البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

النظام الاقتصادي في أوروبا العصور الوسطى

الباحث :  عبد الله السليمان
اسم المجلة :  الاستغراب
العدد :  31
السنة :  صيف 2023م / 1445هـ
تاريخ إضافة البحث :  September / 30 / 2023
عدد زيارات البحث :  5781
تحميل  ( 596.390 KB )
الملخّص
يسعى هذا البحث للإحاطة بالأفكار الرئيسة التي رسمت المشهد الاقتصاديّ في أوروبا خلال العصور التي اصطلح المؤرّخون على تسميتها بالعصور الوسطى، والتي تبدأ مِن سقوط روما في سنة 476م، وتنتهي مع نهاية القرن الخامس عشر ميلاديّة. حيث عرفت أوروبا في العصور الوسطى نظامين اقتصاديّين؛ الأوّل: نظام إقطاعيّ زراعيّ ريفيّ، استمرّ حتّى القرن الثاني عشر، وقد تراجعت في ظلّه جميع مظاهر التقدّم والإنتاج والابتكار في الأفكار الاقتصاديّة، وساد التخلّف وتدهورت جميع الأحوال الاقتصاديّة.

والثاني النظام الرأسماليّ الذي ارتبطت نشأته بإعادة إحياء المدن والتجارة، وتنظيم العمل بالاقتصاد بوساطة النقابات، مع الاحتفاظ بمظهر سيطرة الإنسان على أخيه الإنسان. وقد سيطر على أوروبا مِن القرن الثاني عشر حتّى عصر النهضة، ليتطوّر بعد النهضة الأوروبيّة ويصبح نظامًا رأسماليًّا عالميًّا. وقد ولجت الكنيسة في أوروبا الغربيّة في باب العمل الاقتصاديّ، حتّى أمست مؤسّسة رأسماليّة بكلّ ما لهذه الكلمة مِن معنى.

كلمات مفتاحيّة: العصور الوسطى، أوروبا، النظام الاقتصاديّ الإقطاعيّ، النبلاء الإقطاعيّون، القانون الإقطاعيّ،  الكنيسة، اليهود.

المقدّمة
لم تعرف أوروبا في العصور الوسطى نظامًا اقتصاديًّا واحدًا، وإنَّما عرفت نظامين؛ نظام إقطاعيّ زراعيّ ريفيّ، سيطر على المشهد الاقتصاديّ والمعيشيّ في أوروبا الغربيّة منذ سقوط روما في سنة 476م، وربما قبل ذلك بقرن، واستمرّ مسيطرًا حتّى القرن الثاني عشر. وفي ظلّ هذا النظام الاقتصاديّ تراجعت جميع مظاهر التقدّم والإنتاج والابتكار في الأفكار الاقتصاديّة، وساد التخلّف وتدهورت جميع الأحوال الاقتصاديّة، وحلّت المقايضة محلّ التجّارة، وانغلقت على نفسها، واكتفت بوارداتها، وغدت السيادة للأقوى، وخنع سكّان أوروبا للإقطاعيّين الكبار بعد أنْ تحوّل معظم فلّاحيها إلى أقنان عبيد أرض مرتبطين بسيّدهم الإقطاعيّ.

أمّا النظام الاقتصاديّ الثاني الذي سيطر على أوروبا مِن القرن الثاني عشر حتّى عصر النهضة؛ فهو النظام الرأسماليّ الذي ارتبطت نشأته بإعادة إحياء المدن والتجارة، وتنظيم العمل بالاقتصاد بوساطة النقابات، مع الاحتفاظ بمظهر سيطرة الإنسان على أخيه الإنسان. وبالتالي، سنجد أنَّ الديمقراطيّة الشعبيّة لم تتحقّق في المدن التي انتصرت فيها النقابات والصنّاع الأغنياء على الأرستقراطيّات القديمة، فصغار الصنّاع وغيرهم مِن الكادحين الفقراء منِعوا مِن الوصول إلى مجلس المدينة بغية الحصول على حقوقهم. لقد كان النظام الرأسماليّ في أوروبا العصور الوسطى نظامًا استغلاليًّا قائمًا على الاحتكار والغشّ والكسب بوساطة الفائدة والربا والاحتيال، وقد أسهم تجّار اليهود إسهامًا مهمًّا في تدعيم أركان هذا النظام.

وسيتطوّر هذا النظام الاقتصاديّ بعد النهضة الأوروبيّة ليمسي نظامًا رأسماليًّا عالميًّا، تسيطر فيه الدول القويّة على اقتصاد وحياة الشعوب والدول النامية الضعيفة، ولم تلبث الكنيسة في أوروبا الغربيّة، التي كانت تقدّم النصح والإرشاد والوعظ لأتباعها، إنْ ولجت في باب العمل الاقتصاديّ، ولم تترك نشاطًا في هذا الباب إلّا وقامت به، حتّى أمست مؤسّسة رأسماليّة بكلّ ما لهذه الكلمة مِن معنى.

أوّلًا: النظام الاقتصاديّ الإقطاعيّ في أوروبا العصور الوسطى
لقد أطلق الباحثون اسم «النظام الإقطاعيّ» على النظام الاقتصاديّ والاجتماعيّ والسياسيّ الذي ساد في أوروبا خلال العصور الوسطى، وكانت أصول هذا النظام الإقطاعيّ في أوروبا الغربيّة ومنابعه رومانيّة–جرمانيّة مختلطة، ويمكن أنْ نحدّد فجره بالقرنين الثامن والتاسع الميلاديّين، وظهيرته بالقرون العاشر والحادي عشر والثاني عشر، أمّا عصر انهياره، فقد امتدّ مِن القرن الثالث عشر إلى القرن الخامس عشر الميلاديّ[2]. وعلى الرغم من أنّ انطلاقته كانت في إيطاليا وألمانيا، إلّا أنَّ التطوّرات الأهمّ التي شهدها حدثت في فرنسا، ولعلّه بدأ في بريطانيا بتحويل البريطانيّين الأصليّين إلى أرقّاء أرض على أيدي المستعمرين الجدد الأنجلو-سكسون[3]. وفي النظام الإقطاعيّ تقوم على الأرض الواحدة أنواع مختلفة مِن الحقوق، حتّى إنَّ فكرة الملكيّة تزول عنها أو تفقد معناها القانونيّ، فيعمل التابع على الأرض -التي كانت له- بعد أنْ يتنازل عنها لسيّد قويّ، ويعلن تبعيّته له بحلف اليمين والتعهّد بالولاء والطاعة له التبعيّة، وتقديم الخدمة الحربيّة[4].

1. العوامل التي أسهمت في نشوء النظام الإقطاعيّ
لقد أسهمت في نشوء النظام الإقطاعيّ بعض الظروف التي اجتمعت مع بعضها؛ كانعدام الأمن وعموم الفوضى وانتشار الحركة الديريّة المسيحيّة، فمهّدت السبيل إلى نشوء هذا النظام؛ ذلك أنَّه لمّا أصبحت مدن إيطاليا وغالة فرنسا غير آمنة على نفسها مِن الغارات الجرمانيّة، وعجزت الحكومات الفقيرة عن حماية الحياة والأملاك والتجارة والاحتفاظ بهيبة الدولة، ولا سيّما بعد أنْ نقصت إيرادات الدولة وكسدت التجارة واضمحلّت الصناعة، انتقل أعيان هذه المدن إلى قصورهم الريفيّة، وأحاطوا أنفسهم بأسر مِن «الموالي»، وجمعوا حولهم أعوانًا عسكريين مِن الزرّاع الذين خافوا على حياتهم وأملاكهم[5]؛ إذ كان الزرّاع الذين لا يستطيعون حماية أنفسهم، يعرضون ممتلكاتهم إلى جانب خدماتهم على أحد النبلاء، مقابل الحماية والإيواء. لكنَّ فهم أولئك السادة للرعيّة كان مغايرًا؛ إذ كان النبيل يمنح أولئك المزارعين قطعة صغيرة من الأرض بجواره قابلة لإلغاء الملكيّة في أيّ وقت[6]. وبالتالي، استفحلت مظاهر التشرذم في المشهد العام على مستوى أوروبا، وتكرّست ظاهرة التكتّل في على نطاق ضيّق حول أمير أو سيّد[7].

أمّا العامل الثاني، فهو ظهور الأديرة المسيحيّة؛ ففي تلك الأثناء ظهرت الصوامع بهدف الخلاص الفرديّ، وقد دأب رهبانها على حرث الأرض والاشتغال بالمهن الحرفيّة، إذ بدأت الكنيسة تمثّل الحركة المركزيّة المتّجهة إلى اقتصاد شبه منعزل في الريف. ولم يدرك الناس تلك التطوّرات، ففي ظروف الفوضى، وجوّ القتال والحرب، والاحتمال الوشيك لأيّ هجوم من الجرمان، كان الناس يدأبون على الالتحاق بالتشكيلات الأمنيّة التي شكّلها السادة والأساقفة، إذ كانوا يبنون بيوتهم بجانب بيتِ نبيلٍ أو سيّد مِن السادة، أو بجانب صومعة ما طلبًا للحماية؛ أي بجانب أيّ شخص أو مؤسّسة لها القدرة على القيادة[8].
وبعد أنْ تكتّل الناس حول قصور السادة والنبلاء والصوامع والأديرة المسيحيّة في الريف الأوروبيّ، وبعد أنْ تعطّلت السُبل وتوقّفت التجارة وصارت الطرق غير صالحة للنقل؛ لِما أصابها مِن تخريب نتيجة الحروب والإهمال مِن جرّاء الفقر، اضطرّت قصور الأعيان والأديرة المسيحيّة في الريف الأوروبيّ للعمل على الاكتفاء الذاتيّ مِن الناحية الاقتصاديّة، فتمّ السعي إلى تكوين وحدات اقتصاديّة شبه مستقلّة في الريف الأوروبيّ على مستوى القرية، فبدأ الزرّاع بحراثة الأرض وزراعتها تحت أمرة سيّدهم النبيل، كما أضحى الحرفيّون يصنعون الكثير مِن الأدوات التي كانت تشترى مِن المدن، حيث صارت تصنع في الضياع الكبيرة منذ بداية العصور الوسطى. ومنذ القرن الخامس للميلاد بدأت تتكوّن أرستقراطيّة إقطاعيّة ذات نفوذ وأملاك واسعة، لها محاكمها الخاصّة، وجيوشها المستقلّة[9].

2. جذور النظام الإقطاعيّ
إنَّ البحث عن جذور النظام الإقطاعيّ، الذي تكوّن في مطلع العصور الوسطى في أوروبا، يعيدنا أوّلًا إلى نظام الإحسان الرومانيّ، وثانيًا إلى طبيعة حياة القبائل الجرمانيّة الشماليّة، فـنظام الإحسان الرومانيّ، الذي كانت المجّانية صوريّة فيه غالبًا، والذي كان يؤدّي إلى وضع المحسَن إليه تحت رحمة المحسِن، أسهم في رسم الإطار العامّ للنظام الإقطاعيّ. وحتّى نوضّح الصورة أكثر، بوسعنا أنْ نشرح نظام الإحسان الرومانيّ، ونحدّد حجم الأثر الذي تركه في النظام الإقطاعيّ في العصور الوسطى.

لقد كان الإحسان القالب الذي تصاغ فيه أكثر الاتفاقيّات، التي لا تجد مكانًا لها في النطاق الضيّق والمحدود للعقود المعترف بها في القانون الرومانيّ، وكان الاتفاق الذي يُطبَّق في الإحسان دومًا هو الانتفاع. وهكذا لم يكن الإحسان كرمًا إلّا في اسمه فقط، وإنَّما كان شكلًا مِن أشكال الاستغلال، وهو يغطّي ثلاث عمليّات اقتصاديّة هي:

أوّلًا: الإيجار المقنّع: وهو أنْ يضع الفلّاح المنتفع مِن الأرض تحت رحمة الملّاك؛ لأنَّ المالك يستطيع أنْ يجرّد الفلاح مِن الأرض في أيّ وقت دون إقامة دعوى.
ثانيًا: القرض بكفالة عقاريّة: فقد يضطرّ فلّاح حرّ مِن صغار الملّاكين إلى أنْ يقترض مبلغًا مِن المال مِن مالك كبير غنيّ، فيقدِّم أرضه الصغيرة للدائن ويستلمها منه بصفة منتفع، ولا ترجع ملكيّتها إليه إلّا بعد وفاء كامل ديْـنه. وإذا مات الفلّاح مِن دون أنْ يسدّد دينه، طُرد أولاده مِن الأرض.
 ثالثًا: اتساع الملكيّة وتملّص كبار الملّاكين مِن دفع الضرائب للخزانة: لقد أفاد الإحسان كبار المُلّاك في توسيع أراضيهم؛ وذلك مِن خلال حمايتهم غير القانونيّة للفلّاحين الصغار الأحرار مقابل أنْ يأخذوا منهم أراضيهم، ثمّ يعيدونها إليهم بصفة إحسان ليعملوا بها مقابل تقديم حصّة مِن إنتاجها، عينيّة أو نقديّة، وإذا ضمّت تلك الأراضي الصغيرة إلى أراضي كبار الملّاك، خرجت مِن نطاق عمل رجال العدل ومستخدمي الضرائب. وعلى هذا، فمجّانيّة الإحسان الرومانيّ كذب حقوقيّ[10]. وباختصار، فإنّنا سنجد هذه العمليّات الاقتصاديّة الثلاث موجودة في النظام الإقطاعيّ في أوروبا العصور الوسطى.
أمّا الجذر الثاني، فقد أتى مِن طبيعة حياة القبائل الجرمانيّة الشماليّة؛ فعندما سقطت روما على أيديهم سنة 476م، حدث تطوّر في أسلوب إدارة الدولة؛ إذ إنَّ الإمبراطور الجديد بدلًا مِن السير على خطا الحكم السابق؛ أي الاستمرار بأسلوب الإدارة المركزيّة الصارم، سلك مسلكًا مغايرًا يقوم على اللامركزيّة الواسعة، فقسَّم الإمبراطوريّة إلى أجزاء وأقاليم كبيرة جدًّا، اقتطعها لكبار القادة وبعض رجال الدين وأعطاهم صلاحيّات واسعة، بما في ذلك الاحتفاظ بقوّاتهم العسكريّة، الأمر الذي انتهى باستقلال هذه الأقاليم عن الدولة من الناحية الفعليّة، وأصبحوا ملوكًا في إقطاعاتهم. ونظرًا لكونهم ارتكبوا الخطأ نفسه الذي ارتكبه الإمبراطور؛ بحيث قسَّموا إقطاعاتهم إلى أقاليم فرعيّة، والأقاليم إلى إقطاعات صغيرة، انتهى الأمر إلى تشظّي معظم الإمبراطوريّة وتشرذمها إلى مئات الإقطاعيّات الصغيرة والضيع شبه المستقلّة اقتصاديًّا، مكتفية ذاتيّا اكتفاءً متدنّي المستوى، معتمدة على الزراعة، والنشاط الاقتصاديّ الطبيعيّ غير السلعيّ غير التبادليّ، مع شبه انعدام لدور النقود في هذا النشاط، ليس هذا فحسب، بل إنَّ كلّ إقطاعيّ لديه قوّة عسكريّة، كان له الحقّ في سنّ القوانين والتنظيمات، وإقامة المحاكم وفرض الرسوم داخل إقطاعيّته... إلخ[11].

3. تكريس النظام الإقطاعيّ في أوروبا العصور الوسطى
لقد تكرّس  النظام مع دولة الفرنجة، فقد وجدت هذه الدولة أنَّ هذه الوسيلة؛ أي إقطاع كبار القادة، خير ما يمكن الاعتماد عليه لإنقاذ نفسها مِن الزوال في ظلّ الظروف المحيطة بها، فأخذ ملوكها يمنحون قادةً مِن جيشهم وعددًا مِن موظّفيهم الإداريّين مساحات مِن الأرض تحت عنوان تأجيرها لهم[12]. فعندما حاول شارل مارتل Charles Martel (688-741م) أنْ يتوسّع في نظام الخيّالة ليجعل جيشه قوّة فعّالة في ميدان الحرب، اكتشف في حينه أنَّ هذا الأمر يتطلّب منه نفقات ضخمة لتجهيز الفارس بما يحتاج إليه مِن حصان ودرع وسلاح، فضلًا عن أنَّ هذا النوع مِن الفرسان يجب أنْ يتوفّر لهم مورد يعيشون عليه حتّى يتسنّى لهم أنْ يفرغوا لشؤون الحرب والقتال. ولمّا كانت موارد دولة الفرنجة في القرن الثامن محدودة بحيث إنَّها لا تفي بالغرض، فإنَّ شارل مارتل لجأ إلى حلّ يتّفق وتقاليد ذلك العصر، فسجّل أسماء المحاربين وجعلهم يقسمون له يمين الولاء، ثمّ أعطى كلًّا منهم إقطاعًا يكفي لسدّ مطالب معيشته، على أنْ يبقى هذا الإقطاع بيده ما دام يقوم بالخدمة العسكريّة، وهكذا ظهرت الأسس الإقطاعيّة العسكريّة لجيشه[13].   

