البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

حملات الأباطرة الرومان إلى الشرق (تراجان، ماركوس أورليوس، سبتيميوس سيفيروس)

الباحث :  أحمد حسين المشعل
اسم المجلة :  الاستغراب
العدد :  32
السنة :  خريف 2023م / 1445هـ
تاريخ إضافة البحث :  January / 25 / 2024
عدد زيارات البحث :  646
تحميل  ( 517.630 KB )
الملخص
لقد وثّقت صفحات التاريخ السِّياسة الاستعماريَّة التوسعيَّة للرومان منذ القدم، حيث برز السعي الدائم للرومان نحو التوسّع في العالم، والسيطرة على البلدان الأخرى لتكون تابعة لها في خياراتها السياسية ومواردها الاقتصادية، وتأمن من عدم وجود من يهدّد مشروعها وحملاتها في المنطقة، وهو ما يفسّر تطلّعات الأباطرة الرُّومان إلى غزو الشَّرق للقضاء عليها، واحتلال أراضٍ جديدة، لتحقيق حلمهم في الوصول إلى سواحل خليج فارس، والسَّيطرة على طرق التِّجارة العالميَّة بين البحر المتوسِّط غربًا وخليج فارس شرقًا. ولهذه الغاية كثرت حروبهم وامتدّت لفترات زمنية طويلة، وقد دخل الرُّومان في صراع مرير وطويل مع الدَّولة الفرثيّة استمرَّ لمدَّة قرنين ونصف من الزَّمن، وقد تمكَّن الإمبراطور تراجان من الوصول إلى سواحل خليج فارس بأسلوب المكر والخديعة في سبيل ذلك، وهو أوّل وآخر إمبراطور روماني يصل إليه.

يعالج هذا البحث حملات الأباطرة الرومان وتسلّط الضوء بالعرض والنقد على هذه الحملات، والحروب الممتدة، وتلبّس الرومان بسياسة الاستعمار والمكر والخديعة التي لم تتوقّف عند حد معيّن مهما كانت النتائج والآثار، ولهذا اتّجهت أنظارهم إلى غزو بلاد الرَّافدين واحتلالها، بوصفها المركز الرَّئيس لتوزيع منتجات التجارة الشَّرقية، وهذا ما حاول القيام به الإمبراطوران ماركوس أورليوس، ثم سبتيميوس سيفيروس، ولكنَّ حملاتهما الاستعمارية باءت بالفشل ولم تضف أيَّة منطقة جديدة للرُّومان. وقد تكبَّد الرومان خلال هذه الحملات العديد من الخسائر في العتاد والرِّجال.

كلمات مفتاحية: الأباطرة الرُّومان، الدَّولة الفرثيّة، بلاد الرَّافدين، الإمبراطور تراجان، ماركوس إيليوس أورليوس، سبتيميوس سيفيروس.

المقدِّمة
كانت الدَّولة الفرثيّة تقف حجر عثرة في وجه السِّياسة الاستعماريَّة التوسعيَّة الرومانيَّة في الشَّرق، ولذلك كان الأباطرة الرُّومان يتطلَّعون إلى غزو الشَّرق، ولهذا فقد دخلوا في حرب وصراع قاس وطويل مع الدَّولة الفرثيّة استمرَّ لمدَّة قرنين ونصف من الزَّمن (92ق.م–217م)، قاموا خلال هذه الفترة بمحاولات عدَّة للاستيلاء على عاصمتهم طيسفون، وأوَّل تلك المحاولات قام بها الإمبراطور تراجان، فقد شجَّعه على ذلك احتلاله لمنطقة حوض الدانوب وإخضاعها له بالقوة. فبعد أن أنهى حروبه في الجبهة الأوروبيّة بدأ بالتجهيز لحملة توسعية كبرى إلى الشَّرق في عام (114م) لاحتلاله.

وقد تمكَّن الإمبراطور تراجان من الوصول إلى العاصمة طيسفون دون أن تحدث أية معركة مع الفرثيين، فقد استخدم أسلوب المكر والخديعة في سبيل ذلك. وتمكّن من الوصول إلى سواحل خليج فارس في عام (116م)، وهو أوّل وآخر إمبراطور روماني يصل إليه، وبذلك تحقَّق هدفه في جعل الطريق من البحر المتوسِّط نحو الشَّرق الأدنى مفتوحًا. ولكنَّ ذلك لم يستمر طويلًا، فقد تمكَّن الفرثيّون بقيادة خسرو من استعادة عاصمتهم وطرد الرومان منها.
ورغم فشل الحملة سياسيًّا، إلَّا أنَّها أظهرت ضعف الدَّولة الفرثيّة، والسَّبب في ذلك يعود لانشغالهم في الصِّراعات الداخليَّة والوصول إلى العرش، كما وجَّهت أنظار الرُّومان إلى غزو بلاد الرَّافدين واحتلالها، بوصفها المركز الرَّئيس لتوزيع منتجات التجارة الشَّرقية، وهذا ما حاول القيام به الإمبراطوران ماركوس أورليوس عام (162-170م) وسبتيميوس سيفيروس عام (195-199م). ولكنَّ حملاتهما الاستعمارية باءت بالفشل ولم تضف أيَّة منطقة جديدة للرُّومان. وقد تكبَّد الرومان خلال هذه الحملات العديد من الخسائر في العتاد والرِّجال.

أوَّلًا: الإمبراطور تراجان tragan (98–117م):
نشأته ووصوله إلى العرش:
هو أوَّل إمبراطور يجلس على عرش الإمبراطوريَّة الرومانيَّة ينحدر من أصول غير رومانيَّة وبالتحديد من إسبانيا. فقد ولد في المستعمرة الرومانيَّة إيتاليكا قرب إشبيلية في إسبانيا عام (52م)، وكان والده عضوًا في مجلس الشيوخ. دخل تراجان إلى السِّلك العسكريِّ صغيرًا وتدرَّج في المراتب العسكريَّة حتَّى وصل إلى رتبة قائد (بريتور) عام (85م)، وخدم في الشَّرق وألمانيا وصار قنصلًا عام (91م). لم يكن للإمبراطور ماركوس نرفا (96–98م) عند تولِّيه عرش الإمبراطورية وريثٌ، لذلك تبنَّى رسميًّا قائده تراجان الذي كان آنذاك يشغل منصب قائد فرق أعالي الراين وأشركه معه في الحكم عام (97م) ومنحه لقب قيصر، وبعد وفاته عام (98م) خلفه على عرش الإمبراطورية الرومانيَّة، ويعدُّ وصول تراجان للعرش بداية انتهاء سيادة أثرياء الإيطاليِّين والرومان واحتكارهم الوظائف العليا في الإمبراطورية الرومانيَّة، وبداية تولّي طبقة من النبلاء والأعيان القادمين من الولايات الغربيَّة. وشهد عهد تراجان ثورة اليهود الكبرى في عام (115م)، التي بدأت في قورينه في برقة، وامتدَّت إلى قبرص ومصر وفلسطين، إلَّا أنَّه قمعها بكلِّ عنف ووحشية [2].

كان تراجان عسكريًّا ومحاربًا ناجحًا من الطِّراز الأوَّل، وقد انتهج منذ اعتلائه عرش الإمبراطوريّة سياسة قائمة على التوسُّع ووضع يد الرومان على كلِّ منافذ التِّجارة الشرقيَّة من سهول روسيا إلى البحر الأحمر، إلَّا أنَّ انشغاله بحروبه في جبهة أوروبا (شمالي نهر الدانوب) خلال الفترة من (101–107م) جعله يصرف النَّظر عن تحقيق ذلك الهدف، فسيطر على منافذ البحر الأسود وجنوب روسيا[3].

ولاية سورية في عهد الإمبراطور تراجان
عندما احتلَّ الإمبراطور الرومانيُّ بومبي مملكة سورية الطبيعيَّة سنة (64ق.م) جعلها تحت اسم واحد هو ولاية سورية بدلًا من مملكة سورية. وأصبحت عاصمتها أنطاكية، بينما جعل كيليكية ولاية مستقلَّة بذاتها. وسمح للملوك العرب بالبقاء فيها، على أن تقتصر سلطتهم على ممتلكاتهم الأصليَّة، وأن يدفعوا جزية سنويّة. ومع ذلك احتفظ ملك الأنباط بدمشق مقابل مبلغ ضخم من المال، ومنحت أنطاكية وسلوقية وغزة ومستعمرات أخرى الحكم الذاتيَّ أيضًا، ووضعت تحت حكام الولايات.

وقد عُدَّت ولاية سورية ذات أهميَّة مركزيَّة خاصَّة في الممتلكات الآسيوية، حتَّى إنَّها وضعت تحت الحكم المباشر لنائب القنصل الرومانيِّ الذي يتمتَّع بسلطات التَّجنيد والاشتراك في الحرب، وعهد بها إلى بعض الموظَّفين الرومان البارزين، وكان أوَّلهم أولوس غابينيوس (57–55 ق.م) مبعوث بومبي.
وفي عام (105م) احتل تراجان البتراء فألحقت بالإمبراطوريّة الرومانيَّة تحت اسم الولاية العربيَّة. ولمَّا كانت سورية مركز القوَّة الرومانيَّة في الشَّرق الأدنى، فإنَّ الإدارة الرومانيَّة أنشأت سلسلة من المراكز على طول حدود الصحراء، لحماية الأماكن التي كانت ذات حضارة مزدهرة ومأهولة بالسكَّان بصورة خاصَّة. وكان جنود هذه الحصون في الغالب من قوَّات احتياطيَّة جاءت من القبائل الموالية.

