي لا تعبّر عن الواقع الإفريقيّ الحقيقيّ، وتوظيف مفاهيم بديلة عنها مثل «le jom» الذي يعني الكرامة، و«teranga» الضيافة، و«ngor» الذي يحيل على معنى الشرف... كلّ هذا التجديد المفاهيميّ من أجل التخلّص من التبعيّة الفكريّة سواء على المستوى الجماعيّ أو الفرديّ؛ لهذا يدعونا «فلوين سار» المهتمّ باليوميّ إلى البحث عن طريقنا الخاصّ وترك الطرق التي رسمها الغير من قبل وأصبحت جاهزة[30].

أي أنّ الفلسفة الإفريقيّة في جزء كبير منها كانت بمثابة ردّة فعل على ذلك التعالي الغربيّ والنظر إلى الثقافة الإفريقيّة بوصفها ثقافة ساذجة لا سبيل لها إلى التفكير النقديّ العقلانيّ، وإنّها عاجزة عن إدراك الفلسفة بوصفها فكرًا ثانويًّا أو فكرًا لاحقًا After Thought بحسب عبارة هيغل الذي يرى أنّ هناك فكرًا أوّل هو الذي ينشأ في حياة الناس اليوميّة في شتّى المجالات. أمّا الفلسفة فهي التي تجعل هذا الفكر الأوّل موضوعًا للدراسة، بحيث تكون فكرًا في فكر، أو فكرًا ثانيًا، وهو ما يعجز عن إدراكه الأفارقة بحسب رأي «هيغل»، وكثير من الغربيّين كما سبق أن أوضحنا. وهكذا تعكس الحركات الفلسفيّة في إفريقيا تاريخ الفلسفة الإفريقيّة الذي تخطّى المئة عام تقريبًا، وهو تاريخ قصير للغاية قياسًا بالفلسفات الأخرى التي يتعدّى عمر بعضها العشرين قرنًا من الزمان. ويرى كثيرٌ من المؤرّخين أنَّ الفلسفة الإفريقيّة في عمرها القصير هذا قد مرّت بأربع مراحل متميزة:

بدأت المرحلة المبكرة منها عام 1920 تقريبًا -حيث كان آلان ليروي لوك Alain LeRoy Locke [31](1885-1954) أوّل الأشخاص المنحدرين من أصل إفريقيّ يحصل على درجة الدكتوراه في الفلسفة من جامعة هارفارد الأميريكيّة، وذلك في عام 1918م- وإن لم نجزم بأنّه لم يكن هناك قبل هذا التاريخ رؤى فلسفيّة إفريقيّة، لكن غاية ما في الأمر أنّه لم يكن هناك تدوين لهذه الأفكار؛ أي بإمكاننا القول إنَّه كان هناك فلاسفة أفارقة موجودون بالطريقة نفسها التي كان بها سقراط فيلسوفًا شفهيًّا دون أن يترك أيّ أثرًا مكتوبًا[32]. لكن ما بدأ مع هذا التاريخ وبعده هو الفلسفة النسقيّة الإفريقيّة، وتستمرّ هذه المرحلة حتى عام1960م. ويعرّفها جوناثان شيماكونام بأنّها «عصر الحركة التي تسمّى الحفر الثقافيّ/ الإيديولوجيّ بهدف استعادة الهويّة الإفريقيّة وإعادة بنائها»[33]. وقد استهدفت الفلسفة الإفريقيّة في هذه الحقبة استعادة الهويّة الإفريقيّة وإعادة بنائها في ضوء الظروف التي يعيشها الإفريقيّ أو كما يقول نكروما: «يجب أن تجد فلسفتنا أسلحتها في البيئة والظروف المعيشيّة للشعوب الإفريقيّة. من هذه الظروف يجب إنشاء المحتوى الفكريّ لفلسفتنا»[34]، حيث لم يعد مقبولا في نهاية الفترة الاستعماريّة أن يستمرّ الإفريقيّ في تعريف نفسه ضمن النطاق الاستعماريّ الأوروبيّ الذي سلبه هويّته الحقيقيّة ونظر إليه نظرة دونيّة.
فلم يكن مقبولًا أن يطرح الإفريقيّ على نفسه سؤال الكينونة: من أكون؟ أو من أنا؟ وتكون الإجابة هي إجابة العنصريّ الأبيض: أنت الهمجيّ، البربريّ، البدائيّ، الطبيعيّ، الأدنى من الإنسان... وغير ذلك من أوصاف عنصريّة غير موضوعيّة وَصَفَ بها الأوروبيّ ذاك الإفريقيّ، ومن ثمّ ربط روّاد هذه المرحلة الفلسفة بأنظمة الفكر المرتبطة بالثقافة، كما اهتمّت بضرورة إنتاج فلسفة قوميّة وإيديولوجيا سياسيّة للنضال ضدّ الاستعماريّة. كما حاولوا التأكيد بطرق أكثر موثوقيّة على الهويّة الإفريقيّة من خلال ترسيخ التراث الفلسفيّ الإفريقيّ الأصليّ، وخاصّة أنّ روّاد تلك المرحلة كانوا من الذين تلقّوا تعليمهم في المدارس الغربيّة وتخصّصوا في الفكر الأوروبيّ والفلسفة الغربيّة وعاشوا هذه العنصريّة أثناء تعلّمهم في الغرب وبعد مجيئهم إلى بلادهم من قِبل المسؤولين الاستعماريّين.

وقد ازدهرت الفلسفة الإفريقيّة بالمعنى الأكاديميّ الحديث منذ خمسينات القرن الماضي كتخصّص أكاديميّ، وبدأ هذا الازدهار كردّ فعل على هذا التاريخ الطويل من إنكار إمكانيّة وجودها، أو بمعنى آخر إنكار قدرة الأفارقة على التفلسف ورفض إمكانيّة ظهور أيّ أفكار فلسفيّة على ساحة الفكر الإفريقيّ. ومثّلت هذه المحاولات جميعًا، والتي تواصلت طوال العقود التالية، جهدًا إفريقيًّا حثيثًا لتحرّر الفلسفة الإفريقيّة بمحاذاة التحرّر السياسيّ[35].