وإذا كانت بذور النظام الإقطاعيّ قد ظهرت في دولة الفرنجة في القرن الثامن، فإنَّ الظروف التي تعرّضت لها هذه المملكة بوجه خاصّ، وغرب أوروبا بوجه عام في القرن التاسع، ساعدت على نموّ هذا النظام وتفرّعه؛ إذ أصبحت هذه الإقطاعات في القرن التاسع وراثيّة وشبه مستقلّة، بسبب ما طرأ مِن ضغط على ملوك دولة الفرنجة؛ ذلك أنَّ الحروب العنيفة التي قامت بين لويس التقيّ وأبنائه، واستمرّت بين الأبناء بعد وفاة أبيهم، كانت في حدّ ذاتها كافية لأنْ تثير جوًّا مِن الفوضى؛ أصبحت فيه الكلمة الأولى والأخيرة لقوّة السلاح وحدها[14].
ثمّ جاءت الأخطار الخارجيّة؛ إذ تعرّض غرب أوروبا للهجوم مِن جميع الجهات، فقد أعادت غارات الشماليّين، والمجر على القارّة الأوروبيّة في القرن الثامن والتاسع والعاشر، نتائج الغارات الجرمانيّة التي حدثت قبلها بستّة قرون وزادتها قوّة، فقد عجزت الحكومات المركزيّة عن حماية الأجزاء النائية عن عواصمها، وأقام الأسقف أو البارون المحلّيّ نظامًا في مقاطعته وهيئة للدفاع عنها، وظلّ محتفظًا بقوّته ومحاكمه الخاصّة. وإذا كان معظم المغيرين فرسانًا، فقد كان الطلب يكثر على المدافعين الذين يملك كلّ منهم حصانًا، ولهذا السبب أضحى الفرسان أهمّ مِن المشاة. وهكذا نشأت في فرنسا، وإنجلترا في عهد النورمان، وفي إسبانيا المسيحيّة، طبقة مِن الفرسان بين الدوق والبارون مِن جهة، والفلّاحين مِن جهة أخرى، كما نشأت في روما القديمة طبقة مِن الفرسان بين الأشراف والعوام. ونظرًا لغياب السلطة المركزيّة، لم يرَ الشعب حرجًا في هذه التبدّلات؛ إذ كانوا يتطلّعون إلى وجود نظام عسكريّ يتولّى حمايتهم بما يحيط بهم مِن الرعب، ومِن الهجمات التي قد تنقضّ عليهم في أيّ وقت[15]، حدًّا وصل الأمر بكثير من الفلّاحين الأحرار، الذين كانوا ما يزالون يملكون مزارعهم ملكيّةً صريحةً، أنْ يلجؤوا إلى بعض الإقطاعيّين طالبين ضمّهم إلى تبعيّتهم طلبًا للحماية[16].
لذلك لا ينبغي أنْ يقتصر تفسيرنا لهذه العمليّة على جانبها الاقتصاديّ؛ لأنَّها تمسّ في الواقع جميع أركان النظام السياسيّ في المجتمع والدولة، فمِن الواضح أنَّ عمليّة التطوّر الإقطاعيّ كانت تعني تنازل السلطة المركزيّة في الدولة عن حقوقها السياديّة وواجباتها الماليّة والأمنيّة بسبب ضعفها وعجزها عن مواجهة الأخطار الخارجيّة المحيطة بها، ما دفع الملك إلى اختيار بعض ذوي النفوذ والبأس لينعم عليهم بحقوق وامتيازات في منطقة معيّنة مقابل شروط خاصّة[17]، حتّى وصل الأمر في ذروة النظام الإقطاعيّ أنَّه لم يكن لدى الملك مِن القوّة للتدخّل في الإقطاعيّات الواقعة تحت سيادته مِن الناحية النظريّة، فلهؤلاء السادة الإقطاعيّين محاكم خاصّة بهم وأقسام شرطة، ودور لصكّ النقود كانت تصدر العملة باسمهم. وقد تجلّى مظهر تنازل الدولة عن حقوقها السياديّة في عجز الملك عن إيقاف الحروب، التي نشبت بين هؤلاء السادة الإقطاعيّين أو التدخّل في المعاهدات التي عقدوها مِن تلقاء أنفسهم فيما بينهم، وازداد عجز الملك حتّى إنَّه لم يعد بوسعه أنْ يحصّل ضرائب الدولة مِن الإقطاعيّات الواقعة تحت سيادته مِن الناحية النظريّة[18]، فإذا أعلن الملك مثلًا تنازله عن حقّ جباية الضرائب في منطقة معيّنة لسيّد معيّن، فليس معنى ذلك أنَّ الفلّاحين في هذه المنطقة استراحوا مِن عبء هذه الضرائب؛ لأنَّ الذي حدث فعلًا، هو أنَّهم استمرّوا يدفعون الضرائب المقرّرة نفسها، ولكنْ للسيّد الذي عيّنه الملك. وبالتالي، أصبح هذا السيّد صاحب السيادة المباشرة وصاحب الحقّ في الحصول على الالتزامات المفروضة على هؤلاء الفلّاحين، إلّا أنَّ هذه الضرائب لن يصل منها شيء إلى خزينة الملك[19]. وهكذا تجلّت العلاقة العكسيّة بين الملوك والسادة الإقطاعيّين؛ فكلّما زاد عجز الملوك وضعفت سلطاتهم، زاد الإقطاعيّون قوّةً[20].

4. القرية هي الوحدة الاقتصاديّة الأولى في النظام الإقطاعيّ
لقد شهدت أوروبا في العصور الوسطى جملة مِن التحوّلات الجذريّة، لا سيّما في جهاتها الغربيّة، كان أبرزها التحوّل في مجال الحياة الاقتصاديّة. لقد تمثّل هذا التحوّل في توجّه عامّ، كان بأكمله نحو حياة الريف، بعد أنْ كان يطغى عليه الطابع المدنيّ خلال العصر الرومانيّ[21]. فنتيجة للتدهور الاقتصاديّ الذي ظلّ مستمرًّا لمدّة خمسمئة سنة؛ مِن القرن الخامس إلى القرن العاشر، لم تعد التجارة مصدرًا مهمًّا للثروة في معظم أنحاء الغرب الأوروبيّ، وسيطرت الزراعة على المشهد العامّ[22]، وبانتهاء التجارة انتهت مدن بأكملها، بينما شهدت باقي مدن أوروبا الغربيّة تدهورًا متسارعًا في مستوى عدد السكّان؛ حتّى أنّه في سنة 1100م، كان عدد المدن الأوروبيّة الواقعة شمال جبال الألب، التي زاد تعداد سكّانها عن ثلاثة آلاف نسمة، قليلًا جدًّا[23]. بينما تحوّلت معظم المستعمرات الرومانيّة إلى مجرّد قرى يقطنها عمّال زراعيّون، ممّا تسبّب في شبه انتهاء للصناعة المدنيّة لغرب أوروبا بعد أنْ انخفضت بشكل مريع، عدا عدّة مدن في إيطاليا، وقد اعتمدت أوروبا في تلك الفترة فيما يخصّ المنتجات الحرفيّة -بشكل كلّيّ- على الاكتفاء الذاتيّ بالناتج المحلّيّ، فلم يعد هناك طلب على المواد المصنّعة[24].
مِن الثابت أنَّ المجتمع الأوروبيّ في العصور الوسطى كان في جوهره مجتمعًا زراعيًّا[25]، وأنَّ الاقتصاد الأوروبيّ كان كذلك منذ نهاية القرن الثامن، فأصبحت الأرض المصدر الرئيس للثروة، واعتمدت جميع طبقات المجتمع على ما تدرّه الأرض مِن خيرات، وبذلك انعدمت التجارة أو كادت تنعدم، وصارت الأرض وحدها هي الأساس الذي قام عليه بناء الحياتين الاقتصاديّة والاجتماعيّة في أوروبا العصور الوسطى[26]، وهذا ما مهّد السبيل لأنْ تصبح القرية في أوروبا العصور الوسطى وحدة اقتصاديّة قائمة بذاتها، لا تربطها بالمدن أو بغيرها مِن القرى الأوروبيّة الأخرى روابط تجاريّة، فهي تكفي نفسها بنفسها، وتنتج المواد الغذائيّة وغير الغذائيّة اللازمة لاستهلاك أهلها، ما عدا بعض الكماليّات كالتوابل وأدوات الزينة والألبسة الفاخرة، التي يستوردها الإقطاعيّ صاحب القرية لنفسه ولأهل بيته[27].

إذًا، كانت جميع العلاقات الإنتاجيّة قائمة على مبدأ الاكتفاء الذاتيّ في واقع اقتصاديّ متخلّف، ممّا أسهم في خلق تغيّرات سلبيّة كبيرة في قوى الإنتاج؛ فعبر السنين تمّ التخلّي عن بعض الأدوات والمعدّات، وبعض أساليب الإنتاج والحيوانات، والطرق البريّة، ووسائل النقل البحريّ، والبرّيّ، وأدواتها، وبعض المنتجات الزراعيّة، فالاكتفاء الذاتيّ يجعل مِن الممكن الاستغناء عن كثير مِن هذه العناصر الإنتاجيّة والمنتجات. وهكذا تمّ هجر كثير مِن الأساليب الإنتاجيّة في الزراعة والتجارة  والصناعة، وكذلك تمّ هجر كثير مِن الطرق ووسائل النقل البرّي بسبب الانغلاق على الذات، كما أنَّ كثيرًا من الإقطاعيّات لا يحتاجه، يضاف إلى ذلك حدوث تدهور كبير في عدد السكّان. وبعد أجيال قليلة، أصبحت الكثير مِن أدوات وطرق ووسائل الإنتاج التي كانت معروفة لدى الرومان؛ منسيةً ولا يعرفها أحد، شأنها شأن كثير مِن العلوم والآداب والفنون والعادات التي تعرّضت إلى تحقير وتسفيه وحرب شرسة مِن قبل الكنيسة بإتلافها بالحرق أو برميها في الأنهار؛ باعتبارها مِن التراث الوثنيّ الضارّ الذي يجب على المؤمنين الابتعاد عنه ومحاربته طلبًا للخلاص[28].
وهكذا، رغم أنَّ الزراعة كانت عصب الاقتصاد في أوروبا العصور الوسطى، إلّا أنّها ظلّت متخلّفة في ظلّ هذا النظام الإقطاعيّ الجائر، وبالتالي لم يتسنَّ لها أنْ تضارع نظيرتها عند العرب المسلمين في العراق أو الأندلس؛ إذ كانت أعقاب النبات وغيرها مِن النفايات تحرق في الحقول لإخصاب التربة وتطهيرها مِن الحشرات والأعشاب الضارّة، وكان يتّخذ مِن الطين الغضار أو غيره مِن التراب والجير نوعٌ مِن السماد البسيط، إذ لم يكن يوجد في ذلك الوقت مخصّبات صناعيّة، وإنَّ ما كان يعترض النقل مِن صعاب، كان يقلّل مِن استخدام روث الحيوانات في الزراعة، ولهذا كان رئيس أساقفة مدينة رون Rouen الفرنسيّة يلقي أقذار إسطبلاته في نهر السين، بدلًا مِن أنْ ينقلها إلى حقوله القريبة منها في دُفيل Deville[29].
إنَّ معظم النشاط الاقتصاديّ في الزراعة خلال هذه الحقبة كان معيشيًّا، ولا يهدف إلى نموّ أو تطوير أو توسّع [30]؛ إذ كان على أبناء القرية جمع حيوانات القرية داخل حظيرة واحدة للتعقيم، ورعي هذه القطعان على بقايا الزرع بعد حصاد الحقول وجمع محصولها، كما كان على جميع أبناء القرية الواحدة التضامن فيما بينهم في حراثة الأرض، وبذرها، وحصادها في كلّ سنة[31].

إنَّ هذا المستوى المتدنّي مِن قوى الإنتاج الماديّة والبشريّة يلائم نوع العلاقة الإنتاجيّة الإقطاعيّة التبعيّة، فهي تكفي لإنتاج الحاجات المحليّة للإقطاعيّة في ظلّ غياب أيّ دافع أو حافز لإنتاج فوائض بهدف مبادلتها[32]. وزيادة على ذلك، فإنَّ كلّ الأفكار عن الربح -ومنها بالطبع إمكانيّة تنمية الثروة- كانت متناقضة مع الوضع الذي فرضه ملّاك الأراضي الكبار في العصور الوسطى، فحين يكون المالك الإقطاعيّ غير قادر على بيع فائض إنتاجه في السوق بسبب شيوع مبدأ الاكتفاء الذاتيّ، لم يعد هذا المالك الإقطاعيّ بحاجة لأنْ يقدح ذهنه مِن أجل أنْ ينتزع مِن عمّاله وأرضه فائضًا مِن الممكن أنْ يكون عبئًا عليهم ليس إلّا، وكما هو قانع بأنْ يستهلك إنتاجه ويتخلّص منه، فهو أيضًا قانع بأنْ يخزّن الفائض منه لوقت الحاجة والضرورة.
وقبل منتصف القرن الثاني عشر، كانت المساحات الأكبر مِن التربة في الإقطاعات الكبيرة قد قطع الرجاء منها بعد أنْ صارت تغطّيها الأعشاب والغابات والأحراش. وهكذا، فإنّنا بأقلّ مجهود ندرك دورة النظام القديم الزراعيّة، ونعرف المحاصيل الزراعيّة، التي كان يزرعها ملّاك الأرض أو دورهم في تحسين الأدوات الزراعيّة الرئيسة التي كانت تحت أمرة النبلاء والكنيسة؛ لا توحي للذهن بأكثر مِن عائد طفيف[33].

5. موقف الكنيسة مِن النظام الإقطاعيّ
لقد كانت الكنيسة داعمة لهذا النظام الإقطاعيّ بمواقفها وأموالها، فبينما ظلّت تنظر إلى الكسب التجاريّ على أنَّه غير حلال، نظرت إلى الأراضي الزراعيّة على أنَّها وحدها هي المورد الطيّب الذي يمكن أنْ يعيش عليه الإنسان[34]. ونظرًا لاهتمام الكنيسة بالأرض، فقد سعت للسيطرة على مساحات كبيرة منها، وقد حصلت مِن الملوك على إقطاعات مشابهة تمامًا للإقطاعات التي كان يحصل عليها السادة الإقطاعيّون، وقد سعت الكنيسة لاستثمار هذه الإقطاعات بما يخدم مصلحتها العامّة، ولم يرَ رجال الكنيسة حرجًا في استثمار هذه الإقطاعات بما يخدم ويعزّز قوّة الملك، في مقابل تقلّدهم لبعض المناصب العليا في الدولة[35].

أمّا على الصعيد الماليّ، فقد أقرضت الكنيسة مِن أموالها للأفراد والهيئات في أوقات الشدّة، وكان أكثر مَنْ يقترضون المال هم القرويّون الذين يرغبون في إصلاح قراهم، وكانت الكنائس والأديرة بمثابة مصارف عقاريّة. ومنذ سنة 1070م، كانت الكنيسة تقرض المال للملّاك المجاورين لها نظير حصّة مِن ريع أملاكهم[36]، حتّى وصف أحد المؤرّخين الكنيسة في أوروبا الغربيّة بقوله: «الكنيسة الكاثوليكيّة كانت المركز الدوليّ العظيم للإقطاع، وهي التي وحّدت أوروبا الغربيّة الإقطاعيّة، وجعلت فيها -برغم كلّ الحروب الداخليّة- نظامًا سياسيًّا موحّدًا ضدّ الكنيسة المنشقّة عليها، والممالك الإسلاميّة على حدٍّ سواء، فقد أحاطت الأنظمة الإقطاعيّة بهالة مِن القداسة، ونظّمت طبقاتها، وبذلك أصبحت الكنيسة أقوى سيّد إقطاعيّ، حتّى إنَّها تملّكت ثلث أرض العالم الكاثوليكيّ». في الواقع، لقد كانت ممارسات الكنيسة للعمل الإقطاعيّ عارًا وفضيحة بالنسبة للدين المسيحيّ في كلّ أوروبا[37].

6. عبوديّة النظام الإقطاعيّ
لقد كرّس النظام الإقطاعيّ مبدأ استعباد الإنسان لأخيه الإنسان وفق معايير ومصطلحات وأنظمة جديدة، فالقوى العاملة الأساسيّة التي اعتمد عليها هذا النظام الاقتصاديّ، هم الأقنان. والأصل في الأقنان أو عبيد الأرض؛ أنَّ رجلًا يفلح مساحة مِن الأرض يمتلكها سيّد أو بارون، يؤجّرها له طول حياته ويبسط عليه حمايته العسكريّة ما دام يؤدّي له أجرًا سنويًا مِن الغلّات أو العمل أو المال، وكان في وسع هذا المالك أنْ يطرده منها متى شاء، وإذا مات الفلّاح القنّ لا تنتقل الأرض إلى أبنائه إلّا بموافقة المالك ورضاه. وكان مِن حقّ هذا المالك في فرنسا مثلًا أنْ يبيع رقيق أرضه بصورة مستقلّة عن أرضه، وكان مِن حقِّه أنْ يؤجّر عمّاله أي إنَّه يبيع عملهم لمالك آخر.

