البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

مراجعة كتاب فلسفة القانون مفهوم القانون وسريانه

الباحث :  ادارة التحرير
اسم المجلة :  الاستغراب
العدد :  34
السنة :  ربيع 2024م / 1445هـ
تاريخ إضافة البحث :  June / 26 / 2024
عدد زيارات البحث :  90
تحميل  ( 705.870 KB )
معلومات النشر:
- اسم الكتاب: فلسفة القانون: مفهوم القانون وسريانه
- الكاتب: روبرت ألكسي
- ترجمة: كامل فريد السالك
- عدد الصفحات: 251
- لغة الكتاب الأصلية: الألمانية
- تاريخ نشر الكتاب: 1992
- تاريخ نشر الترجمة: الطبعة الثانية 2013م
- دار النشر: منشورات الحلبي الحقوقية

مقدمة
يتميز هذا الكتاب في أنه من الكتب الحديثة نسبيًا التي طرح فيها الكاتب رأيًا حاسمًا في تأييد القانون الطبيعي ومحورية القواعد الأخلاقية في عملية التقنين والتشريع، وأوّل ما اشتمل عليه هذا الكتاب مقدّمة للمترجم حيث طرح فيها تعريفًا حول مؤلف الكتاب وفكره وأسلوب الكتاب وترجمته.
والفرضية الأساسية التي يتناولها هذا الكتاب هي العلاقة بين الأخلاق والقانون؛ إذ إنه بناء على المذهب الوضعي يدّعى أنه لا بد من الفصل بينهما، وأن المنظومة الأخلاقية أمر مباين للمنظومة القانونية[1]، وبالتالي يحاول مصنّف الكتاب إبطال هذا المدّعى.

اشتمل الكتاب على أربعة أبواب:
الباب الأول: مشكلة المذهب الوضعي
الباب الثاني: مفهوم القانون
الباب الثالث: سريان القانون
الباب الرابع: تعريف القانون

الباب الأول: مشكلة المذهب الوضعي
يشتمل هذا الباب على عدة فصول، وبحكم كوننا بصدد مراجعة للكتاب، فسندمج أهم الأفكار المذكورة في فصول هذا الباب ـ وكل باب سيأتي ـ مراعاة للاختصار.

يمهّد الكاتب بالتذكير بأن المشكلة الأساسية في الجدل حول القانون هي قضية العلاقة بين القانون والأخلاق، حيث اصطفّ الباحثون والفلاسفة منذ أكثر من ألفي عام إلى يومنا هذا في موقفين متقابلين: المذهب الوضعي والمذهب اللاوضعي (الطبيعي)، حيث تشترك المذاهب الوضعية في التفريق بين القانون والأخلاق، وبين ما هو كائن وما يجب أن يكون، وبالتالي يقوم المذهب الوضعي على عنصرين أساسيين:
1. عنصر الشرعية الشكلية، أي ما يُسنّ فعلًا.
2. عنصر الفاعلية، أي ما يحوز التأثير الاجتماعي.

بالمقابل، يطرح أنصار المذهب الطبيعي أن القانون لا بدّ أن يكون مستندًا إلى محدّدات أخلاقية قبل القيام بعملية التشريع، ولا ينكر هؤلاء تشكّل القوانين من عنصري الشرعية الشكلية أو التأثير الاجتماعي، ولكن مضافًا لهذين العنصرين، فإن عنصر المحتوى الأخلاقي هو الذي يميز المذهب الطبيعي عن المذهب الوضعي في القانون.

يعتبر الكاتب أن البحث عن «ماهية القانون» قد لا يُعدّ بحثًا ذا أهمية وجدوى عملية، إذ القانون أمر معروف بالبداهة، ولكنه يذكر أن المسألة -أي البحث عن ماهية القانون - تصبح مسألة ملحّة وضرورية لا في الحالات الاعتيادية، بل في الحالات غير الاعتيادية من التطبيقات القانونية، ويطرح في هذا الصدد نموذجين من قرارين للمحكمة الدستورية الاتحادية في ألمانيا:
القرار الأول يعالج فيه ما أسماه بالظلم القانوني وكيفية تراجع المحكمة عن بعض القرارات لصالح القيم والأخلاق، حيث «وافقت المحكمة الدستوية الاتحادية العليا على إمكانية تجريد أحكام النصوص القانونية للنظام القومي الاجتماعي (الحكم النازي) من السريان؛ لأنها تنافي المبادئ الجوهرية للعدالة بشكل صارخ»[2].

