البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

الدولة المثاليّة بين أفلاطون وأرسطو

الباحث :  مصطفى النشّار
اسم المجلة :  الاستغراب
العدد :  21
السنة :  السنة الخامسة - خريف 2021م / 1442هـ
تاريخ إضافة البحث :  January / 10 / 2021
عدد زيارات البحث :  662
تحميل  ( 428.383 KB )
تضيء هذه الدراسة للباحث المصري مصطفى النشار على أبرز الأسس التي تقوم عليها الدولة المثاليّة عند أفلاطون، ومن ثمّ يقدّم نقد أرسطو لهذه الأسس، وكيف أنّ الأخير نفسه وقع في شراك المدينة المثاليّة وراح ينظر لها على طريقته التي تخالف أسس المدينة الفاضلة في جانبها المثالي والأخلاقي. ما جعل الباحث يُعبّر عن هذه الأسس بالصدمات الثلاث التي وجّهها أفلاطون للإنسانيّة.

المحرّر
------------------------------------------
اشتُهرت دولة أفلاطون المثاليّة في تاريخ الفلسفة كثيرًا، فقد توافر لها من حظّ ذيوع الصيت ما لم يتوافر لكتَّاب اليوتوبيات الأخرى سواء من الفلاسفة المسلمين كـ (أبى نصر الفارابي) أو من الغربيين كـ (توماس مور)، وفى حين استُقبلت جمهورية أفلاطون بهذا الترحاب فإنّ جمهوريّة أخرى لم تجد لها كثير حظ من ذاك الاستقبال، إنّها جمهورية أرسطو.

فقد شهد العصر اليونانى في مرحلته الذهبيّة فترة اضطراب سياسي؛ حيث عاصر أفلاطون دعاة التطرّف السياسي من السوفسطائيين وأتباعهم الذين اعتلوا مناصب سياسيّة آنئذٍ، وحيث وصول الغوغاء إلى الحكم تحت عباءة الديموقراطيّة وإعدامهم لأستاذه سقراط، وهو ما كان له أبلغ الأثر في تناول المشكلات السياسيّة عبر محاوراته أو في دروسه الشفهيّة داخل أكاديميّته التي أسّسها؛ لتكون مركزًا لإعداد القادة والسياسيين.
لقد بلغ اهتمام أفلاطون حدًّا يُمكننا القول إنّه لم يتفلسف إلّا من أجل السياسة، وقد حُقّ لأحد مؤرّخي الفلسفة السياسيّة أن يعبّر عن ذلك بالقول: “إنّ أفلاطون لم يأتِ إلى الفلسفة إلّا عبر السياسة، ومن أجل السياسة”[2].

هذا الاهتمام الأفلاطوني بالسياسة يرجع إلى دعامتين رئيسيتين، الأولى في مدى صلة السياسة بالأخلاق، حيث سيكون غياب العدالة التي هي صفة أخلاقيّة بالمقام الأوّل ذريعة إلى خلق فوضى سياسيّة تكاد تودي بالدولة، ومن ثمَّ كان المواطن الفاضل لديه هو من يشارك في سياسة المدينة ويحرص على أداء واجبات المواطنة[3]، وتتمثّل الثانية في طبيعة نشأته الأرستقراطيّة التي كانت تُعدّه ليصبح أحد حكام أثينا أو أحد كبار رجال الدولة فيها، وحينما اضطرّته الظروف السياسية التي مرّت بها أثينا إلى اعتزال السياسة لم تفتر عزيمته عن طرح هذه القضايا نظريًّا؛ لتصبح السياسة محور اهتمامه الأول، حيث بدأ طرح قضاياها منذ محاوراته الأولى، تلك التي عُرفت بالمحاورات السقراطيّة (الدفاع – أقريطون – خارميدس – لاخيس – أوطيفرون )؛ إذ نجد أنّ القضايا السياسيّة تُطرح فيها جنبًا إلى جنب مع القضايا الأخلاقيّة والاجتماعيّة[4].
ولم يتخلف أرسطو في رؤيته السياسية كثيرًا عن منطلقات أستاذه، فقد كانت الأخلاق لديه البوابة التي ينطلق منها الفكر السياسي؛ إذ يؤكّد على أهميّة القوانين والتشريعات ودورها في تحقيق الانضباط الأخلاقي عبر فرض العقوبات الصارمة ضدّ العصاة وفاسدي الأخلاق[5] فمن لم يستقم أمره بالنّصح والتربية الخاصّة في الأسرة لا بدّ من إجباره على الأخلاق القويمة عبر إلزامه وإخضاعه لقوانين الدولة ودستورها[6].

