البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

مسألة الشرّ عند أفلاطون

الباحث :  محمد فيروزكوهي، علي أكبر أحمد أفرمجاني
اسم المجلة :  الاستغراب
العدد :  21
السنة :  السنة الخامسة - خريف 2021م / 1442هـ
تاريخ إضافة البحث :  January / 10 / 2021
عدد زيارات البحث :  238
تحميل  ( 375.538 KB )
تهدف هذه المقالة إلى تسليط الضوء على مسألة الشرّ عند أفلاطون وبيان الدور الذي تلعبه إلى جانب توضيح معالم مختلف أنواع الشّرّ في مقابل تظهير عناصر الخير وخالق الكون المادّي (الديميورغوس) ومعرفة النسبة بين هذين الأمرين.

تشير الدراسة إلى أنّ أفلاطون رغم جهوده الحثيثة في نفي الشّرّ عن إله الخير، لكنّه أخفق ووقع في شبهة الشّرك التي تتبلور بوضوحٍ في مختلف آرائه الفلسفيّة. وهذه الإشكاليّة هي التي ستشكل محوراً أساسياً ي عمل هذه الدراسة.
كلمات مفتاحيّة: أفلاطون، الضرورة، مسألة الشّرّ، الشّرك، الإله الخالق للكون المادّي (الديميورغوس)

المحرر
-----------------------------
الشّرّ هو أحد المواضيع الهامّة في تأريخ البشريّة، ومن هذا المنطلق استقطب أنظار الكثير من الفلاسفة وعلماء الكلام نحوه، لذا فالفلاسفة المؤيّدون لنظريّات أفلاطون، الذين تتمحور رؤيتهم حول الخير في الحياة، ويعتقدون بوجود إله هو المصدر الأساسي له، اعتبروا أنفسهم مكلّفين بذكر تبريراتٍ عقليّةٍ للشّرور الموجودة في العالم؛ كي لا تتناقض مع ذات الإله وصفاته المتعالية مثل الخير والقدرة والحكمة.

هذا الموضوع منذ القدم بات متعارفًا في المباحث الفلسفيّة، وارتبط بها بصفته مبحثًا تقليديًّا يتوارثه الفلاسفة على مرّ العصور، وقد طُرح بشكلٍ أساسيٍّ ضمن المباحث الفلسفيّة ذات الطابع اللاهوتي والمباحث التي لها ارتباط بعلم اللّاهوت، وأفلاطون هو أحد الفلاسفة الذين سلّطوا الضوء عليه ضمن تراثه الفلسفي.
الصبغة العامّة لرسائل أفلاطون هي تبنّيه رؤيةً ذات طابع سياسيّ واجتماعيّ بحتٍ[2]، فقد كانت لديه هواجس جادّة بالنسبة إلى مجتمع مدينة أثينا؛ إذ كان يعتقد بأنّ الديمقراطية الهزيلة والمنحرفة ذات الطابع الفوضوي أسفرت عن زوال القيم الأخلاقيّة والمـثُل الإنسانيّة العُليا، ولا سيّما بعد وفاة أستاذه المقرّب سقراط الذي حُكم بالإعدام من قبل السلطات الحاكمة آنذاك بتهمة إفساد الشباب بعد أن حاول إيقاظ ضمائر الحمقى الغارقين في الأفكار المادّية البحتة وإحياء مدينة أثينا من سباتها المطبق.

إذًا، واجه أفلاطون مجتمعًا منكوبًا أخلاقيًّا تسوده الفوضى، ولم يبقَ فيه أثر للأخلاق والعقلانيّة والفضيلة، وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ الفكر السوفسطائي كان له تأثير ملحوظ في هذه الأوضاع المزرية التي طغت عليها توجّهات فكريّة نسبيّة؛ فعقيدة الشّرك الوثنيّةـ اليونانيّة (paganic) كانت زاخرةً بالآلهة[3] التي تصوّر الناس آنذاك أنّها تتحكّم بالقيم الاجتماعيّة وتضمن دوامها، إلا أنّ هذا العدد الكبير من الآلهة التي كانت على هيئة بشر مجسّمات بشرية  (anthropomorphic) هي في الواقع نقطة ضعفٍ كبيرةٍ تسبّبت بانحرافاتٍ أخلاقيّةٍ وسلوكيّةٍ قلّلت من قيمة المجتمع اليوناني وأسقطته في الحضيض؛ حيث كانت لها انعكاسات سلبيّة عليه بعد أن تبلورت في توجّهات أبنائه.
هذه الأوضاع الاجتماعيّة العصيبة استحوذت على أفكار أفلاطون، بحيث لم يجد بدًّا من السّعي لتشذيب الواقع الأخلاقي في المجتمع اليوناني، وفي هذا السياق ارتأى الحلّ في تغيير مسار المعتقدات الدينيّة وتنقيتها ممّا طالها من شوائب، لذلك أكّد على أنّ الحقائق القدسيّة تختلف عمّا يدّعيه هوميروس[4] وهسيود[5]؛ وذلك بهدف تنزيه الإله الحقيقي من الصفات الإنسانيّة والحيوانيّة. وعلى هذا الأساس صاغ منظومته الفلسفيّة بغية استئصال الانحرافات الاجتماعيّة الأخلاقيّة والسياسيّة في بلاد الإغريق، فتمحورت جهوده حول النّهوض بواقع الآلهة المجسّمة على هيئة بشر والرّقي بشأنها إلى مستوى الكائنات المجرّدة، لذا يمكن تشبيه وجهته الفكريّة الدينيّة هذه بما كان يتبنّاه أقرانه اليونانيون من أفكارٍ دينيّةٍ قوامها أنّ كبير الآلهة زيوس على رأس هرم جميع الآلهة الأخرى؛ حيث جعل الخير في قمّة هذا الهرم باعتباره أعلا مبدأ أخلاقيٍّ في حياة البشر تندرج تحت مظلّته جميع المبادئ الأخلاقيّة.

