البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

عنف التمركز الغربي

الباحث :  نبيل علي صالح
اسم المجلة :  الاستغراب
العدد :  29
السنة :  شتاء 2023م / 1444هـ
تاريخ إضافة البحث :  April / 16 / 2023
عدد زيارات البحث :  3552
تحميل  ( 449.129 KB )
لم يتمكّن الغربُ مِن بناء مثال أو نموذج إنساني عادل كما ادعّى وزعم مِن خلال مفاهيمه ورؤيته النظريّة التي أفرزها عقله العلموي، وهو بالأساس عاجز عن تقديم هذا النموذج لخلل قائم في بنيته المعرفيّة التكوينيّة.
فلقد أنتجت حداثة الغرب عقيدة سيطرة تحوّلت لناموس كوني، كان مِن أبرز نتائجها على صعيد حياة المجتمعات والدول، إشعال الحروب وإثارة الفتن والصراعات سعيًا لتحقيق مصلحة الغرب في سياساته واقتصاداته وبقائه متحكّماَ مهيمنًا.
في هذا البحث سنسلط الضوء على أثر الحربين العالميّتين الأولى والثانية في ترسيخ عقيدة التمركز الغربي، وذلك مِن خلال جملة التداعيات التي نتجت عنهما، سياسيًّا واقتصاديًّا، على مستوى الغرب والعالم ككلّ.

قمنا بتقسيم البحث إلى مقدّمة تمهيديّة حول معنى الغرب كإشكاليّة واقعة بالمعنى الثقافي والجغرافي، تلاها البحث في العوامل المؤسِّسة للتمركز الغربي، وخصوصًا العامل العنفي تجاه الأطراف، حيث تحدّثنا عن المآل العملي للغرب السّاقط في بؤرة عقليّة شنّ الحروب، ثمّ توسّعنا بالحديث عن اندلاع الحربين العالميّتين والأثر الذي تركتاه على العالم، خاصّة لجهة تحوّلهما إلى منصّة لتأكيد تفوّق الغرب وترسيخ عقيدته الاستعلائيّة في مواجهة عوالم بشريّة، لم يصلها مِن إنسانيّة حداثة هذا الغرب سوى ركام الدمار والخراب العقلي والروحي والمادّي.

كلمات مفتاحيّة: التمركز الغربي – الحربان العالميّتان – عقيدة الغرب – الاستعلاء – الامتثال الخنوعي- الليبراليّة المتوحشة.

تمهيد
يتطلّع هذا البحث إلى إظهار حقيقة وأبعاد هذه المركزيّة الغربيّة في عقلانيّتها المبتورة والمعجبة بنفسها كمركز وقطب أوحد، والمستندة إلى عناصر قوّتها الذاتيّة (العارية مِن الأخلاق)، انطلاقًا مِن اعتمادها على مفردة الصّراع والعنف، والتي انكشفت وظهرت على حقيقتها الفاضحة مِن خلال اندلاع حربين عالميّتين في قلب القارّة الغربيّة، واستمراريّة هذه الآليّة الصراعيّة بألوان وأنماط وآليّات عسكريّة وأمنيّة عنفيّة شتّى إلى أيامنا هذه، التي يمكن اعتبار ما فيها مِن أزمات وأمراض وانتكاسات وارتكاسات في كثير مِن مواقع البشريّة نتيجة طبيعيّة لكارثتي الحربين العالميّتين الأولى والثانية، خاصّةً وأنّ كلّ التناقضات والتعقيدات السياسيّة والجغرافيّة والجيوسياسيّة والاقتصاديّة وحتّى الأمنيّة، التي أفرزتها الحربان العالميّتان الأولى والثانية، لم يتمّ العمل خلال تلك العقود -التي أعقبت نهاية الحربين- على حلّها ومعالجتها جدّيًا مِن قبل سَدنة العالم ومختلف القوى الغربيّة المسيطرة عليه؛ ولا أدلّ على ذلك مِن استمراريّة اندلاع واشتعال الحروب والصراعات والنزاعات الصغيرة منها والكبرى في شتّى بقاع العالم، وما الحرب الروسيّة الأوكرانيّة الأخيرة (المستمرّة منذ شباط 2022م) في قلب القارة الأوروبيّة سوى إفراز مِن إفرازات الحرب العالميّة الثانية بالذات، ونتيجة مِن نتائج رؤية التفرّد وعقليّة السيطرة، وعقيدة المنفعة الغربيّة أيضًا.

أولًا- المركزيّة الغربيّة (أو عقيدة التّمركز الغربي).. الغرب كمعنى وإشكاليّة واقعة:
الغربُ بالمعنى الجغرافي (وليسَ فقط بالمعنى السّياسي-الثقافي المتداول حاليًا في مختلف الأوساط الدوليّة) هو الذي يتحرَّك في الواقع العالمي في مجمل علاقاته الدوليّة- كأيّ نظام سياسي آخر- بما يحقّقُ تطلّعاته ويَضْمنُ مَصالح شُعوبه ومجتمعاته، حتّى لو تأسّستْ على مفردة الصّراع وإشعال الحروب والقلاقل وإثارة النّزاعات والصّراعات الدوليّة.
فالغربُ اجتماعٌ بشري وفضاءٌ ثقافي وفلسفي واسع وممتدّ في الزمان والمكان، وصلت تأثيراته إلى كلّ الأمكنة والبلدان. بدأت وتأصّلت بنيته المعرفيّة ورؤيته الكونيّة والحياتيّة والعلميّة انطلاقًا مِن عصر النهضة بالاستناد إلى خلفيّات حضاريّة تفاعليّة وتداوليّة مع محيطه البشري والجغرافي، خاصّة الإسلامي منه. لكنَّ هذا الغرب الذي تطوّر كثيرًا في علومه ومواقع تصنيعه خلال قرون عديدة بعد عصر النهضة، نَحَى منحى الغطرسة والقوّة، وسلك طرق الإقصاء ورفض الآخر المختلف، معتزًّا بعلوّ كعبه العقلي والعلمي، طالبًا مِن الجميع أنْ يخضعوا ويقدّموا له فروض الولاء والطاعة، مستخدمًا في سبيل هذا الغرض كلّ أشكال العنف الرمزي والعضوي، ومنها وعلى رأسها إذكاء الفتن وإشعال الحروب.

والملاحظ هنا أنَّ الكثير مِن المؤرِّخين والمفكِّرين أعطَوْا لاحقًا لمفهوم الغرب دلالة فكريّة وصفة مفهوميّة نقلته مِن المعنى الجغرافي[2] إلى معنىً آخر جديد، طغَتْ عليه الرؤية الثقافيّة، التي باتت تنظرُ إلى الغربِ مِن منظار كونه واقعًا مفاهيميًّا يتقوّم بمقاصد ثقافيّة وسياسيّة ودينيّة، وغير مرتبط بمنطقةٍ جغرافيّة معيّنة كما كان عليه الحال في السّابق، ويتعاملُ مع تلك المقاصد كركائز ثابتة وراسخة تشكّلُ هويّة راسخة للغرب الحديث. وبهذه النظرة أصبحت اليابان -الواقعة في أقصى الشرق الجغرافي مِن الكرة الأرضيّة- جزءًا لا يتجزّأ مِن فكر الدول الغربيّة المهيمنة على العالم اقتصاديًا؛ باعتبارها إحدى الدول الصناعيّة الكبرى، التي تشكِّل مع كلٍّ من الولايات المتّحدة وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وبريطانيا وكندا مجموعة السبعة الكبار الذين يتحكَّمون باقتصاد العالم، ويهيمون على مقدّراته وثرواته ومصيره. وهذا توجُّه فكري وتوسّع إيديولوجي إمبريالي، لا علاقة له بالمكان والجغرافيا، يرتكزُ على ما تقومُ به تلك الإدارات السياسيّة الغربيّة مِن تمكين ذاتها ومصالحها، وفرضِ إرادتها ومعاييرها ونظمها الحضاريّة على الآخر غير المنتمي إليها.
وبهذا المعنى، يصبحُ الغربُ صفةً تطلقُ على مجمل هذا المناخ والفضاء «الحضاري-الثقافي» المتشكِّل تاريخيًّا في أوروبا بعد حدوث تحوُّلات سياسيّة وصراعات اجتماعيّة عنيفة عاصفة[3] أفضَتْ بمجملها إلى خلق تيّارات الحداثة والعلمنة والتنوير الأوروبي، التي أقرَّت وكرّستْ المبادئ الآتية:

حرّية الفرد المطلقة، وعدم وجود أيّة سلطة مهيمنة عليه سوى سلطته الذاتيّة الضميريّة والعقليّة (المصلحيّة النفعيّة) الخاصّة به؛ أي المناداة بمركزيّة الإنسان التي رسّختها وتمركزت حولها الحداثة وجعلت منه محورًا للكون.
اعتماد مبدأ (وعقيدة) العَلْمنة كثقافة ومنهج عملي حيادي تجاه الأديان والطوائف.
إبعاد الدين عن ساحة الحياة العامّة والفعل الوجودي الخارجيّة، وإرجاعه إلى وضعه الطبيعي السابق كحالةٍ مِن حالات الإيمان الفردي الذاتي، الذي لا علاقة له بمجريات الواقع ومتغيّرات الحياة مِن حوله.