وكان الطريق العرضاني بين الشَّرق والغرب الذي يصل مدن دجلة والفرات بمدن البحر المتوسِّط مارًّا بتدمر يجتاز هذه المنطقة، وكان يعبرها طريق طولاني كبير سمَّاه الرومان طريق الملك. ويبدأ هذا الطَّريق من دمشق فيمرُّ في حوران إلى جلعاد ومنها إلى مؤاب ثمَّ إلى الجنوب ليتَّصل بطريق قوافل الجزيرة العربيَّة. وهذا الطَّريق الرئيس في شرقي الأردن الذي يعود إلى أواخر الألف الثَّاني ق.م قد رصفه تراجان واستخدمه طريقًا عسكريًّا لفرق الجيش، ثمَّ استعمله الحجَّاج المسلمون بعد ذلك. وشجَّعوا البدو على الاستقرار، وجعلوا سورية سوقًا عالميًّا[4].

حملة الإمبراطور تراجان إلى الشَّرق 114–116م
استمرَّ السَّلام قائمًا بين الطَّرفين الفرثي[5] والروماني عقب معاهدة رانديا[6] مدَّة (50 عامًا). وبوفاة تيرداد الأوَّل الملك الفرثي على أرمينيا عام (100م) انتهت مدَّة السَّلام بين الفرثيين والرومان، وعلى إثر ذلك أجلس الملك الفرثي باكور الثَّاني (78–108م) على العرش الأرميني ابنه اكسيدارس (100–113م) دون استشارة روما، أو حتَّى أخذ موافقة إمبراطورها تراجان، وبهذا يكون الفرثيّون قد خرقوا معاهدة رانديا.

بعد فترة من إنهاء تراجان غزواته في داكيا «داقية» وجَّه اهتمامه لاحتلال الشَّرق، مستغلًّا الفوضى التي تعيشها الحكومة الفرثيّة، ولتأكيد السَّيطرة الرومانيَّة على أرمينيا من جديد. وكان أوَّل أهدافه إعادة توطيد النفوذ الرومانيِّ على أرمينيا والسَّيطرة على منافذها التجاريَّة وطرد النفوذ الفرثي منها، متَّخذًا من خرق الفرثيين معاهدة رانديا ذريعة لاستئناف نشاط روما الحربي ضدَّهم[7].
وقد أعدَّ تراجان العدَّة للغزوة بدرجة عالية من الدقَّة والتَّنظيم، وفي خريف عام (113م) أبحر الإمبراطور تراجان من روما، وعند وصوله إلى مدينة أثينا[8] قابل وفدًا من أوزرويس الذي عرض عليه السَّلام. وعندما وصل تراجان بجيشه البالغ (100) ألف جنديٍّ إلى مقدونيا أرسل إليه الملك الفرثي خسرو (108–130م) وهو أخو الملك باكور الثاني رسوله محمَّلًا بالهدايا، وقدَّم إليه فروض الطاعة، وأنَّه سيعزل اكسيدارس ويعيِّن بدلًا منه بارتامازيريس ابن ملكها السابق تيرداد الأوَّل، وأنَّه سيتسلّم التاج من يد الإمبراطور مثلما فعل والده من قبل. ولكي لا يترك للفرثيين مجالًا للاستعداد لمواجهته، قبل تراجان الهدايا إلَّا أنَّه لم يعط جوابًا شافيًا لرسوله، وإنَّما اكتفى بالإجابة بأنَّه سينظر في المسألة بعد دخوله سورية [9]. ومن خلال ذلك يبدو أن تراجان كان مراوغًا - محتالًا ويخفي نية الغدر ضد خسرو.

كانت المرحلة التَّالية لغزوة تراجان عبر بحر إيجة إلى إفسوس Ephesus، المركز التجاريِّ العظيم إلى الغرب من جبال طوروس، ومن أفسوس توجَّه بالطَّريق البري عبر أنطاليا، ثمَّ تابع تراجان بالسفن عبر الطريق الساحلي لمدن آسيا الصغرى إلى سلوقية بيريا (Pieria Samandage)، ميناء أنطاكية، وعندما وصل في نهاية شهر كانون الأوَّل حضر هادريان لمقابلته، ثمَّ ذهبوا سوية إلى قرب جبل كاسيوس، حيث كرَّس الإمبراطور الغنائم من حرب داكيا إلى الإله زيوس بالابتهال للإله من أجل الوقوف إلى جانبه في غزوته القادمة، ودخل بعد ذلك إلى أنطاكية في شهر كانون الثاني عام (114م)[10].

وقد تمكن هادريان من جمع جيش كبير من مناطق مختلفة من سورية عند أنطاكية[11] للغزوة القادمة، ومن المحتمل أنَّ تراجان بقي في المدينة حتَّى بداية نيسان، ثمَّ عبر شمالًا إلى أرمينيا عبر جبال طوروس. خلال هذه الفترة استخدمت أنطاكية مركز عاصمة للإمبراطوريّة الرومانيَّة في الشَّرق، وكان الإمبراطور مشغولًا بالتَّجهيز للغزوة ضدَّ الفرثيين، ودخل أيضًا في مفاوضات دبلوماسيَّة مع الممالك التي تقع في طريقه إلى الفرثيين، وفي البداية استلم رسالة من أبجر السابع ملك أوسروين[12] الذي تقاعس في المجيء شخصيًّا على أمل أن يبقى محايدًا، لكنَّه أرسل هدايا ورسالة صداقة، وجاء رسل آخرون من مانوس ملك الجزيرة السوريّة وسبوراسيس Sporaces حاكم مملكة قريبة من انثيموسيا Anthemusia. بعد ذلك ترك الإمبراطور الفرق العسكريَّة للتوجُّه إلى ساتالا (في منطقة البحر الأسود في تركية (Satala Kelkit)، لجعلها قاعدة لغزوته المختارة لمدَّة سنة، وترك هادريان في المؤخِّرة لإدارة المنطقة المهمَّة استراتيجيًّا ولوجستيًّا في سورية[13].

وقد انطلق تراجان من أنطاكية إلى ساتالا في مرحلتين، المرحلة الأولى التي أخذها تراجان عن طريق حلب إلى قلعة البيرة (أو بيره جك في جنوب شرقي تركية حاليًّا، كانت تابعة لحلب)، بعد عبوره إلى الضفة اليسرى للفرات زحف إلى ملطيّة، ووصل إلى قلعة ملطيّة Melitene فاحتلها ونهبها. وفي هذه الأثناء استلم تراجان رسالة من بارتامازيريس يقترح فيها أن يأتي إلى الإمبراطور مع التاج الملكي الأرميني، ولم يقبل الإمبراطور بهذا، لكن بدلًا من ذلك أرسل ابن جونيوس هومولوس وفوَّضه للمناقشة وللتأكُّد من الرسائل المقدَّمة من قبل بارتامازيريس، واستمرَّ تراجان في المرحلة الثانية في مسيره إلى ساتالا، عبر الفرات مرَّة ثانية، وبعد ذلك تجاوز معبر إيلزيك إلى جنوبي مدينة أرمينيا أرساموساطا (Arsamosata Palu) التي احتُلَّت دون مقاومة، ثمَّ تابع طريقه إلى الشمال عبر معبر بولومور، وعبر الفرات مرَّة أخرى، وبعد مسيرة يوم وصل إلى ساتالا في نهاية شهر أيار عام (114م)[14].
وفي ربيع السَّنة نفسها توجَّه الإمبراطور إلى أرمينيا، ولمَّا علم ملك أرمينيا بارتامازيريس بمسيره إلى بلاده أرسل إليه عرض عليه أن يُتوِّجه ملكًا عليها، فقام تراجان بخداعه وتظاهر قبوله بذلك العرض، وسار إليه بارتامازيريس ليعلن ولاءه، فالتقى به في بلدة اليكيا[15] الواقعة إلى الغرب من مدينة أرضروم، فقام بارتامازيريس بخلع التاج عن رأسه ووضعه عند أقدام تراجان معتقدًا أنَّه سيعيده إليه ويتوِّجه به ملكًا على أرمينيا، إلَّا أنَّ تراجان لم يُعده إليه بل عزله عن الحكم، ولم يكتف تراجان بذلك بل أرسل كتيبة من الفرسان الرومان خلفه وأمرهم بقتله في طريق عودته، بالإضافة إلى صفات المكر والخداع التي تميز بها تراجان فلم يكن ينقصه الغدر، وواصل بقوَّاته المدجَّجة بالسِّلاح والرِّجال إلى أرمينيا التي لم تستطع قوَّاتها المقاومة، فاحتلها وعيَّن عليها قائده الرومانيَّ كاتليوس سفيروس، وأعلن أرمينيا ولاية رومانية في صيف عام (114م)، وأطلق عليه مجلس الشيوخ لقب اوبتيموس optimus أي العالي[16].

