البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

الترجمة الثقافية والتعددية الكونية والاختلاف الإبستيمي

الباحث :  جواد الحبوش
اسم المجلة :  الاستغراب
العدد :  32
السنة :  خريف 2023م / 1445هـ
تاريخ إضافة البحث :  January / 25 / 2024
عدد زيارات البحث :  702
تحميل  ( 396.792 KB )
الملخص
منذ التِّسعينيات من القرن الماضي، أضحى لمفهوم التَّرجمة مكانة هامَّة في مجالي الدِّراسات ما بعد الاستعماريَّة، والثَّقافيَّة، وذلك لارتباطه بطابع الهجنة الَّذي يميِّز هويَّات المهجر في علاقتها بأنساق الثَّقافة المهيمنة. وكان تعريف هومي بابا للتَّرجمة على أنَّها عمليَّة رصد لمشهد الاختلاف الثَّقافي (Homi Bhabha: 1994, 227) هو السَّبب الَّذي شجَّع علوم الثَّقافة على البحث في سبل توسيع مفهوم التَّرجمة اللِّسانيَّة، والنَّصِّيَّة ليشمل الممارسات الثَّقافيَّة، والاجتماعيَّة. إنَّ فكرة رصد الاختلاف الثَّقافي هاته لا تعني السِّيادة المطلقة على فعل تمثيل الذَّات من خلال التَّرجمة، بل تجسِّد أيضًا ذلك التَّعالق الوثيق بين الأنا والآخر، وهي تحتفي بطابع الهجنة الَّذي يميِّز الثَّقافات، والفضاءات، وتعمل على تقويض النَّظرة الجوهرانيَّة لمفهوم الهويَّة الإنسانيَّة.
إنَّ تناول موضوع التَّرجمة الثَّقافيَّة في هذه الورقة العلميَّة يروم إبراز فكرتين رئيستين: التَّرجمة بعدِّها” رفيق الإمبراطورية“، والتَّرجمة بصفتها فعلًا مقاومًا، ومناوئ لكلِّ أشكال السُّلطة، والمعرفة الغربيَّتين- فكرتان تعكسان معًا مدى ارتباط موضوع التَّرجمة بدهاليز السِّياسة في سياق الحداثة الاستعماريَّة وما بعدها. غير أنَّ فعل المقاومة الَّذي أراهن عليه لا يقوم فقط على استظهار جوانب المشترك الإنساني بشأن التَّفاوض حول مفهوم الثَّقافة، كما ينظر إلى ذلك هومي بابا من منظور ما بعد استعماري، وكما يوحي بذلك قبله المفكِّر، والنَّاقد الثَّقافي الفلسطيني إدوارد سعيد، خصوصُا في ما يتعلَّق بمفهوم القراءة الطَّباقيَّة (contrapuntal reading)، الَّذي يمكن من خلاله استشكال فكرة الحداثة الغربيَّة لا بعدِّها مشروعًا يمتلك الغرب السِّيادة التَّاريخيَّة، والإبستمولوجيَّة حوله، بل بعدِّ هذه الأخيرة نتاجًا لتجارب الشُّعوب الإنسانيَّة المشتركة، وغناها، وثرائها اللَّامتناهين، وكذا تفاعلها الخلَّاق عبر الثَّقافات، والجغرافيَّات، والتَّواريخ، والأوطان.

الكلمات المفاتيح: التَّرجمة الثَّقافيَّة، الإمبراطوريَّة، الاختلاف الإبستيمي، الهجنة الثقافيَّة، التَّفكير الحدودي.

مدخل
تتناول هذه الورقة العلميَّة موضوع ترجمات المهجر الوسيطة، وسياسات الاختلاف الإبستيمي من منظور ما بعد استعماري، يقوم على أساس استشكال مفهوم التَّرجمة الثَّقافيَّة في علاقاته بكتابات، وإبداعات/ وجماليَّات المهجر في السِّياقات ما بعد حداثيَّة. إذ تعبِّر هذه التَّجارب عن غنى، وثراء ذواتها المتنقلة عبر الجغرافيَّات، والتَّواريخ، والثَّقافات، والأفكار نوعًا من التَّرجمة يتمُّ من خلاله التَّفاوض بشأن الهويَّات، والعلاقات، والفضاءات، والأشياء إلخ. ولعلَّ ما نودُّ الاهتداء إليه في بداية هذه الورقة هو تفكيك العلاقة الملتبسة بين التَّرجمة، وفعل التَّمثيل الثَّقافي (cultural representation)، الشَّيء الَّذي يدعونا للحديث عن مفهوم التَّرجمة الثَّقافيَّة في علاقته بمجالين معرفيَّين شاسعين: الأنثروبولوجيا، والدِّراسات الثَّقافيَّة. رغم أنَّ الباحثين في الحقلين معًا أجمعوا على أنَّ كلمة ترجمة مشتقَّة من أصل لاتيني، وتعني أن ‹تنقل شيئًا عبر الحدود›، إلَّا أنَّ معناها يختلف من حقل معرفي إلى آخر. يجادل روبرت ج. س. يونغ (Robert J. C. Young) في السِّياق ما بعد استعماري بأنَّ التَّرجمة الثَّقافيَّة كانت في البداية مجالًا حكرًا على الأنثروبولوجي، الَّذي كان يقوم بترجمة «الثَّقافات البدائيَّة»، وينقلها إلى القارئ الأوروبي[2]، وهي ممارسة تحيلنا إلى الدَّور الهامِّ الَّذي لعبته الأنثروبولوجيا في سياق الإمبرياليَّة الإبستيميَّة القائمة على مبدأ تميُّز الثَّقافة «العقلانيّة» الغربيَّة عن باقي ثقافات العالم. غير أنَّه عندما أعلن طلال أسعد عن موت فكرة التَّرجمة الثَّقافيَّة في الأنثروبولوجيا[3]، بدأت هذه الأخيرة تتبوَّأ مكانة خاصَّة في مجال الدِّراسات ما بعد الاستعماريَّة، وذلك بعد مقال «سؤال الآخر» للنَّاقد الثَّقافي هومي بابا. برؤية مناوئة تعبِّر عن فاعليَّة الذَّات المهاجرة إلى أوروبا وأمريكا، يعاكس هومي بابا اتِّجاه التَّرجمة في سياق الأنثروبولوجيا الاستعماريَّة، ليصبح «المهاجر الجديد» أو «التَّابع» (subaltern) هو وسيط الَّترجمة بدل الأنثروبولوجي[4].

