البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

الوعي الكوروني الطارئ، العقل الاقتصادي الانتفاعي ومخاطره على الحياة الإنسانية

الباحث :  مشير باسيل علون
اسم المجلة :  الاستغراب
العدد :  20
السنة :  السنة الخامسة - صيف 2020م / 1442هـ
تاريخ إضافة البحث :  October / 5 / 2020
عدد زيارات البحث :  235
تحميل  ( 530.232 KB )
في هذه الدراسة يقارب البروفسور مشير باسيل عون الحادث الكوروني الكوني من منزلتين: انطولوجيّة وفينومينولوجيّة. وقد سعى إلى ذلك تبعًا لما ذهب إليه الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر من أنّ الحياة الإنسانيّة تقرأ في انبساطها التاريخي وإن كانت محتجبة في كثير من الأحيان بأبعاد خفيّة لا تستطيع رصدها إلا الميتافيزيقا. سوف نجد متاخمات لهذه الظاهرة تتعدّى الضوضاء التي أحدثتها على نطاق العالم كلّه؛ ذلك من أجل أن تستظهر مفاهيم ونظريات مستحدثة في الاجتماع الإنساني، ربّما لم تكن لتعليه عن نفسها لولا حادث جلل كهذا.

المحرّر

--------------------------

في أمليات الشباب، أكبّ هايدغر يستطلع المعاني التي تكتنزها الحياة في جميع أبعادها الإنسانيّة والكونيّة والدِّينيّة والأونطولوجيّة. في المجلّد الذي يضمّ هذه الاجتهادات (فِنومِنولوجيا الحياة الدِّينيّة[1])، كان هايدغر يحاور فلاسفة الحياة والوجود والتاريخ، ولاسيّما فيلهِلم ديلتاي وإرنست ترُلتْش وإدموند هوسِّرل وكارل ياسبِرس. وما لبث في فصل صيف العام 1923 أن ألقى أمليته الشهيرة في فِسارة الحياة الواقعانيّة[2]. من خلال المحاضرات الجامعيّة الباكرة هذه، يتبيّن للمرء أنّ الحياة في عرف هايدغر لا يمكن الإمساك بها من خارج انبساطها التاريخيّ. لذلك تدلّ صفة الواقعانيّة (Faktizitنt) على طابع الوجود الإنسانيّ المعيش، الملموس، المختبَر: «التاريخ (Geschichte) هو الأداة الحقيقيّة لفهم الحياة، لا بما هو علم التاريخ (Geschichtswissenschaft) [...]، بل بما هو حياة معيشة»[3]. ومن ثمّ، لا يمكن إدراك معنى الحياة الإنسانيّة، بحسب هايدغر، إلّا في ثنايا التاريخ الذي يحمل إلى الإنسان ثمرة التعالق أو التشابك الناشط بين مشيئتَين اثنتَين، ألا وهما مشيئة الكينونة التي تمنح الكائنات ضروبًا شتّى من الاعتلان والاحتجاب، ومشيئة الإنسان الذي يحيا حياته ساعيًا في استنطاق الكائنات والأشياء والموجودات عن سرّها الدفين.

في صميم هذا المسعى الإنسانيّ تتجلّى إمكانات الفلاح والإخفاق. فيتّضح للإنسان أنّ وجوده يجب أن يتّسم بضمّةٍ من الخصائص التي تجعله يليق بجوهر الحياة. ولا شكّ في أنّ أزمة الكورونا المتفاقمة في ظهورات الكوفيد التاسع عشر جعلت الناس جميعًا يتساءلون عن معنى تساكن الفلاح والإخفاق في مجرى وجودهم التاريخيّ. فطفقوا يسائلون التاريخ كيف يجري وكيف يبني قوانينه وأحكامه، ويستفسرون عن مآلات الحداثة الغربيّة الأُروبّيّة في خضمّ التنازع الكونيّ على الهيمنة، وينظرون في طبيعة العمل الإنسانيّ وأصالته ودعوته، ويتحرّون عن أسباب الإخفاق في بناء اقتصادٍ إنسانيّ يرعى الحاجات ويواكب الابتكار من غير أن يحوّل الإنسان إلى آلة إنتاجيّة محضة ومستودع استهلاكيّ صرف.

أوّلًا، التصوّرات المتباينة في إدراك حركة التاريخ الإنسانيّ

حين يتناول المرء التاريخ، لا بدّ له من التفكّر في صفة الإنسانيّ، إذ إنّ التاريخ لا يصنعه إلّا الإنسان. لا تقوى الكائناتُ الحيّة الأخرى والجوامد على أن تنشئ التاريخ؛ لأنّها محرومةٌ من الإرادة الحرّة. الكون حراكٌ صامتٌ من دون الإنسان. حتّى لو تضاءل مقامُ المبادرة في الفعل الإنسانيّ في قرائن الضرورات البيولوجيّة والجيولوجيّة والبيئيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة، يظلّ الإنسان هو المحرِّك الأوّل في التاريخ[4]. لا يعني هذا القول أنّ الإنسان سيّدُ الكون برمّته. هو سيّدُ التاريخ الذي يصنعه بمحض مشيئته. الكواكب والمجرّات والنيازك عديمة التاريخ حتّى تطأها حرّيّة الإنسان. حينئذ تنشط فيها تمخّضاتُ المشيئة الإنسانيّة وتموّجاتها وتردّداتها وتناقضاتها، وفيها أيضًا تنبض قراراتُ الوجود الحيّ، وعزائمُ الإنشاء، ومبادراتُ الإبداع.

يسأل المرء عن معنى الأحداث التي تعصف بالمجتمعات الإنسانيّة المعاصرة، وفي طليعتها جائحة الكورونا التي هزّت الأوصال هزًّا مريعًا حتّى طفق المحلِّلون يتدبّرون في إثرها وجوهًا جديدة للوجود الإنسانيّ المقبل. فهل ينطوي تاريخ الإنسان على غائيّة ناشبة في ثنايا الواقع، أم إنّ الأحداث تتعاقب على غير هدًى؟ وهل يحتمل المجرى الزمانيّ أن يخضع لقانونٍ ناظم حتميّ يرسم له سبُلَه وتعرّجاته وانعطافاته ويعيّن له مرماه الأخير، أم إنّ الأمور تتدافع تدافعًا اعتباطيًّا تعسّفيًّا عبثيًّا؟ وهل من مرمًى أخير في نهاية الطواف البشريّ في الكون، أم إنّ الإنسان في ترحال مطّرد يضرب في الأرض وفي الكون الفسيح أنّى تهيّأت له أسبابُ العيش والديمومة؟

في هذا السياق، ينبغي التذكير بالتصوّرات الفلسفيّة الكبرى التي تناولت التاريخ البشريّ في مسراه العامّ. معروفٌ تصوّرُ الفيلسوف الألمانيّ هيغِل (1770-1831) الذي كان يعتقد أنّ التاريخ يجري بمقتضى قانون الفكر المثاليّ أو الروح الأعلى أو العقل الكونيّ، بحيث يضحي التاريخ جسدَ الروح، فيه تنتشب تجلّياتُ الفكر، أو تجسيداتُ الروح، أو تحقّقاتُ العقل. ذلك بأنّ التاريخ يسير وفاقًا لمخطّط عقليّ كونيّ يستثمر حتّى التواءات الأحداث وانحرافات المسالك، ويضمّها ضمًّا صَهريًّا في بوتقة مؤالفاته الإنضاجيّة[5]. مشهورةٌ أيضًا نظريّةُ ماركس (1818-1883) وإنغِلز (1820-1895) التي تجعل صراع الطبقات محرِّك التاريخ. فالمجتمعات تتصارع تصارعًا متنوّع الهيئات، بينما العامل الجوهريّ يكمن في علاقات الظلم البنيويّ التي تحرم العمّال من ثمار عملهم، فتحصرها في صندوق أرباب العمل[6]. استنادًا إلى مثل هذا الصراع، تتراصف التصوّرات الذهنيّة والبناءات الفكريّة والعمارات الثقافيّة التي تجتهد في تجميل الخلل الاقتصاديّ البنيويّ. ذلك بأنّ العامل الاقتصاديّ هو محرِّك النشاط العقليّ، وهو البنية التحتيّة الخفيّة التي تنهض عليها الأنظوماتُ كلُّها. وحده العنف الثورويّ يفضح العلاقة المريبة بين البنية الاقتصاديّة التحتيّة والبنية الثقافيّة الفوقيّة. فيقلب الموازين، ويهدم الهيكل، ويقوّم الاعوجاج، ويُنصف النّاس، ويُنجز ملكوت العدالة الأرضيّة.

كانط والوعي الإنساني الفردي

لا بدّ أيضًا من الوقوف على التصوّر التقدّميّ الحضاريّ الذي صاغه قبل ذلك الحين الفيلسوف الألمانيّ كانط (1724-1804) في تناوله مسألة الوعي الإنسانيّ الفرديّ في توغّله التصاعديّ نحو المثال الأخلاقيّ الأرفع. كان صاحب الثلاثيّة النقديّة الشهيرة يتصوّر التاريخ مسرحًا للإنجازات الارتقائيّة التي تجسّد القابليّات السنيّة المنطوية في الطبيعة البشريّة. فالتاريخ يتيح للإنسان أن يحقّق ما انفطر عليه كيانُه من إمكانات التهذيب الخلُقيّ والفكريّ والروحيّ. فينتقل من حال العراء التهذيبيّ الأولى إلى حال الاكتمال الكيانيّ الأشمل، وذلك على قدر ما يهتدي بإرشادات العقل، حتّى لو غابت عنه في بعض التصرّفات والأوضاع المقاصدُ القصوى والغاياتُ العليا[7]. إنّها حيَلُ الطبيعة الإنسانيّة تستخدم الانعطابات والانحناءات والاستدارات من أجل بلوغ الهدف الإنسانيّ الأسمى. شأنها في ذلك شأنُ حيَلِ العقل التي يعتمدها هيغِل في تسويغ بشاعات الوجود الإنسانيّ في سعيه إلى تجسيد بهاءات الروح الأعلى. قد تكون الآفات والحروب والكوارث والأمراض والجوائح والمفاسد والمظالم والانتهاكات سبيلًا من السبُل التي تستعين بها الطبيعة أو يلجأ إليها العقل، على غفلةٍ من الإنسان، من أجل تجاوز إعضالٍ من الإعضالات، أو التغلّب على محنةٍ من المحن، أو الانتصار على سلبيّة من السلبيّات التاريخيّة.

إذا اكتفى الإنسان بالتصوّرات الثلاثة هذه، تَبيَّن له أنّ التاريخ يستحقّ أن يتناوله العقلُ تناولًا فلسفيًّا، إذ إنّ المسألة التاريخيّة هي الأصعب والأعقد والأخطر. فالناس يختلفون أوّلًا في تأويل التاريخ، قبل أن يختلفوا في اختبار الحاضر وإدراك المستقبل. في عُرفي أنّ تأويل التاريخ هو القضيّة الثقافيّة التي تُعيّن لنا سبُل المعايشة الحضاريّة السلميّة بين الشعوب. من المفيد إذًا، والحال هذه، أن توجز الفلسفةُ طرائقَ تناولها مفهومَ التاريخ ومقامه ووظيفته وتباين تأوّلاته الثقافيّة[8]. موجز القول أنّ الفلسفة تتناول التاريخ في ثلاثة حقول متنافذة، عنيتُ بها حقل استجلاء الهدف أو المرمى أو الغاية أو المقصد، وحقل التحرّي عن المحرِّك الأساسيّ، وحقل استخراج القانون الناظم[9]. أمّا البحث في الأحداث وتعاقبها وترابطاتها وتعليلاتها، فتضطلع به علومُ التاريخ على تنوّع مقارباتها.

في الحقل الأوّل يعتقد الفلاسفة أنّ التاريخ ينبسط إمّا في صورة التطوّر الهادف، وإمّا في صورة التكرار المماثل، وإمّا في صورة التذبذب الرجراج. في كلّ صورة من هذه الصوَر، يعتلن مقامٌ من مقامات الإنسان الفاعل، ويتجلّى معنًى من معاني الوجود الإنسانيّ. فالتصوّر الغائيّ يحتمل ضروبًا شتّى من المقاصد، أشدّها تواضعًا الاجتهادُ المطّرد في تحقيق ذاتيّة الإنسان فردًا وجماعةً، وأعظمها تطلّبًا بلوغُ ملكوت الكمال، سواءٌ في قرائن الإنضاج الكونيّ الذاتيّ أو على تخوم الترميم الإلهيّ الختاميّ. من المعلوم أنّ الفكر الآسيويّ القديم يتصوّر التاريخ في هيئة الخفقان اللولبيّ أو الإهليلَجيّ، والفكر الإغريقيّ القديم يتصوّره في هيئة الدوران التكراريّ، والفكر الدِّينيّ التوحيديّ اليهوديّ والمسيحيّ والإسلاميّ يتصوّره في هيئة الخطّ البيانيّ الارتقائيّ الساعي إلى الاختتام المجيد.