لقد كان النظام الإقطاعيّ نظاما عبوديًّا بكلّ معنى الكلمة، فليس في وسع هذا الرقيق في فرنسا أنْ يحلّ العقد الإقطاعيّ، إلّا إذا سلّم الأرض وكلّ ما يملك إلى سيّده؛ أي أنْ يمسي بلا مصدر رزق. أمّا في إنجلترا، فكان الوضع أشدّ وطأة؛ فقد حُرم الأقنان مِن هذا الحقّ حقّ مغادرة الأرض، أمّا الأقنان، الذين كانوا يفرّون مِن أرض أسيادهم في العصور الوسطى، فكان يعاد القبض عليهم بالصرامة نفسها التي يعاد بها القبض على العبيد في أيّام الإمبراطوريّة الرومانيّة[38]. ومِن أشهر ما عاناه الأقنان، هو حرب الوراثة التي تقع على الأرض إذا مات صاحبها دون ابن أو ابنه،؛ لذلك كان الأقنان يلحّون على سيّدهم بالزواج إذا ماتت زوجته حتّى لا يتعرّضوا لمثل هذه الحروب[39].
ولم تتجلَّ حالة العبوديّة للنظام الإقطاعيّ في مبدأ المُلكيّة فقط، بل في مبدأ التبعيّة بصورة أوضح، حيث فرضت تبعيّة الأقنان للسيّد الإقطاعيّ مجموعة مِن الواجبات، تُقسم إلى أربعة أقسام:

أوّلًا: الخدمات: وهي أعمال السخرة التي يفرضها السيّد على أقنانه، وتقسم إلى ثلاثة أنواع:
1. السخرة الأسبوعيّة: إذ كان يفرض على القنّ أنْ يعمل ثلاثة أيام في أرض السيّد الخاصّة، كما يعمل ثلاثة أيام في أرضه التي استلمها مِن السيّد الإقطاعيّ. أمّا يوم الأحد، فقد كان العمل فيه محرّمًا بأمر مِن السلطات الدينيّة العليا.
2.  السخرة الفصليّة: ومنها حصاد زرع السيّد وجمع محصوله.
3. السخرة العامّة: ومنها شقّ الطرق وحفر الخنادق وإنشاء الجسور.
ثانيًا: المقرّرات: وهي الضرائب الماليّة المتنوّعة: ضريبة الرأس: إذ ترتّب على كلّ قنّ أنْ يدفع سنويًّا للسيّد صاحب الأرض ضريبة بسيطة نقديّة، أو ضريبة عينيّة، الغرض منها أنْ تكون رمزًا للعبوديّة أو التبعيّة.
ثالثًا: ضريبة العِشر: لقد ترتّب على القنّ أيضًا أنْ يدفع عِشر إنتاج الأرض مِن الحبوب والخضار والثمار، وعِشر إنتاج الماشية والطيور والأسماك المصطادة.
رابعًا: الاحتكارات: احتكر السيّد الإقطاعيّ لنفسه بعض المؤسّسات، وفرض على أقنانه التعامل معها، ومِن أهمّ هذه المؤسّسات الاقتصاديّة: الطاحونة، والفرن، والمعصرة، وبئر الماء حيث كان عليه أنْ يطحن قمحه في طاحونة السيّد، وأنْ يخبز عجينه في فرن السيّد، وكان عليه أنْ يعصر زيتونه وعنبه في معصرة السيّد، وذلك مقابل أجر معيّن نقديّ أو عينيّ[40].
هذا بخلاف الالتزامات الأخرى المتنوّعة، فعلى سبيل المثال كان على القنّ في كثير مِن الأحيان أنْ يبتاع قدرًا معيّنًا مِن خمر سيّده الإقطاعيّ كلّ سنة، فإذا لم يبتعها في الوقت المناسب، صبّ المالك قدرًا مِن الخمر يعادل أربعة جالونات فوق سطح منزل الرقيق، فإذا جرى الخمر إلى أسفل كان على الرقيق أنْ يؤدّي ثمنه، وإذا جرى إلى أعلى لم يكن يلزم بأداء شيء ما. وكان عليه أنْ يؤدّي غرامة للمالك إذا ما أرسل هو ابنًا له ليتعلّم تعليمًا عاليًا، أو وَهبه للكنيسة؛ لأنَّ الضيعة بذلك تخسر يدًا عاملة. وكان يؤدّي ضريبة، ويحصل على إذن مِن السيّد الإقطاعيّ إذا تزوّج هو أو أحد أبنائه مِن شخص خارج عن نطاق الضيعة؛ لأنَّ المالك يخسر بهذا العمل بعض أبناء الزوج أو الزوجة أو يخسرهم كلّهم، وكان لا بدّ مِن الحصول على الإذن، وهذه الضريبة في بعض المزارع في كلّ زوج أيًّا كان. ونستمع في حالات فرديّة عن «حقّ الليلة الأولى»؛ أي حقّ السيّد في أنْ يقضي مع عروس رقيق الأرض الليلة الأولى مِن زواجها، ولكنَّ الرقيق كان يُسمح له أحيانًا أنْ «يفتدي» عروسه بأجر يؤدّيه للسيّد، وقد بقي حقّ الليلة الأولى بصورته هذه في بافاريا حتّى القرن الثامن عشر. وكان المالك في بعض الضياع الإنجليزيّة يفرض غرامة على الفلّاح الذي تأثم ابنته، وفي بعض الضياع الإسبانيّة، كانت زوجة الفلّاح التي يحكم عليها في جريمة الزنا، تؤول أملاكها كلّها أو بعضها لصاحب الأرض، وأمّا عند موت القنّ، يتسلّم السيّد كلّ ميراثه ويؤول إليه[41].

7. تدهور التجارة  في ظلّ النظام الإقطاعيّ
لقد واجهت التجارة في أوروبا في بداية العصور الوسطى الكثير مِن المعوّقات الداخليّة والخارجيّة؛ إذ قلَّ عدد التجّار، وتراجع دور التجارة  البحريّة في الاقتصاد الأوروبيّ[42]، وانطوت القرى على نفسها، وتراجع الاقتصاد القائم على النقد، واختفت المبادلات التجّاريّة البعيدة المدى[43]، باستثناء بعض العلاقات التجّاريّة بين بعض المدن الإيطاليّة مِن جهة، والدولة البيزنطيّة مِن جهة ثانية، وقد استمرّ هذا الوضع حتّى عصر المملكة الفرنجيّة[44]. وتجدر الإشارة إلى جملة الأسباب التي أسهمت في انهيار التجارة  خلال هذه الفترة مِن الزمن:

أوّلًا: إنَّ جميع أسباب الحياة مِن طعام وشراب وكساء متوافرة داخل الضيعة؛ فالثمار والحبوب والخضروات تنتجها الأرض، والملابس تصنعها نساء الضيعة مِن صوف الأغنام، أمّا الجلود والنعال والسروج فيصنعها الرجال. وهكذا ظلّت الضيعة الأوروبيّة حتّى القرن الثاني عشر الميلاديّ تتبع نظام الاكتفاء الذاتيّ مِن الناحية الاقتصاديّة، ولم تكن بحاجة ملحّة إلى التبادل التجاريّ مع العالم الخارجيّ الذي يقع وراء حدودها، ولكنَّ هذا الأمر لا ينفي وجود بعض التبادلات التجّاريّة الخارجيّة مع الضيع المجاورة عن طريق المقايضة، كأنْ تجري مقايضة الخنازير مع الدجاج، والحبوب بالثمار، وما شابه ذلك. وهكذا لم توجد أسواق كبيرة لتصريف إنتاج الضياع الزراعيّ[45]، وبالتالي لم يكن للأسواق في العصور الوسطى إلّا جزء صغير مِن بنية الحياة اليوميّة، واقتصرت عمليّات البيع والشراء على حاجيّات تمسّ الزراعة مباشرة، لا سيّما الماشية والثيران والخيول، في أغلبها عمليّات مقايضة، وكانت تتمّ مِن شخص لآخر[46].
ثانيًا: لقد واجهت حركة التجارة البسيطة هذه معوّقات منعت تطوّرها؛ إذ لم يعد هناك ما هو مغرٍ للمغامرة في تجارة بعيدة، ويمكننا أنْ نعزو ذلك إلى ارتفاع تكاليف النقل البحريّ مقابل أرباح قليلة[47]، هذا ناهيك عن ضعف وسائل المواصلات، وصعوبة الانتقال ونقل البضائع مِن مكان إلى آخر...[48].
ثالثا: لقد تعرّضت أوروبا لتهديدات أتت عبر البحار الشماليّة، وهي هجمات الفايكنغ، التي بدأت في مطلع القرن الثامن الميلادي أيضًا، واستمرّت حتّى القرن الحادي عشر. وقد وصف السجلّ التاريخيّ الفرنسيّ الدمار الذي لحق بفرنسا بشيء مِن الأسى، حيث وصف أعداد السفن التي كانت تهاجمها عبر البحر، وتزداد في تعدادها باستمرار، والتدفّق غير المنقطع للفايكنغ والنتائج الكارثيّة لغزوهم؛ الذي خلّف آلاف القتلى مِن السكّان جرّاء المذابح التي كانت تُرتكب بحقّهم من قبل الفايكنغ، إلى جانب عمليّات الإحراق والنهب والسرقة، ووصف السجلّ التاريخيّ ذلك بالقول: «بأنَّ تلك المذابح والهجمات ستظلّ وصمة عار في جبين التاريخ، ما بقي العالم والناس»[49]. وتابع المجر هجماتهم على أوروبا الغربيّة، فسبّبوا ما حلّ فيها مِن الخراب والاضطراب أيام خلفاء شارلمان، فانقطعت سُبل التجارة فيها، وقد كان هذا كلّه سببًا في انحطاط الحياة الأوروبيّة الاقتصاديّة والعقليّة في القرنين التاسع والعاشر[50].

8. انهيار النظام الإقطاعيّ
لقد تداعى النظام الإقطاعيّ في أوروبا كنتيجة للثورة الاقتصاديّة التي جرت في أوروبا في الفترة الواقعة بين القرن الحادي عشر والثالث عشر[51]، وإنْ كان علينا أنْ ننتظر حتّى القرن الخامس عشر؛ إذ ستتحوّل أوروبا بشكل كلّيّ مِن النظام الإقطاعيّ إلى النظام الرأسماليّ[52]. لقد سيطر النظام الإقطاعيّ على تفاصيل المشهد الإقطاعيّ طوال العصر المظلم، إذ لم يكن يوجد قبل نهاية القرن الحادي عشر سوق لتصريف المنتجات الزراعيّة؛ لأنَّ السيّد صاحب القرية وأهل داره استهلكوا منتجات القرية، وما تبقّى منها استنفده الفلّاحون. لكنْ منذ أنْ بدأت تتطوّر المدن الأسقفيّة ومدن الحصون بعد أنْ استوطنها التجّار والصنّاع، ظهر مِن الإنتاج ما يصحّ أنْ يفيض عن الحاجة إليه[53]، وصار الفائض عن الاستهلاك مِن المنتوجات الزراعيّة يباع مِن قبل الفلّاحين في أسواق المدن الأسقفيّة، ومدن الحصون، وهذا البيع أدّى إلى ظهور عمليّات تجاريّة ضئيلة الحجم[54]، ورغم أنَّها ضئيلة، إلّا أنَّها مهّدت لظهور سوق للإنتاج الزراعيّ في تلك  المدن[55]، فصار بوسع الفلّاح إرسال إنتاجه إلى سوق أقرب مدينة ليباع فيها، بدلًا مِن إرساله إلى مقرّ المالك الإقطاعيّ.

في الواقع، إنَّ نشوء المدن في القرن الحادي عشر أحدث انقلابًا اقتصاديًّا شاملًا، حيث تحوّلت المدينة نفسها إلى سوق مركزيّة للمقاطعة أو الإقليم المحلّي المحيط بها، الأمر الذي كان يتعارض مع الفكرة التي قامت عليها التكتّلات الإقطاعيّة للقرى، ممّا أسهم في انهيار نظام الاكتفاء الذاتيّ للقرية، وقيام العلاقات المتبادلة مع المدينة[56].
وألحق التطوّر الاقتصاديّ الضرر بالأشراف التقليديّين، فبعد أنْ تعدّدت مناسبات الإنفاق أمام الفارس الذي لا يأتي عملًا، والذي يعتبر أنّ التبذير فضيلة كبرى، ولم يعد الفارس في القرن الثالث عشر ليرتضي بمعيشة أجداده الريفيّة القانعة، بل ثابر على التردّد على الجمعيّات والبلاطات، ولم يكن جائزًا له مِن باب اللياقة الظهور فيها إذا لم يرتدِ ملابس شريفة الألوان يبتاعها مِن التجّار[57]، لا بل ولدت الرغبة عند هؤلاء النبلاء -مع كلّ اتجاه سلكته التجّارة- في اقتناء السلع الاستهلاكيّة الجديدة التي جلبتها معها. وكما كان يحدث دائمًا، رغب الأرستقراطيّون في أنْ يحيطوا أنفسهم بالترف، أو على الأقلّ بالراحة، وبالفعل فقد عجز ملّاك الأراضي عن مقاومة احتياجاتهم الجديدة، وإيجاد المال الكافي والضروريّ الذي يرضيهم ويشبع رغباتهم[58].

وعلى الرغم مِن أنَّه تمّ استبدال الإتاوات وأعمال السخرة بضرائب نقديّة واتساع الحقوق الأميريّة للسيّد الإقطاعيّ؛ فجميع الأشراف طالبوا أتباعهم آنذاك بالمساعدة الماليّة، وخضع الفدّادون الجدد في فرنسا للإقطاع التعسّفي، الذي زاد مِن موارد النبلاء النقديّة، إلّا أنَّ هذه الموارد باتت غير كافية، وقد اختلّ باستمرار -خلال السنوات الأولى مِن القرن الثالث عشر- ميزان حسابات الفارس، فلجأ النبلاء في سبيل المحافظة على مستواهم المعيشيّ إلى الاستدانة، لكنَّهم في هذه المرّة لم يستدينوا مِن أقربائهم وأصدقائهم كما فعلوا فيما مضى، فاليوم الكلّ يتخبّط بالضائقة النقديّة، وبالتالي اتّجهوا إلى المؤسّسات الدينيّة المزدهرة، وإلى البرجوازيّين في المدن[59]. لذلك اضطرّ كثيرون مِن الأشراف بعد استنزاف المال المستدان إلى بيع أرضهم في سبيل سداد الديون التي ترتّبت عليهم، وباعوها عادة إلى رجال الطبقة الوسطى الناشئة، الذين كانوا يبحثون عن توظيف مضمون لأموالهم النقديّة. وحسبنا دليلًا على هذا، أنَّ بعض النبلاء قد ماتوا مِن زمن بعيد؛ أي نحو سنة 1250، وهم لا يملكون أرضًا، ومنهم مَنْ مات فقيرًا معدمًا[60].

كما اتّصلت بالنقد حركة أخرى بالغة الأهمّيّة؛ وهي تحرير الأقنان عبيد الأرض، فمِن المعروف أنَّه تمّ في بعض الأحيان تحرير أفراد وأسر مِن رقيق الأرض، مقابل مبالغ ماليّة كبيرة التزم الأقنان بدفعها على فترات معيّنة بعد إعتاقهم، كان الهدف منها الحصول على مبالغ ماليّة. ويبدو أنَّ الأمر كان خسارة للفلّاحين، فالضرائب التي كانوا يدفعونها للسيّد، هي أقلّ بقليل مِن ثمن الحرّيّة التي حصلوا عليها، وإنَّ ما أحرزه الفلّاحون مِن حقوق قانونيّة بعد أنْ أصبحوا أحرارًا، لم يكن مِن اليسير الاستمتاع به، فمثلًا يستطيع الفلّاح مغادرة أرض سيّده، غير أنَّه لا يحمل معه متاعه الخاصّ، ولا يخرج إلّا بثوبه. على أنّ تحرير الرقيق أنهي ما للسيّد مِن سلطة تحكميّة اقتصاديّة، والحقّ أنَّ السادة لم يهتمّوا كثيرًا في نهاية القرن الثالث عشر بالزراعة، فلم يكونوا سوى سادة يعملون على جباية الخراج؛ لذلك لم يجدوا حرجًا في إعتاق أقنانهم مقابل مبالغ ماليّة كبيرة[61]. وسرعان ما فقدت محاكم القرى الإقطاعيّة ما كان لها مِن سلطان على الفلّاحين منذ القرن الثالث عشر، ولم يعد هؤلاء الفلّاحون يقسمون يمين الولاء للسيّد الإقطاعيّ المالك لأرضهم، بل للملك نفسه. ولم يقتصر إعتاق الرقيق على السادة الإقطاعيّين، بل تعدّاه إلى الدولة، إذ أعتق فيليب الرابع الملقّب بالجميل ملك فرنسا جميع أرقّاء الأراضي الملكيّة في أوائل القرن الرابع عشر، وأمر ابنه لويس العاشر في سنة 1315م بتحرير جميع أرقّاء الأرض «بشروط عادلة». وهكذا، أخذ نظام رقيق الأرض يتلاشى شيئًا فشيئًا في أوروبا الغربيّة، وذلك في أوقات مختلفة مِن بداية القرن الثاني عشر إلى نهاية القرن السادس عشر، وفقدت الضيعة بذلك أهمّيّتها في القرنين الرابع عشر والخامس عشر، وحلّت محلّها ملكيّة الفلّاحين لأرضهم، وتقسَّمت ضياع الإقطاع الكبرى إلى مزارع صغيرة[62].

وهكذا، منذ أنْ تحرّكت المياه الراكدة في أوروبا في القرن الحادي عشر، وبعد سبات طويل استمر نحو ستّة قرون، حدثت تطوّرات كبيرة في قوى الإنتاج بشقّيها المادّيّ والبشريّ، وحسب قانون الانسجام، فإنَّه لا بدّ مِن أنْ تتطوّر العلاقات الإنتاجيّة الإقطاعيّة التبعيّة إلى علاقات جديدة تتوافق مع التطوّرات الكبيرة التي حدثت في قوى الإنتاج؛ ولذلك تطوّرت العلاقات الإنتاجيّة بين المنتج الفعليّ العامل من جهة، والمالك للمؤسّسة، أو المصنع، أو الشركة، أو المزرعة... إلخ مِن جهة أخرى، فأصبحت العلاقة الإنتاجيّة علاقة تعاقديّة بين العامل أو الموظّف، وبين المالك صاحب رأس المال. وفي القرن الخامس عشر، بات واضحًا أنَّ النسبة الكبرى مِن النشاط الاقتصاديّ الناتج الإجماليّ في دول غرب أوروبا يدار بالأسلوب الرأسماليّ؛ أي وجود شركات أفراد، أو جماعات، أو شركات مساهمة صناعيّة، تجاريّة، زراعيّة، وشركات خدمات متنوّعة، تهدف إلى تنمية رؤوس أموالها بصورة مستمرّة، ويتمّ الإنتاج فيها عن طريق توظيف عناصر الإنتاج بتملّكها أو استئجارها. ولكنْ فيما يتعلّق بالعنصر البشريّ مِن عمّال وفنّيّين وإداريّين... إلخ، فهم أُجراء، يعملون بعقود ورواتب، وهم ليسوا عبيدًا، وليسوا أتباعًا، وليسوا شركاء[63].

ثانيًا: النظام الاقتصاديّ الرأسماليّ في أوروبا العصور الوسطى
1. بداية تبلور نظام اقتصادي جديد: إذًا، كانت الفترة الواقعة بين سقوط روما سنة 476م وسنة 1000م تقريبًا تمثّل عهدًا مظلمًا في تاريخ المدن الأوروبيّة، حيث اختفت الحياة المدنيّة، وصحب ذلك ذبول للصناعة والتجارة، تبدّل الحال وصارت المدن بمثابة المكان المختار الذي أخذ الأقنان ينزحون إليه عندما انحلّ النظام الزراعيّ القائم على أكتافهم. والواقع أنَّ إحياء المدن في العصور الوسطى جاءت ثورة بالغة الخطورة، لا في الميدانين السياسيّ والاقتصاديّ فحسب، بل في الميدان الاجتماعيّ أيضًا[64]. ففي القرن العاشر، تخلّى الإسكندينافيّون الشماليّون عن أعمال الغزو والنهب، واهتمّوا بأعمال التجّارة، فتمّ عن طريقهم اتصال شمال أوروبا بالإمبراطوريّة البيزنطيّة[65]. أمّا في جنوب أوروبا، أخذت مدن مثل جنوة، وبيزا، والبندقيّة تهيمن على تجارة البحر المتوسّط، وبدت عظمة البندقيّة حوالي سنة 1000م بتوسيع مجالها على امتداد الساحل الأدرياتيكيّ، بعد أنْ تابعت نشاطها التجاريّ في الموانئ البيزنطيّة والعربيّة الواقعة على شواطئ البحر المتوسّط، حتّى أصبحت المدن البحريّة الإيطاليّة في القرن الحادي عشر في حالة تُمكِّنها من القيام باستيراد وتصدير السلع والبضائع بين الشرق والغرب[66].
وبذلك نهض في شمال أوروبا وجنوبها مركزان تجاريّان بفضل جهود الإسكندينافيّين والإيطاليّين، وغلبت على التجارة في تلك الفترة صفة الانتقال والحركة، فالتجّار كانوا يلتقون في جماعات ويرتحلون برًّا وبحرًا لنقل البضائع المتنوّعة؛ كالقمح والنبيذ والصوف والقماش وغير ذلك، وبفضل اجتماع هؤلاء التجّار، استطاعوا أنْ يقوموا بعمليّات تجاريّة كبيرة[67].