وبعد أن وطَّد تراجان الأمن في أرمينيا قرَّر الزحف جنوبًا باتِّجاه العاصمة طيسفون[17]، وفي بداية عام (115م) احتل ماردين ونصيبين وتوجَّه نحو الرها[18]، وعندما وصل تراجان هذه المدينة سارع أبجر السابع حاكمها لاستقباله بالهدايا النَّفيسة التي تضمَّنت (250) حصانًا وفارسًا مدرَّعين، تعبيرًا عن ولائه وخضوعه له، وهذا يعني أنَّ الرها استسلمت طوعاً لتراجان[19].
ثمَّ تابع تراجان طريقه ووصل في صيف عام (115م) إلى شمال بلاد الرَّافدين، وتجهَّز لضمِّها إلى الإمبراطوريَّة الرومانيَّة، وخلال هذه الفترة احتل القائد لوسيوس كيوتوس ماردي، وتابع جنوبًا إلى مملكة اديابين (حدياب، مملكة قديمة شبه مستقلَّة موالية للفرثيين تقع شمال بلاد الرافدين)، حيث قاتل وهزم الملك ميبارسابيس Mebarsapes، وبعد ذلك زحف تراجان إلى جنوبي بلاد الرافدين[20].

وفي طريقه أرسل إليه مانوس Mannus ملك قبائل الجزيرة العربيّة رسلًا للتَّرحيب به وعرض السَّلام عليه، لكنَّ عروضه كان فيها بعض الشكِّ؛ لأنَّه كان قد ساعد ودعم ميبارسابيس ضدَّ لوسيوس كويتوس، وقد اقترح مانوس على تراجان ضرورة الوقوف معًا ضدَّ عدوِّهم المشترك اوزرويس، الذي استولى على أجزاء من أرمينيا وبلاد الرافدين، لكنَّ تراجان رفض التَّفاوض مع مانوس حتَّى يأتي إليه شخصيًّا، ولكنَّ الأخير رفض ذلك أيضًا خوفًا من غدر تراجان، بعد ذلك ترك الأمر إلى لوسيوس كويتوس في أديابين، الذي اقترح على مانوس أن يقابله هناك، وفي النهاية توصَّلوا إلى نتيجة يبدو أنَّها كانت مرضية للجميع، وقد سمح له لوسيوس أن يمتلك بسلام مدينة القبائل العربيّة سنجارا ومدنًا أخرى، ومن المحتمل أنَّها شملت مدينة دورا أوروبس[21]، وهكذا أكمل تراجان احتلال بلاد الرافدين[22].

وعند نهاية صيف عام (115م) ترك تراجان في مدينة نصيبين مجموعة من المهندسين لبناء سفن لعبور نهر دجلة، وعاد إلى أنطاكية لقضاء فصل الشتاء فيها، وخلال إقامته فيها حدث زلزال مدمِّر في شهر كانون الثاني من السنة نفسها، ويقال إنَّه أهلك نصف أهلها، وكاد تراجان أن يفقد حياته فيه، واضطرَّ أن يخرج منها ويعسكر في ساحة في الهواء الطلق[23].
لكنّ تلك الكارثة لم تمنعه من متابعة غزوته باتِّجاه العاصمة طيسفون، ولذا سار في عام (116م) إلى نصيبين، وأمر أن تُحمل القوارب التي صُنعت فيها على عربات إلى جزيرة بازبدى، وقد مكَّنته تلك القوارب من عبور نهر دجلة والوصول إلى كوكميلا التي لم تقو على مقاومته، فاستسلمت له كما استسلمت له مملكة أديابين (حدياب) التي هرب عنها ملكها، وبدلًا من أن يزحف مباشرة إلى العاصمة طيسفون عبر نهر دجلة واتَّجه غربًا قاطعًا الصَّحراء التي تفصل بين النهرين جنوبي الموصل مارًّا بمدينة الحضر[24]، وبعد أن قدَّمت ولاءها واعترفت بسيطرته، تركها ووصل إلى نهر الفرات، فاتَّصل بأسطول ثان كان قد انحدر في النهر، ثمَّ أقلع به إلى مدينة بابل[25].

وقد بقي الملك الفرثي باكور يراقب الأحداث عن كثب، ودخل تراجان طيسفون في 20 شباط عام (116م)، فهرب الملك الفرثي باكور عنها تاركًا عرشه وكنوزه وأفرادًا من عائلته، ومنهم ابنته التي أرسلها تراجان مع التاج الفرثي الذَّهبي وغيره من الكنوز التي نهبها إلى أنطاكية، وفرض تراجان جزية من جديد على المنطقة التي احتلها، وأصدر عملة حوالي هذا الزَّمن تحمل عبارة (ARTHIA CAPTA)، وبعد احتلال طيسفون أبحر الإمبراطور تراجان إلى أسفل دجلة باتِّجاه خليج فارس بأسطول يتألَّف من خمسين سفينة[26]. وكان الإمبراطور تراجان أوَّل وآخر إمبراطور روماني يصل إلى خليج فارس، وبذلك حقَّق هدفه في جعل الطريق من البحر المتوسِّط نحو الشَّرق الأدنى مفتوحًا.

إلَّا أنَّه لم يلبث أن يلتقط أنفاسه بعد هذه الغزوة الطويلة ويقطف ثمارها، حتَّى سمع في السَّنة نفسها بأخبار عن هجوم جيش الملك الفرثي خسرو على القوَّات الرومانيّة في جميع المناطق التي كانوا قد احتلوها. ويذكر أنَّ خطَّة الملك الفرثي خسرو قامت على تقسيم جيشه إلى ثلاث فرق تهاجم القوَّات الرومانيّة من ثلاث جهات؛ الفرقة الأولى كانت بقيادة ابنه بارتامازيريس، ومهمَّتها مهاجمة القوَّات الرومانيَّة الموجودة في ميديا وأرمينيا وأديابين، والفرقة الثَّانية أوكل قيادتها إلى أخيه مهردار، ومهمَّتها مهاجمة القوَّات الموجودة على طريق الفرات، وقطع الاتِّصال بينها وبين القوَّات الموجودة في سورية، أمَّا الفرقة الثَّالثة فكانت بقيادة خسرو نفسه، ومهمَّتها الهجوم على طيسفون العاصمة، ويبدو أنَّ الهجمات الفرثيّة قد أوقعت خسائر فادحة في صفوف الجيش الرومانيِّ وأخذت منهم الأسلاب والغنائم التي كانوا قد نهبوها في غزوتهم. وقد أسرع تراجان بالعودة إلى طيسفون، واستفاد من وفاة مهرداد أخي الملك خسرو والخلاف الذي دار بين ابنه سنتروك الذي تولَّى قيادة الجيش بدلًا منه وبين ابن الملك خسرو المدعو بارتامازيريس، فأوعز إلى قائديه كلاروس ولوسيوس كويتوس بإعادة احتلال المناطق التي حررها القائدان الفرثيّان فتمكَّنا من إعادة أرمينيا إلى تبعيَّة الرومان، وتعرَّضت سلوقية[27] ونصيبين والرها للنهب والحرق والتدمير على يد القوات الرومانية[28].
وبعد ذلك الانتصار قرَّر تراجان العودة إلى بلاده خوفًا من أن يتعرَّض إلى هجوم جديد من قبل الفرثيين، إلَّا أنَّه أراد تأكيد تبعيَّة ملك الفرثيين له، فاستمال إلى جانبه بارتامازيريس ابن الملك خسرو ونصَّبه على العرش في طيسفون، وتأكيدًا لتلك التبعية سكَّ نقودًا نقش عليها عبارة (Rex Parthis Dtus بادشاهي اعطايي به بارث) أي حكومة بارت العطائيَّة، ومنح لقب بارثيكوس (أي فاتح بارثيا) من قبل مجلس الشيوخ، وقدّم الابتهالات لأجل سلامته، وبعد ذلك عاد تراجان إلى سورية، وقبل وصوله إليها عرَّج على مدينة الحضر فضرب عليها حصاره محاولًا احتلالها، فاستغلَّ الملك الفرثي خسرو ذلك، وعاد في ربيع عام (116م) إلى طيسفون، وتمكَّن من استعادة سلطته عليها بعد أن فرَّ عنها ابنه بارتامازيريس إلى الرومان، واستطاع استعادة سيطرته على المناطق الجنوبّية من أرض الجزيرة الفراتيّة، أمَّا المناطق الشماليَّة منها، وكذلك إقليما اديابين وأرمينيا، فلم يتمكَّن من استعادتها إلَّا بعد وفاة تراجان عام (117م)[29].

لقد كان تراجان طموحًا إذ اندفع في غزواته التوسُّعية الاستعمارية، لكنَّ هذا التوسُّع كلَّفه حياته وكلَّف الإمبراطوريّة شللًا عسكريًّا بعد أن اتَّسعت كثيرًا، وأصبحت بحاجة إلى طاقة عسكريَّة لتدافع بها عن ممتلكاتها تلك[30]، وعلى الرغم من فشل حملة تراجان في السَّيطرة على أرض بلاد الرَّافدين إلَّا أنَّها أثمرت نتائج مهمَّة، منها تحقيق حلم الرومان في السَّيطرة والإشراف على طرق التجارة المارَّة بمناطق نفوذ الفرثيين، ومن جانب آخر كشفت عن ضعف الدولة الفرثيّة، وولَّدت فكرة غزو بلاد الرافدين عند الأباطرة الرومان بوصفها المركز الرَّئيس لتوزيع منتجات التجارة الشَّرقيّة، وهذا ما حاول القيام به الإمبراطور ماركوس أورليوس ثمَّ الإمبراطور سبتيميوس سيفيروس[31].