ومن أشهر المدارس الفلسفيّة التي نشأت وازدهرت في هذه الفترة كانت مدارس الفلسفة الإثنيّة، والإيديولوجيّة/ القوميّة. تلك المدارس الذي شكّلت حركة عُرفت باسم حركة التنقيب Excavationism، ويسمّيها بعض الباحثين أيضًا بحركة الحفريّات، ولكنّي أفضل أن أسمّيها بحركة الحفاظ على الهويّة الإفريقيّة، وهي تلك الحركة التي سعى أعضاؤها لبناء صرح الفلسفة الإفريقيّة من خلال تنظيم وجهات نظر العالم الثقافيّ الإفريقيّ، انطلاقًا من إبداع الذات، بهدف استعادة الهويّة المفقودة، وإعادة بنائها من المقوّمات الإفريقيّة الخالصة، من أجل التوصّل إلى هويّة إفريقية فريدة. وقد سعى آخرون من أعضاء هذه الحركة إلى تطوير إيديولوجيّات تتوافق مع الإيديولوجيّات الإفريقيّة المحلّيّة. وقد تمّ تجميع معظم أعضاء هذه الحركة في إطار المدرسة المعروفة باسم الفلسفة الإثنيّة. وكان من أشهر فلاسفة هذه المرحلة: التبشيريّ البلجيكيّ بلاسيد تيمبليز Placid Tempels (1906-1977)، والكيني جون مبيتي John Mbiti (1931-2019)، والرواندي أليكسس كاجامي Alexis Kagame (1912-1981)، والغاني كوامي نكروما Kwame Nkrumah (1909-1972)، والسنغالي ليبولد سنغور Leopold Senghor (1906-2001)، والتنزاني جوليوس نيريري Julius Nyerere (1922-1999)، والمارتنيكي إيمه سيزاير Aime Cesaire (1913-2008).

بينما تبدأ المرحلة الثانية -وتسمّى المرحلة الوسطى- منذ بداية الستينات وحتى بداية الثمانينات، وهي تلك الفترة التي شهدت الحركة المزدوجة والتي تُدعى البناء والتفكيك، حيث «النقاش الكبير» بين التقليديّين والحداثيّين. وقد شهدت تلك المرحلة نقاشًا كبيرًا احتدم بين الفريقين، بدأ أوّلًا حول الفلسفة العرقيّة أو الإثنيّة؛ حيث دافع عنها التقليديّون من فلاسفة المرحلة المبكرة وأنصارها بوصفها إحدى الاتجاهات أو النظريّات التي يمكن استخدمها لتبرير وجود الفلسفة الإفريقيّة، والتأكيد على أنّ إفريقيا التقليديّة لديها من الحكمة الشعبيّة والخطاب الفلسفيّ النقديّ ما يدعم وجود فلسفة إفريقية فريدة ومتميّزة وأصيلة، وبوصفها خطابًا إفريقيًّا متمرّدًا لمواجهة الإمبرياليّة الغربيّة والهيمنة الثقافيّة، من جهة. وبين الحداثيّين أو الكونيّين، من جهة أخرى، والذين هاجموا الفلسفة العرقيّة بوصفها قد شوّهت الهويّة الإفريقيّة باعتبارها هويّة بدائيّة ووحشيّة، مفضّلين عليها فلسفة تقوم على دمج الهويّة الإفريقيّة مع هويّة جميع الأجناس الأخرى. وقد اشتهر فلاسفة هذه الفترة تحت مسمّى حركة التفكيك الإفريقيّة Afro-Deconstructinoism، وأُطلق على أعضاء هذه الحركة اسم «الحداثيّين أو الشموليّين» الذين يعارضون أفكار حركة التنقيب، وينكرون فكرة الفلسفة القائمة على الأفكار المحلية فقط، ويفضّلون إقامة فلسفة يتمّ فيها دمج الهويّة الإفريقيّة مع هويّة جميع الأجناس الأخرى.
وتضمّ هذه الفترة مجموعة من أشهر ممثّلي الفلسفة الإفريقيّة وأكثرهم حضورًا، نذكر منهم: النيجيريّ كواسي ويريدو Kwasi Wiredu (1931-2022)، والنيجيريّ أولسيجون أولاديبوOlusegun Oladipo (1950-؟)، والكونغوليّ ف. ي. موديمبي V. Y. Mudimbe (1941-؟)، والكينيّ د. أ. ماسولو D. A. Masolo (1952-؟)، والكينيّ أوديرا أوروكا Odera Oruka (1944-1995)، والبنينيّ بولين هاونتندجي P. Hountondji (1942-؟)، والأميريكيّ من أصول إفريقيّة بيتر بودونرين، والكاميرونيّ ماسين توا Macien Towa (1931-2014)، والكاميرونيّ فابيان إبوسي بولاجا Fabien Eboussi Boulaga (1934-؟)، والأميريكيّ من أصول إفريقيّة ريتشارد رايت Richard Wright (1943-2008).

بينما مثَّلت المرحلة الثالثة وهي التي بدأت منذ بداية الثمانينات وحتّى بداية التسعينات مرحلة البحث عن فلسفة إفريقيّة تعبّر عن الوجود الإفريقيّ من خلال النقد أو فيما عُرف بإعادة الإعمار النقديّ الذي نشطت فيه الحركة الانتقائيّة التي تريد أن تنتقي وتختار الجيّد من بين المحلّيّ والعالميّ. ففي هذه الفترة يتمّ الانتقال التدريجيّ من التفكيك في المرحلة الوسطى إلى إعادة بناء المعرفة الإفريقيّة بطريقة متكاملة. وهنا يكون التحدّي الأوّل الذي يواجه هذه المرحلة وهو إيجاد طريق وسط قابل للتوفيق بين الفلسفة الإفريقيّة التقليديّة والفلسفة الإفريقيّة الحديثة. أي بناء فلسفة إفريقيّة جديدة غير ملوّثة بالفلسفة العرقيّة، لكنّها تعبّر عن طبيعة الإفريقيّ وهويّته الحقيقيّة بعيدًا عن التمايزات العرقيّة؛ حيث يتمّ التأكيد على أنّ الفلسفة الإفريقيّة يجب أن تتمّ بطرق فلسفيّة احترافيّة، مثل التحليل والتفكير النقديّ والتماسك المنطقيّ، كما هو الحال في الفلسفة الغربيّة[36].
واشتهرت هذه الفترة باسم حركة الأفرو-انتقائيّة Afro-Eclecticism: وهي حركة عملت على التأليف بين الحركتين السابقتين، مرتئية أنَّ الفلسفة التقليديّة النابعة من البيئة المحلّيّة ليست كافية لإقامة الفكر الجدليّ الذي يثري الساحة الفلسفيّة الإفريقيّة، ومن ثمّ ارتأت أن تستعين بما يناسب البيئة الإفريقيّة من أفكار الأمم الأخرى، إنّها حركة أشبه بتيّار الجمع بين الوافد والموروث في ثقافتنا العربيَّة. أي أنَّها الحركة التي تنتقي الأفضل من الفلسفة التقليديّة والأفضل من فلسفة الحداثيّين من أجل إنتاج فلسفة إفريقيّة أصيلة. ومن أهمّ أنصار هذه الحركة: الغانيّ كوامي جيكي Kwame Gyekye (1939-2019)، والنيجيريّ إيفيني منكيتي Ifeanyi Menkiti (1940-2019)، والغانيّ كوامي أبياه Kwame Appiah (1954-؟).
وقد بدا لفلاسفة تلك المرحلة أنّهم من الصعب أن يتفلسفوا بعيدًا عن النموذج الغربيّ؛ فقد رأوا أنّ التفلسف على غرار الفلسفة الغربيّة أمر لا ينفي مطلقًا أصالة الفلسفة الإفريقيّة، وكان هذا نتيجة منطقيّة لفلاسفة تلك المرحلة الذين تعلّموا الفلسفة الغربيّة في الجامعات والمعاهد الغربيّة، وقام بعضهم بالتدريس في الجامعات الغربيّة[37]، وأرادوا أن ينسجوا فلسفتهم الخاصّة على غرارها، لكن محاولات تبرير هذا الأمر لم يبدو مقنعًا للحريصين على الهويّة الإفريقيّة وضرورة أن يتفلسف الإفريقيّ وفقًا لواقعه ولمشكلاته المحلّيّة لا وفقًا للفلسفة الغربيّة ومشكلاتها.