وينبثق معظم تجّار أوروبا العصور الوسطى مِن حثالة المجتمع[68]، فمنذ القرن العاشر أخذت تظهر داخل القارّة الأوروبيّة طبقة مِن التجّار المحترفين، الذين جرى انتزاعهم مِن العناصر الفائضة في الحياة الزراعيّة، هذه العناصر دفعها حرمانها مِن الأرض إلى أنْ يؤجِّروا أنفسهم في أعمال مختلفة، فاشتغلوا بحّارة أو حمّالين أو عملوا في المراكب التجّاريّة[69]، وما إنْ انتعشت التجارة  -بعد فترة مِن السلام والهدوء- حتّى سارعوا إليها مِنْ دون أنْ يكون في حوزتهم ممتلكات سوى نشاطهم، وطمعهم في الثروة، وحبّهم للمغامرة، وخبراتهم المتنوّعة، ومعرفتهم باللغات الأجنبيّة مِن خلال عملهم في الموانئ. وبمساعدة الحظّ، كوّن الكثير منهم ثروات وجمعها، كما فعل المستعمرون وقطّاع الطرق، فلم يكن هناك في الأسواق المحليّة أكثر مِن هؤلاء المغامرين البائعين بالتجزئة، الذين لم يكن لهم هدف سوى الربح مهما كانت الوسائل[70]. وبالتالي لم يكن شحّ الغذاء والمجاعات الكبرى في العصور الوسطى، قد حدثت خلال فترات كانت فيها المواد الغذائيّة شحيحة، بل كانت في الحقيقة متوفّرة، ويتمّ إنتاجها بكمّيّات كبيرة، إلّا أنّ هذه المواد بدأت تحتكر وتصدّر إلى الأماكن التي قد يحصل فيها هؤلاء المغامرون البائعون بالتجزئة على أرباح أكبر؛ أي إنَّ النظام والبنية الاجتماعيّين كانا مسؤولين بدرجة كبيرة عن أوجه الشحّ والنقص هذه[71].

لقد كان هؤلاء المغامرون البائعون بالتجزئة يأخذون السلع مِن البلاد التي تنتج سلع التصدير الرخيصة، ثمّ يأخذون هذه السلع لبيعها في أماكن البيع ومناطق المجاعات، التي كانت تتيح لهم تحقيق أرباح كبيرة مِن بضائع قليلة، فالناس الذين يموتون مِن الجوع لا يسامون على جوال مِن القمح، والتجّار الذين يتاجرون بأمسّ حاجات الإنسان، لا يضعون أثناء هذه الكوارث خسارتهم في الحسبان، ومنذ بداية القرن الثاني عشر لا تترك المصادر شكًّا لنشاط هؤلاء البائعين بالتجزئة في جمع الحبوب في أوقات الشدّة[72]. وبالتالي، علينا الكفّ عن التفكير والاعتقاد بأنَّ مؤسّسي النظام الرأسماليّ الأوروبيّ الأوائل كانوا ملّاك أراضٍ خاطروا بمدخّراتهم في التجّارة، أو باعوا أراضيهم مِن أجل أنْ يكوّنوا رأسمالهم الأوّل[73].
لقد تباينت ردود الأفعال على هذا النظام الجديد؛ إذ كره النبلاء الإقطاعيّون هؤلاء التجّار المحدثين، وأنكروا عليهم ما أصابوه مِن أرباح كبيرة فاقت ثروتهم. وكانت فكرة احتقار الاشتغال بالتجارة قد تأصّلت عندهم، باستثناء ما حدث في إيطاليا مِن إقبال الأسر الأرستقراطيّة على استثمار ثروتها في العمليّات التجّاريّة. أمّا القانون الإقطاعيّ الذي جعل الإنسان حرًّا ما لم يكن تابعًا لسيّد، فقد عدّ التجّار أحرارًا، على الرغم مِن أنَّهم كانوا في معظمهم مِن أبناء الأرقّاء. لكنَّ هؤلاء التجّار انتزعوا أنفسهم مِن الأرض التي نشؤوا عليها، وأخذوا يطوفون في أنحاء البلاد مِن دون أنْ يطالب أحد بتبعيّتهم له. ولم يطالب هؤلاء التجّار بالحريّة، بل جاءتهم الحرّيّة عفوًا؛ إذ حصلوا عليها بحكم العادة والمدّة وبحكم القانون «إنَّ الذي يغادر القرية إلى المدينة ويعيش فيها مدّة سنة ويوم واحد دون أنْ يطالب سيّد برجوعه، يصبح حرًّا»، وصار التاجر يخضع لسلطان القانون العام بدلًا مِن الخضوع لسلطان السيّد الإقطاعيّ أو قضاء الكنيسة[74].

2. تطوّر المدن إلى مدن برجوازيّة
لقد كان تطوّر التجارة يسير جنبًا إلى جنب مع انتعاش المدن الأسقفيّة ومدن الحصون، وكان كلّ منها يعتبر سببًا ونتيجة للآخر في الوقت نفسه؛ أي إنّه يصعب فصل نموّ التجارة ونموّ المدن أحدهما عن الآخر[75]، إذ حتّم نظام التجارة الناشئة على التجّار أنْ يستقرّوا في مواضع معيّنة في الفترات الواقعة بين رحلاتهم التجّاريّة بحكم الحاجة الماسّة إلى مستودعات يقضي فيها التجّار أشهر فصل الأمطار القاسية لانتظار فصل القوافل والأسواق الموسميّة، ومِن الطبيعي أنْ يتّخذوا لإقامتهم الأماكن التي اشتهرت بسهولة المواصلات، والتي يطمئنون فيها على أموالهم وسلعهم، وعلى هذا لجأ التجّار إلى المدن الأسقفيّة ومدن الحصون التي تسدّ حاجاتهم. وفي أوّل الأمر، أقام التجّار في ساحات تلك المدن وبساتينها داخل الأسوار، ولمّا ضاقت بهم البقاع داخل الأسوار، أقاموا خارجها؛ إذ أقام القادمون الجدد لأنفسهم ربضًا خارج سور المدن، وشيّدوا حوله سورًا جديدًا مِن الخشب، وفيما بعد سورًا مِن الحجارة يحيط به خندق[76].

وكلّما ازداد النشاط التجاريّ اجتذبت الأرباض الضواحي إليها أعدادًا كبيرة مِن السكّان الجدد الذين أخذت مساكنهم بالاتساع والامتداد[77]. وهكذا أخذت هذه التجمّعات التجّاريّة تتطوّر، سواء أكانت مرتبطة بإحدى المدن الأسقفيّة، أو خارج سور دير مِن الأديرة، أو بالقرب مِن بعض الحصون الإقطاعيّة، لتنشأ منها مدن العصور الوسطى البرجوازيّة[78]، والتي صارت في مستهلّ القرن الثاني عشر تحيط بالحصون القديمة مِن كلّ الجهات[79].

ويلاحِظ عدد مِن المؤرّخين أنَّ المنشآت الإنتاجيّة الرأسماليّة بدأت تنمو وتتكاثر في القرن الثالث عشر، حتّى أصبح العاملون في هذه المنشآت، ملّاكًا أو أجراء... إلخ؛ يشكّلون شريحة لا يُستهان بها من المواطنين، خاصّة في المدن، فلم يشرف القرن الثالث عشر على الانتهاء، إلّا وقد بدأت سمات الاقتصاد الرأسماليّ واضحة وشائعة، مثل الشركات الكبرى، والمضاربة بالأسهم، وأسواق السلع، ورؤوس الأموال الضخمة... إلخ. هذه الطبقة من المواطنين المرتبطة بالأنشطة الاقتصاديّة الرأسماليّة هي التي سمّاها المؤرّخون بالبرجوازيّة الجديدة، والتي بدأت تدافع عن مصالحها الاقتصاديّة المباشرة، وعاداتها، وتقاليدها، وقيمها الخاصّة الناشئة عن طبيعة نشاطها الاقتصاديّ الجديد[80].

3. العقبات التي اعترضت سبيل البرجوازيّين الجدد
لقد واجه البرجوازيّون في مدنهم الجديدة عددًا مِن العقبات والمشكلات، فإذا كان المناخ الاقتصاديّ والاجتماعيّ مناخًا خاصًّا جدًّا في هذه المدن، فإنَّ تنظيم السلطة فيها مماثل في الأصل لتنظيم السلطة في الريف، فالفلّاحون الذين هربوا مِن الريف إلى المدينة حتّى يتملّصوا مِن الضرائب المفروضة عليهم في الريف؛ أخذوا يتذمّرون مِن الخدمات والوجبات المفروضة عليهم تجاه معلّمهم في المهنة التي بدؤوا يحترفونها في المدينة. أمّا المشكلة الثانية، فهي أنَّ هذه المدن الجديدة قامت على أراضٍ إقطاعيّة ريفيّة قديمة، حيث بنيت المساكن على أراضٍ زراعيّة، وبالتالي، كان لزامًا على سكّان المدن الجديدة أنْ يلتمسوا رضى مُلّاك البقعة التي تقع بها مدنهم؛ مِن الأساقفة والكونتات أو السادة الإقطاعيّين، وهكذا صار أسياد الأرض يطالبون شاغلي هذه الأراضي بالإتاوات السابقة نفسها، وبالمواد الزراعيّة، وحتّى خدمة الحراثة. وازداد مِن تعقيد الوضع تعدّد أنظمة القضاء؛ إذ كان لكلّ مِن الملّاك الذين يشتركون في ملكيّة الأرض محكمته الخاصّة، فخضعت المدينة كلّها إلى حكم سيّد أو عدّة أسياد، وفرض أسقف المدينة ورئيس الدير وحاكم الحصن، الذي استوفى الرسوم نفسها المستوفاة في الأحياء الريفيّة مِن ممتلكاتهم، الخدمةَ العسكريّة أثناء تنظيم الأسواق، وكان سكّان المدينة يعطونه قسمًا مِن مصنوعاتهم كضريبة إقطاعيّة. كما فرض السادة الإقطاعيّون الضرائب المتنوّعة، حتّى إنَّهم كادوا أنْ ينتزعوا مِن التجّار رؤوس أموالهم، ومارسوا أخيرًا بعض الحقوق التي عرقلت أعمال المقايضة؛ كامتياز الشراء بالدين، وحقّ إرهاق التجّار الغرباء، وحقّ فرض الرسوم على الصفقات وانتقال البضائع[81].
والأسوأ مِن كلّ ما تقدَّم أنَّه كلّما تطوّرت المدن وازداد دخلها الاقتصاديّ، كان سادتها الإقطاعيّون يهاجمونها بفرقهم العسكريّة وينهبون المحلّات الصناعيّة-التجّاريّة فيها، حتّى إنَّ أحد كتّاب الحوليّات الفرنسيّة يتحدّث عن أنَّ أسقف مدينة لان في شمال شرق فرنسا فرض على هذه المدينة ضرائب باهظة، ففاوضه سكّانها على شراء استقلالهم مقابل مبلغ كبير مِن المال فقبل، لكنّه بعد ثلاث سنوات عاد ليطالبهم بالضرائب مِن جديد، ما تسبّب في انتفاضة شعبيّة، ولم تكن هذه الانتفاضة الوحيدة مِن نوعها في مدن أوروبا الغربيّة[82]. وهكذا، فإنّ النظام السياسيّ في المدن لم يناسب دورها الاقتصاديّ[83].

بينما كانت المشكلة الثالثة التي واجهتها الطبقة البرجوازيّة، هي أنَّها عندما تشكّلت مِن التجّار والصنّاع في هذه المدن، لم يكن لهذه الطبقة مكانها في التنظيم الاجتماعيّ المنبثق عن التنظيم الإقطاعيّ، فتجّار القرن الحادي عشر الغرباء عن المجتمع الإقطاعيّ والآتون مِن الخارج، وجدوا أنفسهم على هامش المجتمع، وليس لهم شرط قانونيّ، ولا يعيشون إلّا بفضل واقع الحال، وإذا احترم الأمراء الإقطاعيّون بصورة نسبيّة ومتفاوتة حرّيّة التجارة  الشخصيّة، فهم لا يعترفون بها حقًّا، وكانوا يحاولون دائما أنْ يثقلوا معاملاتهم برسوم جائرة؛ كفرض رسم على مرور البضائع، وفرض ضريبة على السوق، وتشريع غرامات وإتاوات متنوّعة باهظة أسهمت في شلّ نشاطهم التجاريّ، ومِن هنا أخذت العداوات الطبقيّة والأحقاد تنمو وتزداد[84].

وإذا كان التجّار الذين حلّوا بالمدن أحرارًا، فإنَّ هذا الوضع لم يكن ينطبق على عدد كبير مِن العمّال والصنّاع الذين هرعوا مِن القرى المجاورة إلى المدينة ليعملوا فيها، فلقد احتفظ معظم الصنّاع في المدينة بحالة الاسترقاق التي نشؤوا عليها في القرية. ولمّا كان التجّار الأحرار قد اتخذوا معظم زوجاتهم مِن طبقة رقيق الأرض، كان مِن الطبيعيّ أنْ يلحق الرقّ أبناء التجّار مِن زوجاتهم؛ نظرًا لأنَّ قوانين العصور الوسطى تلحق الأطفال بأمهاتهم، وقد ترتّب على هذا المبدأ نتائج سيّئة؛ إذ ظهر الرقّ مِن جديد في المدن، ونجمت عن هذا الوضع الشاذّ مشكلات كثيرة[85]، بينما تجلّت أبشع صور الرقّ تتمثّل في صناعة استخراج المعادن في التيرول بوهيميا وكارنيثيا؛ إذ كان عمّال المناجم عبارة عن عمّال ملتصقين بجبل، عليهم أنْ يعملوا هم وأولادهم، ومِن بعدهم أحفادهم، بأكثر الطرق بدائيّة قرونًا طويلة. ولم تتبدّل الصورة إلّا في مطلع القرن الخامس عشر، عندما فرض رأسماليّو المدن المجاورة سيطرتهم على تلك المناجم وطوّروا آليّة العمل فيها؛ إذ كان إنتاجها حتّى ذلك الوقت لا يقدّم إلّا كمّيّات قليلة القيمة[86].
وبما أنَّنا ما زلنا في إطار استعباد الإنسان لأخيه الإنسان، تجدر الإشارة إلى أنَّ الارتقاء الاقتصاديّ، وإنْ كان أكثر تقدّمًا في المدن؛ حيث يمكن كسب المال واستثماره بسهولة، إلّا أنَّ هذا المبدأ لم يكن شاملًا هنا أيضًا، لا بل أدّى التطوّر إلى إخضاع شطر مِن سكّان المدينة للشطر الآخر، ولدينا أمثلة كثيرة مِن القرن الثاني عشر عن تجّار جمعوا ثروات طائلة، وأخذ الكثيرون منهم منذ ذلك الوقت أموالهم المنقولة إلى ممتلكات غير منقولة، فأعادوا بناء مسكنهم بالحجر، واسترهنوا العقارات واشتروا الأعشار والدخول والسيادات في ضواحي المدن. ومِن ثمّ استقرّت الثروات، وتكوّنت شيئًا فشيئًا في المدن كافّة طبقة محدودة مسيطرة استمرّ أفرادها في جمع الثروات عن طريق مزاولة الأعمال، متسلّحين ضدّ تقلّبات التجارة بثروتهم العقاريّة. ولمّا كانوا يتعاطون الصيرفة، فقد احتفظوا لأنفسهم بفضل أموالهم النقديّة بأوفر النشاطات كسبًا، وبتجارة المسافات الطويلة، والاتجار بالنقد، وسيطرت شركاتهم الماليّة سيطرة تامّة على حرف الصناعيّين والسماسرة الصغار [87].

وهكذا، ظلّت مدينة العصور الوسطى أرستقراطيّة في جوهرها وحكومتها، على الرغم مِن أنَّها بدت ديمقراطيّة عند الموازنة بينها وبين الهيئات الإقطاعيّة التقليديّة، ولعلّ هذا الانقسام السياسيّ الاقتصاديّ والاجتماعيّ بين سكّان المدينة الواحدة، هو السرّ في اضطراب تاريخ المدن في القرنين الثالث عشر والرابع عشر؛ إذ ظلّ الصراع مستمرًّا بين البرجوازيّة والطبقات الدنيا، وبين أصحاب العمل والطبقات الكادحة. والأهمّ مِن ذلك، أنَّ نقابات التجّار والصنّاع التي بدأت في شكل اتحادات بين أفراد أحرار متكافلين، لم تلبث أنْ تحوّلت إلى هيئات احتكاريّة تتحكّم في رؤوس الأموال، وفي الأسعار، وفي تنظيم الأجور وساعات العمل[88]. وهكذا، لم تتحقّق الديمقراطيّة الشعبيّة في المدن التي انتصرت فيها النقابات والصنّاع الأغنياء الأرستقراطيّات القديمة، فمنعت صغار الصنّاع وغيرهم مِن الكادحين الفقراء مِن الوصول إلى مجلس المدينة بغية الحصول على حقوقهم[89].

