البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

ندوة الاستغراب حول "فلسفة القانون"

الباحث :  ---
اسم المجلة :  الاستغراب
العدد :  34
السنة :  ربيع 2024م / 1445هـ
تاريخ إضافة البحث :  June / 26 / 2024
عدد زيارات البحث :  146
تحميل  ( 395.777 KB )
بسم الله الرحمن الرحيم
يُعتبر بحث «فلسفة القانون» وما يرتبط به من مباحث أخرى من قبيل حقيقة الإلزام القانوني والفرق بينه وبين القضايا الأخلاقية، ومعنى الحق ومنشأه، وغير ذلك من المباحث التي نجد لها حضورًا كبيرًا في الفضاء الفكري الغربي، ويكفي للدلالة على ذلك ما نجده من تعدّد وتبدّل للنظريات في هذا المجال، من فلسفة القانون الطبيعي عند قدماء الفلاسفة والمفكّرين، مرورًا بفلسفة القانون الوضعي ومدارسه المتعدّدة، إلى ما يسمى مؤخّرًا بالنظرية الثالثة في القانون والتي أرسى أصولها القانوني رونالد دوركين، كل هذا يجعلنا أمام اختصاص أكاديمي، وأمام فعّالية فلسفية حاضرة ومؤثّرة، ولأجل هذه الأهمية، أقامت مجلّة الاستغراب ندوة تتعلق بفلسفة القانون، مع شخصيتين من الشخصيات المتخصصة في مجال القانون وفلسفته، الدكتور محمود حكمت نيا من الجمهورية الإسلامية في إيران، والدكتور عصام نعمة إسماعيل من الجمهورية اللبنانية.
الدكتور عصام نعمة اسماعيل: أستاذ القانون الإداري والدستوري في الجامعة اللبنانية، والمستشار القانوني لرئيس الجامعة اللبنانية، ومحامي بلدية بيروت، ومستشار سابق لوزير العمل، وباحث متخصص له 20 كتابًا في القضايا الدستورية والإدارية ومئات الدراسات المنشورة.

الدكتور محمود حكمت نيا: حقوقي وكاتب ومحقق إسلامي، حائز على دكتوراه من جامعة «تربيت مدرس»، أستاذ وعضو الهيئة العلمية في الفقه والحقوق، مدير تحرير مجلة الحقوق الإسلامية ومجلة الدين والقانون، لديه العديد من الكتب والمقالات الحقوقية والقانونية باللغة الفارسية.

وقد قسّمنا هذه الندوة إلى ثلاثة محاور أساسية:
المحور الأول: في تعريف فلسفة القانون وبيان أهم وظائفها
المحور الثاني: في بيان الأسس الفلسفية التي تبتني عليها النظريات المختلفة في فلسفة القانون ونقدها
المحور الثالث: في العلاقة بين الدين والأخلاق وفلسفة القانون.
المحور الأول: أسباب ظهور هذه الفلسفة والتعريف بها وبوظائفها

الاستغراب: في البداية، لا بدّ من شكر كلٍّ من الدكتور محمود حكمت نيا والدكتور عصام إسماعيل على تلبيتهما دعوة مجلتنا لإجراء هذه الندوة وطرح بعض الأسئلة في مجال فلسفة الحقوق والقانون، وكي لا نطيل في المقدمات أمام أستاذين مختصّين في هذا المجال، نفضّل أن نباشر بطرح الأسئلة مباشرة.

أتوجّه أولًا إلى الدكتور محمود حكمت نيا.
جناب الدكتور، إذا أردنا أن نقدّم مقدمة عامة لبحث فلسفة القانون، ما الفرق بينه وبين علم القانون والبحث القانوني؟ ما هي أهم الموضوعات والأسئلة التي ينشأ على إثرها البحث الفلسفي القانوني؟
الدكتور حكمت نيا: بسم الله الرحمن الرحيم في البداية أتقدّم بالشكر الجزيل من الإخوة العاملين في مجلة الاستغراب على حُسن اختيارهم لهذا الموضوع الذي يدور حول واحد من أهم الموضوعات الاجتماعية تحت عنوان «فلسفة القانون».

قبل الدخول في البحث أطلب منكم الإذن بأن تسمحوا لي قبل كل شيء بأن تكون لنا إطلالة على الأسباب التي أدّت من الأساس إلى ظهور بحث فلسفة القانون. في الحياة الاجتماعية كانت القواعد الملزِمة على الدوام هي الحاكمة على العلاقات الاجتماعية، ويتمّ ضمان تطبيقها من قبل الحكومات. وعليه فإن القواعد القانونية كانت موجودة قبل فلسفة القانون. وعندما نتحدّث عن القواعد، فإننا نعني بها التعاليم والأحكام الكلية التي تعمل على تنظيم العلاقات الاجتماعية. فإذا كانت هذه القواعد منسجمة فيما بينها، أطلق عليها عنوان النظام القانوني، حيث يتمّ البدء في أبحاث تاريخ القانون عادة من الأنظمة القانونية. إن الأنظمة الحقوقية\ القانونية هي الأنظمة التي تعمل على طرح وتطبيق هذه القواعد بشكل منسجم في مختلف الحقول.

وكما تعلمون فهناك اليوم ما يقرب من ستة أنواع من أنطمة القانون الكبرى التي يتمّ تطبيقها في العالم المعاصر. من ذلك مثلًا النظام القانوني المعروف بالقانون العام\القانون العادي (common law) الذي يعود بجذوره إلى إنجلترا والنظام البريطاني ليتوسع لاحقًا وينتقل إلى الولايات المتحدة الأمريكية وإلى المستعمرات الأمريكية. وثمّة نوع من القانون العام أيضًا، وهو الذي يتم تطبيقه في الهند وباكستان، إذ يقوم هذا النظام في الغالب على الأعراف الإنجليزية، وسنخها حكومي، بمعنى أن الحكومات قد عملت على بسط هذا النظام وتوسيعه. إن الحقوق العامة والقوانين العامة تتقدّم على الحقوق والقوانين الخاصة في هذا النظام القانوني ويقوم على ملفات قضائية ولها بنيتها الخاصّة.

وفي المقابل يوجد النظام القانوني الروماني / الجرماني أو القانون المدني أو قانون المدنيين (civil law)، وهو بدوره نظام واسع أيضًا. ويعود هذا النظام في نشأته إلى جذور أوروبية، ويُعرف هذا النظام عادة في ألمانيا وفرنسا، وقد بُني على أساس عقلي وفرداني، وتقدّم الحقوق الخاصة على الحقوق العامة، وقد اتّسع هذا النظام بلحاظ الارتباطات العلمية ومن الناحية الاستعمارية أيضًا؛ وحيثما كان هناك حضور فاعل للفرنسيين والألمان، وكان لهم في الواقع حضور سياسي وعسكري، اتسع انتشار هذا النظام القانوني، مثل الكثير من البلدان العربية التي تأثّرت بهذا النظام، حيث كان لها في الواقع نوع من الارتباط مع فرنسا. وأما بعض البلدان الأخرى مثل إيران، فلم يكن لها أيّ ارتباط في أيّ وقت من الأوقات بالاستعمار الفرنسي أو الألماني، ولكن بسبب الارتباط الأكاديمي والعلمي، فقد تأثّرت بالنظام الألماني منذ البداية، ولكنها جنحت بعد ذلك لبعض الأسباب، ولا سيّما بعد خسارة ألمانيا في الحرب العالمية الثانية إلى النظام الفرنسي. وعلى الرغم من القرابة بين هذين البلدين، ولكن هناك بعض الاختلافات فيما بينهما أيضًا. من ذلك مثلًا في تاريخ ألمانيا، حيث كانت الانتخابات جماعية وليست فردية، فإن أول نظام انتخابي في إيران والذي يعود تدوينه إلى عام 1282 هـجري شمسي كان التمثيل الشعبي يتم بطريقة جماعات لا أفراد. وكان ذلك بتأثير من النظام الحقوقي الألماني. ليتغيّر هذا النظام لاحقًا ويتحوّل إلى نظام فردي، حيث يكون لكل شخص صوت، وهو ما عليه الأمر في الراهن، وهذا يعدّ نوعًا آخر من الأنظمة القانونية.

وأما النظام القانوني في الإسلام، فهو ـ بطبيعة الحال ـ نظام واسع وكبير جدًا، حيث يقوم على الإرادة التشريعية لله سبحانه وتعالى. إن فقهنا يعمل على بيان هذا النظام القانوني، إلا أن هذا النظام القانوني في مقام التحقق الخارجي، تحقق بطريقة تركيبية ولم يتحقق بطريقة خالصة، بمعنى أننا لا نشهد حاليًا تحقّقًا خارجيًا للنظام القانوني للإسلام بوصفه نظامًا منسجمًا ومستقلًا، بل إن البلدان ـ مثل مصر والأردن والإمارات وصولًا إلى إيران وأفغانستان ـ متأثرة بالبلدان الرومانية / الجرمانية؛ بمعنى أن الأنظمة القانونية فيها تركيب من الرومانية الجرمانية والإسلامية، بيد أن بلدان آسيا الشرقية، مثل الهند وبنغلادش وباكستان، فهو عبارة عن تركيب من القانون العام العادي والإسلام.

وكذلك من بين الأنظمة القانونية، لدينا كذلك النظام القانوني في الهند والصين، حيث يقوم على أساس تعاليم كونفوشيوس.
ولدينا نظام اشتراكي يتمّ تطبيقه في البلدان الاشتراكية؛ حيث نجد بعض البلدان الإسلامية تعمل على تطبيق تركيب ومزيج من النظام الاشتراكي الإسلامي. كما هو الحال بالنسبة إلى النظام في سوريا، وكما كان في العراق إلى حدّ ما؛ حيث نجد هذه الأنظمة متأثّرة بالأفكار الاشتراكية، فهي مزيج من الاشتراكية وغيرها.

وبعض الأنظمة الأخرى عبارة عن مزيج من الإسلام وتقاليدها التاريخية؛ حيث لا يمكن وضع اسم النظام القانوني للإسلام عليها، لأن التقاليد التاريخية ليست جزءًا من الإسلام، من ذلك ـ على سبيل المثال ـ المملكة العربية السعودية وبلدان الخليج، حيث تعدّ أنظمتها القانونية مزيجًا من الإسلام وتقاليد العشائر والقبائل العربية التاريخية بالإضافة إلى القانون الروماني / الجرماني.

وعليه لدينا أنظمة قانونية، ويتم اليوم العمل على تبويب وتصنيف هذه الأنظمة القانونية. فهناك أنظمة أصيلة وهناك أنظمة تركيبية، حيث تقدّم أن ذكرنا أمثلتها. إنّ هذه التركيبات عندما تتم فإنها تعمل على صناعة الأمثلة والنماذج. فنحن لا نستطيع القول إنّ النظام الحقوقي القانوني في إيران ـ على سيبيل المثال ـ هو نموذج مركّب من النظام الروماني / الجرماني بالإضافة إلى الإسلام فقط. إن النظام الروماني / الجرماني بالإضافة إلى الإسلام عمد إلى صناعة النموذج. وفي المصطلح الحقوقي يطلق على هذه النماذج مصطلح الحقول القضائية. ولدينا في نهاية المطاف ما يقرب من ستة أنظمة حقوقية. وعندما يتمّ مزج بعضها ببعض نحصل على ما يقرب من ثلاثة عشر نظامًا حقوقيًا مركّبًا، ويتم صناعة نماذج منها، حتى كان لدينا في العالم ما يقرب من 330 نموذجًا قانونيًا. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أن النماذج القضائية في الولايات المتحدة الأمريكية مختلفة. حيث تختلف هذه الأنظمة من ولاية إلى ولاية أخرى في هذا البلد الواحد. فكلها تندرج ضمن القانون العادي، باستثناء ولاية واحدة، حيث تندرج ضمن القانون المدني الروماني / الجرماني، وسائر الولايات الأخرى تعمل على تطبيق القانون العام، ولكنها في الوقت نفسه تختلف فيما بينها حتى في تطبيق هذا القانون العام. ونطلق على هذه الأمور مصطلح الحقول القضائية والأبنية القضائية، والنماذج الحقوقية. وعليه فإن الأنظمة القانونية عبارة عن منظومات تركيبية ونماذج قضائية.

