البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

المرأة والأسرة في أوروبا العصور الوسطى

الباحث :  هبة شباط
اسم المجلة :  صيف 2023م / 1445هـ
العدد :  31
السنة :  صيف 2023م / 1445هـ
تاريخ إضافة البحث :  September / 30 / 2023
عدد زيارات البحث :  1188
تحميل  ( 554.082 KB )
الملخّص
تتمحور هذه الدراسة حول دراسة طبيعة الأسرة، وحول حياة المرأة بشكل خاصّ وموقعها في المجتمع الأوروبيّ في القرون الوسطى، حيث كان المجتمع الأوروبيّ في ذلك الوقت يعيش حالة من الانحطاط ويسوده التخلّف والجهل والتعصّب. وكانت المرأة تعيش حالة يرثى لها مِن الضعف والهوان، إذ تحمّلت فيها كلّ أعباء المجتمع والفكر السوداويّ والعقليّة المتخلّفة السائدة في أوروبا خلال العصور الوسطى.
وقد أشارت الدراسة إلى حالة تراجع دور الأسرة في ذلك المجتمع بسبب حالة التخلّف التي كان يعيشها. كما أشارت إلى دور الكنيسة في ذلك الوقت في تغيير بعض العادات الإجتماعيّة سواء أكان ذلك في ما يرتبط بالزواج والتشريعات التي أقرّتها الكنيسة أم في طريقة التعاطي مع المرأة.
ومن الجدير بالذكر أنّ موقف الكنيسة من المرأة والأسرة كان يعتريه شيء من التناقض، فمن جهة عمدت الكنيسة إلى تمتين الحياة الأسريّة بجعل الزواج سرًّا من الأسرار، كما جعلت الرجل مسؤولًا عن حماية المرأة، ولكن الكنيسة كانت في المقابل تنظر إلى المرأة نظرة اشمئزاز؛ إذ اعتبرتها سبب خروج آدم مِن الجنّة، ولم تكن الكنيسة عادلة في نظرتها إلى المرأة، ففضّلت الرجل عليها، ووضعتها في مرتبة أدنى منه، وفرضت عليها الوصاية.

كلمات مفتاحية: العصور الوسطى، أوروبا، الكنيسة، المرأة، الأسرة، الزواج، حقوق المرأة.

المقدّمة
تشكّل الدراسات التي تتناول المرأة ودورها في الأسرة والمجتمع، أكثر الدراسات مصداقيًة للتعرّف على مستوى المجتمعات وما وصلت إليه مِن رقيّ وحضارة، وبما أنّنا مدعوون لدراسة أصول الحضارة الغربيّة ونقدها في ظلّ ظروف معقّدة يستمرّ الغرب فيها بنقد الشرق عامةً، والعرب المسلمين بصورة خاصّة فيما يتعلّق بحقوق المرأة؛ تأتي هذه الدراسة لكشف النقاب عن المستوى المتدنّي الذي كانت تعيش فيه المرأة الأوروبيّة طيلة ألف عام، إذ عاشتها أوروبا في ظلام دامس اصطلح المؤرّخون على تسمية هذه القرون بالعصور الوسطى. إنّنا نهدف مِن خلال هذه الدراسة إلى تسليط الضوء على أهمّ الجوانب التي يمكن أنْ نستشفّ مِن خلالها أهميّة ومركز المرأة في المجتمع الأوروبي خلال العصور الوسطى، فالتعرّف على كينونتها في الأسرة، وما يرتبط به مِن خطوبتها وزواجها، وعملها، وتربية أطفالها، يعطي صورة صادقة عن الحالة الاجتماعيّة للنسبة العظمى مِن فتيات أوروبا ونسائها خلال العصور الوسطى، بينما يعبّر موقعها أمام القانون، وموقف الكنيسة منها (على اعتبار أنَّ أوروبا كلّها كانت تدار مِن قبل الكنيسة في ذلك الزمن)، عن مدى العقليّة المسيطرة على ذلك المجتمع.

أوّلًا: الأسرة والعقليّة الاجتماعيّة في أوروبا العصور الوسطى
لقد كان المجتمع في أوروبا العصور الوسطى مجتمعًا متخلّفًا، إذ كانت الحزازات العائليّة الإقطاعية شيئًا لا يمكن السيطرة عليه، فعمليّة الأخذ بالثأر كان ينظر إليها باعتبارها نوعًا مِن العدالة الخاصّة أكثر مِن كونها جريمة، كما أنَّ جمع أبناء العشيرة مِن أدناهم إلى أقصاهم كانوا مطالبين بتنفيذ عمليّة الثأر هذه، وكانت إيطاليا بوجه خاصّ مِن أهمّ المناطق التي توطّنت فيها هذه الظاهرة، فتاريخها كلّه في العصور الوسطى كان عامرًا بالحزازات العائليّة الإقطاعية، التي عبّرت عن نفسها في شكل كثير مِن الحروب، تلك الحروب عادة ما كانت تؤدّي إلى فناء أحد الفريقين المتنازعين، أو بتدخّل الإمبراطور لفرض السلام إذعان أحد الأطراف المتصارعة لقبول تعويض عن الخسائر[2].
ومع هذه العقليّة الاجتماعيّة المتخلّفة، سيسهل على القارئ فهم كثير مِن القضايا التي سنتطرّق فيها عن تخلّف المجتمع وتراجع دور الأسرة، وانعدام أيّ مشاركة فعّالة للمرأة في حياة تلك القرون المظلمة؛ إذ عاشت المرأة في العصور الوسطى الأوروبيّة في وضع لا تحسد عليه، وعانت مِن ضغوطات كبيرة كان وراءها رجال الكنيسة مِن جهة، وأبناء الطبقة الأرستقراطيّة مِن جهة أخرى، وهكذا كانت حياة تلك المرأة أغلبها في حالة يرثى لها مِن الضعف والهوان، إذ تحمّلت فيها كلّ أعباء المجتمع والفكر السوداوي والعقليّة المتخلّفة السائدة في أوروبا خلال العصور الوسطى[3].
وقبل الاستطراد في دور المرأة في الأسرة خلال العصور الوسطى، تجدر الإشارة إلى أنَّ حياة النبلاء قد اعتمدت على الأسرة وارتبطت بها أشدّ الارتباط. فكان الفرد منهم يدور في نطاقات اهتمام الأسرة، إذ نسمع أنَّ كثيرًا مِن الأسر الكبيرة خاضت العديد مِن الحروب الخاصّة بها، بينما كانت الأسر الصغيرة تنضوي تحت ظلّ الأسر الكبيرة الإقطاعية[4]، التي سعت أنْ تكون المهنة الحقيقيّة للمرأة هي الزواج والأمومة، لذلك عملت على تعزيز الحياة الزوجيّة، وشجّعت عليها وحاربت العزوبة، وهذا ما أدّى إلى زيادة الاهتمام بالأسرة الكبيرة[5]، إذ جرت العادة بأنَّ كلّ عروسين حديثي الزواج، كان عليهما أنْ يعيشا في منزلي والديّ العريس. إنَّ مجموعة الأقارب كانوا يلتفّون حول رئيس العشيرة، وإنَّ الزواج كان عبارة عن تحالف أسري، وإنَّ الرغبات الشخصيّة لم يكن لها تأثير في ظلّ هذا النظام، فقد كان هذا التحالف أو التعاون الأسري عبارة عن وحدة للممتلكات الإقطاعية، ووريثات الإقطاع كن يتميّزن على غيرهن مِن النساء. وغالبًا ما نسمع أنَّ وريثة الإقطاع هي طفلة[6]، وهكذا لم يكن هذا الاهتمام المنصبّ على الأسرة صحيحًا وصحيًّا، إذ كان الهدف منه تحويل الأسرة إلى عنصر أمان وحماية ومصدر للدخل. وشاهدنا على ذلك، هو أنَّ مِن بين مختلف الجوانب الثقافيّة للمجتمع في أوروبا العصور الوسطى؛ كان الاهتمام بالمرأة قليلًا جدّا؛ إذ كان لظروف القمع والقيود المفروضة على أنشطة النساء بصفة عامّة؛ السبب الرئيس لذلك الاهتمام المتدنّي أو حتّى المعدوم[7]، يضاف إليه سيطرة الرجل على المجتمع الأوروبي حتّى عصر النهضة الإيطاليّة، ولكنَّ الذين يدركون ذلك هم قلّة قليلة، ففي سنة 1395م كتب تاجر يدعى فرانشيسكو داتيني مِن مدينته الصغيرة براتو، إلى شريكه في جنوة: «الرجاء أنْ تشتري لي جارية صغيرة، عمرها بين الثامنة والعاشرة، على أنْ تكون مِن سلالة قويّة»، كما لو كان يشتري حصانًا. إنَّ مَنْ يقرأ هذا عن عصر النهضة الإيطاليّة، سيسهل عليه تصوّر عبوديّة المرأة في العصور الوسطى[8]، هذا فضلًا عن الخبرة المجتمعيّة المتراكمة؛ التي كانت نتيجة حتميّة للواقع الذي فرضته ظروف المجتمع خلال تلك الفترة، إذ مكّنت موقع الرجل في المجتمع، هذا بالإضافة إلى أنَّ تعامل المرأة مع الرجل جاء مِن خلال التركيز على ضرورة العفّة وصون زوجها والدفاع عن شرف العائلة. ومع ذلك يبدو مِن الصعب تجنّب الفجوة الحقيقيّة في تاريخ المرأة مِن حيث المحتوى الفعلي للحياة اليوميّة الناجمة عن تغيّر الظروف الاجتماعيّة والاقتصاديّة خلال العصور الوسطى[9].

ثانيًا: الزواج وتكوين الأسرة في العصور الوسطى
لقد شهدت العلاقة بين الرجل والمرأة تطوّرات كبرى في سياق تحوّلات السلوك والطبائع وآداب المعاملة، ومِن المفيد التوقّف عند الزواج وتكوين الأسرة بحكم أنَّه يمثّل أهمّ تجليّات تلك العلاقة. فقد كان في البدء في العصور الوسطى في أوروبا عبارة عن قران ذي صبغة مدنيّة، ثمّ شرعت الكنيسة -منذ ظهور المسيحيّة وانتشارها في أوروبا- في تنظيمه وفق قوانين حددتها هي، فقد قضت الكنيسة بأنْ يقوم الزواج على قران غير قابل للفسخ. ولا يحقّ للرجل الزواج بأكثر مِن امرأة، وإنْ كان ذلك مخالفًا للفطرة الإنسانيّة، وبالتالي لم يتقيّد به الرجال المنتمون للطبقة الأرستقراطيّة، إذ كانوا يعقدون قرانهم على أكثر مِن امرأة واحدة. كما صعّبت الكنيسة مِن حقّ الطلاق الذي لم يعد يتمّ إلّا بإذنٍ منها[10]. لقد عرفت أوروبا العصور الوسطى مرحلة الخطوبة قبل الزواج، حيث كان يتمّ الاختيار مِن خلال مقابلة في بيت الفتاة بحضور أشقّائها، وتكون في العادة حافية القدمين حاسرة الرأس، وبعد التفاوض بين العائلتين تتم الخطوبة[11]. وكانت هذه الخطوبة عبارة عن تبادل عهد وميثاق، وكان العرس نفسه ميثاقًا، واسمه بالإنجليزي Wedding مشتقّ مِن اللفظ الأنجلوساكسوني Weddian ومعناه (الوعد)، وكان القرين spouse هو الشخص الذي يجيب «إنّي أريد» Responded. وكانت الدولة والكنيسة معًا تعدّان الزواج صحيحاً إذا تمّ بناء على تبادل عهد شفوي بين الطرفين، ولو لم يصحبه أيّ احتفال قانوني أو كنسي. وكانت الكنيسة تريد أنْ تحمي النساء بذلك مِن أنْ يهجرهنّ مَن يغوينهنّ، وتفضّل هذا الاتحاد عن الفسق أو التسرّي[12].

لقد كان الزواج في أوروبا العصور الوسطى يتمّ في سنّ مبكّرة جدًّا، وقد يرجع هذا الزواج المبكّر إلى عمليّة انتقال الملكيّة الإقطاعية[13]، إذ كان في وسع الطفل وهو في السابعة مِن عمره أنْ يوافق على خطبته، فقد تزوّجت جراس صليبي Grace de Saleby في الرابعة مِن عمرها بأحد النبلاء الذي يستطيع حماية ضيعتها الغنيّة، ثمّ مات هذا النبيل ميتة سريعة، فتزوجت وهي في السادسة مِن عمرها بنبيل آخر، إلّا أنَّها قد زوّجت وهي في الثالثة عشرة بنبيل ثالث. وكان بالإمكان حلّ أو فسخ هذا الرباط في أيّ وقت مِن الأوقات قبل بلوغ سنّ البلوغ، وكان يفترض أنْ تكون هذه السنّ هي الثانية عشرة للبنت، والرابعة عشرة للولد[14]. على أنَّ الزواج المبكّر بالنسبة للمرأة في أوروبا العصور الوسطى كان له نتائج سلبيّة عليها وعلى المجتمع مِن خلال تقصير سنوات الصبا، وتحميل الفتيات القاصرات المسؤوليّة في وقت مبكّر. وكان الأب في أوروبا العصور الوسطى حريصًا على اختيار الزوج المناسب لابنته، وعلى توفير مهرها، فالفتاة التي لا مهر لها كان الرجال يحجمون عن التقدّم لخطبتها، وهذا ما كان يخشاه أهل الفتاة على ابنتهم، لذلك كانت الأسرة تتّخذ جميع التدابير لتلافي هذه المشكلة، ففي جميع طبقات المجتمع الأوروبي في العصور الوسطى كان يطلب مِن العروس أنْ تحضر شيئًا معها عندما تدخل بيت زوجها[15]. لذلك لا يجوز للتابع أنْ يزوّج ابنته إلّا بعد موافقة السيّد، فإذا تزوّجت البنت نقلت معها جانبًا مِن إقطاع أبيها على أنَّه بائنة زواجها، وبما أنَّه مِن المعروف أنَّ الزوج سوف يسيطر على الأرض التي حازها التابع مِن السيّد، فللتابع الحقّ في أنْ يتأكّد مِن أنَّ الزوج ليس مِن أعداء السيّد[16].

