البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

حوار مع الباحث المغربي جميل حمداوي، الحداثة امتداد سلفي ارتجاعي للحضارتين اليونانية والرومانية

الباحث :  أعد الحوار: إدارة التحرير
اسم المجلة :  الاستغراب
العدد :  20
السنة :  السنة الخامسة - صيف 2020م / 1442هـ
تاريخ إضافة البحث :  October / 5 / 2020
عدد زيارات البحث :  204
تحميل  ( 371.727 KB )
يتّخذ هذا الحوار الذي أجريناه مع الباحث والمفكر المغربي البروفسور جميل حمداوي بعدًا غير مألوف في نقد الفلسفة الحديثة والقيم التي ابتنت عليها الحداثة الغربيّة عمارتها الضارية سحابة خمسة قرون خلت.

لقد آثرنا أن نبتدئ الحوار بالسّؤال المؤسّس لفلسفة الحداثة بما هو سؤال متعلّق بالتأثير البالغ، الذي تركته الحضارتين اليونانيّة والرومانيّة على الحضارة الغربيّة المعاصرة ومبانيها المعرفيّة. وسيجد القارئ كيف أنّ الأركان التأسيسيّة للحداثة لم تكن سوى استعاراتٍ ارتجاعيّةٍ للميراثين اليوناني والروماني. في حين أنّ المعضلة الكبرى التي وقعت فيها الحداثة وفلسفتها هي الانفصال المريع بين الله والعالم. ما يشير إلى أنّ مفاهيم مثل العلمانيّة والنسبيّة والشكوكيّة والعقلانيّة ليست سوى استئناف لثقافتي اليونان والرومان في الميدانين الأنطولوجي والفينومينولوجي.

إدارة التحرير

-----------------------

* الاستغراب: ثمّة من مؤرّخي الفلسفة من يقول: إنّ فلاسفة الحداثة قد أخذوا أصول منظومتهم الفلسفيّة وكلياتها عن السَّلَفَيْن الإغريقي والروماني، ولم يزيدوا عليهما إلا في الفروع، ولذا فقد كانوا بذلك سلفيين بمعنًى معيّن. ما تعليقكم على ذلك؟

عندما نتأمّل مفهوم الحداثة (La modernité)، فقد يبدر إلى أذهاننا مجموعة من المفاهيم التصوّريّة، مثل: الغرب، والعلمانيّة، والحضارة، والعلم، والثقافة، والتقنية...ويعني هذا أنّ الحداثة هي لحظة تاريخيّة متنوّرة عاشتها أوروبا في القرنين الخامس عشر والسادس عشر الميلاديين، بالثورة على رجال الدين، والإقطاع، والجهل، والخرافة، والشعوذة؛ باستلهام الحضارتين اليونانية والرومانية، والاستهداء بالعقل والمنطق، واستثمار الطبيعة، والأخذ بالفلسفة التجريبيّة، والدّفاع عن الإنسان وحرياته الخاصّة والعامّة، والدعوة إلى حقوق الإنسان الطبيعيّة والمكتسبة، وخلق المجتمعات المدنيّة، وتطوير الاقتصاد في ضوء الليبراليّة الفرديّة، والانفتاح على الشعوب الأخرى قصد الهيمنة عليها، وتأسيس المختبرات العلميّة، وتشجيع الاكتشافات الجغرافيّة والملاحة البحريّة بحثًا عن المواد الأوّليّة ومصادر الثّروة.

وعليه، تحيل كلمة الحداثة على الديمقراطية، وحقوق الإنسان، والدولة الليبراليّة، والملكيّة الفرديّة، وصعود البورجوازيّة، واستخدام العقل والعلم في فهم الطبيعة وتفسيرها، واستعمال المنهج العلمي في دراسة الوثائق، وتمثل الموضوعيّة في التعامل مع الظواهر المرصودة، وفصل الدين عن الدولة. وقد ترتّب عن هذه الحداثة أن تطوّرت أوروبا سياسيًّا، واقتصاديًّا، واجتماعيًّا، وثقافيًّا. وأصبحت نموذجًا للتمدّن الزاهي، والرّقي الحضاري، والتّطوّر التقني والصناعي، وانتشار المعرفة الثقافيّة. وعُدّ الغرب أيضًا مهدَ الفلسفات النّظريّة والعمليّة. وأكثر من هذا فقد سيطر الغرب على العالم بفضل علمه الهادف، وتقنيته المتقدّمة، وقوّته العسكريّة والماديّة.

إذًا، ترتبط الحداثة، باعتبارها حقبة زمنيّة، بعصر النّهضة الأوروبيّة، أو بعصر الإنسان الفرد، أو بعصر الأنوار، وكان الغرض منها هو تحديث أوروبا تقنيًّا، وعصرنتها ماديًّا ومعنويًّا على جميع الأصعدة والمستويات. وقد استمرّت هذه الحداثة حتى سنوات الستين من القرن العشرين، لتنتقل أوروبا إلى ما بعد الحداثة التي استهدفت تقويض الميتافيزيقا الغربيّة، وتحطيم المقولات المركزيّة التي هيمنت قديمًا وحديثًا على الفكر الغربي، كاللّغة، والهويّة، والأصل، والصوت، والعقل...وقد استخدمت في ذلك آليات التشتيت، والتشكيك، والاختلاف، والتغريب.