ثانيًا: الإمبراطور ماركوس أورليوس (161–180م)
نشأته ووصوله إلى العرش
هو ماركوس اينوس فيروس من أصل إسبانيٍّ ولد في روما، وينحدر من أصول ملكيَّة، فجدَّته لأبيه روبيلة فاوستينا كانت الإمبراطورة الرومانيَّة وزوجة الإمبراطور هادريان (117–138م)، وعمَّته فاوستينا الكبرى كانت زوجة الإمبراطور أنطونيوس بيوس، الذي تبنَّاه وزوَّجه من ابنته وصار يعرف بماركوس إيليوس أورليوس[32].

في عام (139م) أنعم أنطونيوس بيوس على ماركوس أورليوس بلقب قيصر، فكان ذلك بمنزلة إعلانه خليفة له رسميًّا، وكان ماركوس مريدًا مخلصًا للرواقيَّة التي كان قد تلقَّى دروسها في شبابه ورغم فكره الرواقي، الا أن ممارسته للسلطة لم تنسجم مع هذا الفكر، فقد كان شديد التعلق بالحكم، مستبداً برايه، متعنتاً في توريث ولده للجكم رغم عدم صلاحيته.
بعد وفاة الإمبراطور أنطونيوس بيوس عام (161م) تولَّى ماركوس أورليوس عرش الإمبراطوريّة، وخلال السَّنوات الأولى من حكمه أشرك معه في الحكم أخاه بالتبنِّي لوكيوس أورليوس فيروس الذي كان قد تبنَّاه الإمبراطور أنطونيوس بيوس أيضًا، وقد حكما بصورة مشتركة وبالتَّعاون خلال السَّنوات (161–169م)[33].

حملة ماركوس أورليوس إلى الشرق (162–170م)
في شتاء عام (161م) وصلت إلى روما أخبار عن ثورة في الشَّرق ضد الاحتلال الروماني، فقد أعلن الملك الفرثي بلاش الثالث (vologese III 148–191م) الحرب على الرومان، فأوعز إلى قائده خسروف لمهاجمة أرمينيا وتحريرها من يد الرومان، فاستولى على عاصمتها أرتاكساتا، وطرد منها ملكها سوهيموس (140–178م) وعيَّن بدلًا منه الأمير الفرثي باكور (161–164م)، وسار حاكم كبدوكيا الرُّوماني سفريانوس للتَّصدي للثوَّار، ولكنَّه هُزم عند أليكيا القريبة من أرضروم، وبعد هذا النصر وفي عام (162م) عبرت القوَّات الفرثيّة نهر الفرات غربًا واندفعت نحو سورية، وأجبرت حاكمها الرومانيَّ أتيدوس كورنلينوس (156–162م) على التَّقهقر والهرب من أمامهم[34]. وقرَّر الأخوان ماركوس ولوسيوس أنَّ واحدًا منهما يجب أن يذهب في حملة إلى الشرق شخصيًّا، وقد وافق مجلس الشيوخ على ذهاب لوسيوس إلى الشَّرق وأن يبقى ماركوس في روما.

بدأ لوسيوس الغزوة إلى الشَّرق في صيف عام (162م) على رأس جيش بلغ تعداده (75) ألف جنديٍّ، وكانت الرِّحلة إلى الشَّرق عن طريق كورينثة وأثينا، بعد ذلك أخذ لوسيوس سفينة عبر بحر إيجة وأخيرًا وصل إلى أنطاكية عن طريق المدن الساحليَّة في آسيا، ويبدو أنَّ لوسيوس أورليوس لم يكن أهلًا لتلك القيادة، فقد كان ماجنًا لاهيًا ينجرف وراء شهواته ومداعبة النِّساء، فأرسل ماركوس أورليوس بدلًا منه ستاتيوس بريسكوس ليأخذ قيادة الغزوة إلى الشَّرق، إذ وصل إلى كابدوكيا في عام (163م) وتمكَّن في طريقه من تحقيق مكاسب للجيوش الرومانيَّة، فبينما كان ستاتيوس بريسكوس يحتلُّ أرمينيا قام الفرثيّون بخلع مانوس، الحاكم الروماني على أوسروين، الإمارة الشماليَّة الغربيَّة لبلاد الرَّافدين مع عاصمتها الرها، وكان الردُّ الرومانيُّ الأوَّل أن تتحرَّك القوَّات عبر الفرات باتِّجاه أسفل المجرى، وقد دخلت قوَّات رومانيَّة أخرى إلى أوسروين من أرمينيا، واحتلَّت أنثيموسيا Anthemusia، جنوب غرب الرها، وكانت هذه القوات بقيادة م. كلاوديوس فرونتو وقائد آخر يدعى ب. مارتيوس فيروس الذي خدم تحت إمرة بريسكوس. وكان بريسكوس في الوقت نفسه يقود إحدى القوَّات السوريَّة.

وقد شهدت العمليَّات العسكريَّة بعض الهدوء في عام (164م)، فقد كانت القوَّات الرومانيَّة تستعدُّ للهجوم على أرض الفرثيين، وكانت أرمينيا تحت السَّيطرة الرومانيَّة، إذ أسَّسوا فيها عاصمة جديدة تُدعى كاني بوليس لتحلَّ محلَّ القديمة أرتاكساتا التي تبعد عنها نحو (30 ميلًا)، وقد كان موقعها أكثر استراتيجيّة، وتمكَّنت القوَّات الرومانيَّة من أسر ملكها الفرثي، وأعادوا إلى عرشها حاكمها السَّابق سوهيموس، الذي توِّج ملكًا على أرمينيا من قبل الرومان[35].
وفي عام (164م) هاجم بريكسوس منطقة أديابين، وبعد أن تمكَّن من احتلالها هاجم مملكة أوسروين واحتلَّها أيضاً، فأصبح شمال غرب الجزيرة الفراتيَّة تابعًا للرُّومان، وأصبحت حدودهم تصل إلى نهر الخابور، وحقَّق الرُّومان انتصارات أخرى على الفرثيين في سورية، إذ تمكَّن القائد الرومانيُّ الذي أصبح حاكمًا على سورية فيما بعد أفيديوس كاسيوس عام (164م) من التَّصدي للفرثيين في سورية، وأجبرهم على الانسحاب منها إلى مدينة دورا أوروبس على نهر الفرات، وهم في حالة من الفوضى والإرباك في الصُّفوف، فاستغلَّ القائد الرومانيُّ ذلك، واستمر في ملاحقتهم، وبعد عدَّة معارك معهم تمكَّن من احتلال المدينة[36].

وفي عام (165م) اندفع الرُّومان نحو بلاد الرافدين، وكانت الرها في الشمال محتلَّة، وأعاد الحاكم الرومانيُّ مانوس احتلال إمارة أوسروين، وطارد جيش رومانيٌّ الفرثيين شرقًا إلى نصيبين التي كانت محتلَّة أيضًا، وعندما انسحب الفرثيّون وصل إلى دجلة قائدهم خسرو Chosrhoes الذي تمكَّن من الهرب بالسباحة في النهر والتجأ إلى كهف، وكان هذا القسم من الحملة بقيادة مارتيوس فيروس، وفي هذه الأثناء زحف أفيديوس كاسيوس إلى الفرات الأوسط، وحدثت المعركة الرئيسة في دورا أوروبس، المدينة الإغريقيّة الأصل التي أعيد تحصينها من قبل الفرثيين، وخلال نهاية السنة جلب كاسيوس رجاله إلى الجنوب وتحرَّك عبر بلاد الرافدين عند نقطة ضيِّقة غربًا للهجوم على المدينتين التوأمين على دجلة، سلوقية على الضِّفة اليمنى والعاصمة الفرثيّة طيسفون على الضِّفة اليسرى، وقد رحّبت سلوقية بالرُّومان وفتحت لهم أبوابها، ما جعل الطَّريق مفتوحًا أمام أفيديوس كاسيوس الذي تمكَّن من احتلال طيسفون ونهب وإحراق قصر ملكها بلاش الثَّالث، لكنَّ كاسيوس سمح للجيوش الرومانيَّة بتدمير سلوقية ونهبها[37].

وفي هذا دليل على أن الرومان انتهجوا في سياستهم ضدَّ الشَّرق سياسة الكذب والخداع والغدر من أجل تحقيق سياستهم الاستعماريَّة في التوسُّع على حساب الشُّعوب الأخرى، كما فعل تراجان من قبل عندما أعطى الأمان لملك أرمينيا الفرثي بارتامازيريس، وبعد ذلك أمر بقتله، واحتلَّ أرمينيا وأعلنها ولاية رومانيَّة.
في عام (166م) اقتحم الرُّومان المملكة الفرثية للمرَّة الثَّانية، وهذه المرَّة كان الهجوم عبر شمالي دجلة إلى داخل ميديا، وقد حقَّقوا عدَّة انتصارات لجيوش كاسيوس بقيادة لوسيوس لتأخذ عنوانًا آخر ميديكوس، وأرسل الرُّسل إلى روما لإعلان النَّصر، وقد لُقِّب ماركوس أورليوس من قبل مجلس الشيوخ (بارثيكوس ماكسيموس) أي أعظم منتصر على الفرثيين أو سيِّد الفرثيين[38].