لقد كانت الكنيسة ترى أنَّ رضا الوالدين أو الأوصياء ضروري لزواج القاصر، لكنّه غير ضروري للزواج الصحيح إذا بلغ الزوجان سنّ الرشد. وفي مراحل متقدّمة، تدخّلت الكنيسة وجعلت سنّ زواج البنات سنّ الخامسة عشرة حتّى إنَّها حرمته قبل هذه السنّ، ولكنَّها تسامحت في كثير مِن الاستثناءات؛ لأنَّ حقوق الملكيّة في هذه المسألة كانت تطغى على نزوات الحبّ، ولم يكن الزواج إلّا حادثًا مِن حوادث أعمال الماليّة[17]. وعمومًا، فإنَّ آثار تدخّل الكنيسة في عمليّة الزواج كانت واضحة المعالم، وتأكّدت تلك الآثار أكثر فأكثر منذ القرن الثاني عشر، إذ لم يعد بإمكان ذكر وأنثى القيام بعقد قران إلّا بحضور أحد الكهنة لهذا التعاقد (حفل الزواج). فعقد الزواج لم يعد شرعيًّا، ما لم تصادق الكنيسة عليه. وظلَّ حفل الزواج يتمّ في طقوس خاصّة قبالة بناية الكنيسة، حتّى مطلع القرن السادس عشر، إذ ستفتح الكنائس أبوابها أمام المتزوّجين ليتمّ الحفل داخل أبهائها[18].
وكان القانون الزمني يرحّب بتنظيم الكنيسة لشؤون الزواج، فكان براكتن Bracton (المتوفّى سنة 1268م) يرى أنَّه لا بدّ مِن إقامة احتفال ديني لكي يصبح الزواج صحيحًا. ورفعت الكنيسة شأن الزواج إلى مقام القداسة، وجعلته ميثاقًا مقدّسًا بين الرجل والمرأة واللّه، ثمّ بسطت سلطانها القانوني تدريجيًّا على كلّ خطوة مِن خطوات الزواج، مِن حفل الزواج إلى وصيّة الزوج الأخيرة قبل الوفاة. وقد تعدّدت بنود قانون الزواج، ومِن هذه البنود موانع الزواج، فكان يجب أنْ يكون كلا الطرفين غير مقيّد برباط زواج سابق، أو بنذر أنذره أنْ يظلّ بغير زواج، وكان الزواج بمن لم يعمّد محرّمًا، غير أنَّه وجدت مع ذلك حالات مِن الزواج بين المسيحيين واليهود. وكان الزواج بين الأرقاء بعضهم وبعض، وبين الأرقاء والأحرار، المتمسّكين بالدين الصحيح والضالّين، وحتّى بين المؤمنين والمحرومين، كان الزواج بين هؤلاء يُعدّ صحيحاً. كما كان مِن شروط الزواج ألا يكون بين الطرفين صلة قرابة تصل إلى الدرجة الرابعة - أي أنَّه يجب ألّا يكون لهما جدٌّ مشترك في خلال أربعة أجيال، وفي هذه المسألة كانت الكنيسة ترفض القانون الروماني وتقبل القانون البدائي قانون الزواج مِن خارج العشيرة؛ خشية أنْ يؤدّي زواج الأقارب إلى ضعف النسل داخل الأسرة، أو لأنَّ الكنيسة كانت تعمل على عدم السماح بتكديس الثروة داخل العائلة الواحدة نتيجة للروابط الأسريّة الضيّقة، ولكنَّ الكنيسة تغاضت كثيرًا عن هذا الشرط، خاصّة داخل الأسرة الريفيّة. كما كانت تتغاضى عن كثير مِن الثغرات الأخرى بين الحقيقة والقانون[19].

يبدأ احتفال أسرتي العريس والعروس بأنْ يرسل العريس خاتمًا للعروس، وعادة ما يقوم المدعوون بالارتطام ببعضهم البعض للتعبير عن ابتهاجهم بهذه المناسبة وحتّى لا يتمّ نسيانهم، وذلك لعدم معرفتهم بوسائل تسجيل مثل هذه المناسبات، وربّما تمّ استدعاء بعضهم كشهود على العرس، ويتمّ تغطية العروسين بكرة تسمّى كرة الزواج، وإذا صدف أنَّ أيًّا مِن الفريقين كان قد رزق ببعض الأطفال، فإنّه يتمّ جمعهم تحت هذه الكرة ويتمّ الاعتراف بهم كأبناء شرعيين. وفي آناء القدّاس الذي يقام بهذه المناسبة، فإنَّ العريس والعروس يشتركان في تناول قطعة مِن الخبز وبعض النبيذ، وبعدها ربَّما تأخذ العروس المغزل وتبرهن على مهارتها في الغزل. وبعد برهة يصيح الأصدقاء بصوت عال قائلين بالرفاه والبنين. وينثرون على الزوجين كثيرًا مِن الحبوب، كرمز للخصب، ومنها الأرز، أو بعض قصاصات مِن الورق الملوّن غير الضارّ. ويأخذون في الرقص إلى أنْ يأتي القسّ ومعه الماء المقدّس والمعطّر ويبارك أريكة الزواج، وكذلك فراش الزوجيّة[20]. ويأتي بعد حفلة الزواج موكب العرس -بموسيقاه المدويّة وثيابه الحريريّة الفاخرة- يسير مِن الكنيسة إلى منزل العريس، وتعقبه الحفلات في هذا البيت طيلة النهار كلّه ونصف الليل، وموكب العرس أمسى عادة شائعة في الشرق والغرب حتّى يومنا هذا. ولا يصبح الزواج صحيحًا حتّى يتمّ اتصال الزوجين[21]. وعندما تدخل الزوجة في فراش زوجها، فإنَّ أجراس كنيسة القرية تدقّ بشكل صاخب كنوع مِن طلب العون والمساعدة مِن القدّيسين[22].
لقد كان على العريس أنْ يقدّم لوالدي الفتاة هدايا أو مالًا، ويعطيها «هدية الصباح» ويضمن لها حقّ بائنة في مزرعته. وكان هذا الحقّ في إنجلترا، هو أنْ يكون للأرملة استحقاق مدى الحياة في ثلث ما يتركه الرجل مِن الأرض. وكانت أسرة الزوجة تقدّم الهدايا للزوج، وتخصّص لها بائنة تتكوّن مِن الثياب، والأثواب الثمينة، والأواني والأثاث، والأملاك في بعض الأحيان[23]. أمّا إذا رغب أيّ فلّاح في الزواج مِن إحدى النساء الأقنان في ضيعة محدّدة، فيجب عليه أنْ يقدّم للسيّد تعويضاً عبارة عن قدر كبير مِن النحاس، ذلك القدر يجب أنْ يكون ذا سعة كبيرة؛ بحيث تستطيع العروس أنْ تجلس فيه دون أن تضطرّ للانحناء[24].
ويعيش العروسان في جوّ صاخب يتعارض تمامًا مع ما نعيشه في أيّامنا الحالية مِن هدوء مقبول في أسرنا، فالحال ضيّق وقليل مِن أبناء الطبقة النبيلة مَن كان لديه حجرتان أو ثلاث، وعادة ما تكون مكتظّة بأفراد أسرته أو ضيوفه، لدرجة أنَّ الملك الانكليزي كان مشهورًا عنه أنَّه كان يعقد جلسات بلاطه الملكي في غرفة نومه، وزوجته الملكة جالسة على السرير بسبب ضيق المكان، وغالبًا ما يتناول الجميع طعامهم في الصالة. وتحت السلالم كان يعيش بعض الأشخاص والحيوانات الضالّة، وعند وقت الغداء يقفون في صفوف كالشحاذين يناضلون مِن أجل الحصول على الكفاف الذي تتنافس فيه الكلاب، وكان الأطفال ينامون مع والديهم أو على الأرض في الصالة[25].
 لقد كانت الواجبات المنزليّة تقع على عاتق الأمّ في الأسرة، وعلى الرغم مِن ذلك فقد سكتت مصادر العصور الوسطى عن ذكر الواجبات التي تقع على عاتق الأمّ في العصور الوسطى، سوى الإشارة إلى بعض الواجبات بصورة عامّة مِن خلال رعاية الأبناء والبنات وإرضاعهم -على الرغم مِن انتشار ظاهرة إرسال أو جلب المرضعات إلى البيت لإرضاع الأبناء- والسبب في ذلك حسب اعتقاد الكثير، هو عدم صعوبة إدارة الشؤون المنزليّة أو الواجبات الأخرى في العصور الوسطى لسهولة طرق العيش داخل المنزل الواحد[26].

ثالثًا: الأطفال
عندما تلد المرأة فإنَّها كانت تقطّر في فم ابنها بعض قطرات الخمر، وبعدها تحدث عمليّة التعميد في سنّ مبكّرة جدًّا مِن حياة الطفل، وبأسرع ما يمكن؛ خشية أنْ يؤذي الشيطان ذلك الطفل الصغير، وفق معتقد سكّان أوروبا العصور الوسطى، لا سيّما أنَّ روحه لا تجيد الدفاع عن نفسها. وفي جرن المعموديّة، يقوم القسّ بتغطيس الطفل كليّة في الماء ليحميه مِن الشيطان، ويأخذ هؤلاء الرجال، الذين يعاونون القسّ في تعميده، عهدًا على أنفسهم بحماية الطفل لمدّة سبع سنوات مِن الماء، ومِن النار، ومِن ركلة أيّ فرس، ومِن عضّة أيّ كلب. لقد قامت نساء الطبقة النبيلة بإرضاع أطفالهن بأنفسهن؛ ذلك أنَّه كان هناك اعتقاد بأنَّ لبن المرضعة سيفسد الدماء النبيلة، وفي ذلك نسمع أنَّ أم القدّيس لويس، وهي بلانش القشتاليّة، وجدت امرأة في البلاط تعطي أحد أطفال الأسرة الملكيّة رضيعة، فأمسكت الطفل مِن قدميه وهزّته إلى أنْ أفرغ كلّ ما في بطنه مِن لبن[27].

لقد كان الأطفال محبوبين، كما هم محبوبون الآن، ولكنَّهم كانوا يُضربون، وكانوا كثيري العدد بالرغم مِن كثرة مَنْ يموتون منهم في سنّ الطفولة وسنّ المراهقة[28]، لقد كانت الحياة قصيرة وكريهة، فمعظم الأطفال لا يعمّرون طويلًا، كما أنَّ كثيرًا مِن الهياكل العظميّة التي تمّ الكشف عنها، تشير إلى أنَّ سوء التغذية كان شائعًا بين الأطفال. وأمام ارتفاع معدّل وفيات الأطفال، كان على النساء الزواج بمجرّد وصولهنّ سنّ البلوغ، أنْ يلدن مِن الأطفال على الأقلّ ثلاثة. كما أنَّ التأثّرات الناجمة عن الزواج المبكّر في سنّ الثانية عشرة، يمكن تخمينها أو الوقوف عليها عند إلقاء نظرة على المياه الملوّثة، والطعام الفاسد، والرطبة الناجمة عن استخدام الحجارة في بناء جدران الغرف، وسوء معالجة الجروح، والأوبئة الناجمة التيفود والدوسنتريا، والجدري، والأنفلونزا، والطاعون كلّها أمراض فاتكة[29].
 وكانت الكنيسة ترى أنَّ حقّ الحياة للأطفال مقدّس، لذلك كان منع الحمل محرّمًا، ويرى أكويناس أنَّه جريمة لا تزيد عنها شناعة إلّا جريمة القتل العمد، بيد أنَّ وسائل مختلفة بعضها آليّة، وبعضها كيميائيّة، وبعضها سحريّة، كانت تستخدم لهذا المنع، وكان أكثر ما يعتمد عليه هو وقف الجماع. وكانت العقاقير المجهضة، أو المؤدّية إلى العقم، أو إلى العجز الجنسي، أو إلى الشبق، تباع مع الباعة المتنقّلين. وكانت العقوبات التي وضعها ربانس مورس Rabanus Maurus للتكفير عن الآثام تقضي على «مَنْ تخلط منيّ زوجها بطعامها حتّى تحسن قبول حبّه، بالندم على فعلتها ثلاثة أعوام». ورغم تشجيع الكنيسة والدولة على الزواج، إلَّا أنَّ عدد اللقطاء كان كثيرًا، بينما كان وأد الأطفال نادرًا، إذ أنشأت الكنيسة مِن أموال الصدقات في القرن السادس وما بعده الثامن النساء اللاتي ولدن أطفالًا في السرّ أنْ يودّعنهم عند باب الكنيسة، وأعلنت أنَّها ستكفلهن، وكان أولئك الأيتام يربّون ليكونوا أرقاء أرض يعملون في أملاك الكنيسة. وقرّر قانون أصدره شارلمان أنَّ الأطفال الذين يعرّضون للجو في الخلاء يصبحون عبيداً لمن ينقذونهم ويربّونهم. وأنشأ راهب مِن مونبلييه نحو سنة 1190م جماعة إخوان الروح القدس التي تخصّصت في حماية اليتامى وتعليمهم[30].

 لقد كانت حياة أطفال أوروبا في العصور الوسطى مثل حياة باقي الأطفال منذ بدء الخليقة، حيث كان يقوم الوالدان بمعاملتهم معاملة لطيفة، وكانت لهم وسائل في التسلية مثل لعبة المطاردة، والاستغماء، والمبارزة، كما كانت لديهم بعض العرائس والدمى، والعساكر الخشبيّة، والطواحين الهوائيّة المصنوعة مِن الخشب، والدمى الوثّابة، وعندما يكبرون قليلًا، فقد كانت لديهم أقواس صغيرة يصطادون بها الطيور والفئران، كذلك كانوا يقضون بعض الوقت في اللعب مع الحيوانات الأليفة، وكذلك طائر العقعق أو الببغاء، أمّا القطط فكان ينظر لها شذرًا على أنَّها مِن عشيقة الجنّ[31].
لقد امتاز أطفال أوروبا؛ لأنَّهم تقدّموا تقدّمًا سريعًا في معارفهم وخبثهم؛ وفي ذلك يقول تومس مِن أهل سيلانو Celano في القرن الثالث عشر: «لا يكاد الأولاد ينطقون حتّى يتعلّموا الخبث، وكلّما تقدّموا في السنّ، زادوا سوءًا على سوء حتّى يصبحوا مسيحيين بالاسم لا أكثر»[32]. وبسبب الخشية مِن أنْ يشب الأطفال مدلّلين نظرًا للرعاية الأنثويّة التي يحصلون عليها، فقد كان يتمّ إرسالهم في سنّ الثامنة مِن عمرهم إلى قلاع أخرى، ربَّما تكون قلاع بعض اللوردات، أو قلاع أقاربهم مثل أعمامهم، وهناك يتدرّبون على ممارسة الحياة الاجتماعيّة والأعراف السائدة في أوروبا العصور الوسطى، كمعرفة تقطيع اللحوم، والانحناء عند تقديم كؤوس النبيذ، والرقص، ولعب الشطرنج، والنرد. وبعدها يبدأ تدريبهم الحربي، فيتدرّبون على المبارزة بسيوف غير حادّة، وطعن الهياكل الخشبيّة بالرماح، والصيد باستخدام الجوارح، والخروج للصيد على ظهور الخيل ومهاجمة الحيوانات وقتلها[33]. أمّا سنّ العمل، فقد كان الأولاد يبلغونه وهم في الثانية عشرة مِن عمرهم. ويبلغون سنّ الرشد القانوني في السادسة عشرة. وكانت مبادئ الأخلاق المسيحيّة تتّبع مع المراهقين سياسة صامتة إزاء الأمور الجنسيّة، فقد كان النضج المالي؛ أي القدرة على كفالة الأسرة، يأتي بعد النضج الجنسي؛ أي القدرة على الخلف، وكان الاعتقاد السائد أنَّ التربية الجنسيّة قد تزيد آلام العفّة في تلك الفترة مِن العمر[34].
وبالمثل كان يتمّ إرسال الفتيات إلى قلعة أخرى تعتبر بمثابة مدرسة لتلقّي آخر دروسهنّ. وهناك يلتحقن بجماعة العذارى الجميلات اللاتي يظهر على شكل الكور في الاحتفالات الخاصّة بالفروسيّة. وتتعلّم البنت كلّ الأعمال الأنثويّة، مثل التطريز والغزل والموسيقا، فإذا كانت تميل إلى تعلّم الشؤون المنزليّة، فإنَّها ربّما تتدرّب على الطهي والحياكة. كما يتمّ إعدادها لكي تكون مسؤولة عن النواحي في البيت، بما فيها بعض نواحي الصحّة العامّة أو إسعاف المرضى واستخدام بعض أنواع العلاج المنزلي[35].