 كما تقترن ما بعد الحداثة بفلسفة الفوضى، والعدميّة، والتفكيك، واللّا معنى، واللّا نظام. وتتميّز نظريات ما بعد الحداثة عن الحداثة السابقة بقوّة التحرّر من قيود التمركز، والانفكاك عن اللوغوس والتقليد وماهو متعارف عليه، وممارسة كتابة الاختلاف والهدم والتشريح، والانفتاح على الغير عبر الحوار والتفاعل والتناص، ومحاربة لغة البنية والانغلاق والانطواء، بفضح المؤسّسات الغربيّة المهيمنة، وتعرية الإيديولوجيا البيضاء، والاهتمام بالمدنّس والهامش والغريب والمتخيّل والمختلف، والعناية بالعرق، واللّون، والجنس، والأنوثة، وخطاب ما بعد الاستعمار....

وعليه، إذا كان التحديث مرتبطًا باستعمال المخترعات والآليات المستجدّة، فإنّ الحداثة عبارة عن تحوّل ثقافيّ، وذهنيّ، وعقلانيّ، وفكريّ، وسلوكيّ. وقد تعني التجديد، والإبداع، وتجاوز التقليد والتّخلّف.

في ما يتعلّق بسؤالك عن سلفيّة الحداثة، فلا شكّ أنّ هناك مجموعة من المقوّمات الأساسية، تتمثّل في الاستفادة من المبادئ اليونانيّة والرومانيّة؛ بسبب وجود قواسم عدّة مشتركة، كتقديس العقل، والإيمان بالحقيقة العلميّة والتجريبيّة، وتمجيد الإنسان الفرد، والدّفاع عن المنطق الأرسطي الذي يحيل على خطاب الاتّساق والانسجام، والاعتماد على الحضارتين اليونانية والرومانية من أجل الانطلاق نحو المستقبل. بمعنى أنّ الحداثة تتكئ على التّراثين السابقين في بناء الإنسان الحداثي، واستكشاف الطبيعة واستثمارها واستغلالها لصالح الإنسان. وإذا كان التحديث يرتبط بالمخترعات والمستكشفات المادية، فإنّ الحداثة هي حالة من الوعي الفكري المتحضّر والمتمدّن. وأكثر من هذا إذا كانت الحداثة مبنيّة على العلمانيّة، بفصل الدّين عن الدولة، فإنّ هذا الفصل كان موجودًا في فترة اليونان التي آمنت بالديمقراطيّة من جهة في عهد بريكليس، والاهتمام بالفلسفة كثيرًا على حساب الدّين. أمّا الرّومان، فقد تشبّثوا بالقولة المسيحيّة المشهورة: «أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله».

ومن ناحيةٍ أخرى، تتعارض الحداثة مع التقليد والمحاكاة، وتنبني على الانزياح، والتجديد، والتجريب، والتحوّل. ويعني هذا أنّ الحداثة قد اعتمدت على الموروث اليوناني والروماني. وفي الوقت نفسه، حاولت أن تجدّد في بعض الفروع، مثل: المقاربات والمناهج، وفي بعض المجالات الثقافيّة، والأدبيّة، والفنيّة، والنقديّة. ولكن تظلّ بعض المبادىء الكبرى هي التي تتحكم في الحداثة الغربية، وهي المبادىء نفسها التي آمنت بها الحضارتان اليونانية والرومانية:

أوّلًا، الإيمان بالعقلانيّة المنطقيّة الأرسطيّة. والدّفاع عن التأمّل الفلسفي، واستخدام الفكر في استغلال الطبيعة واستثمارها لصالح الإنسان والمجتمع. وتهميش الآخر أو الغير المخالف للإنسان الغربي.

ثانيًا، الاهتمام بالمجال الطبيعي من أجل فهمه والتحكّم فيه علميًّا.

ثالثًا، العناية بالتجريب والبحث العلمي على حد سواء. إلخ...

ويلاحظ أنّ أسس الحداثة هي نفسها المبادىء التي انطلقت منها الحضارتان اليونانية والرومانية، كأنّ هناك نوعًا من الامتداد السّلفي النكوصي أو الارتجاعي. بمعنى أنّ الحداثة الغربيّة قد ردّدت المقولات نفسها التي آمن بها اليونان والرومان. ومن جهة أخرى، فقد كانت الحداثة الإسلامية سبّاقة إلى بناء الفكر العقلاني التنويري قبل الحداثة الغربية بقرون عديدة، كحداثة الوحي وحداثة العصر العباسي.

وإذا أخذنا، على سبيل المثال، البنيويّة والسيميائيات اللتين تعدّان نتاج الحداثة الغربية، فتؤمنان بخطاب لساني مغلق داخليًا، ولكنّه متّسق ومنسجم وخاضع لمبادئ العقل والمنطق. ويعني هذا أنّ الحداثة تنبني على العقلانيّة، والفكر المنطقي، وثنائيّة النّسق والنّظام، وثنائيّة الاتّساق والانسجام. ويعدّ هذا من مواصفات الفكر اليوناني والروماني؛ لأنّ الفلسفة اليونانيّة فلسفة عقلانيّة ومنطقيّة ونسقيّة ومتّسقة ومنسجمة، ولا سيّما مع فلسفتي أفلاطون وأرسطو.