في الحقل الثاني يعاين الفلاسفة في التاريخ نِسَبًا متفاوتة من الحرّيّة الإنسانيّة، أو من التدبير الغيبيّ، أو من الانبساط الطبيعيّ العفويّ[10]. بعضُهم يعاين التاريخ في قبضة المبادرة الإنسانيّة، وبعضهم الآخر يوكله إلى تدبير العناية الإلهيّة، وبعضهم أيضًا يجعله حقلَ تفاعلٍ ذاتيّ المنشأ، على نحو ما يذهب إليه الفيلسوف الهولنديّ باروخ سبينوزا (1632-1677) حين يرسم في الطبيعة عينها وجهَين متكاملَين كوجهي الإله جانوس، ألا وهما الطبيعة الطابعة والطبيعة المطبوعة. وبذلك تنحصر حركيّة التاريخ في نطاق الطبيعة نفسها. سواءٌ أكان المحرِّك الأساسيّ الإنسان أم الله أم الطبيعة عينها، فإنّ التاريخ لا يتحرَّك من تلقاء ذاته، بل يُعوزه دفعٌ أو حثٌّ أو تنشيطٌ يأتيه من خارج ظهور الأحداث وتعاقبها وتدافعها وتفاعلها. زد على ذلك أنّ تعيين هويّة المحرِّك يبيّن طبيعة الغاية. حينئذ لا بدّ من الاستفسار الرصين عن الأسباب التي تدفع بالناس إلى افتراض التباين الجوهريّ في الغايات[11] حين يختلفون في تعيين هويّة المحرِّك الأساسيّ. فهل تكون غاية الإنسان الرشيد من التاريخ هي غير غاية الإله المحبّ وغير غاية الطبيعة الحاضنة؟ أظنّ أنّ الجواب الرزين هو الذي يرسم للشعوب سبيل التلاقي والتفاهم والتعاون والتقابس والتناصح التهذيبيّ الارتقائيّ.

أمّا الحقل الثالث، فيقترن اقترانًا خفِرًا بالحقل الثاني؛ لأنّه يتحرّى عن هويّة القانون الناظم في التاريخ. في صدد مثل هذا الاستقصاء استدلّ الفلاسفة على ثلاثة احتمالات: فإمّا أن يكون قانون التاريخ هو الحتميّة القاهرة، وإمّا أن يكون الحرّيّة الذاتيّة، وإمّا أن يكون الصدفة المحضة[12]. الأعقل فيهم تَفطَّن إلى أنّ الحكمة تقتضي أن ينطوي قانونُ التاريخ على خليطٍ رقيقٍ سلسٍ من الحتميّات الملزِمة، والحرّيّات المنعطبة، والمصادفات المحيِّرة. في كلّ حدث من أحداث حياتنا يمكننا، بعد الفحص المتروّي، أن نتلمّس تواطؤ هذه القوانين الثلاثة المتشابكة. في حدث الكورونا تظهر للعيان حقيقة مثل هذا التواطؤ. ذلك بأنّ الكوفيد التاسع عشر هو ثمرةٌ مرّةٌ عَلقميّة من ثمار التفاعلات البيولوجيّة الحتميّة بين الكائنات الحيوانيّة، وفي طليعتها الإنسان، الحيوان الناطق الأرقى، والطموحات الإراديّة الذاتيّة الحرّة، الفرديّة والجماعيّة، والمصادفات الفجائيّة التي تلامس في انعقاد عناصرها حدودَ الاعتباط والعبث والخُلف.

الكوفيد 19 ووجوب الرؤية المتبصّرة

إذا كانت الأمور على هذه الحال، كان لا بدّ للإنسان المستبصر أن يتروّى قبل أن يُطلق الأحكام، ويصوغ المسوِّغات، ويعتمد السبُل، ويبني الاستنتاجات. في كلّ حقل من هذه الحقول الثلاثة، يحلو لبعض النّاس أن يستبيحوا قواعد المنطق السليم في التفكير. في الحقل الأوّل، يظنّ بعضُهم أنّ الكوفيد التاسع عشر أتى يدفع بالتاريخ إلى أقاصي غاياته، إذ إنّ المقاصد واضحةٌ في استجلاء نهاية التاريخ. فالأزمنة قد نضجت، والبشر قد أسرفوا في العدوان البيولوجيّ والبيئيّ، والأنظمة قد أمعنت في إذلال الشعوب، والأرض قد استنفدت كلّ طاقاتها. فآن الأوان لحلول الخاتمة المرعبة. ومنهم من يعتقد أنّ هذه الجائحة تضرب البشر على نحو ما ضربتهم جائحاتٌ وآفاتٌ وأوبئة غيرها. وما من جديد تحت السماء، ولو تغيّرت الأسماء، على نحو ما جاء في المثل اللاتينيّ القديم: «ما من أشياء جديدة، بل الأشياء عينُها في هيئة جديدة» (non nova sed nove)[13].

تتفاقم الظنونُ في الحقل الثاني من مبحث التاريخ؛ لأنّ المطلوب معرفة الفاعل المسبِّب الذي جنى على البشريّة وابتلاها بمثل هذه المصيبة. منهم من يجرّم الإنسان الذي تفلَّت من كلّ مبادئ الأخلاق، وسُنن الفضيلة، وشرائع الخير. فأخذ يعيث في الأرض فسادًا. مستند هذا التجريم إدانة الحرّيّة الإنسانيّة التي يجب من الآن فصاعدًا ضبطها وتقييدها وإخضاعها. ومنهم من ينسب البلاء إلى «مشيئة تاريخ العالم المِتافيزيائيّة في الأزمنة الحديثة»[14]، ولكأنّ التاريخ يخضع لحكم ماورائيّ يُملي على الإنسان أن يُغرق في استنفاد طاقات الطبيعة، على نحو ما يشير إليه هايدغر في تحرّيه عن أسباب نسيان معنى الكينونة. ومنهم من ينسب إلى المشيئة الإلهيّة افتعال هذه الآفة اقتصاصًا من النّاس الذين كفروا وأشاحوا بنظرهم عن الدِّين القويم. ولكلّ قومٍ دينُهم القويم الذي لا يخلص الناسُ إلّا به. من جرّاء هذا التصوّر الغيبيّ، يتوهّم بعضُهم أنّ استعطاف العزّة الإلهيّة بالدّعاء يرفع عنهم وباء الكورونا. فإذا بهم يهينون الاختبار الإيمانيّ والحرّيّة الإنسانيّة على حدّ السواء. إذا ثبت للمؤمن أنّ الاختبار الإيمانيّ ضروريٌّ، فإنّ الله، بحسب اللاهوت القويم، لا يريد بالإنسان سوءًا، ولا يقتصّ منه اقتصاص الإذلال والإماتة. عوضًا من إقحام الله في عمليّة ردِّ البليّة، ينبغي للمؤمن أن يطلب المعونة الإلهيّة من أجل تغيير ما بنفسه من وهن وجبن وحقد وخبث وجشع حتّى تنقلب عزيمته ناصعةً صالحةً ماضيةً. فالله لا يغيّر في الوقائع المادّيّة تغييرَ الساحر المتفنّن، بل يُلهم الفؤاد الإنسانيّ حتّى يغيّر هو ما حلَّ بالبشريّة من مصائب جرّتها عليها شرورُ الإنسان المتفاقمة. ليس الدِّين سحرًا، بل اختبارُ نضج أخلاقيّ والتزام إنسانيّ ورقيٍّ حضاريّ.

وكذلك الأمر في الحقل الثالث حيث يُصرّ الناسُ على نظريّاتهم في تسويغ الحدث التاريخيّ. منهم من يغالون في الدفاع عن حتميّة المسرى التاريخيّ، فيبطلون به كلّ إمكانات الفعل الإنسانيّ الحرّ؛ ولكأنّ الإنسان دميةٌ من دمى الزمان يطوّح بها كيفما شاء وأنّى أراد؛ ولكأنّ الزمان يحمل في تضاعيفه بذورَ قرارٍ منفصل عن إرادة الإنسان، فردًا وجماعةً؛ ولكأنّ قرارات الدهر تنطوي على حكمة تفوق مجموع العبَر الثمينة التي استخرجها الناسُ منذ تفتّح الوعي الإنسانيّ. منهم من يستسلمون لنظريّة المصادفة المحضة التي تخبط خبط عشواء. فتارةً تُسعد الناس بما تُفرج عنه من مفاجآت الهناء والحبور، وتارةً أخرى تنكبهم بما ينفجر فيها من طاقات الإساءة والإهانة، ولكأنّ التاريخ مطيّةٌ خانعةٌ تركبها المصادفة ركبًا قاهرًا، وتسير بها حيث لا تشاء. فات هؤلاء جميعًا أنّ التاريخ لا قانون له سوى القانون الذي يستخرجه العقلُ الإنسانيّ من معاينته الحكيمة وتأمّله الحصيف في الوضعيّة الطبيعيّة الشاملة التي ينتظم بها وجودُه الإنسانيّ على وجه العموم[15].

في هذا الاجتهاد التفكّريّ يتّضح أنّ المسؤوليّة الجليلة ملقاةٌ على عاتق العقل الإنسانيّ وحده؛ لأنّه هو القادر على وزن الأمور بميزان الاستقامة والسلامة والنباهة والإصابة الإدراكيّة. وحده العقل السليم يستطيع أن يدرك أنّ التاريخ كتلةٌ من الوقائع، لا كتلةٌ من القوانين. لذلك تجتهد فلسفة التاريخ في استجلاء معنى الوقائع من دون أن تُطبّق عليها في قوالب انتظاميّة قاهرة. فالحكمة تقتضي اجتناب محنة الانغلاق الشموليّ على المعنى، أي إغلاق معنى التاريخ إغلاقًا إقصائيًّا استعلائيًّا تحجيريًّا، بحسب ما كان ينبّه إليه عالم النفس الفرنسيّ جاك لاكان (1901-1981)[16]. انفتاح التاريخ الإنسانيّ رحمةٌ للناس وللعقل. فالإنسان، حين يحجر على نفسه في تصوّر تاريخيّ ضيّق يحدّد له إمكانات مسعاه ونضاله وكدحه، يُصاب بضرب من الخيبة والتعثّر، إذ إنّ استباق الخاتمة على وجهٍ من الوجوه يُفقد الطموح الإنسانيّ المحفِّزات البنيويّة التي ينطوي عليها المجهولُ يستشرفه الإنسانُ في أبهى إطلالالته المقبِلة.

في المنعطفات الخطيرة، يحلو للناس أن يتناظروا في استخراج معنى الاضطرابات الكونيّة. فيذهب بعضُهم إلى التنبّؤ بقيام الساعة، ويُصرّ بعضهم الآخر على عبثيّة المجرى الزمانيّ الاعتباطيّ، فيما يكتفي بعضهم بمعاينة التحوّلات التاريخيّة الطارئة من غير أن يُلبسوها رداء تصوّراتهم واقتناعاتهم وترقّباتهم وآمالهم. لا تُربكني هذه الاجتهادات إلّا حين تتصلّب الأذهان في تسويغها والدفاع المستميت عنها خلافًا لأصول المنطق السليم. ذلك بأنّ الإنسان تحييه حرّيّته الواعدة التي تمنحه بهجة المجازفة واختبار الحدود القصوى[17]. أمّا إذا انطوت أيّامُه على التكرار المملّ في تصوير الغاية المعروفة، فإنّه ذاهبٌ لا محالة إلى الانقباض الاكتئابيّ. فما الفارق الجوهريّ بين حقبةٍ من التاريخ القديم وحقبةٍ من التاريخ الحديث وحقبةٍ من التاريخ المعاصر؟ في جميع هذه الحقَب، اختبر الناس كلّ أصناف السعادة والحزن، وكلّ ألوان العدالة والظلم، وكلّ ضروب الصلاح والفساد، وكلّ طبقات العلم والجهل، وكلّ هيئات التعقّل والجنون، وكلّ أنواع الرجاء واليأس. الأعظم في هذا كلّه أن يستدرك الإنسانُ مآلات واقعه، فينصرف بالتأمّل الهادئ والمعاينة الثاقبة إلى إكرام الكنز المدفون في أعماق كيانه، كنز الكرامة الذاتيّة والحرّيّة المسؤولة والرقّة التعاطفيّة التضامنيّة الكونيّة. في غير هذا السبيل نسير جميعًا إلى الهاوية، فنجعل التاريخ البشريّ مستنقعًا لأبشع ضروب الفساد والشرّ والموت.

ثانيًا، صراع الإيديولوجيات واختلال العقل الاقتصاديّ الكونيّ

اجتنابًا لسقوط التاريخ الإنسانيّ في مهلكة الفساد، ينبغي أن ننظر نظرًا نقديًّا في تصرّف الأمم والشعوب والمجتمعات، وقد تسلّحت بتصوّراتها الإيديولوجيّة المتباينة ومصالحها القوميّة الجيوسياسيّة المتضاربة. من عِبَر التاريخ أن يدرك المرء انعطاب المثُل العليا في تضاعيف الرؤى والخطط والقرارات والأفعال التي تنجزها الأنظمة السياسيّة صونًا لهذه المصالح. في هذا السياق، يُجمع أهلُ البصيرة على القول بأنّ الأنظمة الرأسماليّة والشيوعيّة والإيديولوجيات القوميّة والدينيّة والاقتصاديّة النفعيّة أضرّت بالإنسانيّة أيّما ضرر. اجتهدت جميعُ هذه الأنظمة والإيديولوجيات في الانتصار لتصوّراتها المعرفيّة والمسلكيّة المتطرّفة، فأهملت الشخص الإنسانيّ في صميم جوهره، وعمق كيانه، وأصالة كرامته، ومعنى حرّيّته، وجميل وعيه، ومسعى عقله، ورهافة وجدانه[18]. لذلك لا يمكن أن تنفصل مأساة الكورونا عن هذا المسرى التسلّطيّ الذي اتّبعته هذه الأنظمة في ادّعائها القدرةَ على صون الإنسان ورعايته وإنعاشه وتعزيزه وتطويره.