4. تنظيم البرجوازيّين للعمل في الاقتصاد
في نظام المدن البرجوازيّة الجديدة، كان الصبيّ يدفع مالًا حتّى يُقبل في الحرفة، ويتعهّد بطاعة أستاذه وتنفيذ تعاليمه والحرص على مصالحه ورعاية أمواله وأسراره. وفي مقابل ذلك، يمدّه الأسطة أو الأستاذ بالسكن والملبس والمأكل، ولا يستطيع الصبيّ أنْ يبيت خارج منزل أستاذه الذي يحقّ له الإشراف على سلوكه وتصرّفاته زيادة على الإشراف المهنيّ. وبعد أنْ يقضي الصبيّ في الحرفة مدّة تتراوح بين سنتين وسبعة، يصبح عاملًا يستطيع أنْ يشتغل مقابل أجر يومي زهيد. أمّا العامل، فمِن الممكن أنْ يصبح أستاذًا أو أسطة عندما يثبت إجادته لصنعته وتفوّقه فيها، كأنْ ينتج قطعة فنّيّة تشهد على براعته، وعندئذ يستطيع أنْ يشتغل لحسابه الخاصّ إذا توافر لديه رأس المال اللازم لذلك. على أنّ الرغبة في الاحتكار والاستئثار بأرباح المهنة، لم تلبث أنْ جعلت أعضاء النقابة الواحدة يحرصون على عدم إشراك منافس جديد معهم، حتّى جاء وقت أصبح مِن الصعب على العامل أنْ يصبح أسطة إلّا إذا كان ابنًا لأسطة أو زوجًا لابنته. وهنا نلاحظ أنَّ جميع الإنتاج الصناعيّ كان منزليًّا، بمعنى أنَّ الصبيّ والعامل والمعلّم الأسطة كانا يعملان في منزل الأخير، أو في دكان ملحق به، ويبيع الأسطة إنتاجه مِن نافذة منزله أو في سوق المدينة[90].
أمّا التجّار، فقد صاغوا لأنفسهم في القرن الحادي عشر قانونًا للنظر في القضايا التجاريّة، وكان ذلك القانون عبارة عن مجموعة مِن العادات والتقاليد التي نجمت عن ممارسة العمل في التجارة، وانتقلت مِن مكان إلى آخر عبر البضائع. وقامت في الأسواق الإقليميّة الكبيرة محاكم خاصّة يتولّى فيها كبار التجّار النظر في القضايا الطارئة[91]، كما خضعت هذه الأسواق لضوابط وضعها بائعو منتجات الطوائف النقابات، فهذه الأخيرة؛ أي طوائف الحرفيّين، كانت مِن السمات المميّزة للحياة الاقتصاديّة في العصور الوسطى، وقد وجدت لأغراض كثيرة، منها ضمان جودة الصنعة، والطقوس التي تلقى قبولًا اجتماعيًّا واسعًا، والنفوذ السياسيّ، وبصفة خاصّة -وإنْ لم يكن بنجاح دائمًا- ضبط الأسعار وأجور العمال. وكان تحديد سعر السوق بطريقة تنافسيّة أو غير شخصيّة أمرًا استثنائيًّا، كما لم يكن أمرًا معتادًا عليه طوال العصور الوسطى، وفي أفضل الحالات عُدّ أندرها. كما كانت هناك شواهد على قدر متفاوت مِن القوّة الاحتكاريّة، التي تزيد أو تنقص حسب الحالة، وبسبب ذلك نشأت مسألة مشروعيّة السعر أو عدالته[92].

ولم تلبث النقابات أنْ تكاثرت في كلّ مدينة وتفرّعت، حتّى شملت جميع الصناعات والحرف، فوُجدتْ نقابات لكلّ مِن القمّاشين والصيارفة والأطبّاء والقصّابين وصنّاع الأحذية والسروجيّة...، مّا أدّى إلى وقوع كثير مِن الخلافات بين بعضها حول حدود كلّ منها وتخصّصها...[93].
لكنْ يبدو أنَّ ازدياد نفوذ النقابات وسلطانها سرعان ما أدّى إلى التعسّف في استخدام ذلك النفوذ والسلطان؛ ذلك أنَّ النقابات لجأت إلى حماية أعضائها مِن المنافسة عن طريق مطالبة السلطة الحاكمة في المدينة بفرض ضرائب على البضائع الأجنبيّة المستوردة مِن الخارج مِن جهة أخرى، ولم يلبث أنْ ازداد تعسّف النقابات حتّى غدا مِن الصعب على العامل العاديّ أنْ يدخل دائرتها...، وإذا كان نظام النقابات قد حرص على الاحتفاظ للحرفة بمستوى عال، فإنَّ هذا النظام كان له مِن جهة أخرى أثر واضح في عرقلة التقدّم الصناعي وتأخّر تطوّره؛ لأنَّ كلّ نقابة اشترطت على المشتغلين بالصنعة عدم استعمال آلة أو وسيلة جديدة لا تقرّها النقابة، ممّا قتل روح الابتكار والتجديد[94].          

ولمّا كانت الأسواق الموسميّة العامّة قد بدأت بالنموّ منذ القرن الثالث عشر، وتشكّلت طبقة مِن التجّار تشتري وتبيع بالجملة، ولمّا كانت هذه المواسم مصدرًا كبيرًا للثراء والسلطان لفرنسا -على سبيل المثال- في القرن الثاني عشر[95]، كان لا بدّ مِن العمل على تنظيم العمل في الأسواق الموسميّة، فتمّ استبدال فريق التجّار، الذي كان ينظّم العمل بها ويشرف على عمليّة تأمين السوق ومراقبة عمليّات البيع والشراء منذ سنة 1284م بفريق مِن الموظّفين المختصّين التابعين للدولة التي عقد السوق في إحدى المدن التابعة لها، فغدت تلك المعارض بحقّ مركزًا للمبادلات التجّاريّة الدوليّة. ويفيد هذا الأمر بأنَّ الاقتصاد القائم على المبادلات التجّاريّة، لا يمكن أنْ يزدهر إلّا في ظلّ استقرار أمنيّ، وبدعم ورعاية مِن السلطة السياسيّة الحاكمة وتحت مراقبة وإشراف الدولة. وهكذا انتظم النشاط التجاريّ خلال القرنين الثاني عشر والثالث عشر، وتمحور حول العقود والجمعيّات التجاريّة، ولكنَّ صلاحيّة هذه الأخيرة ارتبطت بسلسلة محدودة مِن العقود، ولمدّة محدودة أيضًا، وكان علينا أنْ ننتظر حتّى نهاية القرن الثالث عشر لتظهر مؤسّسات تجاريّة رسميّة بمعنى الكلمة[96].
إلّا أنَّ أبرز مظاهر تنظيم العمل في الاقتصاد، كانت في تكوين اتحادات تجاريّة دوليّة، فمنذ أنْ بدأ يتشكّل في أوروبا عالمان تجاريّان، هما عالم بحر البلطيق والشمال مِن جهة، وعالم البحر المتوسّط مِن جهة ثانية، ارتبط العالمان ببعضيهما برًّا وبحرًا عن طريق ممرّات جبال الألب ومضيق جبل طارق؛ إذ أدّى النشاط التجاريّ إلى ازدهار مدن شمال أوروبا وغربها، فبرزت مدن صناعيّة وتجاريّة في الفلاندر وبرابانت Brabant مثل أراس Arras وليل Lille، وفي إنكلترا مثل مدينة بروستول، وفي فرنسا باريس وليون، وفي أعالي الراين كوبلنز Coblenz وفورمز Vorms، وفي ألمانيا ميونخ ولوبيك التي كانت مركزًا أساسيًّا للتجارة مع الشمال. وقد امتازت مدن العصور الوسطى بنوع مِن التخصّص في تجارة البضائع، أملته العوامل الجغرافيّة، إلّا أنَّ سكّان هذه المدن التجّاريّة والصناعيّة عاشوا دائمًا في ظلّ الاضطرابات السياسيّة، ممّا أدّى إلى إقامة اتحادات أو عصابات فيما بينها خلال القرن الثالث عشر والرابع عشر، ومِن أهمّ هذه الاتحادات «عصبة وادي الراين» و«العصبة الهانزيّة»[97]. 

 لقد كان الموقع الجغرافيّ هو العامل الأساسيّ الذي مهّد السُبل لازدهار مدن العصبة الهانزيّة في الشمال؛ إذ عُرفت هذه المدن بتجارة الجلود والفراء والشمع والقمح، وهي المنتجات الواردة مِن روسيا، وبالحديد والنحاس والأخشاب والأسماك واللحم المقدّد، وهي مِن واردات إسكندنافيا؛ إذ كانت صلة الوصل بين هذين الإقليمين المختلفين[98]. إلّا أنَّ القيود التي فرضتها العصبة الهانزيّة على أعضائها، أمست مع مَرّ الزمن عاملًا مِن عوامل الاستبداد؛ إذ أرغمت المدن المنافسة لها على قبول شروطها، ولم تتورّع عن استئجار القراصنة للإضرار بتجارة أولئك المنافسين، وبلغ مِن أمرها أنْ نظّمت لها جيوشًا خاصّة، وأقامت مِن نفسها دولة داخل كثير مِن الدول، وبذلت كلّ ما في وسعها للضغط على طبقة الصنّاع التي تستمدّ منها بضائعها، وترتّب على ذلك أنْ أصبح الكثير مِن العمّال وغيرهم مِن الناس يخشونها ويحقدون عليها، ويرون أنَّها أقوى وسيلة مِن وسائل الاحتكار قيّدت بها التجارة  في أيّ وقت مِن الأوقات، ولذلك ثار العمال في إنكلترا في سنة 1381م، وطاردوا كلّ المنظَّمين المنتمين إلى هذه العصبة، واقتفوا أثر أعضائها، وقتلوهم حتّى داخل الكنائس التي احتموا بها[99].
أمّا المدن الإيطاليّة، فكان نشاطها الأساسيّ مركزًا في حاصلات الشرق؛ إذ قامت باستيراد التوابل والعاج والحرير والبخور والعطورات والمصنوعات الزجاجيّة وغيرها لتصديرها إلى مختلف البلدان الأوروبيّة[100]. ولا يوضح التقدّم الذي أحرزه التجّار الإيطاليّون في مجال التجارة  الدوليّة في أوروبا وعالم البحر المتوسّط سوى مجهود فرديّ، ونشاط تجّار بعينهم، نتيجة ما تعلّمه هؤلاء التجّار -دون شكّ- مِن العرب المسلمين الذين كانوا أرقى حضارة منهم[101]. فبعد أنْ نسي الأوروبيّون الحرّيّة الاقتصاديّة التي تمتّعوا بها زمن انتصارات الجيش الرومانيّ، وغرقوا في مواعظ الكنيسة في الزهد والرضى بأقلّ القليل والانصراف عن الدنيا؛ بعد كلّ هذا، جاء العرب المسلمون بروح منفتحة على التجارة والربح والكسب بضوابط شرعيّة لم تشكّل عوائق للنشاط الاقتصاديّ، حيث استطاع فقهاء المسلمين إيجاد حلول إبداعيّة لكلّ ما يستجدّ من أشكال المعاملات، فقدّموا كمًّا هائلًا مِن فقه المعاملات في مختلف أشكال الأنشطة الاقتصاديّة والماليّة. وبالتالي، أشار كثير مِن المؤرّخين الغربيّين المنصفين صراحة لرفضهم لنظريّة بيرمن العنصريّة، التي يخلص فيها إلى أنَّ فتوحات الدولة العربيّة الإسلاميّة كان لها تأثير حاسم في انغلاق أوروبا وتدهورها اقتصاديًّا؛ إذ يرى هؤلاء المؤرّخون أنَّ العكس هو الصحيح، وأنَّ تدهور أوروبا كان لأسباب داخليّة لا علاقة للعرب المسلمين فيها، وأنَّ بدايات النهضة لا تخفي أثر البصمات العربيّة الإسلاميّة عليها في مختلف المجالات العلميّة والمعرفيّة والأدبيّة والاقتصاديّة[102].

وإذا كان لمدينة البندقيّة الإيطاليّة دور كبير في المبادرة إلى إقامة علاقات تجاريّة منذ زمن مبكّر مع الموانئ العربيّة الإسلاميّة على البحر المتوسّط، فقد نتج عن ذلك آثار إيجابيّة كبيرة عليها، سواء على المستوى الثقافيّ أو على المستوى المادّيّ؛ إذ أضعفت من حدّة التعصّب المسيحيّ فيها وفي عدد مِن المدن الإيطاليّة الأخرى التي نهجت نهجها، فكانت هي الوسيط التجاريّ بين أوروبا والعرب المسلمين[103]، وبلغت حدًّا وصل فيه الأمر إلى أنَّ كثيرًا مِن هذه المدن الإيطاليّة ولا سيّما جنوة والبندقيّة كانت تبيع السلاح للمسلمين في أيّام الحروب الصليبيّة، ممّا أثار موجة استياء عارمة عند البابوات المتعصّبين أمثال إنوسنت الثالث Innocent III، إذ أخذوا يندّدون بالتجّارة مع المسلمين أيًّا كانت، ولكنَّ الذهب كان أقوى أثرًا مِن الدين أو الدم المراق، ولهذا ظلّت «التجارة المحرَّمة» تجري في مجراها العاديّ[104].
وأخيرًا، يمكننا القول في تنظيم العمل في الاقتصاد مِن قبل البرجوازيّين، إنَّ المفاهيم الحقيقيّة للتجارة في أوروبا خلال العصور الوسطى لم تكن قد تبلورت بعد، فرغم أنَّ التجارة  في القرن الثالث عشر أمست تجارة دوليّة، إلّا أنَّ العلاقات السياسيّة في أوروبا كانت تلقي بظلالها الثقيلة عليها، ففي وقت الحرب، يتمّ أسر تجّار الأعداء ومصادرة بضائعهم وحجز مراكبهم والاستيلاء عليها، لا بل إنَّ الحظر التجاريّ كان أداة شائعة الاستعمال وله دلالة على القسر والاغتصاب. وباختصار، فإنَّ أمراء العصور الوسطى ظلّوا مِن دون روح تجاريّة، باستثناء فريدريك الثاني في مملكة نابولي، الذي احتفظ لنفسه باحتكار تجارة القمح، وأقام إدارة منتظمة للجمارك في الثغور، وفي هذا المقام بالطبع نستطيع أنْ نلحظ أنَّ تلك الروح التجّاريّة قد استقاها هذا الإمبراطور مِن العرب المسلمين في صقلية والمغرب العربيّ، حيث كانت أوّل مرّة تدرك فيها أوروبا دور الدولة كوسيط تجاريّ[105].

5. النقد الأوروبيّ في العصور الوسطى
لم يكن في مقدور التجارة في أوروبا العصور الوسطى أنْ تتقدّم ما دامت قائمة على المقايضة، بل أضحت تتطلّب مستوى ثابتًا للقيم، ووساطة سهلة للتبادل، ووسيلة ميسّرة مفتوحة لاستثمار الأموال. وكان مِن حقّ سادة الإقطاع وكبار رجال الدين في القارة الأوروبيّة في عهد الإقطاع أنْ يصكّوا النقود باسمهم[106]، وبالتالي استعمل الأوروبيّون العملة على نطاق محدود في بداية العصور الوسطى، وكان مِن الممكن أنْ يتّسع نطاق تداولها منذ عهد شارلمان (742-814م)، الذي حاول حمل المتعاملين في سائر ربوع الإمبراطوريّة على استعمال عملة موحّدة، أو على الأقلّ عدد معيّن مِن القطع النقديّة، غير أنَّه لم يفلح في ذلك، ويفيد هذا الفشل بعدم مقدرته على إقامة فضاء اقتصاديّ موحّد. ومِن المفيد هنا التذكير بأنَّ عمليّات صكّ العملة بدأت في مناطق شرق نهر الراين بعد سنة 900م بقليل، وبعد مضيّ فترة شرعت دوقيات بوهيميا بدور مهمّ في القيام بالمثل. ومنذ سنة 900م أخذ الأمراء البولنديّون هم الآخرون في ضرب العملة، ثمّ تلاهم الهنغاريّون نحو سنة 1000م. ومِن هذا المنطلق، يمكننا القول إنَّ سنة ألف ميلاديّة شهدت شيوع عملات جديدة انتشرت مِن ضفاف نهر الدانوب حتّى سواحل بحر البلطيق وبحر الشمال[107].

وكان مِن نتيجة هذه الفوضى النقديّة، أنْ عانى الاقتصاد الأوروبيّ الأمرّين، وإنَّ ما زاد الطين بِلّة هو فعل مزيِّفي العملة وقارضيها، حدًّا وصل مع الملوك أنَّهم أمروا بأنْ تُقطع أطراف مَنْ يرتكبون هذه الأعمال، أو أعضاؤهم التناسليّة، أو أنْ تُلقى أجسامهم بالزيت وهم أحياء. لكنَّ الملوك أنفسهم كثيرًا ما كانوا يتلاعبون بالنقد، إذ كانوا يخفّضون قيمته، ولمّا كان الذهب قد قلّ نتيجة فتح العرب المسلمين لبلاد الشرق، كان النقد بأجمعه في أوروبا في القرن الثاني عشر يُصنع مِن الفضّة أو المعادن الرخيصة؛ ذلك أنَّ الذهب والحضارة يتلازمان كثرةً وقلّة[108]. وأمّا هذه الحالة التي يرثى لها للنقد الأوروبيّ في العصور الوسطى، فكان لا بدَّ مِن إيجاد حلّ لهذه المعضلة رغبة مِن الأوروبيّين في المحافظة على وجودهم في ساحة التجارة الدوليّة، فلجؤوا لاستعمال وحدة النقد البيزنطيّة حتّى حدود القرن الثاني عشر لتحقيق هذا الهدف. ويبدو أنَّ تنامي المبادلات التجّاريّة تجاوز الإمكانيّات التي كان يتيحها استعمال النقد البيزنطيّ، فعاد الأوروبيّون لمشروع فكّر فيه شارلمان ثمّ تخلّى عنه؛ وهو استعمال الذهب في صكّ العملة[109]. فلمّا رأى فريدريك الثاني (1215-1250م) ما للعملة الذهبيّة المستقرّة في بلاد المشرق الإسلاميّ مِن أثر طيّب في اقتصاد تلك البلاد، صكّ في إيطاليا أولى العملات الذهبيّة، فكانت الأولى مِن نوعها في أوروبا الغربيّة، وسمّيت هذه العملة أوغسطالس Augustales مقلِّدًا بها نقد الإمبراطور الرومانيّ أغسطس ومكانته[110].

ثمَّ تزعّمت مدينة جنوة هذه المجازفة منذ سنة 1252م، ثمّ تلتها فرنسا ابتداء من سنة 1266م، وانخرطت باقي المدن الإيطاليّة تباعًا في العمليّة ذاتها، ورغم الإقبال الذي حظيت به هذه العملات من قبل المتعاملين، فإنَّ تعدّدها كان في حدِّ ذاته مشكلة حدّت مِن تنامي المبادلات التجّاريّة، فالنظام الفيودالي[111] تميّز بالتجزئة، كما هو معروف، وقد انعكست هذه التجزئة سلبًا على عمليّة التداول النقديّ التي لم يكن ممكنًا أنْ تتحقّق إلّا بوجود عملة موحّدة، أو بوجود عدد محدود من العملات على الأقلّ[112].