رابعًا: العنوسة
كانت مشكلة الفتيات العانسات مِن أكبر المشكلات التي واجهها المجتمع والكنيسة في أوروبا خلال العصور الوسطى. وتجدر الإشارة إلى أنَّ مشكلة الفتيات غير المتزوّجات مِن بنات الطبقة العليا، كانت أشدّ تعقيدًا مِن مشكلة الفتيات غير المتزوّجات مِن الطبقة الدنيا؛ وذلك لأنَّه لم يكن في المجتمع الإقطاعي مكان للعانسات واللائي لم يتزوّجن وهنّ صغيرات، على اعتبار أنَّهن مِن الطبقة العليا، ولا بدّ مِن الزواج المبكّر، الأمر الذي دفع الكنيسة إلى تقديم المساعدة بأنْ أضفت عليهن لقب «عرائس المسيح»، ممّا هدّأ مِن نفوسهن الساخطة نوعًا ما، وأشعرهن زورًا وبهتانًا أنَّهنّ أكثر وقارًا مِن الفتيات المتزوّجات، فدير الراهبات كان نظامًا طبقيًّا يقبل النساء المنتميات إلى طبقة النبلاء والأعيان فقط، إذ إنَّ بعض النساء أقبلن على حياة الرهبنة في الأديرة[36]، وانخرطن في سلكها لإشباع الناحية الدينيّة في نفوسهن، فضلًا عن أنَّ هذه الحياة هيّأت لهنّ قسطًا مِن الثقافة والعمل المنتج[37].

 لقد أخذت بعض النساء في القرن الرابع عشر ينافسن الرهبان فتركن أنفسهن للفقر والطاعة، إذ أخذت الأديرة النسائيّة تنتشر حتّى كان عدد الراهبات في أوروبا لا يقلّ عن عدد الرهبان، ولا يتوهّم أحد أنَّ المسيحيّة بإسرافها في الرهبانيّة والزهد ومكابرتها للفطرة والواقع، قد استطاعت أنْ تصلح أخلاق الناس وتعلّمهم الفضيلة؛ لأنَّ هذا لم يحدث؛ ذلك أنَّ الكبت العنيف الذي فرضته التعاليم المتزمّتة والمخالفة للفطرة الإنسانيّة لا يمكن تنفيذه، بل لا بدّ مِن أنْ يؤدّي في النهاية إلى نتيجة عكسيّة، والتاريخ خير شاهد على ذلك[38].

خامسًا: الطلاق:
كانت الكنيسة تجيز انفصال الزوجين بسبب الخيانة الزوجيّة، أو الارتداد عن الدين، أو القسوة الشديدة في معاملة الزوج لزوجته، وكان هذا الانفصال يسمّى divortium، ولكنَّ معناه لم يكن إبطال الزواج. أمّا هذا الإبطال، فلم يكن يمنح إلّا إذا ثبت أنَّ الزوج قد خالف أحد الموانع الشرعيّة التي نصّ عليها قانون الكنيسة. ويبعد أنْ تكون هذه الموانع قد ضوعف عددها عن قصد لكي يستعين على الطلاق مَنْ يستطيعون أداء الرسوم والنفقات الضخمة التي يتطلّبها إبطال الزواج، بل إنَّ الكنيسة كانت تستخدم هذه الموانع استخدامًا حكيمًا مرنًا في الظروف الاستثنائيّة التي يرجى أنْ يؤدّى الطلاق فيها إلى وجود وارث إلى ملك لم ينجب أبناء، أو يكون مِن ورائه فائدة أخرى للسلم أو السياسة. وكان القانون الألماني يجيز الطلاق في حالة الزنا، بل كان يجيزه في بعض الأحيان إذا اتّفق عليه الطرفان. وكان الملوك يفضّلون قانون أسلافهم على قانون الكنيسة الصارم، وكان سادة الإقطاع وسيّداته يعودون إلى القوانين القديمة، فيطلّق بعضهم بعضًا مِن غير إذن الكنيسة، ولم تبلغ الكنيسة في سلطانها واستمساكها بمقتضيات الذمّة والضمير درجة مِن القوّة تمكّنها مِن تنفيذ قرارتها إلّا بعد أنْ رفض إنوسنت الثالث أنْ يوافق على طلب الطلاق الذي تقدّم به إليه فيليب أغسطس ملك فرنسا القوي[39].

سادسًا: الكنيسة وزواج رجال الدين
بما أنَّ تاريخ أوروبا في العصور الوسطى هو تاريخ الكنيسة في إدارتها لمختلف تفاصيل الحياة، نود التطرّق إلى قضيّة مهمّة وحسّاسة خلال هذه الحقبة مِن الزمن؛ وهي أنَّ الكنيسة التي حثّت رعاياها على الزواج، قد حرمته على رجال الدين، ولا شكّ أنَّ هذا تناقض فاضح وواضح قد أثّر بصورة سلبيّة على المرأة والأسرة والمجتمع والكنيسة والديانة المسيحيّة، فما هي ملابسات القضيّة؟ لقد تباينت الآراء حول تطبيق مبدأ العزوبيّة على رجال الدين، ومدى إمكان تطبيق هذا المبدأ بصورة عمليّة. لقد كان معظم رجال الكنيسة الأوائل متزوّجين بما فيهم القدّيس بطرس، كما جاء على لسان القدّيس بولس (الإصحاح السابع 1-9) نصٌ يفهم منه الإذن لرجال الدين بالزواج، إذ يقول بولس في رسالته الأولى إلى أهل كورنثة: «وأمّا مِن جهة الأمور التي كتبتم لي عنها، فحسن للرجل أنْ لا يمسّ امرأة. ولكنْ لسبب الزنا، ليكن لكلّ واحد امرأته، وليكن لكلّ واحدة رجلها... ولكنْ أقول هذا على سبيل الإذن، لا على سبيل الأمر، لأنّي لا أريد أنْ يكون الناس جميعًا، ولكنْ أقول لغير المتزوّجين وللأرامل أنَّه حسن لهم إذا لبثوا كما أنا...». ومِن هذا النصّ يفهم أنَّ بولس لم يمنع زواج رجال، وإنْ كان قد حبّذ أنْ يظلّ الجميع مثله عازبًا؛ لأنَّ الزواج ومعاشرة المرأة مرتبطان بالخطيئة الكبرى الأولى التي هوت بآدم مِن الجنّة إلى الأرض[40].

ولمّا كانت الكنيسة لم تحرّم على رجال الدين الزواج، وإنَّما فضلت لهم العزوبيّة، فإنَّ الكثير مِن الرجال لم يأخذوا بهذا المبدأ، فصاروا يتزوّجون ويكوّنون عائلات مثل العلمانيين. وأمام هذا الواقع الجديد، خشيت الكنيسة مِن انصراف رجال الدين لمشاغل الأسرة والأولاد والبيت وأمور المعيشة والحياة، فأصدرت تشريعات تنصّ على عدم زواج رجال الدين، أمّا الذين كانوا قد تزوّجوا قبل رسامتهم قساوسة، فقد سمحت لهم الكنيسة بالاحتفاظ بزوجاتهم، بشرط أنْ يعاملوهن كأخوات، ولا يعاشرونّهن كزوجات[41]. لقد كانت الكنيسة تريد لرجال الدين التفرّغ الكامل للشؤون الدينيّة والروحيّة، وإهمال كامل الشؤون الدنيويّة، كما كانت الكنيسة لا تريد انتقال المناصب الدينيّة إلى أبناء رجال الدين وتصبح وراثيّة، وحتّى لا تتحوّل الأوقاف والممتلكات الكنسيّة إلى ممتلكات وراثيّة بين أبناء رجال الدين. ولكنْ على الرغم مِن كلّ هذا وذلك، فإنَّ انهيار إمبراطورية شارلمان بعد توقيع معاهدة فردان سنة 843م، وتسلّط العلمانيين على الكنيسة، أدّى إلى التخلّي عن مبدأ العزوبيّة عند رجال الدين منذ أواخر القرن التاسع الميلادي، إذ أقبل عدد كبير مِن رجال الدين على الزواج وتكوين أسر وعائلات، مثلهم مثل بقيّة أفراد المجتمع، وانصرفوا إلى الاهتمام بشؤون أسرهم ورعايتها وأمور البيت والأولاد والمعيشة والحياة، في مقابل إهمال واجباتهم الكهنوتيّة في الكنيسة، لا بل إنَّهم أخذوا يتصرّفون بالممتلكات الكنسيّة بصورة لا أخلاقيّة[42].
لقد بدت قضيّة زواج رجال الدين في القرن الحادي عشر وكأنَّها مسألة شائنة ومزعجة وحسّاسة، أكثر ممّا تبدو للكثيرين في عالم اليوم، ذلك أنَّ الفلّاحين كانوا يفضّلون رجل الدين المتزوّج على الأعزب الشهواني الطليق، الذي يستطيع أنْ يتجوّل في كلّ القرية بينما هم في عملهم في الحقول. هذا على المستوى الاجتماعي، أمّا على المستوى الديني فكانت المشكلة في إصرار آباء الكنيسة على توريث مناصبهم الدينيّة لأبنائهم، فغدت المناصب الكنسيّة وكأنَّها ممتلكات خاصّة. وعلى الرغم مِن أنَّ أيسلندا كان لها نظامها في توريث المناصب الدينيّة، فإنَّ زوجات القساوسة والمحظيات غالبًا ما تسبّبن في إثارة مشكلات لا حصر لها، حدًّا وصل معهنّ إلى قتل أسقف روين Rouen في سنة 1072م؛ لأنَّه ألقى موعظة دينيّة ضدّهن[43]. وبعد هذه الحادثة بسنتين (1074م) عقد البابا غريغوري مجمعًا دينيًّا في روما، وأصدر قرارًا يقضي بتحريم زواج رجال الدين تحريمًا تامًّا، وإرغام رجال الدين على طرد زوجاتهم فورًا، وقد قُوبل ذلك القرار بالمعارضة وعدم الرضا في مختلف أنحاء أوروبا الغربيّة، حيث كان الكثير مِن رجال الدين والعلمانيين يخشون عاقبة تفشّي الزنا بين القساوسة. ومع ذلك لم تهتمّ البابويّة بتلك المعارضة، ولم تكترث بنذير تفشّي الزنا بين القساوسة، بل اتّخذت خطوة أخرى في مجمع روما (مجمع اللاتيران الثاني) سنة 1139م قرّرت فيها جعل العزوبيّة أمرَا حتميًّا، حيث لا يجوز لأحد مِن رجال الكنيسة أنْ يعاشر امرأة، وأنَّ زواج أيّ واحد منهم يُعد أمرًا غير شرعي، وستعدّ ذرّيته أبناء سفاح[44].
وعلى الرغم مِن أنَّ هذا قرار البابويّة بعدم زواج رجال الدين قد ساعد الكنيسة على التخلّص مِن الكثير مِن أمراضها ومفاسدها الماليّة[45]، إلَّا أنَّ هذا القرار ظلّ يلقى مقاومة جيلًا بعد جيل، فلم يطبّق بصوة مطلقة في الغرب الأوروبي[46]، وإنَّ الكثيرين مِن رجال الدين كبارًا وصغارًا استعاضوا عن الزواج بإقامة علاقات غير مشروعة، وهكذا تكرّست آفة اجتماعيّة جديدة تسبّبت الكنيسة في ميلادها، أضرّت ببنية الأسرة في مجتمع أوروبا العصور الوسطى، وصلت إلى ذروتها في القرن الثالث عشر، لدرجة أنَّه كان لدى هنري أسقف مدينة لييج Liege واحد وستّون طفلّا، أربعون منهم أنجبهم خلال اثنين وعشرين شهرًا، مسجّلًا بذلك رقمًا قياسيًّا لحبّ رجال الدين في النسوة والإنجاب[47]. ولم يكن هذا الانهيار الأخلاقي قاصرًا على رجال الدين، فبما أنَّ ميل الرجل للمرأة فطري، وأنَّ الإنسان ينزع بفطرته إلى تعدّد الزوجات، ولا شيء يستطيع أنْ يقنعه بزوجة واحدة إلّا أقسى العقوبات، ودرجة كافية مِن الفقر والعمل الشاق، فإنَّه استعاض عن تعدّد الزوجات بالخيانة الزوجيّة في سبيل إرضاء شهواته، حتّى إنَّ ديورانت قال: «ولسنا واثقين مِن أنَّ الزنا كان في العصور الوسطى أقلّ انتشاراً ممّا كان في عصر النهضة»[48].

لكنَّ اللافت للانتباه هو أنَّ يهود أوروبا في العصور الوسطى تأثّروا بالأمر والبيئة المحيطة بهم، فجميعنا يعلم أنَّ الديانة اليهوديّة تبيح للرجل الزواج بأربع نساء، وأنَّ تعدّد الزوجات حائز شرعًا عند اليهود، ولم يرِد نصّ في تحريمه، ولكنْ ظهر في العصور الوسطى مَنْ يحرّمه، إذ ظهر عالم اسمه جرشوم بن يهوذا (960-1040م) المولود في مدينة فتس (إقليم اللورين في شمال فرنسا)، وقد أفتى هذا العالم بتحريم تعدّد الزوجات عند اليهود، وكان الهدف مِن هذه الفتوى إزالة الفوارق بين مسيحيي أوروبا ويهودها، ولا سيّما بعد أنْ حرّمت الكنيسة اليهوديّة هذا الأمر تحريمًا قاطعًا، وجعلت تعدّد الزوجات جريمة تجمع بين الكفر والزنا. إلّا أنَّ اجتهاد هذا الحاخام اليهودي لم يحظ بالتطبيق القانوني المتّفق عليه في المجالس المليّة ومحاكم الأحوال الشخصيّة لليهود في أوروبا إلّا منذ سنة 1240م، إذ اتّفقت كلمة اليهود وقضاتهم على تحريم ما أحلّه الله لهم، وإنْ كان عدد كبير مِن عوامهم لم يقبل بهذا الحكم، فاستمرّ تعدّد الزوجات سرًّا وعلنًا بين اليهود في أوروبا العصور الوسطى[49].
والأهمّ مِن هذا وذلك، أنَّ ظاهرة غريبة تفشّت في مجتمع أوروبا العصور الوسطى، إذ تغاضى الجميع نوعًا ما عن ظاهرة «المثليّة الجنسيّة»، التي كانت متفشّية نسبيًّا في أوساط بعض رجال الدين. ولكنْ ابتداء مِن مطلع القرن الثاني عشر عمّت «رياح الإصلاح” هذه الظاهرة بالموازاة مع تبنّي الدلالات الجديدة لمفهوم الطبيعة. فغدا «الشذوذ الجنسي» في أعين الكنيسة خطيئة؛ لأنَّه سلوك مناف للطبيعة.والملاحظ أنَّ موقف الكنيسة مِن هذا السلوك، شابه نوع مِن الغموض والاضطراب في الوقت ذاته. فتراوح بين الصرامة أحيانًا، والصمت وغضّ الطرف في أحايين أخرى؛ فقد أغفلت الكنيسة ظاهرة السحاق بين النساء، بينما عاقبت فئات مِن الرجال بعينهم، كما حدث مثلًا في حقّ المدعو جاك دي مولاي Jacques de Molay زعيم طائفة «الرهبان المحاربين باسم معبد سليمان»، الذي اتهم بارتكاب هذه الخطيئة، فصدر في حقّه حكم بالإعدام حرقًا، وبالمقابل غضّت الكنيسة الطرف عن عدد مِن الرجال المنتمين للطبقة الأرستقراطيّة الذين كانوا يمارسون الجنس مع أمثالهم[50].