في هذه الأثناء بدأ جيش أفيديوس كاسيوس يعاني من نقص في المؤونة والتجهيزات ومن وباء الطاعون الذي فتك بالجيش الرومانيِّ في سلوقية، وقد حاول ماركوس أورليوس الذَّهاب إلى الشمال شخصيًّا في عام (167م)، لكنَّه توقَّف عن ذلك بسبب انتشار وباء الطاعون في جميع أنحاء بلاد الرافدين، فاضطرَّ كاسيوس إلى إنهاء عمليَّاته العسكريَّة والانسحاب من العاصمة طيسفون، ويقال إنَّ كاسيوس جلب وباء الطاعون معه إلى تلك المناطق التي مرَّ فيها في طريق عودته حتَّى إلى روما.
ويذهب بعض المؤرخين إلى أنّ هذا الوباء كان عقوبة إلهيّة للجيوش الرومانيّة، الذين انتهكوا الاتفاقية مع سلوقية بعد أن كانت المدينة قد فتحت أبوابها للجنود الرومان كأصدقاء، فقد قام كاسيوس وجنوده بسلب ونهب سلوقية. وبعد فشل حملة ماركوس أورليوس إلى الشرق وعودة الجنود الرومان إلى روما، بعد بضع سنين توفّي ماركوس أورليوس في روما عام (175م)[39].
وعلى الرغم من ذلك لم يحاول الفرثيّون استعادة أراضيهم، فقد اكتفى الملك بلاش الثَّالث باستعادة عرشه في طيسفون، وبقيت أرمينيا والمناطق الشماليَّة الغربيَّة من أرض الجزيرة الفراتيَّة خاضعة لسيطرة الرومان حتَّى عام (191م) وهي سنة وفاة بلاش الثَّالث[40].

ثالثًا: الإمبراطور سبتيميوس سيفيروس (193–211م)
نشأته ووصوله إلى العرش:
هو مواطن رومانيٌّ من أصل فينيقيٍّ من طبقة الفرسان، ولد عام (145م) في مدينة ليبتس ماجنا (مدينة لبدة في طرابلس حاليًّا) التي كانت جزءًا من ولاية إفريقيَّة الرومانيَّة، وبالرغم من أصله الفينيقيِّ إلَّا أنَّه تلقَّى تعليمًا رومانيًّا وثقافة لاتينيَّة، فقد درس الفلسفة في أثينا والقانون في روما، وكان طموحًا متعطِّشًا للجاه والسلطان، وكان كذلك شديد الإعجاب بماركوس أورليوس، تولى عرش الإمبراطوريّة وعمره ثمان وأربعون سنة، على إثر الفوضى التي عمَّت أرجاء الإمبراطوريَّة الرومانيَّة بعد مقتل الإمبراطور كومودوس (180–192م) على يد الحرس البريتوري، إذ تنافس القادة العسكريُّون جوليانوس وجايوس وكلاوديوس البينوس وسبتيميوس سيفيروس فيما بينهم على عرش الإمبراطورية، وأخذ جنود كلِّ إقليم بمبايعة قائدهم إمبراطورًا، فأعلن جيش الشَّرق قائدهم نيجر (193–194م) المقيم في سورية إمبراطورًا، في حين وقف الجيش المرابط في إقليم بانونيا إلى جانب قائدهم سبتيميوس سيفيروس، ونادوا به وريثًا على العرش الرومانيِّ، وقد حسم الأخير الأمر عندما دخل بجيشه إلى روما، وأعلن نفسه إمبراطورًا وعُرف هذا العام باسم عام الأباطرة الأربعة[41].

رأى سيفيروس أنَّ الجيش هو جوهر السُّلطة والحكم، وبناء على ذلك أعطى الجنود وضعًا متميِّزًا، وقد حصل الجنود في عهده على مزايا كثيرة منها زيادة رواتبهم ومنحهم الوظائف العليا المدنيَّة والعسكريَّة ومنحهم أراضيَ زراعيَّة... وغيرها[42].
حملة الإمبراطور سبتيميوس سيفيروس إلى الشَّرق (195-199م)

في عام (191م) تولَّى عرش الدَّولة الفرثيّة بلاش الرَّابع (191–208م)، التي كانت تعاني من ضعف شديد، وقد حاول بلاش الرَّابع استغلال الظُّروف والحرب الأهليَّة التي كانت تشغل الرومان بطريقة دبلوماسيَّة، فقد أرسل بلاش الرابع إلى الإمبراطور نيجر الذي أعلن نفسه إمبراطورًا في سورية عام (193م) رسله محمَّلين بالهدايا، وعرضوا عليه تقديم المساعدة ضدَّ منافسيه على أن يتخلَّى عن سورية للفرثيين، ويبدو أنَّ السَّبب في حملة سبتيميوس سيفيروس العسكريَّة إلى الشَّرق هو وقوف الفرثيين إلى جانب خصمه نيجر[43].

بعد أن تمكّن سيفيروس من إنهاء الحرب الأهليَّة في روما والقضاء على منافسيه وخصوصًا القائد نيجر عام (194م)، قرَّر في ربيع عام (195م) التوجُّه إلى الشَّرق للقضاء على الثوار وإعادة احتلال مناطق شمال غرب الجزيرة الفراتيَّة ووضعها تحت سيطرة الإمبراطوريَّة الرومانيَّة، فعبر سيفيروس الفرات وزحف إلى منطقة الفرثيين، وعندما عَلِم حكَّام تلك المناطق بذلك سارعوا إلى إرسال رسلهم إليه ليعلنوا الولاء، وأنَّ ثورتهم كانت ضدَّ نيجر، وسيعيدون الغنائم والأسرى الرومان بشرط خروج الحامية الرومانيَّة من أراضيهم، لكنّ العروض رُفضت؛ لأنَّ الحكَّام لم يأتوا بأنفسهم، وعندما وصل الإمبراطور إلى الرها انضمَّ حاكمها أبجر التَّاسع إلى سيفيروس، وأعطى أبناءه رهائن، وكان المسير التَّالي للحملة إلى نصيبين، حيث أسَّس سيفيروس مراكزه الرئيسة.
بعد أن تمكَّن سيفيروس من احتلال نصيبين وضع فيها حامية عسكريَّة رومانيَّة، وبقي في نصيبين، وقسّم جيشه إلى عدَّة فرق لإخضاع بقيَّة المناطق الثَّائرة تحت إمرة القادة ت. سيكستيوس لاتيرانوس وتيب كلاوديوس كانديوس وب. كورنيليوس أنوليوس وبروبوس ولاتيوس. وكانت ثلاث فرق عسكريّة من تلك تحت إمرة أنوليوس وبروبوس ولاتيوس، أرسلوا إلى مناطق بلاد الرافدين، فتمكَّنوا من الاستيلاء على منطقة أديابين ومملكة أوسروين وجعلهما ملحقتين بالإمبراطوريَّة الرومانيَّة، وبذلك عادت مناطق شمال غرب الجزيرة الفراتيَّة إلى الاحتلال الروماني مرَّة أخرى، وقد منح سيفيروس عدَّة ألقاب إمبراطوريَّة من قبل مجلس الشُّيوخ (Parthicus Arabicus – Parthicus Adiabenicus) بسبب هذه الانتصارات التي حقَّقها في منطقة الفرات الأوسط وأديابين[44].

وما كاد سيفيروس ينهي غزوته في الشَّرق حتَّى اضطرَّ إلى العودة إلى بلاده لمحاربة منافسه الثَّاني كلاوديوس البينوس، الذي استغلَّ غياب سيفيروس وأعلن نفسه امبراطورًا عام (196م)، فقد تمكَّن سيفيروس من هزيمته وقتله في عام (197م)، وانتهز الملك الفرثي بلاش الرَّابع ذلك فعاود مهاجمة الحاميات الرومانيَّة الموجودة في أديابين ومملكة أوسروين وتمكَّن من استعادتهما وتحريرهما من الاحتلال الروماني [45]، ولكنَّ بلاش الرَّابع لم يستطع تحرير نصيبين بسبب دفاع لاتيوس المستميت عنها، الذي حوصر داخل المدينة، ولكن بلاش الرَّابع تمكَّن من استعادة أرمينيا مرَّة ثانية، ثمَّ تابع بلاش الرَّابع زحفه بجيش كبير ضدَّ العدوِّ الروماني الغادر والتقى به في خراسان، ولكنَّ قوَّاته حوصرت من جميع الجهات، وأُخذوا على حين غرَّة وأُجبروا على ترك خيولهم وانسحبوا، لكنَّ القوات الرومانيَّة حاصرتهم في الجبال وقتلت عددًا كبيرًا منهم، وعندئذ قام الجنود الفرثيّون المخلصون بإعادة تنظيم الجيوش، والتفُّوا على العدوِّ وواجهوه بهجوم ساحق وأجبروه على الانسحاب إلى حدود بحر قزوين، وعاد الفرثيّون إلى طيسفون بعد هذا الانتصار[46].