أي إنَّ جوهر الحداثة الغربيّة يتمحور -كما يقول عبد الوهاب المسيري[4]- حول هذا التنميط القسري للواقع بعنصريه الأساسيين (الطّبيعة والإنسان)، وفرْض الأحاديّة الماديّة عليه بهدف إدارته وتوظيفه على أحسن وجه باعتباره مادّة استعماليّة فحسب. فالأحاديّة الماديّة تعبّر عن منحى إدراكيّ ماديّ حسّيّ، يستوعب الواقع مِن خلال مقولات إدراكيّة وتحليليّة وتصنيفيّة ماديّة، واختزال الواقع بأسره إلى مستوى ماديّ واحد لا يعرف أيّ شكل مِن أشكال الثّنائيّة؛ أيّ إنّ له زاوية واحدة يُنظر إليه بها دون باقي الزّوايا الأخرى. لذا، لابدّ لنا مِن البحث في زواياه غير المبحوث فيها لنعرف حقيقته وماهيته. ولهذا، فالحداثة الغربيّة ليست مجرّد استخدام العقل والعلم والتقنيّة، وإنّما استخدامها خارج نطاق إنسانيّ أو أخلاقـي[5]. وفي هذا الإطار، أصبح العالم الغربيّ منفصلًا عن القيمة؛ بمعنى أنّه لا توجد معايير إنسانيّة أخلاقيّة أو دينيّة تحكم مختلف التعاملات الإنسانيّة، بحيث أصبح مِن الصّعب التّمييز بين العدل والظّلم وبين الحقّ والباطل، بل وبين القبيح والجميل[6]، وبين الجوهريّ والنّسبي، وبين الإنسان والطّبيعة، أو بين الإنسان والمادّة. وبمعنى آخر، فقد أقامَ الغربُ وجوده الرّمزي والمفاهيمي على الفلسفة العقليّة والعلميّة المرتكزة على التّجربة والحسّ والرّؤية العيانيّة؛ أي على الغرضيّة الآنية المباشرة وغير المباشرة. وبطبيعة الحال، هذه الغرضيّة المادية المتأصّلة (كغاية ومنتهى) في بنية الفكر والمعرفة الغربيّة –والتي ارتكنت إلى العلوم الطبيعيّة كمعيار أوحد للحقيقة ولحلّ مشكلات العالم- دفعت الذاتَ الغربيّة للتّجرّد الدائم والمستمرّ مِن كلّ محتوى أخلاقيٍّ وسياسيٍّ وجمالي، وما ذاك إلّا لأنّ المهمّة الجوهرية لهذه العلوم تقتصرُ -في مناهج التفكير الاستعماري- على الملاحظة «المحضة» والقياس المحض، ذلك بأنَّ تحديد «طبيعة الأشياء» وطبيعة المجتمع جرى على نحوٍ يبرّرُ «عقلانيًّا» الاضطهاد والاستغلال[7].

ثانيًا- المركزيّة الغربيّة في المآل العملي - عقليّة إنتاج الحروب
تقومُ المركزيّة الغربيّة (أو حالة الرفعة والسمو الغربي أو فكرة: أوروبا مركز العالم ومحوره) على أنَّ الغرب الحضاري الثقافي والصناعي والعسكري هو العنصر والجنس المتفوّق والمعيار الأعلى ومرجعيّة المرجعيّات لكلّ ثقافات العالم وحضاراته ودوله وشعوبه ومجتمعاته. ويجب بالتالي على كلّ تلك الحضارات والثقافات الطرفيّة الأخرى (الصغرى!) أنْ تدور في فلك الثقافة الغربيّة بكلّ ما فيها مِن أنساق حضاريّة وخلفيّات فكريّة ورؤى وتنظيرات معرفيّة، ومصالح كلّ الحضارات والبلدان غير الغربيّة لا يمكن أنْ تتحقّق وتتجسّد واقعًا (بحدودها الدنيا طبعًا) إلّا مِن خلال الخضوع لعقليّة هذا الغرب والرضا بمحوريّته وتفوّقه في فكره وأنظمة قيمه ومعرفته وحتّى مبادئه السياسيّة. ومن أجل تحقيق مصالحها وتكريس هيمنتها، عمدت الإدارات السياسيّة الغربيّة إلى استخدام كلّ الأدوات والوسائل المشروعة وغير المشروعة، السياسيّة منها والاقتصاديّة والعسكريّة.

إذًا، أساس وجود الغرب ومحور حركته مرتبط بهيمنته، والهيمنة لا تتحقّق فقط بالسياسة والفكر، بل بأدوات ماديّة؛ أي بالقوّة العسكريّة والأمنيّة والصناعيّة، وهي أمور أبدع فيها الغرب أيّما إبداع.
وبالعودة للتاريخ، نجد أنّ الغربَ منذ أيامه الأولى وصولًا لعصر النهضة، كان يعتبر -في رؤية للسياسة تعكس خلفيّة مفاهيميّة ماديّة صرفة- أنَّ الحياةَ البدائيّة (المتوحّشة) دليل على الحياة الطبيعيّة، وعلى الأصالة الخلفيّة، وعلى النجاح أيضًا؛ وبالترابط مع هذه الأطروحة، فسّرت الثروات الضخمة التي تمّ الحصول عليها (الاستيلاء) دون عناء ودون لعنة العمل[8].

ولم تمر مرحلة تاريخيّة واحدة مِن مراحل الغرب دونما تأكيد وترسيخ لمقولات العنف والقوّة والسيطرة كجوهر للحضور والفاعليّة الغربيّة والبقاء على الرأس القيادي الاستفرادي دونما القبول بوجودي أي منافس أو منازع، حتّى وصلوا إلى مرحلة تأصيل العلوم الماديّة والتصنيع والتطوّر الهائل في العلوم التجريبيّة، لتُستخدم بكلّ وسائلها ونتائجها في ترسيخ فكرة القوّة والهيمنة عندهم.
إنَّ الغربَ -منذ بدء نهضته الصناعيّة- انطلقَ لفرض السيطرة على بقيّة العوالم الأرضيّة، ليس بفكره وفلسفته وقيمه وديانته، بل باتّباعه للرؤية الصراعيّة العنفيّة التي أنتجت الحروب والدمار في هذا العالم، وعلى رأسها وفي مقدّمتها الحربان العالميّتان الأولى والثانية، واللتان كلّفتا البشريّة الكثير مِن الضحايا والأرواح البشريّة، فضلًا عن الخسائر الضخمة في الموارد والثروات وغيرها[9]، وفرض رؤية أحاديّة على العالم تتقوّم بفكرة العنف وآليّات الصراع المنظّم بغاية الهيمنة والسيطرة.

إنّ العنف والهيمنة والدعوة لاعتماد لغة القوّة، ليست فكرة حديثة أو آنيّة الحضور لدى العقل الغربي، بل هي ثقافة متجذّرة وعميقة التكوين في الفكر والثقافة الغربيّتين منذ البدايات الأولى للغرب؛ كونها مرتبطة بالمعقوليّة الغربيّة أو بالعقل الغربي المؤسّس؛ أي هي مرتبطة عضويًّا بالمعرفة الغربيّة والعلوم الغربيّة. وسبق لفلاسفة غربيين كثر أنْ نظّروا لها ودعوا لتركيزها كضرورة تاريخيّة في حركة الواقع الحضاري الغربي في علاقاته مع الآخر، فالفيلسوف «هيغل» (1770-1931م) مثلًا يُذكَر دومًا كأحد فلاسفة القوّة رغم مثاليّته النظريّة، وهو واحد مِن الدعاة للمركزيّة الأوروبيّة والعنصريّة (العرقيّة) في الفلسفة الغربيّة، ورؤيته السياسيّة لا تخرج عن عقيدة المركزيّة الغربيّة بوصفها مزيجًا مِن عنصريّة مؤدلجة، إذ إنَّه يعتبر أنَّ الحضارة هي ميزة الشعوب الأوروبيّة، ونتاج وعيها في التاريخ، وخلاصة عبقريّتها الإبداعيّة، ويعتبر مغاليًا في العرق الجرماني، أنَّ الروح (الألمانيّة) هي روح العالم الجديد، وقصدها يقوم على تحقيق الحقيقة المطلقة كتقرير ذاتي غير محدود للحريّة[10]، بل ويعتبر هيغل هنا أنَّ الحروب يمكن أنْ تكون هي الحلّ الوحيد للخلاص مِن الحالات المستعصية في العلاقات بين الدول.