ولم تتحقّق الحداثة الغربية باعتبارها إنجازًا مستجدًّا إلا في مجالات الأدب والفن. وفي هذا الصدد، يمكن الحديث عن تجاوز وانزياح عن مبدأ المحاكاة اليونانيّة التي كان يدعو إليها أفلاطون وأرسطو في الفن والجمال. بينما الفن خلق وتجاوز وإبداع عند هيغل وكانط. وبهذا، يكون هناك ترابط وتقليد للنموذجين اليوناني والروماني. وفي الوقت نفسه، هناك امتداد، وخرق، وتجاوز، وانتقال من حالة الثّبات إلى حالة التحوّل. أي: إنّ الحداثة تطوير للحداثتين اليونانية والرومانية بإحداث طفرة أو قطيعة إبستمولوجيّة بين الحداثة التقليدية والحداثة الغربية. فهناك قواسم مشتركة. وفي الآن نفسه، هناك تطوير، وانزياح، وتجديد. ومن ثم، فهناك امتداد سلفيّ على مستوى الأصول الكبرى. وهناك تجديد وانزياح وطفرات نوعيّة على مستوى الفروع.

* الاستغراب: يستدعي الكلام على أزمة حضارة في الغرب المعاصر، كلامًا موازيًا عن أزمة الفلسفة، باعتبارها بنيةً مؤسِّسةً لهذه الحضارة. إلى أيّ مدى يمكن الربط بين طرفَيْ هذه المعادلة انطلاقًا من العلاقة الوطيدة التي ينسجها التاريخ بين الفكر والحياة الإنسانيّة؟

من المعروف أنّ الفلسفة هي نتاج حضارة معيّنة، وكلّما كانت الحضارة زاهية ومزدهرة، كانت الفلسفة أيضًا منتعشة ويانعة قد أوشكت على الوصول إلى أوج نضجها. بيد أنّ الفلسفة الغربية قد عرفت مزالق فكريّة كبرى منذ فلسفة كانط الذي انتقد الميتافيزيقا الغربية، وقد بيّن عجزها عن إدراك الما ورائيات، أو ما يُسمى بالنومين (الله، والنفس، وخلق العالم). وبعد ذلك، جاءت العقلانيّة المنفتحة التي أعلنت ثورتها على العقلانيّة الكلاسيكيّة المغلقة التي تبنّاها ديكارت، وليبنز، وسبينوزا...؛ لأنّ هذه العقلانيّة أقصت ما هو تجريبي، وما هو واقعي وخارجي. في حين، كانت الفلسفة الإنجليزية مع جون لوك، ودافيد هيوم، واستيوارت ميل تهتمّ بالتجربة الحسيّة والاختبارات العلميّة، وكانت ترى أنّ الحقيقة مصدرها التجربة، لا العقل.

ومع اندلاع الحربين العالميتين، ظهرت فلسفات لا عقلانيّة تشكّك في العقل نفسه، وترميه بالعجز والقصور عن حلّ مشاكل الإنسان المعاصر، فظهرت الفلسفة الوجوديّة مع سارتر، والفلسفة الرومانسيّة التي تؤمن بالفرد والذات، وعلم النفس اللا شعوري الذي يركّز على اللّا عقل واللّا شعور، والسرياليّة التي كانت تؤمن باللّا وعي. ناهيك عن الفلسفات العبثيّة والعدميّة (نيتشه، وشوبنهاور، ومارتن هيدجر) التي ثارت على العقل، وآمنت بالوجود الإنساني. دون أن ننسى فلسفة ماركوز التي رفضت تعليب الإنسان، وتحويله إلى مجرّد رقم من الأرقام كما كانت تفعل البنيويّة والسيميائيات.

وبعد ذلك، أعلنت التفكيكيّة وفلسفات الاختلاف نهاية الفلسفة، وفشل المركزية الغربية، وموت الفلسفة والحضارة الغربية بشكل نهائي.

ومن هنا، تنبني فلسفات ما بعد الحداثة على التشكيك، والتقويض، والتفكيك، والتشذير، والتشتيت، والاختلاف، ونقد المركزيّة الغربيّة. ومن هنا، تمتدّ فترة ما بعد الحداثة (Post modernism) - زمنيًّا - من سنة 1970م إلى أواخر القرن العشرين، وربّما تمتدّ إلى فترة الألفيّة الثالثة. ويقصد بها النّظريات والتيّارات والمدارس الفلسفيّة والفكريّة والأدبيّة والنّقديّة والفنيّة التي ظهرت في فترة ما بعد الحداثة البنيويّة والسيميائيّة.