من المحزن أن نرى التراث الفكريّ الإنسانيّ المبثوث في تضاعيف جميع الحضارات يذبل ويذوي وينكفئ، وقد أوشكت أن تجهز عليه مثلُ هذه الأنظومات الفكريّة والسياسيّة الملتوية[19]. في هذا السياق، لا بدّ من الاعتراف بأنّ الإسهام الفكريّ الأُروبّيّ الذي تجلّى في عصر النهضة وعصر الأنوار وعصر الحداثة رسم للإنسانيّة سبيلًا راقيًا من التدبّر الحصيف الواعد. غير أنّ رقيّ هذا الإسهام الأُروبّيّ عطّلته تعطيلًا جسيمًا عواملُ الانحراف التي أصابت الأنظمة السياسيّة الغربيّة، ولاسيّما خارج أسوار المجتمعات الأُروبّيّة، وامتحنته امتحانًا قاسيًا ارتداداتُ الفكر الغربيّ العبثيّة التي أصابت هذه المجتمعات منذ منتصف القرن العشرين وفي أوائل القرن الحادي والعشرين، وأذلّته إذلالًا قبيحًا تواطؤاتُ القوى الخفيّة التي تضرب في أعماق المباني الفكريّة والحياتيّة وفي مسرى المحافل السياسيّة والمنتديات الاقتصاديّة والمجامع العلميّة[20].

إذا ما نظر المرء في هويّة القوى المؤثّرة في زمن الكورونا، ألفى نفسَه محاطًا بحلقتين عظيمتين من سلاسل الأسر والعبوديّة. الحلقة الأولى تضمّ أربعة بلدان عظمى تؤثّر تأثيرًا فاعلًا مباشرًا في مسرى الأحداث، عنيتُ بها الولايات المتّحدة الأمِيركيّة والصين والاتّحاد الأروبّيّ وروسيا، فيما الحلقة الثانية تشتمل على قوى تخطيطيّة إنتاجيّة عابرة الحدود، ألا وهي دوائر الاستخبارات العالميّة، ومنتديات البورصات والنفوذ المصرفيّ الماليّ، وتجمّع مُصنِّعي الدواء ومختبرات الأبحاث العلميّة العلنيّة والمكتومة، ومحافل الالئتامات السرّيّة كالماسونيّة والصهيونيّة ومنتدى المستنيرين (الإيلُّميناتي) ومنتدى المغفَّلين (الأنونيمُس)، وما شاكل ذلك من أخلاط بشريّة تتواصل تواصلًا منفعيًّا ينتهك حدود الدوَل والدساتير والنواميس والشرائع، وتجمُّع مصانع الأسلحة الناريّة والضوئيّة والنوويّة والكيميائيّة والبيولوجيّة، وشركات الإعلام العالميّة الأخطبوطيّة الضخمة في جميع هيئاتها المقروءة والمسموعة والمرئيّة والإلكترونيّة.

فلا أهل العرب، ولا أهل أفريقيا، ولا أهل الهند، ولا أهل أمِيركا الجنوبيّة، قادرون على التأثير في مجرى الأحداث الكونيّة الحاسمة. ولا هم يستطيعون أن يتدبّروا مسائل الخروج من التأزّم الكونيّ الذي أفضى بنا إلى هذا الاضطراب البنيويّ الناشب في ثنايا الوجود الحيّ، وقد اعتلن اعتلانًا مربكًا في فيروس الكورونا. اقتناعي الراسخ هو أنّ جائحة كورونا مقترنةٌ اقترانًا وثيقًا بالإهمال المسلكيّ الكونيّ، أي بالسياسة العالميّة التي تُفرَض علينا فردًا فردًا في دوائر الاستعباد هذه. لقد أصبحنا عبيدَ التصنيع المتفلّت، والتسويق المجنون، والإعلام المسيَّر، والمنفعيّة الهوجاء، والتسلّطيّة الجامحة. غير أنّ السؤال الأخطر الذي ينبثق من معاينة الاضطراب الكونيّ لا بدّ له من أن يستفسر عن أسباب تحوُّل الرقيّ الإنسانيّ الحديث، ولاسيّما في أُروبّا، إلى سيلٍ جارف من الانحطاط والاستفساد.

أوروبا والاستبداد المركب

لن يجرؤ كثيرون على ترصّد أحوال الانقلاب الذي أصاب الفكر الإنسانيّ الحديث، خصوصًا في التحرّي عن التحوّلات التي انتابت كلَّ قوّة من هذه القوى الكونيّة الأربع. أجازف فأستطلع كيف انتقلت أُروبّا من طور الاستبداد (القرون الوسطى)، إلى طور الاستبداد المستنير (القرن الثامن عشر)، إلى طور الإنسيّة الدِّموقراطيّة (القرن التاسع عشر حتّى منتصف القرن العشرين)، ومن ثمّ إلى طور التفكيكيّة والعدميّة في الفكر، وطور الفرديّة العبثيّة في الاجتماع، والرأسماليّة المتوحّشة والاستهلاكيّة المفرطة والمضاربة المصرفيّة الأسهميّة الافتراضيّة في الاقتصاد والسياسة[21]. وأجازف فأستجلي باقتضاب كيف تحوّلت الولايات المتّحدة الأمِيركيّة من براءة التأسيس الأصليّة والتعاطف الكونيّ الودود[22] إلى انحرافات الرأسماليّة المستقبحة وغلواء الاستعلاء والاستكبار والهيمنة[23]، وكيف تقهقرت روسيا من مرحلة الاستبداد الإمبراطوريّ المستنير إلى مرحلة الاستبداد الشيوعيّ المهلِك، وما لبثت أن ارتدّت إلى مرحلة اليقظة القوميّة المزهوّة بشيءٍ من الاقتدار المسكونيّ المنعطب[24]، وكيف تبدّلت سماتُ الحضارة الصينيّة من زمن الصوفيّة الحِكْميّة الأصليّة إلى زمن الانتهازيّة الاقتصاديّة الآليّة الروبوتيّة، مرورًا بما يُدعى بالثورة الثقافيّة الاجتماعيّة الماويّة[25].

لا يظنّنّ أحدٌ أنّ جائحة الكورونا منعزلةٌ عن سياق هذه التحوّلات الكونيّة الخطيرة. فكلّ عناصر الكون يقترن بعضُها ببعض اقتران العلّة بالمعلول. والحياة الكونيّة شبكةٌ من الارتباطات العميقة تنشط من أقاصي الأرض إلى أقاصيها، فتؤثّر تأثيرًا بالغًا في توجيه الحياة الإنسانيّة وضبط تموّجاتها واستثمار تفاعلاتها. من المحزن أنّ أطوار الفكر الإنسانيّ الراقي، وهو ما يُدعى بالإنسيّة المتجلّية في جميع هذه البلدان، ولا سيّما في القارّة الأُروبّيّة، خنقتها الانحرافاتُ الاقتصاديّة والسياسيّة التي أصابت الوعي الإنسانيّ فردًا وجماعةً. من المفيد في زمن الخلوة الكورونيّة أن نستذكر أقوال الفيلسوف الألمانيّ إدموند هوسِّرل (1859-1938) في وصيّته الفلسفيّة التي نُشرت بعد وفاته حاملةً عنوانًا بليغًا أوردُ الجزء الأوّل منه: أزمة (Krisis) العلوم الأُروبّيّة[26]. في اعتقاده أنّها أزمةٌ ناشئةٌ من التناقض بين علوم الطبيعة وعلوم الحياة الإنسانيّة. فالعلم الحديث لا يستطيع أن يشفي الوعي الأُروبّيّ، إذ هو سببٌ من أسباب الأزمة الأُروبّيّة، يجرّ في تطبيقاته التقنيّة على أُروبّا أبشعَ أصناف البربريّة.

الحقيقة أنّ العلوم شيَّأت الواقع، وجعلته موضوعًا للتسلّط الذهنيّ والهيمنة الحسّابة. من عواقب هذا التشييء سيطرةُ الاقتصاد الخانقة على مجرى الوجود. فالعالم الإنسانيّ الحيّ (Lebenswelt) ليس موضوعًا للبحث المادّيّ التجريبيّ، بل تجدر مقاربته مقاربةً تليق بخصوصيّته، وبكرامة الوجود الإنسانيّ المبنيّ على التعاطف الوجدانيّ، والمودّة المتضامنة، والتشارك البنّاء المغني. لا يجوز، والحال هذه، أن تنشأ هوّةٌ عظيمةٌ بين علوم الطبيعة بجميع أشيائها وعلوم الحياة، ولكأنّ الحياة عصيّةٌ على التدبّر الهنيّ، أو لكأنّ الأشياء هي كلّ الحياة. فالاقتصاد ليس كلّ الوجود، والسياسة ليست كلّ الوجود، والتقنية ليست كلّ الوجود. لا يُنتشل الإنسانُ من هذا «الغرَق الشكّيّ»، على نحو ما يُفصح عنه هوسِّرل، إلّا بإعادة تأهيل العقل المتعاطف مع سنّة الحياة الإنسانيّة ومنعتها وكرامتها وخصوصيّتها.

في هذا الكتاب الوصيّة يتأمّل هوسِّرل في الإنسان، وقد تحوَّل ذاتًا تتفكّر في العالم، وموضوعًا قابلًا للأخذ والتحليل والتشريح الاختباريّ. رأيي أنّ أُروبّا فقدت بعضًا من إنسيّتها الفكريّة ومن رقيّها الإنسانيّ حين أهملت الذاتَ الإنسانيّة فاعلًا أساسيًّا في التاريخ، وحوَّلتها إلى موضوعٍ للاختبار العشوائيّ، ولاسيّما في مختبرات العلوم والاقتصاد والسياسة. أمّا الحقيقة الأصليّة القبْليّة الكونيّة الشاملة، فهي أنّ الذات الإنسانيّة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بعالم الحياة. غير أنّ المسكونة اضطربت في زمن ما بعد الحداثة؛ لأنّ الأنظومات السياسيّة والإيديولوجيات القوميّة والدينيّة سلخت الذات عن الحياة، فجمّدتها في هيئة واحدة خانقة، عنيتُ بها هيئة الخضوع العَبديّ والاستهلاك المميت. لا بدّ هنا من التذكير بما كان يردّده هايدغر في استقصاءاته الأونطولوجيّة التي تناول فيها مصير الإنسيّة الأُروبّيّة: «أُروبّا اليوم هي مريضة، [...] والعصر الحاليّ آخذٌ في الانحدار»[27]. وفي محاورته المفكّر اليابانيّ، أعلن أنّ الزمن هو زمن الأَوربة، أي زمن خضوع البشريّة للذهنيّة الأُروبّيّة التي أغفلت حقيقة الكينونة العميقة. مثل الظاهرة هذه في «أَوربة الإنسان والأرض تُغير على كلّ ما هو جوهريّ وتقضمه في جذوره. كلُّ الينابيع تبدو محكومةً بالنضوب»[28]. في عرف هايدغر أنّ نسيان الكينونة هو أصل البلاء في تشويه عالم الحياة وعالم الإنسان على حدّ السواء. لذلك يجب على الغرب، ولاسيّما أُروبّا، إنقاذ الجوهر، أي استخلاص المعنى السحيق الذي يليق بالأشياء وبالكائنات وبالموجودات حتّى ينعتق الإنسان من سطوة التقنية الجارفة وتستعيد الحياة جريانها العفويّ المنعش.

عالم الحياة هو التربة الأصليّة التي تحتضن تفتّحات الوجود الإنسانيّ الفرديّ والجماعيّ، وتقتبل انفعالات الوعي في سعيه إلى إدراك معاني التلاقي الكيانيّ والنشاط الإبداعيّ في جميع أبعادهما. في مستطاع الإرث الفكريّ الإنسانيّ الأُروبّيّ أن يهب البشريّة مثالًا راقيًا من الكرامة والحرّيّة والمساواة والأخوّة. غير أنّه ابتُلي بأزمة بنيويّة حادّة، نجمت عن تسلّط تأويلٍ خاطئ تناول إسهامًا جليلًا من إسهاماته، عنيتُ به التأويل الدِّكارتيّ الحسابيّ الرياضيّ التتبّعيّ التدقيقيّ وهيمنته على الوجود الإنسانيّ. وما الاقتصاد العالميّ سوى الوريث الشرعيّ لمثل هذا الفكر العلميّ التعقّبيّ الاستغلاليّ الاستئثاريّ الذي يُطبق على عالم الحياة، ويحوّله إلى بركان متّقد من الإنتاج التضخّميّ المفرط، والاستهلاك الاحتباسيّ الموجَّه. 