القرار الثاني يعالج فيه قضية الخروج عن النص القانوني، ومشروعية الحكم المخالف لمنطوق النص في حالة تكون المخالفة لصالح قيمة أو قضية أخلاقية.

في هاتين الحالتين، يأتي السؤال ملحًّا عن طبيعة القانون: فهل الشرعية الشكلية والفعالية الاجتماعية تكفيان لتحقق القانون وبالتالي فإنه من غير الضروري زيادة عنصر المحتوى الأخلاقي؟ وإذا كان الأمر كذلك فسيبطل حكم القاضي الذي خرج عن النص القانوني في حالة كان النص منافيًا للعدالة.
ومن هنا يخلص الكاتب إلى نتيجة مهمة مفادها أن أزمة القانون الوضعي تبرز بشكل واضح في الحالات القانونية غير الاعتيادية، والتي قد يتنافى العمل بالقانون في مثلها إلى التضارب الصارخ مع العدالة البديهية المعلومة لكافّة الناس.

الباب الثاني: مفهوم القانون
إذن يخلص الكاتب إلى أن تعريف القانون يختلف وفق العناصر الثلاثة:
1. الشرعية الشكلية (فعل سنّ القانون).
2. الفاعلية الاجتماعية (الأثر الاجتماعي الخارجي).
3. العدالة.

فمن يولي أهمية لأحد العناصر على حساب الآخرين سيكون مفهوم القانون عنده مختلفًا عمّن يعطي الأهمية لعنصر آخر وهكذا، «فالذين لا يولون أية أهمية لعنصري الشرعية الشكلية والفاعلية ويعوّلون فقط على العدالة، يتبنّون مفهوم القانون الطبيعي (اللاوضعي) أو المنطقي (العقلي)، أما الذين يولون الأهمية لعنصري الشكلية الشرعية الشكلية والفاعلية أو لأحدهما، ويخرجون من اعتبارهم عنصر العدالة يتبنون المفهوم الوضعي الصرف. وبين هذين الاتجاهين المتطرفين هناك اتجاهات وسطية»[3].

ثم إن بين النظريات الوضعية في القانون من يولي التأثير الاجتماعي أهمية أكثر من أهمية الشرعية الشكلية، والعكس بالعكس، أي من يولي الشرعية الشكلية أهمية فوق أهمية التأثير الاجتماعي.
أما النظريات التي تولي الأهمية للتأثير الاجتماعي فهي النظريات الوضعية الواقعية\ الاجتماعية، وأما النظريات التي تعطي الأهمية للشرعية الشكلية فهي التي تسمى النظريات القانونية التحليلية.

ومن هنا ينقسم البحث إلى هذين الاتجاهين النظريين:
1. الاتجاه الذي يعطي الأولوية للتأثير الاجتماعي: وهذا الاتجاه، بما يشمله من نظريات، يكثر عنده النقاش حول الاعتبارات الظاهرية والاعتبارات الضمنية للقاعدة القانونية، فالاعتبارات الظاهرية هي التي تشمل اطّراد اتباع القاعدة والعمل بموجبها، ومن هنا مثلًا عرّف ماكس فيبر القانون انطلاقًا من هذا الملمح بقوله: «يعتبر نظامًا ما قانونًا إذا أمكن ضمان مراعاته بشكل ظاهري من خلال فرض الإكراه، سواء أكان معنويًا أم ماديًا، والإجبار على مراعاته أو التهديد بمعاقبة التصرفات الماسّة به عبر الهالة المحاط بها من قبل الناس»[4]، وأما الاعتبارات الضمنية والجانب الداخلي للقانون فتتمثل في الدافع لاتباع القاعدة القانونية أو في الدافع لتطبيقها أو في كليهما معًا، والأمر يرجع للأمور النفسية، وقد مال بعض القانونيين لتعريف القانون بناء على هذا البعد أيضًا.