تستشرف هذه الورقة رؤية ما بعد استعماريَّة لمفهوم التَّرجمة الثَّقافيَّة، وتروم استشكال فعل التَّمثيل الثَّقافي بعدِّه خطابًا تتعالق في تخومه السُّلطة بالمعرفة، والسِّياسة بالثَّقافة، والتَّاريخ بالجغرافيا. فمفهوم التَّرجمة في مجال الدراسات ما بعد استعمارية يحيلنا أساسا على فعل التمثيل الثقافي، ذلك أن الترجمة لا تعني مجرد عملية تحويل النُّصوص من لغة إلى لغة أخرى، بل أهمُّ من ذلك تحيلنا إلى النُّصوص الَّتي تُكتب بلغة غير الثَّقافات الأصليَّة الَّتي تمتح منها، أو تتفاوض بشأنها. وإن كان هذا التَّعالق بين الكتابة، وفعل التَّمثيل الثَّقافي ليس موضوعًا جديدًا، إلَّا أنَّه في سياق الدِّراسات ما بعد استعماريَّة، كان للمفكِّر الفلسطيني السَّبق في الكشف عنه خصوصًا في ما يتعلَّق بفعل التَّمثيل هذا، وأشكال الهيمنة الَّتي يعبِّر عنها، والقوى الفاعلة فيها، وكذا أشكال المقاومة، والمناوئة الَّتي تعترضها. وإن كان إدوارد سعيد قد أغفل فكرة المقاومة في كتاب الاستشراق، فإنَّ الثَّقافة، والإمبرياليَّة، وهو ثاني أهمِّ الكتب الَّتي ألَّفها سعيد، يستدرك هذه الهفوة بتوجيه اهتمامه إلى فكرة المقاومة من خلال التَّركيز على ضرورة قراءة النُّصوص الاستعماريَّة قراءة طباقيَّة تمكِّن من استعادة أصوات المقاومة للآخر المنسي في تخومها، وتمثيله الخاصِّ لذاته، أو المضاد للتَّمثيل الاستعماري. ونحن ننظر إلى الأرشيف الثَّقافي، يفترض أن نقرأه ليس قراءة أحاديَّة، بل قراءة طباقيَّة (contrapuntal reading)، تدرك بشكل متزامن كلًّا من التَّاريخ الاستعماري الَّذي يتمُّ سرده، والتَّواريخ الأخرى الَّتي يشتغل الخطاب المسيطر ضدَّها ومن خلالها[5].

يؤكِّد إدوارد سعيد في الثَّقافة، والإمبرياليَّة على الدَّور الهامِّ الَّذي يجب على المثقَّف ما بعد الاستعماري أن يقوم به في تقويض الخطابات الغربيَّة. فبدل الانسياق وراء خطاب، وسياسة اللَّوم، والعتاب (rhetoric and politics of blame)، ينبه سعيد إلى ضرورة الابتعاد عن هذه الرُّؤية المدمِّرة الَّتي تغذِّي العداء، وتزكِّي المواجهة بين المجتمعات المتروبوليَّة، والمجتمعات المستعمرِة سابقَا. يراهن سعيد عوض ذلك على تعالق الثَّقافات، والتَّواريخ بإعادة قراءتها قراءة طِباقيَّة، ويؤسِّس بذلك ممارسة نقديَّة جديدة يصطلح عليها النَّقد العلماني (secular criticism)، وهو نقد يبدو في نظر سعيد أكثر غنى، ومردوديَّة من مجرَّد محاولات عقيمة لشجب الماضي، أو أحاسيس بئيسة حسرة على أفوله، أو مضاربات تزكِّي العداء، وتؤدِّي إلى الأزمات بين تلك المجتمعات والثَّقافات[6]. تبدو هذه القراءة حبلى بالإمكانات في نظر سعيد، وتسعى إلى خلق معرفة إنسانيَّة جديدة تنبني على ضرورة تجاوز الإبستيم الاستعماري القائم على مبدأ التَّضاد، والتَّقابل بين المجتمعات الغربيَّة واللَّاغربيَّة.