هذا التوجّه الفكري يعدّ ضربًا من الفكر اللّاهوتي بكلّ تأكيد؛ لأنّ مواضيع علم اللاهوت تتمحور حول الله تعالى وصفاته، لذلك يمكن اعتبار فلسفة أفلاطون ذات صبغة لاهوتيّة بكلّ ما للكلمة من معنى، ولا شكّ في أنّه دفع ثمن هذا الفكر الفلسفي اللّاهوتي بآراء مشوبة بالشّرك.

الجدير بالذكر هنا أنّ الديانة الوثنيّة اليونانيّة على ضوء تعدّد آلهتها لم تواجه محذورًا في مجال الشّرّ والصدفة، ولم تتعارض معهما على الإطلاق؛ لكون هذا التعدّد والتضادّ السلوكي بين الآلهة يؤدّي بطبيعة الحال إلى الخروج عن المبادئ الأخلاقيّة الأصيلة[6]، فهذه التوجّهات الدينية المشوبة بشرك صريح كانت مصدرًا أساسيًّا لحدوث الكثير من الشّرور والأمور غير المقصودة، إلا أنّ أفلاطون سار في التيّار المعاكس لمؤيديها، لذلك راوده هاجس الشّرّ في الحياة وحاول وضع حلّ له، وفي هذا المضمار أدرك أنّ المعتقدات المتعالية غير المادّية والمنزّهة من الشّرك إذا لم تحلّ محلّ الآلهة البشريّة وإذا لم يصبح الخير بديلاً للإله زيوس الحاقد الحسود المعروف بعدم استقرار توجّهاته الأخلاقيّة والمتذبذب في اتّخاذ قراراته، فلا بدّ حينئذٍ من السعي لبيان ما يلي:

أوّلاً: وجه ارتباط إله الخير والمعتقدات المتعالية مع الشّرور الطبيعية والأخلاقية المتنوّعة natural and moral evil والتي هي في الواقع مشهودة بكلّ وضوح في جميع أكناف المجتمع اليوناني.
ثانيًا: لو لم تكن عقيدة الخير وسائر المبادئ المتعالية موجودة في قمّة هرم عالم الوجود، فكيف يمكنها في هذه الحالة أن تؤثّر على ما يجري فيه أو أن تدبّر شؤونه وتنظّم ما فيه دون أن تتكدّر بلوثه وأحداثه المتغيّرة الزاخرة بالشّرور والانحرافات؟

حاول أفلاطون الإجابة عمّا ذكر في رحاب مفهومين أساسيين هما: الإله الخالق للكون المادّي (الديميورغوس) demiurge، والضرورة (necessity ananke)؛ حيث اعتبر المفهوم الأوّل بمثابة واسطة في مضمار الأفعال ضمن العالمين الكامل الثابت والناقص المتغيّر؛ حيث يساهم في تقليص المسافة ويقرّب بينهما، في حين أنّ المفهوم الثاني طرحه كعاملٍ مؤثّرٍ في موازاة مختلف عناصر عالم الوجود وادّعى أنّه قادر على إيجاد نظم في العالم.

تجدر الإشارة هنا إلى أنّ الإله الخالق للكون المادّي هو المشرف على العالم والكائنات، في حين أنّ الضرورة ذات ارتباط بحدوث الشّرور في هذا العالم.

فيما يلي نتطرّق إلى بيان تفاصيل الموضوع ضمن بحثٍ تحليليٍّ:

أوّلًا: الضرورة والديميورغوس (الإله الخالق)
أفلاطون ضمن الفصل 30 من كتاب طيماوس (أسطورة الخلق) أكّد على أنّ الله خيرٌ دائم ومنزّه من الحسد، وقد أراد من خلقه أن يسيروا على نهجه والتشبّه به قدر استطاعتهم[7]؛ وهذه العبارة القصيرة تتضمّن على أقلّ تقدير ملاحظتين واضحتين ودقيقتين لا بدّ من تسليط الضوء عليهما بدقّة وإمعان، ويمكن بيانهما كما يلي:

الملاحظة الأولى: الله خير ولا يصدر منه سوى الحسن والفضيلة، بحيث ليس في ذاته أيّة صفات مشوبةٍ بالحسد أو الإساءة إلى الخلق، بل كلّ ما يريده هو خير محض ومطلق.

نستنتج من هذا الرأي عدم إمكانية وجود نقص أو شرّ في ذات هذا الإله الخالق؛ لأنّ ذلك يتناقض مع صفاته الثابتة.
الملاحظة الثانية: فحوى هذه الملاحظة تكمن في عبارة (قدر استطاعتهم)؛ حيث تدلّ على وجود نوع من المحدوديّة في قدرة الإله الخالق لعالم المادّة (الديميورغوس).
الإله الذي افترضه أفلاطون يدعو إلى الخير بشكلٍ مطلقٍ، لكنّ قدرته حسب الظاهر من العبارة المشار إليها لا تعدّ كافيةً لتحقيق ما يدعو عباده إليه، ومن هذا المنطلق لا حيلة لنا سوى افتراض كائناتٍ أخرى لها صلاحيّة التدخّل في شؤون الكون والكائنات.

لأفلاطون عبارة ضمن كتاب الجمهوريّة فيها مدلول يستحقّ البحث والتحليل؛ حيث قال: «الله ليس هو السبب في كلّ ما نواجه في حياتنا كما يتصوّر عامّة الناس، بل القليل من ذلك يكون من ناحيته»[8]. بعد ذلك قال محذّرًا بصريح العبارة: «ليس من الحري بنا اعتبار أنّ الله هو السبب في الشّرّ والمعاناة، لأنّ ذاته خير محض»[9].
وفي كتاب طيماوس (أسطورة الخلق) ضمن حديثه عن مسألة نظم الكون وخلقته الجميلة وتنزيهه من الفوضى، طرح فكرة خالق الكون المادّي (الديميورغوس)؛ حيث حاول تقليص الفواصل بينه وبين خلقه، وحسب تعبيره فقد ملأ هذا الإله فجوةً كبيرةً في حياة البشريّة آنذاك بصفته خالقًا مُريدًا للخير والصلاح، وممّا قاله في هذا السياق: «هناك فجوة عميقة بين عالم الأفكار والعالم المادّي»[10].