في حين بدأت المرحلة الرابعة للفلسفة الإفريقيّة في أواخر التسعينات من القرن الماضي، وتمثّلت مع بداية الألفيّة الجديدة فيما عُرف بـ«فلسفة المحادثة»، وهي مرحلة تركز على أسئلة العالم الحقيقيّ، وقد اشتهرت هذه الفترة تحت مسمّى حركة المحادثين النقديّين The Critical Interlocutors، وهي الحركة التي تضمّ مجموعة من الفلاسفة الذين يشتركون بصفة دائمة في حلقات نقاشيّة ومحادثات نقديّة تبرز أصالتهم الفلسفيّة ومدى ابداعاتهم وابتكاراتهم في مجال الفلسفة الإفريقيّة الخالصة. كما تركّز هذه المدرسة على نقد الأفكار الفلسفيّة المطروحة وبيان الغث فيها من السمين. كما إنّهم يرون أنَّه لا يمكن إنشاء نظريّة جديدة في الفلسفة الإفريقيّة إلّا بواسطة فلاسفة أفارقة فرديّين يستفيدون من «الماضي القابل للاستعمال»، وعمق الأصالة الفرديّة في إيجاد حلول للمطالب الحياتيّة المعاصرة. وينتعش أعضاء هذه الحركة في هذه الفترة الراهنة، وتتوالى إصداراتهم الفكريّة هنا وهناك، ويطلق عليهم النقّاد والباحثون أصحاب مدرسة المحادثة النقديّة. وأشهر فلاسفة هذه المدرسة: الجنوب الإفريقيّ جوناثان شيماكونام، والفلاسفة النيجيريّون: جودفري أوذومبا Godfrey Ozumba (1960-؟)، وبانتيلون إيروجبو Pantaleon Iroegbu (1951-؟)، وإينوسنت أسوزو Innocent Asouzu (1952-؟)،... وغيرهم.

أهمّ المساهمات الفلسفيّة المدافعة عن الهويّة الإفريقيّة
كان من الضروريّ ونحن نستكشف عالم الفلسفة الإفريقيّة أن نقوم بعرض أهمّ المحاولات للفلسفة الإفريقيّة التي قد يتّضح معها ولو إجابات جزئيّة عن طبيعة هذه الفلسفة التي مرَّ على بداية تكوّنها- كما سبق أن أشرنا- ما يزيد على مئة عام تقريبًا. وسوف نعرض فيما يلي لأهمّ هذه المحاولات التي قام بها الفلاسفة الأفارقة من الذين جعلوا هدفهم الأوّل هو الدفاع عن الهويّة الإفريقيّة ونقد الهيمنة الاستعماريّة الغربيّة، عسى أن نتمكّن من إلقاء نظرة معبّرة -من هذا المنظور- على الفلسفة الإفريقيّة، ليس فقط في مفهومها وحركاتها، ولكن على أهمّ فلاسفتها، ونقف على حقيقة رؤاهم الفلسفيّة.

الفلسفة الواقعيّة النقديّة عند نكروما
يعدّ الزعيم الغانيّ كوامي نكروما Kwame Nkrumah (1909-1972) من أهمّ المناضلين الأفارقة ضدّ الاستعمار، فقد خاض غمار العمل السياسيّ في بلاده؛ فهو أوّل رئيس لجمهوريّة غانا المستقلّة (1960-1966) كما كان رئيس الوزراء الأوّل (1957-1960)، وأبرز دعاة الوحدة الإفريقيّة، وواحد من أهمّ مؤسّسي منظّمة الوحدة الإفريقيّة قبل إسدال الستار عليها في يوليو 2002. كانت له علاقات وطيدة بمصر؛ حيث تزوّج من المصريّة فتحية رزق بمباركة الرئيس جمال عبدالناصر الذي كان صديقًا مقرّبًا له، كذلك منحته مصر قلادة الجمهوريّة، ومنحته جامعة القاهرة الدكتوراه الفخرية عام 1958. ترك مجموعة من المؤلّفات التي عكست أفكاره وفلسفته، كان من أهمّها: «نزعة الضمير»، «عن الحرّيّة أتحدث»، «يجب أن تتحد إفريقيا»، «الاستعمار الجديد»، «الأيام المظلمة في غانا»، «المسار الثوريّ»، «النضال الطبقيّ في إفريقيا»، «يستمرّ الكفاح»، «بديهيّات كوامي نكروما»، «نحو الحرّيّة من الاستعمار»، «دليل الحرب الثوريّة»، «صوت من كوناكري»، «ما أعنيه بالعمل الإيجابيّ»، وكذلك نُشر سيرته الذاتيذة بعنوان «غانا».

وقد ارتكزت فلسفته الواقعيّة السياسيّة على ثلاث قواعد أساسيّة، هي:
أ- يجب أن نسعى أوّلًا لتحقيق السيادة السياسيّة، وبعد ذلك سيتحقّق كلّ شيء، وهو ما يعبّر عن مبدأ الاستقلاليّة؛ حيث التسليم باستقلاليّة الأرض والعقول الإفريقيّة ونطاقها الإفريقيّ، وهو ما يعبّر عنه بالقول: «إفريقيا للإفريقيّين».
ب- نحن نفضّل المخاطر في ظل الحرّيّة على الاستقرار في ظلّ العبوديَّ،. وهي دعوة تعكس مدى إعلاء نكروما لقيمة الحرّيّة، وأنّه يفضّل الحرّيّة مع افتراض وجود الخطر على العبوديَّة مع السلم، فالبحث عن الحرّيّة والاستقلال غاية يجب أن تُدرَك مهما كانت تكلفة إدراكها باهظة.
ج- إنَّ تخليص إفريقيا من قيود الحكم الأجنبيّ هو الضمان الوحيد للاستقلال. وتخليص إفريقيا من قيود الحكم الأجنبيّ يتحقّق من خلال الدعوة العقلانيّة للأفارقة إلى التضامن والاتحاد. ومن أجل ذلك كان سعي نكروما الدائب لتأسيس مؤسّسة الوحدة الإفريقيّة.