تستبصر هذه الرُّؤية النَّقديَّة عند إدوارد سعيد كذلك أفقًا خصبًا لاستشكال تاريخ الحداثة الغربيَّة لا بعدِّها تجربة يمتلك الغرب السِّيادة التَّاريخيَّة، والإبستمولوجيَّة حولها، بل مشروعًا إنسانيًّا مشتركًا تتناسج في تخومه التَّواريخ، والجغرافيَّات، والأفكار، والشُّعوب، والأعراق، والأوطان، والثَّقافات، والمجتمعات، والحضارات. ففي السِّياق ما بعد استعماري، تحيلنا هذه الممارسة النَّقديَّة عند جوليان كاو (Julian Go)، وهو أحد الباحثين المرموقين الَّذين استثمروا كتابات إدوارد سعيد في مجال السوسيولوجيا، على الكيفيَّة الَّتي ساهمت بها الشُّعوب المستعمَرة في تشكيل هويَّة «الغرب»، والحداثة نفسها، وكذا الطَّريقة الَّتي أدمجت من خلالها روايات التَّابع في الرِّوايات التَّاريخيَّة بدون النُّزوع إلى التَّفكير الجوهراني[7] القائم على مبدأ التَّضادِّ بصفته سمة رئيسة تميِّز الإبستيم الاستعماري. تكمن أهميَّة هذه المقاربة النَّقديَّة الثَّقافيَّة الَّتي أسَّس لها إدوارد سعيد في الثَّقافة، والإمبرياليَّة في سعيها إلى تفنيد كونيَّة الحداثة الغربيَّة بعدِّها تجربة هجينة تعكس غنى، وثراء التَّجارب الإنسانيَّة بتعاقب الأزمنة والعصور. رؤية سعيد هاته ليست مجرَّد رؤية نقديَّة تروم استعادة أصوات الآخر الشَّرقي المنسيَّة في تخوم المتن الحكائي للأدب الاستعماري، بل هي رؤية سياسيَّة تسعى إلى تجاوز الإبستيم الاستعماري، وتقويض المركزيَّة الغربيَّة، والمناهج الوضعانيَّة الَّتي ساهمت في ترسيخ معارفها بوصفها حقائق علميَّة ثابتة عبر الزَّمان والمكان.
رهان تقويض المركزيَّة الغربيَّة مشروع فكري كبير انخرط فيه كذلك المفكر والسوسيولوجي المغربي، عبد الكبير الخطيبي الَّذي يشكل له مفهوم «النَّقد المزدوج» أفقًا شاسعًا للتَّفكير في مستقبل العالم العربي، والمغرب الكبير على وجه الخصوص. غير أنَّ رؤية الخطيبي للسوسيولوجيا تبدو رؤية لا استعماريَّة (decolonial vision) أكثر ممَّا هي ما بعد استعماريَّة، إذ تقوم عمليَّة التَّقويض عنده خلافًا شيئًا ما لإدوارد سعيد على مبدأ فكِّ الارتباط الإبستيمي (epistemic delinking) مع الغرب كما يقول بذلك ولتر د. مينيولو في السِّياق الديكولونيالي، والتَّأسيس لممارسة سوسيولوجيَّة عربيَّة مستقلَّة تنبني على ركيزتين رئيستين: تفكيك المركزيَّة اللُّغويَّة، والنَّزعة العرقيَّة الغربيَّتين، اللَّتان تسلِّمان بفكرة امتياز الإنسان الغربيِّ عن غيره، واكتفائه الذَّاتي في العالم. ولدينا الكثير ما نفكر فيه بخصوص ذلك التَّعالق البنيوي، والتَّعاضد الهيكلي اللَّذان يربطان الإمبرياليَّة بجميع جوانبها (السِّياسيَّة، والعسكريَّة، والثَّقافيَّة) بتوسُّع العلوم الاجتماعيَّة. إنَّ أهمَّ ما انتبه إليه الخطيبي في هذا الصَّدد هو مصير العلم، والتكنولوجيا كأداتين للسَّيطرة على العالم. وهذا يفترض مسبقًا، أو بالأحرى يستلزم نقدًا للمعرفة، والخطابات الَّتي صاغتها المجتمعات المختلفة في العالم العربي عن نفسها. إنَّ تقويض السِّيادة الإبستيميَّة الغربيَّة يستوجب الانقلاب اللَّامتناهي ضدَّ أسس المرء، وأصوله، تلك الَّتي قوَّضها تاريخ اللَّاهوت، والسُّلطة الأبويَّة، إذا كان بوسعنا تحديد المعطيات البنيويَّة الدَّائمة للعالم العربي[8].

لقد أسَّس مفهوم «النَّقد المزدوج» الَّذي بلوره عبد الكبير الخطيبي في كتاب الحمى البيضاء، وكذا مقال «المغرب الكبير أفقًا للفكر»، (ضمن كتاب النَّقد المزدوج)، أفقَا جديدًا في الفهم، والنَّقد، والتَّحليل، وهو يحاول تفكيك رؤية اليسار الفرنسي للقضيَّة الفلسطينيَّة. فعندما كان إدوارد سعيد يفكِّك مفهوم الشَّرق عمومًا في المتخيَّل الغربي، كان الخطيبي يفكِّك مفهوم اليسار الفرنسي الَّذي كان يشكِّل أحد مرجعيَّاته، ويفضح رؤيته الملتبِّسة للقضيَّة الفلسطينيَّة .لقد ارتبط هذا النَّوع من التَّفكير، والنَّقد، والتَّحليل عند عبد الكبير الخطيبي أساسًا بمسألة الهويَّة، والاختلاف في محاولة منه تجاوز مجموعة من الإشكالات المرتبطة بدراسة المجتمع، والتُّراث خلال السَّبعينيات من القرن الماضي، وسعيه الدَّؤوب فتح آفاق جديدة تقوم على مبدأ استشكال مفهوم الهويَّة بعدِّها نتاج تفاعل بين الذَّات، والآخر، والحاضر، والماضي، بل ورهانه على تعدُّديَّة حداثيَّة مركَّبة.