آفات الميتافيزيقا الغربيّة

* الاستغراب: ألا ترون أنّ مسارات الميتافيزيقا في الغرب كانت محكومةً إلى العقل المقيَّد بالمحسوسات، فكان من نتيجة ذلك الإعراض عن الإيمان الديني، ونشوء الظاهرة الإلحاديّة، واستشراء العلمنة الحادّة في المجتمعات الغربيّة الحديثة؟

تعدّ الميتافيزيقا (La métaphysique)  من أهمّ المباحث العويصة التي انشغلت بها الفلسفة منذ انبثاقها إلى يومنا هذا؛ نظرًا لما تطرحه من إشكالات وأسئلة معقّدة كلّيّة ومطلقة، ضمن وضعيّات سياقيّة تجريديّة مركّبة وصعبة، تستلزم مجموعة من الحلول الفلسفيّة والأجوبة التساؤليّة المدهشة والمحيّرة. ويعني هذا أنّ الميتافيزيقا خطابٌ تساؤليٌّ بامتياز، أو جواب تساؤليّ بصفة خاصّة. أي: ترد الميتافيزيقا في شكل تساؤلاتٍ جذريّةٍ عميقةٍ حول الله، والإنسان، والعالم، والمصير، والخلود، والقيم، والمعرفة... وتتحوّل الأجوبة التي تطرحها الفلسفة الميتافيزيقيّة إلى تساؤلاتٍ وإشكالاتٍ معقّدة مفتوحة من الصّعب التّيقّن منها واقعيًا، وتجريبيًا، وعلميًا. وقد أصبح العلم، اليوم، بدوره، عبارة عن فرضيّات ميتافيزيقيّة قائمة على التخمين، والاحتمال، والافتراض؛ كما نجد ذلك جليًا في تصوّرات الفيزياء النسبيّة عند ألبرت إنشتاين (Albert Einstein)، على سبيل التمثيل.

ويمكن الحديث عن موقفين متعارضين أساسيين: موقف يدافع عن الميتافيزيقا، على أساس أنّ الإنسان لا يمكن أن يعيش بدون التفكير في الما ورائيات؛ وموقف معارض يحتقر الميتافيزيقا، ويذمّها ويزدريها بمنطق العلم والتجربة والمنفعة والمردوديّة والتغيير الواقعي الجدلي، وضرورة الانتقال من الوجود الإلهي الشامل إلى الوجود الإنساني الفردي.

وتتمثّل مواقف المعارضين في أنّه يستحيل قيام ميتافيزيقا علميّة. فلو افترضنا جدلًا أنّه يمكن قيام الميتافيزيقا، فلا فائدة منها ولا قيمة لها ولا جدوى منها، ويتمثّل الاعتراض الآخر في أنّ مشكلات الميتافيزيقا هي المشاكل نفسها، لم تتغيّر، ولم تتقدّم الميتافزيقا قدمًا إلى الأمام، بل استنفذت مواضيعها كلّها. كما يصعب إطلاقًا أن نجد حلولًا ناجعة لهذه المشكلات الميتافيزيقيّة المتعدّدة.

ويعني هذا أنّ الذين ينكرون الميتافيزيقا يحاكمونها وفق الأدلّة العلميّة، والتجريبيّة، والوضعيّة، والجدليّة. بيد أنّ المتناقضات الموجودة في حياتنا اليوميّة تفرض علينا أن نتسلّح بالميتافيزيقا لكشف صدقها من كذبها، وربّما يكون ذلك في عجز قدراتنا عن ذلك. ولا يمكن للإنسان، كما يقول بعض الفلاسفة، أن يعيش دون التفكير في القضايا الميتافيزيقيّة، ما دام الإنسان حيوانًا ميتافيزيقيا كما قال شوبنهور.

ومن جهة أخرى، فقد كانت الميتافيزيقا محكومة إلى العقل المقيَّد بالمحسوسات، فكان من نتيجة ذلك الإعراض عن الإيمان الديني، ونشوء الظاهرة الإلحاديّة، واستشراء العلمنة الحادّة في المجتمعات الغربية الحديثة. بمعنى أنّ الميتافيزيقا قد ساهمت في انتشار الفكر المادي (الفلسفات المادية والجدلية)، وانتشار الإلحاد بين المفكرين والفلاسفة (نيتشه، وشوبنهاور، وسارتر...). كما ساهمت هذه الميتافزيقا الغربية في تعزيز القيم العلمانية التي تتمثّل في فصل الدين عن الفلسفة.لذا، شمّر رجال الدين عن سواعدهم لمهاجمة الميتافزيقا كما فعل كانط وغيره من الفلاسفة المحسوبين عن الدين والكنيسة، أو الفلاسفة المحسوبين عن التفكيكيّة والاختلاف كجاك ديريدا، مثلا.

ويعني هذا كلّه أنّ الفلسفة الميتافيزيقيّة قد ساهمت في انتشار الفكر والإلحاد بفضل الفلسفات الذرية، والمادية، والجدليّة، والتشكيكيّة، والتجريبية، والعبثيّة، والوجوديّة (أرسطو، وفولتير، وسارتر، ونيشته، وشوبنهاور، إلخ...). وأضحت أوروبا من أكثر المناطق إلحادًا في العالم؛ بسبب هذه الفلسفات اللا دينيّة، وحسب انتشار الفكر العلماني الذي يفصل الدين عن الدولة.