2. الاتجاه الذي يعطي الأولوية للشرعية الشكلية: نجد ذلك في النظريات القانونية التحليلية، أي التي تهتم بالتحليل الفكري للواقع القانوني، وعلى رأسهم جون أوستين الذي عرّف القانون بأنه عبارة عن أوامر صادرة من هيئة سياسية عليا، وكذلك يندرج ضمن هذا الاتجاه هانس كلسن وهربرت هارت، حيث جعل الأول القانون نظامًا إلزاميًا معياريًّا يؤسّس تطبيقه على قاعدة أساسية، وأما الثاني فجعل القانون نظامًا من القواعد وهو قائم بناء على قاعدة الإقرار، وهي حقيقة وواقعة اجتماعية.
بعد أن استعرض الكاتب النظريات الوضعية في القانون خصّص فصلًا مستقلًّا لنقدها، وفصّل بشكل مذهل الحجج والاعتراضات الموجودة في هذا الإطار، ومما ذكره أنه رغم الاختلاف بين نظريات القانون الوضعي الكبيرة إلا أن ما يجمعها هو الفصل بين القانون والأخلاق، إذ تقول إن بين هذين الميدانين فرق وكلّ منهما نظام معرفي خاص لا علاقة له بالآخر، فالقانون يرجع إلى أسبابه الخاصة في التشريع والتنفيذ الخارجي، والأخلاق لها عالمها الخاص، وبعد أن يفصّل الكاتب بشكل كبير في أصناف الارتباطات المفروضة، يذكر أن السؤال المحوري هو: هل خرق معيار أخلاقي ما يجرّد القاعدة القانونية من قانونيتها؟ ويجيب على ذلك بالإيجاب، وأن القانون ما يكون قد جعل العدالة والإنصاف قاعدة ومعيارًا أساسيًا، فلن يمنع من تحوّل الدولة أو السلطة إلى دولة لصوصية وغاصبة للحقوق.

كما أن بعض الوضعيين يناقشون اعتمادًا على النسبية المعرفية، أن الانفصال بين الأخلاق والقانون يرجع إلى أنه لا يوجد معيار واضح ويمكن الاستناد إليه للتمييز بين القانون العادل من غير العادل، وفي جوابه على ذلك، يذكر الكاتب أن المشكلة تكمن في النسبية نفسها التي ترجع إلى نوع من السفسطة وترك «الاحتجاج المنطقي»، وإذا أصرّ الوضعيون على ذلك، «فنستطيع عندها أن نأخذ اعتراض على النظرية النسبية، وفي كل الأحوال بناء على حقيقة الإجماع [الأخلاقي] الواسع المدى، التي لا تعتبر نقضًا أو دحضًا بحد ذاتها بالمعنى الضيق، ولكنها تكاد تكون نقضًا بالنسبة لتطبيق القانون»[5].

الباب الثالث: سريان القانون
يطرح الكاتب قضية سريان القانون من جهات ثلاثة:
المفهوم الاجتماعي للسريان: وهو سريان القانون من الناحية الاجتماعية بما يشتمل على اتّباعها وعلى العقاب على عدم اتّباعها، وهنا لا بدّ من الالتفات إلى أن السريان الاجتماعي مسألة متفاوتة الدرجات، بمعنى أنه قد نجد قاعدة ما سارية بنسبة 20% في المجتمع، بينما يوجد قاعدة أخرى سارية بنسبة 80%، وأن السريان إنما يتم قياسه اجتماعيًا من خلال ملاحظة وقياس الاتّباع وقياس العقوبة من عدمها، وأن العقوبة هي نوع من الإكراه المنظّم من الدولة.

المفهوم المثالي للسريان: وهو تطبيق القانون بصورة مثالية أخلاقية، والقاعدة القانونية تسري بطريقة مثالية عندما يتم تبريرها أخلاقيًا، وترتكز مثالية السريان على القانون الطبيعي والمنطقي لا الوضعي، وبالتالي فسرَيان القاعدة هنا يعني فقط وجود مبدأ أخلاقي أو منطقي لها لا إلى مدى تأثيرها الاجتماعي.
المفهوم القانوني للسريان: وهو سريان القانون وفقًا للأصول القانونية، والمقصود عندئذ أن القاعدة القانونية تسري فقط عندما تصدر من الجهات المختصة دون النظر إلى الفاعلية الاجتماعية أو المثالية الأخلاقية.