سؤال التَّعدُّديَّة الحداثيَّة، و«الهجنة» الثَّقافيَّة هذا هو ما ذهب إليه النَّاقد الأدبي، والثَّقافي هومي بابا في السِّياق ما بعد استعماري. كما يُظهر إدوارد سعيد في الثَّقافة، والإمبرياليَّة أنَّ التَّواريخ، والثَّقافات، والشُّعوب متشابكة في ما بينها، فإنَّ مفهوم «الهجنة» (hybridity) عند هومي بابا في موقع الثَّقافة يشكِّل فضاء بينيًّا سمته التَّعالق، والتَّرابط، والتَّقاطع الَّذي يهدِّد جوهر السُّلطة الاستعماريَّة. يجادل بابا أنَّ «الهجنة» الثَّقافيَّة تكشف عن الفضاء الاستعماري بوصفه فضاء للتَّناسل غير الخاضع لرقابة السُّلطة الاستعماريَّة، وهو ما يعاكس ماهيَّتها، ويقوِّض استقلاليَّتها. بهذا المعنى، يشتغل مفهوم «الهجنة» لكشف استحالة التَّمييز الإبستيمي، والوجودي بين المستعمِر، والمستعمَر، وعجز السُّلطة الإمبرياليَّة عن تحقيق حلم التَّقسيم الثُّنائي بين الذَّات والآخر. خلافًا لإدوارد سعيد الَّذي يضفي طابعًا جوهرانيًّا على الهويَّة في كتاب الاستشراق، يحاجج بابا بأنَّ الهويَّة الثَّقافيَّة تظهر دائمًا في «الفضاء الثالث» (Third Space) للتَّعبير، فضاء تتوقَّف فيه جميع التَّقسيمات، والثُّنائيَّات الضِّديَّة، الَّتي تميِّز إبستيم الحداثة الغربيَّة.
يقودني هذا الموضوع إلى الحديث عن التَّرجمة الثَّقافيَّة مثل فضاء للمقاومة، والتَّفاوض حول الهويَّة الفرديَّة، والجماعيَّة، وهو موضوع يعدُّ هومي بابا أوَّل من نظر إليه في سياق الدِّراسات ما بعد استعماريَّة والثَّقافيَّة. يطرح بابا موضوع التَّرجمة الثَّقافيَّة في أحد فصول موقع الثَّقافة بعنوان «كيف تلج الجِدَّة العالم: الفضاء ما بعد حداثي، والأزمنة ما بعد استعماريَّة، وتجارب التَّرجمة الثَّقافيَّة». يزعم بابا أنَّ التَّرجمة الثَّقافيَّة ممارسة، أو استراتيجيَّة للتَّفاوض حول المواقع، والخطابات من خلال الفعل، والممارسة، أو من خلال الأدب، والثَّقافة، والإعلام، وأساليب أخرى من إنتاج المعرفة والتَّحليل. ولعلَّ أهمَّ السِّياقات الَّتي يتفاعل معها بابا تلك الَّتي ترتبط بموضوع الهجرة، وخصوصًا هجرة الجيلين الأوَّل، والثَّاني من الدُّول ما بعد استعماريَّة في اتِّجاه الغرب. إنَّ من بين أهمِّ الأسئلة الَّتي يحاول بابا الإجابة عليها تلك المتعلِّقة بأساليب العيش، والمقاومة الَّتي تنهجها الأقليَّات المهاجرة في مواجهة عنف الثَّقافة المضيفة، جليًّا كان، أو خفيًّا. ففي سياق موجات الهجرة الَّتي شهدتها بريطانيا بعد الحرب العالميَّة الثَّانية من دول الكومنولث (Commonwealth)، ودول أخرى، يشير وندي ويبستر (Wendy Webster) بشكل دامغ إلى عودة الإمبراطوريَّة إلى الوطن، وهو بالإضافة إلى آخرين مثل ستورت هول (Stuart Hall) يحاول فهم كلِّ أشكال العنف العرقي، والإثني، واللُّغوي، والدِّيني، والجنسي، والإبستيمي الَّذي يواجه الأقليَّات في حضن الإمبراطورية ـ الوطن.
بنفس ما بعد استعماري مناوئ، يدعونا هومي بابا إلى ضرورة مراجعة تاريخ النَّظريَّة النَّقديَّة، بالتَّركيز على مفهوم الاختلاف الثَّقافي (cultural difference) عوض التَّنوع الثَّقافي (cultural diversity).