الفلسفة وأزمة الحضارة الغربيّة

* الاستغراب: نشأت تيّارات ومذاهب نقديّة واسعة النّطاق منذ عصر التنوير إلى عصر الحداثة وما بعدها في الغرب. إلى أيّ مدى تمكّنت هذه المذاهب والتيّارات من إجراء نقد جذريّ يعيد تصويب الخلل التكويني في حضارة الغرب، ولا سيما لجهة القطيعة بين الإلهيات والعلوم الإنسانيّة؟

ينبغي أن نعلم أنّ ظهور الفلسفة في المجتمعات الغربيّة هو نتاج التشكيك في المنظومات الدينيّة الوثنيّة، وتعبير عن الفراغ الإلهي، والبحث عن إله يشبع رغبات الإنسان وميوله المختلفة. لذا، جاءت الفلسفة الغربية للبحث عن الخالق، واستكشاف أصل العالم، وكيف خلقت الكائنات والموجودات. بمعنى أنّ الفلسفة جاءت لتناقش ذلك الانفصال الموجود بين الإلهيات والعلوم الإنسانية. لذا، وجدنا فلسفات مثاليّة تؤمن بالخير المطلق (الخير الأسمى عند أفلاطون، والفكرة المطلقة عند هيغل...). في حين، ألفينا فلسفات ماديّة وجدليّة وعبثيّة وعدميّة تنكر وجود الله، وتنشر الكفر والإلحاد بين النّاس. لذا، فالفلسفة الغربيّة تعبير واضح عن أزمة الحضارة الغربيّة وانحطاطها وانهيارها قيميًّا، وأخلاقيًّا، وروحانيًّا.

وإذا كان بعض الفلاسفة يؤمنون بالوجوديّة الثنائيّة المثاليّة كما عند أفلاطون، على أساس أنّ العالم المتغيّر نسبيّ وزائف، فإنّ أرسطو ينطلق من الوجوديّة الماديّة الواقعيّة على أساس أنّ العالم المادي هو العالم الوحيد الحقيقي بجواهره العقليّة الثابتة في مقابل أعراضه الشكليّة المتغيّرة.

ومن جهة أخرى، فقد أنكر الفلاسفة الماديون، كماركس (Marks)، وفيورباخ (Feuerbach)، وأنجلز (Engels)، ولينين (Lenin)، وغيرهم، وجود عالم علوي، فركّزوا على الوجود المادي للإنسان، في علاقة تامّة وجدليّة بالمعطيات الاقتصاديّة، والاجتماعيّة، والسياسيّة.

ومن جهة أخرى، فالوجوديّة أنواع عدّة، فهناك الوجوديّة المسيحيّة أو اليهوديّة المؤمنة، والوجوديّة الماديّة والعبثيّة الملحدة، والوجوديّة الإسلاميّة. وتظلّ الوجوديّة الإسلامية أفضل هذه الوجوديات كلّها، ما دامت قائمة على تكريم الوجود الإنساني، والاعتراف بحريّة الإنسان في التّعاطي مع واقعه، وربط وجوده بعبادة الله وحده، مع تعمير الكون بالخير العميم، ونشر المحبّة الكونيّة الفاضلة، والنّضال من أجل تعميم السلام الحقيقي، والارتكان إلى الحوار والتعاون والتواصل البنّاء المثمر، وخدمة الإنسانيّة كافة بكلّ ما يحقّق سعادتها الكاملة.

خصوصيات الفلسفة الإسلاميّة

* الاستغراب: إلى أيّ حدّ استطاعت الفلسفة الإسلاميّة أن تتجاوز الميتافيزيقا اليونانيّة، وإذا كان لها ذلك برأيكم، كيف تظهر لكم هذه المجاوزة، وبالتالي هل يمكن الحديث عن فلسفة إسلاميّة لها قيمها ومبانيها المستقلّة؟

على الرّغم من تأثّر الفلسفة اليونانيّة بالفلسفة اليونانيّة الأرسطيّة من جهة، والفلسفة الأفلطونيّة الهرمسيّة من جهة أخرى، فإنّها تنطلق من مجموعة من الأسس النظريّة والمنهجيّة، منها أنّ الله واحد دون شريك أو ند، وقد خلق العالم والموجودات من عدم، وهذا ما تثبته نظريّة الفيض عند الفارابي وابن سينا. فضلًا عن التوفيق بين الدّين والفلسفة، والدّفاع عن العقلانيّة التجريبيّة الهادفة والمثمرة. علاوةً على التمييز بين السّببيّة الربّانيّة الفاعلة، والسّببيّة التجريبيّة الطبيعيّة. ناهيك عن الوقوف في وجه المنطق الصوري الأرسطي، واستبداله بمنطق تجريبي عملي. ويعني هذا أنّ المنطق قد تطوّر في العالم العربي الإسلامي مع ابن سينا، والغزالي...؛ بانتقاله من منطق أرسطي صوري عقيم (تحصيل حاصل)، يصلح لدراسة الكليات المجرّدة، إلى منطق شرقيّ تجريبيّ واقعيّ وماديّ منتج، يقوم على الملاحظة، والتجريب، والاستقراء؛ ويدرس الجزئيات بغية الانتقال إلى الكليات.

وفيما يخصّ الميتافيزيقا عند الفلاسفة المسلمين، كالكندي، والفارابي، وابن سينا، وابن رشد، وابن باجة، وابن طفيل، وغيرهم...، فقد كانت في خدمة الوحي والشريعة الإسلامية، وتثبيت وحدانيّة الله، والوقوف في وجه الكفر والإلحاد، والسّعي الجاد من أجل عقلنة الدين، وتهذيب النّفس الإسلاميّة بأخلاقيّات القرآن الكريم والسّنّة النبويّة الشريفة.