كما أنَّ الفيلسوف «نيتشه» (1844-1900م) نظّر للقوّة ونفى وجود الله، معلنًا تمرّده على الأخلاق والقيم والإنسانيّة، ومعتبرًا أنَّ كلّ الأديان هي في النهاية «نظم للرعب»[11]. طبعًا هذا النفي لجوهر الوجود ولمعاييره القيميّة عند نيتشه وغيره مِن فلاسفة غرب آخرين -آمنوا بالعنف والقوّة والهيمنة كأسلوب لتحقّق الذات وتطوّرها (ولو على حساب الآخر)- خلقت بذور الفردانيّة والتطرّف وتضخيم الذات، وطغيان الفكر الذاتي وقيم الهيمنة والسيطرة، بعدما وجدت صداها لاحقًا فكرًا وعملًا في الوعي الأوروبي، وفي السلوكيّات السياسيّة لصنّاع القرار الغربي في حربهم ضدّ بعضهم البعض، وضدّ غيرهم مِن باقي شعوب وبلدان الأرض.
وحتّى في الولايات المتّحدة الأميركيّة، فقد هيمنت الفلسفة الذرائعيّة (النفعيّة)، رغم أنَّ الكثير مِن المفكّرين والمتفلسفين اعتبروا أنْ ليس للأميركان فلسفة، بل هي -إنْ وجدت- لا تعدو أنْ تكون أكثر مِن «فلسفة تجّار» ليس إلّا، إذْ إنَّ حبّ الحقيقة قد سُوّدَ في أميركا مِن قبل العقل التجاري.

لقد فرضت تلكَ الأفكار النّخبويّة الفوقيّة نفسها معياريّتها على حضارة الغرب كلّه، متجسّدة في سلوكيّة العَقل الأوروبي العملي بشكل أكثر وضوحًا وسفورًا اعتبارًا مِن القرن الثامن عشر؛ حيث أصبحت أوروبا هي: «الوسيط للتقدّم الكوني»، و«السّيّد المعطاء»، الذي ينبغي على العالم كلّه أنْ يكون «معتمدًا عليه سياسيًّا وتكنولوجيًّا» كما قال الفيلسوف برتراند راسل[12]؛ وذلك أنّ ما تهدفُ إليه الحضارة الغربيّة -كما ذهب المؤرّخ توينبي- هو جَمْعُ العالم الإنساني كلّه في مجتمع كبير واحد، والسيطرة على كلّ شيء فوق هذه الأرض، وفي البحار والأجواء، التي ستصل إليها الإنسانيّة عن طريق التقنية الغربيّة الحديثة[13]. هي، إذًا، عقيدة السيطرة على كلّ شيء، باعتبارها حضارة إنسانيّة شاملة متقدّمة راقية، لها محدّداتها الثقافيّة والأيديولوجيّة والتاريخيّة ومواقع قوّتها العمليّة الواقعيّة[14]، في مقابل إقصاء وإهمال الحضارات الأخرى، التي ليس لها سوى القبول والامتثال والخنوع والتعبّد في محراب المركزيّة الغربيّة، والامتثال الخنوعي لا يكونُ فقط بالضغط الناعم، بل حتّى بالاستخدام العاري واللامقيَّد للعنف المُتوحش. وهذا ما تحدّث عنه أكثر مِن مفكّر وعالم ألمعي غربي، فهذا آدم سميث[15] يتحدّث عن نجاح أوروبا الكبير، ومعتبرًا أنّه ناتجٌ عن «تمكّنها مِن ثقافة العنف وانغماسها فيها»، كما ذكر أنَّ مِن السمات الأوروبيّة «الاستخدام العقلاني المنظّم للعنف المتوحّش»، لا بل كانَ يؤكّدُ في أفكاره على وجود ارتباط شبه عضوي بين الظاهرة الاقتصاديّة وظاهرة الحرب، وهي عقليّة هيمنتْ على كامل أوروبا والغرب منذ أكثر مِن قرنين إلى يومنا هذا، وربطت بين الاقتصاد والسياسة انطلاقًا مِن عبارة شهيرة كان أرباب المال الغربي يردّدونها، وهي أنَّ «المال عصب الحرب»[16]، وهؤلاء كانوا يعتقدون أنّ التجارة والتوسّع التجاري لا يتحقّقان إلّا بالحرب؛ بما يعني أنّه يجبُ على الدولة أنْ تزيدَ مِن أسباب قوّتها بالعمل على زيادة احتياطاتها مِن المعادن الثمينة بالتجارة أو بالحرب، ولا فارق بين هاتين الوسيلتين, فكلاهما ينتمي إلى الطبيعة نفسها، فالتجارة ليستْ إلّا عملًا مِن أعمال الحرب[17].

وهكذا، فإن تضخُّم الأنا الغربيّة الصناعيّة والتجاريّة أنتجَ حاجة للأسواق الخارجيّة في الأطراف (بحسب التعبير الغربي)، ولاستجلاب المواد الخام مِن أراضي الآخرين الغنيّة بالثروات والموارد الوافرة، والتي تمّ اكتشافها خلال رحلات الاستكشاف الغربيّة التي جرت خلال القرون التي أعقبت بدء عصر النهضة الغربيّة، نهاية القرن الرابع عشر وبداية القرن الخامس عشر، حيث تشكّلت إمبرياليّات استعماريّة أوروبيّة (سياسيّة-اقتصاديّة) مثل إسبانيا والبرتغال وهولندا وفرنسا وبريطانيا، استفادت بشكل مذهل مِن السيطرة على موارد اقتصاديّة في بلدان أخرى ذات عوائد جبّارة، مثل القطن والذهب والتبغ والأخشاب والذرة والأرز، وكانت الإمبرياليّة البريطانيّة في أميركا هي النواة التي ولد مِن رحمها الاقتصاد الأكبر في العالم اليوم، والمقصود هنا هو اقتصاد الولايات المتّحدة.

ثالثًا: فلسفة الحرب كعامل مؤسِّس للتمركز
لقد ولّد هذا النموّ والتضخّم الغربي تنافسًا حادًّا وشراسةً صراعيّة بين قوى الغرب ذاته على الصعيد التجاري والاقتصادي، تجاوزت حدودُ التنافس التجاري والاقتصادي إلى مرحلة إشعال الحروب والصراعات مِن أجل اقتسام النفوذ والموارد وخيرات الشعوب والأمم، والهيمنة على الأسواق الخارجيّة في تلك الدول لتصريف المنتجات وفوائض الإنتاج التجاري والاستهلاكي والصناعي. وبدوره أفضى هذا التدافع والصراع إلى بروز حاجة ماسّة لدى قوى الغرب الإمبرياليّة لامتلاك أحدث الأسلحة وزيادة نفقاتها العسكريّة ودخولها في سباق تسلّح حقيقي، والدخول في تحالفات سياسيّة وعسكريّة نتيجة الاختلاف في حركة المصالح وتناقضها.

من البيِّن كيف سعى الغرب الأوروبي إلى إشعال الحروب والصّراعات الدّموية -وهي قاعدة وليست استثناء في وعيه وسلوكه- بغرض تأكيد مطامحه الاستعماريّة عبر الهيمنة القهريّة على مقدّرات الأمم الأخرى، بما فيها مِن موارد ومواد خام وطاقات بشريّة وطبيعيّة. وقد خاضَ حروبَه التي أسماها «عادلة» في كثير مِن بقاع العالم، وبدأها مِن قلب قارّته في حربين كبريين كلّفتا البشريّة أنهارًا مِن الدماء والدموع، خاضهما تحت كمّ هائل مِن شعارات الإنسانيّة والعقلانيّة وشعارات الخير واستنهاض الآخر، ولكنّها لا تُعَدُّ حقائقَ واقعيةًّ، فتلك معادلةٌ أساسيّةٌ مِن معادلات فلسفة الاستعمار التي بناها العقلُ البراغماتي للحداثة الغربيّة، تقول هذه المعادلة: إذا كانت قيمُ الخير والجمال والسلام والعدالة غير قابلةٍ للاستنباط مِن الشروط الأنطولوجيّة أو العلميّة، فلا مجال بالتالي لأنْ نطالب بتحقيقها، فهذه القيمُ في نظر العقلانيّة العلميّة ليست إلّا مشكلاتٍ تتعلّق بالتفضيل الشخصي، ولمّا كانت هذه الأفكار غيرَ علميّةٍ، فإنّها لا تستطيع أنْ تواجه الواقع القائم إلّا بمعارضةٍ ضعيفةٍ وواهنةٍ[18]. وهذه العقلانيّة المنزوعة الأخلاق -بعدما استبدَّ بها جشع الاستيلاء والسيطرة والنهب- هي نفسها العقلانيّة التي دفعت بالعالم المعاصر إلى الانزياح والضّلال وعدم اليقين، وأيضًا دفعه للتكالب على خيرات الآخرين مِن شعوب العالم الثالث المفقر والمستضعف عبر خلق الذرائع والمبرّرات وإشعال الحروب والصراعات وتخويف المجتمعات والتلاعب بمصائرها ووجودها ولقمة عيشها.

إذًا، نستنتجُ أنَّ الحروبَ هي إحدى أهمّ قنوات ومنافذ النموّ الاقتصادي والعسكري والمالي للغرب لاستدامة هيمنته وسيطرته ونهبه لموارد الآخرين والتحكّم بمقدّراتهم، وأيضًا لإبراز هيمنته وسيطرته على مختلف مواقع ومنافذ القوّة كلّها.