سابعًا: الكنيسة والمرأة في العصور الوسطى
لم تختلف نظرة الديانة المسيحيّة للمرأة والأسرة عن غيرها مِن الديانات السماويّة، حتّى إنَّها اعتبرت الزواج سرًّا مِن أسرارها، ذلك السرّ المقدّس الذي يربط بين رجل وامرأة راغبين في الاقتران دون مانع شرعي، فتمنح لهما الكنيسة النعمة الإلهيّة بصلوات الكاهن، ممّا يعزّز رباط الحياة الزوجيّة ويقدّسه. ويُعدّ هذا السرّ مقدّسًا في تعاليم التوراة، وقد ثبّت السيّد المسيح سرّ الزواج تعاليمه[51]، فعندما سُئل: «أيحلّ للرجل أنْ يطلّق امرأته لأيّ سبب؟ فأجابهم: «أما قرأتم أنَّ الذي خلق مِن البدء خلقهما ذكرًا وأنثى؟!»، وقال: «مِن أجل هذا يترك الرجل أباه وأمه ويتبع امرأته، ويكون الاثنان جسدًا واحدًا، إذ ليس بعد اثنين بل جسد واحد، فالذي جمعه الله لا يفرّقه الإنسان»[52].

بينما يشبّه القديس بولس اتحاد الرجل بالمرأة باتحاد السيّد المسيح بالكنيسة، ويستنتج مِن ذلك واجب خضوع النساء لرجالهن، وواجب محبّة الرجال لنسائهم، على غرار خضوع الكنيسة للمسيح ومحبّة المسيح للكنيسة[53]، لكنَّ بولس كان أوّل مَنْ انتحى منحنى ترهّبي تقشّفي، ولم يُعر أهميّة بالغة لمكانة الأسرة ودور المرأة فيها، ولم يمنح تلك المؤسّسة الاجتماعيّة المزيد مِن الاهتمام، رغم أنَّه لم يستنكر الزواج، ولم يطالب بفصم عراه، ومنذ ذلك الوقت ألغيت السيادة الزوجيّة، وخفّت بالتدريج السلطة الأبويّة حتّى ألغيت تمامًا[54]؛ لأنَّ الكنيسة رأت أنَّ السلطة الأبويّة في الأسرة والمجتمع لا خير فيها أمام سلطة الدين، وأنَّ السلطة الأبويّة ستنهار في أوّل مواجهة بينها بين الغرائز الشهوانيّة (البدائيّة) القابعة في نفوس البشر، إلّا إذا كان لها دعامة مِن العقيدة الدينيّة تغرس في قلب الطفل. فإذا أريد صلاح المجتمع ونجاته، فلا بدّ له مِن دين سماوي له، يقاوم الغرائز البدائيّة بأوامر ليست مِن عند البشر، ولا تقبل الجدل مطلقًا، بل هي أوامر مِن عند اللّه عزّ وجل، محدّدة واضحة لا تقبل النزاع[55].

لقد كان موقف الكنيسة موقفًا متناقضًا مِن المرأة في العصور الوسطى، فبينما عملت جاهدةً على تقوية روابط الأسرة، إذ جعلت الزواج أمرًا مقدّسًا، وسرًّا مِن أسرارها، كذلك جعلت روابط الزواج غير قابلة للحلّ أو الانفصام، ومنعت الطلاق، إلّا في حالات استثنائيّة؛ كالعقم والزنى ومحاولة القتل وما شابه ذلك، وبالتالي كانت الكنيسة تهدف إلى تمتين مؤسّسة الأسرة، ورفع مكانة المرأة (الزوجة)، وتأمين موقعها مِن خلال ربطها برمزيّة مريم العذراء[56]. والحقيقة أنَّ ظاهرة تقديس مريم العذراء، بوصفها «أمًّا لإله»، نشأت وتطوّرت منذ وقت مبكّر في أوساط معتنقي المسيحيّة الإغريقيّة الأرثوذكسيّة، ثمّ أخذت تتسرّب شيئًا فشيئًا إلى الغرب المسيحي. وقد ظلّ مسيحيّو الغرب الأوروبي طيلة العصور الوسطى يكنّون التقدير لمريم العذراء ويبوّئونها مكانة راقية تكاد تضاهي مكانة ابنها «الإله»[57].
كما تجدر الإشارة إلى أنَّ مسيحيي أوروبا العصور الوسطى نظروا بعين الاجلال والاحترام للملكة العربيّة بلقيس ملكة سبأ في اليمن، فمنذ القرن السابع فسَّر إبزيدو مِن إشبيلية وتبعه معاصره الراهب بيد في إنجلترا مكرّرًا قوله حرفيًّا، مفسّرًا الملكة بلقيس بوصفها تمثيلًا أليجوريًّا للكنيسة نفسها «التي يجتمع الناس فيها مِن أقصى الأرض ليسمعوا كلمة الله»؛ ومعنى هذا أنَّ المرأة تطوّرت لتصبح نموذجًا للمجتمع المسيحي، أكثر مِن كونها نموذجًا للمتحوّلين مِن شعوب الأغراب إلى الديانة المسيحيّة، فقد جاءت ملكة سبأ إلى سليمان على نحو ما جاءت الكنيسة إلى السيّد المسيح، ونجد مثل هذا النوع مِن تفسير الرموز في أوروبا العصور الوسطى متمثّلًا في تمثال سليمان وملكة سبأ الذي يقع في بيت المعموديّة في بارما، وفي كاتدرائيّة شارتر في مدينة أمين في فرنسا، وفي كنيسة التويج في ريم. كما تمّ إقحام المرأة في شخصيّة الملكة بلقيس في أسطورة «العبور الحقيقي»[58]، وعلى الرغم مِن أنَّ تلك الأسطورة بدأ يروّج لها في الفلكلور البيزنطي، إلّا أنَّ الأسقف جاكويس وأفريني أشاعها في الغرب الأوروبي منذ القرن الثالث عشر، فانتشرت فيه بوصفها حكاية مِن حكايات قصص القدّيسين[59]. لكنْ في المقابل كانت الكنيسة تنظر إلى المرأة نظرة اشمئزاز؛ إذ اعتبرتها شريكة آدم  التي حرّضته على المعصية والخطيئة الأولى[60]*، وكانت سبب خروجه مِن الجنّة، وهي بذلك لا تستحقّ إلّا الاحتقار والامتهان، وهكذا تلخّصت النظرة الثانية بأنْ جعلت الكنيسة تطالب رجالها بعدم الزواج؛ على أساس أنَّ المرأة عامل مِن عوامل الغواية[61].
لم يكن هذا التناقض الوحيد في نظرة الكنيسة للمرأة؛ فرغم الاعتقاد السائد في العصور الوسطى أنَّ المرأة تخضع للرجل بحكم ضعفها الجسمي والعقلي، إلَّا أنَّ القانون الكنسي نادى بوجوب حمايتها، لكنْ يجب عليها أنْ تخضع للرجل، وكما أنَّ الله مبدأ كلّ شيء ومنتهاه، فإنَّ الرجل مبدأ المرأة ومنتهاها، ومِن هنا كان خضوع المرأة للرجل يرجع إلى قوانين الطبيعة. وممّا ساد مِن أفكار في أوروبا العصور الوسطى حول واقع المرأة في المجتمع؛ «أنَّ الله خلق الرجل في صورته»، لا في صورة المرأة. وأنَّ خضوع المرأة للرجل أصبح واجبًا عليها، بل يجب عليها أنْ تكون خادمة له، ورغم هذا كلّه فإنَّ الكنيسة كانت تمنع الزواج بأكثر مِن واحدة، ودافعت عن حقوق المرأة في وراثة الممتلكات[62].
في الواقع إنَّ نظرة العصور الوسطى في المرأة جاءت وليدة لقوّتين الأولى الكنيسة والثانية الطبقة الأرستقراطيّة، الأمر الذي كان له نتائج عكسيّة على حياة المرأة، وأسهم في تضارب الآراء عن دورها في المجتمع، حتّى إنَّ النساء وجدن أنفسهن يتأرجحن بين هاتين القوّتين[63]، ولم يكن موقف الكنيسة بأيّ حال أفضل مِن موقف الطبقة الأرستقراطيّة، إذ استمرّ عدد مِن آباء الكنيسة ولا سيّما أولئك المتأثّرين بالتعاليم التوراتيّة؛ بالحديث أنَّ المرأة ما هي إلّا حوّاء التي تسبّبت بإخراج سيّدنا آدم  مِن الجنّة وهبوطه إلى الأرض[64]. وهكذا كانت نظرة رجال الكنيسة بوجه عام معادية للمرأة باعتبارها أصل الخطيئة الأولى، ونظر رجال الدين إليها أنَّها شرّ، وإغواء، وكارثة، وخطر، وفتنة. وإذا كانت المرأة هي حوّاء التي خسر بسببها الجنس البشري الجنّة، فلا بدَّ أنَّها أداة الشيطان التي تقود الرجال إلى الجحيم[65]؛ إذ أكد تونوليان: (وهو مِن كبار القساوسة): «إنَّها مدخل الشيطان إلى نفس الإنسان، وإنَّها دافعة إلى الشجرة الممنوعة، ناقضة لقانون الله»، ووصل بهم الافتراء على حقّ المرأة بأنْ انعقدت بعض مجاميع لتنظر في حقيقة المرأة وروحها؛ هل هي بشر أم لا؟ كما أنَّ نظرة الكنيسة الكاثوليكيّة نحو المرأة جاءت على النحو الآتي: «خلال العصور الوسطى كانت العناية بالمرأة الأوروبيّة محدودة جدًّا تبعًا لاتجاه المذهب الكاثوليكي الذي كان عدّ المرأة مخلوقًا مِن المرتبة الثانية». وفي فرنسا عقد اجتماع سنة 586م بحث شأن المرأة فيما إذا كانت تُعدّ إنسانًا أم لا؟ وبعد نقاش قرّر المجتمعون: «أنَّ المرأة إنسان، ولكنَّها مخلوقة لخدمة الرجل»[66]. وهكذا أصبحت المرأة في أوروبا العصور الوسطى -في نظر الغالبيّة العظمى- في منزلة أقلّ مِن منزلة رقيق الأرض، ومِن هنا نادى البعض بوجوب حبّ الأبناء لآبائهم أكثر مِن حبِّهم لأمّهاتهم[67].

والأكثر مِن ذلك كلّه أنَّ آباء الكنيسة القدماء استكثروا أنْ تكون للمرأة روح علويّة فبحثوا في ذلك، وأكّدوا أنَّها جزء مِن الحيوانات التي لا روح لها بعد فناء جسدها، وجاء ذلك عندما أكّدوا في عبارتهم الشهيرة: «إنَّ المرأة بوّابة الشيطان وطريق الشرّ ولدغة الأفعى»، تلك النظريّة جعلت الكنيسة تطالب مِن رجالها بعدم الزواج مِن المرأة وفق أساس أنَّها عامل مِن عوامل الغواية[68].لا بل إنَّ الكنيسة رأت أنَّ الجنس البشري كلّه على بكرة أبيه قد لوّثته خطيئة آدم  وحوّاء، إذ يقول جراتيان Gratiun في كتابه الموسوم بـ(القرار) Decrtum (نحو سنة 1150) الذي اتّخذته الكنيسة بصفة غير رسميّة جزءًا مِن تعاليمها: «إنَّ كلّ آدمي ولد نتيجة لاتّصال الرجل بالمرأة يولد ملوّثاً بالخطيئة الأولى؛ معرّضاً للعقوق والموت، ولهذا فهو طفل مغضوب عليه، لا ينجيه مِن الخبث واللعنة إلّا رحمة اللّه وموت المسيح الذي كفّر عن آثامه، ولا ينقذ الإنسان مِن العنف، والشهوة، والشره، وينجيه هو والمجتمع الذي يعيش فيه مِن الهلاك إلّا المثل الذي ضربه المسيح الشهيد في الوداعة ودماثة الخلق». وبعثت الدعوة إلى هذه العقيدة، مضافة إلى الكوارث الطبيعيّة التي لم تستطع العقول فهمها إلّا على أنَّها عقاب عن الخطايا، بعثت هذه الدعوة في الكثيرين مِن أبناء أوروبا العصور الوسطى شعورًا بأنَّهم مفطورون على الدنس، والانحطاط، والإجرام، وهو الشعور الذي غلب على كثير مِن أدبهم قبل سنة 1200م[69].

كما غالت بعض قوانين الكنيسة في إخضاع المرأة، إذ لم يسمح لها بأنْ تتمتّع بأيّ حقّ مِن حقوقها أمام زوجها[70]، فالمرأة ليست إلّا للإنجاب بالدرجة الأولى، إذ حبذّت الكنيسة كثرة النسل وباركته، وحرّمت على النساء الإجهاض حتّى لو كان في ذلك حساب صحّتها. كما أساءت الكنيسة إلى روابط الأسرة عندما شجّعت على ترك الحياة الزوجيّة واللجوء إلى العفّة وحياة الرهبنة[71]، لا بل إنَّ قوانين الكنيسة أباحت للزوج ضرب زوجته وإيذاءها إذا خالفته، وكلّ ما فعلته الكنيسة إزاء هذا الوضع هو تحديد حجم العصا التي يسمح للزوج أنْ يستخدمها في ضرب زوجته[72]. وعلى الرغم مِن الموقف الذي أظهرته الكنيسة تجاه المرأة، إلّا أنَّها استمرّت في مباركة الزواج منها، ولا سيّما بعد أنْ مضى بعض الوقت وأدرك آباء الكنيسة أنَّ لا بقاء لأيّ مجتمع يعيش على هذه المبادئ العقيمة، أمّا العوام فقد أهملوا الرأي أو النظريّة التي نادت بأنَّ المرأة إنسان ناقص بالضرورة، وشرّيرة في طبيعتها، إذ لم يأخذ أحد منهم بهذا الرأي على محمل الجدّ، سوى أولئك الذين جهروا بعداوتهم للمرأة. لقد كان خضوع المرأة هو الذي حاز على رضا الناس واهتمامهم، فضلًا عن طاعتهن العمياء للزوج، والتي كانت أساسًا لفكرة معظم الكتابات الموجّهة للنساء في العصور الوسطى، وخلاصة ذلك أنَّ خضوع المرأة وطاعتها العمياء شكّل جانبًا مِن جوانب حياتها السلبيّة في أوروبا العصور الوسطى[73].
لقد شهدت الديانة المسيحيّة تحوّلًا جذريًّا بين القرنين الحادي عشر والثالث عشر إثر الصحوة الكبرى التي كرّست ظاهرة تقديس مريم العذراء، ولكنْ حدث ابتداء مِن مطلع القرن الحادي عشر أنْ أخذت ظاهرة تقديس مريم العذراء تحتلّ موقعًا متميّزًا بين معتقدات مسيحيي الغرب وضمن طقوسهم وشعائرهم. واستتبع ذلك أنْ أضحى هذا التقديس موضوع إصلاحات قامت بها البابويّة في القرنين الحادي عشر والثاني عشر. وقد ارتبط هذا التقديس بتطوّر التفاني في حبّ المسيح وتنامي العبادة القربانيّة. وبما أنَّ العذراء عنصر مهمّ في مسألة التجسّد، وتضطلع بدور مهمّ في العلاقة بين الناس والمسيح، فقد غدت بمثابة محام فوّض الناس له وحده حقّ تمثيلهم أمام ابنها الإلهي. وفي الوقت الذي اختصّ فيه معظم القدّيسين والقدّيسات في معالجة المصابين بالأمراض والعلل، فإنَّ العذراء أضحت «مختصّةً» في الكرامات التي تفيد جميع الناس. فهي وحدها المؤهّلة لحلّ مشكلات الرجال والنساء. ومِن ثَمَّ غدا لها دور مركزيّ في خلاص الناس مِن الخطيئة، بمَن فيهم المجرمون والمذنبون، الذين تلتمس لهم الثواب والمغفرة مِن لدن المسيح. واعتقد الناس بأنَّ العذراء ارتقت في ظلّ هذا الوضع، إلى مرتبة رفيعة، فغدت بمثابة الشخصيّة الرابعة في الثالوث المقدّس (الأب، الابن، الروح القدس). وتجسّدت هذه المرتبة في كون مسيحيي غرب أوروبا كانوا يخصّونها بثلاثة أعياد ذات قيمة كبرى في الديانة المسيحيّة هي: عيد التطهير، وعيد البشارة، وعيد الصعود (أو الارتقاء). ومهما يكن مِن أمر، لقد شكّل موضوع تقديس مريم العذراء جدلًا واسعًا في أوساط رجال الدين وبين عموم المسيحيين فترة طويلة مِن الزمن، تمحورت حول علاقة مريم العذراء بالخطيئة، وتمّت صياغته على النحو الآتي: بما أنَّ مريم أنثى حملت ووضعت مولودًا، ألا يمكن أنْ تكون قد وقعت في الخطيئة الكبرى؟ ولم تنتصر الفكرة التي مفادها أنَّ مريم كانت عذراء عندما وضعت مولودًا إلّا منذ مطلع القرن التاسع عشر[74].