لا خروج من الأزمة إلّا بتحرير الحياة من براثن الحسابيّة الإنتاجيّة الآليّة، وإخضاع العلوم لإرشاد الفكر الإنسانيّ الذي تقوده الفلسفة من أجل إعادة اكتشاف الذات الإنسانيّة الحرّة الواعية القادرة على التنعّم ببركات الوجود على غير ما تفرضه علينا الإعلاميّاتُ السوقيّة الافتراضيّة المزيّفة. ذلك بأنّ علميّة المسعى الإنسانيّ لا تقتضي حتمًا إذلال الناس والأشياء والكائنات والموجودات، وإخضاع الكلّ لمقياس التحليل الاستقصائيّ الاختزاليّ النفعيّ، بل تقوم العلميّة السليمة على انتهاج سبيلٍ جديد من احتضان تدفّق الحياة في عالم الإنسان الحكيم المستنير المتبصّر، الزاهد في المقتنى، الراغب في الملتقى، التائق إلى المرتقى.

ثالثًا، التحوّل الخلاصيّ في مفهوم العمل الإنسانيّ

 من الواضح إذًا أنّ تصرّف الإنسان في الكون هو الفعل التاريخيّ الذي ينبغي أن تتحقّق فيه التحوّلات الخلاصيّة المنشودة. فالإنسان يحيا عاملًا، فاعلًا، مؤثِّرًا في مسرى الأشياء والأحداث. ويتجلّى عملُه في صيغ شتّى، من أرفعها سموًّا، بحسب هايدغر، الفكرُ المستذكر الخلّاق الذي يستوي شعرًا بليغًا: «إنّ ما هو أساسيّ في اكتشاف الواقع لم يتحقّق ولا يتحقّق بالعلوم، بل بالفلسفة الأصليّة وبالشعر العظيم وتصميماته (هومِرُس، فيرجيل، دانتِه، شِكسبير، غوتِّه). فالشعر يجعل الكائن أوفر كائنيّة (seiender)»[29]. أمّا الأفعال الأخرى، فإنّها تستقيم على قدر ما تنسج قوامَها على مثال الاستذكار الرضيّ. وعليه، فإنّ التحوّل الذي يضطرّنا إليه الكوفيد التاسع عشر قد يحمل إلينا وعود التحرّر من العمل الإنهاكيّ الانتفاعيّ؛ ليُفضي بالإنسان إلى اختبار نشاط إنضاجيّ رزين يليق بكرامته وبكرامة الأشياء، وخصوصًا بكرامة الكينونة المنغلّة في ثنايا الوجود والحياة.

لا شكّ في أنّ الكورونا سوف يغيّر من نظرتنا إلى العمل الإنسانيّ برمّته، إذ إنّ الصدمة التي استحدثها أصابت تصوّراتنا الثقافيّة والأنتروبولوجيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة والسياسيّة[30]. أجل، إنّ الكورونا سوف يبدّل تصوّراتنا في قضايا الزمان وعلاقتنا به، وفي مسائل النشاط والعمل والإنتاج، وفي مشاكل الاستثمار العدوانيّ، والتسريع الإنجازيّ، والاستهلاك الاستنفاديّ، والتنافسيّة الإقصائيّة الفتّاكة، وما إلى ذلك من رؤى وخطط وتدابير تُدرّسها كلّيّات علوم الاقتصاد وإدارة الأعمال. يبدو لي أنّ الضرورات والأساسيّات والأولويّات قد تتبدّل تبدّلًا كلّيًّا، إذ إنّ الناس طفقوا اليوم يدركون أنّه في إمكانهم أن يحيوا حياةً أخرى، وينشطوا نشاطًا مختلفًا، ويُنتجوا إنتاجًا جديدًا، ويُبدعوا إبداعًا فذًّا لا يهيمن عليه منطقُ السوق.

من الممكن أن يبدأ التحوّلُ من نظرة الإنسان الكورونيّ إلى الزمان. في عصر العولمة الذي هيمنت عليه هيمنة قاتلةً النيوليبراليّة المتوحّشة[31]، المتفلّتة من قيم الأخوّة الإنسانيّة والتضامن الكونيّ والمساواة الحقّ والعدالة المنصفة، أضحى الزمان موضع الإنجازات المتحقّقة، لا منفسح الاحتمالات الحرّة. لشدّة الرغبة في السرعة، فقد الإنسان المعولم القدرة على التنعّم بجريان الزمان الحرّ. فكفَّ عن مصاحبة الزمان، وأكبّ يطلب ترويضه وتدجينه وتوقيته بحسب مواعيد طموحاته التكنولوجيّة. فإذا بالناس يعاكسون طبيعة الجريان الحرّ الهادئ، فيبتدعون زمانًا متسرِّعًا يختزلون فيه لحظاته ودقائقه وساعاته، ويختصرون به دفق الحياة كلّها. غير أنّ فعلتهم هذه أفضت بهم إلى اختبارات مريرة أفقدتهم الشعور بالزمان. فكم من تأوّهٍ ينثبق من صدور الناس، وهم يحترقون اشتياقًا إلى التنعّم بمنعتَقٍ من الوقت! والوقت ينسلُّ من بين أضلعهم من غير أن ينعموا به، حتّى أضحت العبارة الشهيرة التي تصاحب وجودنا المعولم: «لا وقت عندي»! فأين ومتى وكيف وبمَ ولمَ انقضى الوقت، ومضى الزمان، وتدحرجت الحياة؟

من الواضح أنّ أزمة الحجر ستضطرّ الناس إلى تناول الزمان في مجراه الصحيح، فيمنحون أنفسهم حرّيّة التفكّر في تناسل الوقائع، وتدافع الأحداث، وتعاقب الأفعال. من فضائل التباعد الجغرافي أنّه سيهب الإنسان الكورونيّ القدرة على الانفصال الحكيم عن الحدث، وسيجعله ينعتق من محنة الالتصاق الأعمى بالإنجازيّة المتسرّعة والفاعليّة القاهرة. ومن ثمّ، فإنّ التحوّل في اختبار جريان الزمان سيُفضي إلى تصّور ثقافيّ جديد يتناول العمل الإنسانيّ في أصل مقامه. يحضرني هنا ما قاله المفكّر الألمانيّ إرنست يونغِر (1895-1998) الذي شارك في الحربَين العالميّتَين الأولى والثانية، وتأمّل في الاضطرابات الكونيّة التي صاحبت الحرب الباردة، وعاين التحوّلات الثقافيّة الجليلة التي طرأت على البشريّة في إثر سقوط حائط برلين، وتبدّل المشهد الجيوسياسيّ العالميّ، وانفجار الثورات العلميّة الرقميّة. في الطور الأوّل من أطوار فلسفته الاجتماعيّة، أنشأ كتابَ العامل (Der Arbeiter)[32]، واستودعه ضمّةً من التصوّرات التي تعاين في صفة العامل الهويّة الأنتروبولوجيّة الأساسيّة التي ينعقد عليها الواقعُ الإنسانيّ برمّته.

الإنسان الحديث كغرضٍ للتقنية

في صورة العامل لا يكتفي الإنسان بأن يكون هو الذات الفاعلة في الإنجاز التكنولوجيّ المعاصر، بل يصبح غرضَ التكنولوجيا ومادّتها وموضوعها وحقلها الاستثماريّ. ذلك بأنّ العمل هو كالنّار يلتهم كلّ الإمكانات، ويُطبق على كلّ الموجودات، ويستبيح كلّ القطاعات. فإذا به يمنع عن الإنسان إمكان التفكير في اللاعمل الاختياريّ، أو في العطالة الطوعيّة، أو في البطالة الذاتيّة. في هذه القرائن يغدو العملُ الواقعَ كلّه، بحيث يكفّ عن أن يكون له ضدٌّ أو نقيضٌ أو مقابلٌ. فالوجود كلُّه إمّا وجودٌ عاملٌ، وإمّا عدمٌ غائرٌ. وما من حالٍ متوسّطة بين الطرفَين. ليس للموجود إلّا أن يكون ناشطًا في وجه من الوجوه. ولا حرّيّة للإنسان إلّا من داخل مقولة العمل. العامل هو إذًا الهويّة الإنسانيّة الثقافيّة المهيمنة في زمن العولمة، وهو البوتقة الصاهرة التي تستقطب الواقع الإنسانيّ في جميع جوانبه وأبعاده. من جرّاء ذلك كلّه، يصبح العملُ المبدأ الجوهريّ المِتافيزيائيّ الذي ينظّم الحياة ويضبطها ويقوّمها، ويهبها المعنى الأنسب والأفعل والأرقى.

إنّ مثل هذا التصوّر الثقافيّ أفضى إلى الانفجار الإنتاجيّ الكونيّ الذي أباحته آليّات العولمة الكاسحة. لا ريب في أنّ العمل يحرّر الإنسان، ويمكّنه من تحقيق الكثير من الطاقات والإمكانات والقابليّات التي يزخر بها كيانُه. بيد أنّ العمل، وقد انضوى إلى مقولة الشمول المطلق، فاجتاح الوجود كلَّه اجتياحًا مهلكًا، إنّما يقلب الحرّيّة المزعومة إلى قيد احتياطيّ وأسر تجميليّ. فهل يجوز للإنسان ألّا يعمل؟ أو هل يحقّ له أن يعمل عملًا أساسيًّا زهيدًا يضمن به رزقه ومؤونته، منصرفًا في ما خلا ذلك إلى الاستمتاع بالوجود على وجوه أخرى، وفي سبُل مغايرة، وبكيفيّات جديدة؟

لقد أعاد إرنست يونغر في طوره الفكري الثاني النظر في هذا التعريف، وآثر التحوّل من مقولة العمل الانتهاكيّ الشموليّ إلى مقولة العمل السكينيّ الإنضاجيّ[33]. ما كان يجرؤ في أوّل عهده على استجلاء صورة الإنسان اللاعامل، ولا سيّما في قرائن الإيديولوجيات القوميّة والسياسيّة والاقتصاديّة التي كانت تتنازع القارّة الأُروبّيّة في العقود الثلاثة الأوائل من القرن العشرين. ولكنّه ما لبث أن ارتدّ إلى تصوّر فلسفيّ سكونيّ جعله يُعرض عن الاهتمام بأفعال الناس، ويقف ذاته للتحرّي العلميّ عن مسالك الحشرات، مفضّلًا النمط الوجوديّ المزدان بالهجرة الوجدانيّة الذاتيّة، والانعزال الطوعيّ، والانفعاليّة السكونيّة، والاستبصار الباطنيّ السحيق.

إنّ الكورونا يدفع بنا دفعًا إلى التحرّر من مثل هذا التصوّر الثقافيّ. فالعمل، بلا أدنى شكّ، سمةٌ أساسيّة في الوجود الإنسانيّ. ولكنّه يحتمل تأويلات شتّى. وليس التأويل الذي اقترحه يونغِر في ريعان شبابه الفكريّ هو الأنسب في قرائن التأزّم الكونيّ الحاصل. أرى أنّ العمل الإنسانيّ يجب أن يتحرّر من شموليّته ومن غائيّته الإنتاجيّة. فالإنسان الأوّل كان يحيا من دون عمل، ما خلا العمل الأساسيّ المحدود النطاق الذي كان يضمن له الاسترزاق اليوميّ. وما كان مهجوسًا بالادّخار والتموين والرصف التراكميّ الدهريّ. ومن ثمّ، فإنّ الإنسان ينبغي له اليوم أن يقاوم منطق العمل الاستثماريّ الإنتاجيّ العدوانيّ، ويؤثِر العمل الإثماريّ الإنضاجيّ السلميّ يصاحب تفتّحاتِ الكائنات، ويراعي إيقاعاتِ الجريان الكونيّ الحرّ. لستُ أتخيّل الكون الأعلى مضطربًا بالهيجان العامليّ الذي نعاينه في مجتمعات العولمة المستشرية. فحركة المجرّات والكواكب والمذنّبات تسير الهوينا، وتتراقص على وقع النبض الفضائيّ الحرّ.

آن الأوان إذًا لكي يدرك الإنسان أنّ العمل ليس للإنتاج المادّيّ، بل للإسعاد الكيانيّ. وإذا ما اضطرّ إلى التباعد الاجتماعيّ والعمل البُعديّ (télétravail)، فإنّ هذا الاضطرار هو خلاصيٌّ تحرّريٌّ يستبق الخيرات الوجوديّة التي تنطوي عليها الوضعيّات النشاطيّة الجديدة. في ظنّي أنّ الإقبال على العمل البُعديّ الإلكترونيّ الرقميّ سيعيد إلينا بعضًا من اختبارات العمل القديمة التي تنعَّم بها الإنسانُ الأوّل، حتى ولو انسلكت في سياقات الأزمنة المعاصرة. مثل هذا العمل سوف يبدّل في أحكام العولمة الثقافيّة والاقتصاديّة لأنّه سيمنح الإنسان القدرة على استعادة اختبار الزمان الحرّ، والقدرة على استعادة اختبار القربى الإنسانيّة الرقيقة، والقدرة على استعادة اختبار الحسّ النقديّ الذي يفقده الإنسان حين يلتصق بمراكز الإنتاج ومبانيه وآليّاته وتدابيره الصارمة.