لا نرى بأسًا في التنويه هنا إلى أنّ طابع نصّ هذا الكتاب أسطوريّ فلسفيّ؛ حيث يستعرض طبيعة رؤية أفلاطون حول خلقة الكون، الذي انتقل من مرحلةٍ فوضويةٍ إلى مرحلةٍ محكومةٍ بانتظام وتناسق، كذلك فيه مفاهيم وعبارات دقيقة حرية بالبحث والتحليل من قبل الباحثين، وفي هذا السياق أكّد أحد الباحثين بصريح العبارة على أنّ الطابع العام للكتاب يُشابه أسلوب المونولوج أكثر من شبهه بالحوار، وهدفه هو بيان كيفيّة نشأة الكون وبنيته الأساسية[11].

في الفصل 48 من الكتاب تطرّق أفلاطون إلى الحديث عن الضرورة، لذا ينبغي للباحث أن يُفسّرها بشكلٍ لا تتناقض مع الأفكار المعهودة عنه ضمن مختلف نظرياته وآرائه ولا سيّما اعتقاده بأنّ الكون مضمارٌ للصراع بين الخير والشّرّ. كما أشار إلى فكرة خالق الكون المادّي (الديميورغوس) وهو في الحقيقة ليس خالقًا بحسب المفهوم الديني المتعارف في الأديان السّماويّة، بل عبارة عن ناظم يُدبّر شؤون الكون والكائنات، وممّا ذكره في هذا الصعيد أنّ الديميورغوس سخّر العناصر الأربعة الأساسيّة في الكون (الماء والنار والهواء والتراب) للسيطرة على الفوضى الكونية والتنسيق بين أجزاء عالم الوجود، وقد صور الكون على هيئة سماء تدور فيها العديد من الأفلاك[12].
هذه الرؤية الكوزمولوجيّة التي تبنّاها أفلاطون تؤكّد على أنّ الديميورغوس ليس وحده من نظم الكون وأفلاكه، بل خلق أجزاءه بشكلٍ يجعل معظمها مستعدًّا لأن ينتظم بشكلٍ عقليٍّ وفق قواعد هندسيّة، وهنا أقحم مفهوم الضرورة لإثبات رأيه[13]، لذلك قسّم العلل ضمن نوعين، هما علل إلهيّة وعلل ضروريّة نشأت تبعًا للضرورة التي اقتضت وجودها على أرض الواقع؛ حيث استعان الإله بها لتحقيق مقاصده، لكنّها ذات تأثير فرعي، أي أنّ دورها ثانوي وليس أساسيًا.

استنادًا إلى ما ذُكر ينبغي لنا اعتبار العلل الكونيّة على نوعين: إلهية وضرورية، ومن ثمّ لا بدّ من الإذعان إلى أنّ الديميورغوس ليس مبسوط اليد في الخلقة، بل أحيانًا يواجه عقبات تفرضها عليه الضرورة، بحيث لا يبقى له خيار في اتّخاذ القرار الذي يريده، ومثال ذلك ما ذكر في الفصل 75 الذي أشار فيه إلى أنّ الإنسان خلال خلقته يواجه مفترق طرق لكونه يخيّر بين أن يصبح كائنًا سيئًا طويل العمر أو كائنًا محسنًا لكن بعمر قصير. الآلهة عندما تتداول هذا الموضوع فيما بينها فهي تؤيّد الخيار الثاني، لكن كما ذكرنا فالالديميورغوس ليس هو فقط صاحب القرار الحتمي في هذا الكون، بل هناك ضرورة تساهم في اتّخاذ القرار.
الضرورة اقتحمت ذهن أفلاطون، بحيث أناطها إلى وظائف كونيّة هامّة بعد أن استحوذت على منظومته الفكرية، ربّما بقصد أو دون قصد، وقد طرحها للبحث والتحليل كما يلي: «الآن حان الوقت لأن نسلّط الضوء بالشّرّح والتحليل على الآثار الناجمة عن الضرورة الحتمية. نشأة الكون عبارة عن امتزاج بين ذينك الإثنين؛ إذ لا بدّ من تأثير العقل والضرورة في هذا المجال، لكن مع ذلك فالعقل كان حاكمًا عليها بحيث أرغمها على أن تخلق معظم أجزاء الكون بأفضل شكل؛ لذا بعد أن هزمت من قبله تبلور الكون على هذه الهيئة.

إذًا، من يريد بيان كيفيّة نشأة الكون على حقيقتها لا محيص له من الإذعان إلى وجود علّة عشوائيّة غير هادفة فوضوية أثّرت في هذا المضمار»[14].
هذا العنصر الذي راود هاجس أفلاطون لم يكن اعتباطيًّا، بل له أهمّيته وتأثيره في منظومته الفكريّة، وهذا ما تشهد عليه جميع الفصول التي ذكر فيها، وممّا ذكر في حوار بروتاغوراس: «حتّى الآلهة لا يمكنها التحرّر ممّا تفرضه الضرورة عليها»[15]. وذكر في حوار القوانين: «حتّى الله لا يمكنه الوقوف بوجه الضرورة»[16]، وضمن هذه الفقرة تطرّق إلى بيان المقصود من الضرورة مشيرًا إلى نوعين منها، ثمّ ذكر عقيدته في هذا المضمار قائلاً: «الطبيعة لها ربّ» و«لو أنّ الآلهة وأشباهها لم تدرك الضرورات، فهي تعجز عن إدارة شؤون البشر»[17].

الجدير بالذكر هنا لدينا مفهوم آخر إلى جانب أو في موازاة الصورة ذات الطابع السلبي للضرورة المذكورة في كتاب طيماوس (أسطورة الخلق)، وهذا المفهوم منبثق من استنتاج ذي طابع إيجابي.