لقد كانت الحَربان العالميّتان الأولى والثانية مِن أهمّ سبل الغرب لتكريس هيمنته على مفاصل القرار الدّولي، الاقتصاديّة منها وغير الاقتصاديّة، ورغم كلّ ما قيل عن أسباب الحربين المباشرة وغير المباشرة، سواء في تصرّفات هذه الدولة أو تلك، فإنَّ السببَ العميق والجوهري لهما، هو هذا الخلل والمرض العضالي -إذا صحّ التعبير- القائم في طبيعة النظام الإمبريالي الغربي، وفي عقيدته ومعرفته وأنظمة قيمه، والتي تتجسّد سلوكيًّا في صراعات الدول القوميّة الرأسماليّة القويّة للحفاظ على مركز المسيطر والمهمين في نظام اقتصادي عالمي متكامل بشكل متزايد أو تعديله تبعًا للظروف والتحوّلات. وكلّ التوسّعات الصراعيّة الحربيّة (الإمبرياليّة والاستعماريّة التي تمّت تحت كلّ أنواع الشعارات البراقة) كانت الغاية منها متمثّلة في تحقيق الهيمنة الاقتصاديّة.
ولنا في أوضاع كثير مِن دول العالم ومجتمعاته خير دليل، حيث أنَّ هذا التاريخ الاستعماري الغربي الطويل لم يكن في أساسه سوى تاريخ سيطرة وهيمنة وإذلال وقتل ونهب للثروات والطاقات والقدرات، وتاريخ اغتصاب ثقافي ولغوي وقيمي؛ تاريخ تقسيم لكيانات تلك الشعوب وتمزيق لأواصر علاقاتهم، وزرع لأسباب الفتن القُطريّة والطائفيّة والمذهبيّة والأقواميّة في تلك الكيانات، وجَعْلهم مجرّد كيانات مشتّتة ودول مجزّأة تعيش في ظلّ دوامات متواصلة مِن الفتن والاضطرابات والعشوائيّة والفوضى السياسيّة وغير السياسيّة، ما برحت حتّى يوم الناس هذا، تفتك بكياناتهم الصغيرة وتمزّق أنسجتهم الوطنيّة والاجتماعيّة، وتحيلهم إلى مواقع عوز وعجز اقتصادي وعلمي وتنموي، وتحول دون وصولهم لأدنى معاني استقلالهم السياسي وقرارهم الوطني؛ لكي يبقوا مكبّلين في سياساتهم واقتصاداتهم في خضوعها وارتهانها وتبعيّتها لــ«الميتروبولات» والمركزيّات الغربيّة وأصفادها وسجونها العلميّة والسياسيّة والاقتصاديّة وغيرها. نعم، تركة الغرب بعقليّته الاستعماريّة -التي لم يغادرها لحظة للأسف- هي تركةٌ ثقيلة على حاضر كثير مِن مجتمعات العالم، وقيدٌ مضروب على مستقبل دوله، وكلّهم يعيشون مفاعيلها الفتّاكة، وهم لا يقوون على نسيانها حتّى لو هم رغبوا في النسيان.

في هذا السّياق نفسه، اندلعت الحربان العالميّتان الأولى والثانية، وكانتا مِن أكثر الصراعات دمويّة في القرن العشرين، فجاءت الحربُ العالميّة الأولى كنتيجة للعداوات بين الدول الإمبرياليّة الناتجة عن ظهور دول رأسماليّة قويّة غير راضية عن العلاقات الجيوسياسيّة القائمة، وضغطت لتغييرها.
كما كان للحربين دور كبير في تغيير المعالم السياسيّة والجغرافيّة في العالم، خاصّة الحرب العالميّة الثانية[19]، حيث عملت الدول المشاركة فيها لتسخير جميع إمكانيّاتها الاقتصاديّة والعسكريّة والماليّة لتحقيق مصالحها في الحرب، وما كانت النتيجة سوى الخراب والدمار وإزهاق الأرواح، وتمخّضت عنها خارطة سياسيّة واجتماعيّة واقتصاديّة كانت هي الأسوأ، وأكثر شاهد على بشاعتها استمرار نتائجها منذ اندلاعها في أربعين القرن العشرين حتّى اليوم.

فقد اتّخذَ الغربُ الحديث مِن كلا الحربين منصّة لتكريس هيمنته على البشريّة في مواقع سياساتها واقتصاداتها وثرواتها وموارد شعوبها وحضاراتها، حيث شكّل الغرب بعد الحرب العالميّة الأولى (في العام 1920م) عصبة الأمم المتّحدة، وكانت الغاية الظاهريّة مِن إنشائها منع الحروب وتعزيز السلام الدولي بين الشعوب والأمم البشريّة. ولكنْ للأسف، لم تمضِ سوى سنوات قليلة حتّى اشتعلت الحرب العالميّة الثانية، ثمّ بعد نهايتها أعيد تشكل هيئة الأمم المتّحدة ومجلس الأمن الدولي كهيئة عهدت إليها الأمم المتّحدة مسؤوليّة الاضطلاع بالمهمّة الرئيسة في حفظ السلام والأمن الدوليين، حيث يعتمد مجلس الأمن قرارات في نصوص ملزمة قانونًا، لتُفرض على جميع الدول الأعضاء في منظّمة الأمم المتّحدة عملًا بميثاق الأمم المتّحدة. لكنَّ هذا المجلس الذي شكّلته القوى الغربيّة الكبرى المنتصرة في الحرب، كان بعيدًا عن الغاية مِن إنشائه في فرض السلام ومنع الحروب وتحقيق العدالة الدوليّة، والدليل الأكبر على هذا الكلام هو استدامة لغة الصراعات واشتعال الكثير مِن الحروب الدمويّة الصغرى والكبرى في عالمنا منذ نهاية الحرب العالميّة الثانية، والتي تُحصى بالمئات، وهي أساسًا كانت ناجمة في معظمها عن تدخّل الغرب في شؤون الدول الأخرى لضمان مصالحه وتكريس هيمنته وسرقة خيرات الشعوب، فمَنْ ينسى مثلًا العدوان الثلاثي على مصر (1956م)، وحرب فيتنام (1955م)، ونكسة حزيران (1967م)، وحرب الخليج الأولى (1980م) والثانية (1991م)، وغزو العراق (2003)م، فضلًا عن عشرات الحروب الصغرى التي أشعلها الغرب كانقلابات في داخل البلدان التي تتمتّع بثروات وموارد.
هذه الحروب كلّها وغيرها كثير، اشتعلت نتيجة أسباب سياسيّة واقتصاديّة عديدة، ولكنْ كان لها دافع جوهري عميق لدى الغرب -الداخل في معادلاتها وتعقيداتها كلّها- وهو دافع الإبقاء على مركزيّته وصيانة كلّ موقع مِن المواقع التي يدعمها ويحافظ عليها، بل ويكرّسها أكثر في الواقع السياسي والاقتصادي العالمي.

وما هو جدير بالملاحظة هنا، أنَّ القوى الغربيّة، وعلى رأسها الولايات المتّحدة الأميركيّة، كانت تقوم -بُعيد الحرب العالميّة الثانية، وهذا أثر مِن آثار هذه الحرب- بإطلاق عناوين وحملات وشعارات سياسيّة وعسكريّة ذات صبغة صراعيّة جديدة تستهدف أيّ معارضين لنهجها وجبروتها وهيمنتها، أفرادًا كانوا أم مؤسّسات ودولًا ومجتمعات، بل كانت تقوم أيضًا بخلق أعداء (وهميين) لتبرير سياساتها العدوانيّة النازعة للسيطرة والهيمنة، وتأكيد مركزيّتها على رأس القوى الغربيّة والعالميّة؛ أي إنّها كلّها عناوين برّاقة كانت تغطّي تحتها إعلان عصر الهيمنة الغربي وترسيخ مركزيّته الكونيّة، وعلى رأسه طبعًا الولايات المتّحدة، التي تزعّمت العالم الغربي بعد انتهاء الحرب الثانية، ومِن تلك العناوين التي ظهرت كمعالم سياسيّة وثقافيّة وبقي كثير منها إلى يومنا هذا: الحرب الباردة - مكافحة الإرهاب والتطرّف - النظام العالمي الجديد - نشر الديموقراطيّة -... إلخ.
فقد ظهر مصطلح الحرب الباردة ـ على سبيل المثال ـ بعد انتهاء الحرب ليصف واقعيًّا حالة العداء السياسي والعسكري المتنامي بين قطبين ومعسكرين، غربي وشرقي، الأوّل هو معسكر حلف شمال الأطلسي (حلف الناتو)، وتزعّمته الولايات المتّحدة الأميركيّة، والثاني حلف وارسو بقيادة الاتحاد السوفياتي السابق. وبقي التنافس والتوازن الدولي (والتعايش السلمي=توازن الرعب) قائمًا بين محورين وقوّتين ومشروعين متناقضين منذ منتصف أربعينيّات القرن الماضي إلى أوائل تسعينيّاته، حيث تمّ الإعلان عن سقوط المعسكر الشرقي وتفكّك منظومته الشيوعيّة، والتحاق عدد كبير مِن دوله بدول الأطلسي (حلف الناتو)، طبعًا مع عودة الهيمنة الأحاديّة إلى العالم بزعامة أميركا، والمستمرّة إلى اليوم رغم بروز معالم ومناخات التحدّي الصيني، اقتصاديًّا على الأقل.

نعم، كانت الهيمنة الغربيّة، وبالتحديد الأميركيّة على العالم، إحدى أخطر وأسوأ النتائج التي تمخّضت عنها الحرب العالميّة الثانية، رغم ما عاشه العالم مِن وجود حلفين وتكتّلين سياسيّين وعسكريّين.
لقد انطلقت أميركا بعد سقوط المشروع الشيوعي المناوئ لها لتعلن الانتصار ونهاية التاريخ الفوكوياميّة[20]، خاصّة بعد حرب الخليج الثانية 1991م، وليتمّ تظهير مصطلح جديد، هو صراع الحضارات بدلًا مِن حوار الحضارات.