ولكن دولة أرسطو لم تكن مشيّدة البنيان على طراز دولة أفلاطون، ولا حتى قريبة الشبه منها، بل كانت دولة غير مكتملة الأركان، غير ناضجة سياسيًّا بالقدر ذاته الذي وُلدت به شائهة فلسفيًّا.

ثمة إشكالات عدّة تواجهها هذه الدراسة إذًا، يأتى على رأسها:
- ما الفروق الكبرى بين الدولتين المثاليتين وحظهما من الإبداع؟
- كيف دعا أفلاطون إلى شيوعيّة الأموال والنساء والأولاد؟ وما مدى مطابقة ذلك للفطرة الإنسانيّة، فضلاً عن مدى استقامة تلك التعاليم مع الدين الإسلامي؟
- هل كانت العدالة الأفلاطونيّة هي النموذج الأسمى؟
- كيف يضمن أفلاطون نظامًا تربويًّا يحقّق طموحاته السياسيّة؟
- هل يبقى حلم “الحاكم الفيلسوف” رأس الهرم في الفكر الأفلاطوني؟
- كيف وجّه أرسطو النقد إلى دولة أفلاطون؟
- لماذا لم تكتمل معالم الدولة المثاليّة لدى أرسطو؟

ولأجل الإجابة على هذه الأسئلة فسوف نستخدم المنهج المقارن مع اللجوء كثيرًا إلى المنهج النقدي كلّما اقتضى الأمر.

أوّلاً: «الجمهورية» ومعالم الدولة المثالية عند أفلاطون
جرت عادة المؤرّخين على أن يصفوا المدينة التي رسم معالها أفلاطون في «الجمهورية» بأنّه «أوّل ما عرف العالم من مدن فاضلة[7]». هذا في اعتقادنا خطأ شائع؛ لأنّه قد سبقه إلى تصوّر هذا الحلم بالمدينة الفاضلة المثاليّة كلٌّ من أخناتون في مصر القديمة، وكونفوشيوس في الصين القديمة، وربّما تفوّقا عليه في أنّهما حقّقا ولو بشكلٍ جزئيٍّ حلمهما الفلسفي على أرض الواقع[8].
أما أفلاطون فقد تفوّق عليهما دون شكّ في البناء الفلسفي المحكم لمعالم هذه المدينة الفاضلة؛ حيث رسم معالمها في ضوء فلسفته الميتافيزيقيّة التي ترى في ثبات «المثال» وعدم تغيّره حقيقة لا تقبل الشك أو المناقشة؛ فقد كان أفلاطون- على حد تعبير (ماتسونW.I.Matson) – مغرمًا وشغوفًا بالنظام الثابت في كلّ شيءٍ بدءًا من حبّه للرياضيات وانتهاءً برسمه لمعالم المدينة المثاليّة في فلسفته السياسية[9].

وقد بدأ أفلاطون بناء مدينته المثالية الفاضلة في «الجمهورية» من بلورة مثال ثابت للعدالة عبر مناقشة النظريات الأخرى عن العدالة ورفضها.

أ- تعريف العدالة:
قبل أن يقدّم أفلاطون تعريفه للعدالة، ذلك المثال الثابت الذي لا ينبغي أن يتغيّر أو يتبدّل، استعرض تعريفات عدّة شائعة لها، منها؛ التعريف الذي قدّمه كيفالوس وبوليمارخوس وهو أنّ العدالة هي «الصدق في القول والوفاء بالدين» وقد طور بوليمارخوس هذا التعريف فأصبح أنّ العدالة تعني «إعطاء كلّ ذي حقّ حقّه»؛ بمعنى أن نعامل كلّ إنسان بما هو مناسب له، أي أنّ العدالة تكمن في «تقديم الخير للأصدقاء وإلحاق الأذى بالأعداء»[10].