ثامنًا: المرأة والعفة في أوروبا خلال العصور الوسطى
لمّا كانت الوثنيّة في أوروبا قد أجازت الدعارة على أنَّها وسيلة لتخفيف مشقّة وحدة الزواج، فجاءت الكنيسة لتشنَّ عليها حملة شعواء لا هوادة فيها، وطالبت الزوج وزوجته أنْ يلتزما العفّة وألّا يقربا الزنا[75]. وسهرت الكنيسة على التصدّي بصرامة للخيانة الزوجيّة، ولمختلف أشكال الزنا بشكل عام[76]، إذ كانت الكنيسة تطالب رعاياها بالعفّة قبل الزواج، لتساعد بذلك على الاحتفاظ بالوفاء بعده، وعلى النظام الاجتماعي والصحّة العامّة. وإنْ لم تمنع تلك الإجراءات الزجريّة مِن تفشّي تلك الظاهرة؛ فالشاب في العصور الوسطى كان في أكبر الظنّ قد ذاق أنواعًا مِن الصلات الجنسيّة قبيل بلوغه السادسة عشرة مِن عمره، كما عاد اللواط إلى الظهور في أثناء الحروب الصليبيّة، وفي إثر عزلة الرهبان والراهبات. وفي كتب التوبة الدينيّة التي تصف وسائل التكفير عن الذنوب ذِكرٌ لضروب الفحش، مِن بينها العلاقات الجنسيّة مع البهائم، إذ كانت طائفة كثيرة التنوّع مِن البهائم موضع صلات جنسيّة بالآدميين. وكانت الصلات الجنسيّة مِن هذا النوع إذا كشفت؛ عاقبت الكنيسة الطرفان المشتركان فيها بالإعدام، وفي سجلّات البرلمان الإنكليزي ذكْر لطائفة مِن الكلاب، والماعز، والبقر، والخنازير، والإوز، قد أحرقت حيّة؛ هي ومَنْ ارتكب معها الفحشاء مِن الآدميين. كذلك كثرت مضاجعة المحارم في تلك الأيام[77]. وعلى الرغم مِن أنَّ الكنيسة لم تنجح النجاح كلّه في القضاء على البغاء، رغم أنَّها غالت في طلب العفّة، فجعلت الزواج أقلّ مرتبة مِن العزوبيّة، ورفعت البكوريّة إلى مقام المثل العليا، إلّا أنَّها حافظت نوعًا ما على المستوى الأخلاقي داخل الأسرة، وإنْ كان بصورة نسبيّة[78].
إذ يبدو أنَّ العلاقات الجنسيّة قبل الزواج، وفي خارج نطاق الزواج، كانت منتشرة انتشارها في أيّ وقت بين أقدم الأزمنة والقرن الثاني عشر، إذ كانت غريزة الإنسان الشهوانيّة في أوروبا العصور الوسطى تتخطّى الحدود التي رسمتها الشرائع الزمنيّة والكنسيّة[79]، حدًّا ضاهت فيه ما كانت عليه في المسرح الروماني مِن فساد خلقي طليق، أو كما كانت في بعض الهياكل الوثنيّة اليونانيّة والرومانيّة مِن بغاء شنيع، أو كما كان عليه الأمر مِن انتشار واسع لرذائل الشذوذ الجنسي في بلاد اليونان والرومان في العصور الكلاسيكيّة، أو كما كان عليه الأمر مِن إفراط في الشهوانيّة الذي كان شائعًا بين الحكّام والطبقات الثريّة في المجتمع الأوروبي[80]. حتّى إنَّ بعض النساء كن يعتقدن أنَّ ورعهن في آخر الأسبوع يكفّر عن مرحهن ّوبطنتهنّ. وكان الاغتصاب شائعاً رغم ما يتعرّض له المغتصب مِن أشدّ ضروب العقاب، لا بل إنَّ بعض رجال الطبقة النبلاء كانوا يفسقون في الكنائس بل «على المذبح» نفسه؛ حدًّا وصل مع ملكتين استمتعتا ببهجتهنّ الآثمة وبلذّتهن داخل الكنيسة في أثناء الصلاة المقدّسة في يوم خميس الصعود أثناء الصيام[81].

ولم تكن الطبقة الأرستقراطيّة بأفضل خلقًا مِن غيرها في أوروبا العصور الوسطى؛ إذ فرض السيّد الإقطاعي ضريبة كبيرة على النساء غير الأحرار؛ لممارستهنّ الفجور والفسق في ضيعته، حيث كان يعتبر هذه الفاجرة ملكاً له، وبالتالي كلّ مَنْ يمارس الفسق معها عليه أنْ يدفع له مبلغًا مِن المال نظير ذلك. ولنا هنا أنْ نتصوّر مدى الانحطاط الأخلاقي والديني الذي وصلت إليه أوروبا في العصور الوسطى، ومنها: أنَّ الضريبة فرضت فقط على النساء غير الأحرار بسبب الملكيّة، يعني ذلك: أنَّ النساء الأحرار لا علاقة للسيّد بهنّ يفعلن ما يرغبن به. ثانيًا كانت العقوبة التي فرضت هي دفع المال مِن أجل المال، وليس البعد عن تلك الفاحشة، لذلك مِن الطبيعي أنْ تتمّ ممارسة ذلك مع مَنْ لديه مال، ومِن الممكن أنَّ السيّد كان يقصد الحصول على المال مِن وراء تلك الفريضة[82].
لقد تماشى العهر في ذلك الوقت مع مطالب العصر، فقد كان بعض النساء الذاهبات إلى الحجّ يكسبن نفقة الطريق ببيع أجسادهن في المدن القائمة في طريقهم. وكان كلّ جيش يتعقّبه آخر مِن العاهرات لا يقلّ خطراً عن جيش أعدائه، حتّى إنَّ الصليبيين كان بين صفوفهم جمع حاشد مِن النساء في ثياب الرجال، يسافرون معهم دون أنْ يميّزون عنهم، ويغتنمن الفرصة التي تتاح لهم مع الرجال. حتّى إنَّ الأمر وصل في حصار عكّا أنْ حضرت ثلاثمائة مِن الفتيات الفرنسيّات الحسان ليروّحن عن الجنود الفرنسيين... لأنَّ هؤلاء أبوا أنْ يخرجوا للقتال إذا حرموا لذّة النساء. بينما أقام الأشراف الذين كانوا مع القدّيس لويس في حربه الصليبيّة مواخيرهم حول خيمة الملك. وكان طلبة الجامعات، وبخاصّة في باريس، ممّن استبدّت بهم الحاجة إلى هذا الترفيه أو رغبوا في محاكاة غيرهم فيه، ولهذا أنشأت الفتيات مراكز لسدّ هذه الحاجة[83].

لقد أباحت بعض المدن أمثال تولوز (طلوشة)، وأفينون، ومونبلييه، ونورمبرج الدعارة قانونًا، حتّى إنَّها وضعتها تحت إشراف البلديّات بحجّة أنَّه بغير هذا الدنس لا تستطيع النساء الصالحات أنْ يخرجن إلى الشوارع وهنَّ آمنات على أنفسهم. وكتب القدّيس أوغسطين يقول: «إذا منعت العاهرات والمواخير، اضطربت الدنيا مِن شدّة الشبق»، ووافقه على ذلك القدّيس تومس أكويناس. وكان في لندن في القرن الثاني عشر صف مِن «المواخير» بالقرب مِن جسر لندن، وقد أجاز أسقف ونشستر في بادئ الأمر قيامها، ثمّ صدّق البرلمان على قيامها فيما بعد. وقد حرّم القانون الذي أصدره البرلمان سنة 1161م على صاحبات بيوت الدعارة أنْ يأوين فيها نساء قابلات للاحتراف، وهذا أوّل ما عرف مِن التشريع ضدّ انتشار الأمراض السارية. وقرّر لويس التاسع في سنة 1254م نفي جميع العاهرات مِن فرنسا، ونفّذ هذا القرار فعلًا، ولكنَّ الدعارة السريّة لم تلبث أنْ حلّت محلّ التجارة العلنيّة، حتّى إنَّ أهل الطبقات الوسطى فشلوا في حماية الفضيلة لدى زوجاتهم ونسائهم مِن إلحاح الجنود والطلاب. وعن انتقاد هذا القرار في آخر الأمر حتّى ألغي بعد سنتين فقط في سنة 1256م. وحدّد المرسوم الجديد الأماكن التي تستطيع فيها العاهرات أنْ يسكنّ ويمارسن مهنتهن في باريس، وحدّد أيضاً ملابسهنّ وزينتهنّ، وأخضعهن لرقابة رئيس مِن رؤساء الشرطة يسمّى ملك القوّادين أو المتسوّلين أو الأفّاقين. ونصح لويس التاسع وهو يحتضر ولده أنْ يعيد المرسوم الذي قضى بنفي العاهرات، ونفّذ فليب وصيّته، وكانت النتيجة هي النتيجة السابقة نفسها، وبقي القانون مدوّناً في سجل الشرائع الفرنسيّة ولكنَّه لم ينفّذ. وكان في روما، كما يقول الأسقف دوران الثاني المندى في سنة 1311م، مواخير بالقرب مِن الفاتيكان، وقد أجاز رجال البابا إقامتها نظير ما يتقاضون مِن الأجور، وكانت الكنيسة تظهر العطف على العاهرات، وأقامت ملاجئ للتائبات مِن النساء ووزّعت على الفقيرات الصدقات التي كانت تتلقّاها مِن العاشقات التائبات[84].

تاسعًا: المرأة والفروسيّة في العصور الوسطى
بحلول منتصف القرن الثالث عشر أصبح الفرسان الأساس الذي قام عليه نظام الفروسيّة، أي أنَّه كان الأساس لأخلاقيّات سلوك الفروسيّة، وقد تضمّنت هذه الأخلاقيّات التزامات نحو النظام الاجتماعي الذي يدعمها، ونعني بذلك الأرستقراطيّة الملكيّة والكنسيّة، كما تضمّنت أنْ يكون منبت الفرسان اختبارًا للنبل، ومِن ثَمَّ فقد كرّست فكرة أنَّ وضاعة الميلاد تعني وضاعة البواعث والأفعال. وقد ترتّب على هذين البندين التحيّز ضدّ كلّ مَن يتزوّج مِن طبقة دون طبقته، وبالتالي على الفارس أنْ يكون محاربًا صليبيًّا، وأنْ يكون عاشقًا يحيا لأجل الحبّ الرقيق، وهذا الموضوع سنتوقّف عنده قليلّا بما يخدم بحثنا[85].

 لقد انبثقت عن العلاقة بين الذكور والإناث في بلاط العصور الوسطى أشكال جديدة مِن الحبّ، إلّا أنَّها كانت خارج نطاق مؤسّسة الأسرة، وعوّضت المرأة عن قسوة الزواج، وعن حاجتها للحب والحنان الشرعيين، كما عبّرت عن وجودها؛ وإنْ كان بصورة مبتذلة وزائفة، فالعاشق وهو بالتحديد لم يكن زوجها، يخاطبها بنفس عبارات التقديس والتبجيل التي يخاطب بها القدّيسين، كما كان يأمل -بالطبع- في علاقة أفضل معها[86]. وقد عرف هذا الحب بأسماء مختلفة، منها حب اللباقة (l’amour courtois) أو الحب الرقيق (fin’amor)، وكان الهدف مِن هذه الأسماء توصيف حالة العشق والتعبير عن الشعور بالهيام والوله الشديدين مِن قبل الرجل تجاه المرأة مِن وسط أرستقراطي، حتّى إنَّ العاشق الولهان كان يتذلّل للمرأة ويبدي خضوعًا تامًّا لها، كخضوعه بين يدي سيّده السنيور. وتجدر الإشارة إلى أنَّ الباحثين اختلفوا حول نشأة هذا النوع مِن الحبّ وحول مغزاه الحقيقي رغم إجماعهم بأنَّ تروبادور (les troubadours) منطقة أوكسيتانيا (l’Occitanie) بجنوب غالة (فرنسا)، كانوا أوّل مِن أشاعه، وقد كانت مدينة بواتييه هي موطن ومدرسة ذلك الحب، بما يفيد تأثّرهم بنوع مماثل لهذا الحبّ شاع بين العرب[87].
لكنَّ هذا افتراء خطير بحقّ العرب، فالعرب عرفوا الحبّ العذري، أمّا هذا الحب الذي عرفته أوروبا العصور الوسطى، فإنَّه شكل مِن أشكال الدعارة المبطّنة، لقد كان هدف الحب العذري عند العرب هو الزواج وتأسيس أسرة كريمة، ويمكن أنْ نقدّم كمثال على ذلك قيس وليلى، عنترة وعبلة، جميل وبثينة، أمّا الحب الرقيق الذي عرفته أوروبا العصور الوسطى، فقد نشأ وتطوّر خارج مؤسّسة الزواج، ويمكن أنْ نقدّم كمثال على ذلك الفارس الإفرنجي تريستان Tristan وعلاقته بالشقراء الإيرلنديّة إيزوت Iseut، زوجة مارك ملك كورنوواي Cornouailles، ومثل هذا الحب كان يتنافى تمامًا مع مبادئ الحبّ والزواج التي كانت الكنيسة تروم إلى ترسيخها[88]، بل كان سببًا في انتشار الفسق بين بعض الشبّان مِن أبناء الطبقة الأرستقراطيّة، إذ كان الفرسان يخدمون النساء أو الفتيات الثريّات بنات الطبقة الأرستقراطيّة، نظير قبلة أو لمسة مِن أيديهن، كما كانوا يسلّون أنفسهم بخادماتهم وبخادمات هؤلاء السيّدات والفتيات الأرستقراطيّات، ومِن أولئك السيّدات مَنْ لم يكن يستطعن النوم مرتاحات الضمائر إلّا إذا هيأت بأنفسهن هذه التسلية[89]. لقد كان الفارس النبيل في أوروبا العصور الوسطى ينظر إلى خدمه مِن النساء على أنَّهن ملك له، يفعل معهنّ ما يطيب له، وغالبًا وبلا شكّ فإنَّ ما يرغب فيه كان نفس ما ترغب الواحد منهنّ فيه، ولكنْ إذا حدث ودافعت إحداهنّ عن شرفها؛ لأنَّه اغتصبها؛ فلم يكن بوسعها أو وسع أسرتها أنْ تصلح شيئًا ممّا أفسده سيّدها[90].
ويصف وليم المالمزبري Wiliam of Malmsbury أشراف الطبقة الأرستقراطيّة مِن النورمان بأنَّهم منهمكون في البطنة والدعارة، وأنَّهم يتبادلون العاشقات بعضهم مع بعض خشية أنْ يضعف الوفاء حدّة الشهوة. وكان الأطفال غير الشرعيين منتشرين في جميع أنحاء العالم المسيحي، وكانت سيرتهم موضوعاً لآلاف القصص، وكان أولاد الزنا أبطال عدد مِن هذه القصص، فمنهم كوشولان Cuchulain، وآرثر Arthur، وجاوين Gawain ورولان Roland، ووليم الفاتح، وكثيرون مِن الفرسان المذكورين في تواريخ فرواسار Froissart [91]. وإنَّنا لا نشكّ أنَّ هذه المخازي كانت سمة لأوروبا الغربيّة كلّها، وإنَّما ذكر هو جانب مِن مثالب الطبقة الأرستقراطيّة مِن خلال صلاتها مع المرأة، فقد كان النبيل في أوروبا العصور الوسطى عبارة عن مجموعة مِن المتناقضات؛ فهو محبّ رومانسي، وفي الوقت نفسه إنسان خليع، وفارس مغوار متعطّش للدماء، وشهواني، ومسيحي مخلص، وفي الوقت نفسه هازئ بكلّ القيم الروحيّة[92]. وما كان الحبّ عنده إلّا وسيلة لاستعباد المرأة بوساطة الكلمات والتسلّي بها، واللعب بمشاعرها بلعبة ظلّ يتحكّم فيها؛ لأنَّ الحب الرقيق لم يقدّم للنساء الأوروبيّات المنتميات للطبقة الأرستقراطيّة سوى علاقة وهميّة وفضائح جنسيّة وأبناء غير شرعيين وأسر مفكّكة وأخلاق منحلّة[93].