يرى بابا أنَّ التنوُّع الثَّقافي موضوع إبستيمولوجي، يتناول الثَّقافة بحسبها موضوعًا للمعرفة التَّجريبيَّة، في حين أنَّ الاختلاف الثَّقافي هو عمليَّة تعبير عن الثَّقافة، كونها ثقافة عارفة، لها سلطة، وقادرة على بناء نظم التَّعريف الثَّقافي. إذا كان الحديث عن التَّنوُّع الثَّقافي يتضمَّن نوعًا من الأخلاق المقارنة، أو نوعًا من الجماليَّات، أو الإثنولوجيا، فإنَّ الاختلاف الثَّقافي هو عمليَّة دالَّة تقوم من خلالها تعبيرات الثَّقافة، أو التَّعبيرات الَّتي تصدر حولها برصد مظاهر الاختلاف، والتَّمايز، والسَّماح بإنتاج مجالات قوَّة، وحقول مرجعيَّة، وتطبيقيَّة بل وإمكانات جديدة من أشكال التَّعدُّد[9]. إنَّ التَّعبير عن الاختلاف الثَّقافي لا يقوم على أساس المفهوم الجدلي الكلاسيكي للنَّفي في ما يتعلَّق بثنائيَّة الماضي والحاضر، والتُّراث والحداثة على مستوى التَّمثيل الثَّقافي. يحاجج بابا أنَّ المشكلة تكمن في كيفيَّة التَّعبير عن الحاضر، ونقله، وترجمته باسم التُّراث، في شكل ماضٍ لا يعكس بالضَّرورة الوفاء للذَّاكرة التَّاريخيَّة، بل استراتيجيَّة لتمثيل السُّلطة بحيلة الماضي. فعل التَّمثيل هذا يقوِّض إحساسنا بتأثيرات التَّجانس للرُّموز، والأيقونات الثَّقافيَّة، من خلال التَّشكيك في إحساسنا بسلطة التَّوليف الثَّقافي بشكل عام[10]. بهذا المعنى يكون لمفهوم التَّنظير بعدًا أخلاقيًّا عند بابا، وهو يحاول رصد أساليب عيش المهاجرين في حضن الدُّول الَّتي استعمرتهم سابقًا.
إنَّ الفضاء ما بعد حداثي، لا يعكس ذلك التَّجانس الَّذي تدَّعيه السَّرديَّات الكبرى (Grand Narratives) في الغرب، وهي تحتفي بطابع التَّعدُّد، والتَّنوُّع دون إرادة الكشف عن مواقع القوَّة، ومجالات التَّفاعل بين الخطابات في علاقتها بالهويَّات، والموضوعات، والأفراد، والأشياء. تشبه نظريَّة ما بعد الحداثة المشكال (kaleidoscope): أداة موحِّدة هدفها إنتاج تنوُّع غير محدود، إذ تنظر إلى العالم مثل نظام من العلامات، تشير كلُّ علامة فيه إلى واحدة أخرى، غير أنَّ هذا التَّعالق لا يجسِّد وحدة عضويَّة، بحيث يصبح من وجهة نظر ما بعد استعماريَّة.

من الضَّروري التَّمييز بين مظاهر، وأوجه تشابه الرُّموز عبر تجارب ثقافيَّة متنوِّعة -الأدب، والفنِّ، والطُّقوس، والموسيقى، والحياة، والموت- والخصوصيَّة الاجتماعيَّة لكلِّ عمليَّات إنتاج المعنى أثناء تداولها بوصفها علامات ضمن مواقع سياقيَّة، ونظم قيمة اجتماعيَّة محدَّدة. إنَّ البعد عبر الوطني للتَّحوُّل الثَّقافي الَّذي يطبع الهجرة، والشَّتات، وعمليَّات التَّرحيل، وإعادة التَّوطين يجعل عمليَّة التَّرجمة الثَّقافيَّة شكلًا معقَّدًا من حيث الدَّلالة. إذ لا يمكن الإشارة بسهولة إلى الخطاب المطبِّع، أو المُوحِّد ‹لـلأمَّة› أو «الشُّعوب»، أو التَّقاليد «الشَّعبية» الأصيلة، تلك الأساطير المتضمِّنة في خصوصيَّة الثَّقافة. إنّض الميزة الكبيرة لهذا الموقف، على الرَّغم من أنَّه يثير قلقًا، هي أنَّه يجعلك تعي بشكل متزايد كيف يتمُّ بناء الثَّقافة، واستبناء التَّقاليد[11].
سؤال الثَّقافة بهذا المعنى يدعونا إلى ضرورة التَّركيز على فضاءات التَّفاعل الَّتي يتشكَّل من خلالها الوعي الجماعي بقيمة المشترك الإنساني، وكذا ديناميَّات القوَّة الَّتي تصنع تجارب الاختلاف الثَّقافي باختلاف الرَّوافد التَّاريخيَّة، والثَّقافيَّة، والحضاريَّة. إنَّ الفضاء ما بعد حداثي ليس فضاء للاستيعاب الكلِّي، أو السَّلبي، بل هو فضاء للمناوءة، والمقاومة لكلِّ أشكال العنف الرَّمزي، والمادِّي الَّتي تواجه الذَّات المهاجرة.
تبرز قيمة التَّرجمة الثَّقافيَّة عند بابا في قدرتها على التَّماهي مع الحداثة، والتَّفاوض حولها في المجال بين ذاتي، والاجتماعي. يجادل بابا أنَّ