وتعدّ الفلسفة الواقعيّة النقديّة الإسهام الفلسفيّ الحقيقيّ لكوامي نكروما؛ إذ وجّه سهام النقد إلى الفلسفة الغربيّة مرتئيًا أنّ فلاسفة الغرب كثيرًا ما ينعزلون عن الواقع، ويعيشون في أبراج عاجيّة، يتشدّقون بمفاهيم قديمة بالية، لا تمتّ للواقع بصلة مع أنّ التاريخ المبكر للفلسفة يظهرها ذات جذور حيّة متغلغلة في حياة الإنسان والمجتمع البشريّ[38].

الفلسفة العرقيّة والحكمة الفلسفيّة عند كواسي ويريدو:
يعدّ الأكاديميّ والفيلسوف النيجيريّ كواسي ويريدو Kwasi Wiredu (1931-2022) في الحقيقة، الفيلسوف الأكثر شهرة ودراسة في إفريقيا؛ حيث تناولت العديد من الدراسات والدوريّات المتخصّصة جوانب فكره المختلفة، وقد أقيمت عدّة مؤتمرات في جامعات إفريقيّة مختلفة لتناول فكره الفلسفيّ. تلقّى تعليمه الفلسفيّ بجامعة أكسفورد على يد فيلسوف العقل البريطانيّ الشهير جلبرت رايل Gilbert Ryle (1900-1976). ويعدّ ويريدو عضوًا ناشطًا في مجال الفكر والفلسفة الإفريقيَّين ونائب رئيس المجلس الإفريقيّ للفلسفة. وكانت مساهمته الفلسفيّة الأبرز في فضاء الفلسفة الإفريقيّة هي سعيه الدائب لإنهاء الاستعمار المفاهيميّ للفكر الإفريقيّ، والعمل على قيام فلسفة إفريقيّة أصيلة تعبّر عن حقيقة وواقع الإنسان الإفريقيّ. ومن أهمّ مؤلّفاته: الفلسفة والثقافة الإفريقيّة (1980)، الجامعات والتفاصيل الثقافيّة: منظور إفريقيّ (1996)، نحو إنهاء الاستعمار من الفلسفة والدين الإفريقيّين (1998)، الفلسفة الشفويّة للشخصيّة، رفيق الفلسفة الإفريقيّة (2003).

أراد ويريدو أن يقيم فلسفة إفريقيّة أصيلة بعيدة عن فلسفة المستعمر الغربيّ، وأن ينهي الاستعمار من الفلسفة والدين الإفريقيّين، فراح يستجوب الفلسفة الغربيّة من منظور إفريقيّ، وهو الأمر الذي يميّزه عن فلاسفة حركة التنقيب. كما عمل على إثارة الوعي الإفريقيّ حول ما يخصّ الفكر الإفريقيّ والفلسفة الإفريقيّة الخالصة والدين الإفريقيّ الذي يعبر عن الثقافة الإفريقيّة تمامًا كما ذهب جون مبيتي.

وقد سعى ويريدو إلى الإجابة عن عدّة تساؤلات انشغل بها على طول مشواره الفلسفيّ، ولا سيّما في كتابه الأهمّ «الفلسفة والثقافة الإفريقيّة»، وكان من أهمّ هذه الأسئلة الجوهريّة: بماذا يمكن أن تسهم الفلسفة في الثقافة الإفريقيّة؟ ما الذي يمكن أن يستخلص منها؟ هل يمكن أن تكون هناك فلسفة إفريقيّة حقيقيّة تتجاوز الفكر الشعبيّ التقليديّ؟ حاول ويريدو من خلال سلسلة من المقالات تحديد وإثبات دور الفلاسفة الأفارقة المعاصرين، وهو يرى أنَّه دور مميّز، وأنّ أهمّ ما يميز الفلاسفة الأفارقة هو اتّساع الأفق لدى معظمهم، وبعدهم عن الرؤى الدوجماطيقيّة، فيوضح كيف يمكنهم استيعاب التطوّرات الحديثة في الفلسفة وتطبيقها على التغيّرات الاجتماعيّة والفكريّة العامّة المرتبطة بـ«التحديث» والانتقال إلى هويّات وطنيّة جديدة. كما تعكس مقالاته المتعدّدة كيفيّة إمكانيّة استغلال الموارد التقليديّة واختبار افتراضات الفلسفة الغربيّة للتنمية، لكن في إطار اللغة الإفريقيّة وثقافتها الخالصة[39].

وتعني الفلسفة الإثنية أو العرقية عند ويريدو فلسفة الشعوب في إفريقيا وليس الأفراد، إنها فلسفة تعبر عن الشعب ككل؛ ولذلك لا يمكن أن يوجد فيها من يعادل سقراط أو زينون أو غيرهما ممن يقدّم فلسفة تعبّر عن فرد واحد؛ ولذلك فمصادر هذه الفلسفة تكمن في الأمثال الشعبيّة، والشعر، والأغاني، والأساطير، والأدب الشفاهي بشكل عامّ، وأن الفلسفة الإفريقيّة غير قابلة للاختزال في فئات الفلسفة الغربيّة. ومن ثمّ كان شغل ويريدو الشاغل هو إنهاء الاستعمار المفاهيميّ للفلسفة الإفريقيّة، بحيث تقدّم هذه الفلسفة مفاهيمها الذاتيّة بنفسها والتي تعكس معانيها الإفريقيّة الخاصّة[40]؛ ولذلك يطالب كواسي ويريدو مع زميله هونتوندجي الحكومات الإفريقيّة بتأمين الاستقلال الذي لن يكون إلّا من خلال الاهتمام بتطوير العلوم والتكنولوجيا، كما يجب على هذه الحكومات أن تعتني بمحو الأمّيّة، وتشجيع الثقافة، والتفكير النقديّ الابتكاريّ، والجدل التحليليّ، والاختبار التنافسيّ للفرضيّات البديلة التي تعمل على تأصيل كلّ ما هو أصيل ويعبّر عن الهويّة الإفريقيّة الخالصة[41].