والواضح أنَّ هذا المفهوم (صراع الحضارات) هو في واقع الأمر ليس له دلالة فكريّة معرفيّة عميقة، بمقدار ما له مِن مؤشّرات سياسيّة وخلفيّات عسكريّة، حيث يختزن في مضمونه دلالات ومعاني إستراتيجيّة عسكريّة للنظام الدولي الجديد (ومَنْ يقوده)، والذي تشكَّل في بداية التسعينيّات مِن القرن الماضي بعد انتهاء الحرب الباردة، وهو ليس تعبيرًا عن مجمل الوقائع الاجتماعيّة حول العالم. فالحضارات لا تتصارع ولا تتحارب، بل تتكامل في وعيها ومشتركاتها الإنسانيّة مِن حيث المبدأ، بل القوى السياسيّة والسلطات الزمنيّة الحاكمة في الدول، هي التي تتدافع وتتصارع وتعمل على تركيز مفاهيم القوّة والعنصريّة والتفوّق والهيمنة، وتشنّ الحروب وتشعل لغة المدافع بحثًا عن مطامع ومكاسب سياسيّة واقتصاديّة وغيرها. والدولة التي أصبحت قطب العالم الوحيد بعد الحرب الباردة، باتت تحتاج إلى عدو جديد لتبرير سياسات الهيمنة ونزوع المركزيّة، والتحكّم وتحقيق المصالح الاقتصاديّة.
لقد باتَ الإسلامُ هو العدوّ الأبرز للهيمنة الأميركيّة، فبدأت حملات تشويه صورته واعتباره دينًا عنيفًا دمويًّا، تجب محاربته وتشكيل التحالفات السياسيّة والعسكريّة ضدّه، وإصدار القوانين الدوليّة المعيقة لحركته ونموّه. وعلى هذا الطريق، ظهرت أيضًا حملات أخرى مِن المناداة بالديمقراطيّة والتبشير بها (غربيًّا وأميركيًّا) في العالم، خاصّة في عالمنا العربي والإسلامي، حيث كانت الدول الغربيّة تضغط باستمرار لبناء وإنشاء ديمقراطيّات سياسيّة صحيحة -كما تقول وتؤكّد نخبتها السياسيّة والفكرية- في العالم العربي، وسبق لبعض السياسيين الغربيين أنْ أقرّوا واعترفوا بأنَّ دعمهم للنظام السياسي الرسمي العربي -على مدار العقود التي تلت الحرب العالميّة الثانية- لم ينتج سوى موجات ما أسموه بالأصوليّات والإرهاب التي ضربتهم في عقر دارهم، وقد حان الوقت -بحسب تصريحات هؤلاء- للبدء بدعم فكرة الديمقراطيّة وتبنّي مشاريع الإصلاح السياسي، ومحاولة إلزام حلفائها في المنطقة بسلوك طريق التغيير السلمي قبل التغيير الدموي المكلف.

ولكنْ لا بدّ مِن تذكير هؤلاء هنا بأنَّ تلك الدول والقوى العالميّة الكبرى -خاصّة الولايات المتّحدة الأميركية- تتعامل مع غيرها مِن القوى والبلدان على قاعدة المصالح (سواء السياسيّة أو الاقتصاديّة أو غيرها)، ولا تتعاطى مع الأشخاص، إلّا بما يحقّق لها مزيدًا مِن المكاسب لها على مستوى السياسة والاقتصاد والأمن أيضًا، وهي تبني مجمل تحالفاتها مع الأشخاص والمؤسّسات والنخب السياسيّة والأحزاب في العالم كلّه -وليس فقط في عالمنا العربي والإسلامي- على هذه القاعدة المعروفة أيضًا. وهذا أمر للأسف لا تدركه دولنا العربيّة وحكّامنا وأحزابنا السياسيّة القائمة عندنا، التي تعتقد بصورة خاطئة أنَّ مجرّد تلبية متطلّبات وتحقيق بعض المكاسب والامتيازات لهذه الدولة الغربيّة أو تلك، فإنَّ تحالفًا وثيقًا قام بينهما، وأنَّ تلك الدولة لن تتخلّى عنه في أوقات الشدّة والمحن، وبدلاَ مِن أنْ يقوم الحاكم العربي مثلًا بالانفتاح على شعبه واستمداد القوّة مِن مجتمعه ومِن خدمته لناسه وجماهيره ليقوى بهم في مواجهة تحدّيات الواقع العالمي -من خلال تحقيق حاجاتهم كاملة، خاصّة السياسيّة والاقتصاديّة منها- يقوم للأسف بخدمة مصالح ورغبات وتلبية طلبات تلك الدول الكبرى التي تتغيّر سياساتها بحسب ما تتغيّر مصالحها.

إذًا، البوصلة هنا في تحريك دفّة السياسة الدوليّة هي المصلحة والمكاسب المتغيّرة والتحالفات المتحرّكة، وهذا ما رأيناه مِن خلال تعاطي الدول الكبرى -خاصّة الولايات المتّحدة- مع أزمات المنطقة، فهي تدعم مصالحها في مساندتها لأيّ نظام حكم عربي يحقّق لها تلك المصالح، حتّى لو كان نظام الحكم قبليًّا وراثيًّا متخلّفًا، في حين أنَّها تعادي نظم حكم أخرى في المنطقة منتخبة جماهيريًّا؛ لأنَّها تقف في وجهه ولا تحقّق لها مصالحها، بما يعني أنَّ الغرب عمومًا ليس صادقًا (ولا أخلاقيًّا) في توجّهاته السياسيّة لدعم فكرة الديمقراطيّة والإصلاح السياسي في العالم العربي، ولا يمكن أنْ تنجح الولايات المتّحدة في هذا المسعى التوفيقي الصعب بين دعوتها ومصالحها؛ أي في تحقيق التوازن والمواءمة الناجحة بين دعمها (المزعوم) للحريّات والديمقراطيّة في العالم العربي، وبين تحقيق مصالحها الإستراتيجيّة الكبرى التي يقول قسم كبير مِن العرب والمسلمين هنا بأنَّها تأتي على حساب نموّ وتطوّر وبناء مجتمعات عربيّة قويّة وناجحة، إذ مثلًا كيف تجتمع الدعوة للديمقراطيّة مع رفض وصول الإسلام إلى الحكم، ولو بالطريقة الديمقراطيّة العدديّة التي ينادي بها الغرب نفسه؟! وكيف تجتمع مبادئ حقوق الإنسان وإفشاء ثقافة السلام والتعايش السلمي والرغبة في تحقيق العدالة بين الشعوب مع إنشاء الغرب لكيانات وتشكيلات سياسيّة واقتصاديّة عالميّة[21] تفرض إلزاماتها ومعاييرها وشروطها المجحفة بحقّ الدول الناظرة للتطوّر والنهوض الحضاري؟! وهل يمكنُ أن تتحقّقَ الديمقراطيّة والعدالة وترتاح الدول مِن الإرهاب والتطرّف والعنف في ظلّ أوضاع عالميّة راهنة تنفرد فيها الولايات المتّحدة الأميركية بسلطة القرار بعد سقوط الشيوعيّة، وهو أمر جعـل المـوازين كلّهـا تختلّ وتميـل لصـالحها، ممـّا جعلهـا تسـتخدم نفوذهـا بطريقـة تعسـفيّة عنفية بحثًا عن مصالحها وهيمنتها ونزوعها للمركزيّة؟!

بناءً على ما تقدّم مِن تشكيلات دوليّة أنشأها الغرب منتصرًا مزهوًّا، فقد اعتبر هذا الغرب أنّ التاريخ انتهى عنده، ولا مجال البتّة للحديث عن تاريخ آخر وإرادات سياسيّة عمليّة أخرى غير تلك التي يقرّرها ويتّخذها مع تجاهل كامل لرغبة المساواة إنسانيًّا وواقعيًّا مع الآخرين. ولعلّ أبرز ما يمكن الوقوف عليه هنا، هو تأكيد فوكوياما المبالغ فيه على نزعة الذات، فلم يستطع أنْ يقيم توازنًا بين مفهوم تحقيق الذات وبين احترام الآخر[22]، ويعود ذلك إلى أنَّ فوكوياما انتزع مفهوم «الرغبة التيموسيّة»[23] مِن كليّة الإنسان التي تضخّم العقل كذلك، فالرغبة في تأكيد الذات دون رقابة العقل، كانت تفضي دائمًا إلى العنف الفردي والجماعي، ومِن أبرز نتائجه مبدأ القوّة العاريّة الذي حاول عقلنة الحرب والتمييز العرقي، الأمر الذي يقود إلى الأخذ بحتميّة الرأسماليّة بوصفها خيارًا وحيدًا لمستقبل البشريّة ونهاية لها، وهذا الأمر سيقسم العالم إلى مجموعة محكوم عليها أنْ تعيش تناقضات التاريخ الأبديّة، ومجموعة ترتع فيما بعد التاريخ، ولها أنْ تتمتّع بكمالات الرغبة والوعي كما تشاء، إلّا أنَّ ذلك يعني أنَّ مفهوم «نهاية التاريخ»، ما هو إلّا مفهوم لتركيب تراكمي يعبّرُ عن فلسفة التمييز والإقصاء، التي حكمت المشروع الغربي (مشروع الهيمنة والمركزيّة) طوال تاريخه، وهو مفهوم يعاكس في مضمونه المفهوم الذي أشاعه الاستعمار الذي ادّعى حمل رسالة الإنسان الأبيض. إنَّ مفهوم فوكوياما يريد أنْ يكرّس الفصلَ النهائي بين إنسانيّتين، فصلًا يتضمّن يأسًا وتيئيسًا مِن معظم الإنسانيّة، مِن كلّ «بقية العالم»، التي خسرت نهاية اكتمال التاريخ، ولم يبق لها سوى الركون إلى مزبلته فقط[24].