أشعر بأنّ العمل البُعديّ الإلكترونيّ الرقميّ، وقد انعطفت عليه وقاياتُ التباعد الاجتماعيّ الطوعيّ، سيتيح للإنسان أن يتفكّر في ما يفعله ويصنعه وينتجه، وسيهبه الاستطاعة الذهنيّة التي تؤهّله لكي ينتقد مسرى إنتاجه كلّه بفضل المسافة الشاشيّة التي تحفظ له حرّيّة الفعل وردّ الفعل. فالنظر من على الشاشة والإمساك بأرحب مدى من المسافة النقديّة الفاصلة يجعلان الإنسان قادرًا على المساءلة الآنيّة التي تصاحب كلّ فعل من أفعاله. ومن غريب المصادفات أن يكون العملُ البُعديّ الإلكترونيّ الرقميّ هو السبيل الذي سوف يضمن للإنسان أن يؤنسن عمله ويضخّ فيه طاقات الذهن المتبصّر، والعقل الراجح، والحدس الهادي، والإحساس المدرك، والشعور النافذ.

مفارقات الاجتماع والتباعد

من مفارقات الكورونا أنّ الناس في زمن العولمة والضجيج الآليّ والصخب التسويقيّ كانوا في غمرة تلاصقهم الاجتماعيّ يعانون آلام الفردانيّات المنعزلة، المنطوية، المنكفئة، فيما الناس اليوم في صميم عزلتهم الحجريّة يعزّزون قيَم التواصل البُعديّ الشاشيّ، ويثمّنون فضائل البوح العفويّ المتلهّف، ويستثمرون طاقات التعاطف الرحيم. وقد يأتي ذلك كلّه من العزم على أنسنة العمل وضبطه على إيقاع الطبيعة البليغة بصمتها، والزمان النابض بسكونه، والكائنات الملهِمة بخفَرها.

مشكلة العولمة أنّها أخضعت العمل والعامل لمنطق الإنتاج المحض، وجعلت الإنتاج غاية الإنتاج، فشوّهت الليبراليّة العقلانيّة، وقيّدتها بمبدإ المعادلة الكونيّة الشاملة. تقضي هذه المعادلة بأن يكون لكلّ موجود، ولكلّ كائن، ولكلّ حال، ولكلّ شيء ما يعادله قيمةً وسلعةً وعملةً. إنّه، لَعمري، انحرافٌ خطيرٌ في الحضارة الإنسانيّة. فالأنظومة الليبراليّة العقلانيّة الاجتماعيّة المعتدلة لا تسمح بتسليع الموجودات الإنسانيّة، وتسخير الإمكانات الإبداعيّة الحرّة في خدمة العمل الإنتاجي البحت. فالحياة الإنسانيّة أرقى من مردودها، والذات الإنسانيّة أرفع من إنتاجيّتها، والوعي الداخليّ الباطنيّ الغوريّ أغنى من سطحيّاته المتحقّقة.

ومن ثمّ، يُصرّ أهل الاعتدال الليبراليّ على الجزم بأنّ الحياة لا تُباع ولا تُشترى. ثمّة أمورٌ في الوجود الإنسانيّ لا يمكن تصنيعها وتسليعها وبيعها، ولا ثمن لها على الإطلاق، ولا هي تخضع لأحكام المعادلة الكونيّة الشاملة هذه. يحلو للفليسوف الأمِيركيّ مايكِل ساندِل (1953-....) أن يعاند منطق الأسواق المتوحّش، متخيّرًا بعضًا من حقول الاختبار الإنسانيّ لكي يعصمها من لوثة المقايضة الفتّاكة[34]. فالحبّ والإنجاب والصحّة والتربية والمواطنة والبيئة حقولٌ اختباريّة في الوجود الإنسانيّ الفرديّ والجماعيّ لا يجوز على الإطلاق عرضها للبيع والشراء. إذا أرادت الجماعات الإنسانيّة أن تصون معنى الحياة في جمال أبعادها وبهاء قيَمها ورونق إحساساتها، فإنّه لا يجوز لها أن تساوم على ثمن القيمة، أي ثمن التضحية الحرّة، وثمن الخدمة المجّانيّة، وثمن العلاقة الطيّبة بين الناس. فلا يليق بنا أن نسعّر قرار الإنسان الطوعيّ في وهب عضوٍ من أعضائه أو مصلٍ من دمائه. ولا يصحّ أن نمنح المرأة المدمنة ألف دولار لكي تعقّر أحشاءها وتستعقم رَحِمَها. ولا يجوز أن نسمح لأمّ أن تنقش على جبينها نقشًا دامغًا عنوانًا ترويجيًّا لشركة تجاريّة من أجل أن تقبض ثمن تطبيب ابنها المريض.

لا يحقّ للناس في زمن العولمة أن يجعلوا العمل في خدمة الإنتاج والتسليع والرغبة الاقتنائيّة الشاملة. ثمّة أمورٌ في الحياة، وحقائقُ في الوعي، وقيَمٌ في الوجود، واختباراتٌ في الذات لا يجوز على الإطلاق أن تُشترى وتُباع، وأن تحدِّد لها السوق الهوجاء ثمنًا مادّيًّا، ولو بلغ آلاف مليارات الدولارات وذهب الأرض كلّه. وفي هذا السياق أستذكر قولة الفيلسوف الفرنسيّ جان-لُك نانسي (1940-....) في الجماعة المتعطّلة[35] التي ترفض أن تكون مجرّد ثمرة من ثمار الإنتاج الكونيّ الجارف. يدلّ القول بتعطيل الجماعة الإنسانيّة على الرغبة في تحرير الذات الإنسانيّة من قيود خارجيّة تفرضها عليها مقولاتُ الانصهار في الإيديولوجيات القوميّة والدَّينيّة والاقتصاديّة التي تضمن في وجه من الوجوه ديمومة العمل الاستثماريّ العدوانيّ المنتج. لا بدّ، والحال هذه، من تفكيك مثل هذه الجماعات الاستبداديّة حتّى تصبح الجماعة الإنسانيّة غير قابلة للانغلاق والاكتمال. حينئذ تتمكّن الفرديّات المتميّزة أن تنبثق انبثاقًا حرًّا، وتحيا وتنشط وتتألّق وفاقًا لإيقاع نضجها الذاتيّ. ذلك بأنّ الجماعة الإنسانيّة الحقّ هي التي تتألّف من تفاعل الأفراد الأحرار المتنوّعين الذين يرفضون أن تنقلب الحياة بالعمل الاستفزازيّ سلعةً من سلع السوق. فهل يوقظنا الكورونا من سباتنا حتّى نعقد العزم على إنقاذ العمل الإنسانيّ من غائيّاته الإنتاجيّة العدوانيّة التي تُطبق على صدورنا وتمنعنا من الاسترخاء الهنيّ في حدائق التفتّح الكونيّ السليم؟

رابعًا، اختراع الحاجة الاستهلاكيّة في الاقتصاد الانتفاعيّ

إذا كان الأمر على هذا النحو، كان لا بدّ للإنسان من أن يتحرّى عن أسباب تكاثر الحاجات الاستهلاكيّة في زمن العولمة التقنيّة الجارفة. وكان أيضًا لزامًا عليه أن ينقض التصوّر الانتفاعيّ السائد في اقتصاديّات العولمة والسعي إلى استبداله بتصوّر أنتروبولوجيّ مبنيّ على الاقتصاد في الاعتقاد[36] الاستهلاكيّ. فالاقتصاد الحقّ هو في ضبط الحاجة والاقتصار على ما يبني كرامة الإنسان، لا في الإفراط من اختراع حاجات وهميّة ترضي المخيِّلة الإنسانيّة المستعبَدة الخاضعة لمنطق التبضّع الإسرافيّ. ربّما كانت بنية الإنسان العميقة تضطرّه إلى الاستزادة من طلب الاقتناء والامتلاك والاستهلاك. ذلك بأنّ الإنسان كائنُ السعي المطّرد إلى الاكتمال المستحيل، ينعقد جوهرُه على الرغبة في أمرَين أساسيَّين، عنيتُ بهما الكمال والخلود. وكلاهما مستحيلٌ في قرائن الوجود التاريخيّ. لذلك نراه يضطرب ويتألّم ويشقى في الاستدلال على المكتسَب أو المقتنى أو الممتلَك الذي يظنّ فيه أنّه يضمن له الفوز بأعظم قسط من الكمال والخلود.

يميّز الفلاسفة الحاجة من الرغبة، فيعتبرون أنّ الحاجة ألصق بالطبيعة الجسمانيّة فيما الرغبة أقرب إلى الباطن النفسانيّ. قد تقتصر الحاجة على الأساسيّات من ضرورات الحياة، في حين أنّ الرغبة تتجاوز بقدرتها التخيّليّة شروط المحدوديّة التي تَسم الوجود الإنسانيّ وسمًا مبينًا. من مذاهب الحكمة الإغريقيّة مذهبُ الفيلسوف إبيقورُس (341-270 ق. م.) الذي كان يحثّ الإنسان على انتهاج سبيل السعادة الواقعيّة الممكنة عن طريق التمييز بين ثلاث مراتب من الحاجات. تشتمل المرتبة الأولى على الحاجات الطبيعيّة والضروريّة، كالمأكل والمشرب والملبس والمنام، وما شاكل ذلك. وتنطوي المرتبة الثانية على الحاجات الطبيعيّة غير الضروريّة وغير الملزِمة كالنشاط الجنسيّ على سبيل المثال. أمّا المرتبة الثالثة، فتحتوي على الحاجات غير الطبيعيّة وغير الضروريّة، كالغنى الفاحش والشهرة الذائعة والمجد الباطل[37].

معضلة الرغائب

إذا كان الأمر كذلك، فإنّ الحكمة تقتضي الاقتصاد في الحاجات حتّى يهنأ الإنسان بمعيشٍ خفيف الوطأة، هنيّ الوقع، سليم المسرى. غير أنّ المشكلة تنشأ من طبيعة الكائن الإنسانيّ المنفطر على استيلاد الرغائب. فالحاجة الإنسانيّة، حتّى في المرتبة الأولى من الحاجات، هي اعتقاديّةٌ على وجه الخصوص. فالإنسان مكلَّفٌ بصون جسده وتغذيته وتعزيز مناعته. ولكنّه يعتقد أنّ التفنّن في تلبية الحاجات الطبيعيّة الضروريّة سيمنحه السعادة التي يحلم بها من جرّاء النقص البنيويّ المنفظر عليه. هنا تختلط الرغبة بالحاجة لتصوّر لنا الواقع المنشود في هيئة بهيّة تجعلنا نترقّب السعادة من جرّاء حصولنا على مُشتهانا. الرغبة مقترنةٌ بالمخيِّلة، فيما الحاجة تصدر من صميم ضرورات الوجود الجسديّ في جميع أبعاده التملّكيّة[38].

من مخاطر اقتران الرغبة بالمخيِّلة أنّ الإنسان يمكنه أن يبتكر بمخيِّلته ضروبًا وهميّة من الترابط بين الوقائع والأحاسيس تجعله يستبق السعادة المنشودة استباقًا اعتباطيًّا. فيظنّ أنّه بامتلاكه الواقع المنشود، وقد جمَّله بأبهى الصوَر والرسوم، سيُسَعد سعادةً لا نظير لها. من جرّاء اشتداد الرغبة، تتمكّن المخيِّلة من إقصاء العقل الناظم، والاستعاضة عنه بسلسلة غامضة من الترابطات الذهنيّة التعسّفيّة التي تنتجها المخيِّلة إنتاجًا يخالف أحكام الواقع. الرغبة أشبهُ بالقوّة العمياء تتسلّط على الإنسان، وتمنعه من صفاء التبصّر العقلانيّ الحصيف، وترمي به في لجّة التوهّمات السعيدة التي تُبهجه على قدر ما تزيّن له القدرة على الانعتاق من سلاسل محدوديّته التاريخيّة.

أصلُ الرغبة نقصٌ أونطولوجيّ بنيويّ باطنيّ ألبسته المخيِّلة كلَّ ألوان الزّهوّ، ونسبت كلَّ طاقات الإبهاج إلى غرض الرغبة أو موضوعها أو مضمونها أو مادّتها أو مرماها أو مُبتغاها أو مُشتهاها. تنتعش الرغبة على قدر ابتعاد الغرض عن المنال، وتخبو حين يفوز الإنسان بالمبتغى. وقد يؤثِّر بعضُهم إرجاء المنال حتّى تتعاظم مقاديرُ الابتهاج، ولو تفاقمت آلامُ الانتظار في مجرى الزمان. فالزمان المنتظِر أغنى حمولةً من الزمان المنتصِر. ما من شيء أشدّ إزهاقًا للرغبة من حصول الإنسان على مُبتغاها، إذ إنّ تحقيق الرغبة إعدامٌ لها.