جوليوس نيريري وفلسفة أوجاما المناهضة للإمبرياليّة الغربيّة
وهنا نتوقف مع فيلسوف من أشهر الفلاسفة الأفارقة الذين ناهضوا الإمبرياليّة الغربيّة، وهو الفيلسوف التنزاني جوليوس كامباراج نيريري Julius Nyerere (1922-1999)، ذلك القوميّ الإشتراكي الذي لقّب بـ«أبي الأمّة»، و«المعلّم»؛ لأنّه كان معلمًا بمدرسة ثانويّة، وحينما أصبح رئيسًا لتنزانيا قاد شعبه بحكمة وحزم مثل المعلّم الجيّد الذي يوجّه تلاميذه؛ كان ناشطًا، وسياسيًّا، ومنظّرًا سياسيًّا مناهضًا للاستعمار في تنزانيا، حكم تنجانيقا كرئيس للوزراء من 1961 إلى 1962، ثمّ كرئيس من 1962 إلى 1964، وبعد ذلك قاد تنزانيا (زنجبار وتنجانيقا) كرئيس من 1964 إلى 1985. كان عضوًا مؤسّسًا في حزب تنجانيقا للاتحاد الوطنيّ الإفريقيّ (تي إيه إن يو) -الذي أصبح في عام 1977 حزب (تشاما تشا مابيندوزي( (الحزب الثوريّ)- وترأّسه حتى عام 1990. وكان من أكبر المنادين بتأسيس منظّمة الوحدة الإفريقيّة. ترك مجموعة من المؤلَّفات عبّرت عن فلسفته الاشتراكيّة الخاصّة، كان من أشهرها: الحرّيّة والوحدة 1967، الحرّيّة والاشتراكيّة 1968، الحرّيّة والتطوّر 1973، كما ترجم رائعتي شكسبير: «تاجر البندقيّة»، و«يوليوس قيصر» إلى اللغة السواحليّة. وعندما تولّى رئاسة تنزانيا عمل على إنهاء توظيف معظم البريطانيّين الذين كان يشغلون المناصب العليا خلال الفترة الاستعماريّة، واختار بدلًا منهم الشباب الأفارقة المتعلّمين لتولي تلك المناصب الحسّاسة.

أسّس نيريري فلسفة سياسيّة إفريقيّة خالصة عُرفت باسم «أوجاما Ujamaa»، وكلمة «أوجاما» تعني باللغة السواحليّة الأسرة الممتدة، وتقوم هذه الفلسفة على سياسة اجتماعيّة واقتصاديّة يتمّ تطويرها بناء على فكرة الزراعة الجماعيّة وإضفاء الطابع القرويّ على الريف، وزيادة مستوى الاعتماد على الذات على المستويين الفرديّ والوطنيّ، وإعادة تقاليد وعادات ما قبل الاستعمار، والاعتماد على النظام القرويّ للتغلّب على مشاكل القبيلة التي تدفع الناس للانفصال إلى قبائل على أساس الهويّات القديمة، ويتمّ ذلك في ظلّ نظام اشتراكيّ عامّ[42].
واشتهر نيريري بمناهضة الإمبرياليّة الغربيّة، فعملت إدارته أثناء تولّيه حكم البلاد على إنهاء كافّة مظاهر الاستعمار، و«أفرقة» الخدمة المدنيَّة مع تعزيز الوحدة بين الأفارقة الأصليّين والأقليّات الآسيويّة والأوروبيّة في البلاد. وقدّمت -أيضًا- التدريب والمساعدة للجماعات المناهضة للاستعمار التي تناهض حكم الأقلّيّة البيضاء في جميع أنحاء جنوب إفريقيا، وواصل -دون جدوى- تشكيل الوحدة الإفريقيّة لاتحاد شرق إفريقيا مع أوغندا وكينيا.

وقد كان نيريري شديد الانتقاد لنظام القيم الاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة والثقافيّة التي فُرضت على بلاده خلال فترة الاستعمار، فعمل بلا كلل على العودة إلى القيم الإفريقيّة التقليديّة. كان يؤمن بأن على الأفارقة إنهاء الاستعمار الذي ما زال يسكن عقولهم حتى يستطيعوا أن يقبلوا أنفسهم كأفارقة؛ لذلك دعا إلى التخلّص من نظام التعليم الذي أدخله البريطانيّون إلى تنزانيا عندما احتلّوها عام 1900؛ حيث رأى أنّه نظام تعليميّ لا يلبّي احتياجات المجتمع التنزانيّ، وأنّه نظام تعليميّ قد تمّ فرضه على الأفارقة لينفّرهم من قيمهم المحلّيّة ويعمل -في الوقت نفسه- على تعزيز القيم الغربيّة؛ لذلك دعا إلى نظام تعليم يلائم طبيعة الشعب ويكون أكثر صلة بالثقافة المحلّيّة وأكثر تعبيرًا عن الذات الإفريقيّة[43]. وقد وجدت دعوة نيريري صدًى كبيرًا في البلدان الإفريقيّة المجاورة.
ولذلك عمل جوليوس نيريري على استعادة وتأسيس الهويّة الإفريقيّة الحقيقيّة من خلال سياساته الاقتصاديّة والسياسيّة التي عملت على تأكيد الاستقلال وإحياء تقاليد فترة ما قبل الاستعمار، مقاومًا الرأسماليّة الاستعماريّة المقيتة التي أعلت من قيمة الفرد على المجتمع، وأحلّ محلّها النظام الاشتراكيّ الذي يعلي من شأن المجتمع على الفرد. وقامت اشتراكيّته على ثلاثة مبادئ، هي: العمل من قبل الجميع ومنع الاستغلال، والتقاسم العادل للموارد التي انتجتها الجهود الجماعيّة والعمل المشترك، والتأكيد على المساواة والاحترام وكرامة الإنسان[44].

وقد رأى نيريري أنّ الأفارقة لا يمكنهم أن يستعيدوا هويّتهم إلّا إذا كانوا أحرارًا حرّيّة تامّة، حرّيّة تتجاوز الإمبرياليّة الثقافيّة التي خلّفها الاستعمار بعد جلائه عن الأرض؛ ولذلك اهتمّ اهتمامًا فائقًا بالتعليم بوصفه أحد الدعائم المهمّة للحفاظ على الهويّة الأصيلة، فوضع تصورات خاصّة لإعادة تأهيل المعلّمين كي يتشرّبوا مبادئ الهويّة الإفريقيّة بعيدًا عن مبادئ الإمبرياليّة الفكريّة التي تفشّت في أنظمة التعليم أثناء فترة الإستعمار. ومن ثم كانت فلسفته ترمي إلى الاعتماد على الذات، فاهتمّ بتطوير الزراعة وشؤون الاقتصاد والسياسة في مقابل النقد الصارم لنظام القيم الاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة والثقافيّة الذي فُرض على بلاده خلال فترة الاستعمار، وعمل بلا هوادة على العودة إلى القيم الإفريقيّة التقليديّة بدلًا من تلك القيم التي غرسها المستعمر في نفوس الأفارقة؛ إذ آمن بأّنه يستوجب على الأفارقة أن يزيلوا الاستعمار من عقولهم -أوّلًا- من أجل قبول أنفسهم كأفارقة[45].