كذلك ذكر في حوارات كتاب الجمهورية: «هناك نقطة مشرقة تتلاحم فيها الأشعة المتلألأة مع بعضها، وأسطوانة الضرورة معلّقة فيها بحيث تدير شؤون جميع الأفلاك»[18]. نستشفّ من هذا الكلام أنّ الضرورة وفق مفهومها في كتاب طيماوس (أسطورة الخلق) تعدّ سببًا لزعزعة النظام الحاكم على الكون، حيث باتت عقبةً أمام الديميورغوس الإله الذي خلق العالم المادّي وجعلته عاجزًا عن تحقيق رغباته، لكنّها حسب المفهوم الذي أشير إليه في كتاب الجمهورية ذات طابع إيجابي لدرجة أنّها قريبة جدًا من الخير[19].

كما أنّ العقل له دور في خلقة الكون كذلك الضرورة ساهمت في ذلك برأي أفلاطون،[20] والأهم من ذلك تأكيده على أنّها المرتكز الأساسي لكلّ نظريّة تُطرح على صعيد بيان خلقة الكون وفي بيان علّة الفوضى الموجودة فيه، حيث استند إليها كعنصر مستقل في موازاة العقل؛ لذا حينما نحلّل عباراته التي تطرّق فيها إلى الحديث عن هذا الموضوع نجد الضرورة برأيه محفوفة بتناقضات، بحيث تصبح أحيانًا في موازاة العقل وتشاركه ضمن عمليّة الخلقة، وفي أحيان أخرى تكون عقبةً أمامه وأمام خالق الكون المادّي (الديميورغوس) فتعرقله وتجعله يخفق في مقاصده، لذلك يبذل قصارى جهده كي يجعل كلّ شيء خيرًا وصلاحًا.

الباحث يوهانسن ضمن مساعيه الرامية إلى وضع حلّ لهذا التناقض ذكر تبريرين خلاصتهما ما يلي:

1) الضرورة التي يعتمد عليها العقل باعتبارها علّة تشاركه في تحقيق مقاصده.
2) الضرورة التي لا تتناسب مع حكم العقل باعتبارها عقبةً تحول دون تحقيق أهدافه.
بناءً على ذلك لدينا نوعان من الضرورة تتبلوران ضمن نوعين من العلل، هما ضرورة بمثابة علّة فوضويّة (necessity as wandering cause) وضرورة بمثابة علّة مشاركة مع العقل (necessity as contributory cause) وهذه الأخيرة عبارة عن وصف للضرورة في الحقيقة حيث يسخّرها العقل لتحقيق الخير في عالم الوجود، بينما العلّة الفوضويّة عبارة عن وصف للضرورة التي لا تكترث لعواقب ما يحدث بسببها؛[21] إلا أنّ أفلاطون في كتاب الجمهورية صوّرها بنحو آخر ضمن الفصل 558 الذي تحدّث فيه عن الرغبات الضرورية وغير الضرورية[22].

نستشفّ ممّا ذكر أنّ الضرورة برأي أفلاطون عبارة عن عنصرٍ أساسيٍّ ومؤثّرٍ وليست مجرّد وسيلة لتبرير ما يحدث في الكون، لذا إن اعتبرناها في هذا السياق مجرّد تبرير محض نكون قد قلّصنا نطاق تأثيرها وقلّلنا من قدرتها الحقيقيّة.
رؤية هذا الفيلسوف المشوبة بالشّرك والتي أقحمها في مباحثه الإبستيمولوجية والأنطولوجية تتجلّى بوضوح ضمن مسألة الضرورة التي ادّعاها، حيث طرحها كعلّةٍ أساسيّةٍ بصريح العبارة عندما تطرّق إلى بيان العلل الكونيّة رغم أنّه اعتبرها علّةً لأمورٍ فرعيّةٍ ثانويّة وليست أساسيّةً؛ لأنّ عباراته تدلّ بوضوحٍ على اعتقاده بامتزاج خلقة الكون وعدم ارتكازها على مسبّبٍ واحدٍ باعتبار أنّ العقل والضرورة كلاهما شريكان في ذلك، حيث أناطها دورًا مصيريًّا.

فضلاً عمّا ذُكر فقد اعتبرها على الصعيد الإبستيمولوجي مصدرًا هامًّا للمعرفة؛ إذ قال: «دون هذا التفسير نعجز عن معرفة العلل الأولى التي هي الموضوع الأساسي لدراساتنا وبحوثنا الدينيّة، كذلك نبقى عاجزين لو لم نعتمد عليه بنحوٍ ما»[23].

هذه الإشكاليّة يسهل حلّها إلى حدّ ما لو تتبّعنا الآراء والفرضيات الموجزة والهامة التي تبنّاها الكثير من الباحثين المختصين بنظريات أفلاطون، حيث أكّدوا على أنّه لا يدّعي كون الخلقة بجميع أشكالها ناشئة من العدم، فالإله الخالق للكون المادّي (الديميورغوس) يواجه أحيانًا أشياء موجودة مسبقًا على ضوء وجود العناصر الأربعة النار والماء والتراب والهواء والتي هي البنية الأساسيّة لعالم الوجود.
في الفصلين 53 و 56 من حوارات كتاب الطيماوس (أسطورة الخلق) نجد عبارات تدلّ بصراحة على عدم مساهمة الإله الخالق في مسألة التكوين وحدوث أشياء خارجة عن نطاق العقل؛ لأنّ الوجود السابق للكون (pre – cosmos) لا وجود للعقل فيه على الإطلاق،[24] وعلى هذا الأساس اقتضت الظّروف الحاكمة حدوث الفوضى في عالم الخلقة، وهذا التبرير في الحقيقة جعله قادرًا على تنزيه العقل والتأكيد على أنّه وازع للخير المحض قدر المستطاع، لذلك قال: «ليس من الحري بنا بتاتًا ادّعاء شيء غير الخير في الذات الإلهية وتصور أنّها مصدر للشّرّ والانحراف».[25]

إذًا، ينبغي لنا وفق هذه الرؤية بيان طبيعة الموقف الذي اتّخذه هذا الفيلسوف الإغريقي تجاه مسألة الشّرّ ومعرفة المصدر الذي يوعزه إليه، حيث سنوضّح ذلك ضمن المبحث التالي.