وهذه المفاهيم الثلاثة للسريان «تتنازع» فيما بينها، فإن قاعدة أو قانونًا ما قد يسري من الجهة القانونية ولا يكون ساريًا من الجهة الاجتماعية، كما لو أن الدولة لم تعد تعاقب على مخالفته مثلًا، وكذلك في الأنظمة الوضعية نجد أن السريان المثالي أو الأخلاقي للقاعدة القانونية يتنازع في بعض الأحيان مع السريان القانوني أو السريان الاجتماعي للقانون، «فالقاعدة القانونية الظالمة لا يمكن تبريرها بحد ذاتها؛ ولذلك لا يمكن تبريرها أيضًا في الحد الأدنى [أي مهما عُدّ الظلم فيها قليلًا]، وعليه تحتفظ القاعدة القانونية الظالمة ظلمًا بسريانها القانوني»[6].

وفي السياق نفسه، يطرح الكاتب نقدًا على قضية الأخذ بالسريان القانوني دون السريان الأخلاقي أو الاجتماعي، ويعتبر أن الاقتصار على السريان القانوني يؤدي إلى تناقض ظاهر، وذلك أن هذا الصنف من السريان يعني مجرد صدور القانون من جهة قانونية، في المقابل إن مفهوم الجهة القانونية ومفهوم إصدار القاعدة القانونية يشترط في نفسه السريان القانوني، فلا بد من فرض سريانًا قانونيًا غير صادر من جهة قانونية مختصّة حتى لا نتورّط بنوع من التسلسل.

وهذا التناقض الداخلي في مفهوم السريان القانوني، ألجأ فلاسفة القانون إلى طرح «قواعد أساسية» ينتهي إليها السريان القانوني:
القاعدة الاساسية التحليلية: هانس كلسن
القاعدة الأساسية هي قاعدة يؤسس عليها سريان ونفاذ كل قواعد النظام القانوني ما عداها هي، ونصل إليها عندما ينقطع السؤال بـ«لماذا»، ومثاله: لماذا على المواطن أن يدفع الضرائب؟ لأن الجابي طلب منه ذلك، لماذا يملك الجابي الحق في طلب الضرائب؟ لأنه مخوّل من المؤسسة الرسمية في ذلك، لماذا المؤسسة لها صفة رسمية لتخوّله؟ لأنها تنتمي إلى أنظمة الدولة وقوانينها؟ لماذا يسري الدستور والأنظمة؟ لأنه ينال في الواقع التأثير الاجتماعي.
ويتفرع على هذا، أن سريان القانون يمكن أن يتحقق من دون أن يكون لمضمونه أي قيمة أخلاقية، وهو ما يعترض عليه الكاتب حيث يذكر أن الدستور لا يمكنه أن يكتسب شرعيته فقط من واقعه الاجتماعي دون مراعاة جانب الإنصاف والعدل.

ومن ثم يضيف اعتراضًا آخر، وهو أن القاعدة الأساسية إذا لم تكن وضعية – وإلا لزم التسلسل في السريان القانوني - فما هو وصفها ومضمونها، هل هو منطقي أم طبيعي؟ وهذا ما يرفضه هانس كلسن الوضعي، وهذا الإشكال أدى بكلسن إلى طرح افتراضات متعددة في هذا المجال.
وفي النهاية، يسلّم الكاتب مع كلسن أنه لا بد من الانتهاء إلى قاعدة أساسية تضمن السريان القانوني، «ولكن هذه القاعدة الأساسية يجب أن لا تنطوي على المضمون ذاته الذي شرحه كلسن. فيمكن أن تتضمن عناصر أخلاقية»[7].

القاعدة الأساسية المعيارية: إيمانويل كانط
لم يتحدث كانط عن قاعدة أساسية كما الحال عند كلسن، ولكنه عبّر عنها ضمنيًا، حيث ذكر أن القانون الوضعي لا بد أن ينتهي إلى قانون عقلي منه تنشأ سلطة المشرّع.
والقانون العقلي الذي يمثّل القاعدة الأساسية عند كانت هو قانون «يمكن أن يعرف إلزامه بشكل مسبق وبدون تشريع ظاهري عن طريق العقل»، وهو بالدقة الثقة بالقانون والسلم القانوني، والحكم بضرورة إطاعة السلطة التشريعية القائمة الآن، وبهذا يظهر أن كانط لم يخرج بصياغته القطعية للقاعدة الأساسية بنتيجة متميزة مقنعة في نظريته، ولكنه وضع تصورات رائدة تتعلق بسلطة الدولة المشروطة زمانيًا.