في الزمن الفاصل بين الرغبة ومنالها يبتهج الإنسان بما يتخيَّله من نشوة الفوز بها ابتهاجًا يفوق لحيظة الإمساك بغايتها القصوى. ذلك بأنّ الزمان يهب الراغب القدرة على الارتقاء بموضوع رغبته إلى أعلى مراتب المثاليّة؛ حتّى يصبح موضوعُ الرغبة أنبلَ الأهداف وأسمى المرامي. فإذا بالتناقض يعتصر وعي الراغب؛ لأنّه يجد نفسه في حالٍ من التنازع المرير بين استطالة زمان الرغبة واستعجال الابتهاج بمنالها. فالاستطالة تُبهجه إبهاجًا قلقًا بالحمولات التخيّليّة التي تخلعها على مضمون الرغبة. والاستعجال يصدّه صدًّا مؤلمًا عن تجميل الواقع. وعليه، فإنّ تحقُّق الرغبة يُظهِر للإنسان الراغب أنّ الواقع يناقض البهاءات السامية التي تزيّنت بها رغبتُه. فالواقع محدودُ الطاقات، مشلولُ الإمكانات، فقيرُ الحال، سليبُ الغوى، أسيرُ المساومات، زهيدُ الإلهام، ضعيفُ الاستنهاض. ومن ثمّ، فإنّ المخيِّلة الراغبة تتفوّق عليه إبداعًا وزخرفةً. برهانُ ذلك كلِّه أنّ الإنسان، حين تتحقّق رغبتُه، يصطدم بالخواء المعنويّ والجماليّ الذي يشوب الواقعَ وينخر في أوصاله نخرًا. ما من اختبار أشدّ إفصاحًا عن مرارة الخيبة من إحساس الإفناء الذي يجتاح الإنسان حين يبلغ ذروة النشوة الجنسيّة، على ما تذهب إليه بعضُ مدارس التحليل النفسيّ التي تربط اللذّة (إِروس) بالموت (ثاناتوس)[39]، في حين أنّ الهيجان الخياليّ الذي كان يهيّئ إهراءات البهجة كان يَعِد المغرومَين الولهانَين المتعانقَين بأقصى ضروب الاكتمال الكيانيّ.

الرغبة تنشأ في مخيِّلة الإنسان الذي يتصوّر الواقع على غير ما ينعقد عليه في صميم قوامه، فيحسّنه ويجمّله ويُضفي عليه ألوان الزّهوّ والألق والنضارة. ولكن الرغبة حين ينالها الإنسان، يصيبه منها بعضٌ من الاكتئات والخيبة والملل؛ لأنّ الفوز بموضوع الرغبة ينزع التحسينات المثاليّة كلّها التي نسبتها المخيِّلة إلى موضوع الرغبة. الراغبُ يبتهج بجمال رغبته ابتهاجًا يفوق مسرّته بنيلها. فالفوز بمشتهى الرغبة يُفقدها رونقها وسحرها ومثاليّتها وقدرتها على إخصاب المخيِّلة. لذلك يترنّح الراغبُ بين مراتب رغبته. وما إنْ يفوز بواحدة من هذه المراتب حتّى ينتفض مخذولًا ويتطلّع إلى مرتبة أخرى[40].

دربة الخلاص من الرغبة الفانية

مأساة الإنسان الراغب أنّ منال الرغبة يُرعبه لأنّه يُفقده معنى الانتظار المبهج. فإذا بالفوز ينقلب إلى امتعاض واكتئاب وخيبة. مع ذلك، يستميت الإنسانُ في شحذ رغائبه حتّى يظلّ على قيد الحياة. يشبّه الفيلسوف الألمانيّ شوبِنهاوِر (1788-1860) تحقيق الرغبة بالصدَقة التي ترميها الحياة للمتسوّل لكي تبقيه حيًّا، ولكن من غير أن تُعتقه من بؤسه وتعسه[41]. الرغبة للراغب كالصدَقة للمتسوّل تُطيل عمره الجسديّ، ولكنّها أيضًا تُطيل عمر معاناته المنبثقة من تدافع الرغائب في وعيه. لذلك كانت الرغبة هي الطاقة الحيّة العمياء التي تجيش جيشانًا في شرايين الكائن الإنسانيّ، تنقل إليه عدوى الحياة وتنفث فيه جرثومة المعاناة.

لا خلاص من مأساة الإنسان الراغب إلّا بإطفاء الرغبة. غير أنّ إطفاء الرغبة يجب أن يصاحبه تدبّرٌ رزينٌ حكيمٌ، وإدراكٌ صائبٌ مستقيمٌ لمعاني السعادة الحقّة في الوجود الإنسانيّ. أتى الكوفيد التاسع عشر يذكّرنا بضرورة الاقتصاد في تنويع رغائبنا والتفطّن في تجميل وقائعنا. حين يُفقدنا الكورونا القدرة على اقتناء ما يحلو لنا من بضائع غير ضروريّة، والقدرة على اقتناص ملذّات فائضة مصطنعة، والقدرة على اختراع عوالم ملكوتيّة وهميّة في جزر الرخاء الاستهلاكيّ، فإنّ الزمان يضحي مؤاتيًا للنظر النقديّ في اقتصاديّات الحاجة المفتعلة.

لا يمكن القول بإعدام الرغبة في الإنسان، إذ إنّها مصدر الحياة فيه. فهل يمكن إبطال الرغبة إذا كانت على هذا الاقتران الوثيق بالحياة؟ وما مصير الحرّيّة الابتكاريّة التي انفطر عليها الكيانُ الإنسانيّ؟ الأقرب إلى الحكمة ضبطُ الرغبة، لا إبطالُها. والأجدرُ الاقتصادُ في الاعتقاد الاستهلاكيّ، لا تعطيل النشاط الإنسانيّ برمّته. لذلك ينبغي الاعتصام بثلاثة ضروب من الفطنة: فطنة التمييز بين مراتب الحاجات، وفطنة التمييز بين مضمون الحاجة الواقعيّ ومضمون الحاجة المتخيَّل، وفطنة التمييز بين الحاجة والرغبة.

على تعاقب الأجيال تَواجه في الفكر الفلسفيّ تيّاران قويّان: يذهب الأوّل إلى ضرورة ضبط الرغبة وسوقها في صراط العقل المستقيم، على ما يقول به إبيقورُس؛ ويميل الثاني إلى تحرير الرغبة من سلطة العقل لأنّها مخزنُ الطاقة الحيويّة التي تمنح الوجود الإنسانيّ رونقه وألقه وسحره. يعاين الفيلسوف الألمانيّ نيتشه (1844-1900) سحر الحياة في رغبة الاقتدار والتألّق والتفوّق والعزّة الذاتيّة، مناهضًا كلَّ ضروب الخنوع والعبوديّة[42]. ذلك بأنّ الرغبة، في نظره، طاقةٌ إبداعيّةٌ بهيّةٌ تهب الإنسان لذّة التجرّؤ على اقتحام لجج المخاطر وتسلّق قمم الفنّ والرقيّ. أمّا الناس، فإنّهم يُصنّفون إمّا في مصفّ الارتقاء حين يثقون بهذه الطاقة الحيّة الراغبة التوّاقة، وإمّا في مصفّ الانحطاط حين يقهرون ذواتهم ويميتون الرغبة فيهم. هؤلاء البائسون يُهلكون فيهم الحياة، ويُبطلون كلّ مسعًى إبداعيّ لأنّهم يكرهون الحياة، ويسترهبون الجدّة، ويقاتلون غرائزهم مقاتلة شرسة خوفًا من افتضاح أسقامهم وعقَدهم وارتباكاتهم النفسيّة. ولم يتورّع نيتشه عن التنديد بمسلك بعض أهل الفلسفة المثاليّة ورجال الدِّين والنسّاك الروحانيّين الذين يحقدون على الوجود، ويُعدمون رغبة الحياة فيهم، طمعًا بملكوتٍ سماويّ مزيَّن بأشدّ لوحات الكمال تزييفًا وتضليلًا. وعليه، يرفض أن يُصدّ الإنسانُ عن رغبته القويّة في الحياة، وعن رغبته الشديدة في الاقتدار. فينتقد الأخلاقيّات الدِّينيّة والأفلاطونيّة والرواقيّة والإبّيقوريّة التي تُخضع الإنسان لعلاجيّاتٍ في الرغبة تجرّده من محبّة الحياة ومن زهو الوجود.

هذا كلُّه قولٌ جميلٌ، على ما أحسب. ولكن ما علاقة المخيِّلة بالرغبة في قرائن الدهاء الاقتصاديّ المعولم الذي يُتقن فنّ النفاذ إلى باطن الوعي الإنسانيّ المعاصر يخرّب فيه مباني الرغبة السليمة؟ أستعين هنا أيضًا بالفيلسوف الفرنسيّ بول ريكور (1913-2005) الذي يعتبر أنّ «اللذّة المتخيَّلة تُسمَّى رغبة»[43]. في قولته هذه دليلٌ على تصاحب الرغبة والتخيّل والتلذّذ. إذا كان الأمر على هذا النحو، استطاعت مخطّطاتُ الاقتصاد الاستهلاكيّ أن تنسلّ إلى مباني الوعي الباطنيّ لكي تنقضّ على مخيِّلة الإنسان الراغب، فتزيّن له الواقع المشتهى بأبهى الصوَر والرسوم. فإنّي لا أستغرب على الإطلاق أن يتغذّى عصبُ الاقتصاد من جميع هذه الرغائب المفتعلة، وذلك من بعد أن يبدّل من طبائعها وخصائصها.

لا ريب في أنّ الدهاء الاقتصاديّ يدرك كيف يصون في الإنسان تناسل الرغائب المتدافعة، لا بل يُمسك إمساك الخبير المتمرّس بطبائع الرغبة المتفلّتة في الوعي الإنسانيّ. فلا يني يستبق انطفاء الرغبة الاستهلاكيّة المنقضية، ليعالجها باختراعِ مُشتهًى استهلاكيّ يضاهي مادّة الرغبة المنطفئة رونقًا وسحرًا. فإذا بالاستهلاكيّات المعولمة تنجح في الهيمنة على آليّات استيلاد الرغائب في الباطن الإنسانيّ[44]. من المشتهيات الوهميّة التي يُستفحش ذكرُها في هذا السياق أتخيّر ثلاثة أمثلة فاضحة معثِّرة. المثال الأوّل المنتوجات الزراعيّة المنتهَكة جينيًّا، والثاني الجيلُ الخامس من الهاتف الخَلويّ، والثالث إفناء الغابات التي تتنفّس الأرض بها والتي تحتضن الحيوانات الحاملة لفيروسات العدوى القاتلة.

لستُ أظنّ أنّ بالناس حاجةً إلى ابتلاع ثمارٍ من الأرض المزروعة حُقنت بموادّ مستلّة من عضويّات أخرى أو جرى التلاعب بتركيبتها الجينيّة. ولستُ أظنّ أنّ التواصل الإنسانيّ يُسرّ بتكثيفٍ ضخم في التناقل المعلوماتيّ وبتسريعٍ هائل في الإبلاغ الهوائيّ يُفضيان كلاهما إلى موجات حارقة تخترق الأجساد، وتتلف الأعصاب، وتضرّ بالخلايا، وتُنزل الأمراض السرطانيّة بالهياكل الجسديّة التي سبق أن لوّثتها انبعاثاتُ المفاعل والمصانع والمحرّكات. ولستُ أظنّ أنّ الإنتاج الزراعيّ لا يكفي الناس حتّى يقتلعوا الغابات ويطردوا منها الحيوانات والحشرات التي منها تأتيهم جميعُ ضروب الفيروسات الفتّاكة، على ما أثبتته الاستقصاءاتُ العلميّة الأخيرة، في حين أنّ الفائض في بعض المنتوجات الزراعيّة يدفع بالجشع التجاريّ والصلف الاحتكاريّ إلى إتلاف فائض الإنتاج حتّى لا تهبط الأسعار هبوطًا يسهّل على فقراء الأرض أن يفيدوا من هذه المنتوجات بأثمان زهيدة وأن يغتذوا بها اغتذاءً سليمًا.

إنّ حرّيّة الإبداع ينبغي أن تنتظم انتظامًا سويًّا حتّى تسلك مسلك صون المنفعة الإنسانيّة الأشمل والأرحب. فلا يجوز للإنسان أن يرغب في ما لا يُرغَب فيه من مضرّة، وحجّته في ذلك أنّه حريصٌ على مثل هذه الحرّيّة. لا حرّيّة قويمة تناقض مبدأ السلامة الكيانيّة، ولا رغبة سليمة تخالف منطق العيش الكونيّ الهنيّ. من محاسن الكورونا القليلة أنّه يساعدنا على الاقتصاد في الاقتصاد الإنتاجيّ والاستهلاكيّ، أي على الاقتصار على تلبية الرغائب الإنسانيّة الأساسيّة، وعلى مقاومة إستراتيجيات السوق في افتعال الرغائب الفائضة المتوهَّمة المنحرفة. ومن ثمّ، ينبغي التفكير الرصين في فصل حرّيّة تطوّر العلوم والتكنولوجيا عن مسرى تشويه الرغائب الإنسانيّة الاستهلاكيّة. فهل الحاجة العلميّة هي حاجة استهلاكيّة أم حاجة تدبيريّة وقائيّة فِطنيّة؟ السؤال على قدر عظيم من الأهمّيّة، يستوجب من كلّ واحد منّا أن يستجلي عناصره ومضامينه وجزئيّاته الإشكاليّة.