وقد كان نيريري حريصًا أيضًا على تغيير تلك القيم الاقتصاديّة والاجتماعيّة التي غرسها المستعمر في بلاده، فقد رأى أنّ المستعمر قد شجّع النظام الرأسماليّ الذي شجّع الفرديّة على حساب المجتمع، فقد صرّح نيريري بأنّ الرأسماليّة تعزّز الفرديّة المفرطة التي تقوم على التنافس بدلًا من التعاون؛ ورأى أنّ النظام الرأسماليّ يستغلّ القوي فيه الضعيف، ويتمّ تقسيم المجتمع إلى مجموعة من الجماعات المتعادية، مما يعزّز عدم المساواة في المجتمع؛ حيث ينقسم المجتمع إلى قلّة غنيّة متفوّقة وكثرة فقيرة متدنّية، فأهمّ ما يهمّ النظام الرأسماليّ هو وفرة الإنتاج وتحقيق الأرباح، وليس الرضى البشريّ أو مصلحة المستهلك[46].
ومن ثمّ فإنّ الحلّ الأمثل للحفاظ على الهويّة عند نيريري يكمن في فلسفة «أوجاما» التي تنبع من أعماق الثقافة الإفريقيّة الأصيلة، وتستند إلى استعادة القيم الإفريقيّة الأصيلة للإخاء والتعاون والعمل الجماعيّ التي كانت سائدة قبل قدوم المستعمرين؛ ولذلك فإنّ فلسفة «أوجاما» فلسفة جماعية تقوم على الـ«نحن» بدلًا من الـ«أنا»، وتنطلق من الثقافة الإفريقيّة الأصيلة التي تؤكّد الهويّة وتناهض القيم الغربيّة التي زرعها الاستعمار والتي أدّت إلى نفور الأفارقة من ماضيهم[47]. وكان يعتقد إنّ العدالة الاجتماعيّة لا يمكن أن تتحقّق إذا لم تكن هناك مساواة بشريّة مطلقة، ومن ثمّ كان اعتماد نيريري على سياسة الحزب الواحد والأوحد في البلاد؛ مما دفع معارضيه إلى اتهامه بالديكتاتوريّة.
وبختام القول عن فلسفة «أوجاما»، يمكننا أن نقول إنّ أهمّ ما يميّز الفلسفة الإفريقيّة أنّها فلسفة جماعيّة؛ أي أنّها تقدّم نفسها كنظريّة اجتماعيّة تعطي الأولويّة للوئام المجتمعيّ على الرؤى الفرديّة، وتبحث عن هويّتها الإفريقيّة الخالصة بعيدًا عن نظريّات المركزيّة الغربيّة.

خاتمة (أبرز النتائج):
لقد توصّلنا في هذه الدراسة إلى مجموعة من النتائج المهمّة، نعرض فيما يلي أهمّها:
أوّلًا: نشأت الفلسفة الإفريقيّة تحت إصرار الإفريقيّ على البحث عن هويّته التي حاول المستعمر الأوروبيّ تغريبه عنها سواء بفرض ثقافته ولغته كما فعل المستعمر الإنجليزيّ، أو من خلال مفهوم الاستيعاب الذي استخدمه المستعمر الفرنسيّ الذي يهدف إلى تحويل الأفارقة إلى فرنسيّين عن طريق استبدال الثقافة الفرنسيّة بالثقافة الإفريقيّة. ومن هنا وجد الإفريقيّ أنّ بناء فلسفة إفريقيّة تقوم على الثقافة المحلّيّة واللغة الإفريقيّة هي قاعدة التمثال لبناء إيديولوجيّة سياسيّة من شأنها إبراز الهويّة الإفريقيّة المفقودة. مع قناعة الأفارقة الذاتيّة بأنّهم لن يستعيدوا هويّتهم إلّا إذا كانوا أحرارًا، وتتجاوز الحرّيّة هنا الجلاء العسكريّ والهيمنة السياسيّة للمستعمر إلى معنى آخر، وهو الاستقلال الشامل عن الإمبرياليّة الأوروبيّة سياسيًّا وثقافيًّا واجتماعيًّا واقتصاديًّا، ولن يكون ذلك إلّا عبر تطوير إيديولوجيّة سياسيّة واجتماعيّة واقتصاديّة تضرب بجذورها في الثقافة الأصليّة الإفريقيّة والقيم التقليديّة للمجتمع الإفريقيّ.

ثانيًا: أظهرت هذه الدراسة تهافت الرؤية الغربيّة العنصريّة للإفريقيّ الذي يمكنه القيام بكافّة الأعمال باستثناء القدرة على التعقّل أو التفكير فلسفيًّا، باعتبار أنّ الفلسفة فكر ثانويّ أو فكر لاحق يحتاج قدرات عقليّة لا تتوافر لدى الإفريقيّ. ومن ثمّ توصّلت هذه الدراسة عبر عرضها لمجموعة من المساهمات الفلسفيّة الإفريقيّة إلى عكس هذا الزعم الأوروبيّ المتحيّز حول إفريقيا كعرق، وأنّ الإفريقيّ قادر على التفلسف قبل مجيء الاستعمار الغربيّ وأثناءه وبعده، وأنّه قادر على التفكير، شأنه في ذلك شأن الأوروبيّ وغيره، وأن له فلسفة متميزة ومتماسكة تخصه، وأن مزاعم الغربيّ العنصريّة قد عفا عليها الزمن وأصبحت غير منطقيّة ولا يمكن تصوّرها.

ثالثًا: أظهر هذا العرض للفلسفة الإفريقيّة أنّها حقّقت ما حلمت به الفلسفة اليونانيّة ولم تستطع تحقيقه؛ إذ حلمت الفلسفة اليونانيّة مع فيلسوف من أهمّ فلاسفة عصرها الذهبيّ وهو أفلاطون، الذي رأى أنّ المجتمعات تسعد إذا ما تولّى أمورها فيلسوف، وعندما شعر بصعوبة تحقيق هذا الأمر، أي أن يحكم الفيلسوف، ذهب إلى القول إنّه لا بأس أن يتفلسف الحكّام؛ كي يتزودوا بالحكمة فيديروا شؤون البلاد على النحو الأكمل، فإذا لم يتحقق حلم أفلاطون في الحضارة الغربيّة إلّا مّرة واحدة مع الإمبراطور الرومانيّ ماركوس أوريليوس الإمبراطور الفيلسوف، فإنّه قد تحقّق على إطار واسع في الفلسفة الإفريقيّة مع الرؤساء والزعماء الفلاسفة، من أمثال: كوامي نيكروما، وليبولد سنغور، وجوليوس نيريري، وأحمد سيكوتوري، وباتريس لومبومبا، ونيلسون مانديلا، وهذا بلا شكّ أمر تتمايز به الفلسفة الإفريقيّة على الفلسفة الغربيّة.