نعم، هو وعد جنّة نهاية التاريخ لقبيلة الإنسان الأبيض ـ الأشقر، المتقدّم المتطوّر صاحب العقل الإنتاجي، أمّا أولئك مِن باقي البشر، وهم الغالبيّة العظمى، فليس لهم سوى الخضوع بالقوّة والاستجابة لمفاعيل نهاية التاريخ، ودفع الأثمان الباهظة على موائد الغرب الراقي والرفيع والسامي!. بالمقابل، إنَّ الذي ساعدَ الغرب على الاستمرار الناجح جدًا في عقليّته وتقوية مواقعه وسهولة نفاذه لمصالحه ـ وإقرار وتنفيذ أجنداته وسياساته المعيقة في كلّ البلدان لأيّ نهوض علمي وتقدّم صناعي بنيويّ يطالُ الجذرُ المَعرفي في عمقه الأصلي ـ هو وجود تلك النخب المسمّاة «نخب وطنيّة» في كثير مِن بلدان العالم، ومنها بلداننا العربيّة والإسلاميّة، المتحالفة معه عضويًّا، نفعيًّا ومصلحيًّا، والمنفّذة لسياساته وبرامجه الاقتصاديّة التي يفرضها مِن خلال مؤسّساته الاقتصاديّة والسياسيّة الأمميّة الحاكمة بقوّة المال والسلطة والإعلام والمعرفة.

نعم صحيح، كلّ العالم ـ ونحن منه في عالمنا العربي والإسلامي ـ نتعاملُ ونتعاطى مع هذا الغرب بصورة يوميّة في مفردات وجودنا كافّة، وثقافته ووسائل تفاعلها وتواصلها مع الآخر، لها
ـ هي الأخرى ـ بالغ الأثر والحضور على الساحة الإسلاميّة والعالميّة رغم التعقيدات والسجالات والخلافات والاختلافات، نتأثّر بها سلبًا وإيجابًا، فضلًا عن حضور الغرب الاقتصادي والسياسي والأمني والعسكري التاريخي والمعاصر في واقعنا وثقافتنا وسلوكنا، ولكنّه يبقى تعاملًا بعيدًا جدًا عن معنى النديّة والتكافؤ والتوازن، وخاضعًا لاعتبارات الغرب وقوانينه وسياساته (ومركزيّته العلمويّة الفجّة)، وأيّة دولة تحاول النفاذ والمرور والتحرّر مِن تلك السياسات، توصف بأبشع الصفات والنعوت، بل وتتمّ معاقبتها وكيل معلّقات الشتائم لها ولدينها وتراثها ونخبتها الحاكمة.
في هذا المجال تجب الإشارة إلى أن الغرب الأقوى في علومه واقتصاديّاته وسياساته ـ لم يحقّق هيمنته إلّا نتيجة وجود سياسات ضعيفة ونخب محليّة مضعضعة في البلدان التي تحولت إلى ميادين للنزاعات والحروب وبؤرة لعدم الاستقرار والفساد والنهب والتطرّف والاستبداد.

ورغم أنّنا نعيشُ ضمنَ مجال جغرافي (عربي وإسلامي) واسع ونوعي، حَبَاه اللهُ بكنوز ثروات هائلة لا تُحصى ولا تُعدّ، حيثُ نعيشُ في منطقة غنيّة حضاريًّا وماديًّا، (غنيّة برأسمالها الرمزي والمعنوي، وتراثها الدّيني والحضاري الرّوحي، وغنيّة بمواردها وطاقاتها البشريّة والطبيعيّة الهائلة، ما جعلهَا نقطةَ جذب وساحة صراع تاريخي دائم)، فإنَّ هذه الثروات والمواقع القويّة لم تدفع لتقعيد وبناء وعي وإدراك حقيقة هذه الإشكاليّة القائمة بيننا وبين الغرب منذ زمن ليس بالقصير، وهي الّتي ما تزال خاضعةً لرؤى واعتبارات ذاتيّة تاريخيّة تؤثّر سلبًا على مستقبل الشعوب وتطوّر البلدان وتنميتها في هذه المنطقة، وتستنزفُ خيراتها ومواردها (التي مِن المفترض أنْ تسهم في دفع عجلة النموّ والتطوّر في بلداننا نحو الأمام لتحقيق رفاهيتها وإسعاد شعوبها)، ممّا يتسبّب في أزمات سياسيّة وهزّات أمنيّة مستمرّة، حتّى باتت منطقتنا لا ترتاح مِن حرب أو صراع عسكري دموي حتّى تدخل في آخر، يكون الغرب فيه أحد الأطراف المباشرة أو غير المباشرة، ولنا أنْ نعيد الذاكرة قليلًا إلى الوراء عدّة عقود، لنحصي عدد تلك الحروب الدمويّة التي اندلعت (وما تزال نيرانها مشتعلة إلى اليوم) في منطقتنا، حيث طاقات النفط والغاز، وحيث مختلف والثروات والخيرات، وحيث الموقع الممتاز والوجود الجغرافي الحيويّ والمميّز.


خلاصة إجماليّة نقديّة
تقدّمُ لنا الحروب التي شنَّها الغرب ـ ولا يقتصر الموضوع على الحربين العالميّتين ـ معيارًا فكريًّا وسياسيًّا عن طبيعته التكوينيّة الثابتة والراسخة على مبدأ العنف والهيمنة. وهذه الحقيقة المعياريّة المهيمنة على تفكيره وسلوكه وعلاقاته، سيكون مِن شأنها تقويض مجمل مدَّعيات الحداثة في التنوير وحقّ الشعوب في تقرير مصيرها، بل أكثر مِن ذلك، فإنّها تزعزع كلّ ما له علاقة بالقيمة الأخلاقيّة والغايات المعنويّة. ولقد بدا السياق التاريخي للسلوك الغربي، منذ القرن التاسع عشر وإلى يومنا الحاضر، واضحًا لجهة التعامل مع مجتمعات الشعوب الأخرى بوصفها حقول اختبار وميادين مفتوحة للاستيطان الاستعماري، والمشكلة أنَّ الحداثة الغربيّة أريد فرضها على غير الغرب، مِن شعوب العالم، حتّى ولو بقوّة التهديد والسلاح، وحتىّ لو لم تكن تناسب سياقاته الحضاريّة وأنسجته التاريخيّة وقيمه الدينيّة والحياتيّة.

لقد فشلت الحداثة الغربيّة رغم هول قوّتها العسكريّة والتقنيّة في تقديم حداثة الغرب كمنقذ ومخلّص للبشريّة وكسبيل لبناء نموذج إنساني عادل وكريم، وكان مِن أكبر عناوين فشلها ما أفرزته مِن عقيدة: «مركزيّة الغرب» وغطرسته، وولعه بالقوّة ورفض الآخر، والّتي جعلته ينظر إلى نفسه على اعتبار أنّه هو (وليس الإنسان والإنسانيّة) مركز العالم، وأنْ ينظر إلى العالم على أنّه مادّة استعماليّة، يوظّفها لصالحه باعتباره الأكثر تقدّمًا وقوّة. لذا، فإنّ منظومة الحداثة الغربيّة هي منظومة إمبرياليّة داروينيّة، وهذا هو التّعريف الحقيقيّ للحداثة كما تحقّقت تاريخيًّا[25].
وإذا ما نظرنا للمحصّلة الحداثيّة الغربيّة بعد عدّة قرون على تطبيقها وتمثّلها في عالم الغرب بالذات قبل أنْ ننظر لما فعلته في بلدان أخرى، ماذا سنرى؟!

سنرى أنَّ الأمور لم تكن على تلك الدرجة مِن الوصفيّة النظريّة والاستغراق في المفاهيم التجريديّة البعيدة عن واقعيّة التطبيق العملي في حركة الواقع المعاش، فقد اكتشفنا جميعًا
ـ وبالأخصّ الإنسان الغربي قبل غيره ـ أنَّ المركزيّة الغربيّة كعقيدة نفعيّة للغرب، أكلت وسحقت وابتلعت كلّ شيء وقف أمامها بعدما أنتجت لنا شرًّا وأشرارًا ملؤوا الدنيا خرابًا ودمارًا، وتيّارات عنصريّة دمويّة كاسحة منذ القرن التاسع، وتشكيل إمبرياليّات شرسة أبادت الشّعوب وأذلّتها، وأشعلت حربين كونيّتين كلّفتا البشريّة عشرات ملايين الأرواح.