ونحن نواجه في البلدان الإسلامية نماذج قضائية هي مزيج وتركيب من الأبنية التقليدية بالإضافة إلى الأنظمة الحقوقية وغيرها. وفي جميع البلدان الإسلامية تقريبًا يكون جانب من نظامها الحقوقي هو الإسلام عادة. بمعنى أنها تنطوي على هذا الأمر في نظامها الحقوقي بوصفه سنّة تاريخية. بمعنى أنكم تجدون جميع البلدان الإسلامية متأثّرة بشكل وآخر بالأدبيات الإسلامية. سواء تلك التي سبق لها أن شهدت تجربة الحكم العثماني أو التي رضخت للاستعمار، وعليه فإن لدينا أنظمة قانونية.
الاستغراب: جناب الدكتور محمود حكمت نيا، لو فصّلنا أكثر حول «الأنظمة القانونية» ومماذا تتألف؟ وهل البحث حولها هو بحث في فلسفة القانون؟

لا بدّ من الإشار إلى أن الأنظمة القانونية والحقوقية عبارة عن مجموعة من القواعد المنظمة التي تشتمل على مصادر وعلى مبان وعلى أساليب للاستنباط، وعلى أنظمة قضائية، وعلى أهداف ومنظومات قضائية وما إلى ذلك. ولكن عندما نتحدّث عن القانون والحقوق، وعن علم الحقوق والقانون، فلا يكون سؤالنا عن هذه القواعد، ولا نريد فهم كل واحد من هذه القواعد الخاصة. نتحاور بشأن علم القواعد. بمعنى أننا نواجه هذه الأسئلة ـ على سبيل المثال ـ إذ نتحاور حول هذه العلاقات الاجتماعية ولا سيّما في علم الاجتماع، حيث تلاحظون ذلك، فما هي العلاقات الاجتماعية؟ وما هي مجالات تدخّل الدولة؟ وعندما تتمّ الإجابة عن هذه الأسئلة، فإن ذلك يؤدّي إلى تبلور النظام الحقوقي القانوني.

إن نشاط السلطة القضائية والسلطة التشريعية في مقام التفسير والتنفيذ، ترتبط في الواقع بهذا النظام القانوني. ولكن عندما نضع ذات هذه الحقوق بشكل عام أو النظام القانوني على طاولة البحث النظري، نحصل على علم آخر، حيث إن ذلك الشيء الذي يتمّ افتراضه في النظام القانوني يتحوّل إلى سؤال في علم جديد. كأن تقول ـ مثلًا ـ في علم الحقوق والقانون: ما هي القوانين؟ أقول: إن القانون قاعدة مُلزِمة حاكمة على العلاقات الاجتماعية من أجل ضمان النظم والعدل الذي يتحقق من طريق الحكومة والدولة. هذه هي القوانين في ذاتها وبغض النظر عن المحتوى. هذه هي خصائص القانون. وعلم القانون يبحث في هذه الخصائص. نقول: يمكنك صبّ مضمون في هذه القوالب، وسوف تصبح هذه القوالب أنظمة قانونية. أقول: إن هذه القواعد ملزمة، ويقال: إن القواعد الملزمة تعني أن السرقة محرّمة، وأن الزنا حرام، وأن الاختلاس ممنوع، ويعني أن حرية التعبير مكفولة. إن هذه المحتويات في هذا القالب تصبح نظامًا قانونيًا. وعليه فإن النظام القانوني يحتوي على خصائص قانونية بمضمون واحد. المضمون يتحوّل إلى نظام، وتتحوّل هذه الخصائص إلى قوانين. ولكن عندما نضع هذه الخصائص موردًا للسؤال، تبدأ فلسفة القانون.

بمعنا أننا نسأل هنا ... تقولون: إن القاعدة ملزمة. وفي الأساس ما هي القاعدة المُلزمة؟ وما هو الإلزام في الأساس؟ وما هو الإلزام الذي تتحدّثون عنه؟ وما هو الفرق بين هذا الإلزام وبين الالتزام؟ ذكرنا أن القواعد القانونية هي القواعد الملزمة والحاكمة على العلاقات الاجتماعية. وعندما أتساءل عن ذلك يقال: في الحياة الاجتماعية لا يحكم سوى هذه القواعد الملزمة. نقول: وهل هناك قواعد أخرى؟ أقول: أجل، إنها قواعد الأخلاق. كما أنّه توجد أعراف سائدة بين الناس وهي قوية للغاية. الحقوق والقوانين الناعمة بمعنى أنك عندما تقوم بتطبيق القاعدة تحصل على منفعة، لا بسبب الخوف من العقوبة، بل من أجل المصلحة الشخصية وليس من أجل المصالح العامة. أقول: إن هذه القواعد موجودة أيضًا. وأنت تتساءل: أين تكمن الحدود بين هذه الأمور؟ أقول: إن القاعدة القانونية يتمّ وضعها من قبل الحكومات. يقال: أين تكمن حدود صلاحيات الحكومات؟ وهل يمكن للحكومة والدولة أن تقنّن كل شيء بوصفه قاعدة حقوقية؟ وأنت تقول: إنها تمتلك مثل هذه الصلاحيات. إن دولة الأمر حاكمة. أقول: من أين يحصل الحاكم على حق إصدار هذا الأمر؟ ولماذا يأمر؟ وبمَ يأمر؟ وما هو الفرق بين هذا الأمر وبين القهر والاستبداد؟

في نظامنا القانوني هناك قواعد تمّ تحديدها والتعريف بها من طريق الحكومات. ما هو الدليل الذي على أساسه قامت الحكومات بتحديد هذه القواعد والتعريف بها؟ وفي الأساس ما هو الحق الذي كانت تمتلكه الحكومات للتعريف بهذه القواعد؟ ثم إنه من أين تأخذ الدولة هذا الحق حيث تقوم لها مثل هذه النسبة مع العلوم السياسية؟ بمعنى أنكم عندما تسألون وتقولون: من أين تحصل الدولة على مشروعيتها، يدخل ذلك في حقل العلوم السياسية. وعندما تكتسب الدولة مشروعية، فما هو الشيء الذي يمنحها الحق في وضع القوانين؟ يدخل ذلك في حقل فلسفة القانون.

وعليه فإن فلسفة القانون تجعل من النظام القانوني المفروض محلًّا للسؤال، ويرد هنا سؤال: لماذا يتمّ السؤال عن هذا الأمر أصلًا؟ لأن قواعد القانون ـ كما تعلمون ـ قواعد مُلزمة تعمل الدول والحكومات على ضمان تطبيقها وإجرائها. والسؤال المطروح على الدوام يقول: ما هو الحدّ القائم بين الاستبداد والقانون؟ وعلى أيّ أساس تقوم الدول والحكومات بإصدار الأمر والنهي؟ كان هذا هو السؤال الجاد الذي يتمّ طرحه من قبل البشر، وإلا فإن الأمر والنهي الاجتماعي كان موجودًا على الدوام. لماذا يتمّ إنزال العقوبات بالخاطئين والجانحين؟ وما هي فلسفة العقوبة. وما هو نوع العقوبة التي يتمّ إنزالها؟ اختيار العقوبة. ما هو الخطأ الذي يستحقّ فاعله العقاب؟ هذه الأمور بأجمعها موجودة على مرّ التاريخ. وعليه فإن التاريخ سوف يواجه أسئلة في مورد الحقوق. والسؤال هو: لماذا يواجه التاريخ هذا النوع من الأسئلة؟ وبطبيعة الحال فإن هذا ليس من المهام الفلسفية للقانون بأن تسأل عن السبب الذي يدعو الإنسان إلى طرح هذه الأسئلة. وإنما يتعين على علم الاجتماع أن يجيب عن ذلك. إن علم الاجتماع يعمل في الواقع على تحليل التاريخ والمجتمعات، بيد أن الذي ينفع القانونيين هو أن القوانين تواجه بعض الفوضى. فمن جهة لم يكن الحاكمون يتصرّفون بشكل صحيح، ومن جهة أخرى كانت تحصل علاقات اجتماعية جديدة، وكانت هذه العلاقات الاجتماعية تحتاج إلى تأسيس قواعد. وأذكر لكم مثالًا على ذلك، في العصر الراهن وفي حقل تكنولوجيا التواصل قمنا بطرح الفضاء الافتراضي، فما هي القواعد الحاكمة في الفضاء الافتراضي؟ وأين تكمن حدود وصلاحيات الدولة؟ وكيف يتم تنظيم قواعدها؟

لنعد الآن إلى تلخيص كلامنا الأول، إن فلسفة القانون تجيب عن أسئلة حول أمور كان يتمّ طرحها من قبل علماء الحقوق والقانون والقضاة، على أنها أمور مسلّمة، أقول باختصار: إن نهاية نشاط القانون تمثّل بداية لنشاط فلسفة القانون، فالقانون يقول: إن القاعدة مُلزمة؟ وفيلسوف القانون يقول: ما هي القاعدة أصلًا. ولماذا تكون هناك حاجة إلى القاعدة؟ وما هو الإلزام؟ وما هو حقل الإلزام والأخلاق؟ وما هو إلزام العُرف؟ وأين يكمن إلزام القوانين الناعمة؟ وكيف يتمّ تعيينها؟ وعليه فإن نهاية نشاط القانوني تمثل بداية لنشاط الفلسفة، وهكذا حيث ينتهي نشاط الفلسفة، يمكن للنظام الحقوقي أن يبدأ في ممارسة عمله ونشاطه. وعكس ذلك موجود أيضًا.

إن المشكلة التي تعاني منها البلدان الإسلامية تكمن في أن لمسائل القانون حاضنة زمنية وتاريخية. بمعنى أنه ما هي الأسئلة التي يتمّ طرحها وبيانها؟ إن طرح الأسئلة يعود بجذوره إلى الأفكار الاجتماعية. توجد مشتركات بين أسئلة فلسفة القانون، وتوجد اختلافات بينها أيضًا. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أننا في النظام الحقوقي والقانوني للإسلام نواجه نظامًا تقليديًا. وثمّة إرادة للشارع، وهذا الأمر يُعدّ أمرًا مفروضًا بالنسبة لنا، بمعنى أننا نؤمن بأن القانون يعود بجذوره إلى إرادة الشارع.
سؤال: ما هي دائرة حقوق إرادة الشارع؟ وكيف يتمّ تعيينها؟ إن هذا السؤال لا يواجه الشخص الفرنسي. وإنما يُعدّ هذا السؤال من مختصّات الإسلام. وعليه فإن البلدان الإسلامية عندما تقبل بإرادة الشارع بوصفها أمرًا مفروضًا، تواجه هذا السؤال القائل: كيف يمكن للشارع الذي وضع القوانين قبل 1400 سنة، أن يعمل على إدارة التحوّلات الجديدة؟ إن الفرنسي لا يواجه هذا السؤال، ولكننا نواجهه.