ثانيًا: الشّرّ
من خلال تتبّع آراء أفلاطون نلاحظ أنّه لم يسع مطلقًا إلى إنكار وجود الشّرّ في عالم الوجود، بل بذل كلّ ما بوسعه لطرح فرضيّة عقليّة لتبريره، وكما أشرنا في حديثنا عن المـثُل ومسألة الخير فقد أكّد بصريح العبارة على وجود الشّرور وبعض النواقص في عالمنا والتي هي بطبيعة الحال لا تتناسق مع الخير والتعالي والكمال والاستقرار، لذلك طرح تساؤلاً مضمونه: لو أنّ الخالق قصد تحقيق هذه المبادئ السامية، فما السبب إذن في وجود نقص وشرور في عالم الخلقة؟ وعلى هذا الأساس قال بصريح العبارة: «نلاحظ في الكون الكثير من الأشياء التي تتراوح بين الخير والشّرّ، وبالرغم من أنّ النّوع الأوّل أكثر من الثاني، لكن لا بدّ لنا من الإذعان بوجود صراع دائم بينهما»[26]. بناءً على هذا الاستنتاج ادّعى أنّ الشّرور تتجلّى ضمن ثلاثة مجالات هي الإنسان والحكومة والكون، وهذا التجلّي إمّا أن يكون ظاهريًا أو باطنيًا؛[27] واستدلّ على ذلك بكون المعاناة والمرض يتجلّيان في نطاق الإنسان، والحروب تتجلّى في الحكومات، والزلازل والبراكين تتجلّى في الكون. نستنتج من هذا الكلام أنّ الشّرّ يتبلور في ذات المجالات التي تعدّ مضمارًا للخير أيضًا.

الجدير بالذكر هنا أنّه تطرّق إلى مسألة الشّرّ في مختلف آثاره لكن لم يطرحه كنظريّة مفصّلة ومستقلّة ضمن مبحث موحّد في أيّ من مؤلّفاته،[28] وضمن الأمثلة التي سنذكرها يتّضح لنا أنّه اعتبر أسوأ أنواع الشّرّ تتبلور في انحرافات الإنسان الأخلاقيّة، ففي كتاب الجمهورية ضمن الفصل 613 تطرّق إلى الحديث عن المعاصي التي ارتكبها الناس في حياتهم السابقة وقال إنّها أصبحت سببًا لعقابهم ومعاناتهم،[29] وفي الفصل 379 أكّد بصريح العبارة على عدم وجود أيّ دور للآلهة في حدوث الشّرور والمآسي في عالم الوجود لدرجة أنّه وجّه نقدًا لاذعًا لأشعار هوميروس التي ادّعى فيها تعمّد الآلهة بإيجاد الشّرّ للبشر، حيث قال: «لا بدّ أن نوضّح الموضوع بشكل آخر، وذلك بأنّ الذين تعرّضوا للشّر كانوا منحرفين بحيث تسبّبوا بما حلّ بهم من مآسي، فقد كانوا مستحقّين للعقاب الذي يخلّصهم من معاناتهم»[30].
وفي الفصل 900 من حوار القوانين اعتبر العقلانيّة والمعرفة والصبر والفضيلة شروطًا كماليّةً تتّصف الآلهة بأرقى صورها، في حين أنّ الصفات الذميمة قصرها على البشر لكونها لا تسري إلى عالم الآلهة على الإطلاق؛[31] وفي هذا السياق تطرّق إلى الحديث عن الشّرور الطبيعية أيضًا؛ إذ أشار في الفصل 546 من كتاب الجمهورية إلى أنّ الحوادث المدمّرة ترجع إلى إحدى الحقب الزمنيّة باعتبارها نوعًا من الحتميّة التأريخيّة[32].

الشّرور والنقص في الكون لا يمكن تبريرهما بما ذكر بطبيعة الحال، بل لا بدّ من طرح أدلّة موجّهة يستحسنها العقل، وفي هذا السياق أشرنا إلى الديميورغوس ضمن بيان تفاصيل الضرورة التي قصدها أفلاطون ولا سيما في حوارات الطيماوس (أسطورة الخلق)، حيث اعتبره إلهًا خالقًا أفاض على الكون نظمًا وتناسقًا يُشابه انتظام المسائل الرياضية في كون فوضوي وجوده سابق، وهذا النّظم طبقه وفق أنموذج ثابت ودائم، ومن هذا المنطلق صيّره كونًا (cosmos) منتظمًا وجميلاً.

مواضيع الطيماوس يمكن تلخيصها ضمن ثلاثة محاور أساسية هي كالتالي:

المحور الأوّل: ما ذكره ضمن الفصول 29 إلى 47 من إنجازات حقّقها العقل.
المحور الثاني: ما ذكره ضمن الفصول 47 إلى 69 بخصوص الضرورة ومدى تأثيرها في عالم الخلقة.
المحور الثالث: ما ذكره ضمن الفصول 69 إلى 92 حول اشتراك العقل والضرورة في عملية الخلق.