وكان مِن الطبيعي أنْ يكشف علماء النفس المحدثون ما لم تراه عيون المؤرّخين، فمن المفترض أنَّ المحبّ فيه نزعة أنثويّة صريحة منذ طفولته تدفعه إلى اختلاس النظر إلى المرأة، هذه النزعة تزداد معه بتقدّم سنوات العمر، وتظهر حسبما يقول أحد علماء النفس لدرجة أنَّ ملامح المرأة المثاليّة تكون في صورة الأمّ، بينما يكون هو كطفل صغير ناشئ، يحتاج إلى الحبّ والحنان والرقّة والعطف، وبحيث تكون علاقة المحبّ بمحبوبته بدرجة علاقته بأمّه نفسها وهو في سنّ الطفولة، مع نوع مِن التخيّلات الجامحة[94].

عاشرًا: حقوق المرأة في العصور الوسطى
لقد كان مركز المرأة في المجتمع الأوروبي في العصور الوسطى ثانويًّا بحتًا في ظلّ النظام الإقطاعي؛ وذلك بسبب أنَّ هذا النظام قام في المرتبة الأولى على الحروب والقتال، وهذا مِن اختصاص الرجال، لذلك كان دورًا ثانويًّا[95]، بما في ذلك زوجة النبيل، إذ كان مسموحًا له بأنْ يضربها ما دام ذلك في صالحها، كما كان لهذا النبيل أنْ يتّخذ لنفسه بعض المحظيّات، وأنْ يأتي بأطفال غير شرعيين إلى القلعة لتعليمهم، ووفقًا للعرف السائد كانت الزوجة النبيلة مضطرّة لأنْ تقوم بتوزيع بعض الهدايا على رفاقها وغيرهنّ ممّن هنّ دونها مستوى[96]. وتوضّح لنا أناشيد المآثر أنَّ أزواج عهد الإقطاع كانوا يضربون زوجاتهم بوحشيّة دون أنْ يخالجهم أيّ إحساس بتأنيب الضمير[97]. ولمّا قضت قوانين بوفيه في القرن الثالث عشر ألّا يضرب الرجل زوجته إلّا لسبب، كان ذلك خطوة كبرى إلى الأمام[98].

إنَّ هذا الواقع المزري لحقوق المرأة في العصور الوسطى يشرحه النظام الإقطاعي المسيطر على معظم المجتمع الأوروبي في العصور الوسطى، إذ يبدو أنَّ المصالح العائليّة أو الماليّة هي التي حكمت دائمًا في اختيار الزوجة، إذ كان يراعى فيها بقدر الإمكان أنْ تكون وريثة إقطاعيّة أو على الأقلّ وريثة جزء كبير مِن الأرض[99]. وقد أدرك مؤرّخو العصور الوسطى تلك المساوئ مِن خلال الزيجات الإقطاعية؛ وهي زيجات تكافؤ بعيدًا عن الحبّ العذري، وهذه العقيدة هي أنَّه مهما كان مِن الاحترام والودّ بين الزوجين، فعاطفة الحبّ لا يمكن أنْ توجد بينهما؛ لأنَّها في جوهرها عاطفة تنشدها القلوب الطليقة مِن كلّ قيد، وتنالها بحريّة تامّة، وكان يندر أنْ تعبّر المرأة عن وجهة نظرها في زواجها في مجتمع إقطاعي رجعي متخلّف لا يقيم وزنًا لرأي المرأة أصلًا[100]. وبعد الزواج يصبح مطلوبًا منها أنْ تضع مولودًا ذكرًا، فإنْ أخفقت في هذه المهمّة، كان مِن السهل على زوجها غالبًا أنْ يغري الأسقف بفسخ الزواج[101].
لقد كان المجتمع الأوروبي في العصور الوسطى أبويًّا في الأساس، وهذا يعني أنَّه يتميّز بتبعيّة شاملة مِن حيث إقصاء نسبي للنساء مِن الثروة والمكانة والسلطة. وعلى هذا الأساس، فإنَّ النساء تمتّعن بنفوذ وقوّة أقلّ ممّا كان يتمتّع بهما الرجل، لذلك فإنَّ مركزهنّ الاجتماعي تميّز بالتدنّي مقارنة بالرجل مِن الطبقة ذاتها، مِن خلال الإرث، والمُلكيّة الخاصّة، والفرص الاقتصاديّة، وبلوغ درجات التعليم، فضلًا عن الحقوق القانونيّة والسلطة السياسيّة الرسميّة، إذ إنَّ النساء الفلّاحات نُظر إليهنّ بحالات قصور أساسيّة بحكم التمييز العنصري الموجود في المجتمع الأوروبي في العصور الوسطى ضدّ المرأة، إذ إنَّ المحن المشتركة والاضطرابات الحاصلة في المجتمع خلال تلك الحقبة؛ هي التي جعلت مِن غير الممكن حدوث تحوّل في مكانة المرأة، وحتّى نساء الطبقات الأخرى المختلفة قد عانين مِن تلك التبعيّة بأساليب مختلفة، وإنَّ تلك النظرة والتمييز جاءت على حدّ سواء بالنسبة لنساء الفلّاحين وملّاك الأراضي أو حتّى نساء رجال الدين[102]. يشير الدكتور نور الدين حاطوم إلى أنَّ نظام التبعيّة الإقطاعيّة قد نفَذَ إلى حرم العلاقات الأسريّة، فالزوجة والأولاد يعتبرون أتباعًا لربّ الأسرة، ويعتبر هو أميرهم أو بارونهم، وفي الأسرة الملكيّة والطبقة النبيلة كانت الصلات بين الأبوين تخضع لطقوس ومراسيم تبعيّة. ودامت هذه الطقوس عشرة قرون أخرى كان فيها ابن النبيل يدعو أباه (سيّدي) وأمه (سيّدتي)[103].
لقد فرض النظام الإقطاعي في أوروبا العصور الوسطى على المرأة أنْ تكون دائمًا تحت وصاية رجل، أبوها في أوّل الأمر ثمّ زوجها بعد ذلك، أمّا الأرملة فتكون تحت وصاية سيّدها أو أكبر أبنائها. حقيقة إنَّه كان مِن حقّ المرأة أنْ ترث إقطاعًا، ولكنَّها لا تستطيع أنْ تباشر حقّها في حكمه إلّا عن طريق زوجها. ولعلّه مِن الواضح تفسير هذه الظاهرة في عجز المرأة عن القيام بأعباء الوظيفة الأساسيّة لطبقة الإقطاعيين؛ وهي الحرب[104]. حتّى النساء اللواتي كان لهنّ نصيب في المعترك الإقطاعي، كان عليهنّ طاعة الأب أو طاعة الزوج، معتمداً ذلك على كونها متفرّغة للعبادة أو مرتبطة كزوجة، لكنَّ المرأة بسبب خصوصيّتها كامرأة، كان يصعب تحديد نظام لها داخل القالب الإقطاعي، فلم يكن بوسع المرأة أنْ تشترك في البيعة أو امتلاك إقطاعيّة على الرغم مِن أنَّها تستطيع أنْ تنقل إقطاعيّة إلى زوجها؛ وذلك بسبب عجز المرأة عن القيام بأعباء الوظيفة الأساسيّة لطبقة الإقطاعيين؛ وهي الحرب. ويبدو أنَّ المصالح العائليّة أو الماليّة هي التي تحكّمت دائمًا في اختيار الزوجة، إذ كان يراعى فيها أنْ تكون وريثة إقطاع أو على الأقلّ وريثة قدر كبير مِن الأرض[105].

رغم تضارب وضع المرأة داخل الكنيسة بين حوّاء ومريم العذراء، كان القانون المدني أشدّ قسوة على المرأة مِن القانون الكنسي؛ فقد أباح القانون المدني للزوج أنْ يضرب زوجته، كما رفض سماع أقوالها أمام المحكمة كشاهد لدى المحاكم[106]، فمِن الناحية القانونيّة لم تكن شهادتها مقبولة في المحكمة إلّا في حالة اغتصابها، أو مقتل زوجها في حضورها، ويعاقب على الإساءة للمرأة بغرامة تعادل نصف ما يفرضه على الرجل نظير هذه الإساءة نفسها[107]، وكانت عقوبة المرأة الزانية في القانون المدني عقوبة قاسية، مثال ذلك أنَّ أقلّ ما كان يحكم به القانون الساكسوني على الزوجة التي تخون زوجها، هو جدع أنفها وصلم أذنيها، وأجاز لزوجها أنْ يقتلها، لكنَّ كتب التاريخ لم تتحدّث عن عقوبة وحشيّة للرجل الزاني، إذ كان سادة الإقطاع يغوون رقيقات الأرض، ولا يحكم عليهم إلّا بغرامة قليلة: «فمَنْ وطئ بنتًا مِن غير شكرها -أي رغم إرادتها- أدّى للمحكمة ثلاث شلنات[108]. فالقانون كان خاصًّا بالرجال وحدهم، والرجل هو صاحب السلطة الوحيدة في العائلة والمجتمع والدولة، حتّى أنَّ إحدى القواعد الثابتة في العصور الوسطى، تدور حول العبارة الآتية: «لا يجب سماع صوت المرأة علانية»[109].
ولم يكن للمرأة مِن حقوق إزاء زوجها، فبوسعه أنْ يتصرّف في أملاكها، وأنْ يضربها إذا ضايقته[110]، إذ نصّت المادّة السابعة عشرة بعد المائتين مِن القانون الفرنسي: «المرأة المتزوّجة -حتّى وإنْ كان زوجها قائما على أساس الفصل بين ملكيّتها وملكيّة زوجها- لا يجوز لها أنْ تهب ولا أنْ تنقل ملكيّتها، ولا أنْ تملك بعوض أو بغير عوض مِن دون اشتراك زوجها في العقد أو موافقته عليه موافقة كتابيّة». وفي إنكلترا حرّم الملك هنري الثامن Henry VII على المرأة الإنجليزيّة قراءة الكتاب المقدّس، وتجدر الإشارة إلى أنَّ هذا التحريم استمرّ حتّى سنة 1543م. واستمرّت النساء خلال مدّة طويلة غير معدودات مِن المواطنين أو ليس لهنّ حقوق شخصيّة[111]؛ فقد حرّم القانون النساء في أوروبا العصور الوسطى، حتّى أرقاهنّ مولدًا، مِن أنْ يُمثّلن ضياعهن في برلمان إنجلترا، أو في الجمعيّة العامّة للطبقات بفرنسا[112]. إنَّ تدنّي مكانة المرأة جاءت مِن خلال المعاملة القاسية التي عوملت بها؛ وذلك لأنَّها كانت تُعدّ كائنًا أدنى، وليس له أيّ حقوق شخصيّة أو قدرات فكريّة، وإنَّ محور الحياة في أوروبا العصور الوسطى يدور حول مسألتين؛ أوّلهما العبوديّة، والثانية الدونيّة أو التقليل مِن شأن المرأة، وهذا ما يؤكّد المقولة الشائعة في أوروبا العصور الوسطى: «إنَّ على المرأة أنْ تصمت في هذا العالم»[113].

الحادي عشر: عمل المرأة في العصور الوسطى:
لقد كانت أهمّ الواجبات الملقاة على عاتق المرأة في العصور الوسطى هي القيام بالواجبات المنزليّة مِن الطهي وصنع الصابون والشمع والزبد وعصر الجعة وغسل الصوف والكتّان ونسجه وغير ذلك ممّا يعتبر مِن الكفاية الذاتيّة للأسرة. كما كان عليها أنْ تُزيّن بيتها على قدر مستوى الأسرة وأنْ تجعله نظيفًا، وأنْ تربّي أطفالها وتعتني بهم، وأنْ تهتمّ بشؤون زواجها، سواء أكان مِن السادة أم مِن الفلّاحين[114]. وكانت زوجة السيّد النبيل مِن الطبقة الأرستقراطيّة لها أهمّية في كلّ شيء؛ لأنَّه كان لها بعض الحقوق الإقطاعيّة على الأرض التي تحصل عليها مِن إرث زوجها، وكان في مقدورها أنْ تمارس كلّ سلطاته، أو أنْ ترأس أحد الأديرة. وتُعتبر زوجة السيّد، سيّدة القلعة عند غياب زوجها، فيتحتّم على أتباعه وموظّفيه وخدّامه أنْ يطيعوها. كما كانت تخرج على فرسها في مواكب الصيد بصحبة الرجال، وكانت الواجبات الملقاة عليها معروفة إذ يتمّ التخطيط لكلّ شيء مسبقًا، ولم تكن في حاجة لأنْ تخرج للتسوّق في عجالة، ومع هذا فقد كانت تعتبر قاصرًا وتخضع لوصاية زوجها عليها. وفي غالب الأحوال، كانت امرأة سليطة اللسان أو مشاكسة، وأحياناً كانت تحبّ زوجها، ومحبوبة لديه[115]. وتجدر الإشارة إلى النساء وفق النظام الإقطاعي الذي ساد في أوروبا خلال العصور الوسطى، كنّ معفيّات مِن الخدمة العسكريّة، لكنّهن إذا حصلن على إقطاعات وورثت أتباعًا؛ كان ينبغي عليهنّ إمداد السيّد بفرسان يقومون بالخدمة العسكريّة نيابة عنهنّ[116]. وكان على زوجة السيّد أن تتزيّن له في أوقات فراغها وترتدي الثياب الحريريّة وتغطي رأسها بغطاء جميل؛ كي تشيع البهجة داخل المنزل[117].