بعد ذلك توجَّه بلاش الرَّابع لمعاقبة ملك أديابين المدعوِّ نارسيس Narses، الذي رفض الانضمام إلى بلاش الرَّابع في حملته على الجبهة الشرقيَّة، ووقف إلى جانب القوَّات الرومانيَّة المعادية، إذ اقتحم بلاش الرَّابع أديابين وأغرق نارسيس في نهر الزاب العظيم، وبعد إنهاء الإمبراطور سبتيميوس سيفيروس المشاكل في روما، ونتيجة لهذه التطوُّرات في الشرق، بدأ في عام (197م) التَّجهيز للهجوم على الفرثيين أنفسهم، وعندما سمع الفرثيّون بذلك استعدُّوا للتَّصدي لهذه الحملة، وشكَّلوا ثلاث فرق عسكريَّة، وفي نهاية عام (197م) غادر سيفيروس مع جيشه ميناء برونديسيوم Prundisium وأبحر مباشرة إلى سورية[47].
وما إن سمع ملك أرمينيا ساناترويكس بذلك حتَّى سارع إلى الخروج لمصالحته معلنًا خضوعه ودولته للرومان، ثمَّ توجَّه سيفيروس جنوبًا في طريقه إلى مملكة أوسروين التي ما إن علم ملكها أبجر التَّاسع (179–216م) بزحف الإمبراطور نحوه حتَّى خرج لاستقباله تعبيرًا عن خضوعه وتبعيَّته له، ولتأكيد تلك التبعيَّة أبقى أولاده رهائن عند الإمبراطور، وبعد أن أصبحت أوسروين ولاية رومانيَّة تقدَّم واستولى على مملكة أديابين[48]، وسار لإعادة احتلال نصيبين، وعندما سمع الفرثيّون بوصوله انسحبوا أمامه دون مقاومة، وكان برفقة سيفيروس أخو الملك الفرثي بلاش الرَّابع الذي كان يطمح بالعرش الفرثي بمساعدة الرُّومان، وعاد إلى الفرات، وهناك جهَّز سيفيروس القوارب لعبور دجلة إلى العاصمة طيسفون[49].

وبعد أن جعل سيفيروس شمال بلاد الرَّافدين الغربي مقاطعة رومانية للمرَّة الثَّالثة بدأ بتجهيز نفسه لاحتلال طيسفون، وفي عام (198م) قاد جيشًا نزل به في وادي دجلة وأسطولًا نزل به في وادي الفرات، فتمكَّن من احتلال مدينتي بابل وسلوقية، ثمَّ اقترب من طيسفون وفرض عليها حصارًا، وقد حدثت معركة حامية الوطيس بين سفيروس وبلاش الرَّابع، وسقطت العاصمة في النهاية بأيدي الرومان عام (198م)، وقد نكل الإمبراطور بسكان المدينة بكل وحشية، ولم يسلم منه حتى الأطفال والنساء والشيوخ الطاعنين في السن، فبعد أن نهبها أسر وقتل الكثير من رجالها، ويقال إنَّ القتلى والأسرى من الرِّجال والأطفال والنِّساء وصل إلى نحو (100) ألف شخص، وهكذا خلال قرن واحد تمكَّن الرومان من أن يشقُّوا طريقهم إلى داخل العاصمة طيسفون ثلاث مرَّات[50].
وبسبب عمليَّات النَّهب والتَّدمير الوحشي التي ألحقها الجنود الرُّومان بمدينة طيسفون أصبحت المنطقة مهجورة وفقدت المنطقة مواردها الاقتصاديَّة ومؤونتها، ولذلك فضَّل الإمبراطور سبتيميوس سيفيروس ترك العاصمة طيسفون والانسحاب عن طريق نهر دجلة إلى أنطاكية عاصمة سورية، وقد سار الجيش الرومانيُّ مرَّة بالقوارب ومرَّة على الأقدام على طول دجلة، وحاول سيفيروس في عام (199م) احتلال مدينة حاترا في طريقه ولكنَّه فشل، وقد خسر الإمبراطور العديد من الجنود ودُمِّرت أدوات الحصار، لذلك انسحب سيفيروس إلى نصيبين لاستئناف الهجوم مرَّة أخرى في السنة التَّالية بمخازن طعام أفضل وآلات حصار إضافيَّة، ولكنَّ الحملة الثَّانية لم تكن أكثر نجاحًا من الأولى، فقد استطاعت القوَّات الرومانيَّة في البداية تدمير سور حاترا، ولكنَّهم تشتَّتوا بسبب هجوم معاكس من قبل شعب حاترا، ودُمِّرت جميع أدوات الحصار الجديدة، وهدّدت حياة الإمبراطور نفسه، وأعاد شعب حاترا بناء السُّور في اللَّيل، وكان الجنود الرُّومان غاضبين بسبب الخسائر التي لحقت بهم في اليوم السَّابق، ورفضوا الاستمرار في حصار حاترا، وقتل عدد كبير من القوَّات السوريَّة الرومانيَّة التي شاركت في الهجوم على حاترا، وبعد عشرين يومًا من النكسات قرَّر سيفيروس ترك حاترا والعودة إلى أنطاكية[51].

وقد تزامنت عودة سيفيروس إلى أنطاكية مع الاحتفال بالذكرى المئويَّة لدخول تراجان إلى هذه المدينة، فأعلن أمام جنوده منح ابنه باسيانوس انتونينوس لقب أغسطس ليكون شريكه في الحكم وهو في سنِّ الثَّالثة عشر، وألبسه العباءة الإمبراطوريَّة، ومنح أخاه الأصغر جيتا لقب قيصر، وأغدق بهذه الاحتفالات المنح والعطايا على جنوده، ونادوا به لقب بارثيكوس ماكسيموس (أي الفاتح العظيم لمدن بارثيا وفاتح بارت الكبير)، وسكَّ نقودًا عليها صورته واسمه[52].

نتائج حملة سبتيميوس سيفيروس إلى الشَّرق
لا يمكن أن ترضي حملة سيفيروس إلى الشَّرق أيَّة وجهة نظر سياسيَّة أو شخصيَّة، فلم تضف أيَّة منطقة جديدة إلى الجانب الرومانيِّ، وخسرت روما الكثير من الرجال والعتاد، وانتهت الحملة بفشل ذريع عند حاترا، وعانى الفرثيّون الكثير من المتاعب، وتكبَّدوا خسائر فادحة، وقد كانت العواصم الغربيَّة والمناطق المحيطة بها أكثر تعرُّضًا لغارات الجيش الرومانيِّ، فقد شهدت تلك المناطق الكثير من الدَّمار والخراب الذي أدَّى إلى انهيارها وسقوطها بأيدي الرُّومان بسهولة[53].

ومن النَّتائج الأخرى التي أظهرتها هذه الحملة أنَّ العلاقات الرومانيَّة مع الشُّعوب الشرقيَّة كانت مشحونة دائمًا بالعداوات الخطيرة، وقد اعتمد الرُّومان في سياستهم على دويلات أساسيَّة تابعة لهم، كان أكبرها أرمينيا، فقد حاول الرُّومان جاهدين الحفاظ على طرق التِّجارة بين آسيا الوسطى والفرثيين في الشَّرق، واعتمدوا على المدينة التجاريَّة العظيمة تدمر التي تقع على الحدود الشرقيَّة لمنطقة سورية، والتي حافظت على مكانتها وتنظيمها على طريق التِّجارة البريَّة بين سورية وبابل، وقد وُضعت تحت حكم فولفيوس تيتانوس الرومانيِّ، وهو أحد الرِّجال الذين أدُّوا دورًا مميَّزًا في الحرب الشرقيَّة[54].
ومنذ احتلال الإمبراطور الروماني بومبي لسورية جعلها ولاية رومانيَّة في سنة (64ق.م)، لكنَّ المناطق الجنوبيَّة الشرقيَّة ومنطقة تدمر بقيت بعيدة عن متناول السُّلطة الرومانيَّة، فالعرب الأنباط الذين امتدَّ سلطانهم من عاصمتهم البتراء إلى حوران، وصل نفوذهم إلى دمشق لفترة محدَّدة من الزَّمن، إلَّا أنَّ الرُّومان استطاعوا القضاء على تلك الأسر المحليَّة تدريجيًّا، وجرّدوا مناطقهم من السِّلاح وجعلوا القبائل البدويَّة حرَّاسًا عليها.