الجدير بالذكر هنا أنّ مصطلح الديميورغوس (Demiurge) لم يقتصر ذكره على الفصل الثامن والعشرين من حوارات الطيماوس، بل نجده في آثار أفلاطون الأخرى ضمن مباحث مختلفةٍ أشار فيها إلى وظائف متنوّعة يقوم بها هذا الإله الخالق وقد عرّفها بأساليب عديدة ضمن تعاريف عدّة، ومن جملة ذلك ما يلي: حوارات غورغياس الفصل 455، حوارات الندوة الفصل 4188، حوارات الجمهورية الجزء السادس، الفصل 507 وقد تضمّن هذا الفصل فكرةً فحواها ارتباط الديميورغوس (الإله الخالق للكون المادّي) بمسألة الخلقة ومساهمته في تزيين السماء، لكنّه في حوارات رجل الدّولة أكّد على أنّه لعب دورًا في إيجاد نظم للحركة غير المنتظمة، وهذا المدلول يقارب بنحوٍ ما المعنى الذي قصده لهذا الإله ضمن حوارات الطيماوس؛ ففي هذه الحوارات وضمن الفصل 273 بالتحديد أشار إلى عالم ذكره الديميورغوس والإله الوالد، لكنّه ضمن حوارات الطيماوس ذكر تفاصيل أكثر حول طبيعة الديميورغوس، لذا لو دقّقنا في المواضيع المذكورة ضمن الفصول 27 إلى 40 من هذه الحوارات فإنّنا نستنتج منها معلومات تفيدنا بأوصاف أكثر شموليّةً له ونعرف مدلول مفهومه بوضوح أكثر ضمن عبارات ذات مضمامين ملفتة للنظر.

يمكن اعتبار الفصول 27 إلى 29 من هذه الحوارات بأنّها مقدّمة وتمهيد للبحث لكونها تتضمّن مفاهيم ما ورائيّة أساسيّة وارتكازيّة مثل الوجود والخلقة والافتقار إلى العلّة وحدوث الكون وعدم إمكانيّة وصف الخالق.

الفصول 29 إلى 31 ذكرت فيها أصول ومبادئ حاكمة على الكون بأسره ومن جملتها أنّ الكون خلق بأفضل وأتمّ شكل نظرًا لكمال الإله الذي خلقه.
الفصول 31 إلى 34 تطرّق فيها إلى الأصول والمبادئ الطبيعية الفيزيائية الحاكمة على الكون، أي بنيته المادّية، فضلاً عن ذلك فالفصل 34 بالتحديد أكّد فيه على وجود روح كامنة في هذا الكون اعتبرها مظهرًا وتجلّيًا للإله.
الفصل 42 تضمّن حوارًا تحدّث فيه الديميورغوس مع الآلهة الشابّة التي تصنّف في المرتبة الثانية بعبارات واضحة وجذّابة؛ حيث اعتبر نفسه فيها والدًا لها ومشرفًا عليها وأخبرها بأنّه هو الذي خلّدها في عالم الوجود، وحينما نمعن النّظر بهذا الحوار نلاحظ أنّ الازدواجيّة الفكريّة الأفلاطونيّة تتبلور بهيئةٍ لاهوتيّةٍ منطقيّةٍ، فقد أشار إلى السبُل الكفيلة التي يمكن الاعتماد عليها لتجاوز بعض المسائل الهامة ذات المداليل المزدوجة مثل الخلود والفناء.

لا شكّ في أنّ الدور الفاعل للخالق والذي يتبلور ضمن الاعتقاد بوجود تدخل مؤثّر وإشراف على مجريات الأحداث في عالم الوجود، ليس منبثقًا من الإيمان بتعاليه واستقراره وكماله بصفته حاكمًا على دولةٍ كونيّةٍ قوامها الخير والصلاح، فقد أكّد أفلاطون في هذا السياق على ضرورة وجود عنصر مقتدر يتمثّل بالديميورغوس الذي له القابليّة على بسط نفوذه في عالم المادّة والإشراف التامّ على مجريات الأحداث التي شهدها أسلافنا ونشهدها نحن أيضًا فيه.

إذًا، هو إله خالق قادر على إيجاد نظم في عالم الوجود، وهذه الميزة تتجسّد ضمن أفعاله لكونه خيرًا محضًا منزّهًا من جميع أشكال الحسد ويرغب في أن يحدث كلّ شيء بنحو يشابه أفعاله وينسجم مع مقاصده[33].

ومن جملة استنتاجات أفلاطون حتميّة وجود شرور ونواقص في عالم الوجود، حيث أكّد على عدم إمكانيّة إنكار هذه الحقيقة الواضحة، لكنّه في الحين ذاته نزّه الله منها ورفض مدّعى من يسندها إليه. لا شكّ في أنّ هذا الرأي في غاية الأهميّة ولا يمكن لأيّ فيلسوف تجاهله؛ إذ لا بدّ من وجود شخص أو شيء يتسبّب بحدوث شرور أو طروء نواقص في هذا الكون؛ ومن هذا المنطلق لم يجد أفلاطون محيصًا من اللّجوء إلى فكرة الضرورة، فقد أناط الأمر إليها مؤكّدًا على أنّها هي التي اقتضت ما تواجهه المخلوقات من شرور وما تعانيه من نواقص.

ثالثًا: الله والضرورة في فكر أفلاطون (شرك جلي)
يمكن تشبيه فكر أفلاطون ببحر تتلاطم فيه أمواج أفكار ورؤى فلسفيّة متنوّعة؛ حيث نلمس فيها انعكاسات لآراء ونظريات جميع الفلاسفة الإغريق الذين سبقوه،[34] لكنّه رغم ذلك يعتبر الوريث الأوّل لأهم تيارين فكريين فلسفيين متعارضين بنحوٍ ما، وقد جمع بينهما لكونه عجز عن تفنيد أحدهما لإثبات الآخر؛ حيث يرى الباحثون أنّه وجد نفسه أمام نظريات هيراقليطس التي أكّدت على أنّ عالم الوجود قوامة الحركة والتغيير بشهادة حواسنا، لذلك نلمس هذه الرؤية في آثاره إلى جانب سائر آراء هذا الفيلسوف الإغريقي الشهير؛[35] ومن ناحية أخرى حفّزته نزعته العقليّة على تبنّي نظريات الفيلسوف بارمينيدس؛ إذ تركت تداعياتها بوضوح في كافّة آثاره الفكرية وبما في ذلك حوار الثئیتتس الذي تحدّث فيه سقراط عن هذا الفيلسوف باحترام وتقدير.