مع التحوّلات الكبرى التي أعقبت الحرب الباردة وصعود المركزيّة الأميركيّة كحاكم على العلاقات الدوليّة، تضاعف شعور الغرب بالتفوّق والاستعلاء، واستشرت النزعات العنصريّة في الثقافة الغربيّة حيال الشعوب والحضارات الإنسانيّة الأخرى. ويفصح المشهد العالمي اليوم عن صور لا حصر لها تعطي دلالة واضحة على فعاليّات التمركز الغربي الإمبريالي بأشكال متجدّدة، سواء على صعيد الهيمنة والاحتلال المباشر أو ما سمّي بالحرب الناعمة النفسيّة والثقافيّة والاقتصاديّة، ناهيك عن الحروب الأهليّة المتنقّلة فيما يسمّى بلدان الأطراف، وهو مستعدّ في سبيل ديمومة عقيدته وهيمنته ومركزيّته، أنْ يشعل ألف حرب وحرب، ولو كلّفت البشريّة مئات ملايين الضحايا. ولنا أنْ ننظر فقط إلى الموازنات الدفاعيّة للدول الغربيّة، وعلى رأسها الولايات المتّحدة، والتي بلغت للعام القادم (2023م) أكثر مِن 850 مليار دولار أمريكي، لنتأكّد مِن حقيقة الأنا الغربيّة والفوقيّة الغربيّة، وعدم قبول الغرب لأيّة مساواة ـ ولو بالحدود الدنيا ـ مع آخرين.
لعلّ مِن أبرز سمات التاريخ الغربي بأشكاله الدوليّة السياسيّة المختلفة، خاصّةً شكله الليبرالي الحديث، هي أنَّه قامَ على العنف وتركيز مبدأ القوّة، واستعمال وسائله الحربيّة المدمّرة مِن أجل نَهْب خيرات الشعوب «العالم ثالثيّة» تحت مسمّى وذريعة تحديثها وتمدين ناسها ومجتمعاتها المتخلّفة، ونقْلهم إلى مواقع الحضارة الجديدة، حضارة الآلة، والبارود، والطباعة (آنذاك طبعًا)، بينما هو ـ في واقع أمره ـ كان ينشدُ ـ من خلال حروبه ـ فتح ممرّات وطرق تجاريّة، ويتطلّع للهيمنة على أسواق واسعة وممتدّة، قادرة على استيعاب فوائضه الإنتاجيّة الهائلة، باحثًا ـ في الوقت ذاته ـ عن مواد خام جديدة تدير آلات مصانعه الكبيرة خدمةً للإنسان الغربي بالدرجة الأولى، يعني نحن كنا (كعالم ثالثي مفقر ومستضعف) مجرّد «فرق عملة»، ومجرّد أدوات صغيرة في آلته الجهنميّة الكبيرة.

وأمّا قضيّة تحديث ودمقرطة العالم الآخر، فقد تبيَّن بهتانها على نحو صارخ؛ فقد عملَ الغربُ على تحديث نخب محدّدة مِن طبقات مدينيّة؛ أي مِن أبناء مدننا واجتماعنا العربي والإسلامي، ممّن توفّرت فيهم «معاييره» و«شروطه» الذاتيّة والموضوعيّة في الولاء والذيليّة والتبعيّة المطلقة، وهذه النخب أصبحت كما أرادها الغرب مرتبطةً معه وبه في الصميم، خاصّة بعدما أعطاها وقدم لها الأموال والأراضي، فبات أفرادها لاحقًا مِن كبار الملّاكين والتجّار والأعيان وأعضاء مجالس البرلمانات وغيرها في زمن ما قبل نهاية مرحلة الاستعمار والانتداب، وزمن ما قبل نجاح ثورات التحرّر مِن هذا الاستعمار الانتدابي الحديث.
لقد كانَ العنفُ والإرهابُ ديدن الغرب منذ زمن الثورة الفرنسيّة، ولا نريد العودة تاريخيًّا إلى ما قبل ذلك، كيلا تقشعر الأبدان أكثر، وهذا العنف الدموي الصارخ لاحظناه مثلًا في فترة الثورة الفرنسيّة وحقبة «اليعاقبة» منها بالذات، حيث كان (الإقصاء الدموي والعنف البدائي الهمجي) سبيلًا لهم لتحقُّيقِ غايات وأهداف الدولة الحديثة، ولاحقًا لاحظناه وعاينّاه خلال حقبتي النازيّة والفاشيّة، ثمّ خلال مرحلة الشيوعيّة في روسيا والدّول التي وصلت إليها الفكرة الشيوعيّة بالقسر والضغط والعنف وجحافل الدبابات، وهذه الحقب خلّفت أكبر عدد ضحايا في تاريخ البشريّة الحديث، كما لاحظناه وعاينّاه خلال مرحلة العولمة وهيمنة أميركا الكليّة على العالم، والبروز الفاضح للعسكرة الأميركية والحروب الاستباقيّة كاتّجاهٍ قويٍّ في ثقافة الغرب السياسيّة في سياق تحويل العالم إلى سوقٍ كونيّة سلعيّة تجتاحها المصالحُ النفعيّة، والتكالب على ثروات الشعوب المستضعفة تحقيقًا للهيمنة والمركزيّة الغربيّة.

لائحة المصادر والمراجع
أوّلًا- الكتب:
أرنولد توينبي، تاريخُ البشريّة، ترجمة: نقولا زيادة، الأهلية للنشر والتوزيع، لبنان/ بيروت، عام 1988م.
برتراند راسل، حكمة الغرب (الفلسفة الحديثة والمعاصرة)، ترجمة: فؤاد زكريا، مؤسّسة هنداوي، عام 2017م، طبعة أولى.
جيرار لوكيرك، الأنثروبولوجيا والاستعمار، ترجمة: جورج كتّورة، معهد الإنماء العربي، لبنان/ بيروت، عام 1956م، طبعة أولى.
حسن عبد العزيز أحمد، جغرافيّة أوروبا (دراسة موضوعيّة)، دار المريخ، السعوديّة/ الرياض، عام 1982م.
ريمون كارتييه، الحرب العالميّة الثانية، مؤسّسة نوفل، لبنان/ بيروت، طبعة عام 1983م.
سوزان حرفي، العلمانيّة والحداثة والعولمة، (حوارات عبد الوهاب المسيري)، دار الفكر، سوريا/ دمشق، عام 2009م، طبعة أولى.
عبد الوهاب المسيري، دراسات معرفيّة في الحداثة الغربيّة، مكتبة الشروق الدوليّة، مصر/القاهرة، طبعة عام 2006م.
عبد العزيز هيكل، موسوعة المصطلحات الاقتصاديّة والإحصائيّة، دار النهضة العربيّة، لبنان/ بيروت، طبعة عام 1986م.
عبد الله ابراهيم، المطابقة والاختلاف.. المركزيّة الغربيّة (إشكاليّة التكوّن والتمركز حول الذات)، المركز الثقافي العربي، المغرب/ الدار البيضاء، (لبنان/ بيروت)، عام 1997م.
محمّد عبد المعز نصر، فلسفة السياسة عند الألمان (دراسة في الفكر الألماني الحديث)، دار النهضة العربيّة للطباعة والنشر، لبنان/ بيروت، عام 1982م.
محمود حيدر، نقد مباني العقل الإمبريالي (مدخل تأسيسي)، سلسلة نحن وأزمة الاستعمار، المركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجيّة، العراق/ بغداد، عام 2018م، طبعة أولى.
نيل م. هايمان، الحرب العالميّة الأولى، ترجمة: حسن عويضة، مراجعة: سامر أبو هواش، طباعة: هيئة أبو ظبي للسياحة والثقافة، مشروع كلمة، الإمارات/ أبو ظبي، عام 2012م، طبعة أولى.

ثانيًا- المجلّات:
مجلّة الفكر العربي، لبنان/ بيروت، مركز الإنماء القومي، عدد100-101، سنة 1993م.
مجلّة قراءات سياسيّة، لبنان/ بيروت، عدد صيف 1995م.