إذن توجد أسئلة عامة لفلسفة القانون، كما توجد هناك أسئلة خاصّة لها، وأسئلتها العامّة ترتبط بأسس القانون، وأما أسئلتها الخاصة، فلأن الثقافة الخاصة والمبنى الخاص يعملان على إيجاد سؤال خاص. من ذلك أنكم لو قبلتم بالمبنى العقلي سواف تواجهون نوعًا من الأسئلة، وإن قبلتم بإرادة الشارع سوف تواجهون نوعًا آخر من الأسئلة. ولا يمكن القول إننا نواجه نوعًا واحدًا من الأسئلة في فلسفة القانون، أو أن تكون هي ذات الأسئلة التي تواجه الحقوق والقوانين الفرنسية. وبالتالي فإنّ لنا أسئلتنا الخاصّة بنا. وسوف أذكر لكم نموذجًا أكثر تحديدًا في هذا الشأن. ففي أدبيات المعتزلة حيث يؤمنون بالعقل، أو في الفقه العقلاني أو بحث الرأي مثل أبحاث القياس في بعض مذاهب أهل السنة، يتمّ طرح هذا السؤال: ما هي النسبة بين معطيات العقل وبين إرادة الشارع – المشرّع الإلهي -؟ وهل هناك ملازمة بين ما يحكم به العقل وما حكم به الشرع؟ هذا هو السؤال الذي كان يرد على ذهن الأصوليين من علمائنا، وكانت هذه هي مسألتهم الخاصة.
وعليه توجد لدينا أسئلة تاريخية وحضارية أيضًا، بمعنى أن بعض أسئلة فلسفة القانون، أسئلة تتبلور ضمن حاضنة خاصة وفي ضوء مبان خاصة أيضًا، ولهذا السبب لدينا في بحث فلسفة القانون أسئلة عامّة، من ذلك ـ مثلًا ـ ما هي القاعدة القانونية؟ وما هي نسبة القانون والقواعد الأخلاقية، هذه أسئلة عامّة. وهناك أسئلة خاصة بالأنظمة القانونية، من قبيل السؤال عن كيفية النسبة بين العقل والشرع الإلهي، حيث يختص هذا السؤال بحقل النظام الحقوقي والقانوني في الإسلام فقط.

هذا هو السؤال الأول. وإذا أردتم مني أن أقدّم خلاصة بذلك، أقول: إن فلسفة القانون تطرح أسئلة انتقادية بشأن خصائص قاعدة الحقوق. بمعنى أن الذي تمّ اعتباره في الحقوق أمرًا مفترضًا، يقع في فلسفة القانون موردًا للسؤال على نحو انتقادي. وإن بعض هذه الأسئلة عامة وتعود إلى ذات الحقوق، وبعضها الآخر خاص يتمّ طرحه وبيانه في حقل الأنظمة الحقوقية.
الاستغراب: شكرًا جزيلًا على هذا التفصيل والتقديم المهم جناب الأستاذ الدكتور محمود حكمت نيا، والآن أتوجه لجناب الأستاذ الدكتور عصام إسماعيل، لأسأله عن أهم الوظائف التي تعنى بها فلسفة القانون؟

الدكتور عصام إسماعيل: إن معرفة أصل القانون ليست من عمل المشرع ولا القاضي، إنما هي عمل الفلاسفة، إذ لكلِّ شيءٍ في الكون فلسفة خاصة، بما فيه القانون الذي يُعنى به فرع خاص من فروع الفلسفة هي فلسفة القانون التي تهدف إلى معرفة كليات القانون أو الأصول المشتركة بين جميع النظم القانونية. أما الفلسفة بوجه عام فهي علم العموميات ومعرفة الأصول الأولى والعلل التي تؤدي إلى الأشياء، فهي حاجة معرفية للإنسان، فنحن نعيش في الحياة ونحس بها ونمارس نشاطنا، ولكن عندما نريد أن نعرِّف المرئيات والمسموعات نحتاج في الواقع إلى الكثير من التأمّل والتعمق والبحث حتى نخرج بتصور أو بتعريف أو بنظرية عن ميدانٍ من ميادين نشاطنا في الحياة الإنسانية.
وفي المجال القانوني فإن كل حقوقي بحاجة إلى معرفة الجوهر في العلوم القانونية، ومعرفة العناصر والمقومات الأساسية التي بوجودها نقول بوجود القانون وبانتفائها ينتفي هذا القانون. وهذه وظيفة فلسفة القانون، التي لها الوظائف الآتية:

الوظيفة المعيارية: تتجه إلى تكوين المعيار في القانون، الذي يصبح مرجعًا لما يعتبر قانونًا حسب المعيار في كل موضوع من موضوعات القانون، فالمعيارية أول وظيفة من وظائف فلسفة القانون، لأنها عندما تضع تعريفًا للقانون فهي تضع المعيار أو المقياس لما هو قانون، فإذا توفّر هذا المعيار في القاعدة اعتُبرت قانونًا، وإذا انتفت عنها انتفت عنها صفة القانون. بل إن القانون هو نظام معايير؛ إذ لم يكتفِ بوضع المعيار لما هو قانون، إنما وضع المعايير في كل فرعٍ من فروعه. ويغلب في النظام القانوني استخدام معيارين، المعيار الشكلي وهو مقياس سطحي لا يغوص إلى أعماق العمل مكتفيًا بشكله الخارجي ولا يفحص جوهره مكتفيًا بمظهره ومصدره؛ والثاني هو المعيار الموضوعي أو المادي الذي يركِّز على تكييف أي عملٍ من أعمال الدولة، عبر البحث عن جوهر العمل وعن الآثار القانونية المترتّبة عليه؛ لأن طبيعة العمل تكون في مادته وموضوعه، وهي لا تتغير باختلاف الهيئات المختصة بإصداره، أو بتغيُّر الأشكال أو الإجراءات التي يصدر فيها وعلى مقتضاها.

الوظيفة التقويمية: عندما تضع فلسفة القانون المعايير القانونية، إنما توجّه الباحث عن القانون وتقوده إلى معرفته كأفضل ما تكون المعرفة. ذلك أن هدف فلسفة القانون هي تبسيط قواعد القانون وتسهيل فهمها وإدراكها. وتكون المصباح لإبصار الأخطاء والعيوب والنواقص في قانون من القوانين أو في نظام من النظم، وفي ضوء هذا المصباح نستطيع إزالة العيوب وتصحيح ما يعتري القانون من شوائب.

الوظيفة الثورية: إن الفلسفة القانونية التي يتبنّاها المجتمع وفقًا لموقف هذا المجتمع من فكرة العدل والظلم، والخير والشر، الصلاح والفساد. سوف تجد من يسعى لوضعها موضع التطبيق، ونلاحظ أنه على مرِّ التاريخ كان لفلسفة القانون الدور الأبرز في نشوء الثورات الكبرى أو في التغييرات الجذرية الحاصلة في المجتمعات، فالقاعدة الدائمة أن الشعب لا ينال حقوقه برضى السلطة الحاكمة فهذا أمر مخالف لطبيعة السلطة، التي هي سلطة مستبدة عبر التاريخ، لذا فإن احدى الحقائق التاريخية الثابتة أنه حيث لا مذهب فلسفي لا ثورة، والثورات التاريخية الكبرى هي حكمًا مرتكزة إلى نظريات فلسفية، ومثلها الثورة الفرنسية 1789 استندت إلى آراء مونتسكيو وروسو وآخرين، والثورة الشيوعية لعام 1917 والثورة الإسلامية في إيران 1979 التي قامت على مبادئ إسلامية وضعها الإمام الخميني.

الوظيفة الغائية: أي معرفة الغاية التي يسعى القانون لتحقيقها، ولماذا وُجد القانون ومن أجل أي شيءٍ كان، وبماذا يجب أن ينهض القانون لكي يبّرر وجوده في المجتمعات ويؤدي وجوده على النحو المطلوب؟ وقد اختلف الباحثون منذ أيام الإغريق في مسألة ما ينبغي أن تكون عليه رسالة القانون، فقال فريق من الباحثين أن رسالة القانون هي تحقيق العدل بين الناس، سواء أكان على مستوى المجتمعات الوطنية الداخلية، أو على مستوى المجتمعات الدولية العالمية. وقال آخرون إنه لا يمكن حصر رسالة القانون بهدف واحد، فقيم القانون متعددة، فثمة قيمة الحرية، والأمن الاجتماعي، والتنسيق بين المصالح، التقدّم الحضاري.... ويأتي تعدد هذه القيم، من مفهوم أن الإنسان هو غاية كل العلوم، بما فيها العلم القانوني؛ لذا فالقانون هو وسيلة لتحقيق هذه الغاية، ولا يمكن فصل الغاية عن الوسيلة، ولا يمكن جعل الوسيلة هي الغاية، فالقانون لا يمكن أن يصبح يومًا هو الوسيلة والغاية.

وهذه الوظائف التي تضطلع بها فلسفة القانون، لا تختص بفرعٍ قانونيٍ دون آخر، بل تطال الأسس الجوهرية التي يبنى عليها النظام القانوني، أي القواعد الكلية للقانون والتي بدورها تطال مختلف فروع القانون العام والخاص.
وحيث إن القانون هو تنظيم العلاقات الإنسانية بمختلف أنواعها، سواء أكانت علاقات خاصة أم عامة أم دولية، وهذه العلاقات لم تتبدّل أنواعها على مرّ التاريخ إنما اختلفت المسمّيات واتساع ميدان الفكر الإنساني، إذ في التاريخ القديم كانت فلسفة القانون جزءًا من الفلسفة العامة وتحتل الصدارة في أعمال الفلاسفة الداعين إلى إصلاح المجتمع بدءًا من إصلاح السلطة ووضع الفكر القانوني الناظم لهذا المجتمع، ومن ثمّ اصلاح العلاقات الاجتماعية والعائلية ونظمها وفق أطر إصلاحية تحقق الغاية التي افترضتها هذه الفلسفة بأنها ناظمة لهذه العلاقات.

ولكن مع تقدّم العلوم وانطلاق التخصصات الدقيقة، تفرّعت كافة العلوم إلى فرعيّات يختصّ كلٍ منها بجزء من الأصل، كان للفلسفة نصيب من التفريع وظهرت فلسفة القانون كجزعٍ مستقلٍ من الفلسفة العامة أو الفكر السياسي، وأوّل من كتب باسم فلسفة القانون هو جان أوستن الذي وضع كتابًا بعنوان: فلسفة القانون الوضعي، وكان ذلك في العام 1894 ثم تتابعت الدراسات تحت هذا العنوان فلسفة القانون وأصبح مقرَّرًا معتمدًا في مناهج الدراسة في العديد من الجامعات العريقة في العالم.

المحور الثاني: الأسس النظرية لفلسفات القانون الغربية ونقدها
الاستغراب: شكرًا جزيلًا جناب الدكتور عصام إسماعيل.
بعد أن قدّم الأستاذان العزيزان الوظائف والتعريفات المناسبة لفلسفة القانون، نريد أن ندخل في أعماق الموضوع بشكل أكبر، وأتوجه الآن للدكتور حكمت نيا. ما هي أهم التيارات الغربية في فلسفة القانون؟ وما هي البناءات الفلسفية والنظرية التي تكمن خلف هذه النظريات؟ وبرأيكم ما هي أهم الانتقادات التي تتوجه إليها؟
الدكتور محمود حكمت نيا: الجواب: بطبيعة الحال نحن نتحدث في مورد كلمة الغرب بحذر، لأن هناك أكثر من نموذج غربي واحد، بل هناك أنواع مختلفة من الغرب، ولذا سنتكلم عن «البرادايم» والنماذج المختلفة في الفكر الغربي.
إن النموذج\البرادايم يعني ذلك القالب المفروض على الذهن الاجتماعي والبنية، بحيث إن الفاعل الاجتماعي المنتمي إلى هذا النموذج قد لا يلتفت إلى أن هناك نموذجًا خاصًا متميزًا يفكر في إطاره، أذكر هنا مثالًا بسيطًا ... هناك اختلاف في أساليب فهم اللغة والتحاور في اللغة الإنجليزية وفي اللغة العربية عن اللغة الفارسية، حيث ترك ذلك تأثيره على أذهاننا.