بين التملّك والتكوّن

ليس الإنسان بالتملّك، بل بالتكوّن؛ ولا هو بالاغتناء الرغائبيّ، بل بالاعتناء العلائقيّ؛ ولا هو بالبحبوحة الاستهلاكيّة، بل بالكينونة التأمّليّة. وما من رحابة أشدّ إنعاشًا وأغنى إلهامًا من رحابة الكينونة التي تستنهض الإنسان من أجل الاضطلاع الخفِر بالحقيقة المنطوية في تضاعيف الأشياء. فإذا بالتأمّل في الرحابة يغدو بحدّ ذاته فعلَ الأفعال وأرقى الإنجازات: «يرعَى الفكرُ منارة الكينونة (Lichtung des Seins) على قدر ما يستودع قولتَه في الكينونة اللغةَ بما هي سكنى الوجود (Behausung der Eksistenz). وعلى هذا النحو يكون الفكرُ هو الفعل. ولكنّه فعلٌ يتجاوز للتوّ كلّ ممارسة (Praxis). لا يسمو الفكر على العمل والإنتاج بعظمة ما يُنتجه وبأثرِ ما يستحدثه، بل بضعة إنجازه العديم الأثر. ذلك بأنّ الفكر لا يُفصح في قولته إلّا عن كلام الكينونة المكتوم»[45]. معنى هذا الإعلان الهايدغريّ الجريء أنّ التأمّل الحصيف في عمق الأشياء، وقد تجلّت في نور الكينونة الساطع، لهو أبلغ أثرًا في استنهاض العالم من جميع التدابير الاقتصاديّة الانتفاعيّة الراميّة إلى انتهاك كرامة الكائنات.

ومن ثمّ، فإنّ الاقتصاد الإنتاجيّ الاستهلاكيّ المعولم لا يكبحه ولا يضبطه ولا يُعقْلنه سوى تهذيب الرغبة الإنسانيّة وتشذيبها من هوس الاقتنائيّات المضاعفة، وهاجس الاستزادات المتراكمة، ووهم الاستشباع الأقصى. التأمّل في سرّ الكينونة سبيلٌ ملكيٌّ من سبُل استعادة السكنى الهنيّة في رحاب الكون. كان يحلو لشوبِنهاوِر أن يمتدح الرغبة التي تصاحبها لذّةٌ بريئةٌ صافيةٌ كرغبة تأمّل الجمال في الفنّ، والتنعّم بمباهج الارتقاء الإدراكيّ حيث السعادة منعتقةٌ من كلّ منفعة غير محبّة الجمال بذاته[46]. ويقينه في ذلك أنّ في الإنسان رغائب أصيلة تؤهّله للاستمتاع بمباهج الحياة من غير الإسراف في انتهار الطبيعة وانتهاك الجسم الإنسانيّ. شرطُ ذلك أن ترقى الرغبة إلى مرتبة التحرّر من عقدة النقص وآلام المغالاة في الاستزادة. إنّها الآلام التي تحرم الإنسان من السعادة الحقّة كلّما تحقّقت له رغبةٌ كان يظنّ فيها منتهى رجائه.

إنّ العقل الاقتصاديّ الكونيّ المعولم مصابٌ بالتواء مفهوميّ يُجحف بالكرامة الإنسانيّة ويُنذر بأوخم العواقب. فاتَه أنّ الإنسان هو سيّدُ رغائبه، لا الرغائب المتفلّتة سيّدةُ الإنسان وحاكمتُه! ليس الاقتصاد الحقّ إسرافًا في اختلاق الحاجات النافلة وتسويغها بالرغائب الفائضة. الاقتصاد الحقّ هو الامتناع الطوعيّ عن الإسراف لأنّ الإنسان المقتصِد هو الذي يتدبّر رغائبه تدبّرًا حكيمًا، فلا يُقتّر فيها حتّى الإعدام، ولا يبذّر منها حتّى الإغراق. الاقتصاد الحكيم ضبطٌ للاعتقاد الرغائبيّ الاستهلاكيّ من أجل أن يفوز الإنسانُ بسعادة كيانه من غير أن يُبطل سلامة وجوده.

استُهِلّ البحثُ بشاهد نصّيّ يبيّن معنى الحياة في فكر هايدغر. ومن المغني أن يُختَم بشاهد نصّيّ آخر يُظهر لنا كيف أنّ الحياة الإنسانيّة يعطّلها العقلُ الانتفاعيّ ويُنعشها العقل الاستذكاريّ التأمّليّ. من مآسي التقنية المعاصرة أنّها جرّدت الإنسان من طاقات التفكّر الوجدانيّ المنزّه عن أغراض الانتفاعيّة والفاعليّة والاستثماريّة: «في التأمّل نمضي إلى موضعٍ يُفتح لنا من خلاله فقط المجالُ الذي يجتازه كلُّ مرّة عملُنا وإعراضُنا عن العمل (Tun und Lassen). التأمّل هو من جوهرٍ آخر غير استثارة الوعي، من جوهر آخر غير الثقافة (Bildung)  [...]. بخلاف ذلك، التأمّل وحده يقودنا على الطريق الذي يُفضي بنا إلى مكان إقامتنا. هذه الإقامة تظلّ على الدوام إقامة تاريخيّة-قدَريّة (geschichtlicher)، أي إقامة انتُدبنا إليها، سواءٌ تصوّرناها تاريخيًّا (historisch) وحلّلناها تاريخيًّا وأفرزنا لها مقامًا تاريخيًّا، أو اعتقدنا أنّنا نستطيع، بفعلٍ من إرادتنا وحدها ينتشلنا من التاريخ (Historie)، أن ننعتق انعتاقًا مصطنعًا من التاريخ-القدَريّ (Geschichte).[...]. جنسُنا البشريّ هذا يحتاج إلى التأمّل، ولكن لا ليُقصي إرباكًا عرَضيًّا أو ليقهر معارضةً تقاوم الفكر. هو يحتاج إلى التأمّل احتياجَه لاستجابةٍ تُخلي ذاتَها في وضوحِ مساءلة لا تني تسائل كينونةَ «ما يستحقّ المساءلة» من غير أن تُستنفد كينونتُه. وهي المساءلة التي انطلاقًا منها، في الميقات الملائم، يفقد السؤالُ طابعَه التساؤليّ ليتحوّل إلى قولٍ بسيط»[47]. في مقاصد هذا الشاهد المكثّف، المثقَل بالمضامين السحيقة، تتجلّى إمكاناتُ الإعراض عن تصوّر التاريخ مسرحًا للأحداث الظاهرة التي يفتعلها الإنسانُ وحده. فالتاريخ بما هو سردٌ للأحداث (Historie) هو غير التاريخ الذي تتآزر فيه مشيئة الكينونة المنتدِبة ومشيئة الإنسان المنتدَب، الراعي، المتأمّل. لذلك يميّز هايدغر التاريخ الحدَثيّ (Historie) من التاريخ القدَريّ (Geschichte). يستخدم هايدغر اصطلاحًا آخر للتدليل على تواطؤ الكينونة والإنسان في الإرسال ـ القدَريّ الذي ينطوي عليه التاريخ الحقّ (Geschichte). في هذه العبارة الألمانيّة تظهر سماتُ القدَر (Geschick) الذي ينتدب الإنسان في كلّ حقبة من حقبات التاريخ الحدَثيّ للاضطلاع بمسؤوليّة رعاية معنى الكينونة. إذا اكتفى الإنسان بالتاريخ الحدَثيّ، فاته ما يعتمل في أزمة الكورونا من تمخّضات خلاصيّة مقبلة علينا. أمّا إذا أكبّ يتأمّل في التاريخ القدَريّ الإرساليّ، فإنّه يمنح نفسه فرصة النجاة من مهالك العقل الإنتاجيّ.

--------------------------------

[1]*ـ مفكر وأستاذ الفلسفة الألمانية في الجامعة اللبنانية.

- بين الأعوام 1918-1921 القى هايدغر ضمّةً من الأمليات الجامعيّة في جامعة فرايبورغ الألمانيّة، اشتملت على ثلاثة مواضيع. الأوّل وضع فيه مدخلًا إلى فِنومِنولوجيا الدِّين، والثاني تناول به أوغسطينُس والأفلاطونيّة المحدثة، والثالث استخرج منه الأصول الفلسفيّة التي بُنيت عليها صوفيّة القرون الوسطى المسيحيّة:

Heidegger, Phänomenologie des religiösen Lebens. 1. Einleitung in die Phänomenologie der Religion ; 2. Augustinus und der Neuplatonismus ; 3. Die philosophischen Grundlagen der mittelalterlichen Mystik, GA 60, Frankfurt, Klostermann, 1995, 352 S.

[2]- راجع المجلّد 63 من مجموعة أعمال هايدغر الكاملة:

Heidegger, Ontologie. Hermeneutik der Faktizität, GA 63, Frankfurt, Klostermann, 1988.

[3]- جاءت هذه التوسّعات في الدروس الجامعيّة التي ألقاها هايدغر في فصل شتاء 1919-1920 في جامعة فرايبورغ والتي عالج فيها المشاكل الأساسيّة في الفِنومِنولوجيا:

Heidegger, Grundprobleme der Phänomenologie, GA 58, Frankfurt, Klostermann, 1992, S. 256; 246-247.

[4]- راجع مختلف المذاهب الفلسفيّة التي تحرّت عن موقع الإنسان في حركة التاريخ:

Patrick Gardiner (ed.), Theories of History, Glencoe (III), Free Press, 1959; Id., The Philosophy of History, London, Oxford University Press, 1974.

[5]- يعاين هيغل في التاريخ موطنًا لإنضاج الروح يخطو خطوًا متصاعدًا في وعي الحرّيّة (Fortschritt des Geistes im Bewusstsein der Freiheit). راجع ما يقوله هيغل في الوعي في محاضراته التي تناول فيها الروح الذاتيّ:

Hegel, Vorlesungen über die Philosophie des subjektiven Geistes, Gesammelte Werke, Band 25(2), hrgs. von Christoph Johannes Bauer, Hamburg, Felix Meiner Verlag, 2012, S. 746-760.

[6]- يمكن الرجوع إلى التناول النقديّ التفكيكيّ الذي أعاد النظر في تعريف العمل المنتج بحسب المنظور الماركسيّ:

Morgan Brown, A Rationalist Critique of Deconstruction. Demystifying Poststructuralism and Derrida’s Science of the ‘Non’, Dallas, The Cultural & Anarchy Press, 2017, p. 119.

[7]- حاول كانط في كتابه صراع الملَكات أن يؤسّس الأمم والشعوب والقوميّات على الثقافة، لا على العصبيّة. أتى كتابه هذا تكليلًا لكتاب الدِّين في حدود العقل المجرّد، فظهرت فيه جرأةٌ عظيمةٌ على تعيين مقام الفلسفة في تهذيب أخلاق الناس. ومن ثمّ، في الجزء الثاني من كتاب صراع الملَكات، يعالج كانط صراع الملَكات الفلسفيّة مع الملَكات القانونيّة. فيبيّن أنّ البشريّة ينبغي لها أن تعتصم بضمّة من المبادئ الأخلاقيّة التي تساعدها في التخلّص من استثقالات الأنانيّات المفرطة. وبذلك يتّضح مسرى التطوّر الذي ستُفضي إليه البشريّة (« In welcher Ordnung allein kann der Fortschritt zum Besseren dem Menschengeschlecht abwerfen ? »). راجع:

Kant, Der Streit der Fakultäten. Anthropologie in pragmatischer Hinsicht, Akademische Ausgabe, VII, Berlin, De Gruyter, 1972, S. 91.

[8]- راجع: Hélène Védrine, Les philosophies de l’histoire, déclin ou crise ?, Paris, Payot, 1975.

[9]- Ronald Field Atkinson, Knowledge and Explanation in History. An Introduction to the Philosophy of History, Ithaca (N. Y.), Cornell University Press, 1978.

[10]- Marcel de Corte, L’homme contre lui-même, Paris, Nouvelles Éditions latines, coll. « Itinéraires », 1962.

[11]- في تعريف السياسة، تعتقد هانّا أرندت أنّ الفكر الفلسفيّ السياسيّ ينشأ من ضرورة الاضطلاع بمسؤوليّة التوفيق الحكيم بين التعدّديّة في تصوّر الغايات والمعيّة السويّة في المدينة الإنسانيّة الواحدة. راجع:

Hannah Arendt, Qu’est-ce que la politique ?, Paris, Seuil, 1995, p. 40- 41.

[12]- من المفيد الاطّلاع على الخلاصات التي خرج بها الفكر الفلسفيّ المعاصر في مسألة التنازع بين الحتميّة التاريخيّة والحرّيّة الإنسانيّة:

Philippe Fabry, La structure de l’histoire. Déterminisme historique et liberté individuelle, Jean-Cyrille Godefroy Éditions, 2018.

[13]- من أشدّ التحدّيات الفكريّة عسرًا وطأةُ القوانين العلميّة الصارمة على حركة التاريخ:

Alexandre Kojève, L’idée du déterminisme dans la physique classique et dans la physique moderne, Paris, Le Livre de Poche, Hachette, 1990 ; Krzysztof Pomian, La querelle du déterminisme. Philosophie de la science aujourd’hui, Paris, Gallimard, « Le Débat », 1990.

[14]- هذا ما ينادي به هايدغر في أمليته الجامعيّة التي عنوانُها مفاهيم أساسيّة (فصل صيف 1941، محاضرات جامعة فرايبورغ) حين يميّز التاريخ الحدَثيّ من التاريخ القدَريّ الإرساليّ المشيئيّ. فالأوّل يحتض جريان الأمور المعتلنة، في حين أنّ الثاني يكشف عن القرارات الأساسيّة التي تتّخذها الكينونة في قدَريّة اعتلاناتها واحتجاباتها:

Heidegger, Grundbegriffe, GA 51, Frankfurt, Klostermann, 1981, S. 18.