نلمس في مختلف آثار أفلاطون الفلسفية مساعي للتلفيق بين آراء هيراقليطس التي اعتبر فيها عالم الظواهر بمثابة مضمار لأحداث متنوعة، وآراء بارمينيدس الذي تبنّى فكرة كون الحقيقة واحدة لا يطرأ عليها أدنى تغيير؛[36] وقد وضّح الباحث هربرت هذا الأمر بعبارة مقتضبة كما يلي: «لو قمنا بتطبيق صيرورة هيراقليطس ضمن أنطولوجيا بارمينيدس نستنتج منها رؤى أفلاطونية».[37]

نستنتج من جملة ما ذكر أنّ رؤية أفلاطون تتّسم بازدواجية من أساسها، وقد سعى في الكثير من نشاطاته الفكرية إلى التغطية على التداخل الموجود بين الحس والعقل المحض؛ وهذه الازدواجيّة ملحوظة للعيان ضمن مختلف آرائه وفي شتّى آثاره ولا سيما على صعيد مباحث الخير والشّرّ، والوحدة والتعدّديّة في عالمي العقل والمادّة، وما إلى ذلك من مفاهيم متعارضة الدلالة.
الهدف الذي رام أفلاطون تحقيقة من وراء تبنّي رؤية لاهوتيّة مزدوجة هو التأكيد في إحداهما على الثبوت والاستقرار في عالم الخلقة، والاعتماد على الأخرى لتبرير وجود الشّرّ والنقص فيه، أي أنّه سعى إلى بيان حقيقة الخلل الموجود في عالمنا على ضوء مبادئ وأصول فكريّة دينيّة، وقد صرّح بهذه الرؤية ضمن أحد حواراته الهامّة ضمن أسطورة الخلق (الطيماوس)، إذ أشار فيها بكلّ صراحة إلى أهمية الخلود والفناء في عالم الخلقة[38] مؤكّدًا على أنّهما مؤشّران واضحان للأمر الإلهي وغير الإلهي.

وضمن تسليطه الضوء على مسألة الشّرّ افترض من جهة وجود إله يجسّد الخير المحض في عالم الوجود، بحيث لا وجود في ذاته سوى الإحسان والرأفة على مخلوقاته، ومن جهة أخرى افترض وجود عالم يطغى عليه الشّرّ بكلّ وضوح؛ وعلى هذا الأساس لم يجد بدًّا من تبنّي رؤيةً قوامها ازدواجيّة عالم الخلقة طرفها الأوّل هو الله الخالق الذي يتمثّل على هيئة خير متعالٍ ضمن ما وصفه بالديميورغوس، وطرفه الآخر هو الضرورة التي ادّعاها، وممّا قاله في هذا السياق: «كلّ خير مصدره الله فقط، لذا لا بدّ أن نبحث عن السبب في حدوث الشّرّ ضمن مصدر آخر غيره».[39]
إلى جانب تبنّي هذا الفيلسوف الإغريقي آراء معرفيّة تتقوّم على ازدواجيّة في دلالة المفاهيم المطروحة فيها ضمن مباحثه الإبستيمولوجيّة، هناك ازدواجيّة مفهوميّة في مباحثه الأنطولوجيّة أيضًا هدفها التنسيق بين حقائق عالمي المعقولات والمادّيات،[40] ناهيك عن وجود هذه الرؤية في توجهاته اللاهوتيّة ولا سيما على صعيد الخير والمـثُل والإله، حيث اعتبر هذه المفاهيم مصدرًا أساسيًا للخير والجمال فحسب معتبرًا إيّاها في مقابل الضرورة التي تعدّ وازعًا في حدوث الشّرّ وكلّ ما فيه من مصائب ومشاكل جمّة.

هناك ملاحظة جديرة بالذكر في هذا المضمار، وهي أنّ حوارات الطيماوس التي يتجلّى فيها كلّ من الديميورغوس والضرورة بكلّ وضوح وتفصيل تعدّ من آخر الآثار التي دوّنها في مرحلة شيخوخته،[41] كذلك دوّن حوارات القوانين خلال هذه المرحلة من حياته، وهذا يعني أنّه دوّنهما في فترة نضوجه العقلي حينما أصبح صاحب فكر يتّسم بواقعيّة أكثر وفي الحين ذاته تشاؤم أكثر لكونه أكّد بكلّ ما أوتي من قوّة على وجود الشّرور والنقص في عالم الخلقة ومن ثمّ لم يجد بدًّا من اللجوء إلى طرح مفاهيم مزدوجة المدلول.

نستنتج ممّا ذكر أنّ أفلاطون اعتقد بوجود إله منزّه من جميع أشكال الشّرّ والنّقص ضمن عالم زاخر بهما، بحيث لا يمكن لأحد إنكار هذه الحقيقة على الإطلاق، والملفت للنظر هنا أنّه رفض نسبتها إلى إله الخير المتعالي بأيّ نحو كان، ومن هذا المنطلق قال إمّا أن يكون الشّرّ عقابًا من جانب الآلهة بغية إنقاذ المذنبين من المعاناة المطبقة على حياتهم؛[42] أو أنّه نتيجة لما اقترفوا من معاصي في حياتهم السابقة،[43] لكنّه مع ذلك لم يكتفِ بهذا التبرير لمسألة الشّرّ؛ لأنّه لا يستوفي كلّ جوانب الموضوع من حيث الكم والنّوع، فهو متنوّع لا يمكن حصره بما ذكر، لذلك طرح مفهوم الضرورة باعتباره عنصرًا مستقلاً ومؤثّرًا في عالم الخلقة؛ إذ لولا ميزته هذه لما استطاع الصمود أمام العقل والخير ولما كانت له القابليّة على بلورة أمور تتعارض مع إرادة الخير الأعلا، وهذا الأمر دعاه لأن يعتبر بعض الشّرور ضروريّة ولا محيص منها؛ أي أنّه برّرها في رحاب الضرورة معتبرًا أنّ اللّجوء إلى هذا التبرير يعدّ وازعًا لرسوخ الاعتقاد بكون الإله خيرًا محضًا لا يشوبه أيّ سوء وخلل مهما كان شكله.
الواضح في آراء أفلاطون أنّه حاول تبرير وجود الشّرّ وكلّ نقص وخلل في عالم الوجود من خلال طرح فكرة الضرورة، لكنّه زلّ في هذا المضمار ووقع في فخّ الشّرك الذي لم يكن في منأى عنه في بادئ مسيرته الفكريّة؛ إذ يمكن اعتباره بنيةً أساسيّةً في منظومته الفكريّة لدرجة أنّه بقي معه وتبلور ضمن آرائه بأساليب متنوّعة.