مثلًا إن اللغة العربية ذات بُعدين: زيد قائم. والفُرس هم الذين يقولون: يجب أن يكون ثمّة لفظ «هو» (است) في هذه العبارة، وذلك لأن أذهان الناطقين باللغة الفارسية ثلاثية الأبعاد؛ ولذلك فإنهم يبحثون عن «فعل الكينونة» في الجملة، ولكنك في اللغة العربية حيث تقول: «زيد قائم» لا تشعر بوجود شيء مفقود. وفي عبارة «زيد ضرب» عندما نبحث نحن الفرس في هذه العبارة، نقول: إن كلمة زيد في هذه العبارة فاعل، وإن كلمة ضرب فعل، وإن الضمير «هو» المستتر في هذا الفعل يعود إلى زيد، وهو بمنزلة فعل الكينونة. ونحن عندما نقول نموذج، نعني بذلك هذه الذهنية التي نحن فيها ونكون عليها.

ولكننا عندما نضع اللغات إلى جوار بعضها، فسوف ندرك أن نماذج اللغات تختلف. إنك لم تكن حتى الآن قد تنبّهت إلى هذه الظاهرة، وإن عدم الالتفات هذا قد يعرّض عملية الترجمة إلى إشكال في بعض الأحيان، بمعنى أنك قد تترجم كلمة وتقع نتيجة لذلك في الخطأ، لأنك لم تستطع نقل تلك الذهنية وذلك الفهم إلى اللغة الأخرى. وسوف أذكر لكم هنا مثالًا عن الترجمة. من ذلك أننا في اللغة العربية لو قُتل شخص يجب دفع الدية إلى أهله، على ما هو ثابت في حقوق الدية. وإن لفظ الدية مشتق من (وَدَيَ) من «الوادي». بمعنى الأمر القليل بإزاء الأمر الكبير. أي أنه لا يمكن وضع قيمة لدم الإنسان أبدًا.[1] فهو فوق أن يقوّم. فلا يمكن تقويم الحياة، وهذا المعنى موجود في لفظ الدية. بمعنى أن هذا الدم الذي لا يمكن تقويمه، تأتون أنتم في اللغة الفارسية وتسمّونه «خون بها»[2]، بمعنى أنكم تحوّلون الدم إلى مفهوم اقتصادي؛ بمعنى أن ذهنك إذا كان معلّقًا بما وراء ذلك التفكير القيَمي، فسوف ينعكس ذلك في كلماتك أيضًا. وبطبيعة الحال فإننا في فلسفة القانون لا ندخل في بحث هذه الأبعاد والمستويات. وأذكر لكم مثالًا آخر في هذا الشأن، وهو أن المرأة التي تحمل جنينًا في بطنها، تسمّى في اللغة العربية: «حبلى» أو «حامل»، ويقال لها في اللغة الفارسية «باردار»، ولهاتين الكلمتين «حامل» و«باردار» في كلتا اللغتين مفهوم سلبي؛ بمعنى أن المرأة في هذا اللفظ تتحمّل شيئًا أو تتكلّف بحمله. ولكننا لو انتقلنا إلى اللغة الكردية فسوف نجد التعبير عن هذا المعنى بشكل مختلف؛ إذ تسمى المرأة الحُبلى عندهم «دوجانه»؛ وتعني هذه الكلمة حرفيًا: «ذات روحين» روحها وروح جنينها. فكم هو مختلف الثقل القيَمي بين هذه الكلمات في شتّى اللغات. وعليه فإننا عندما نتحدّث عن النماذج\البرادايمات، نعني بذلك طبقات داخلية دقيقة لا نلتفت إليها، إن ذلك النوع من كلامنا وشعورنا واستدلالنا تابع لأمور قد تبلورت ضمن أبنية حضارية، ثم جاء علم الفلسفة ليضع تلك الأبنية موردًا للنقد والنقاش. إن من بين مهام الفلسفة أنها تجعل من هذه الحيثية الحضارية للبشر في التفكير موضوعًا فكريًا؛ بمعنى: كيف يفكّر البشر؟ لنجد أن المنظومة الفلسفية قد جاءت لتضع حدودًا لنوعية التفكير البشري على أساس من تلك الأبنية الذهنية وتجاربنا التاريخية. من قبيل قولنا: «النموذج التجريبي» على سبيل المثال، فما الذي يعنيه ذلك؟ يعني أن المعرفة الحاصلة إنما تنشأ من التجربة وعندما نتحدث عن النزعة التجريبية، يقول الشخص الذي يؤمن بالتجربة: أنا لا أقبل بالتحليل العقلي، وإنما الشيء إذا أحسست به فسوف أجعل منه موضوعًا للعلم والفكر، وعلى أي حال، إن الإنسان بالنظر إلى أساليب تفكيره، قد وضع تفكيره وصبّه في حقل التفكير، وعمد إلى وضع المنظومات النموذجية والفلسفية في إطار التحليل والنقد، وحدث هناك تبويب، وحصلنا على النزعة التجريبية، وعلى العقلانية الكانطية، والآراء الانتقادية، وعليه فقد تحقّقت النماذج في حقل التفلسف والتفكير، وعندما تقوم بطرح وبيان تلك النماذج فإنك تذهب وتقف عند النموذج وتبدأ بطرح الأسئلة.

في مورد القانون كيف نفكّر في هذه النماذج والبرادايمات؟ من ذلك ـ على سبيل المثال ـ النموذج التجريبي يقول إن الحقوق والقوانين لا يمكن أن تكون عقلانية، فالحقوق والقوانين بدورها يجب أن تخضع للتجربة أيضًا، وعليه نتساءل ونقول لفيلسوف القانون التجريبي، كيف تخضع القوانين للتجربة؟ فيقول: أولًا لا تطلقوا علي وصف الفيلسوف؛ لأن عنوان الفيلسوف إنما يُطلق على الناشط في المسائل العقلائية، وإنما قولوا: أيها المفكر أو يا صاحب الرأي في الحقوق، ثانيًا إن القوانين ـ وأنا أقبل بهذه القاعدة الاجتماعية أيضًا ـ عبارة عن قاعدة اجتماعية، فهي تعمل على ضمان العدل وتقيم النظم، فأسأله: ما هو العدل من وجهة نظرك؟ يقول: أما بشأن العدل فإني أرجع إلى منظومتي النموذجية، وحيث أنتمي إلى المذهب التجريبي، فإني أسأل نفسي: ما هو الشيء الذي يحرك الإنسان ويعمل على توجيه أفعاله وتصرّفاته من داخله؟ يقول: هناك شيئان، وهما: اللذة والألم. ويقول: إني بلحاظ علم النفس تابع للذّة والألم. فأقول له: حسنًا، ما هو مفهوم اللذة والألم؟ يقول: إن اللذة والألم عبارة عن ذلك الأمر الوجداني والوجودي. ولا أستطيع بعد ذلك أن أعمل على تحليل ذلك، فإنه يحتاج إلى إدراك وجداني، وكل الذي أعرفه هو أنك تنجذب إلى اللذة، وتعمل على إبعاد الألم عن نفسك. أقول له: هل يمكن لك أن تجعل هذا المفهوم قاعدة؟ يقول: أجل، يمكن لي أن أجعل ذلك قاعدة لك؛ لأن العالم مزيج من الآلام والملذّات، حيث تجتمع الحلاوة مع المرارة. نحن في مقام الفلسفة نفصل بين هذه الأمور، ولكنها لا تنفصل في مقام التحقّق. أقول له: ضع لذلك قاعدة. يقول: إن هؤلاء الناس يتبعون اللذة والألم، ولكنه في مقام تشخيص هذه الحقول يقدم لنا خليطًا من السعادة والشقاء، فلماذا يتحمّل هذا الشخص عناء السفر وأعباءه ويشدّ الرحال إلى شتى البلدان في طلب العلم، وإلى أين يريد أن يصل حتى يرضى لنفسه تكبّد المشاق؟ يقول: إن هذا الشخص قد عرّف اللذة والألم بالنسبة إليه في فضاء بعيد، وقد قارن بين لذّته العابرة بتلك اللذّات البعيدة، وسعى إلى تحصيل تلك اللّذات البعيدة. وعليه فإن البنية هي بنية اللذة، والمذهب هنا هو المذهب التجريبي. يقول: أنا أعمل على تقيويم هذا الأمر، وهو قابل للتقويم، وأبيّن لك أدوات هذا التقويم، فإن الميزان في ذلك عبارة عن شدّته وبعده وقربه. إن هذه الأمور كلها تعدّ من أدوات التقويم. وعليه يمكن تقويم هذه الأمور، ويقول: هناك بعض اللذات التي لا يمكن تقويمها. من قبيل: اللذّات الروحية والمعنوية. ويقول: حيث إني لا أستطيع تقويمها، فإني أتخلّى عن حساب تقويمها، يقول: إن حالة التقوى حسنة جدًا، وأنا أشعر بها ولكني لا أستطيع بيان مقدارها وحجمها وقيمتها. إن الشيء الذي يقبل التقويم يندرج في دائرة علمي.

فأقول له: حسنًا، فما الذي تقوله بالنسبة إلى حقل القوانين؟ يقول: هناك قاعدة قانونية في حقل الحقوق والقوانين، وهي كل ما يمكن له أن يحقق لي المنفعة الأكبر ويضمن لي السعادة الأكثر، بمعنى أن هناك قاعدة تقول إذا حصل عدد من الناس على منفعة، وتضرّر آخرون، وإذا تمّ تدارك ضرر المتضرّرين، نكون أمام وضع جيّد ومطلوب أيضًا. وبذلك تكون هذه قاعدة حقوقية. إذن نقول إن هذه حقوق تجريبية، ونقول إن الحقوق التجريبية تتحقق في الحقوق النفعية.

إن الحقوق في الولايات المتحدة الأمريكية وفي بريطانيا تقوم على أساس أصالة المنفعة. أتساءل، وأذكر لكم الأمثلة الجزئية على ذلك. أقول: لماذا يجب على الشخص أن ينجب الأولاد؟ يقول: أنا أقوم بحساب المنفعة. إن إنجاب الأولاد يعني أن الولد سوف يساعد والده ويكون عونًا له في الكبر. أو أنه يجلب لك السعادة والبهجة الداخلية، وأنه يوفر الحماية لك، وهذه منفعة، وبذلك فإنه يقوم بعملية حسابية، ويقول إن السعادة في هذا الأمر تستحق العناء والشقاء. نقول: ما هو حجم الشقاء في ذلك؟ يقول: أجريت عملية حسابية، ورأيت أن الولد من حين ولادته حتى يبلغ سن الثامنة عشر عامًا، يجب أن أنفق عليه ما مقداره 120 ألف دولار تقريبًا. فهل يستحق إنجاب طفل مثل هذا العناء؟ إنه يجري عملية حسابية، ليرى ما إذا كان الأمر ينطوي على ربح ومنفعة أم لا. بمعنى أنه يدخل جميع تساؤلاتك في جهاز البرادايم التجريبي.