[15]- يذهب الفيلسوف النمسَويّ البريطانيّ كارل بوبّر في نظريّته الإبّيستِمولوجيّة إلى القول باستحالة الحتميّة التاريخيّة وبانفتاح التاريخ على مباغتات حدَثيّة تجعل العقل في دهشة بالغة. فالكون في نظر بوبّر لا يمكن ألّا أن يظلّ «لغزًا من الألغاز». راجع:

Edward Hallett Carr, What is History ?, London, Macmillan, 1962 ; Maurice Cornforth, The Open Philosophy and the Open Society. A Reply to Dr. Popper’s Refutations of Marxism, London, Lawrence & Wishart, 1968; Burleigh Taylor Wilkins, Has History Any Meaning? A Critique of Popper’s Philosophy of History, Ithaca, Cornell University Press, 1978. Renée Bouveresse, Le rationalisme critique de Karl Popper, Paris, Ellipses, « Philo », 2000.

[16]- يعتمد لاكان البنيويّة في استجلاء مقام اللاوعي، ولكنّه يوصي بالذهاب إلى صميم كياننا الباطنيّ، بحسب ما تُفصح عنه العبارة الفِنومِنولوجيّة (Kern unseres Wesens)، حيث الأعماق مفتوحة على الحرّيّة الأرحب. راجع:

François Roustang, Lacan, de l’équivoque à l’impasse, Paris, Minuit, 1986.

[17]- مع أنّ إمّانويل لِفيناس يعترف لهايدغر بإعتاق الفلسفة من مخابئ الوعي الذاتيّ وربطها بحقيقة الكينونة الحرّة، فإنّه يأخذ عليه إغفال حقيقة الحقائق، ألا وهي الغيريّة في تجلّي الوجه الإنسانيّ المستنهِض. في هذه الغيريّة تنشب حرّيّة الحرّيّات وتترسّخ قدرة الذات على الانعتاق من دائريّتها المغلقة. أراد هايدغر الانعتاق من الذاتيّة بواسطة الانفتاح على تسامي الكينونة، في حين أنّ لِفيناس آثر الانعتاق عينه مستنجدًا بالوجه الإنسانيّ المستنهِض. راجع:

Emmanuel Levinas, Totalité et infini. Essai sur l’extériorité, Paris, Le Livre de Poche, Hachette, « Biblio Essais », 1990 ; Id., En découvrant l’existence avec Husserl et Heidegger, Paris, Vrin, 3e éd., 1974.

[18]- نهض غيرُ مفكّر من مفكّري الحداثة الأُروبّيّة ينادي بصون القيمة الذاتيّة اللصيقة بكرامة الشخص الإنسانيّ. أبرز المدافعين عن هذا التصوّر الأنتروبولوجيّ الشخصانيّ الفيلسوف الفرنسيّ إمّانويل مونييه (1905-1950) الذي كان يجتهد في تحرير الإنسان من أزمته المعاصرة، ولكن من غير أن يُسقطه في متاهات الإيديولوجيات الفاشيّة والنازيّة والستالينيّة. سندُه في هذا الاجتهاد جوهرُ الانفتاح الذي يختزنه الكائنُ الإنسانيّ في صميم وجدانه، وقد ارتبط ارتباطًا وجوديًّا بنظرائه البشر، على الرغم من تباين مشاربهم ومذاهبهم. راجع:

Emmanuel Mounier, Écrits sur le personnalisme, Préface de Paul Ricœur, Paris, Seuil, 2000.

[19]- كان المفكّر الفرنسيّ ريمون أرون قد أشار في منتصف الثمانينيّات من القرن العشرين إلى استفحال التأزّم الأُروبّيّ:

Raymond Aron, « Le déclin de l’Occident », Le Débat, 1984, 1, n° 28, p. 4-17.

[20]- يصرّح عالم الاجتماع والفيلسوف الفرنسيّ إدغار مورَن بأنّه ما عاين قطّ في حياته مثل هذا التأزّم الشديد يعتصر قلب المجتمعات الغربيّة. ولا يتورّع عن دعوة الناس إلى التبصّر والقبول بمقام اللايقين. راجع:

Edgar Morin, « Nous devons vivre avec l’incertitude », Entretien réalisé par Francis Lecompte, CNRS Le Journal, 06.04.2020 (en ligne).

[21]- Ivan Krastev, Le destin de l’Europe, Paris, Premier Parallèle, 2017.

[22]- Peter Swirski, American Utopia and Social Engineering in Literature, Social Thought, and Political History, New York, Routledge, 2011. 

[23]- ينعى تشومسكي الحلمَ الأمِيركيّ، ويحلّل أسباب انهيار النموذج النيوليبراليّ الذي أسرف في تقويض أسُس العدالة الاجتماعيّة:

Noam Chomsky, Requiem for the American Dream. The 10 Principles of Concentration of Wealth and Power, New York, Seven Stories Press, 2017.

[24]- Edouard Garbe, De Staline à Poutine. La Perestroïka, la chute de l’URSS et les changements dans la société russe, Paris, Éditions Publibook, 2006.

[25]- Yuan Feng, China and Multilateralism. From Estrangement to Competition, New York, Routledge, 2020.

[26]- Husserl, Die Krisis der europäischen Wissenschaften und die Tranzscendentale Phänomenologie. Eine Einleitung in die phänomenologische Philosophie, hrsg. von Walter Biemel, Husserliana (Gesammelte Werke), Band VI, Haag, Martinus Nijhoff, 1976.

[27]- Heidegger, Was heißt Denken?, GA 8, Frankfurt, Klostermann, 2002, S. 12.

[28]- Heidegger, Unterwegs zur Sprache, GA 12, Frankfurt, Klostermann, 1985, S. 98.

[29]- Heidegger, Vom Wesen der Wahrheit. Zu Platons Höhlengleichnis und Theätet, GA 34, Frankfurt, Klostermann, 1988, S. 64.

[30]- من المفيد العودة إلى التأمّلات البليغة التي خطّها الفيلسوف الفرنسيّ المغمور جوزف فيالاتو (1880-1970) مستقصيًا معاني العمل الإنسانيّ من حيث قدرته على بناء الشخص الإنسانيّ في كامل أبعاده الجسديّة والنفسيّة والروحيّة. راجع:

Joseph Vialatoux, Signification humaine du travail, Paris, Éditions ouvrières, 1962.

[31]- من المفيد الاطّلاع على التحليل التفكيكيّ الحاذق الذي ساقه ميشِل فوكو في تقويم المذهب الاقتصاديّ النيوليبراليّ حين أشار إلى أنّ هذا المذهب يُبطل كلّ سلطان مركزيّ شموليّ استعلائيّ لأنّه يبني الاجتماع على أصل التشتّت ونكران الإمساك الكلّيانيّ بالدولة وبالمجتمع وبالأفراد. فالاقتصاد النيوليبراليّ اقتصادٌ إلحاديّ يُقصي المبدأ الكلّيانيّ على اختلاف منابته وخصائصه، ويكشف خلل المسعى التسويغيّ الذي يجتهد في إدراك المعاني القصيّة في الأشياء وإثبات ضروب السلطان الفوقيّ، الاجتماعيّ والسياسيّ والاقتصاديّ والثقافيّ. إنّه، بحسب فوكو، اقتصادُ التشتّت والتبعثر والقضاء على المتّحدات الانسجاميّة في الانتظام الأنتروبولوجيّ العامّ. يتجلّى مثل التبعثر هذا في استحالة التوفيق بين «الكثرة غير القابلة للجمع الشموليّ واللصيقة بخصائص الأفراد المنفعيّة، أي الأفراد الاقتصاديّين من جهة، ووحدة السلطان القانونيّ الشموليّة من جهة أخرى»:

Michel Foucault, Naissance de la biopolitique (cours au collège de France 1978-1979), éd. par Michel Senellart, sous la direction de François Ewald et Alessandro Fontana, Paris, Gallimard-Seuil, coll. « Hautes Etudes », 2004, p. 285-286.

[32]- Ernst Jünger, Der Arbeiter. Herrschaft und Gestalt, Stuttgart, Klett-Cotta Verlag, 2013.

[33]- للاستدلال على هذا التحوّل، راجع:

Roger Woods, Ernst Jünger and the Nature of Political Commitment, Stuttgart, Akademischer Verlag Hans-Dieter Heinz, 1982; Julien Hervier, Ernst Jünger. Dans les tempêtes du siècle, Paris, Fayard, 2014.

[34]- يتناول ساندل، وهو أستاذ العلوم السياسيّة في جامعة هارفِرد، الحدود الأخلاقيّة التي ينبغي أن يرسمها العقل للسوق التجاريّة. فيتحرّى عن انحراف بعض الضمانات الحياتيّة عن مرماها الأصليّ لتنقلب إلى رهانٍ انتفاعيّ يغامر بحياة الناس. راجع:

Michael J. Sandel, What Money Can’t Buy? The Moral Limits of Markets, New York, Farrar, Straus and Giroux, 2012.

[35]- أنشأ نانسي مقالة مسهبة تناول فيها عوارض تعطّل الجماعة الإنسانيّة. وكان في مقصده الردّ على قولة سارتر الشهيرة التي أرسلها معتبرًا أنّ الشيوعيّة هي من زمننا الأفقُ الذي لا يمكن تجاوزه. وما لبث أن ردّ عليه موريس بلانشو (1907-2003) بدراسة وضع لها عنوانًا مثيرًا للجدل: الجماعة التي لا يمكن الاعتراف بها. في دراسة أخرى، ردّ نانسي على بلانشو، فنشر كتابًا يحمل عنوانًا شبيهًا (الجماعة المنكرة)، أبان فيه استحالة بناء الجماعة الإنسانيّة على مشروع شموليّ، وذلك من بعد أن انتقد التصوّر الشيوعيّ الذي يمجّد الجماعة والتصوّر الليبراليّ الذي يمجّد الفرد. راجع:

Jean-Luc Nancy, La communauté désœuvrée, Paris, Editions Christian Bourgeois, 1990 ; Id., La communauté désavouée, Paris, Galilée, coll. « La philosophie en effet », 2014 ; Maurice Blanchot, La communauté inavouable, Paris, Minuit, 1984.

[36]- اقتبست العبارة من كتاب الإمام الغزالي (حوالى 1058-1111) الاقتصاد في الاعتقاد (دار الكتب العلميّة، بيروت، 2004).

[37]- Épicure, Lettres et maximes, texte établi et traduit, avec une introduction et des notes par Marcel Conche, édition bilingue, Paris, Puf, 1987 ; Daniel Delattre et Jackie Pigeaud (éds.), Les Épicuriens, Bibliothèque de la Pléiade, Paris, Gallimard, 2010.

[38]- راجع التحليل الفِنومِنولوجيّ الذي ساقه الفيلسوف الفرنسيّ رُنو باربارا رابطًا الحاجة بالرغبة ومظهرًا مواضع الاختلاف في مبانيهما ووظائفهما وآثارهما:

Renaud Barbaras, Introduction à une phénoménologie de la vie, coll. « Problèmes et controverses », Paris, Vrin, 2008, p. 288- 293.

[39]- Jonathan Lear, Happiness, Death and the Remainder of Life, Harvard, Harvard University Press, 2000; Paul Ricœur, De l’interprétation. Essai sur Freud, coll. « L’ordre philosophique », Paris, Seuil, 1965; Herbert Marcuse, Triebstruktur und Gesellschaft. Ein philosophischer Beitrag zu Sigmund Freud, Schriften, Band 5, Frankfurt, Suhrkamp, 1979.

[40]- في نصّ بليغ يثير الجدل («الدِّين والإلحاد والإيمان») نُشر في كتاب صراع التأويلات، يحاول بول ريكور أن يربط الرغبة بالإِروس الإغريقيّ الذي يجعل الإنسان في رنوٍّ دائم إلى إثبات وجوده. فالرغبة في الوجود هي في أصل الاختبار الإنسانيّ. راجع:

Paul Ricœur, Le conflit des interprétations, Paris, Seuil, 1969, p. 431- 457.

[41]- Clément Rosset, Schopenhauer. Philosophe de l’absurde, Paris, Puf, 1967 ; Alexis Philonenko, Schopenhauer. Une philosophie de la tragédie, coll. « Bibliothèque d’histoire de la philosophie », Paris, Vrin, 1999.

[42]- Nietzsche, Der Wille zur Macht. Versuch eine Umwertung aller Werte, ausgewählt und geordnet von Peter Gast, mit Mitwirkung von Elisabeth Förster-Nietzsche, Sämtliche Werke, Stuttgart, Kröner Verlag, 13. Auflage, 1996.

[43]- Paul Ricœur, Le volontaire et l’involontaire. Philosophie de la volonté I, Paris, Seuil, 2009 (1ère éd. 1950), p. 140.

[44]- Jeffrey D. Sachs, « Globalization. In the Name of Which Freedom? », Humanist Manag, 2017, J 1, p. 237- 252 (online).

[45]- Heidegger, « Brief über den ‘Humanismus’ », Wegmarken, GA 9, Frankfurt, Klostermann, 1976, S. 361.

[46]- Daniel Came, « Schopenhauer on the Metaphysics of Art and Morality », in Bart Vandenabeele (ed.), A Companion to Schopenhauer, Oxford, Willey-Blackwelle, 2012, p. 237- 248.

[47]- Heidegger, « Wissenschaft und Besinnung », Vorträge und Aufsätze, Pfullingen, Neske, 1990, S. 64- 66.