يعني هذا أنّ الفلسفة الميتافيزيقيّة عند الفلاسفة المسلمين كانت دينيّة التّوجّه، تؤمن بالواحديّة، وتسعى إلى عقلنة الدين، والتوفيق بين الشرع والحكمة، وتكييف الفلسفة اليونانيّة مع البيئة الإسلاميّة، وممارسة التأويل الشّرعي للفلسفة اليونانيّة لصالح الحقيقة الربّانيّة، والتعبير عن مستلزمات المجتمع العربي الإسلامي الذي عاش فيه هؤلاء الفلاسفة، وعدم الانسياق وراء الماديات الأرسطيّة، والاهتمام بالنّفس الإنسانيّة والأخلاق وفق الشّرع الرّبّاني.

أمّا إذا انتقلنا إلى الفلسفة بالغرب الإسلامي، فقد كانت الحقيقة الربّانيّة حاضرة، إلى جانب حقائق أخرى كحقيقة الوجود، وحقيقة المعرفة، وحقيقة القيم بما فيها: الخير، والسعادة، والعدل، والجمال... بيد أنّ أهمّ ما تميّزت به الفلسفة المغربية هي الانشغال بترجمة كتب أرسطو، والاهتمام بالميتافيزيقا والمنطق، والتوفيق بين الدين والفلسفة، على أساس أن الشّرع منفصل عن الحكمة، لكن هدفهما واحد ألا وهو استخدام العقل من أجل إدراك الحقيقة، حقيقة الصانع وحقيقة المصنوعات والموجودات التي خلقها هذا الصانع الماهر. ومن أهم الفلاسفة الذين انشغلوا بعملية التوفيق بين الدين والفلسفة ابن باجة، وابن طفيل، وابن حزم، وابن رشد، وموسى بن ميمون...[1]

وخلاصة القول، لقد كانت الفلسفة الإسلاميّة تنحو منحًى ميتافيزيقيًّا شرعيًّا؛ لأنّها ناقشت مجموعة من المواضيع الما ورائيّة كالألوهيّة، والنّفس في علاقتها بالجسد، والمعرفة الربّانيّة، والقيم الأخلاقية، وخلق العالم، والبحث في السببيّة، وقد كانت متأثّرة في ذلك بالفلسفة اليونانيّة إلى حد كبير، إلا أنّها تميّزت بخصائص عدّة تميّزها عن تلك الفلسفة، مثل: إثبات ألوهيّة الرب الواحد، والقول بالخلق من العدم، وإرجاع الكثرة إلى الوحدة، وضرورة التوازن بين المثاليّة والماديّة، والدّفاع عن الواحديّة، وعقلنة الدين، والدّفاع عن المنطق التجريبي العملي، والانطلاق من الشرع الإسلامي في بناء الأنساق الفلسفية، ومحاربة الوثنية والتعدّدية، والتوفيق بين الدين والفلسفة، والتوازن بين الجسد والروح، والجمع بين العاجلة والآجلة، والإيمان باليوم الآخر، وإثبات نبوّة الأنبياء والرسل، والرّدّ على الملل الزائغة والطوائف من أهل الكتاب إلخ...

تأسيس علم الاستغراب

* الاستغراب: بناء على ما مرَّ، كيف يمكن فتح الأفق لبناء منظومة نقديّة لتاريخ الغرب كمقدّمة للتأسيس لعلم استغراب ينطلق من الإسلام ويمهِّد لإحياء حضاريّ جديد؟

ثمّة مجموعة من المبادئ والأسس المنهجيّة والنّظريّة لبناء علم الاستغراب الإسلامي على مجموعة من الثّوابت النّظريّة الوطيدة، والخطوات المنهجيّة الرصينة، ويمكن حصرها فيما يلي:

أوّلًا، الثورة على العقل المؤسّساتي المنغلق أو اللوغوس الغربي: بمعنى أنّ العقل الغربي هو عقلٌ فلسفيٌّ ميتافيزيقيٌّ ماديّ ومغلق، وليس عقلًا أخلاقًّيا روحانيًّا. وبالتالي، يتميّز هذا العقل بالغرور المبالغ فيه، وادّعاء القدرة الخارقة على تملّك الحقيقة العلميّة، لا تملّك الحقيقة الدينيّة التي لا يعترف بها، ولا يهتمّ بها أدنى اهتمام. وبالتالي، الوصول إلى الحقيقة العلميّة الواحدة عن طريق الاستدلال المنطقي والعلمي، وإن كان نيتشه يفنّد هذا التّصوّر، ما دامت الحقيقة مبنيّة على الأوهام والاستعارات المجازيّة غير الحقيقيّة في تخطّي نطاق الحسّ والعقل نحو العوالم الممكنة، التي توجد ما وراء الطبيعة بغية تشخيصها وتقريبها وإخراجها من المجرّد نحو المشخّص أو المؤنسن.

وأكثر من هذا لا يؤمن العقل الغربي بالنّص الدّيني؛ لأنّ ذلك يعوق- حسب نظرهم- تطوّر الممارسة المعرفيّة والعلميّة. وإن كان النّصّ يسهم في بناء الحقيقة التجريبيّة والعلميّة، ويعضدها باليقين والمصداقيّة الشرعيّة.