6. أهمّ المعوقات التي واجهت التجارة  في أوروبا العصور الوسطى
رغم أنَّ أوروبا انفتحت خلال القرن الثالث عشر على التجارة الدوليّة، إلّا أنَّ تجارتها واجهت الكثير مِن المعوّقات، ويمكننا القول إنَّ أهمّ العوامل إسهامًا في عرقلة نشاط التجارة  والعمل بها هي: سوء الطرق، وارتفاع المكوسالجباية والضريبة، وعدم عدالة التشريعات، وانعدام الأمن، وهذه العناصر مِن أهمّ الأمور التي تضرّ بالتاجر...[113].
وأمّا وسائل المواصلات، فقد كانت موافقة لحالة الطرق السيّئة آنذاك؛ إذ تمّ استخدام العربات أوّل الأمر في إيطاليا، حيث حرصت المدن على تحسين الطرق والمحافظة على مستوى مناسب لها، ثمّ لم يلبث أنْ تمّ استخدام نوع مِن العربات البدائيّة في فرنسا وألمانيا[114]. وكانت العربة الخفيفة ذات العجلتين في العادة هي المستخدمة لنقل البضائع إلى الأسواق المحليّة، لكنَّ البضائع ذات الأهمّيّة البالغة كانت تحمل على ظهور البغال أو الخيل[115]، ولا تنقل في العربات؛ لأنَّ العربات يصعب عليها تجنّب الحفر كما تتجنّبها دواب الحمل[116].

إنَّ هذا القصور والعجز في النقل البرّيّ للتجارة جعل النقل النهريّ مفضّلًا عنه، إلّا أنَّ النقل النهريّ لم يسلم هو الآخر مِن مجموعة مِن المعوّقات، أهمّها التحاريق في الصيف، والصقيع وتجمّد مياه الأنهار في فصل الشتاء، والفيضانات في فصلي الربيع والخريف، فكلّها معوّقات كانت تمنع الملاحة في الأنهار. ورغم جميع ما تقدّم، كانت الأنهار الأداة الكبرى للتبادل التجاريّ والتصدير في أوروبا العصور الوسطى، ولا سيّما الأنهار الكبرى فيها الراين والدانوب، ورغم ذلك لم تبذل أيّ جهود لتقدُّم هذه الملاحة النهريّة[117].

أضف إلى مشكلة القوانين واختلاف الشرائع وتعدّد جهات التقاضي، فإذا سافر التاجر برًّا، كان عليه أنْ يخضع إلى قضاء محاكم مختلفة، وربَّما خضع إلى قوانين مختلفة في أملاك كلّ سيّد إقطاعيّ، وكان مِن حقّ كلّ سيّد إقطاعيّ أنْ يستولي على بضائعه التي سقطت على الأرض في الطريق، وإذا جنحت سفينة أصبحت بمقتضى «قانون التحطّم» مِن حقّ السيّد الإقطاعيّ الذي جنحت عند ساحل أرضه، وكان ممّا يفتخر به أحد السادة البريطانيّين، أنَّ صخرة خطرة في ساحل بلاده أثمن مِن درّة في تاجه[118].
ولم تكن الأوضاع الأمنيّة العامّة أفضلَ حالًا؛ إذ انعدم الأمن وانتشر اللصوص وقطّاع الطرق، ولمّا كان التجّار يتعرّضون لأشدّ الأخطار في الطرق البريّة والمسالك المائيّة الموبوءة بالحروب الإقطاعيّة، والجنود غير النظاميّين، وقطّاع الطرق، وتعرّضت بضائعهم للنهب مِن قبل الأمراء والجنود والمجرمين العاديّين[119]...

كما أسهم طمع وشجع أمراء الأقاليم الأوروبيّة، الذين كانت تمرّ في بلدانهم طرق التجارة  الدوليّة، في عرقلة النشاط التجاريّ بفرض ضرائب كبيرة على حركة البضائع التجّاريّة، وكانت تلك الضرائب في ازدياد مستمرّ، وقد عُرفت جميعها باسم مكوس السوق، ومثّلت هذه المكوس استمرارًا لضرائب لا لزوم لتحصيلها، بعد أنْ تحوّلت تمامًا عن الغرض الرئيس العامّ الذي فرضت مِن أجله، حتّى أمست مكوس العصور الوسطى التي فرضها أمراء الأقاليم، مِن أكثر الموانع التي اعترضت طريق تجارة المرور[120]، فمِن غير المعقول أنْ يصل عدد محطّات جباية المكوس على طول ممرّات الألب إلى اثنتين وستين محطّة، وسبع وسبعين على نهر الدانوب.. ومِن غير المعقول أيضًا أنْ يؤدّي التاجر ستّين في المئة مِن بضاعته نظير نقلها في نهر الراين أو على ضفّتيه[121].
لقد أثقلت هذه المكوس كاهل التجّار؛ إذ كان التاجر يدفعها ويعتبرها مجرّد اغتصاب وعادة سيّئة وجباية جائرة على بضائعه، وقصارى القول يعتبرها تعسّفًا لا أكثر، والأسوأ مِن هذا كلّه أنَّه لم يكن يُدّخر أيّ شيء مِن هذه الضريبة جانبًا لإصلاح الطرق أو لتجديد بناء الجسور[122]، لا بل إنَّ هذه المكوس كانت سببًا في زوال مدن مِن على الخريطة التجّاريّة كما حدث مع مدينة تراوي، التي اضمحلّ شأنها بعد أنْ انتزع فيليب الرابع (1285-1314م) شمبانيا مِن أمرائها المستنيرين، ففرض عليها مِن المكوس والنظم ما أفقرها، فلمّا كان القرن الثالث عشر، حلّت محلّها الثغور والتجارة  البحريّة[123]. ورغم كلّ محاولات التحرّر مِن هذه المكوس، كان عند نهاية القرن الخامس عشر يوجد على نهر الراين أربعة وستون مكسًا، وخمسة وثلاثون على الألب، وسبعة وسبعون على نهر الدانوب في مجراه الأدنى في النمسا فقط[124].

ولم تكن التجارة عبر البحار أفضل حالًا مِن التجارة في القارّة الأوروبيّة عبر الطرقات البريّة والنهريّة، إذ ظلّت الأسفار البحريّة بطيئة كما كانت في الزمن القديم، فكان اجتياز المسافة مِن مرسيليا إلى عكّا يتطلّب خمسة عشر يومًا، كما كانت البحار موبوءة بالقرصان، وكثيرًا ما كانت السفن تتحطّم أثناء سفرها، ولم يكن أكبر التجّار لا يخشى على بضاعته في عرض البحر[125]. وكانت معظم السفن التجاريّة تخرج في مجموعات لرحلات قصيرة، وكثيرًا ما كانت تحرسها سفن حربيّة تحسّبًا لخطر القراصنة في البحار، في وقت شاعت فيه القرصنة، لدرجة أنَّ التجّار أنفسهم لم يتوانوا عن قتالهم، أو المشاركة في أعمالها[126]...، وفي القرن الثالث عشر تحسّنت نوعيّات السفن، لكنَّ هذه السفن لم تخاطر أبدًا في الإبحار في رياح الشتاء، وحتّى بداية القرن الرابع عشر حدث استثناء وحيد، وهو أنّ السفن الايطاليّة عبرت مضيق جبل طارق[127].

7. الصيرفة والربا في أوروبا العصور الوسطى
لمّا كان الكثير مِن الأمراء الإقطاعيّين يتمتّعون بحقّ صكّ النقود الخاصّة بهم، فإنَّ الأسواق الأوروبيّة وجدت نفسها في حاجة إلى صيارفة يبدّلون النقود للتجّار، كلٌّ بالعملة التي يطلبها، والتي يستطيع أنْ يتعامل بها في بلده. ويعتبر عمل هؤلاء الصيارفة النواة الأولى للنظام المصرفيّ الرأسماليّ في أوروبا؛ وذلك لأنَّ الصرّاف في العصور الوسطى كان يحتفظ عادة بصندوق قويّ متين يضع فيه نقوده، ممّا جعل بقيّة الأفراد يلجؤون إليه لإيداع أموالهم في مأمن عنده. ولم تلبث أنْ استخدمت في إيطاليا الحوالات والكمبيالات الماليّة كوسيلة لتجنّب نقل المعادن النفيسة مِن ذهب وفضّة، ثمّ أخذ موظّفو البابويّة ينشرون هذا النظام في مختلف أنحاء أوروبا، وعندما اكتشف الصرّاف أنَّ الودائع التي لديه أكثر مِن حاجة عمله اليوميّ[128]، بدأ يفكّر في استغلال ماله ومال غيره في المشاريع التجاريّة، أو في إقراضها إلى الكنائس، أو الأديرة، أو الأشراف، أو الملوك بفائدة[129]، ممّا جعل الصيارفة يقومون بوظيفة أخرى مِن وظائف البنوك.

وهنا نلاحظ قاعدة عامّة، وهي أنَّ الصيارفة في العصور الوسطى جمعوا بين مهنتي إقراض الأموال والتجارة، ولمّا كان ملوك أوروبا وأمراؤها يعانون في القرن الثاني عشر ضيقًا ماليًّا شديدًا بسبب كثرة النفقات والمطالب، أخذت ثروة هؤلاء التجّار تزداد ازديادًا يسترعي الانتباه نتيجة لازدياد النشاط التجاريّ؛ لذلك لم يجد أفراد الطبقة الارستقراطيّة وسيلة لسدّ مطالبهم سوى الاقتراض بفائدة مِن هؤلاء التجّار، الذين لم يكن بوسعهم رفض مطالب الحاكم ورغباتهم، ما شجّع مبدأ القروض ذات الفائدة[130].
وإذا كان اليهود قد اضطلعوا في هذا الجانب في إسبانيا، وكانوا ذوي حول وطول فيها، فإنَّ الصيارفة المسيحيّين سيطروا على النشاط المصرفيّ في ألمانيا، كما تفوّق الماليّون المسيحيّون في إيطاليا وفرنسا[131]، فكيف كان ذلك؟ مِن المعروف أنَّ اليهود قد انفردوا أوّل الأمر في العصور الوسطى بإقراض الأموال بفوائد، ممّا مكّنهم مِن السيطرة على الحياة الماليّة في أوروبا؛ لأنَّ الكنيسة حاربت الربا الذي نهى عنه الإنجيل والسيّد المسيح، وهكذا شاءت الظروف ألّا ينافس اليهود فئة أخرى في ميدان النشاط الماليّ أوّل الأمر[132]. وبالتالي استحكم اليهود بالأمر وأخذوا يقرضون بعضهم بعضًا من المال عن طريق وسيط مسيحيّ، أو عن طريق جعل صاحب المال شريكًا موصيًا في المشروع وأرباحه، وهي وسيلة أجازها أحبار اليهود وعدد كبير مِن رجال الدين المسيحيّين. وإذ كانت الكنيسة تحرّم الربا؛ وإذا كان المقرضون المسيحيّون -لهذا السبب- نادري الوجود قبل القرن الثالث عشر، فإنَّ المسيحيّين المحتاجين لقروض-ومنهم رجال الدين، والكنائس والأديرة- كانوا يلجؤون إلى اليهود ليقرضوهم ما يحتاجونه مِن مال، حدًّا وصل مع اليهوديّ هارون اللنكلنيّ Aaron of Lincoln بإقراض ما يلزم مِن المال لبناء تسعة أديرة مسيحيّة، كان أشهرها دير سانت أولبنز St. Albans. ولم يجد ملوك أوروبا حرجًا في أنْ يتقاضى المرابون ربًا فاحشًا في ممالكهم، إذ إنَّهم كانوا يلجؤون مِن حين إلى آخر إلى اعتصار هذه المكاسب مِن أصحاب المال. وكان المرابون يتحمّلون نفقات كبيرة في سبيل الحصول على أموالهم، وكثيرًا ما كان الدائن يضطر إلى أداء الرشاوى للموظّفين لكي يسمحوا له بالحصول على ما له مِن أموال، وحدث أنَّه في سنة ١١٩٨م حين كانت أوروبا تستعدّ للحملة الصليبيّة الرابعة، أمر البابا إنوسنت الثالث جميع الأمراء المسيحيّين بإلغاء جميع فوائد القروض التي يطالب بها اليهود مدينيهم المسيحيّين[133].

ولمّا كانت الكنيسة المسيحيّة تحرِّم التعامل بالربا، فإنَّ اتساع نطاق النشاط التجاريّ وتعدّد مغريات الأرباح الماليّة جعل مِن الممكن التهرّب مِن تعاليم الكنيسة الخاصّة بتحريم الفوائد الماليّة؛ كأنْ يتعهّد المقترض بدفع ألف فلورين في وقت محدود بدون فائدة، ولكنَّه لا يتسلّم مِن المُقرض فعلًا إلّا تسعمئة فلورين، وبذلك تكون فائدة القرض مئة فلورين لم تدوّن في العقد. وعلى هذه الطريقة، استطاع الإيطاليّون أنْ يعملوا بالصيرفة ليحلّوا محلّ اليهود، لا سيّما بعد أنْ أخذ الناس يفرّقون بين نسبة الفائدة المعتدلة والربا الفاحش، وبعد أنْ أتت الحروب الصليبيّة بكثير مِن التشريعات والقوانين التي تستهدف الحدّ مِن نشاط اليهود، ذلك أنّه لم يتيسّر للأوربيّين المسيحيّين أنْ يحلّوا محلّ اليهود، إلّا بعد أنْ أخذت الدول الأوروبيّة، مثل إيطاليا وإنكلترا وفرنسا ثمّ إسبانيا، تضيّق عليهم وتطردهم مِن بلادها[134]. وسرعان ما غزا رجال المصارف المسيحيّيون هذا الميدان في القرن الثالث عشر، واستعانوا بالوسائل التي أوجدها اليهود وساروا عليها، وما لبثوا أنْ تفوّقوا عليهم في الثراء واتساع نطاق الأعمال. ولم يكن المرابي المسيحيّ أقلّ صرامةٍ مِن زميله اليهوديّ، وإنْ لم يكن أوّلهما في حاجة إلى حماية نفسه بالقدر الذي يحتاجه الثاني مِن خطر القتل والسلب والنهب، فكان كلاهما يشدّد النكير على المدين بما عرف عن الدائنين الرومان مِن القسوة[135]. كما تجدر الإشارة إلى أنَّ التجّار الإيطاليّين في أوائل القرن الثالث عشر، وجدوا وسيلة تحايلوا فيها عند إقراض الحكومة مبلغًا مِن المال، عندما طلبوا منها أنْ تسدّد قيمته بالأصواف، وهنا حرصوا في العقد أنْ تكون قيمة الأصواف التي تسلَّم للتاجر أكبر مِن قيمة المبلغ الذي دفعته للحكومة، وبذلك حصل التاجر على فائدة القرض[136].

8. المسيحيّة واقتصاد أوروبا في العصور الوسطى
يمكننا أنْ نتحدّث عن ثلاثة جوانب في المسيحيّة لعبت دورًا مهمًّا في اقتصاد أوروبا في العصور الوسطى؛ وهي الكنيسة والدير والحروب الصليبيّة. لقد نظرت الكنيسة المسيحيّة في بادئ الأمر إلى العمل التجاري كمصدر خطر على سلامة الروح، وعدّت التجارة  شكلًا مِن أشكال الربا المرفوضة في الدين، إذ كان ينظر إلى كلّ تاجر في بداية الأمر كشخص يمارس الربا بشكل أو بآخر، ومثل هذا النشاط كانت ترفضه الكنيسة وتدينه. وظلّ تشريع الحكومات زمنًا طويلًا يؤيّد موقف الكنيسة في هذه الناحية، وكانت المحاكم المدنيّة نفسها تحرِّم الربا، ولكنْ تبيّن أنَّ حاجات التجارة أقوى أثرًا مِن خشية السجن أو الجحيم؛ ذلك أنَّ اتساع نطاق التجارة والصناعة تتطلّب استخدام المال المتعطّل في المشروعات النشيطة، ووجدت الدول في أثناء الحرب أو الأزمات الطارئة أنَّ الاقتراض أيسر مِن فرض الضرائب، وكانت النقابات تقرض المال بالربا[137].

لكنْ حين انحصر العمل الربويّ في أوساط اليهود، وتقوّت سلطة التجّار، أخذت الكنيسة تبرّر شيئًا فشيئًا الأرباح التي كان يجنيها التجّار، ولكنّها لم تضع حدًّا واضحًا بين الأرباح المشروعة والأرباح غير المشروعة. وتتضمّن المبرّرات التي قدّمتها الكنيسة، عناصرَ ذات صلة بتقنيات التجارة نفسها؛ فمثلًا أجازت الكنيسة للتاجر الذي لحقه ضرر من جرّاء تأخير في استلام بضاعته أو ما شابه ذلك، الحقّ في المطالبة بتعويض. لقد أدخلت تلك المبرّرات في أذهان التجّار الأوروبيّين وأخلاقهم مبادئ جديدة، مثل الصدفة، والمخاطر، وعدم اليقين، كما أدخلت مبدأ مهمًّا هو تبرير، أو شرعنة الربح الذي يجنيه التاجر؛ إذ أصبح ينظر إلى هذا الربح كأجر أو راتب يتقاضاه التاجر مقابل عمل يقوم به[138].
أمّا فيما يخصّ الأديرة المسيحيّة، فتجدر الإشارة إلى أنَّ أعمال الأديرة قامت على أساس اقتصاديّ زراعيّ بقدر كبير إلى جانب النشاط الدينيّ، لا بل إنَّ نشاط الرهبان الاقتصاديّ طغى في كثير مِن الأحيان على نشاطهم الدينيّ، حتّى أهمل الرهبان تفرّغهم للعبادة وانشغلوا في تجفيف المستنقعات وإقامة الوحدات الزراعيّة في الأماكن التي كانت بؤرًا تهدف إلى تحقيق المزيد مِن الربح. وإلى جانب الزراعة أصبحت الأديرة أيضًا مركزًا تجاريًّا، فقامت مؤسّسة الدير -التي مِن المفترض أنْ يكون رعاياها معتكفين على العبادة- بصكّ النقود، وإقامة الأسواق، ووضع الأنظمة الماليّة لعمل الصيرفة، بل مارست هي بحدّ ذاتها عمل الصيرفة، حيث أقرضت المال نظير عطايا تنالها سرًّا أو مقابل بيوع صوريّة[139].