رابعًا: لا شكّ أنّ ثمّة مجموعة من المعوقات التي تعوق مشروع الفلسفة الإفريقيّة، لعلّ أهمّها عدم وجود لغة إفريقيّة واحدة يتقنها جميع الأفارقة يمكن من خلالها صياغة هذه الفلسفة، وتكون هويّتها مرتبطة بثقافة ومجتمع متجانس بشكل كبير، وقد اجتهد الكثير من فلاسفة إفريقيا من أجل التغلّب على هذه المعضلة من خلال قراءة الفلسفة الإفريقيّة بتنوّعاتها الثقافيّة من خلال التقليد التحليليّ؛ أي صياغة المعنى والحقيقة كجهد يشكّل في النهاية تحليلًا مفاهيميًّا/ منطقيًّا للغة. كما تفتقر الفلسفة الإفريقيّة إلى تراث فلسفيّ مدوّن من الممكن أن يكون أحد المنطلقات للفلسفة الإفريقيّة الراهنة، لكن يبقى الموروث الشفاهيّ والمشكلات الراهنة موضوعات راهنة كافية للتغلّب على هذا العائق.

المصادر والمراجع

أوّلًا- المصادر والمراجع العربيّة والمعرّبة
عبد النور بيدار، المذهب الإنسانيّ في الغرب، ترجمة: فوزية العشماوي، القاهرة، المركز القوميّ للترجمة، 2021.
لحسن الصديق، فلاسفة أفارقة سعوا إلى استكمال تحرير القارة السوداء، مجلّة أفكار، العدد 14، مارس 2017.
ليفي بريل، العقليّة البدائيّة، ترجمة: الدكتور محمّد القصاص، القاهرة، مكتبة مصر، د. ت.
محمّد عبدالكريم أحمد، الفلسفة الإفريقيّة؟ أسئلة الهويّة وآفاق التحرّر، مجلة قراءات ثقافية، المنتدى الإسلاميّ، العدد 47، يناير 2021.
هيغل، محاضرات في فلسفة التاريخ، ج1، (العقل في التاريخ)، ترجمة: إمام عبدالفتاح إمام، بيروت، دار التنوير، ط3، 1983.
فرانسيس إيكانم، في أنطولوجيا للفلسفة الإفريقيّة، ترجمة: حنان عباس، مجلّة أوراق فلسفيّة، العدد 77- 78، 2021.

ثانيًا: المراجع الأجنبيّة
Allan Wood, Kant’s Formulations of The Moral law, in A Companion to Kant, edited by Graham Bird, Blackwell publishing, LTd, U.S.A, 2006.
Barry Hallen, A short history of African philosophy, Indiana University Press, Bloomington, 2002.
D.A. Masolo, Africanizing Philosophy: Wiredu, Hountondji, and Mudimbe, In: Adeshina Afolayan, Toyin Falola, The Palgrave Handbook of African Philosophy, Editors: published by Springer Nature, New York, 2017.
David Hume, Essays Moral, Political, and Literary, Vol.1, Edited by T. H. Green and T. H. Grose, London, 1882.
Emmanuel Chuckwudi Eze, The Color of Reason: The Idea of “Race” in Kant’s, Blackwell Publishers Ltd, 1997.
H. J. Paton, The Categorical Imperative - A study in Kant’s Moral Philosophy, Hutchinson’s University Library, Oxford, 1946.
Immanuel Kant, Observations on the Feeling of the Beautiful and Sublime and Other Writings, edited by: Patrick Friedrson and Pual Guyer, Cambridge University Press, New York, 2011.
James Cone, Risks of Faith: The Emergence of a Black Theology of Liberation 1968-1998, Beacon Press, 2000.
Kwame Nkrumah, Consciencism: Philosophy and Ideology for Decolonization, Panaf Books, London, 1970.
Kwasi Wiredu, Philosophy and an African Culture, Cambridge University Press, 1980.
Levy Bruhl, Primitive Mentality, University of France Press, Paris, 1947.
Lucius T. Outlaw Jr., Black Philosophy, African Philosophy, Africana Philosophy: Transnational Deconstructive and Reconstructive Renovations in “Philosophy”, Editors: Adeshina Afolayan, Toyin Falola, The Palgrave Handbook of African Philosophy, Springer Nature, New York, 2017.
Moya Deacon, African Philosophy: From Drums and Masks to Rationality, submitted in full fulfillment of the requirement for the degree master Master of arts in philosophy in the faculty of arts at the Rand Afrikaans University, October 1996.
Moya Deacon, Trends in African philosophy, in The African Philosophy Reader, edited by P. H Coetzee And A. P. J.Roux, Routledge, New York, 1998.
Olatunji A. Oyeshile, On Defining African Philosophy: History, Challenges and Perspectives, Humanity & Social Sciences Journal 3 (1), 2008.
P. O. Bodunrin, The Question of African Philosophy, The Journal of Philosophy, Cambridge University Press, Volume 56, Issue 216, (April 1981).
Sheikheldin, Gussai H. “Ujamaa: Planning and Managing Development Schemes in Africa, Tanzania as a Case Study” Africology: The Journal of Pan African Studies 8.1, (2014).
Thenjiwe Major and Thalia M. Mulvihill, Julius Nyerere (1922- 1999), An African Philosopher, Re-envisions Teacher Education to Escape Colonialism, New Proposals: Journal of Marxism and Interdisciplinary Inquiry, Vol. 3, No. 1 , (October 2009).

ثالثًا: المواقع الإلكترونيّة
علي أسعد وطفة، الوجه العنصريّ المظلم في الفلسفة الكانطيّة- مأزق كانط الأخلاقيّ، مقال إلكترونيّ (تمّ الدخول عليه في: 13/ 1/ 2023) على الرابط الإلكترونيّ التالي:https://watfa.net/archives/11835
Jonathan O. Chimakonam, History of African Philosophy, Internet Encyclopedia of Philosophy, Available at: https://iep.utm.edu/history-of-african-philosophy/