ثم إذا لم نكن من القائلين بمذهب المنفعة، فما الذي يتعيّن عليه فعله، تقول أنا شخص عقلاني. أقول: حسنًا، لتكن عقلانيًا، ولكن ما هو مرادك من العقلانية؟ يقول أنا عقلاني طبيعي. نقول: إذا أصبحت طبيعيًا كيف تعمل على تحليل الطبيعة؟ يقول: الإنسان: جسم نام حساس متحرّك بالإرادة، ناطق. يقول: أنا أحسب مقتضيات الجسم، وأحسب مقتضيات النامي، ولا شك في أن لهذه الأمور بعض المقتضيات، أذكر لك مثالًا على ذلك، كان الطبيعيون يعتقدون بأن السكون من مقتضيات الجسم، ولذلك لو قذفنا بشيء إلى الأعلى فإنه سوف ينزل إلى الأرض ويستقرّ عليها، وهذا هو مقتضى الجسم، ولم يكونوا في حينها يعلمون أن الأرض تحتوي على قوّة الجاذبية؛ ولذلك كانوا يعبّرون عن عودة الأشياء إلى الأرض بأنها من مقتضيات ذات الشيء. وإن التناسل والإنجاب يُعدّ من مقتضيات الحيوانية. نقول: ما الذي يقوم به العقل؟ يقول: إن الكائن الوحيد الذي يستطيع العمل على خلاف مقتضياته هو الإنسان. إن الحيوان يتصرّف على وفق مقتضياته. وبطبيعة الحال لست أعلم حاليًا ما إذا كانت جميع الحيوانات تعمل على طبق مقتضياتها أم لا، ولكن يقوم افتراضنا على أنها تعمل على طبق مقتضياتها؛ لأن الحيوان يتصرّف على طبق مقتضيات ذاته. إن الجسم تتحقق مقتضياته. يقول: إن الإنسان هو الذي يتصرّف على خلاف مقتضياته. يجب أن يبقى على قيد الحياة، ولكنه يلجأ إلى الانتحار. إن العقل يقول له: اعمل على طبق مقتضياتك. تبدأ قاعدته الحقوقية\القانونية. إن هذا هو ما يأمر به العقل. بماذا يأمر؟ إنه يأمر برعاية المقتضيات؟ يقول: حسنًا، إن هذا يدخل في حقل الأخلاق. لماذا أستطيع أن أعمل على إلزامك بشيء؟ يقول: إن بعض المقتضيات التي تريد أن تقوم بها بالنسبة لي، سوف تكون لي ردّة فعل تجاهك بإزائها. وأقوم بالدفاع عن نفسي. أنا أخذت مالًا. لماذا يدّعي أن هذا الشيء ملك لي؟ ويقول الآخر: بل هو ملك لي؟ يقول فقهاء الإسلام: من حاز ملك. ولكنه يقول: كلا. أنا أقوم بحساب نسبتك من الناحية العقلية. أقول: إن الله خلق العالم وجعله شراكة بين أفراد البشر، قال تعالى: {خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا}[3] هذا ما تقوله جميع الأديان التوحيدية تقريبًا. إن كل شخص له سلطة على نفسه، وكل من له سلطة على نفسه تكون له سلطة على عمله، وكل من يعمل على مزج عمله بالطبيعة يصبح مالكًا. على شرط أن يبقي شيئًا للآخرين، ولا يمارس التبذير والإسراف.

فأين حدث الإشكال؟ إن الإشكال إنما وقع عندما أخذ العلم يثير الشكوك حول هذه المقتضيات. وقال: إنك حيث كنت تظن أن السكون من مقتضيات الجسم، تبيّن أن هذا ما كانت تقوم به قوّة الجاذبية في الأرض، ولذلك ماجت المذاهب العقلية ببعضها، وأخذت تواجه الأفول؛ لأن هؤلاء كانوا يتصوّرون أنهم قاموا بفهم عقلي، ثم التفتوا إلى أن فهمهم العقلي لم يكن صائبًا. كان إيمانوئيل كانط يقول: هل قمتم بتحليل هذه الطبيعة؟ فإذا كنتم عقلانيين، فأنا بدوري عقلاني أيضًا، بيد أني أعمل على تحليل المعرفة. إن جميع هذه الأمور من مقتضيات إرادة الإنسان. أنا أقوم بتحليل الإرادة. إن إرادتي هي التي تعمل على تصنيف العالم. أقول: حسنًا، فما هي خصوصية تلك الإرادة؟ يقول: إن تلك الإرادة هي الإرادة الحرّة؛ ولذلك فإنه يستخرج الحرية من الإرادة، ويستخرج العقد من الإرادة، يقول أنا شخص أمتلك إرادة مختارة. إرادة مطلق. ولكننا من أجل تنظيم علاقاتنا الاجتماعية نتعامل مع الآخر، ولذلك نعمل على إبرام العقود. نبرم العقد على النفس ولكني لا أصبح مالكًا للأنا، وذلك هو حد الزواج، إن تلك الغاية التي أريد الوصول إليه تصبح تجسيدًا لهذا الشيء؛ ولذلك لم يكن إيمانوئيل كانط يسمح بتعدّد الزوجات. لماذا؟ يقول لأنك قد امتلكت جميع الممتلكات الجسمانية للطرف الآخر، ولم يعد لدى هذا الطرف شيء لكي يعطيه إلى الغير.

إذن نحن أمام عدد من النماذج، وحيث نواجه مجموعة من النماذج، فإننا نعمل على طرح أسئلة الحقوق في بوتقة النموذج، فنطرح أسئلتنا في حقل التجريبية، أقول لك: أنت شخص تجريبي عقلاني وتمتلك معرفة حقوقية، نقول اسمح لنا بأن نقول لك شيئًا آخر. إن الحقوق تختلف عن جميع هذه الأمور. أقول: ما هو اختلافها؟ يقول: إن اختلاف ذلك يكمن في أن القوانين في الأساس لا يمكن تقويمها بواسطة هذه المنظومة أو أن تفهمها. إن القوانين هي أمر الحاكم، لماذا يقول إنها أمر الحاكم؟ يقول: إن القوانين لا تقبل التحليل العقلي، إن الأمر الذي يتم تطبيقه هو الذي يتحوّل إلى قانون، وهذا ليس تجريبيًا وإن كان «قانونًا وضعيًا». هناك من يتصوّر أن هؤلاء الوضعيين هم من التجريبيين. إنهم ليسوا تجريبيين، إن ذلك الشخص التجريبي إنما كان من القائلين بمذهب المنفعة، بينما هذا الوضعي يقول: إن موضوع عمل القانون عبارة عن القاعدة المتحققة، ما هي القاعدة المتحققة؟ يقول إنها عبارة عن أمر الحاكم. ومن هذه الناحية، حيث يكون أمر الحاكم متحقّقًا بوصفه القانون لا يكون هذا الأمر تجريبيًا. إن تحقّق أمر الحاكم هي القوانين. إن القوانين التي تأمرني وتأمرك في الواقع إنما تقوم بذلك لأنها أمر الحاكم. أقول: ماذا يعني أمر الحاكم. يقول: إنه أهم عنصر من عناصر قانون الإلزام، وهذا الإلزام يعود إلى سلطة الحاكم. إن الإلزام أمر سياسي وليس أمرًا حقوقيًا -قانونيًا. والعقلانيون كانوا يرومون استنباط الإلزام من صلب القاعدة من الناحية العقلية، بيد أن الوضعيين قالوا إن هذا الأمر غير ممكن أصلًا. إن الإلزام أمر خارجي يتمّ فرضه على الحقوق. وهنا يتبلور سؤال. كيف لنا أن نعمل على تشخيص الواقع؟ فإن هذا الحاكم يصدر الكثير من الأوامر، وهذا يؤدي إلى الاستبداد. وأنه كيف يأمر، وما هي الأوامر التي تعدّ من جملة القوانين، هذا هو الذي يتحوّل إلى موضوع للقانون. إذن فالوضعي لا يعني التجريبي. لو وضعنا جميع تلك المدارس جانبًا، فإنها كانت بأجمعها تذهب إلى الاعتقاد بأن الحقوق والقوانين يمكن العمل على تحليلها تجريبيًا وفلسفيًا. وذهب الوضعيون في مواجهة جميع هؤلاء إلى القول بأنه لا يمكن القيام بمثل هذا الأمر، فللحقوق والقوانين خصوصية داخلية، وخصوصيتها عبارة عن الإلزام، إن الإلزام لا ينشأ من صلب القاعدة، فالذي يتم تطبيقه في الخارج على أرض الواقع هو الذي يصبح من القانون.

الاستغراب: شكرًا لكم الدكتور حكمت نيا.
الدكتور عصام إسماعيل، هل يمكن تصور حق سابق عن كل تشريع قانوني؟ وما هو المستند النظري لهذه الحقوق لو قلنا بوجودها في مرتبة سابقة؟ وما علاقة التشريعات القانونية بها؟
الدكتور عصام إسماعيل: إن كلمة «حق» على سعة انتشارها واستعمالها هي غامضة غير واضحة المعالم، وهذا ما جعل الفكر يتشعَّب ويختلف حول مدلول هذه الكلمة التي تبدو واضحة لكثرة الاستعمال، بينما يكاد يكون تحديد ماهيتها مستحيلًا، كتحديد ماهية الإنسان. ويُستعمل لفظ «الحق» بمعنى عام شامل ويقصد به كل ما يثبت للشخص من ميزات أو إمكانات أو سلطات، سواء أكان الثابت ماليًا أم غير مالي، والحق بهذا المعنى هو ما يستحقه الإنسان، ويثبت له على سبيل التخصيص والاستئثار.

في لغة الشرع، الحق هو الثابت الذي لا يسوغ إنكاره، ويطلق للتعبير عن كلِّ ما هو ثابت بحكم الشارع وإقراره لعينٍ من الأعيان أم لشخصٍ من الأشخاص، ويكون للشخص بمقتضى الشرع سلطة المطالبة به أو التنازل عنه أو منع تعدي الغير عليه، فالحق علاقة شرعية بين صاحبه والشيء محل الحق، وهذه العلاقة الاختصاصية لازمة لصاحب الحق على سبيل الوجوب. يعدُّ الاختصاص جوهر كل حقٍ، فلا وجود له إلّا بوجوب الاختصاص الذي هو عبارة عن العلاقة التي تقوم بين الشخص والحق، بحيث يكون لهذا الشخص وحده الاستئثار بالسلطات والإمكانات والصلاحيات الثابتة في هذه العلاقة لصاحبه.

بحيث يرتكز الحق على عنصرين:
الاستئثار المشروع، أي اختصاص شخص بشيء معين واستقلاله وتفرّده به بموجب حكم القانون.
التسلط الإرادي: ويعني ممارسة صاحب الحق لإرادته فى التمكّن من الشيء أو القيمة محل الحق عن طريق التسلّط على مادّته. بمعنى آخر ممارسة الشخص لسلطته في التصرف والانتفاع بالشيء محل الحق بكل حرية.

ولا يفترض وجود الحق إلّا حيث يعيش الناس في مجتمعٍ منظمٍ، أي مجتمع يسوده القانون؛ لأن الواجب هو عصب الحياة كلها، فهو الالتزام بالقيم والأحكام وتجسيد السلوك المؤدّي لتحقيق الغايات الأخلاقية التي أقرَّتها الجماعة البشرية، والدافع الباطن إلى تنفيذ ما يقضي به القانون والأخلاق. فالواجب كلمة سامية عظيمة في حياة الفرد والمجتمع والأمة، بحيث يقابل الواجب الحق ويتعادل معه من أجل سعادة الفرد والمجتمع في الحياة الإنسانية . فكل ما هو حق لفرد هو واجب على آخر، فحق الأفراد هو واجب على السلطة وحق الوالد واجب على الولد وحق الزوجة واجب على الزوج، وبالعكس حق المجتمع أو السلطة هو واجب على الأفراد..الخ. فلا يستقيم مجتمعٍ، أيُّ مجتمع ما لم يندفع الفرد لتأدية واجباته بنفس الاندفاعة للمطالبة بحقوقه.