ويمكن القول إنّ جاك ديريدا نفسه قد ثار على مقولة العقل أو اللوغوس الغربي؛ حيث يقول ديريدا: «أما بالنسبة لنقد هايدغر، فهذا ما كنت أقوم به في الواقع منذ البداية. ففي جوانب كثيرة من عمله، وجدته ما يزال حبيس الرؤية الميتافيزيقية، هناك لديه أوّلًا استمرار لتمركز اللوغوس أو العقل»[2].

وهكذا، تثور فلسفة جاك ديريدا على كلّ المدارس العقليّة التي تشيد بالعقل والمنطق على حد سواء، ويدعو إلى التقويض من أجل تفكيك هذا التمركز الذي تحكّم في الفكر الغربي لمدّة طويلة.

ومن هنا، لا بدّ أن يتأسّس علم الاستغراب على ثنائيّة النّصّ والعقل، ويكون العقل في خدمة النّصّ الدّيني؛ لأنّ كثيرًا من الحقائق الكونيّة والعلميّة والشرعيّة لا يمكن معرفتها بالعقل، فلا بدّ من الارتكان إلى النّصّ الدّيني فهمًا، وتفسيرًا، وتأويلًا.

ثانيًا، تقويض الميتافيزيقا الغربيّة: لقد ضيّع الفكر الغربي وقتًا طويلًا، وهو يفلسف الكون والغيبيات ميتافيزيقيًّا. ومن ثمّ، لم يصل إلى حقائقَ يقينيّة جليّة، تتمثّل في وجود الله، وأنّ الله واحد لا شريك له، وأنّ المسيح مجرّد رسول، وأنّه كائن بشري، وليس ربًّا ولا إلهًا. وبالتالي، فالعالم خُلق من عدم، وأنّ الله هو خالق هذه الكائنات والموجودات، وأنّ ثمّة آجلة فيها ثواب وعقاب. ومن هنا، وقعت الميتافيزيقا الغربيّة في متناقضات عدّة ؛ حيث رجّحت كفّة المادّة والهيولى، وجعلتها أساس الخلق. ثم، ساهمت الفلسفة الغربيّة في تأليه المسيح وتقديسه، والقول بالتعدّديّة على مستوى الألوهيّة، أو الإعراض عن الدين، والانسياق وراء الرذيلة، والكفر، والشهوة، والإلحاد، والعبثية.

ثالثًا، الوقوف في وجه الفلسفات العبثيّة، والعدميّة، والماديّة، والإلحاديّة:

بمعنى أنّ مهمّة علم الاستغراب هو انتقاد التيّارات الفكريّة والفلسفيّة العبثيّة والماديّة، بفضحها وتعريتها وتقويضها وفق المنطق الرباني، انطلاقًا من مقاصد الوحي الرباني، والدعوة إلى توحيد الله، وبناء المعرفة في ضوء ثنائيّة النّصّ والعقل.

رابعًا، نقد المركزيّة الغربيّة: بمعنى أنّ مهمّة علم الاستغراب هو استكشاف تناقضات الحضارة الغربية على جميع الأصعدة والمستويات، والوقوف في وجه المركزيّة الغربيّة التي تدّعي الكمال ونهاية التاريخ، والتي تعتبر العقل الغربي هو أساس الحقيقة اليقينيّة والمعرفة الصادقة إلى درجة الغرور، والادّعاء، والتضخيم، والتفخيم، والتهويل. وبالتالي، يعدّ العرق الغربي أو الآري أحسن الأعراق وأذكاها في العالم. فضلًا عن كون الإنسان الغربي الأبيض هو أفضل الكائنات فوق البسيطة؛ لأنّه أكثر اجتهادًا، وعملًا، وإنتاجًا.

خامسًا، الوقوف في وجه العنصرية، بالدعوة إلى التّنوّع، والتعدّد، والمساواة: وهنا، يؤمن علم الاستغراب بالتّنوّع، والتعدّد، والاختلاف. وبالتالي، يدافع عن الإنسان باعتباره إنسانًا لذاته وفي حدّ ذاته، بعيدًا عن مقياس اللّون، والعرق، والأصل. فالمعيار الرئيس للترجيح هو الدين والعبادة، وليس العرق، واللون، والنّوع.

سادسًا، تفكيك مفهوم التاريخ الغربي: لا يؤمن علم الاستغراب بأحاديّة التّاريخ، ولا يعتقد بتوقّفه عند محطّة دون أخرى وفق التوجّهات الإيديولوجيّة، ولا ينظر إلى تاريخ الغرب على أساس أنّه إيجابيات كلّه؛ بل ينتقده بطريقةٍ موضوعيّةٍ، بالتمييز بين التّاريخ المّادي، والتاريخ الهمجي، والتاريخ الديني، والتاريخ المعرفي والعلمي. ومن هنا، يوظّف علم الاستغراب كلّ أدواته النّقديّة من أجل تشريح هذا التّاريخ وتفكيكه من منظور إسلامي علمي بنّاء. وينطلق من مرجعيّة إسلاميّة في نقد التاريخ الغربي والعربي على حد سواء.

سابعًا، الإيمان بمبدأ الاختلاف، ونبذ الخلاف: ويعني هذا أنّ علم الاستغراب يؤمن باختلاف الأجناس، والأعراق، والشعوب، والقبائل. ويقوم هذا الاختلاف بين الألسن والشعوب والبشر على التعارف، والتسامح، والتعايش، والتفاهم، والتثاقف، والتكامل الثقافي، وليس على أساس النبذ، والصراع، والإقصاء، والتهميش، والعدوان، والكراهية، والحقد، والتغريب...