----------------------------------
[1]*. أستاذ الفلسفة الحديثة والمعاصرة المساعد بكلّيّة الآداب جامعة بني سويف.
[2]- Olatunji A. Oyeshile, On Defining African Philosophy: History, Challenges and Perspectives, Humanity & Social Sciences Journal 3 (1), 2008, p57.
[3]- See, Lucius T. Outlaw Jr., Black Philosophy, African Philosophy, Africana Philosophy: Transnational Deconstructive and Reconstructive Renovations in “Philosophy”, Editors: Adeshina Afolayan, Toyin Falola, The Palgrave Handbook of African Philosophy, Springer Nature, New York , 2017, p245.
[4]- See, Moya Deacon, African Philosophy: From Drums and Masks to Rationality, submitted in full fulfillment of the requirement for the degree master Master of arts in philosophy in the faculty of arts at the Rand Afrikaans University, October 1996, p1.
[5]- Moya Deacon, Trends in African philosophy, in The African Philosophy Reader, edited by P. H Coetzee And A. P. J. Roux, Routledge, New York, 1998, p133.
[6]- Ibid, p133.
[7]- David Hume, Essays Moral, Political, and Literary, Vol.1, Edited by T. H. Green and T. H. Grose, London, 1882, p245.
[8]- Ibid, David Hume, Essays Moral, Political, and Literary, p252.
[9]- Allan Wood, Kant’s Formulations of The Moral law, in A Companion to Kant, edited by Graham Bird, Blackwell publishing, LTd, U.S.A, 2006, p.291.
[10]- H. J. Paton, The Categorical Imperative - A study in Kant’s Moral Philosophy, Hutchinson’s University Library, Oxford, 1946, p165. and see also: Wood, Kant’s formulations of The Moral law, p291.
[11]- Emmanuel Chuckwudi Eze, The Color of Reason: The Idea of “Race” in Kant’s, Blackwell Publishers Ltd, 1997, p118.
[12]- Immanuel Kant, Observations on the Feeling of the Beautiful and Sublime and Other Writings, edited by: Patrick Friedrson and Pual Guyer, Cambridge University Press, New York, 2011, p50.
[13]- Emmanuel Chuckwudi Eze, The Color of Reason: The Idea of “Race” in Kant’s, p119.
[14]- Immanuel Kant, Observations on the Feeling of the Beautiful and Sublime and Other Writings, p58.
[15]- Emmanuel Chuckwudi Eze, The Color of Reason: The Idea of “Race” in Kant’s, p116.
[16]- Ibid, p59.
[17]- علي أسعد وطفة، الوجه العنصريّ المظلم في الفلسفة الكانطيّة- مأزق كانط الأخلاقي، مقال إلكترونيّ (تمّ الدخول عليه في: 13/ 1/ 2023) على الرابط الإلكترونيّ التالي: https://watfa.net/archives/11835
[18]- هيغل، محاضرات في فلسفة التاريخ، ج1، (العقل في التاريخ)، ترجمة: إمام عبد الفتاح إمام، بيروت، دار التنوير، ط3، 1983، ص172.
[19]- المصدر السابق، هيغل، محاضرات في فلسفة التاريخ، ص174.
[20]- المصدر نفسه.
[21]- المصدر نفسه، ص178.
[22]- المصدر نفسه، ص181.
[23]- ليفي بريل، العقليّة البدائيّة، ترجمة الدكتور محمّد القصاص، القاهرة، مكتبة مصر، د. ت، ص10.
[24]- Levy Bruhl, Primitive Mentality, University of France Press, Paris, 1947, p17.
[25]- ليفي بريل، العقليّة البدائيّة، ص14.
[26]- المصدر السابق، ص15.
[27]- عبد النور بيدار، المذهب الإنسانيّ في الغرب، ترجمة: فوزية العشماوي، القاهرة، المركز القوميّ للترجمة، 2021، ص32.
[28]- Jonathan O. Chimakonam, History of African Philosophy, Internet Encyclopedia of Philosophy, Available at: https://iep.utm.edu/history-of-african-philosophy/
(تم الدخول عليه في 22/ 4/ 2022).
[29]- Idem.
[30]- لحسن الصديق، فلاسفة أفارقة سعوا إلى استكمال تحرير القارّة السوداء، مجلّة أفكار، العدد 14، مارس 2017، ص42.
[31]- قال عنه مارتن لوثر كينج الابن: «سنعلم أطفالنا أنّ الفلاسفة لم يكونوا أفلاطون وأرسطو فقط، بل دو بويز وآلان لوك».
(James Cone, Risks of Faith: The Emergence of a Black Theology of Liberation 1968 -1998, Beacon Press, 2000, p152).
[32]- يحدّثنا تاريخ إفريقيا عن فيلسوف إثيوبيّ هو زيرا يعقوب Zera Yacob عاش في القرن السابع عشر وكان معاصرًا لديكارت، وتوفي عام 1692، وله كتاب مفقود عنوانه « التحقيقات» جُمعت بعض أفكاره في كتاب «حكماء إثيوبيا». كما تحدّث بيتر بودنرين في مقاله «سؤال الفلسفة الإفريقيَّة» عن الدكتور ويليام آمو Dr William Amo الذي درَّس في الجامعات الألمانيّة في القرن الثامن عشر.
(P. O. Bodunrin, The Question of African Philosophy, The Journal of Philosophy, Cambridge University Press, Volume 56, Issue 216, (April 1981, p161).
[33]- Jonathan O. Chimakonam, History of African Philosophy, op. cit.
[34]- انظر: فرانسيس إيكانم، في أنطولوجيا للفلسفة الإفريقيَّة، ترجمة: حنان عباس، مجلّة أوراق فلسفيّة، العدد 77- 78، 2021، ص34.
[35]- محمد عبد الكريم أحمد، الفلسفة الإفريقيَّة؟ أسئلة الهويّة وآفاق التحرّر، مجلّة قراءات ثقافيّة، المنتدى الإسلاميّ، العدد 47، يناير 2021، ص103- 104.
[36]- Chimakonam, History of African Philosophy, op. cit.
[37]- يكفي أن نشير في هذا المقام إلى أنّ الفيلسوف الكاميرونيّ إيبوسي بولاجا (1934-؟) حاصل على بكالوريوس اللاهوت ودكتوراه في الفلسفة والآداب من جامعة ليون. كما أنّ فالنتين موديمبي المولود في الكونغو الديمقراطيّة (1941-؟) هو أستاذ الأدب المقارن في جامعة ديوك Duke University ومدير المؤتمرات في مدرسة الدراسات العليا في العلوم الاجتماعيّة بباريس. سافر إلى الولايات المتّحدة لظروف سياسيّة ودرَّس في جامعة ستانفورد Stanford University.
[38]- Kwame Nkrumah, Consciencism: Philosophy and Ideology for Decolonization, Panaf Books, London, 1970, p29.
[39]- Kwasi Wiredu, Philosophy and an African Culture, Cambridge University Press, 1980.
[40]- D.A. Masolo, Africanizing Philosophy: Wiredu, Hountondji, and Mudimbe, In: Adeshina Afolayan, Toyin Falola, The Palgrave Handbook of African Philosophy, Editors: published by Springer Nature, New York, 2017, pp69 -70.
[41]- Barry Hallen, A short history of African philosophy, Indiana University Press, Bloomington, 2002, p52.
[42]- See, Sheikheldin, Gussai H. “Ujamaa: Planning and Managing Development Schemes in Africa, Tanzania as a Case Study” Africology: The Journal of Pan African Studies 8.1, (2014), pp78–96.
[43]- See, Thenjiwe Major and Thalia M. Mulvihill, Julius Nyerere (1922 -1999), An African Philosopher, Re-envisions Teacher Education to Escape Colonialism, New Proposals: Journal of Marxism and Interdisciplinary Inquiry, Vol. 3, No. 1, (October 2009), p15.
[44]- Ibid, p16.
[45]- Ibid, Thenjiwe Major and Thalia M. Mulvihill, Julius Nyerere (1922 -1999), pp15- 22.
[46]- Ibid, p16.
[47]- Ibid, p16.