وبهذا المعنى نسنتج أن الحقوق في المبدأ هي سابقة على القانون، بحيث يأتي التشريع لتنظيم هذه الحقوق حماية للمجتمع واستقرار علاقات أفراده، فالقانون هو منظّم للحقوق والواجبات شرط أن لا يؤدي هذا التنظيم إلى التسلّط على الحقوق أو الحرمان منها بصورة تعسّفية جائرة أو دون تعويض.
الاستغراب: جناب الدكتور محمود حكمت نيا، ما جوابكم على هذا السؤال؟ أقصد العلاقة بين الحق والقانون، وأسبقية الحقوق على القوانين وما يرتبط بهذا الموضوع؟

الجواب: لاحظوا، إن الحق هو في حدّ ذاته يعدّ موضوعًا خاصًا في النظام الحقوقي. بمعنى أننا في النظام الحقوقي إنما نتحاور بشأن القواعد القانونية، والقواعد تعني القواعد الملزمة والمنظّمة للعلاقات الاجتماعية التي تحتوي على ضمانة تنفيذية. وسؤالنا هنا هو كالآتي: كيف نعمل على تبويب محتوى القواعد؟ إن واحدًا من هذه التبويبات أننا في الواقع إذا أردنا ملاحظة نسبة الفرد إلى الفرد، ونسبة الفرد إلى الدولة، فإننا نواجه هنا سلسلة من الامتيازات والحريات، حيث يجب العمل أولًا على الاعتراف بهذه الامتيازات والحريات، لنعمل بعد ذلك على تنظيم نسبة الآخرين إلى هذه الأمور. ونطلق على هذه الامتيازات والحريات عنوان الحق بحسب المصطلح. وعليه يجب في الحقيقة والواقع تشخيص المفتاح الذي يعمل على تنظيم العلاقات الاجتماعية والذي يعمل على تحديد النسبة بيني وبينك، والنسبة بيني وبين الدولة. علينا أن نرى ما إذا كان الشيء الذي أمتلكه بوصفي إنسانًا بما هو امتياز أو حرية، هو التحليل الذي يمكن لي أن أقدمه عن ذلك أم لا؟ وثانيًا: هل كل هذه الأمور التي نتحدّث عنها هي من سنخ الامتيازات والحريات أم لا؟ توجد هنا بعض القيَم التي يتمّ إلزام الأفراد برعايتها؟ هذا هو السؤال الثاني. والسؤال الثالث: إذا كان لدينا حقوق، فهل تقوم الحقوق الأساسية لتنظيم العلاقات الاجتماعية على أساس مجرّد التوافق الذي يقوم بيننا في حقل الحقوق أم لا؟ أو إنما يمكن لصاحب منصب ومقام أعلى مثل الشارع، أن يعمل على بيان منظومة الحقوق والمسؤوليات، وليس التكليف في قبال الحق، وإنما المسؤولية، من قبيل المسؤولية تجاه البيئة، والمسؤولية تجاه شؤون الأسرة، والمسؤولية تجاه القيَم الأخلاقية. إذن لديك حقل المسؤوليات ولديك حقل الحقوق. وهذا هو السؤال: هل حقل الحقوق وحده هو الذي يدخل ضمن نظام الحقوق، أم المسؤوليات بدورها تدخل ضمن النظام الحقوقي أيضًا؟ هذا سؤال جاد نضعه برسم الحقوق. إن بعض الأنظمة الحقوقية تجيب عن هذا السؤال أولًا، ولا شأن لنا بحقل المسؤوليات، بمعنى أن كل ما هو موجود إنما يتم تبويبه في دائرة الحقوق، ولكن الاتجاه السائد حاليًا هو أن الأشخاص بالإضافة إلى الحقوق، لديهم بعض المسؤوليات أيضًا. أذكر لكم مثالًا بسيطًا كي يكون بمقدوري إيضاح المسألة بشكل جيد. نحن نأخذ حق الحياة بنظر الاعتبار، فللإنسان الحق في الحياة قبل أيّ قانون آخر. إن مقتضى هذا الحق في الحياة ـ وافترض أني من القائلين بالفردانية ـ هو أن أكون أنا وأنت متساويين، إذن تكون حياتي متساوية مع حياتك. فما هي القاعدة في ذلك؟ إذن يوجد حقّان مستقلّان عن بعضهما، وكلاهما متساويان. يجب عليك أن تحترم حقي، ويجب عليّ أن أحترم حقك، ولا يوجد أيّ شكّ في ذلك؛ بمعنى أنه يجب عليك أن لا تعتدي على حقوقي، ويجب عليّ بدوري أنا أن لا أعتدي عليك، وليس هناك بحث هنا أيضًا. والسؤال الذي يقبل به الجميع، هو أنك لو تعرّضت إلى الخطر من جهة أمر طبيعي، فهل هناك مسؤولية تقع على عاتقي من الناحية الحقوقية تلزمني بأن أعمل على إنقاذك أم لا؟ أنا لا أعتدي عليك، ولكنك تتعرّض إلى الخطر بحيث إذا لم أقدّم لك يد المساعدة فسوف تموت. فأنا في هذا المورد لا أقوم بقتلك، وإنما أنت تموت من تلقائك وحتف أنفك، ولكن يمكن لي أن أقوم بمساعدتك وتنجو من الموت. تقول الأخلاق: أحسن إليه وساعده. ولكن ماذا بشأن الحقوق؟ وعليه فإن السؤال يقول: هل هناك مسؤولية حقوقية تقع على عاتقنا؟

نعم هناك مسؤولية تقع على عاتقنا من الناحية الأخلاقية، ولكن هل هناك مسؤولية تقع على عاتقنا من الناحية الحقوقية؟ هل هناك مثل هذا القانون من الناحية القانونية؟ إذا كان هناك وجود لمثل هذا القانون، فبأيّ معنى يكون ذلك؟ هناك اختلاف في الولايات المتحدة الأمريكية في هذا الشأن. هل تلاحظون أن كل رئيس في الولايات المتحدة الأمريكية يصل إلى البيت الأبيض يكون الأمر الأول المطلوب منه هو ملاحظة مسألة الضمان الاجتماعي. بين باراك أوباما ودونالد ترامب. جاء أوباما وطرح مشروع أوباما كير للضمان الاجتماعي وبناء منظومة الخدمات الاجتماعية والصحية العامة. وعندما جاء أوباما أطلق ثلاثة شعارات، وهي: الحرية[4]، والعمل[5]، وهذان الشعاران يُعدّان جزءًا من الفلسفة الحضارية للولايات المتحدة الأمريكية. وأما الشعار الثالث فهو عبارة عن: حافظ على أخيك وأختك[6]. فقال له الجناح الجمهوري: من أين أتيت بهذا التكليف؟ نعم يتعيّن عليّ أن لا ألحق ضررًا بأخي وأختي، ولكن هل يجب عليّ أن أحميهما من الناحية الحقوقية؟ إذا كان يجب عليّ أن أحميهما من الناحية الحقوقية، إذن يجب على الدولة أن تدفع تكاليف الضمان لي بإزاء هذا الواجب على نحو الإجبار. يقول الجمهوريون: كلا، لا يوجد مثل هذا التكليف، ومن الملفت أن أحد الأدلة التي يقيمونها على ذلك عبارة عن أدلة دينية.

وعليه فإن الأنظمة الحقوقية تختلف فيما بينها بين تلك التي تقوم على الحق حصرًا وصرفًا فقط، والتي توجد فيها هناك بالإضافة إلى ذلك الحق أيضًا.
القانون في الأنظمة العقلية وفي النماذج العقلية هو الذي يعمل على تنظيم الحقوق، وعليه يكون الحق هو المتقدّم. وأما في الأنظمة الوضعية يكون القانون موجدًا للحق، وعليه يكون الحق بعد القانون؛ ولذلك فإن سؤالك يعود إلى نموذج محدد. إن كنت من القائلين بالآراء الفلسفية، فسوف يكون الحق عندك متقدمًا على القانون.

المحور الثالث: فلسفة القانون والدين
الاستغراب: الشكر الجزيل لكم دكتور حكمت نيا،
الدكتور عصام اسماعيل، هل يمكن إقامة نظام للحقوق بناء على كونه أساسًا للتقنين من دون الاعتقاد بمبدأ غيبي ميتافيزيقي برأيكم؟ وما العلاقة بين القانون والأخلاق برأيكم؟
الدكتور عصام إسماعيل: الحقوق كما سبق وذكرنا هي ثوابت منها ما يرتدّ إلى القانون الطبيعي وجرى تكريس معظمها في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ومنها ما يستند إلى تقاليد وأعراف متلائمة مع أوضاع المجتمع وأصبحت ملزمة بمعزلٍ عن أي منظومة تشريعية أو تنظيمية.

ولهذا فالحقوق ترتبط بالعلاقات المجتمعية ويتحقّق وجودها بمعزلٍ عن أي قانون، حيث يقتصر دور المشرّع كما ذكرنا على ضبط هذه الحقوق بما يحفظ استقرار المجتمع، وبهذا المعنى فإن المشرّع بالمعنى الفلسفي يقرّ الحقوق التي نشأت لأصحابها بناء لمطالبات أصحاب الحقوق للاعتراف بحقوقهم وقوننتها أو لطلب الإدارة التي تريد تنظيم هذه الحقوق، وكمثال تنظيم حقوق استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، فالحق بالاستعمال والاستثمار متاح لكلّ شخص، طالما لم يصدر قانون ينظّم استخدام هذه الوسائل، فالقانون ليس الجهة التي أنشأها، إنما كان دوره مقتصرها في فرض الواجبات على الاستعمال بما ينظّم العلاقات بين الأفراد ويحقّق متابعة الإدارة لأعمال الناشطين على هذه الوسائل.
علمًا أن الحقوق التي تثبت للأشخاص لا يحقّ حتى للمشرّع حرمانهم منها[7]، فاحترام الحقوق الأساسية للإنسان بما فيها الحقوق الاجتماعية والاقتصادية هو التزام على عاتق المشترع؛ ولهذا فرض المجلس الدستوري على مجلس النواب أن لا يلغي قانونًا ناظمًا لحقٍ من الحقوق إلا بإقرار قانون أكثر ملاءمة للمعنيين به.

إن فلسفة القانون هي مرتبطة بعنواني الفلسفة والقانون أيضًا، وهما متغيّران غير ثابتين، فالفلسفة لا تخلق وهمًا وإنما أيضًا تبحث عن حلول لهذا المجتمع بما يتلاءم مع المقدمات التي يمكن الارتكاز إليها في خلف القاعدة، وكذلك القانون فهو ابن بيئته ويأتي متوافقًا معها، ولذلك فإن من ثوابت علم القانون أن القانون حتى الدستوري منه لا يأتي فرضًا ولا ينقل حرفيًا من قوانين خارجية؛ إذ تجب مراعاة الأوضاع المجتمعية التي سيطبّق فيها هذا القانون، وإلا تحوّل عبئًا على المجتمع.
فالأخلاق بهذا المعنى ليست أكثر من عنصر من عناصر تكوين القاعدة القانونية السليمة، فإذا ما تمّ إقرار قاعدة قانونية مجافية للأخلاق، فإن ذلك لا يؤدي إلى بطلان هذه القاعدة، إنما يساهم هذا الأمر في اختلال القواعد الأخلاقية في المجتمع.