-----------------------------------
[1]*. حائز على شهادة دكتوراه في فلسفة الدين من جامعة آزاد الإسلامية - فرع العلوم والدراسات – إيران.
**. أستاذ مشارك في قسم الفلسفة بجامعة العلامة الطباطبائي / الجمهورية الإسلامية الإيرانية - طهران.
ـ نشرت هذه المقالة في مجلة «فلسفه دين / نامه حكمت» - العدد 31 / سنة 2018م.
ـ ترجمة: أسعد مندي الكعبي.
[2]. Cleary, John J. 2013. Studies on Plato, Aristotle and Proclus, Brill, p. 233.
[3]. وليام ديورانت ـ أريل ديورانت: تاريخ تمدن (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية أمير حسين آريان بور وآخرون، الجزء الثاني (اليونان القديمة)، إيران، طهران، منشورات العلم والثقافة، 1997م، ص 199.
[4]. أفلاطون، دوره آثار أفلاطون (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية حسن لطفي، إيران، طهران، منشورات خوارزمي، 1978م،
ج 4، ص 950.
[5]. م.ن، ص 942. 
[6]. محمّد ضميران: گذار از جهان اسطوره به فلسفه (باللغة الفارسية)، إيران، طهران، منشورات هرمس، 2000م، ص 147.
[7]. أفلاطون، دوره آثار أفلاطون (باللغة الفارسية)، م.س، ج 6، ص 1839.
[8]. م.ن، ج 4، ص 944.
[9]. م.ن، ص 945. 
[10]. تيودور جومبرس: متفكران يوناني (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية محمّد حسن لطفي، الجزء الثاني، إيران، طهران، منشورات خوارزمي، ص 949.
[11]. Hankinson, R. J. 1998. Cause and Explanation in Ancient Greek thought, Clarendon press, p. 108.
[12]. أفلاطون، دوره آثار أفلاطون (باللغة الفارسية)، م.س، ج 6، ص 1841 - 1855.
[13]. م.ن، ص 1861.
[14]. أفلاطون، دوره آثار أفلاطون (باللغة الفارسية)، م.س، دوره، ص 1861.
[15]. م.ن، ج 1، ص 112.
[16]. م.ن، ج 7، ص 2263.
[17]. م.ن، 2264.
[18]. أفلاطون، دوره آثار أفلاطون (باللغة الفارسية)، م.س، ج 4، ص 1280.
[19]. Chlup, Radek. 1997. Two Kinds of Necessity in Plato`s, dialogues, folia philological, 120 (3 / 4), p. 208.
[20]. أفلاطون، دوره آثار أفلاطون (باللغة الفارسية)، م.س، ج 6، ص 1861.
[21]. Johansen, Thomas kjeller. 2008. Plato s Natural Philosophy. Cambridge University press, p. 93.
[22]. أفلاطون، دوره آثار أفلاطون (باللغة الفارسية)، ج 4، ص 1195.
[23]. أفلاطون، دوره آثار أفلاطون (باللغة الفارسية)، م.س، ص 1891. 
[24]. Jelinek, Elizabeth. 2011. Pre-cosmic Necessity in Plato s Timaeus. Apeiron, 44, p. 289.
[25]. أفلاطون، دوره آثار أفلاطون (باللغة الفارسية)، م.س، ج 4، ص 945. 
[26]. أفلاطون، دوره آثار أفلاطون (باللغة الفارسية)، م.س، ج 7، ص 2372.
[27]. Bury, R. G. 1952. Plato and the problem of Evil, proceedings of the Cambridge philological society, 1, p. 32.
[28]. Chilcott, C. M. 1923. The Platonic Theory of Evil. The classical quarterly, 17 (1), p. 27.
[29]. أفلاطون، دوره آثار أفلاطون (باللغة الفارسية)، م.س، ج 4، ص 1276.
[30]. تيودور جومبرس، متفكران يوناني (باللغة الفارسية)، م.س، ص 945.
[31]. أفلاطون، دوره آثار أفلاطون (باللغة الفارسية)، م.س، ج 7، ص 2364.
[32]. م.ن، ج 4، ص 1174 - 1175.
[33]. أفلاطون، دوره آثار أفلاطون (باللغة الفارسية)، م.س، ج 6، ص 1839.
[34]. Findlay, J. N. 2007. Notes on Plato’s Timaeus. The Philosophical forum, 38 (2). p. 162.
[35]. أفلاطون، دوره آثار أفلاطون (باللغة الفارسية)، م.س، ج 6، ص 1852.
[36]. Hare, R. M. 1996. Plato. Oxford University Press. p. 12.
[37]. أفلاطون، دوره آثار أفلاطون (باللغة الفارسية)، ص 941.
[38]. أفلاطون، دوره آثار أفلاطون (باللغة الفارسية)، م.س، ج 6، ص 1852.
[39]. م.ن، ج 4، ص 944.
[40]. فردريك كوبلستون، تاريخ فلسفه (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية سيّد جلال الدين مجتبوي، الجزء الأوّل (بلاد الإغريق وبلاد الرومان)، إيران، طهران، منشورات العلم والثقافة، منشورات سروش، 1989م، ص 181.
[41]. Sienkewicz, Thomas J., and Monmouth College IL. 2007. Ancient Greece, salem press. p. 670 - 871.
[42]. أفلاطون، دوره آثار أفلاطون (باللغة الفارسية)، م.س، ج 4، ص 945.
[43]. م.ن، ص 1276.