وفي عام (106م) حوَّل الحاكم الرومانيُّ على سورية كورنيليوس بالما المناطق الشماليَّة للأنباط إلى ولاية عربيّة خاضعة لسلطة روما، وجعل من بصرى الشَّام في جنوبي حوران عاصمة للولاية الجديدة، أمَّا الأراضي التي سلبها الرُّومان من الفرثيين إلى الشَّرق من نهر الفرات فقد ضُمَّت إلى ولاية ما بين النهرين. وقد طرأ تعديل جديد على نظام الولايات الشرقيَّة في عهد القيصر سبتيميوس سيفيروس عام (195م)، إذ أراد هذا الإمبراطور تقليص الصَّلاحيات الواسعة التي منحها أسلافه من الأباطرة لحكَّام الولاية السوريَّة الغنيَّة، فقسّم تلك الولاية إلى ولايتين، سمَّى الأولى ولاية سوريَّة الداخليَّة، وتمتدُّ من جبال لبنان إلى تدمر التي قضى على استقلالها، وسمَّى الثَّانية ولاية سورية الفينيقيَّة، ثمَّ قام بتوسيع الولاية العربيَّة بأن ضمَّ إليها فلسطين وأقصى جنوب بلاد الشَّام[55].

الخاتمة
من خلال هذا الاستعراض لحملات الأباطرة الرُّومان الثَّلاث إلى الشَّرق، نجد أنَّ جميع هذه الحملات باءت بالفشل، فلم تستطع إضافة أيَّة مناطق جديدة للسَّيطرة الرومانية، بل كبَّدت الرومان خسائر فادحة في العتاد والرجال، وأنهكت قوَّتهم في الشَّرق.
سعى الرومان من خلال هذه الغزوات إلى احتلال مناطق واسعة في الشرق، وذلك يندرج ضمن سياستهم الاستعمارية التوسعية على حساب الدول والشعوب الأخرى. وقد فرضوا الضرائب والجزى الباهظة على المناطق التي احتلوها، وحاولوا استنفاذ خيرات تلك البلاد وإهلاكها اقتصاديًّا مما يؤدي إلى ضعفها العسكري حتى تصبح لقمة سهلة، وغير قادرة على التصدي لهم أو الثورة عليهم. بالإضافة إلى تجنيدهم للشباب من المناطق التي احتلوها، وخصوصاً في سورية ليكونوا وقوداً لغزواتهم وزجهم في معارك كبيرة.
ونلاحظ أنَّ الرومان انتهجوا سياسات مختلفة في تعاملهم مع الدُّول الشرقيَّة، فقد اتَّبعوا سياسة الحزم والعنف تارة، وأحيانًا السِّلم، كما عمدوا إلى أسلوب المراوغة والخداع والغدر، إذ قاموا بعقد المعاهدات والاتِّفاقيات مع هذه الدَّولة ليتفرَّغوا لضرب تلك الدولة، وما إن ينتهوا من تلك الدَّولة حتَّى يعودوا لضرب الدَّولة التي عقدت معهم اتِّفاقية السَّلام. وهذا هو الأسلوب الَّذي يعتمده المحتلُّ في سياسته، فالرومان لا يمكن الوثوق بهم أو بمعاهداتهم، لأنهم لا ذمة لهم ولا عهد.
ومن الأساليب الأخرى التي اتبعوها لإرهاب المنطقة وبث الذعر في قلوبهم، هي القتل والذبح والتنكيل بالمدن المغلوبة، ولم يسلم منهم لا الأطفال ولا الشيوخ ولا النساء.
كما اتبع الرومان سياسة (فرِّق تسد) بين حكَّام الدَّولة الواحدة أو بين الدول المختلفة في الشَّرق، إذ اعتمدوا على إثارة الفتن بين الحكام والدول والمساعدة في إشعال فتيل الحرب بينهم لإنهاكهم عسكريًّا واقتصاديًّا، ليصبحوا فريسة سهلة.

لائحة المصادر والمراجع
المراجع العربيَّة والمعرَّبة:
الجنزوري، علية عبد السميع، إمارة الرها الصليبية، الهيئة المصريّة العامّة للكتاب– القاهرة 2001م.
جواد النوري، ميثم عبد الكاظم، حملات الأباطرة الرومان (تراجان، ماركوس أورليوس، سبتيميوس سيفيروس) على العراق، مجلّة الأستاذ، ملحق العدد الخاص بالمؤتمر العلمي الثالث، جامعة بغداد– كليّة التربية 2015.
جواد النوري، ميثم عبد الكاظم، العلاقات الفرثيّة – الرومانيّة 247ق.م – 226م، ط1، دار عدنان للطباعة والنشر، بغداد 2017م.
حافظ، أحمد غانم، الإمبراطوريّة الرومانيّة من النشأة إلى الانهيار، دار المعرفة الجامعيّة، الإسكندريّة 2007م.
حتّي، فيليب، تاريخ سورية ولبنان وفلسطين، ج1، ط2، ترجمة د. جورج حداد و د. عبد الكريم رافق، دار الثقافة – بيروت 1958م.
سلهب، زياد، آثار العصور الكلاسيكيّة الإغريقيّة، منشورات جامعة دمشق 1998م.
القيسي، منى عبد الكريم حسين، أسوار المدن والقلاع في بادية الجزيرة في عصر ما قبل الإسلام، دراسة عماريّة، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة بغداد، كليّة الآداب 2007م.
كلينغل، هورست، آثار سورية القديمة، آثار ماقبل الإسلام في الجمهوريّة العربيّة السوريّة، ترجمة قاسم طوير، منشورات وزارة الثقافة، دمشق 1985م.
مرعي، عيد، رحلة في عالم الآثار «آثاريّون ومدن أثريّة، ط1، دار روافد للثقافة والفنون، دمشق 2010م.
مظلوم، طارق عبد الوهاب :المدائن (طيسفون)، مجلّة سومر – مج 27، الجزء 1 -2، منشورات مديريّة الآثار العامّة العراقيّة - بغداد 1971.

المصادر والمراجع الأجنبيّة
Bennett . J., Trajan Optimus Princeps, A life and times، Routledge, London and New York, 1997.
Birley . A.,، Marcus Aurelius A biography, Routledge, Taylor- francis e – library, 2000.
Campbell . B., The roman army 31 B.C – 337 A.D، A sourcebook, Routledge, taylor francis group, London and New York 1994.
Debevoise . N. C., A political history of Parthia, The university of chicago, 1938.
Frye, R،N., The heritage of persia, London, 1966.
Griffin . M.، Nerva to Hadrian, the Cambridge ancient history, second edition, volum XI, Cambridge university press 2008.