وأخيرًا، بالنسبة للقانون والدين، إن القواعد الدينية هي فعليًا قانون، وإذا كان مع الوقت قد جرى الفصل بين القاعدة الدينية والقاعدة القانونية، وترك بعض رجال الدين مهام التشريع للفقه المدني، فإن مردّ ذلك ليس بسبب ضعف القاعدة الدينية أو عدم قدرتها على تنظيم أمور المجتمع، وإنما بسبب الفصل بين المفهومين، وبهذا المعنى ليس ثمّة ما يمنع بأن تعود المنظومة الدينية بلباس القاعدة المدنية المطبّقة، وهو أمر معتمد في العديد من الدول دون أن تثار أي إشكالية حول هذه المسألة.
الاستغراب: شكرًا جزيلًا جناب الأستاذ عصام إسماعيل، أخيرًا أحب أن أختم بهذا السؤال – أي العلاقة بين القانون والأخلاق - مع الدكتور محمود حكمت نيا

الدكتور محمود حكمت نيا: الجواب: نحن نعود إلى القاعدة القانونية ذاتها، وهي أن الإنسان يعمل في حياته على تطبيق بعض القواعد، وهي قواعد تقوم أنت في بعض الموارد باحترامها والالتزام بها، وتارة أخرى يجبرك الآخرون على الالتزام بها. وحيث تلتزم بها وتحترمها بنفسك فإنها لا تكون من القانون، وإنما قد التزمت بها من تلقائك. والتزامك بها يعود تارة إلى ما تشتمل عليه من القيَم السامية، وتارة أخرى تلتزم بها بسبب العادة والتكرار، أو جريًا مع العُرف السائد في المجتمع. وفي حقل الأخلاق يتمّ طرح هذا السؤال القائل: ما هي الحدود بين الإلزام والالتزام؟ بمعنى متى يكون الأمر من قبيل الإلزام ومتى يكون الأمر من قبيل الالتزام؟ وهناك سؤال أهم. في الكثير من الأنظمة الحقوقية يُقال: إن القاعدة القانونية إنما يتمّ التأسيس لها لغرض إقامة العدل والنظم، دون التسامي والتكامل. وعليه هل يمكن للقانون أن يُلزم الناس بمفاد يراد منه أن يعمل على تعالي النفس وتكاملها؟ إذن هناك بحثان في البين. أين تكمن حدود الأخلاق والحقوق عندكم؟ وهذا السؤال ليس مهمًا جدًا، ولست هنا بصدد الإجابة عنه أصلًا. وإنما البحث يدور حول السائل القائل: هل يمكن للحقوق أن تأمر بقاعدة أخلاقية؟ أذكر لكم مثالًا. إن من بين القواعد الأخلاقية أن لا تكذب. إن الكذب يكون ضارًّا في بعض الأحيان، وحيث يدخل في بحث الضرر والإخلال في النظم وننتهي بعد ذلك إلى بحث العدل والظلم. يقال: إن الكذب الضارّ ممنوع. وهنا نطرق البحث من الزاوية الحقوقية، من الشهادة والكذب والتدليس وما إلى ذلك.

إن هذا الأمر يحتاج إلى وضع بعض السياسات، وهل تلعب الحقوق دورًا في تكامل وتعالي الأرضيات الاجتماعية وتضمن سلامتها؟ هذا سؤال لا يمكن الجواب عنه بسهولة. وعليه لدينا التزام في حقل الأخلاق. إذا كان هذا الالتزام يؤدّي إلى ضرر، يتدخّل القانون، وإن لم يؤدّ إلى ضرر يجب أن نعمل على بحث دور القانون في هذا الشأن. إن جواب هذا الموضوع يعود إلى البحث بين نسبة الحقوق والأخلاق، وهل يجب على الحقوق أن تدافع عن المعايير الاجتماعية دون أن يكون فيها ضرر وإيذاء؟ إن الجواب عن هذا السؤال في غاية الصعوبة والتعقيد، وما إذا كان يجب ترك هذا المستوى من التدخل على عاتق الحقوق أم لا. ولذلك نقول أين يكمن الفصل والتفكيك بين الحقوق والأخلاق؟ وأين تكمن النسبة بين الحقوق والأخلاق؟ إن النسبة تكمن حيث لا يؤدّي عدم رعاية القاعدة الأخلاقية إلى حدوث ضرر، بل يؤدّي إلى التكامل والتعالي. هل يتعيّن على الحقوق أن تتدخّل في هذا المورد أم لا؟ يذهب الكثير من الوضعيين إلى الاعتقاد بأن الحقوق لا ينبغي أن تتدخل في هذا المورد. نسأل: لماذا؟ أليست الأخلاق مهمة؟ يقول: بل لأن الأخلاق في غاية الأهمية. إن الدولة إذا أرادت أن تفرض قيَمها المتعالية بالقوّة، فإن هذا الأمر سوف يكون بالغ التعقيد من الناحية الأخلاقية. وعليه يجب أن ننتهي من ذلك، إن هذا النظام يعاني من نقص؛ ولذلك فإن حقل بحث المسؤولية الأخلاقية وذات مسؤولية المعايير الأخلاقية والشعور بالأخلاق تجاه المسائل الأخلاقية بحث مستقل. يقول: إن هذا لا يعود من مهام الحقوق. وبعبارة أخرى: إن الحقوق تعمل على تضييق ظرفها، ولكنها توسع من قدرتها، ولكن لو عملت على إدخال الأخلاق في البين فسوف يتّسع الظرف، ولكن ليس من الواضح ما إذا كانت ستحقّق في هذا الشأن نجاحًا على الصعيد العملي أم لا. ولذلك فإن النسبة بين الأخلاق والحقوق إنما ترد من أجل العثور على جواب عن بعض أسئلة النظام الحقوقي، وما الذي يتعيّن على النظام الحقوقي أن يفعله هنا. يتمّ هنا طرح النسبة بين الحقوق والأخلاق، وإلا لو لم يكن هذا السؤال مطروحًا، لكان البحث في هذا الشأن زائدًا أصلًا.

الاستغراب: هل برأيكم يمكن إقامة فلسفة قانون «في فضاء إسلامي» وماذا سيكون معناها؟
الدكتور محمود حكمت نيا: عندما نواجه المعرفة الإسلامية، يجب علينا أن نفصل بين مستويين من المعرفة. إن لدينا قواعد في الحقوق الإسلامية تكون هي النظام الحقوقي الذي تمّ إدراجه في الفقه، ولدينا رؤية فلسفية دينية، ولهذه الرؤية الدينية الكونية عدّة عناصر؛ العنصر الأول: وجود الله سبحانه وتعالى ضمن هذه المنظومة. لقد أشكل شتراوس على هوبز في كتاب الحقوق الطبيعية، حيث عمد شتراوس إلى نقد الحقوق الطبيعية لهوبز، فقال: ليس وجود الله وحده فقط، بل حتى توهّم وجود الله هو الآخر يعمل على تقويض منظومة هوبز. إن هذه المنظومة قد تمّ التأسيس لها بمعزل عن الله. ولكن لو كان الله جزءًا من هذه المنظومة، فسوف يتمّ طرح أسئلة أخرى. هذه النسبة بين الناس والنسبة إلى الطبيعة، هل الطبيعة هادفة؟

يقول بعض العلماء من أمثال السيد الشهيد محمد باقر الصدر: إن هذه المنظومة بغض النظر عن الأدبيات التشريعية منظومة ذات ضلعين؛ إذ لها ضلع عرضي يتمثّل بنا نحن البشر، وضلع طولي يتمثل بوجود الله سبحانه وتعالى. ولا نعني بذلك الله بما هو شارع، وإنما بما هو جزء من المنظومة النموذجية. إن الله هنا هو الله الخالق والمدبّر. كيف يمكن تقسيم هذه النسبة معه، وهكذا ترون أن الإمام زين العابدين، في رسالة الحقوق يتحدّث عن هذا النموذج ذي الضلعين؛ إذن لدينا مستوى نموذجي في الحقل التوحيدي، ولا يقتصر ذلك على الإسلام فقط، بمعنى أنه لو أثبتنا وجود الله فما هو التحليل الذي سوف تقدّمونه للإنسان والحقوق، هكذا سوف يكون الأمر في المسيحية أيضًا؛ فإن المسيحية بدورها تقول إن الإنسان هبة إلهية. وهذه الهبة الإلهية مسؤولة عن الحفاظ على ذاتها؛ لأن ذاتها ليست ملكًا لها. إن الخالق الحكيم قد خلق الإنسان وأودع فيه بعض القوى وأعطاه بعض القابليات والإمكانات. قال للإنسان: أنت كائن من أشرف الكائنات، ويمكنك التصرّف في هذه القوى والإمكانات التي أودعتها فيك. وعليه لدينا هناك مثل هذا المستوى، وعندما يرد وجود الله في منظومة الوجود وفي هندسة الوجود، فسوف يختلف نمط تفكيركم.
في المنظومة الطبيعية نجد أولئك الذين يتمحورون حول محور الإلهيات ويكون وجود الله جزءًا من منظومتهم، بيد أن فهم القواعد إنما يكون بواسطة العقل؛ ولذلك يُسمّى هذا النظام الحاكم على الطبيعة وعلينا بالنظام الأحسن الذي خلقه الله سبحانه وتعالى. وعليه فإني أستنبط هذا النظم الأحسن لله عزّ وجل من هذه القاعدة. وهذا عقليٌّ وهناك مرتبة بعد هذه العقلانية. لقد ذكر الله تعالى مفاهيم معرفية للإنسان، بمعنى أنه قد وسّع من المعرفة من طريق الوحي، هناك توسعة في المعرفة، وقال للإنسان هناك قيامة تنتظرك وسوف تُسأل هناك ويتمّ استجوابك. ولا شك في أن هذا توسيع في دائرة الوجود.

ثمّة مَن يقول إن رسالة الحقوق للإمام زين العابدين، رسالة أخلاقية، ولكني أقول إنها رسالة حقوقية، فهي تذكر حق العين وحق اليد وما إلى ذلك من الحقوق الأخرى. وليس هناك مفهوم لهذه الحقوق في عالم الحقوق المادية أو الفردية. ولكن لو حصلت هذه التوسعة المعرفية للشخص، يكون لدينا متّسع للجواب. ولهذا الظرف الواسع جواب من قبل الحاكم، والحاكم هو الله سبحانه وتعالى. أجل، هناك تكاليف على عاتقنا، وقد لا نسمّي هذه الأمور أخلاقًا أو حقوقًا، ولكنها تكاليف وأحكام إلهية؛ حق العين، وحق الأذن... ليس هناك منظومة تجيب عن ذلك، لا الأنظمة الأخلاقية ولا الأنظمة الحقوقية! لماذا؟ لأنها تقوم على فرضيتين؛ إن العالم المتّسع له حاكم سوف يحاكمك، وسوف يتّسع. هذا سؤال. وعليه فما هي مسؤولية الحاكم السياسي تجاه هذه السعادة الأخروية؟ هذا سؤال خاص بالبلدان الإسلامية، وليس من السهل الجواب عنه، أجل، إذن هناك بحث مسألة الوظيفة تجاه الأضرار، ووظيفة تجاه القيَم الأخلاقية. هناك وظيفة في قبال ما إذا مسؤولًا تجاه سعادتك الأخروية من الناحية الأخلاقية الإلهية، قد أقول إني مسؤول عن تقديم المساعدة لك من هذه الناحية، ولكن هل أكون مسؤولًا من الناحية الحقوقية أيضًا؟ لا يمكن الجواب عن هذا السؤال بسهولة. إن هذا السؤال خاصّ بنا. وبذلك تدقّقون أن المرحلة الثالثة عبارة عن أن الوحي يعمل على توسيع منظومة المعرفة، ومصادر المعرفة، وعالم المعرفة. في المرحلة اللاحقة نجد أن هذا الشارع لديه أوامر وتعاليم بالنسبة إلى الإنسان أيضًا. وهنا يُطرح سؤال، أين يكمن حقل الأوامر في هذا الشأن؟ هل يأمر بكل شيء؟ ما هو نموذج فهم أوامره؟ يمكن القول إن هذا يكون من فلسفة الشريعة.

إذن عندما نكون ضمن الأدبيات التوحيدية، أمتلك ثلاث مراتب من البحث، العنصر الأول: يكون الله من الناحية الفلسفية في هندسة الوجود، ولكن الله لا يقدّم بيانًا. ثانيًا: إن لله بيانًا وحيانيًا في هندسة الوجود ويقدّم توسعة معرفية. وإن هذه التوسعة المعرفية يقوم العقل بحسابها وفهمها، والمرتبة الثالثة: إن الله في هندسة الوجود يعمل على توسيع معرفة قواعد التشريع، إن الفقه يقوم هنا بعمله، إن أسئلته من هذا القبيل: أين يكمن حقل هذه القواعد؟ وما هو مقدار الحقوق فيها، وما هو مقدار غير الحقوق؟ وما هي نسبة علم المنهج فيها؟ وكيف يمكن الفصل والتفكيك بينها؟ وما هي المصالح والمنافع فيها؟ وفي ضوء أيّ منطق قيل لنا ذلك؟ وهل من الأفضل أن نعلم بفلسفة الأحكام وفلسفة القواعد أو من الأفضل أن لا نعلم بها؟ هذه أبحاث يجب أن نعمل على بيانها في الفلسفة الإسلامية.