كانت الحروب الصليبيّة الشعواء التي شنّتها أوروبا المسيحيّة على ديار الإسلام، العامل الثالث الذي أثّر في الاقتصاد الأوروبيّ، حيث وضعت هذه الحروب حدًّا لسيطرة العرب المسلمين على الحوض الشرقيّ للبحر المتوسّط، فتحوّلت هذه السيطرة إلى مدن إيطاليا جنوة والبندقيّة، واستمرّت إلى ما بعد طرد الصليبيّين مِن الشرق، وقد مكّنت العلاقات التجاريّة ما بين أوروبا والمشرق العربيّ -خلال هذه الحروب- الأوروبيّين مِن الاطّلاع على النتاج الفكريّ للحضارة العربيّة - الإسلاميّة على كلّ صعيد، بما في ذلك الاقتصاد المتقدِّم، واقتباس الكثير مِن مظاهر هذا الاقتصاد، فمِن المعروف أنَّ القرآن الكريم والسنّة النبويّة الشريفة عالجا مسائل اقتصاديّة متنوّعة، كما أخذ الأوروبيّون بعض المزروعات الجديدة كالقمح الأسود، والرز، والسمسم، والمشمش، والبطيخ، والليمون، والفستق مِن الشرق، واقتبسوا صناعة السكّر، واستخدام الطواحين الهوائيّة مِن سوريا. واستفاد الأوروبيّون مِن التقدُّم الصناعيّ في المشرق لتطوير الصناعات النسيجيّة والمعدنيّة في أوروبا، فأصبح الكثير مِن المنسوجات الأوروبيّة يحمل اسمًا عربيًّا كالدامسكو نسبة إلى دمشق، والموصلين نسبة إلى الموصل. وهكذا قامت بعض الصناعات في أوروبا على استيراد المواد الخام مِن الشرق؛ كالحرير والقطن والأصبغة وغيرها. وبالتالي كانت الحروب الصليبيّة نافذة أطلّ منها الأوروبيّون على العالم الخارجيّ، فأدركوا حجم تخلّفهم، ومدى ما وصل إليه التقدَّم العلميّ عند العرب المسلمين، كما كانت طريقًا عبرت مِن خلاله كثير مِن ثمار الحضارة العربيّة-الإسلاميّة الفكريّة إلى أوروبا في أحلك سنوات تخلّفها[140].  
أمّا على صعيد الداخل الأوروبيّ، فقد أسهمت الحروب الصليبيّة في تحطّم نظام الضياع في أوروبا الغربيّة، وعملت على تشجع التجارة والصناعة، بحيث لم تعد الأرض المصدر الوحيد للثروة[141]. فبعد أنْ أسهمت الحروب الصليبيّة في تدعيم سيطرة الموانئ الإيطاليّة على خطوط التجارة الدوليّة في المتوسّط، أمست مدن ميلان، وكومو، وبريشيا، وفيرونا، والبندقيّة تجمع في جيوبها أرباح التجارة التي تنتقل قوافلها فوق جبال الألب، وتمخر قواربها عبر نهري الدانوب والراين، وسيطرت جنوة على تجارة البحر الترياني. وكان أسطول جنوة التجاريّ يتألّف مِن مائتي سفينة، عليها عشرون ألفًا مِن البحّارة، وكانت ثغورها التجاريّة تمتدّ مِن كورسيكا إلى طربزون، وكانت تتاجر بكامل حرّيتها مع بلاد المسلمين في المشرق، كما تتاجر معها البندقية وبيزا، والمسلمين في بلاد الأندلس[142]. وعندما تكدّست البضائع المستوردة مِن الشرق في الموانئ الإيطاليّة على المتوسّط، أخذت القوافل التجاريّة تشقّ سبيلها نحو وسط أوروبا وغربها عن طريق السهل اللمباردي وممرّات جبال الألب وطريق الراين، ممّا أثار نشاطًا كبيرًا في المدن الواقعة على هذه الطرق، على أنَّ هذا النشاط التجاريّ في جنوب أوروبا ووسطها صحبه نشاط مماثل في شمالها؛ إذ غدا إقليم فلاندرز في القرن الثاني عشر مركزًا رئيسًا لهذا النشاط بفضل أنهاره وموانئه، التي جعلته على اتصال بشمال أوروبا ووسطها وجنوبها، ما أسهم في انتعاش الحياة الاقتصاديّة والمعيشيّة في أوروبا.

وهكذا أخذت تزداد قوافل التجّار المسافرين بطريق البرّ أو النهر أو البحر، ولم يعد هؤلاء التجّار مِن اليهود وحدهم، وإنَّما شاركهم اللمبارديّون والتسكانيّون والبنادقة والجنويّون والبروفانساليّون، كذلك استتبع هذا النشاط التجاريّ كثرة المعارض والأسواق الكبيرة في مختلف أنحاء أوروبا بعد أنْ أضحت الأسواق المحليّة الصغيرة لا يمكنها النهوض بمطالب المستهلكين والتجّار[143]. وفي سبيل التغلّب على هذا، نظّمت الكنيسة في القرن الثاني عشر هيئات أخويّة دينيّة لإصلاح القناطر وتشييدها في سبيل تنشيط حركة التجارة، وعرضت على مَنْ يشتركون في هذا العمل الغفران مِن الذنوب في سبيل المحافظة على استثمار أموالها في تمويل الأعمال التجاريّة[144].

9. دور اليهود في تجارة أوروبا العصور الوسطى
لقد كان التجّار اليهود الجوّالون أوّل مَنْ سعى إلى إحياء النشاط التجاري في أوروبا العصور الوسطى، إذ كانوا يقومون باستيراد البضائع وبيعها للنبلاء وأتباعهم، وقد بلغ مِن سيطرة اليهود على التجارة في أوروبا في ذلك العهد المظلم مِن العصور الوسطى (476م-1000م) أنَّ لفظة يهوديّ Judaeus أصبحت مرادفًا للفظة تاجر Mercator. وكان هؤلاء التجّار أوّل الأمر متنقّلين لا يعرفون حياة الاستقرار في منطقة بعينها[145]، فكان البائع اليهوديّ معروفًا في كلّ مدينة وبلدة، وكان معروفًا في كلّ سوق ومولد، وكانت التجارة الدوليّة عملًا تخصّصوا فيه، وكادوا أنْ يحتكروه قبل القرن الحادي عشر، حيث كانت أحمالهم، وقوافلهم، وسفنهم تجتاز الصحارى، والجبال، والبحار، وكانوا في معظم الحالات يصحبون بضائعهم، وكانوا هم حلقة الاتصال التجاريّ بين أوروبا المسيحيّة والعالم الإسلاميّ، وبين أوروبا وآسيا، وبين الصقالبة والدول الغربيّة؛ وكانوا هم القائمون بمعظم تجارة الرقيق، وكان يعينهم على النجاح في التجارة مهارتهم في تعلّم اللغات، وقدرة الجماعات اليهوديّة البعيدة بعضها عن بعض على التنسيق والتعاون فيما بينها[146].

واليهود لم يتفوّقوا إلّا في التجارة في أوروبا؛ وكان ذلك بسبب حالة العداء التي ظهرت بين أوروبا المسيحيّة والعرب المسلمين الذين تمكّنوا مِن فتح الأندلس وجنوب فرنسا، وضيّقوا الخناق على القسطنطينيّة. وبالتالي لم يعد هناك ما يغري للتجارة مع الطرف الآخر، وبقي التجّار اليهود هم الوحيدون الذين يستطيعون السفر إلى بلاد النصارى وبلاد المسلمين بحرّية تامّة ومِن دون خوف[147].
لمّا وجد اليهود أنَّ خروج عوام أوروبا في الحروب الصليبيّة سيؤدّي إلى إهمال الزراعة وشؤونها في أوروبا، وإلى نقص في الأيدي العاملة فيها، وبالتالي، نقص كبير في المواد الغذائيّة، سعوا إلى احتكار المواد الغذائيّة وتجارتها في أوروبا، ما عاد عليهم بفوائد كبيرة[148]. لكنَّ نجاح الحملات الصليبيّة في الاستيلاء على بيت المقدس، وتحقيق بعض النجاحات العسكريّة في المشرق الإسلاميّ قلب الأوضاع رأسًا على عقب بالنسبة لليهود؛ فقد أحيت معاينة الصليبيّين والحجّاج لبيت المقدس عن كثب شعورًا دفينًا لديهم بالحقد على اليهود، الذين كانوا في نظرهم وراء المصير الذي انتهت إليه حياة المسيح، فأخذ هذا الشعور ينمو بوتيرة سريعة[149]، وقد أدّى إلى استيلاء أساطيل البندقيّة وجنوة على بلاد البحر المتوسّط، فأصبحت للتجّار الإيطاليين ميزة على اليهود. وكانت مدينة البندقيّة قد حرَّمت حتّى قبل الحروب الصليبيّة نقل التجّار اليهود على سفنها، ولم يمض بعد ذلك إلّا قليل مِن الوقت حتّى أغلقت عصبة المدن الهلسيّة The Hansatic League موانئها الواقعة على بحر الشمال والبحر البلطيّ في وجه التجارة اليهوديّة، وقبل أنْ يحلّ القرن الثاني عشر أضحى الجزء الأكبر مِن التجارة اليهوديّة تجارة محلّيّة، وكانت هذه التجارة حتّى في هذا المجال الضيّق تحدّدها القوانين التي تحرِّم على اليهود أنْ يبيعوا عدّة أنواع مِن السلع، فلم يكن لهم بدّ مِن العودة إلى شؤون المال، ذلك أنَّهم وجدوا أنفسهم في بيئة معادية لهم، معرّضين لأنْ يتلف عنف الجماهير أملاكهم الثابتة، أو أنْ يصادرها الملوك الجشعون، فأرغمتهم هذه الظروف على أنْ يجعلوا مدّخراتهم مِن النوع السائل السهل التحرّك؛ فعمدوا أوّلًا إلى ذلك العمل السهل، وهو مبادلة النقد، ثمّ انتقلوا منه إلى تلقّي المال لاستثماره في التجارة، ثمّ إلى إقراض المال بالربا، ما ضاعف شعور الكراهية ضدّهم[150].

لقد تحوّل الشعور بكراهية اليهود خلال القرنين الثاني عشر والثالث عشر إلى عمليّات تنكيل وملاحقة لليهود من قبل عامّة المسيحيّين، وقد ذهب المؤرّخون مذاهب شتّى في تأويلهم لتلك الأحداث، كان أهمّها أعمال العنف والشغب المعروفة باسم البوكروو Les pogroms، والتي انطلقت في سنة 1320م، واشتدّ أجيجها بعد سنة 1348م، وقد استهدفت بعض فصولها اليهود الذين اتّهموا بتسميم الآبار، وقد فسّر العديد مِن المؤرّخين تلك الأحداث الدمويّة أنّها اندلعت في سياق الأزمة البنيويّة التي كان يتخبّط فيها الاقتصاد الأوروبيّ [151].



الخاتمة
بعد هذه الدراسة نخلص إلى مجموعة مِن النتائج، أهمّها:
أوّلًا: العوامل التي أسهمت في نشأة النظام الإقطاعيّ في أوروبا الغربيّة مطلع العصور الوسطى تتمثّل في انعدام الأمن، وعموم الفوضى، وانتشار الحركة الديريّة المسيحيّة.
ثانيًا: تمثّلت الجذور التي نشأ منها نظام الإقطاع في أوروبا الغربيّة في نظام الإحسان الرومانيّ أوّلًا، وطبيعة حياة القبائل الجرمانيّة الشماليّة ثانيًا.
ثالثًا: لمّا كان شارل مارتل مضطرًا إلى الاعتماد على سلاح الفرسان بعد تراجع دور المشاة في الحروب الجديدة، عمل على إقطاع جنوده إقطاعات زراعيّة ليتسنّى لهم التفرّغ للقتال. ولمّا كانت الفوضى وانعدام الأمن الحالة المسيطرة على المشهد العام، لجأ كثير من الفلّاحين الأحرار الذين كانوا ما يزالون يملكون مزارعهم ملكيّةً صريحة، إلى بعض الإقطاعيّين طالبين ضمّهم إلى تبعيّتهم طلبًا للحماية، فكانت هذه الخطوة التي أسهمت في تكريس دعائم النظام الإقطاعيّ بين القرنين السادس والتاسع الميلاديّين.
رابعًا: تدهورت التجارة في ظلّ النظام الإقطاعيّ بعد أنْ ساد مبدأ المقايضة، وانغلقت القرى على نفسها، وتدهورت حالة الطرق ووسائل النقل والمواصلات.
خامسًا: أمست الضيعة هي الوحدة الاقتصاديّة الأولى في النظام الإقطاعيّ في أوروبا العصور الوسطى.
سادسًا: ساد مبدأ استعباد الإنسان لأخيه الإنسان في صورة سادة إقطاعيّين وعبيد أرض.
سابعًا: دعمت الكنيسة النظام الإقطاعيّ، لا بل إنَّها كانت بحدِّ ذاتها مؤسّسة إقطاعيّة.
ثامنًا: بدأ النظام الرأسماليّ يتبلور في أوروبا منذ مطلع القرن العاشر، وارتسمت أطره العامّة في القرنين الحادي عشر والثاني عشر.
تاسعًا: كان التجّار قد تكوّنوا مِن شريحة اجتماعيّة عدّها المؤرّخون حثالة أوروبا.
عاشرًا: ترافق النشاط التجاريّ مع إعادة إحياء المدن الأوروبيّة التي خبا معظمها في عصر الإقطاع، ممّا أسهم في تكوّن طبقة اجتماعيّة جديدة عرفت بالطبقة البرجوازيّة، والتي شكّلت الحامل البشريّ للنظام الرأسماليّ الجديد.
حادي عشر: كانت الحروب الصليبيّة نافذة أطلّ منها الأوروبيّون على العالم الخارجيّ، فأدركوا حجم تخلّفهم ومدى ما وصل إليه التقدّم العلميّ عند العرب المسلمين، كما كانت طريقًا عبَرت مِن خلاله كثير مِن ثمار الحضارة العربيّة - الإسلاميّة الفكريّة إلى أوروبا في أحلك سنوات تخلّفها، ما دفعها إلى التخلّي عن النظام الإقطاعيّ والسعي للانفتاح على التجارة الدوليّة، ممّا أسهم في ميلاد النظام الرأسماليّ الجديد.
ثاني عشر: لم يغيّر الأوروبيّون في ظلّ النظام الاقتصاديّ الجديد عقليّتهم التقليديّة؛ إذ استمرّ استغلال الإنسان لأخيه الإنسان في ظلّ النظام الرأسماليّ في صورة تجّار أثرياء ومستهلكين فقراء، ملّاك مصانع وعمّال، هذا ناهيك عن أنَّ الطبقة البرجوازيّة الجديدة سيطرت على السلطة مِن خلال سيطرتها على مجالس المدن.
ثالث عشر: كانت أعمال الصيرفة والائتمان والربا والغشّ والاحتيال وكيفيّة الأسعار، السمة البارزة للنظام الرأسماليّ الأوروبيّ في العصور الوسطى.
رابع عشر: كان اليهود دعامة رئيسة للنظام الرأسماليّ الأوروبيّ الجديد.
خامس عشر: رغم موقف الكنيسة العقائديّ في اعتبار الأرض مصدر المال الشريف، والنفور مِن أعمال التجارة، وتحريم الربا والفائدة، إلّا أنَّ رجال الكنيسة في أوروبا الغربيّة لم يتورّعوا عن الخوض في جميع نشاطات التجارة، وممارسة أعمال الصيرفة والائتمان والربا والفائدة، مع إهمال كامل لواجباتهم الدينيّة.

قائمة المصادر والمراجع
أحمد إبراهيم الشعراوي، الإقطاع وأوروبا في العصور الوسطى، المطبعة العالميّة، القاهرة 1970م.
إدوار بروي، تاريخ الحضارات العام، القرون الوسطى، ج3، ط2، نقله إلى العربيّة: يوسف داغر وفريد داغر، منشورات عويدات، بيروت – باريس 1986م.
أوليفا كونستنبل، التجارة والتجّار في إسبانيا المسلمة، إعادة تنظيم التجارة في شبه الجزيرة الإيبيريّة 900-150م، ترجمة: الدكتور فيصل عبد الله، جامعة الدول العربيّة، القاهرة 2001م.
جاك لو كوف، هل ولدت أوروبا في العصر الوسيط؟ تعريب وتقديم: محمّد حنّاوي، ويوسف نكادي، ط1، مطبعة مفكر زنقة السنغال، الرباط 2015م.
جون كينيث جالبرت، جوزيف كولينز، تاريخ الفكر الاقتصاديّ، الماضي صورة الحاضر، ترجمة: أحمد فؤاد بلبع، مراجعة: إسماعيل صبري عبد الله، مجلّة عالم المعرفة، الصادرة عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب- الكويت، العدد 261، سبتمبر 2000م.
خالد يونس الخالدي، اليهود في الدولة العربيّة الإسلاميّة في الأندلس، مطبعة ومكتبة دار الأرقم، غزة 2011م.
راغب العلي وطليعة الصياح وعبد الكافي الصطّوف، دراسات في تاريخ أوربة في العصر الحديث، منشورات جامعة دمشق، دمشق 2006م.
سعيد عبد الفتّاح عاشور، أوروبا في العصور الوسطى، ج2، النظم والحضارة، مكتبة النهضة المصريّة، القاهرة 1959م.
عبد العزيز السديس، تطوّر النظم الاقتصاديّة، تحوّل أوروبا مِن نظام الإقطاع إلى النظام الرأسماليّ باستخدام نظريّة كوفالييف، جامعة الملك سعود، الرياض د.ت.
فرانسيس مور لابيه، جوزيف كولينز، صناعة الجوع، خرافة الندرة، ترجمة أحمد حسّان، مجلّة عالم المعرفة، الصادرة عن المجلس الوطنيّ للثقافة والفنون والآداب - الكويت، العدد 64، أبريل 1983م.
كارل ستفينس، الإقطاع في العصور الوسطى، ترجمة: محمّد فتحي الشاعر، دار المعارف، القاهرة، د.ت.
محمود سعيد عمران، حضارة أوروبا في العصور الوسطى، دار المعرفة الجامعيّة، الإسكندريّة، 1998م.
نعيم فرح، الحضارة الأوروبيّة في العصور الوسطى، ط4، منشورات جامعة دمشق، دمشق، 2005م.
نعيم فرح، تاريخ أوروبا السياسيّ في العصور الوسطى، ط6، منشورات جامعة دمشق، دمشق، 2005م.
نيفين ظافر الكردي، الأوضاع الدينيّة والسياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة في الغرب الأوروبيّ مِن القرن التاسع حتّى القرن الحادي عشر، رسالة معدّة لنيل درجة الماجستير في التاريخ، الجامعة الإسلاميّة بغزة، 2011م.
 هنري بيرين، تاريخ أوروبا في العصور الوسطى الحياة الاقتصاديّة والاجتماعيّة، ترجمة عطيّة القوصي، الهيئة المصريّة العامّة للكتاب، القاهرة، 1996م.
 ول. ديورانت، قصّة الحضارة، عصر الإيمان، المسيحيّة في عنفوانها، ج5، مج4، ترجمة: محمّد بدران، بيروت، 1988م.