---------------------------------------------
[1]*- أستاذ في جامعة الفرات-سوريا.
[2]- حافظ، احمد غانم، الإمبراطوريّة الرومانيّة من النشأة إلى الانهيار، دار المعرفة الجامعيّة، الإسكندريّة 2007م، ص66–67.
[3]- جواد النوري، ميثم عبد الكاظم، العلاقات الفرثيّة – الرومانيّة 247ق.م – 226م، ط1، دار عدنان للطباعة والنشر، بغداد 2017م. ص100.
[4]- حتّي، فيليب، تاريخ سورية ولبنان وفلسطين، ج1، ط2، ترجمة د. جورج حداد ود. عبد الكريم رافق، دار الثقافة – بيروت 1958م. ص309–319.
[5]- الفرثيّون: أقوام آريّة بدويّة رعويّة تسكن أواسط آسيا، عرفوا بهذا الاسم نسبة إلى الإقليم الذي نزلوا عنده بارثافا (parthava)، وقد استطاعوا أن يشكّلوا دولة خاصّة بهم عنده هناك وبتتويج أرساس أوّل ملك عليهم سنة 247ق.م، واستمرّت قوّتهم في تزايد حتّى باتوا خطرًا محدقًا بالسلوقيين، إلا أنّ حكم الفرثيين لم يستتب إلا بعد مجيء الملك أرطبان الثاني سنة 126ق.م، وعُدَّ هذا التأريخ عند بعض المؤرّخين هو بداية الحكم الفعلي للفرثيين للعراق والذي دام قرابة ثلاثة قرون ونصف وكانت بدايته من سنة 126ق.م حتّى نهايته سنة 227م. واتسمت هذه المرحلة الممتدّة بين هذين التاريخين بصراع مستمرّ بين قوّتين،الأولى الإمبراطوريّة الرومانيّة في الغرب، والثانية المملكة الفرثيّة في الشرق، حيث كانت كلّ قوّة تسعى جاهدة للسيطرة وبسط النفوذ على المنافذ الرئيسة التي تتحكّم بطرق التجارة العالميّة والمؤدّية إلى بلاد الشام و بلاد الرافدين وكانت أرض الجزيرة ميداناً لهذه الحرب عندما تدور رحاها بين الطرفين. انظر:
Frye, R, N: The heritage of persia, London, 1966, p71.
[6]- عقدت هذه المعاهدة بين ملك أرمينيا الفرثي تيرداد الأوّل والقائد الروماني كوربولو عام (63م) في بلدة رانديا (قرب مدينة خربوط): وبموجبها اعترف الجانب الروماني بالملك الفرثي تيرداد الأوّل ملكاً على أرمينيا، بشرط أن يتمّ تتويجه من قبل الإمبراطور نيرون في روما نفسها. ومعنى ذلك أنّ أرمينيا أصبحت تابعة للنفوذ الروماني وأنّ الملك الفرثي يحكمها بصفته تابعًا لروما. انظر : جواد النوري، ميثم عبد الكاظم، المرجع السابق، ص95.
[7]- Debevoise. N. C., A political history of Parthia, The university of Chicago, 1938. Pp 217 – 219.
[8]- أثينا : هي عاصمة اليونان وأكبر مدنه، يعود اسم المدينة إلى آلهة الحكمة الإغريقية أثينا. تقع في جنوبي اليونان على سهل أتيكا بين نهري إليسوس وكيفيسوس محاطة بثلاث جهات بالجبال والجهة الرابعة تطلّ على خليج زارونيش الواصل إلى البحر المتوسّط. انظر: مرعي، عيد، رحلة في عالم الآثار "آثاريّون ومدن أثريّة"، ط1، دار روافد للثقافة والفنون، دمشق 2010م، ص81–82.
[9]- Griffin . M., Nerva to Hadrian، the Cambridge ancient history, second edition, volum XI, Cambridge university press 2008. P124.
[10]- Bennett . J., Trajan Optimus Princeps, A life and times، Routledge, London and New York, 1997. P194.
[11]- أنطاكية: هي مدينة أنطاكية الحاليّة في شمال غربي سورية في منطقة لواء إسكندرون بالقرب من ساحل البحر المتوسّط. وقد كانت في العصر الامبراطوري الروماني ثاني أكبر مدينة في العالم بعد روما. أسّست المدينة من قبل القائد العسكري سلوقس الأوّل نيكاتور (358–280ق.م) على الضفةّ اليسرى لنهر العاصي قبل مصبّه في البحر المتوسط بمسافة قصيرة في سنة 301 ق.م. انظر: مرعي، عيد، المرجع السابق، ص115.
[12]- مملكة أوسروين: كانت هذه المملكة تقع في شمال غربي الجزيرة السوريّة بين نهري الفرات والخابور، وقد استفلت عن السلوقيين في القرن الثاني قبل الميلاد، وصارت مملكة مستقلة وعاصمتها مدينة الرها. انظر: الجنزوري، علية عبد السميع، إمارة الرها الصليبيّة، الهيئة المصريّة العامة للكتاب – القاهرة 2001 م، ص28.
[13]- Bennett . J., op . cit, pp194– 195.
[14]- Bennett . J., op . cit, p195.
[15]- أليكيا : تقع على بعد 180 كم شرق ساتالا، و300 كم غرب عاصمة أرمينيا أرتاكساتا (أرتاسات Artasat). انظر : Ibid, p196
[16]- جواد النوري، ميثم عبد الكاظم، حملات الأباطرة الرومان (تراجان، ماركوس أورليوس، سبتيميوس سيفيروس) على العراق، مجلّة الأستاذ، ملحق العدد الخاصّ بالمؤتمر العلمي الثالث، جامعة بغداد – كليّة التربية 2015. ص192–193.
[17]- مدينة طيسفون: تقع طيسفون (المدائن) في وسط العراق على نهر دجلة مقابل مدينة سلوقية (تل عمر). بناها الفرثيّون في القرن الثاني قبل الميلاد وبقوا فيها حتّى العصر الساساني.انظر: مظلوم،طارق عبد الوهاب :المدائن (طيسفون)، مجلّة سومر – مج 27، الجزء 1-2، منشورات مديريّة الآثار العامّة العراقيّة - بغداد 1971، ص129.
[18]- مدينة الرها: كانت عاصمة مملكة أوسروين، وقد حملت عدّة أسماء عبر تاريخها، فقد عرفت في العصور الكلاسيكيّة باسم إديسا، واسمها السرياني أورهي والاسم الآرامي أورهاي، ومنها اشتقت التسمية العربيّة القديمة الرها. واسمها الحالي أورفا التي تقع جنوب شرق تركية اليوم. انظر: الجنزوري، علية عبد السميع، المرجع السابق، ص28.
[19]- Debevoise . N. C, A political history of Parthia, The university of chicago, 1938. P227.
[20]- Ibid, p226.
[21]- دورا أوروبس: تقع أطلالها اليوم التي تعرف باسم آثار الصالحيّة على الضفة اليمنى لنهر الفرات، على بعد نحو 30 كم غربي مدينة البوكمال السوريّة. بناها الملك السلوقي سلوقس الأول (323–280ق.م). استولى عليها الفرثيّون في سنة 100 ق.م وصارت في عهدهم مدينة قوافل مزدهرة. وفي عام 165م استولى عليها الرومان وأصبحت حصنًا حدوديًّا. وبعد عام (256م) استولى عليها الملك الساساني سابور الأوّل (241–272م) ودمّرها. وفي الوقت الحاضر تعرّضت للتخريب والتدمير على يد العصابات الإرهابيّة. انظر: سلهب، زياد، آثار العصور الكلاسيكيّة الإغريقيّة، منشورات جامعة دمشق 1998م، ص91.
[22]- Bennett . J, op . cit, p 199.
[23]- Debevoise . N. C, op. cit, p 230.
[24]- مدينة الحضر: (الحضر مدينة الشمس) كتبت هذه العبارة على أحد أوجه العملة الحضريّة مع صورة نسر رمز إله الشمس الذي نسبت إليه هذه المدينة، وعلى الوجه الآخر من العملة صورة الإله شمس بهيئة شاب حوله هالة مشعّة. وهي مدينة عربيّة النشأة وحاضرة مملكة عربايا (العرب). برزت أهمّية هذه المدينة من موقعها الاستراتيجي على الطريق بين العاصمتين سلوقية على نهر دجلة وأنطاكية في لواء إسكندرون على البحر المتوسّط شمال سورية. ونظرًا لموقعها الاستراتيجي المهم فقد سيطرت على قوافل التجارة العالميّة التي تمرّ بأرض الجزيرة العربيّة. كما تعدّ مركزًا دينيًّا رئيسًا يضم أكبر المعابد والمزارات الدينيّة. بالإضافة إلى ذلك كانت تمتلك قوّة عسكريّة وسياسيّة ممّا جعلها تقف سدًّا منيعًا في هذه الفترة الفرثيّة الرومانيّة، وكانت مصدر قلق لكلّ قائد روماني يحاول الوصول إلى العاصمة طيسفون. انظر: القيسي، منى عبد الكريم حسين، أسوار المدن والقلاع في بادية الجزيرة في عصر ما قبل الإسلام، دراسة عماريّة، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة بغداد، كليّة الآداب 2007م. ص45–47.
[25]- جواد النوري، ميثم عبد الكاظم، حملات الأباطرة، المرجع السابق، ص194.
[26]- Debevoise, N. C, op. cit, pp233- 234.
[27]- سلوقية: تقع مدينة سلوقية على الضفّة اليسرى لنهر دجلة مقابل مدينة طيسفون، أسّسها السلوقيّون لتكون عاصمة لهم وأسموها سلوقية نسبة إلى الإمبراطور سلوقس الأوّل الذي خلف ألكسندر المقدوني . وتعدّ مركزًا رئيسًا للتجارة في المنطقة آنذاك. انظر: القيسي، منى عبد الكريم حسين، المرجع السابق، ص42.
[28]- جواد النوري، ميثم عبد الكاظم، حملات الأباطرة، المرجع السابق، ص195.
[29]- Bennett. J, op.cit, p199.
[30]- حافظ، احمد غانم، المرجع السابق، ص66–67.
[31]- جواد النوري، ميثم عبد الكاظم، حملات الأباطرة، المرجع السابق، ص196.
[32]- جواد النوري، ميثم عبد الكاظم، حملات الأباطرة، ص196.
[33]- حافظ، احمد غانم، المرجع السابق، ص71-72.
[34]- جواد النوري، ميثم عبد الكاظم، حملات الأباطرة، المرجع السابق، ص196.
[35]- Birley . A, Marcus Aurelius A biography, Routledge, Taylor- francis e – library, 2000. Pp123–131.
[36]- جواد النوري، ميثم عبد الكاظم، حملات الأباطرة، المرجع السابق، ص197.
[37]- Birley . A, op.cit, p140.
[38]- Birley . A, op.cit, p144.
[39]- Ibid, pp144– 149.
[40]- جواد النوري، ميثم عبد الكاظم، حملات الأباطرة، المرجع السابق، ص197.
[41]- حافظ، أحمد غانم، المرجع السابق، ص73.
[42]- م.ن، ص74.
[43]- Debevoise . N. C, op. cit, p256.
[44]- Debevoise . N. C, op. cit, pp256–257.
[45]- جواد النوري، ميثم عبد الكاظم، حملات الأباطرة، المرجع السابق، ص198.
[46]- Debevoise . N. C, op. cit, p258.
[47]-Debevoise . N. C, op. cit, p259.
[48]- جواد النوري، ميثم عبد الكاظم، حملات الأباطرة، المرجع السابق، ص199.
[49]- Debevoise . N. C, op. cit, p260.
[50]- جواد النوري، ميثم عبد الكاظم، حملات الأباطرة، المرجع السابق، ص199.
[51]-Debevoise . N. C, op. cit, pp260–261.
[52]- جواد النوري، ميثم عبد الكاظم، حملات الأباطرة، المرجع السابق، ص200.
[53]- Debevoise . N. C, op. cit, p262.
[54]- Birley, A., op.cit, p148.
[55]- كلينغل، هورست، آثار سورية القديمة، آثار ما قبل الإسلام في الجمهوريّة العربية السوريّة، ترجمة قاسم طوير، منشورات وزارة الثقافة، دمشق 1985م. ص62.