التَّحدِّي الَّذي يواجه الحداثة [يبرز] في إعادة تعريف العلاقة الدَّالَّة بـ‹الحاضر› المنفصل: تمثيل الماضي بوصفه رمزًا، وأسطورة، وذاكرة، وتاريخ- إلَّا أنَّه ماضٍ تعيد قيمته التِّكراريَّة كونها علامة تكريس ‹دروس الماضي› في نصِّيَّة الحاضر الَّتي تسم كلًا من عمليَّة التَّماهي مع الحداثة، وعمليَّة استجوابها: ماذا تعني كلمة ‹نحن› الَّتي تعبِّر عن فكرة امتياز الحاضر؟ تبزغ إمكانيَّة التَّحريض على التَّرجمات الثَّقافيَّة عبر خطابات الأقليَّات بسبب الحاضر المنفصل للحداثة. إذ تضمن هذه التَّرجمات أنَّ ما يبدو الشَّيء ‹نفسه› داخل الثَّقافات يصير شيئًا يتمُّ التَّفاوض عليه في الفاصل الزَّمني لـ ‹العلامة› الَّتي تشكِّل المجال بين الذَّاتي، والاجتماعي. ويعبِّر هذا الفاصل في الواقع عن بنية الاختلاف، والانقسام داخل خطاب الحداثة، إذ يتحوَّل إلى عمليَّة أدائيَّة، يصير معها كلَّ تكرار لعلامة الحداثة مختلفًا، خاصًّا بظروفه التَّاريخيَّة، والثَّقافيَّة في اللَّفظ والتَّعبير[12].
تشكِّل بنية الانقسام هذه داخل خطاب الحداثة المشترك النَّظري، والتَّجريبي بين أصوات الهامش المناوئة للمركزيَّة الغربيَّة في السِّياقين ما بعد حداثي، وما بعد استعماري معا. لكن في حين أنَّ نظريَّة ما بعد الحداثة تحتفي بالتَّنوُّع، والتَّعدُّد كسمتين أساستين، تراهن الرُّؤية ما بعد استعماريَّة على فكرتي التَّناسج، والاختلاف، وهي تحاول تقويض مركزيَّة الغرب، وتسعى إلى رسم مسارات بديلة عن الإبستيم الحداثي.

لقد شكَّلت التَّرجمة الثَّقافيَّة بالمعنى الَّذي نظر إليه هومي بابا منعطفًا كبيرًا، ونقلة نوعيَّة في مجال التَّرجمة، وهو يحيلنا على أفق جديد تستعيد فيه الذَّات المهاجرة إلى أوروبا، والولايات المتَّحدة الأمريكيَّة الفاعليَّة التَّاريخيَّة (historical agency) حول فعل التَّمثيل الثَّقافي لنفسها، والمناوئ للتَّمثيل الاستعماري. غير أنَّ طابع «الهجنة»، والتَّعدُّد، والتَّنوُّع، والاختلاف حتَّى الَّذي يميِّز الفضاءات ما بعد حداثيَّة، والأزمنة ما بعد استعماريَّة ليس نتاجًا لوعي تاريخي بأهميَّة استعادة الفاعليَّة على فعل التَّمثيل الثَّقافي بقدر ما هو نتاج «للحاضر المنفصل» (disjunctive present) عن الحداثة في السِّياقين: ما بعد استعماري، وما بعد حداثي. لكي يصير فعل التَّرجمة الثَّقافيَّة فعلًا محرِّرًا في الزَّمان، والمكان، لا بدَّ أن يحرِّكه وعي تاريخيٌّ في علاقة الذَّات بالمواقع، والخطابات، وهو خيار معرفي يقوم على أساس التَّفكير الحدودي (border-thinking)، والاختلاف الإبستيمي (epistemic difference)، إذ يشكِّل المفهومان معًا أهمَّ أسس الرَّؤية الديكولونياليَّة المستشرفة لمعارف الجنوب العالمي (Global South Epistemologies) بصفتها بديلًا عن تجارب الغرب الإبستيميَّة، ونظريَّاته المعرفيَّة.
يشكِّل المنعطف الديكولونيالي الَّذي أسَّس له مجموعة من المثقَّفين في أمريكا اللَّاتينيَّة مثل والتر دي مينيولو (Walter D. Mignolo)، ورامون جروسفوغيل (Ramon Grosfoguel) أهميَّة بالغة يمكن من خلالها نقد، وتقويض كولونياليَّة المعرفة (coloniality of knowledg) وتاريخ المركزيَّة الأوروبيَّة من وجهة نظر أولئك الَّذين قاوموا الاستعمار، وساهموا في بناء العالم الحديث. ممثِّلًا أحد أهمِّ أعلام، ورموز المدرسة الدِّيكولونيالية في الفلسفة يجادل والتر مينيولو:

تحيلنا الديكولونيالية على أساليب التَّفكير، والمعرفة، والعيش، والممارسة الَّتي بدأت مع، وسبقت أيضًا مشروع الغزو، والاستعمار، وتنطوي على الاعتراف بِ والقطع مع بنى التَّراتبيَّة الهرميَّة القائمة على أساس العرق، والجنس، والطَّبقة الاجتماعيَّة، والسُّلطة الأبويَّة الَّتي تواصل السَّيطرة على الحياة، والمعرفة، والفكر، و[الحياة] الرُّوحانيَّة، بنىً تتشابك بشكلٍّ واضح مع الرَّأسماليَّة العالميَّة، والحداثة الغربيَّة، وتتشكَّل من خلالهما. علاوة على ذلك، تهتمُّ الدِّيكولونيالية بطبيعة النِّضالات، والتَّمثُّلات، والإبداعات الَّتي تواصل العمل داخل هوامش الاستعمار ومواقعه المتصدِّعة بغية إثبات ما حاول هذا الأخير نفيه[13].
بهذا المعنى، يقوم الخيار الديكولونيالي على مبدأ «العصيان الإبستيمي» (Epistemic Disobedience) وفكِّ الارتباط مع وهم الحداثة الغربيَّة، ومثلها الإنسانيَّة العليا، ووعودها بالتَّقدُّم الاقتصادي، والازدهار المادِّي. «تركِّز جغرافيَّة التَّفكير في السِّياق الديكولونيالي بدلًا من ذلك على النِّصف الآخر من الحداثة الغربيَّة، وهي تسعى إلى توثيق معارف الجنوب العالمي، وتقاليد الفكر عنده، ونظريَّاته المعرفيَّة. يهدف الخيار الديكولونيالي إلى إعادة رسم خريطة العالم، وإعادة قراءة التَّاريخ، وفكِّ الارتباط مع التَّقليد الغربي المتمثِّل في «التَّفكير الخطِّي العالمي»[14] (global linear thinking)، الَّذي شكَّل أحد أسس الإمبرياليَّة، والاستعمار الحديثين.

إلى جانب والتر د. مينولو (Walter D. Mignolo)، يمثِّل رامون جروسفوغيل (Grosfoguel Ramon) أحد أقوى المدافعين عن المشروع الديكولونيالي. من خلال نقده للمشروع الاستعماري للحداثة، يؤكِّد جروسفوغيل أنَّ «النِّظام العالمي لا ينبني فقط على منطق التَّراتبيَّة الهرميَّة بين الدُّول، لكنَّه يشمل عناصر مكوِّنة لـ «النُّمو الرَّأسمالي على الصَّعيد العالمي»، التَّراتبيَّة العرقيَّة، والإثنيَّة (الشُّعوب الغربيَّة مقابل نظيرتها اللَّاغربيَّة)، التَّراتبيَّة الأبويَّة (نظام عالمي يكرِّس التَّمييز على أساس الجنس والنوع)، التَّراتبيَّة الهرميَّة الدِّينيَّة، والتَّراتبيَّة اللُّغويَّة، والتَّراتبيَّة اللُّغويَّة المعرفيَّة وما إلى ذلك»[15]. في نظر جروسفوغيل، لم تكن أنظمة التَّراتبيَّة الهرميَّة هاته المصاحبة للتَّطوُّر التَّاريخي للرَّأسماليَّة مركزيَّة في صنع النِّظام العالمي «الحديث» فحسب، بل شكَّلت أسس النِّظام العالمي الرَّاهن، وهياكله المؤسَّساتيَّة، حيث أضحت العولمة القوَّة الدَّافعة لكلِّ مظاهر الإمبرياليَّة الجديدة.
في سياق العيش والتفكير ما بعد الحداثي، يستمرُّ مشروع الحداثة في تمثيل العالم بعدِّه التَّقليد المعرفي الوحيد الَّذي يمكن من خلاله الوصول إلى الحقيقة والكونيَّة[16]. بالنِّسبة إلى جروسفوغيل، تحرير المعرفة من وطأة الاستعمار يستوجب أن نأخذ على محمل الجدِّ معارف، وكونيَّات، ورؤى المفكِّرين، والنُّقَّاد من جنوب الكرة الأرضيَّة الَّذين يفكِّرون من خلال فضاءات، وأجساد التَّابع العرقيَّة، والإثنيَّة، والجنسيَّة[17]. في مقابل نموذج المركزيَّة الأوروبيَّة، يركِّز مشروع فكِّ الارتباط مع الاستعمار على الأصوات الَّتي تمَّ تهميشها تاريخيًّا بغية تقويض الهيمنة المعرفيَّة الغربيَّة، والأنظمة الأوروبيَّة المركزيَّة لإنتاجها، ونشرها، وكذا التَّحقُّق من صحَّتها. يشكِّل الوعي الديكولونيالي أفقًا جديدًا للممارسة، والتَّفكير، وهو يحاول خلق أنساق، ومسارات بديلة تمتح من غنى، وثراء التَّجارب الإنسانيَّة المتنوِّعة، أنساق ومسارات تحتفي بالتَّعدُّديَّة الكونيَّة (Pluriversality)، والخصوصيَّة الثَّقافيَّة للمجتمعات الإنسانيَّة. يستشرف هذا المنعطف كذلك مستقبلًا واعدًا للتَّرجمة الثَّقافيَّة في السِّياقين ما بعد حداثي، وما بعد استعماري معًا. غير أنَّه خلافًا لنظريَّة «الهجنة» (hybridity) و«الفضاء الثَّالث» (third space) الَّتي أسَّس لها هومي بابا، يركِّز البعد الديكولونيالي على التَّفكير الحدودي (border-thinking)، والحقُّ في الحريَّة، والاختلاف الإبستيمي (epistemic freedom and difference). يحتاج هذا إلى تغيير جغرافيَّة التَّفكير نحو تواريخ، وتقاليد معارف بديلة. في عالم اليوم، حيث تشكِّل الأنماط غير المتكافئة لإنتاج المعرفة، وتداولها الميزة الرَّئيسة للمنعطف الرَّقمي، لا بدَّ من التَّأسيس لنوع من التَّضامن الإبستيمي عبر كلِّ مواقع المعرفة، والتَّفكير في الجنوب العالمي. إنَّه مشروع تحرُّري طموح، وكبير يجب تبنيه، والإيمان به سواء في عالم الأكاديميَّة، أو خارجه.