القاعدة الأساسية التجريبية: هيربرت هارت
لم يسمّ هارت قاعدته الأساسية بالقاعدة الاساسية، بل أطلق عليها اسم قاعدة الإقرار، ودور قاعدة الإقرار يتجسد في أنها تحوي معايير لتحديد القواعد، كقواعد قانونية سارية، أي إنها قواعد القانون العليا، ولكن وجودها يرجع إلى مسألة «واقع» لا إلى مسألة «تقنين»، فهناك واقع سواء أكان أمر الحاكم أو طاعة الناس وقبولهم أو غير ذلك، هذا الواقع هو الذي يمثّل شرعية سريان بقية القوانين، ولذا أسمينا القاعدة الأساسية عند هارت «بالتجريبية».

الباب الرابع: تعريف القانون
يطرح الكاتب تعريفه الخاص للقانون بناء على المناقشات السابقة للنظريات الوضعية فيقول «القانون هو نظام من القواعد (1) يقرّ مبدأ مراعاة العدالة (2)، ويتكوّن من مجموعة القواعد التي تنتظم في دستور يحوز بالإجمال التأثير الاجتماعي أو الفاعلية، والتي لا تجافي العدالة مجافاة مطلقة. ويتكوّن أيضًا من مجموعة من القواعد الموضوعة طبقًا لأحكام هذا الدستور، والتي تنطوي على حدّ أدنى من التأثير الاجتماعي أو الفاعلية أو إمكانية التأثير الاجتماعي. بالإضافة إلى (3) المبادئ أو الحجج المعيارية الأخرى التي تستند أو\و يجب أن تستند عليها أصول تطبيق القانون لتحقيق مطلب مراعاة العدالة»[8]

وبناء عليه يشتمل هذا التعريف على أقسام:
القسم الأول: تضمّن هذا التعريف مبدأ العدالة، فالأنظمة القانونية التي لا تشتمل على مبدأ العدالة ساقطة بوصفها قانونية.
القسم الثاني: تحديد العلاقة بين العناصر الثلاثة للقانون: العدالة والشرعية الشكلية والفاعلية الاجتماعية.
القسم الثالث: إدراج أصول تطبيق القانون في مفهوم القانون، وتضافر البعد المثالث والبعد الواقعي لتطبيق القانون.

نقاط نقدية:
يؤخذ على الكتاب اشتماله على كثير من المطالب القانونية الجزئية مثل تكرار المواد القانونية في المحاكم الألمانية، حيث نجده قد أكثر – لا سيما في الباب الأول - الكلام في القوانين الراجعة إلى بلده، والحال أن عنوان الكتاب «فلسفة القانون» تنافي الإغراق في هذه الأمور، وإلا لتحوّل البحث من «فلسفة القانون» إلى «علم القانون».
التفريق بين نواحي السريان المختلفة للقانون يعتبر من النقاط الجديرة بالاهتمام في هذا الكتاب، فالتفريق بين السريان القانوني والاجتماعي والمثالي يعطي زوايا متعدّدة لمحاكمة ونقد مختلف الأنظمة القانونية.
يعاني الكتاب من بعض الإبهام في الشرح لأمور شكّلت ولا تزال أمورًا معّقدة ومبهمة، فمثلًا عند شرحه لقاعدة الإقرار عند هربرت هارت، لم يستفض بشرحها بل بيّنها بشكل بسيط غير واضح بما ينبغي.