---------------------------------------
[1]*- كاتب وباحث سوري.
[2]- تعتبر أوروبا إحدى قارّات العالم السبع. وهي تعدّ -من الناحية الجغرافيّة- شبه قارة أو شبه جزيرة كبيرة.. يمتدّ الجزء الغربي منها مِن أوراسيا بين جبال الأورال والقوقاز وبحر قزوين مِن الشرق، والمحيط الأطلسي مِن الغرب، والبحر الأبيض المتوسط والبحر الأسود ومنطقة القوقاز مِن الجنوب، والمحيط القطبي الشمالي مِن شمال القارّة. وهي قارّة صغيرة نسبيًّا مقارنة ببقيّة القارّات، ما عدا قارّة أستراليا الأصغر منها. أمّا مساحة أوروبا فتبلغ حوالي 10,79 مليون كم2، وهذا ما يشكّل ما نسبته 7,1% مِن مساحة الكرة الأرضيّة. وهي أيضًا تصنَّف ثالث قارّة مِن حيث عدد السكّان في العالم؛ إذ يزيد عدد سكّانها على 740 مليون نسمة، وهو ما نسبته 11% مِن سكّان الأرض. (راجع: حسن عبد العزيز أحمد، جغرافيّة أوروبا.. دراسة موضوعيّة، دار المريخ، السعوديّة/ الرياض، عام 1982م).
[3]- من قبيل: حروب أهليّة وعالميّة كالحربين العالميّتين الأولى والثانية، ونزاعات طائفيّة مذهبيّة، ومواجهات شرسة بين ممثِّلي الدين والعلماء على خلفيّة العنف الكنسي العاري الذي مورس بحقّ هؤلاء العلماء ممَّنْ وضعوا قوانين ونواميس علميّة، واكتشفوا نظريّات وسنن حياتيّة وكونيّة مخالفة لرؤى ومقدَّسات الكنيسة والإكليروس المسيحي؛ تطوّرات علميّة واكتشافات قانونيّة.
[4]- عبد الوهاب المسيري، التعدديّة والترشيد العلماني، مجلّة قراءات سياسيّة، لبنان/ بيروت، عدد صيف 1995م، ص 105.
[5]- سوزان حرفي، العلمانيّة والحداثة والعولمة، ( حوارات عبد الوهاب المسيري)، دار الفكر، سوريا/ دمشق، عام 2009م، طبعة أولى، ص190.
[6]- سوزان حرفي، العلمانيّة والحداثة والعولمة، مصدر نفسه، ص191.
[7]- محمود حيدر، نقد مباني العقل الإمبريالي (مدخل تأسيسي)، سلسلة نحن وأزمنة الاستعمار، المركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجيّة، العراق/ بغداد، عام 2018م، طبعة أولى، ج4، ص15 وما بعدها.
[8]- جيرار لوكيرك، الأنثروبولوجيا والاستعمار، ترجمة: جورج كتّورة، معهد الإنماء العربي، لبنان/ بيروت، عام 1956م، طبعة أولى، ص45.
[9]- في رصد لتكاليف الحربين الأولى والثانية، فقد تسبّبت الحرب الأولى التي اندلعت عام 1914م واستمرت لعام 1918م، في سقوط خسائر بشريّة كبيرة جدًا، حيث لقي حوالي 9 ملايين جندي مصرعهم، وسقط أكثر مِن 20 مليون جريح، كما قتل أكثر مِن 13 مليون مدني، وأسر أكثر مِن 29 مليون شخص، منهم مدنيّون.، كما خلّفت الحرب خسائر اقتصاديّة كبيرة، فانتشرَ الفقر والبطالة والتخلّف في كثير مِن الدول، وعانت الدول المتحاربة مِن أزمة ماليّة خانقة بسبب ارتفاع نفقات الحرب الباهظة، فازدادت مديونيّة الدول الأوروبيّة، وتراجعت هيمنتها الاقتصاديّة لصالح الولايات المتّحدة الأميركيّة واليابان. وأما الحرب العالميّة الثانية التي نشبت بين عامي 1939-1945م، فتسبّبت في قتل حوالي 55 مليون إنسان مِن العسكريين والمدنيين. (راجع: نيل م. هايمان، الحرب العالميّة الأولى، ترجمة: حسن عويضة، مراجعة: سامر أبو هواش، طباعة: هيئة أبو ظبي للسياحة والثقافة، مشروع كلمة، الإمارات/ أبو ظبي، عام 2012م، طبعة أولى. راجع: ريمون كارتييه، الحرب العالميّة الثانية، مؤسّسة نوفل، لبنان/ بيروت، طبعة عام 1983م).
[10]- محمّد عبد المعز نصر، فلسفة السياسة عند الألمان (دراسة في الفكر الألماني الحديث)، دار النهضة العربيّة للطباعة والنشر، لبنان/بيروت، عام 1982م، ص61.
[11]- محمّد عبد المعز نصر، فلسفة السياسة عند الألمان، مصدر سابق، ص117.
[12]- برتراند راسل، حكمة الغرب (الفلسفة الحديثة والمعاصرة)، ترجمة: فؤاد زكريا، مؤسّسة هنداوي، عام 2017م، طبعة أولى، ج2، ص193.
[13]- أرنولد توينبي، تاريخ البشريّة، ترجمة: نقولا زيادة، الأهليّة للنشر والتوزيع، لبنان/ بيروت، عام 1988م، ص223.
[14]- يحدّدونها اليوم في أربعة مواقع، هي: (احتكار ثقافة السلاح-احتكار الطاقات وعلى رأسها النفط-احتكار القانون والشرعيّة الدوليّة عبر منظّمة الأمم المتّحدة ومجلس الأمن وغيرهما-احتكار التجارة العالميّة، والثقافة والإعلام).
[15]- آدم سميث (1723-1790)م، عالم اقتصادي مِن اسكتلندا، ومؤلّف كتاب «بحث في طبيعة ودوافع ثروة الأمم» الذي يعتبر مِن أهمّ مراجع علم الاقتصاد، وقد تحدّث فيه عن عدة مبادئ اقتصاديّة، وهي القيمة على أساس العرض والطلب، وتحرُّر التجارة مِن أيّ أشكال التحريم، وقيام التنافس الحرّ، وتقسيم العمل.
[16]- تنسب لرئيس وزراء بريطانيا خلال الحرب العالميّة الثانية ونستون تشرشل.
[17]- عبد العزيز هيكل، موسوعة المصطلحات الاقتصاديّة والإحصائيّة، دار النهضة العربيّة، لبنان/ بيروت، طبعة عام 1986م، ص55-56-64.
[18]- محمود حيدر، نقد مباني العقل الإمبريالي (مدخل تأسيسي)، سلسلة نحن وأزمة الاستعمار، مصدر سابق، ج4، ص16.
[19]- النظام الاستعماري الذي كان سائدًا في المرحلة التي سبقت الحرب العالميّة الثانية، كانت تعاني فيه ألمانيا مِن موقع متدنٍ للغاية، عكس بريطانيا وفرنسا، ولهذا كانت علامات الاستياء واضحة لدى قادتها مِن تلك القيود التي وضعوها أمام حركة مصالحها. في الوقت نفسه، كانت الولايات المتّحدة الأميركية -التي ملأتها قوّتها الاقتصاديّة غير المسبوقة بالثقة والطموح- غير راغبة في قبول قيود على تغلغل رأس المال الأميركي في الأسواق الخارجيّة، بما في ذلك تلك التي تحكمها قواعد الحماية الإمبراطوريّة البريطانيّة.
[20]- في إشارة لنظريّة أو فكرة نهاية التاريخ للمفكّر الأميركي مِن أصل ياباني فرانسيس فوكوياما الذي اعتبر -على خلفيّة حرب الخليج الثانية- أنَّ التاريخ انتهى على عتبات الليبراليّة والذرائعيّة النفعيّة الأميركية، وأنَّ الديمقراطيّة وفقًا للرؤية الليبراليّة هي المنتصرة دومًا ، وهي العمل السياسي العقلاني بدرجة قصوى؛ وألّف بهذا الخصوص كتابًا حمل العنوان: «نهاية التاريخ وخاتم البشر».. (راجع: فرانسيس فوكوياما، نهاية التاريخ وخاتم البشر، ترجمة: حسين أحمد أمين، مركز الأهرام للترجمة والنشر، مصر/ القاهرة، عام 1983م، طبعة أولى).
[21]- إنَ عقليّةَ الغرب النفعيّة دفعت -بعيد الحربين العالميّتين- إداراتها السياسيّة الاستعماريّة إلى إنشاء مجموعة مؤسّسات اقتصاديّة دوليّة، تزيد مِن هيمنة الغرب على مفاصل القرار الاقتصادي للعالم، كالبنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، ووكالة التنمية الأميركية، وبرنامج الغذاء مِن أجل السلام وغيرها، وهي كلّها تابعة للولايات المتّحدة والقوى الدوليّة الغربيّة الكبرى، التي تقوم بإعداد برامج مفصّلة، وعلى الحكومات المعنيّة (حكومات الدول الضعيفة) أنْ تتبنّاها كشرط للحصول على القروض مِن تلك الوكالات.
[22]- مطاع الصفدي، نهاية التاريخ: بيان التيموسيّة المظفّرة، مجلّة الفكر العربي، لبنان/ بيروت، مركز الإنماء القومي، عدد100-101، سنة 1993م، ص7-13.
[23]- هي كلمةٌ يونانيّة أوردها أفلاطون في كتابه «جمهوريّة أفلاطون»، وجاءت لتوصيف حال المُحاربين الذين يحرسون المدينة الفاضلة مِن الأعداءِ الخارجيين، وحال أمثالهم عبر التاريخ إلى اليوم الذين يُخاطرون بحياتهم فداءً لوطنهم وعلمه ونشيده الوطني تحت شعار «الشهادة أو النصر».
[24]- عبد الله إبراهيم، المطابقة والاختلاف.. المركزيّة الغربيّة: إشكاليّة التكوّن والتمركز حول الذات، المركز الثقافي العربي، المغرب/ الدار البيضاء، (لبنان/ بيروت)، عام 1997م، ص47.
[25]- عبد الوهاب المسيري، دراسات معرفيّة في الحداثة الغربيّة، مكتبة الشروق الدوليّة، مصر/ القاهرة، طبعة عام 2006م، ص35.