أمّا في المدن، فقد اشتغلت المرأة بصناعة الجعة والنبيذ بالإضافة إلى غزل الأصواف، ويبدو أنَّ هذه الحرف فتحت بابًا للعمل أمام غير المتزوّجات مِن الأرامل والعانسات، على الرغم مِن حرص بعض النقابات على تحريم اشتغال النساء بأعمال معيّنة حتّى لا ينافسنّ الرجال بسبب رخص أجورهن[118]. وشاركت المرأة مِن سكّان المدن بجهدها في المحيط الذي تحيا فيه، فعلى سبيل المال كانت تقوم بغزل النسيج وما يلزم للنقابات حتّى أصبح عدد النساء مساويًا لعدد الرجال في شركات الحرير وإن كان أجرهن أقل مِن أجور الرجال[119]. أما فيما يتعلق بعانسات الطبقة العاملة فقد تم استيعابهن في دور الصناعة وفلاحة الأرض، على أن عانسات الطبقة العليا تم تنظيمهن في جماعات، وفي إدارة الضيع، الأمر الذي هيء لهن نوعا مِن التعليم كان أرقى مِن التعليم الذي كان الرجال والنساء يتلقونه على حد سواء خارج نطاق الدير[120].
وإذا كانت سيّدات الطبقة الأرستقراطيّة والطبقة البرجوازيّة قد تمتّعن بقسط مِن الراحة والتسلية، فإنَّ الفلّاحات وزوجات الأقنان حُرمن مِن هذه النعمة؛ لأنَّ قسوة الحياة كثيرًا ما أجبرتهن على مشاركة أزواجهنّ في الكفاح والعمل مِن أجل لقمة العيش. لذلك أسهمت الفلاحة بسهم وافر في الحياة الأوروبيّة في العصور الوسطى، كما قامت المرأة في داخل المنزل بكلّ ما احتاجت إليه الأسرة مِن طعام وشراب ولباس، فعملت في جزّ الصوف وغزله ونسجه وتربية الدواجن، إذ كانت تقوم بتغذية الدجاج وجمع بيضه، وتقوم بصناعة مستحضرات الألبان، وترعى قطعان الخنازير، هذا كلّه زيادة على تربية أولادها. أمّا خارج المنزل، فقد أسهمت في بناء الأكواخ وقطع الأعشاب وجمع المحصول وتخزينه، كما كانت تعتني بأشجار الكروم، وتغزل وتنسج، وتخيط الملابس وتصبغها وتفصّل العباءات وأغطية الرأس لبيعها للناس ثمّ لأهل بيتها. ومع ذلك، إنَّ العرف الإقطاعي شمل زوجة القن بشيء مِن الرعاية، إذ جرت العادة على إعفائها -وهي في حالة الولادة- مِن ضريبة الدجاج التي عليها أنْ تقدّمها سنويًّا بل الصوم الكبير، فضلّا عن حصولها في هذه الحالة على بعض المساعدات الماليّة[121].

إنَّ تحوّل المرأة مِن البيت إلى أماكن العمل الرئيسة، قد أدّى إلى حدوث تغيّر اجتماعي حادّ نسبيًّا، والواقع أنَّ الملامح البارزة للتجربة الاقتصاديّة والاجتماعيّة للنساء اللاتي اجتذبن أساسًا للخدمة المنزليّة وصناعة الملابس وحياكة المنسوجات، قد كشفت في نقلهن مظاهر مِن التقاليد الريفيّة مِن قيم وممارسات وتراكيب اجتماعيّة إلى تقاليد المدينة الجديدة؛ إذ إنَّ اقتصاديّات الأسرة هي أهمّ مجال مارست فيه المرأة نشاطها قبل هجرتها إلى المدينة، وكثيرًا ما اضطلعت المرأة بمسؤوليّة إدارة المسائل الماليّة للمنزل، وقد نقلت النساء بعض تلك المهام إلى المدينة. لقد كانت البنات المشتغلات بالخدمة المنزليّة وحياكة الثياب والمنسوجات، صغيرات في السنّ. وكانت الفتيات اللواتي يكلّفن بأعمال مِن هذا القبيل يوفرْن جزءًا مِن أجورهن للمساعدة في أعباء البيت؛ لكي يضاف إلى دخل الأسرة، بينما كان الجزء الباقي يدّخر استعدادًا للزواج. وعندما تتزوّج الفتاة، فإنَّها تتخلّى عن العمل، ولكنّها لا تتوقّف عنه نهائيًّا[122].
لقد شهدت أوروبا في مرحلة ما بعد الطاعون الأسود، الذي أودى بحياة ربع سكان أوروبا تقريبًا خلال ثلاث سنوات (1347-1350م) [123]، تطوّرًا كبيرًا لدور المرأة، وتمتّعت باستقلاليّة اقتصاديّة متزايدة، وفق اعتبار قيامهنّ بأعمال كانت مخصّصة للرجال، ولا سيّما بعد ارتفاع نسبة وفيات الرجال، إذ ازدادت نسبة حصولهنّ على الأراضي، سواء كونهن وريثات أم أرامل. إنَّ النساء باعتبارهنّ عاملات، شاركن مع الرجل في ارتفاع الأجور، ومارسن أنواعًا مختلفة مِن الأعمال، لذلك استطاعت النساء أنْ يجدن مهنًا كانت مقتصرة فيما مضى على الرجال كـ(الحدادة، الدباغة، التجارة). وعلى الرغم مِن أنَّ النساء تمّ جلبهن إلى المدن للعمل كخادمات أو عاملات في معامل النسيج في مدّة كانت فيها الأجور والغذاء رخيص، إذ تمّ استخدام الشابات غير المتزوّجات كخدم في تلك المعامل، وهذا الشيء، وإنْ زاد مِن الفرص الاقتصاديّة، إلّا أنَّه أخّر سنّ الزواج، لذلك ألقت الكوارث الطبيعيّة التي حدثت في أوروبا العصور الوسطى بظلالها على المرأة مِن خلال تدنّي مكانتها في المجتمع. وفي المقابل، إنَّما عزّز فرصة زيادة المرأة لحظوظها في المجتمع، هو أنَّ الحروب المستمرّة في أوروبا خلال العصور الوسطى، قد حصدت أرواح عدد كبير مِن الرجال[124].
إلّا أنَّ المكاسب التي حقّقتها المرأة في المرحلة التي جاءت بعد حقبة الطاعون الأسود، لم تسعفها في الاحتفاظ بتلك المكاسب لمدّة طويلة مِن الزمن. والمشكلة الرئيسة في ذلك تكمن في أنَّ وضع المرأة أصبح تحت سطوة التهديد مِن خلال الركود الاقتصادي الذي خلّفه ذلك الطاعون، أو انحدار في الطلب على العمالة، أو مِن خلال نموّ السكان زيادة؛ ما أسهم في توفّر العمال في فترة ما بعد حقبة الطاعون الأسود، وهكذا لم تجلب المكاسب التي حقّقتها المرأة لنفسها خلال هذه الفترة مِن الزمن؛ أيّ تحسن؛ لأنَّ المرأة كانت عاجزة عن أنْ تحتفظ لنفسها بتلك المكاسب. على أنَّ السبب الرئيس في ذلك يعود إلى النظرة المتدنيّة للمرأة مِن خلال دورها في المجتمع، والذي اقتصر على الحياة المنزليّة[125].

وتجدر الإشارة إلى أنَّ عدد النساء في معظم نقابات الحرف الإنجليزيّة، كان مساويًا لعدد الرجال فيها، ويرجع معظم السبب في ذلك إلى أنَّ الصنّاع كان يسمح لهم أنْ يستخدموا زوجاتهم وبناتهم، ويسجلوا أسماءهنّ في النقابات. وكانت بعض النقابات الطائفيّة المخصّصة للصائغات مِن النساء تتألّف مِن النساء وحدهنّ. وكان في باريس في آخر القرن الثالث عشر خمس، عشر نقابات طائفيّة مِن هذا النوع. على أنَّ النساء قلّما كنّ رئيسات في نقابات الحرف المكوّنة مِن الذكور والإناث، وكنّ يتقاضين أجوراً أقلّ مِن أجور الرجال نظير الأعمال المتساوية[126]. وعلى الرغم مِن المكاسب الاقتصاديّة التي حقّقتها المرأة، إلّا أنَّها لم تصاحب بمكاسب قانونيّة أو سلطة سياسيّة، وهذا جعلهنّ غير قادرات على الدفاع عن أنفسهنّ، وبالتالي أصبحت مكانة المرأة وثروتها متذبذبة طوال العصور الوسطى. وعلى العموم، فإنَّ الكيفيّة التي اتّجهت فيها المرأة إلى العمل في أعمال تتطلّب قوّة ومهارة، فضلًا عن أجور منخفضة تحسب لها؛ لذلك بدأت بالقفز مِن عمل إلى آخر، أو أداء أكثر مِن عمل في وقت واحد، إذ أخذت النساء بالتدرّب على المهن بشكل رسمي ودائم، فإنَّ هذه الشيء كان دائمًا ما يقابل بردّ سيّئ؛ لأنَّه غير قانوني، إذ إنَّ العمل في إنتاج الألبان في إقطاعيّات السيّد، كان محفوظًا للنساء، إلّا أنَّ إدارة ذلك كان مخصّصًا للرجال، والسبب يرجع إلى نظرة المجتمع الأوروبي في العصور الوسطى للنساء. إنَّ عمل المرأة يجب أنْ ينحصر في إدارة شؤون منزلها[127].

الخاتمة
لم تعرف أوروبا العصور الوسطى النظام الأسري بالمعنى الصحيح للكلمة؛ فبدل نظام الأسرة الكبيرة التي يعمل أفرادها معًا ويحاربون معًا، ظهرت الأسر الصغيرة التابعة لسيّد إقطاعي وفق نظام الأقنان، وكانت هذه الأسر تعاني الأمرّين؛ مِن ارتفاع نسبة وفيات الأطفال نتيجة سوء التغذية، كما كانت تعاني هذه الأسر مِن انتشار الأوبئة التي حصد أحدها ربع سكّان القارّة في ثلاث سنوات فقط. كما كانت تعاني مِن الأسر الأمراض السارية وقلّة الدواء، والغلاء، واستغلال النبلاء، ومِن سنوات القحط، يضاف إلى هذا الآفات والأمراض الاجتماعيّة والدينيّة، بما فيها آفات وأمراض الكنيسة، التي كانت محور حياة الناس في العصور الوسطى، فمنع رجال الدين مِن الزواج -على سبيل المثال- أسهم إسهامًا عميقًا في انهيار الأسرة في أوروبا العصور الوسطى، وكان سببًا في آلاف الأطفال غير الشرعيين.
أمّا بخصوص المرأة، فقد كان دورها في أوروبا العصور الوسطى دورًا ثانويًّا، إذ لم تعرف إلّا زواج القاصرات، وكانت المرأة (سواء أمًا أم زوجة أم ابنة) تعاني مِن الاضطهاد مِن قبل الطبقة الأرستقراطيّة والكنيسة على حدّ سواء، فلم تكن الكنيسة عادلة في نظرتها إلى المرأة، عندما فضّلت الرجل عليها، ووضعتها في مرتبة أدنى منه، وفرضت عليها الوصاية. كما لم يكن القانون المدني في أوروبا العصور الوسطى أفضل مِن القانون الكنسي، إذ سلب المرأة أبسط حقوقها، وهو حقّ الدفاع عن نفسها أمام المحكمة. كما لم يكن للمرأة الأوروبيّة في العصور الوسطى أيّ حقّ في أيّ شيء مِن نتاج عملها. وفي المقابل أباح المجتمع الأوروبي جميع الموبقات الأخلاقيّة التي كانت سببًا في انهيار الأسرة، وتراجع دور المرأة، وانتشار الشذوذ الجنسي والدعارة والزنا. حقًا لقد كان مجتمع العصور الوسطى مجتمعاً فاسد الأخلاق فاجرًا.

لائحة المصادر والمراجع
أشرف صالح سيّد، تاريخ وحضارة أوروبا العصور الوسطى، شركة الكتاب العربي الإلكتروني، لبنان 2008م.
باسمة كيال، تطوّر المرأة عبر التاريخ، أسباب النهوض والانحطاط، مؤسّسة عبير الدين للطباعة والنشر، بيروت 1981م.
جاك لو كوف، هل ولدت أوروبا في العصر الوسيط؟ تعريب وتقديم: محمّد حناوي، ويوسف نكادي، ط1، مطبعة مفكّر زنقة السنغال، الرباط 2015م.
رانيلا، الماضي المشترك بين العرب والغرب، أصول الآداب الشعبيّة الغربيّة، ترجمة: نبيلا إبراهيم، مراجعة فاطمة موسى، مجلّة عالم المعرفة، الصادرة عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب- الكويت، العدد 241، يناير 1999م.
سعيد عبد الفتّاح عاشور، أوروبا في العصور الوسطى، ج2، النظم والحضارة، مكتبة النهضة المصريّة، القاهرة 1959م.
ماكس بيروتي، ضرورة العلم، دراسات في العلم والعلماء، ترجمة: وائل أتاسي وبسام معصراني، مراجعة عدنان الحموي، مجلّة عالم المعرفة، الصادرة عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب- الكويت، العدد 245، مايو 1999م.
محمد مصطفى عاشور، مركز المرأة في الشريعة اليهوديّة، مكتبة الإيمان، المنصورة د.ت.
محمود سعيد عمران، حضارة أوروبا في العصور الوسطى، دار المعرفة الجامعيّة، الإسكندريّة 1998م.
مواهب أحمد، عمّار الدوري، المرأة الأوروبيّة في العصور الوسطى – نساء الطبقة العاملة أنموذجًا، مجلّة الملويّة للدراسات الآثاريّة والتاريخيّة، مج6، عدد17، السنة السادسة آب 2019م.
 موريس بيشوب، تاريخ أوروبا في العصور الوسطى، ترجمة: علي السيّد علي، المشروع القومي للترجمة، المجلس الأعلى للقافة، القاهرة 2004م.
نعيم فرح، الحضارة الأوروبيّة في العصور الوسطى، ط4، منشورات جامعة دمشق، دمشق 2005م.
نور الدين حاطوم، تاريخ العصر الوسيط في أوروبا، ج1، مِن أواخر العصر الروماني إلى القرن الثاني عشر، الموسوعة التاريخيّة الحديثة، دار الفكر، دمشق 1982م.
نيفين ظافر الكردي، الأوضاع الدينيّة والسياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة في الغرب الأوروبي مِن القرن التاسع حتّى القرن الحادي عشر، رسالة معدّة لنيل درجة الماجستير في التاريخ، الجامعة الإسلاميّة بغزة 2011م.
ول. ديورانت، قصّة الحضارة، عصر الإيمان، المسيحيّة في عنفوانها، ج5، مج4، ترجمة: محمّد بدران، بيروت 1988م.