---------------------------
[1]*- مدرس التاريخ القديم /جامعة دمشق.
[2]- نعيم فرح، الحضارة الأوروبيّة في العصور الوسطى، ط4، منشورات جامعة دمشق، دمشق 2005م، ص17.
[3]- ول. ديورانت، قصّة الحضارة، عصر الإيمان، العصور المظلمة، الإقطاع والفروسيّة، ج3، مج4، ترجمة: محمّد بدران، بيروت 1988م، ص406.
[4]- نعيم فرح، الحضارة الأوروبيّة، م.س، ص18، 19.
[5]- ول. ديورانت، قصّة الحضارة، العصور المظلمة، ج3، مج4، م.س، ص404.
[6]- نيفين ظافر الكردي، الأوضاع الدينيّة والسياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة في الغرب الأوروبيّ مِن القرن التاسع حتّى القرن الحادي عشر، رسالة معدّة لنيل درجة الماجستير في التاريخ، الجامعة الإسلاميّة بغزّة 2011م، ص162.
[7]- ول. ديورانت، قصّة الحضارة، العصور المظلمة، ج3، مج4، م.س، ص404.
[8]- نيفين ظافر الكردي، الأوضاع في الغرب الأوروبيّ، م.س، ص162.
[9]- ول. ديورانت، قصّة الحضارة، العصور المظلمة، ج3، مج4، م.س، ص404.
[10]- نعيم فرح، الحضارة الأوروبيّة، م.س، ص23-24.
[11]- عبد العزيز السديس، تطوّر النظم الاقتصاديّة، تحوّل أوروبا مِن نظام الإقطاع إلى النظام الرأسماليّ باستخدام نظريّة كوفالييف، جامعة الملك سعود، الرياض د.ت، ص13.
[12]- ول. ديورانت، قصّة الحضارة، العصور المظلمة، ج3، مج4، م.س، ص405.
[13]- سعيد عبد الفتاح عاشور، أوروبا في العصور الوسطى، ج2، النظم والحضارة، مكتبة النهضة المصريّة، القاهرة 1959م، ص45.
[14]- سعيد عبد الفتاح عاشور، النظم والحضارة، م.س، ص46.
[15]- ول. ديورانت، قصّة الحضارة، العصور المظلمة، ج3، مج4، م.س، ص405
[16]- عبد العزيز السديس، تطوّر النظم الاقتصاديّة، م.س، ص14.
[17]- سعيد عبد الفتاح عاشور، النظم والحضارة، م.س، ص47.
[18]- محمود سعيد عمران، حضارة أوروبا في العصور الوسطى، دار المعرفة الجامعيّة، الإسكندريّة 1998م، ص76، 77.
[19]- سعيد عبد الفتاح عاشور، النظم والحضارة، م.س، ص47، 48.
[20]- محمود سعيد عمران، حضارة أوروبا في العصور الوسطى، م.س، ص77.
[21]- جاك لو كوف، هل ولدت أوروبا في العصر الوسيط؟ تعريب وتقديم: محمّد حنّاوي، ويوسف نكادي، ط1، مطبعة مفكّر زنقة السنغال، الرباط 2015م، ص33.
[22]- كارل ستفينس، الإقطاع في العصور الوسطى، ترجمة: محمّد فتحي الشاعر، دار المعارف، القاهرة د.ت، ص5.
[23]- عبد العزيز السديس، تطوّر النظم الاقتصاديّة، م.س، ص16.
[24]- نيفين ظافر الكردي، الأوضاع في الغرب الأوروبيّ، م.س، ص162.
[25]- هنري بيرين، تاريخ أوروبا في العصور الوسطى (الحياة الاقتصاديّة والاجتماعيّة)، ترجمة عطيّة القوصي، الهيئة المصريّة العامّة للكتاب، القاهرة 1996م، ص64.
[26]- سعيد عبد الفتاح عاشور، النظم والحضارة، م.س، ص93.
[27]- نعيم فرح، الحضارة الأوروبيّة، م.س، ص78.
[28]- عبد العزيز السديس، تطوّر النظم الاقتصاديّة، م.س، ص32.
[29]- ول. ديورانت، قصّة الحضارة، العصور المظلمة، ج3، مج4، ص418.
[30]- عبد العزيز السديس، تطوّر النظم الاقتصاديّة، م.س، ص15.
[31]- هنري بيرين، تاريخ أوروبا في العصور الوسطى، م.س، ص69.
[32]- عبد العزيز السديس، تطوّر النظم الاقتصاديّة، م.س، ص33.
[33]- هنري بيرين، تاريخ أوروبا في العصور الوسطى، م.س، ص64.
[34]- سعيد عبد الفتّاح عاشور، النظم والحضارة، م.س، ص93.
[35]- نيفين ظافر الكردي، الأوضاع في الغرب الأوروبيّ، م.س، ص162.
[36]- ول. ديورانت، قصّة الحضارة، العصور المظلمة، ج4، مج4، م.س،ص97.
[37]- نيفين ظافر الكردي، الأوضاع في الغرب الأوروبيّ، م.س، ص162.
[38]- ول. ديورانت، قصّة الحضارة، العصور المظلمة، ج3، مج4، م.س، ص410.
[39]- محمود سعيد عمران، حضارة أوروبا في العصور الوسطى، م.س، ص66.
[40]- نعيم فرح، الحضارة الأوروبيّة، م.س، ص75.
[41]- ول. ديورانت، قصّة الحضارة، العصور المظلمة، ج3، مج4، م.س، ص412.
[42]- نيفين ظافر الكردي، الأوضاع في الغرب الأوروبيّ، م.س، ص161.
[43]- جاك لو كوف، هل ولدت أوروبا في العصر الوسيط؟ م.س، ص33.
[44]- سعيد عبد الفتاح عاشور، النظم والحضارة، م.س، ص93.
[45]- نعيم فرح، الحضارة الأوروبيّة، م.س، ص78.
[46]- جون كينيث جالبرت، جوزيف كولينز، تاريخ الفكر الاقتصاديّ، الماضي صورة الحاضر، ترجمة: أحمد فؤاد بلبع، مراجعة: إسماعيل صبري عبد الله، مجلّة عالم المعرفة، الصادرة عن المجلس الوطنيّ للثقافة والفنون والآداب- الكويت، العدد 261، سبتمبر 2000م، ص38.
[47]- نيفين ظافر الكردي، الأوضاع في الغرب الأوروبيّ، م.س، ص161.
[48]- سعيد عبد الفتّاح عاشور، النظم والحضارة، م.س، ص111.
[49]- نيفين ظافر الكردي، الأوضاع في الغرب الأوروبيّ، م.س، ص161.
[50]- ول. ديورانت، قصّة الحضارة، عصر الإيمان، العصور المظلمة، ج4، مج4، م.س، ص70.
[51]- أحمد إبراهيم الشعراوي، الإقطاع وأوروبا في العصور الوسطى، المطبعة العالميّة، القاهرة 1970م، ص53.
[52]- عبد العزيز السديس، تطوّر النظم الاقتصاديّة، م.س، ص4.
[53]- أحمد إبراهيم الشعراوي، الإقطاع وأوروبا في العصور الوسطى، م.س، ص53.
[54]- نعيم فرح، الحضارة الأوروبيّة، م.س، ص116.
[55]- أحمد إبراهيم الشعراوي، الإقطاع وأوروبا في العصور الوسطى، م.س، ص53.
[56]- سعيد عبد الفتاح عاشور، النظم والحضارة، م.س، ص104.
[57]- إدوار بروي، تاريخ الحضارات العام، القرون الوسطى، ج3، ط2، نقله إلى العربيّة: يوسف داغر وفريد داغر، منشورات عويدات، بيروت – باريس 1986م، ص406.
[58]- هنري بيرين، تاريخ أوروبا في العصور الوسطى، م.س، ص81-82.
[59]- إدوار بروي، تاريخ الحضارات العام، ج3، م.س، ص407.
[60]- ول. ديورانت، قصّة الحضارة، العصور المظلمة، ج4، مج4، م.س، ص36.
[61]- أحمد إبراهيم الشعراوي، الإقطاع وأوروبا، م.س، ص53، 54.
[62]- ول. ديورانت، قصّة الحضارة، العصور المظلمة، ج4، مج4، م.س، ص36.
[63]- عبد العزيز السديس، تطوّر النظم الاقتصاديّة، م.س، ص37.
[64]- سعيد عبد الفتاح عاشور، النظم والحضارة، م.س، ص92.
[65]- نعيم فرح، الحضارة الأوروبيّة، م.س، ص116.
[66]- نيفين ظافر الكردي، الأوضاع في الغرب الأوروبيّ، م.س، ص118.
[67]- نعيم فرح، الحضارة الأوروبيّة، م.س، ص116.
[68]- هنري بيرين، تاريخ أوروبا في العصور الوسطى، م.س، ص155.
[69]- نعيم فرح، الحضارة الأوروبيّة، م.س، ص117.
[70]- هنري بيرين، تاريخ أوروبا في العصور الوسطى، م.س، ص155.
[71]- فرانسيس مور لابيه، جوزيف كولينز، صناعة الجوع، خرافة الندرة، ترجمة أحمد حسان، مجلّة عالم المعرفة، الصادرة عن المجلس الوطنيّ للثقافة والفنون والآداب- الكويت، العدد 64، أبريل 1983م، ص73.
[72]- هنري بيرين، تاريخ أوروبا في العصور الوسطى، م.س، ص155.
[73]- هنري بيرين، تاريخ أوروبا في العصور الوسطى، م.س، ص156.
[74]- نعيم فرح، الحضارة الأوروبيّة، م.س، ص117، 118.
[75]- عبد العزيز السديس، تطوّر النظم الاقتصاديّة، م.س، ص36.
[76]- نعيم فرح، الحضارة الأوروبيّة، م.س، ص119.
[77]- م.ن، ص119.
[78]- سعيد عبد الفتاح عاشور، النظم والحضارة، م.س، ص94.
[79]- نعيم فرح، الحضارة الأوروبيّة، م.س، ص119.
[80]- عبد العزيز السديس، تطوّر النظم الاقتصاديّة، م.س، ص22.
[81]- إدوار بروي، تاريخ الحضارات العام، ج3، ط2، م.س، ص306.
[82]- نعيم فرح، تاريخ أوروبا السياسيّ في العصور الوسطى، ط6، منشورات جامعة دمشق، دمشق 2005م، ص246.
[83]- إدوار بروي، تاريخ الحضارات العام، ج3، م.س، ص306.
[84]- نعيم فرح، الحضارة الأوروبيّة، م.س، ص125.
[85]- م.ن، ص123.
[86]- هنري بيرين، تاريخ أوروبا في العصور الوسطى، م.س، ص151.
[87]- إدوار بروي، تاريخ الحضارات العام، ج3، م.س، ص405.
[88]- سعيد عبد الفتاح عاشور، النظم والحضارة، م.س، ص100.
[89]- نعيم فرح، تاريخ أوروبا السياسيّ في العصور الوسطى، م.س، ص247.
[90]- سعيد عبد الفتاح عاشور، النظم والحضارة، م.س، ص109.
[91]- نعيم فرح، الحضارة الأوروبيّة، م.س، ص119.
[92]- جون كينيث جالبرت، جوزيف كولينز، تاريخ الفكر الاقتصاديّ، م.س، ص38.
[93]- سعيد عبد الفتاح عاشور، النظم والحضارة، م.س، ص109.
[94]- م.ن، ص111.
[95]- ول. ديورانت، قصّة الحضارة، العصور المظلمة، ج4، مج4، م.س،ص72.
[96]- جاك لو كوف، هل ولدت أوروبا في العصر الوسيط؟ م.س، ص126.
[97]- راغب العلي وطليعة الصيّاح وعبد الكافي الصطّوف، دراسات في تاريخ أوروبة في العصر الحديث، منشورات جامعة دمشق، دمشق 2006م، ص58.
[98]- سعيد عبد الفتاح عاشور، النظم والحضارة، م.س، ص104.
[99]- محمود سعيد عمران، حضارة أوروبا في العصور الوسطى، م.س، ص170.
[100]- سعيد عبد الفتاح عاشور، النظم والحضارة، م.س، ص104.
[101]- هنري بيرين، تاريخ أوروبا في العصور الوسطى، م.س، ص152.
[102]- عبد العزيز السديس، تطوّر النظم الاقتصاديّة، م.س، ص23.
[103]- نيفين ظافر الكردي، الأوضاع في الغرب الأوروبيّ، م.س، ص118.
[104]- ول. ديورانت، قصّة الحضارة، العصور المظلمة، ج4، مج4، م.س، ص76.
[105]- هنري بيرين، تاريخ أوروبا في العصور الوسطى، م.س، ص93، 94.
[106]- ول. ديورانت، قصّة الحضارة، العصور المظلمة، ج4، مج4، م.س، ص94.
[107]- جاك لو كوف، هل ولدت أوروبا في العصر الوسيط؟ م.س، ص75.
[108]- ول. ديورانت، قصّة الحضارة، العصور المظلمة، ج4، مج4، م.س،ص94.
[109]- جاك لو كوف، هل ولدت أوروبا في العصر الوسيط؟ م.س، ص126.
[110]- ول. ديورانت، قصّة الحضارة، العصور المظلمة، ج4، مج4، م.س،ص95.
[111]- الفيوداليّة: نظام اقتصاديّ واجتماعيّ وسياسيّ عرفته أوروبا خلال العصور الوسطى، وامتدّ مِن سنة 395م إلى سنة 1453م، وتميّز هذا النظام باختفاء مفهوم الدولة والمواطنة وسيادة التراتبيّة الطبقيّة، ويرجع أصل التسمية إلى كلمة الفيودوم، وتعني قطعة الأرض.
[112]- جاك لو كوف، هل ولدت أوروبا في العصر الوسيط؟ م.س، ص126.
[113]- ول. ديورانت، قصّة الحضارة، العصور المظلمة، ج4، مج4، م.س،ص85.
[114]- سعيد عبد الفتاح عاشور، النظم والحضارة، م.س، ص111.
[115]- هنري بيرين، تاريخ أوروبا في العصور الوسطى، م.س، ص90، 91.
[116]- ول. ديورانت، قصّة الحضارة، العصور المظلمة، ج4، مج4، م.س،ص85.
[117]- هنري بيرين، تاريخ أوروبا في العصور الوسطى، م.س، ص90-91.
[118]- محمود سعيد عمران، حضارة أوروبا في العصور الوسطى، م.س، ص171-172.
[119]- سعيد عبد الفتاح عاشور، النظم والحضارة، م.س، ص114.
[120]- هنري بيرين، تاريخ أوروبا في العصور الوسطى، م.س، ص89.
[121]- ول. ديورانت، قصّة الحضارة، العصور المظلمة، ج4، مج4، م.س،ص71.
[122]- هنري بيرين، تاريخ أوروبا في العصور الوسطى، م.س، ص89.
[123]- ول. ديورانت، قصّة الحضارة، العصور المظلمة، ج4، مج4، م.س،ص72.
[124]- هنري بيرين، تاريخ أوروبا في العصور الوسطى، م.س، ص90.
[125]- ول. ديورانت، قصّة الحضارة، العصور المظلمة، ج4، مج4، م.س، ص74.
[126]- هنري بيرين، تاريخ أوروبا في العصور الوسطى، م.س، ص92.
[127]- هنري بيرين، تاريخ أوروبا في العصور الوسطى، م.س، ص92.
[128]- سعيد عبد الفتاح عاشور، النظم والحضارة، م.س، ص120.
[129]- ول. ديورانت، قصّة الحضارة، العصور المظلمة، ج4، مج4، م.س،ص98.
[130]- سعيد عبد الفتاح عاشور، النظم والحضارة، م.س، ص121.
[131]- ول. ديورانت، قصّة الحضارة، العصور المظلمة، ج4، مج4، م.س،ص98.
[132]- سعيد عبد الفتاح عاشور، النظم والحضارة، م.س، ص121.
[133]- ول. ديورانت، قصّة الحضارة، العصور المظلمة، ج3، مج4، م.س،ص63، 64.
[134]- سعيد عبد الفتاح عاشور، النظم والحضارة، م.س، ص121، 122.
[135]- ول. ديورانت، قصّة الحضارة، العصور المظلمة، ج3، مج4، م.س،ص63.
[136]- سعيد عبد الفتاح عاشور، النظم والحضارة، م.س، ص122.
[137]- ول. ديورانت، قصّة الحضارة، العصور المظلمة، ج4، مج4، م.س،ص106.
[138]- جاك لو كوف، هل ولدت أوروبا في العصر الوسيط؟ م.س، ص127.
[139]- محمود سعيد عمران، حضارة أوروبا في العصور الوسطى، م.س، ص30.
[140]- نعيم فرح، تاريخ أوروبا السياسي في العصور الوسطى، م.س، ص232.
[141]- سعيد عبد الفتاح عاشور، النظم والحضارة، م.س، ص96.
[142]- ول. ديورانت، قصّة الحضارة، العصور المظلمة، ج4، مج4، م.س،ص76.
[143]- سعيد عبد الفتاح عاشور، النظم والحضارة، م.س، ص97.
[144]- ول. ديورانت، قصّة الحضارة، العصور المظلمة، ج4، مج4، م.س،ص86.
[145]- سعيد عبد الفتاح عاشور، النظم والحضارة، م.س، ص94.
[146]- ول. ديورانت، قصّة الحضارة، العصور المظلمة، ج4، مج4، م.س،ص61.
[147]- خالد يونس الخالدي، اليهود في الدولة العربيّة الإسلاميّة في الأندلس، مطبعة ومكتبة دار الأرقم، غزة 2011م، ص361، 362.
[148]- نيفين ظافر الكردي، الأوضاع في الغرب الأوروبيّ، م.س، ص46.
[149]- جاك لو كوف، هل ولدت أوروبا في العصر الوسيط؟ م.س، ص98.
[150]- ول. ديورانت، قصّة الحضارة، العصور المظلمة، ج3، مج4، م.س،ص61.
[151]- جاك لو كوف، هل ولدت أوروبا في العصر الوسيط؟ م.س، ص177.