الخاتمة
لقد اتَّضح أنَّ التَّرجمة لا تعني مجرَّد عمليَّة تحويل النُّصوص من لغة إلى لغة أخرى، بل أهمُّ من ذلك تحيلنا على النُّصوص الَّتي تكتب بلغة غير الثَّقافات الأصليَّة الَّتي تمتح منها، أو تتفاوض بشأنها.
لا بدَّ من دراسة، وتحليل هذا التَّعالق بين الكتابة، وفعل التَّمثيل نظرًا لما انعكس عليها، وأثَّر فيها في سياق الدِّراسات ما بعد استعماريَّة.

لقد كان للمفكِّر الفلسطيني إدوارد سعيد في كتابه الثَّقافة، والإمبرياليَّة السَّبق في الكشف عن ضرورة الاهتمام بفكرة المقاومة من خلال التَّركيز على ضرورة قراءة النُّصوص الاستعماريَّة قراءة طباقيَّة تمكِّن من استعادة أصوات المقاومة للآخر المنسي في تخومها، وتمثيله الخاصِّ لذاته، أو المضادِّ للتَّمثيل الاستعماري.
وفي هذا السِّياق كان نقد تصوُّر هومي بابا لمفهوم الهجنة الثَّقافيَّة (cultural hybridity)، والَّذي يبدو مفهومًا ما بعد حداثيًّا ملتبسًا، وإعادة استشكاله من منظور ما بعد استعماري مناوئ يقوم على مبدأ «التَّفكير الحدودي» (border-thinking)، والاختلاف الإبستيمي (epistemic difference) في سعينا إلى تأسيس أفق إنساني بديل عن مظاهر السُّلطة، والمعرفة الغربيَّتين.


لائحة المصادر والمراجع
Bhabha, K. Homi. “Cultural Diversity and Cultural Differences”. The Post-Colonial Studies Reader. Eds. B. Ashcroft, G. Griffiths, H. Tiffin. Routledge: New York, 2006.
Bhabha, K. Homi. The Location of Culture. London and New York: 1994.
Go, Julian. Postcolonial Thought and Social Theory. New York: Oxford University Press, 2016.
Grosfoguel, Ramón. “The Multiple Faces of Islamophobia”. Islamophobia Studies Journal, 1: 1 (Spring 2012).
Grosfoguel, Ramón. “The Epistemic Decolonial Turn”, Cultural Studies, 21: (2007).
Khatibi, Abdelkebir. Plural Maghreb: Writings on Postcolonialism. Trans. P. Burcu Yalim. London: Bloomsbury Academic, 2019.
Mignolo, D. Walter and Catherine E. Walsh. On Decoloniality, Concepts, Analytics and Praxis. Durham and London: Duke University Press, 2018.
“Epistemic Disobedience, Independent Thought and Decolonial Freedom”. Theory, Culture & Society (SAGE, Los Angeles, London, New Delhi, and Singapore), Vol. 26: 7–8, (2009).
Said, Edward. Orientalism. New York: Pantheon, 1978.
Culture and Imperialism. New York: Vintage, 1994.
Young, Robert. “Cultural Translation as Hybridization”. Trans-Humanities, Vol. 5 No. 1 (2012).
“The Dislocations of Cultural Translation”, PMLA , Volume 132 , Issue 1, January 2017.

--------------------------------------------
[1][*]- أستاذ الأدب الإنجليزي والدِّراسات الثَّقافيَّة المقارنة، شعبة اللُّغة الإنجليزيَّة وآدابها، كليَّة الآداب والعلوم الإنسانيَّة، جامعة عبد المالك السعدي، تطوان، المملكة المغربيَّة.
[2]- Robert Young, “The Dislocations of Cultural Translation,” PMLA , Volume 132 , Issue 1, January 2017, p191.
[3]- Robert Young, “Cultural Translation as Hybridization”, Trans-Humanities, Vol. 5 No. 1 (2012), pp. 155–175, p159.
[4]- Ibid., p160.
[5]- Edward Said, Culture and Imperialism, (New York: Vintage, 1994), p51.
[6]- Ibid., pp18- 19.
[7]- Julian Go, Postcolonial Thought and Social Theory, (New York: Oxford University Press, 2016), p113.
[8]- Abdelkebir Khatibi, Plural Maghreb: Writings on Postcolonialism, trans. P. Burcu Yalim, (London: Bloomsbury Academic, 2019), p26.
[9]- Bhabha, Homi, “Cultural Diversity and Cultural Differences”, The Post-Colonial Studies Reader, ed. B. Ashcroft, G. Griffiths, H. Tiffin, (Routledge, New York 2003), p206.
[10]- Ibid, p207.
[11]- Homi, Bhabha, The Location of Culture, (London and New York: 1994), 172.
[12]- Ibid., Homi, Bhabha, The Location of Culture, p147.
[13]- Walter D. Mignolo and Catherine E. Walsh, On Decoloniality, Concepts, Analytics and Praxis (Durham and London: Duke University Press, 2018), p15.
[14]- Ibid., p15.
[15]- Ramón Grosfoguel, “The Multiple Faces of Islamophobia”, Islamophobia Studies Journal, 1:1, p10.
[16]- Ramón Grosfoguel, “The Epistemic Decolonial Turn”, Cultural Studies, 21:2-3 (2007), p212.
[17]- Ibid., p212.