-------------------------
[1]- كاتبة وباحثة سورية.
[2]- موريس بيشوب، تاريخ أوروبا في العصور الوسطى، ترجمة: علي السيّد علي، المشروع القومي للترجمة، المجلس الأعلى للقافة، القاهرة 2004م، ص139.
[3]- مواهب أحمد، عمّار الدوري، المرأة الأوروبيّة في العصور الوسطى – نساء الطبقة العاملة أنموذجًا، مجلّة الملويّة للدراسات الآثاريّة والتاريخيّة، مج6، عدد17، السنة السادسة آب 2019م، ص151.
[4]- موريس بيشوب، تاريخ أوروبا في العصور الوسطى، م.س، ص130.
[5]- مواهب أحمد، عمّار الدوري، المرأة الأوروبيّة، م.س، ص154.
[6]- موريس بيشوب، تاريخ أوروبا في العصور الوسطى، م.س، ص130.
[7]- مواهب أحمد، عمّار الدوري، المرأة الأوروبيّة، م.س، ص155.
[8]- ماكس بيروتي، ضرورة العلم، دراسات في العلم والعلماء، ترجمة: وائل أتاسي وبسّام معصراني، مراجعة: عدنان الحموي، مجلّة عالم المعرفة الصادرة عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب- الكويت، العدد 245، مايو 1999م، ص10.
[9]- مواهب أحمد، عمّار الدوري، المرأة الأوروبيّة، م.س، ص155.
[10]- جاك لو كوف، هل ولدت أوروبا في العصر الوسيط؟ تعريب وتقديم: محمّد حناوي، ويوسف نكادي، ط1، مطبعة مفكّر زنقة السنغال، الرباط 2015م، ص66.
[11]- مواهب أحمد، عمّار الدوري، المرأة الأوروبيّة، م.س، ص168.
[12]- ول. ديورانت، قصّة الحضارة، عصر الإيمان، المسيحيّة في عنفوانها ج5، مج4، ترجمة: محمّد بدران، بيروت 1988م، ص183.
[13]- محمود سعيد عمران، حضارة أوروبا في العصور الوسطى، دار المعرفة الجامعيّة، الإسكندريّة 1998م، ص286.
[14]- ول. ديورانت، قصّة الحضارة، عصر الإيمان، ج5، مج4، ص182.
[15]- مواهب أحمد، عمّار الدوري، المرأة الأوروبيّة، م.س، ص167.
[16]- نيفين ظافر الكردي، الأوضاع الدينيّة والسياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة في الغرب الأوروبي مِن القرن التاسع حتّى القرن الحادي عشر، رسالة معدّة لنيل درجة الماجستير في التاريخ، الجامعة الإسلاميّة بغزة 2011م، ص213.
[17]- ول. ديورانت، قصّة الحضارة، عصر الإيمان، ج5، مج4، ص182.
[18]- جاك لو كوف، هل ولدت أوروبا في العصر الوسيط؟ م.س، ص66.
[19]- ول. ديورانت، قصّة الحضارة، عصر الإيمان، ج5، مج4، ص183.
[20]- موريس بيشوب، تاريخ أوروبا في العصور الوسطى، م.س، ص130.
[21]- ول. ديورانت، قصّة الحضارة، عصر الإيمان، ج5، مج4، ص184.
[22]- موريس بيشوب، تاريخ أوروبا في العصور الوسطى، م.س، ص131.
[23]- ول. ديورانت، قصّة الحضارة، عصر الإيمان، ج5، مج4، ص182.
[24]- نيفين ظافر الكردي، الأوضاع في الغرب الأوروبي، م.س، ص189.
[25]- موريس بيشوب، تاريخ أوروبا في العصور الوسطى، م.س، ص130.
[26]- مواهب أحمد، عمّار الدوري، المرأة الأوروبيّة، م.س، ص169.
[27]- موريس بيشوب، تاريخ أوروبا في العصور الوسطى، م.س، ص132.
[28]- ول. ديورانت، قصّة الحضارة، عصر الإيمان، ج5، مج4، ص178.
[29]- موريس بيشوب، تاريخ أوروبا في العصور الوسطى، م.س، ص43.
[30]- ول. ديورانت، قصّة الحضارة، عصر الإيمان، ج5، مج4، ص184.
[31]- موريس بيشوب، تاريخ أوروبا في العصور الوسطى، م.س، ص132.
[32]- ول. ديورانت، قصّة الحضارة، عصر الإيمان، ج5، مج4، ص178.
[33]- موريس بيشوب، تاريخ أوروبا في العصور الوسطى، م.س، ص133.
[34]- ول. ديورانت، قصّة الحضارة، عصر الإيمان، ج5، مج4، ص178.
[35]- موريس بيشوب، تاريخ أوروبا في العصور الوسطى، م.س، ص133.
[36]- مواهب أحمد، عمّار الدوري، المرأة الأوروبيّة، م.س، ص164.
[37]- سعيد عبد الفتاح عاشور، أوروبا في العصور الوسطى، ج2، النظم والحضارة، مكتبة النهضة المصريّة، القاهرة 1959م، ص91.
[38]- مواهب أحمد، عمّار الدوري، المرأة الأوروبيّة، م.س، ص161.
[39]- ول. ديورانت، قصّة الحضارة، عصر الإيمان، ج5، مج4، ص185.
[40]- نعيم فرح، الحضارة الأوروبيّة في العصور الوسطى، ط4، منشورات جامعة دمشق، دمشق 2005م، ص196، 197.
[41]- نعيم فرح، الحضارة الأوروبيّة، م.س، ص197.
[42]- أشرف صالح سيّد، تاريخ وحضارة أوروبا العصور الوسطى، شركة الكتاب العربي الإلكتروني، لبنان 2008م، ص50.
[43]- موريس بيشوب، تاريخ أوروبا في العصور الوسطى، م.س، ص129.
[44]- نعيم فرح، الحضارة الأوروبيّة، م.س، ص197-198.
[45]- موريس بيشوب، تاريخ أوروبا في العصور الوسطى، م.س، ص129.
[46]- نعيم فرح، الحضارة الأوروبيّة، م.س، ص198.
[47]- موريس بيشوب، تاريخ أوروبا في العصور الوسطى، م.س، ص129.
[48]- ول. ديورانت، قصّة الحضارة، النهضة، ج4، مج5، ص89.
[49]- محمّد مصطفى عاشور، مركز المرأة في الشريعة اليهوديّة، مكتبة الإيمان، المنصورة د.ت، ص14.
[50]- جاك لو كوف، هل ولدت أوروبا في العصر الوسيط؟ م.س، ص99.
[51]- نعيم فرح، الحضارة الأوروبيّة، م.س، ص175.
[52]- إنجيل متى (19،4-6).
[53]- نعيم فرح، الحضارة الأوروبيّة، م.س، ص175.
[54]- باسمة كيال، تطوّر المرأة عبر التاريخ، أسباب النهوض والانحطاط، مؤسّسة عبير الدين للطباعة والنشر، بيروت 1981م، ص52.
[55]- ول. ديورانت، قصّة الحضارة، عصر الإيمان، ج5، مج4، ص175.
[56]- نعيم فرح، الحضارة الأوروبيّة، م.س، ص201.
[57]- جاك لو كوف، هل ولدت أوروبا في العصر الوسيط؟ م.س، ص68.
[58]- أسطورة مِن موروث العهد القديم تتعلّق بوفاة سيّدنا آدم، وإنَّ الملاك ميخائيل قد أعطى ابنه سيث غصن شجرة مباركة، غرسها الابن على قبر أبيه.
[59]- رانيلا، الماضي المشترك بين العرب والغرب، أصول الآداب الشعبيّة الغربيّة، ترجمة نبيلا إبراهيم، مراجعة فاطمة موسى، مجلّة عالم المعرفة، الصادرة عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب- الكويت، العدد 241، يناير 1999م، ص50.
[60]- كانت عقيدة الخطيئة الأولى في اللاهوت المسيحي هي التي مثّلت بها النظريّة القائلة إنَّ الغرائز البدائيّة تجعل الإنسان غير صالح للحضارة، انظر: ديورانت، قصّة الحضارة، عصر الإيمان، ج5، مج4، م.س، ص175.
[61]- سعيد عبد الفتاح عاشور، أوروبا في العصور الوسطى، ج2، م.س، ص89.
[62]- محمود سعيد عمران، حضارة أوروبا في العصور الوسطى، م.س، ص289، 290.
[63]- مواهب أحمد، عمّار الدوري، المرأة الأوروبيّة، م.س، ص153.
[64]- نعيم فرح، الحضارة الأوروبيّة، م.س، ص201.
[65]- محمود سعيد عمران، حضارة أوروبا في العصور الوسطى، م.س، ص289.
[66]- مواهب أحمد، عمّار الدوري، المرأة الأوروبيّة، م.س، ص160.
[67]- محمود سعيد عمران، حضارة أوروبا في العصور الوسطى، م.س، ص289.
[68]- مواهب أحمد، عمّار الدوري، المرأة الأوروبيّة، م.س، ص161.
[69]- ول. ديورانت، قصّة الحضارة، عصر الإيمان، ج5، مج4، ص175.
[70]- سعيد عبد الفتاح عاشور، أوروبا في العصور الوسطى، ج2، م.س، ص90.
[71]- نعيم فرح، الحضارة الأوروبيّة، م.س، ص201.
[72]- سعيد عبد الفتاح عاشور، أوروبا في العصور الوسطى، ج2، م.س، ص90.
[73]- مواهب أحمد، عمّار الدوري، المرأة الأوروبيّة، م.س، ص158.
[74]- جاك لو كوف، هل ولدت أوروبا في العصر الوسيط؟ م.س، ص68.
[75]- نعيم فرح، الحضارة الأوروبيّة، م.س، ص202.
[76]- جاك لو كوف، هل ولدت أوروبا في العصر الوسيط؟ م.س، ص66.
[77]- ول. ديورانت، قصّة الحضارة، عصر الإيمان، ج5، مج4، ص178.
[78]- نعيم فرح، الحضارة الأوروبيّة، م.س، ص202.
[79]- ول. ديورانت، قصّة الحضارة، عصر الإيمان، ج5، مج4، ص179.
[80]- نعيم فرح، الحضارة الأوروبيّة، م.س، ص202.
[81]- ول. ديورانت، قصّة الحضارة، عصر الإيمان، ج5، مج4، ص179.
[82]- نيفين ظافر الكردي، الأوضاع في الغرب الأوروبي، م.س، ص189.
[83]- ول. ديورانت، قصّة الحضارة، عصر الإيمان، ج5، مج4، ص180.
[84]- ول. ديورانت، قصّة الحضارة، عصر الإيمان، ج5، مج4، ص181.
[85]- رانيلا، الماضي المشترك بين العرب والغرب، م.س، ص201، 202.
[86]- موريس بيشوب، تاريخ أوروبا في العصور الوسطى، م.س، ص135.
[87]- جاك لو كوف، هل ولدت أوروبا في العصر الوسيط؟ م.س، ص67.
[88]- جاك لو كوف، هل ولدت أوروبا في العصر الوسيط؟ م.س، ص67.
[89]- ول. ديورانت، قصّة الحضارة، عصر الإيمان، ج5، مج4، ص179.
[90]- موريس بيشوب، تاريخ أوروبا في العصور الوسطى، م.س، ص140.
[91]- ول. ديورانت، قصّة الحضارة، عصر الإيمان، ج5، مج4، ص180.
[92]- موريس بيشوب، تاريخ أوروبا في العصور الوسطى، م.س، ص140.
[93]- جاك لو كوف، هل ولدت أوروبا في العصر الوسيط؟ م.س، ص67.
[94]- موريس بيشوب، تاريخ أوروبا في العصور الوسطى، م.س، ص135.
[95]- مواهب أحمد، عمّار الدوري، المرأة الأوروبيّة، م.س، ص161.
[96]- موريس بيشوب، تاريخ أوروبا في العصور الوسطى، م.س، ص131.
[97]- نيفين ظافر الكردي، الأوضاع في الغرب الأوروبي، م.س، ص214.
[98]- ول. ديورانت، قصّة الحضارة، عصر الإيمان، ج5، مج4، ص188.
[99]- سعيد عبد الفتاح عاشور، أوروبا في العصور الوسطى، ج2، م.س، ص89.
[100]- مواهب أحمد، عمّار الدوري، المرأة الأوروبيّة، م.س، ص167.
[101]- سعيد عبد الفتاح عاشور، أوروبا في العصور الوسطى، ج2، م.س، ص89.
[102]- مواهب أحمد، عمّار الدوري، المرأة الأوروبيّة، م.س، ص154.
[103]- نور الدين حاطوم، تاريخ العصر الوسيط في أوروبا، ج1، مِن أواخر العصر الروماني إلى القرن الثاني عشر، الموسوعة التاريخيّة الحديثة، دار الفكر، دمشق 1982م، ص378.
[104]- سعيد عبد الفتاح عاشور، أوروبا في العصور الوسطى، ج2، م.س، ص89.
[105]- نيفين ظافر الكردي، الأوضاع في الغرب الأوروبي، م.س، ص213.
[106]- محمود سعيد عمران، حضارة أوروبا في العصور الوسطى، م.س، ص290.
[107]- نيفين ظافر الكردي، الأوضاع في الغرب الأوروبي، م.س، ص214.
[108]- ول. ديورانت، قصّة الحضارة، عصر الإيمان، ج5، مج4، ص185.
[109]- مواهب أحمد، عمّار الدوري، المرأة الأوروبيّة، م.س، ص158.
[110]- نيفين ظافر الكردي، الأوضاع في الغرب الأوروبي، م.س، ص214.
[111]- مواهب أحمد، عمّار الدوري، المرأة الأوروبيّة، م.س، ص161.
[112]- ول. ديورانت، قصّة الحضارة، عصر الإيمان، ج5، مج4، ص188.
[113]- مواهب أحمد، عمّار الدوري، المرأة الأوروبيّة، م.س، ص159.
[114]- محمود سعيد عمران، حضارة أوروبا في العصور الوسطى، م.س، ص290.
[115]- موريس بيشوب، تاريخ أوروبا في العصور الوسطى، م.س، ص131.
[116]- نعيم فرح، الحضارة الأوروبيّة، م.س، ص48.
[117]- نيفين ظافر الكردي، الأوضاع في الغرب الأوروبي، م.س، ص214.
[118]- سعيد عبد الفتاح عاشور، أوروبا في العصور الوسطى، ج2، م.س، ص91.
[119]- محمود سعيد عمران، حضارة أوروبا في العصور الوسطى، م.س، ص290.
[120]- مواهب أحمد، عمّار الدوري، المرأة الأوروبيّة، م.س، ص164.
[121]- سعيد عبد الفتّاح عاشور، أوروبا في العصور الوسطى، ج2، م.س، ص91.
[122]- مواهب أحمد، عمّار الدوري، المرأة الأوروبيّة، م.س، ص156.
[123]- أشرف صالح سيد، تاريخ وحضارة أوروبا العصور الوسطى، م.س، ص21.
[124]- مواهب أحمد، عمّار الدوري، المرأة الأوروبيّة، م.س، ص154.
[125]- مواهب أحمد، عمّار الدوري، المرأة الأوروبيّة، م.س، ص156.
[126]- ول. ديورانت، قصّة الحضارة، عصر الإيمان، ج5، مج4، ص189.
[127]- مواهب أحمد، عمّار الدوري، المرأة الأوروبيّة، م.س، ص156.