في الحقيقة إننا نجد حجج الكاتب في الردّ على الوضعيين القانونيين في قضية الانفصال بين القانون والأخلاق كثيرًا من التفريعات والفروض والتشعّبات في الاحتمالات، ولكن عندما يأتي إلى النقاش والنقد نجد أن هناك ضعفًا وتسليمًا إلى حدّ ما بأصل الاحتجاج الوضعي على الفصل بين القانون والأخلاق. فيذكر أنه إذا أصرّ الوضعيون على النسبية الأخلاقية، فيمكن الأخذ بالأخلاق «بناء على حقيقة الإجماع [الأخلاقي] الواسع المدى، التي لا تعتبر نقضًا أو دحضًا بحد ذاتها بالمعنى الضيق [للنسبية]، ولكنّها تكاد تكون نقضًا بالنسبة لتطبيق القانون»[9]، وهو أمر ليس صحيحًا لو أخذنا بالرؤية الفلسفية الإسلامية، فالإجماع لو كان زمانيًا ومكانيًا لا يكون مجرّد إجماع وإطباق على أمور اتفاقية، ولا ترجع إلى واقع وتكوين ذاتي للإنسان، بل إن الإجماع المذكور هو دليل يكشف عن أن الخصوصيات المختلفة بين البشر ليست دخيلة في الحكم الأخلاقي، وبعبارة أخرى يذكر المناطقة والفلاسفة في باب التجربيات أن حجية التجربة وقيمتها المعرفية ترجع إلى أنها بتعددها في الظروف المختلفة المتضادة والمتنوّعة، ومع ذلك تكون نتيجتها واحدة، يعني أن هذه الظروف ليست داخلة في الحصول على النتيجة، فلو جرّبنا (أ) +(ب) فكانت تنتج (ج) في كل الظروف والحالات التي تصل إلى مرحلة التضاد، فهذا يعني أن الظروف لا دخل لها في إنتاج النتيجة (ج)، بل إن ذات كلّ من (أ) و(ب) هي التي تنتجها بغض النظر عن الظروف، والأمر عينه يمكن قوله في خصوص الإجماع على القانون الأخلاقي للبشر الذين يعيشون في مختلف الظروف والأحوال في الأزمنة والأمكنة المختلفة، فهو يشير إلى أن حكم البشر الأخلاقي ليس ناشئًا من الظروف والأحوال، بل هو حكم قطعي نابع من تكوينهم الإنساني، ولا علاقة للظروف الاتفاقية المختلفة. وقد أشار العلامة الطباطبائي في بعض كلماته إلى هذه الحقيقة، حيث يقول: «تختلف هذه الأحكام بحسب اختلاف المقاصد الاجتماعية، فهناك أعمال وأمور كثيرة تستحسنها المجتمعات القطبية مثلً،ا وهي بعينها مستقبحة في المجتمعات الاستوائية، وكذلك الاختلافات الموجودة بين الشرقيين والغربيين وبين الحاضرين والبادين، وربما يحسن عند العامّة من أهل مجتمع واحد ما يقبح عند الخاصة، وكذلك اختلاف النظر بين الغني والفقير، وبين المولى والعبد، وبين الرئيس والمرؤوس، وبين الكبير والصغير، وبين الرجل والمرأة.

نعم هناك أمور اعتبارية وأحكام وضعية لا تختلف فيها المجتمعات وهي المعاني التي تعتمد على مقاصد حقيقية عامة لا تختلف فيها المجتمعات كوجوب الاجتماع نفسه، وحسن‏ العدل‏، وقبح الظلم"[10].

----------------------------------
[1] - فلسفة القانون: مفهوم القانون وسريانه، روبرت الكسي، ترجمة: كمال فريد السالك، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت - لبنان، الطبعة الثانية 2013، ص.8.
[2] - فلسفة القانون: مفهوم القانون وسريانه، روبرت الكسي، ترجمة: كمال فريد السالك، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت - لبنان، الطبعة الثانية 2013، صفحة 26.
[3] - فلسفة القانون: مفهوم القانون وسريانه، روبرت الكسي، ترجمة: كمال فريد السالك، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت - لبنان، الطبعة الثانية 2013، صفحة 37.
[4] - المصدر نفسه، صفحة 41.
[5] - فلسفة القانون: مفهوم القانون وسريانه، روبرت الكسي، ترجمة: كمال فريد السالك، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت - لبنان، الطبعة الثانية 2013، صفحة 98.
[6] - فلسفة القانون: مفهوم القانون وسريانه، روبرت الكسي، ترجمة: كمال فريد السالك، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت - لبنان، الطبعة الثانية 2013، صفحة 147.
[7] - فلسفة القانون: مفهوم القانون وسريانه، روبرت الكسي، ترجمة: كمال فريد السالك، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت - لبنان، الطبعة الثانية 2013، صفحة 176.
[8] - فلسفة القانون: مفهوم القانون وسريانه، روبرت الكسي، ترجمة: كمال فريد السالك، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت - لبنان، الطبعة الثانية 2013، صفحة 189.
[9] - فلسفة القانون: مفهوم القانون وسريانه، روبرت الكسي، ترجمة: كمال فريد السالك، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت - لبنان، الطبعة الثانية 2013، صفحة 98.
[10] - طباطبائى، محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، 20 جلد، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات - لبنان - بيروت، الطبعة: 2، 1390 ه.ق.