كلمة نهائية لإدارة التحرير
الاستغراب: في نهاية هذه الندوة وفي الكلمة الختامية، نودّ أن نشير إلى أمرين:

أولًا: ملخّص النقاط الواردة في الندوة
كان للتوسّع الاستعماري الغربي دور فاعل في نقل الأنظمة القانونية المعمولة عندهم إلى سائر البلاد التي كانت مستعمرة من قبلهم، وهذا ما نجده في بعض الأنظمة في شرق العالم، فالنظام القانوني الروماني / الجرماني أو القانون المدني أو قانون المدنيين (civil law)، يرجع إلى جذور أوروبية، ويُعرف هذا النظام عادة في ألمانيا وفرنسا، وقد بُني على أساس عقلي وفرداني، وتقدّم الحقوق الخاصة على الحقوق العامّة، وقد اتّسع هذا النظام بلحاظ الارتباطات العلمية ومن الناحية الاستعمارية أيضًا؛ وحيثما كان هناك حضور فاعل للفرنسيين والألمان، وكان لهم في الواقع حضور سياسي وعسكري، اتسع انتشار هذا النظام القانوني، مثل الكثير من البلدان العربية التي تأثّرت بهذا النظام، حيث كان لها في الواقع نوع من الارتباط مع فرنسا.

لا ينبغي الغفلة عن أن الفكر الإسلامي لديه القدرة بل يتحتم عليه تقديم فلسفة قانونية خاصة؛ وذلك لأن بعض أسئلة فلسفة القانون عام وبعضها خاص، والأسئلة الخاصة تنطلق من حاضنة فكرية خاصة، وبالتالي فالمعتقِد بالدين الإسلامي لا ينفعه الرجوع إلى غير المعتقِد به ليبني فلسفة القانون الخاصة به، وبعبارة أخرى توجد لدينا أسئلة تاريخية وحضارية، بمعنى أن بعض أسئلة فلسفة القانون أسئلة تتبلور ضمن حاضنة خاصة وفي ضوء مبان خاصة أيضًا، ولهذا السبب لدينا في بحث فلسفة القانون أسئلة عامّة، من ذلك ـ مثلًا ـ ما هي القاعدة القانونية؟ وما هي نسبة القانون والقواعد الأخلاقية، هذه أسئلة عامّة. وهناك أسئلة خاصة بالأنظمة القانونية، من قبيل السؤال عن كيفية النسبة بين العقل والشرع الإلهي، حيث يختص هذا السؤال بحقل النظام الحقوقي والقانوني في الإسلام فقط.

تختلف فلسفات القانون في الفكر الغربي باختلاف البرادايمات، فبعضها ينطلق من نسق تجريبي، وبالتالي نفعي وبراغماتي، ويقوم القانون وفلسفته على هذا الأساس، وتُقاس على أساسها القوانين من قبيل إنجاب الأطفال وتأسيس الأسرة والقوانين المتعلّقة بها، والأمر يختلف فيما لو قبلنا البرادايم التوحيدي الإسلامي.
بالنسبة للقانون والدين، إن القواعد الدينية هي فعليًا قانون، وإذا كان مع الوقت قد جرى الفصل بين القاعدة الدينية والقاعدة القانونية، وترك بعض رجال الدين مهام التشريع للفقه المدني، فإن مردّ ذلك ليس إلى ضعف القاعدة الدينية أو عدم قدرتها على تنظيم أمور المجتمع، وإنما إلى الفصل بين المفهومين، وبهذا المعنى ليس ثمّة ما يمنع بأن تعود المنظومة الدينية بلباس القاعدة المدنية المطبّقة، وهو أمر معتمد في العديد من الدول دون أن تثار أي إشكالية حول هذه المسألة.

إن المنظومة القانونية بغض النظر عن الأدبيات التشريعية منظومة ذات ضلعين؛ إذ لها ضلع عرضي يتمثل بنا نحن البشر، وضلع طولي يتمثّل بوجود الله سبحانه وتعالى. ولا نعني بذلك الله بما هو شارع، وإنما بما هو جزء من المنظومة النموذجية. إن الله هنا هو الله الخالق والمدبّر. وهكذا ترون أن الإمام زين العابدين، في رسالة الحقوق يتحدّث عن هذا النموذج ذي الضلعين؛ إذن لدينا مستوى نموذجي في الحقل التوحيدي، ولا يقتصر ذلك على الإسلام فقط، بمعنى أنه لو أثبتنا وجود الله فما هو التحليل الذي سوف تقدّمونه للإنسان والحقوق، هكذا سوف يكون الأمر في المسيحية أيضًا؛ فإن المسيحية بدورها تقول إن الإنسان هبة إلهية، وإن هذه الهبة الإلهية مسؤولة عن الحفاظ على ذاتها؛ لأن ذاتها ليست ملكًا لها. إن الخالق الحكيم قد خلق الإنسان وأودع فيه بعض القوى وأعطاه بعض القابليات والإمكانات. قال للإنسان: أنت كائن من أشرف الكائنات، ويمكنك التصرّف في هذه القوى والإمكانات التي أودعتها فيك. وعليه لدينا هناك مثل هذا المستوى، وعندما يرد وجود الله في منظومة الوجود وفي هندسة الوجود، فسوف يختلف نمط تفكيركم.

ثانيًا: بعض أصول فلسفة القانون في الفكر الإسلامي
بعض النقاط التي يمكن أن نعتبرها أسس النقد والبناء الإسلاميين للفكر الغربي القانوني بشكل إجمالي:
أولًا: إن فلسفة القانون بطرحها للأسئلة التي تقع في رتبة البنية التحتية للقانون هي أسئلة لا بد أن تنطلق من رؤية كونية ينطلق منها الباحث، ولا مجال للحياد في هذه القضية، وحتى يكون الأمر واضحًا نطرح مثالًا وهو «القبول بالحاكمية الإلهية أو عدم القبول بها» فإن النظام القانوني برمّته ينقلب بناء على قبول أحد هذين الطرفين، فالذي لا يقبل الحاكمية الإلهية سيترك النص الديني والإرث النبوي ويتوجه إلى أساليب أخرى تحقق له الاستقرار القانوني الاجتماعي، بخلاف الذي يقبل بهذه الحاكمية ويرى أن لها امتدادات في العصور المختلفة بأنماط وأساليب محدّدة في محلها، فإنه سيتوفر لديه أسئلة جديدة في فلسفة القانون من قبيل النص الديني وحجيته وكيفية التعامل معه وأيضًا سيدخل عنصر اللغة كعنصر كاشف عن مرادات المشرّع الإلهي وغير ذلك من الفروعات، وبناء عليه لا يمكن الغفلة عن هذه الأسئلة؛ لأنها تقع في صلب فلسفة القانون، وفي هذا المجال يمكن عدّ جملة من الأصول المؤثّرة في هذا المجال:

إن الأصل العقلائي هو عدم ولاية أحد على أحد، وهذا الأصل يمنع أي جهة من ممارسة قهر أو إكراه على أي إنسان إلا بدليل مستمدّ من سلطة أعلى، وحيث إن هذا الأصل يشمل كل أفراد البشر، فلا يُتعقل سلطة أعلى إلا الله تعالى الذي أرسل الأنبياء، وعليه فتشريع ممارسة القانون في الفضاء الاجتماعي بما يتطلب من إكراه منظّم بيد المشرّع الإلهي فقط. وإلا فالنظريات التي تخوّل كائنًا إنسانيًا الحق في تقييد الأصل العقلائي الأول وهو «عدم ولاية أحد على أحد» مبتلاة بالكثير من الإشكالات، وقد أدرك فلاسفة القانون هذا الأمر، فطرحوا بعض الحلول مثل القاعدة الأساسية عند هانس كلسن، والإقرار عند هربرت هارت وغير ذلك، حيث كان همّهم تخريج التبرير الأولي الذي منه نشأت مشروعية العنف المبرمج القانوني لأجل تنفيذ القانون.

يتميّز كل نظام قانوني – سواء أكان إلهيًا أو وضعيًا أو طبيعيًا أو غير ذلك - بوجود طبقات من القوانين وأنه توجد قوانين تشريع عليا حاكمة على قوانين محكومة لها، فمثلًا قد نجد في بعض القوانين أن الاستفادة من الطبيعة العامة حق مشروع لجميع الناس، إلا إذا أدّى استعمالهم لها إلى تلويثها، فعندئذ يسقط حقهم من الاستفادة منها، ولكن السؤال الفلسفي والذي يقع في صلب فلسفة القانون: على أي أساس تُصنّف هذه القوانين أو تلك أنها قوانين عليا وحاكمة؟ لا شك أن هناك بعض الأمور العامة الواضحة مثل حفظ النفس من الموت وأنها حاكمة على الأضرار المالية، ولكن أعلائية بعض القوانين ترجع إلى رؤية يتبناها المشرّع، ففي القانون الإسلامي مثلًا يعتبر حفظ الدين أهم من حفظ النفس، وعليه لا يكون لحفظ النفس قيمة أعلائية مطلقة، وهذا الأمر لا يفكر فيه أصلًا القانوني الوضعي، فلم نجد مثلًا أن أحدًا يقول يجب حفظ الأفكار العلمانية أو الشيوعية أو غيرها حتى لو أدّت لهلاك النفس؟ فهذا يشير إلى أن أعلائية قانون حفظ الدين مقابل النفس يعني أن حمولة القيمة التي يحملها الدين أهم حتى من النفس، مما ينعكس تشريعات وقوانين كالجهاد والدفاع وغيرها.

غائية القانون من البحوث المهّمة في فلسفة القانون، فهل الهدف النهائي من القانون هو تحقيق الاستقرار والإبقاء على الحالة الطبيعية للبشر، أم أنه ذو طبيعية غائية، بمعنى أن تطبيقه لا يُبقي على الحالة الأولية الطبيعية للبشر ولكن يأخذهم إلى غايات أخرى؟ هذا السؤال من الأسئلة المهمة والمؤثّرة، فإننا نجد أن المشرّع في القانون غير الإلهي يرى أن تطبيق القانون «يمنع الأخطاء» لا أكثر، فالقانون يمنع السرقات والقتل وغير ذلك، فهو ذو وظيفة سلبية، بينما القانون الإلهي، حيث إنه ظلّ للرؤية الكونية الإلهية الممتدة من التوحيد إلى النظام القيمي، تدّعي أن القانون هو الأرضية التي ينفتح بتطبيقها للناس بابُ السلوك والارتقاء عبر تفتّح الاستعدادات الروحية وغير ذلك، مثال ذلك فإن أحد قوانين الإسلام الزكاة والصدقات الواجبة بشكل عام، فهذه القوانين بتعبير القرآن الكريم لها دور «تطهيري» للنفس من حيث تعويد النفوس على النفقة والخروج من أسر المال، فالعطاء واجب في الشريعة وله أثر تكويني، وهناك أمثلة أخرى لا يمكننا بسط الكلام فيها. قال تعالى: Nخُذْ مِنْ أَمْوٰالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وتُزَكِّيهِمْ بِهٰاM[8] .

-----------------------------------
[1] - Valueless.
[2] - قيمة الدم.
[3] - سورة البقرة (2): 29.
[4] - Freedom.
[5] - labor.
[6] - Keep your brother and sister.
[7] - إلا المشرّع الإلهي الذي بيده وضع الحقوق ورفعها (الاستغراب).
[8] - التوبة: 103.