ثامنًا، نقد الثوابت البنيوية: يرفض علم الاستغراب البنيويّة الداخليّة المغلقة، والحداثة الغربية الآلية، وينفتح على الداخل والخارج، والمغلق والمنفتح، ولا يكتفي بالخطاب الداخلي، بل ينفتح على الذات، والمرجع، والسياق، والإنسان، والتاريخ والواقع المجتمعي، والنّفس الإنسانية؛ بمعنى أنّه يؤمن بمقاربة متعدّدة التخصّصات.

تاسعًا، من أجل علم استغرابي نقدي بنّاء وبنائي، وليس من أجل علم استغراب تفكيكي غرضه التقويض، والتفكيك، والهدم من أجل الهدم: ويعني هذا أنّ علم الاستغراب الحقيقي هو الذي ينتقد النّصوص والأفكار والخطابات والأطاريح من أجل تركيبها وبنائها من جديد؛ لخلق نوع من المعقوليّة المنسجمة، والمشروعيّة المتّسقة والملائمة مع الصحوة الإسلامية الواعية.

بمعنى أنّ علم الاستغراب ليس علمًا نقديًّا هدفه هو التقويض، والتشكيك، والهدم، والتخريب، والتشتيت، والتأجيل مثل تفكيكيّة جاك ديريدا، بل هي مقاربة نقديّة موضوعيّة للغرب وفق رؤيةٍ تشريحيّةٍ علميّةٍ، هدفها هو البناء الإيجابي، وتعمير الفكر والثقافة بالحقائق اليقينيّة، واستكشاف تعثّرات الغرب من أجل تصحيحها، والدّفاع عن المنظومة الإسلامية المبنيّة على الوحي، بإظهار إيجابياتها ونقط قوّتها.

عاشرًا، الدّفاع عن الحداثة الإسلامية: من المعلوم أنّ الحداثة الإسلاميّة هي حداثة واحدة في منطلقها، وهدفها، وجذورها، وامتداداتها، وغاياتها. أي: إنّها حداثة الوحي الرّبّاني القائمة على القرآن الكريم وهدي النّبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم. وهذه الحداثة إنسانيّة وكونيّة وعامّة مصداقًا لقوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)[سبأ- 28]. كما أنّها حداثة ربّانيّة شاملة وعادلة ومتوازنة تجمع بين ما هو مادي وما هو روحاني. وقد تجسّدت هذه الحداثة في صدر الإسلام حتى عصر دولة بني العباس في مرحلة نضجها وتقدّمها وازدهارها.

وبناءً على ما سبق، يتأسّس علم الاستغراب على أنقاض الاستشراق الغربي المجانب للصواب، والعلمية، والموضوعيّة. وبالتالي، يرتكن هذا العلم الجديد إلى أخلاقيات القرآن الكريم، ومقرّرات السنّة النبويّة الشريفة. كما يستند هذا العلم إلى الوعي الصحيح بما قدّمته الحضارة العربية الإسلامية من إيجابيات وإنجازات شرقت وغربت. ومن ثم، يهدف علم الاستغراب إلى تصحيح نظرة المسلمين تجاه حضارتهم وعقيدتهم وشريعتهم، بتبيان نواقص الحضارة الغربية، والوعي بمخاطرها وسلبياتها.

وعليه، فعلم الاستغراب هو علم يدافع عن الحضارة العربية الإسلامية في ضوء الوحي الربّاني من جهة، وفي ضوء الإسلام باعتباره شريعة وعقيدة وعملًا من جهة أخرى. ويعني هذا أنّ علم الاستغراب هو علم جديد جاء كردّة فعل على سموم الاستشراق الغربي. لذا، يسمّى أيضًا بعلم الاستشراق المعكوس.

ومن هنا، يهتم علم الاستغراب بالغرب على جميع الأصعدة والمستويات، ونقد الحضارة الغربية، وتسفيه تبجّحها وغرورها وتعاليها المركزي. كما يستند هذا العلم المستحدث إلى علوم ومعارف متعدّدة، مثل: علم التاريخ، وعلم الاجتماع، وعلم النفس، وعلم الأديان، وعلوم القانون، واللسانيات، وعلوم الأدب، والفكر والفلسفة، وعلم الأفكار، إلخ...

وفيما يخصّ المنهجيّة، يعتمد علم الاستغراب على القراءة، والتوصيف، والتحليل، والتفكيك، والتقويم النقدي، والبناء الموضوعي، والتوجيه الصحيح. ومن ثم، فعلم الاستغراب منهجيّة انتقاديّة تنويريّة من جهة، ومقاربة تشريحيّة تفكيكيّة بنّاءة ومثمرة من جهة أخرى.

-----------------------------

[1]- أحمد أمين: ظهر الإسلام، المجلد الثاني(3-4)، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، الطبعة الخامسة سنة 1969م، ص:232-259.

[2]-  جاك ديريدا: الكتابة والاختلاف، ترجمة: كاظم جهاد، ط1، الدار البيضاء، دار توبقال للنشر، 1988م، ص:47.