لقد رفض أفلاطون هذا التعريف على أساس أنّ العدالة ليست مجرّد علاقة بين فردين، والتعريف السابق يقدم العدالة على أنّها علاقة تقوم على مبادئ فرديّة، وفي هذا الإطار لا يفكّر الفرد إلّا في نفسه؛ حيث يجزي أصدقاءه خيرًا ويرد على أعدائه بالمثل[11]. ومن جانب آخر فإنّ «إيذاء الغير إنّما هو دائمًا عمل غير عادل»[12].
أمّا التعريف الثاني للعدالة، فقد قدّمه تراسيماخوس السوفسطائي؛ حيث عرَّفها بأنّها: «هي صالح الأقوى» وطالما أنّ «العنصر الحاكم هو الأقوى دائمًا» فالعدالة تسير في مصلحته! «فالديمقراطية تضع قوانين ديمقراطية، والملكية تجعلها ملكية... فللعدالة في جميع الدول معنًى واحد هو صالح الحكم القائم[13]».

وقد رفض أفلاطون أيضًا هذا التعريف على أساس أنّ الحكم فنّ ككل الفنون الذي يتلقى الذين يقومون بها أجرًا على أعمالهم؛ فكما أنّ الطبيب يُحاول علاج عيوب الجسم، كذلك الحاكم يحاول علاج عيوب الدولة، فالحكام حسب تعبير أفلاطون «لا يحكمون وفي ذهنهم أنّهم سينتفعون أو يتنعّمون وإنّما لأنّ الضرورة اقتضت ذلك» و«الحاكم الصحيح لا ينتظر منه أن يرعى مصالحه الخاصّة وإنّما يرعى مصالح رعيته[14]». وعلى ذلك فإنّ الحاكم لا يحكم بوصفه حاكمًا أو ممارسًا لفن الحكم، بل يفعله بوصفه من أصحاب الأجور الذين يمارسون العمل لقاء الأجر.
والحقيقة أنّ هذا الرّدّ الأفلاطوني غير دقيق وغير مقنع؛ فلقد اعتمد فيه على افتراض أنّ الحكّام دائمًا قوم أخيار، وعلى أنّهم إذا ما أدّوا عملهم بصورةٍ مثاليّةٍ فستكون أحكامهم لصالح المحكومين وليس العكس!. وبالطبع فإنّ تراسيماخوس ينطلق في تعريفه من افتراض معاكس تمامًا. ولذلك فقد فشل أفلاطون حقيقة في رفضه لهذا التعريف؛ لأنّه لم يرد على حجج صاحبه، بل واجهه بافتراض مضاد وحاول إقناعه بصحّته!

وعلى أيّ حال فقد نجح أفلاطون إلى حدّ ما في ثنايا ردوده على حجج تراسيماخوس، وفي ثنايا ردوده على جلوكون الذي عرف العدالة بناءً على غريزة الخوف باعتبارها ضرورةً تفرض على الأضعف، وبأنّها «شر يطلب لنتائجه»[15]. أقول نجح أفلاطون في معرض ردوده هذه في أنّ يمهّد لنظريّته الخاصة عن العدالة، تلك النظرية التي تبدأ من التسليم بحقيقة مؤداها أنّ كلّ شيء مؤهلٌ بالطبيعة لأداء وظيفة معيّنة؛ إذ إنّ «وظيفة الشيء هي ما يؤدّيه هذا الشيء وحده»، ومن ثم فإنّه يكون حسنًا وكاملاً بقدر ما يؤدي هذه الوظيفة بنجاح تام، فكمال الفرس وفضيلته هي أن يحسن أداء وظيفته وهي أن يحسن العدو، وكمال العين هي أن تحسن الإبصار. إلخ[16]. وهكذا الحال بالنسبة إلى النفس التي لن تؤدي وظيفتها في الإنسان بصورة كاملة، إلا إذا مارست العدل وليس الظلم[17]؛ لأنّ العدالة «أشرف ما تنطوي عليه نفوسنا، والظلم أرذلها»[18].

وإذا كانت العدالة عند فيلسوفنا هي كمال النفس فهى أيضًا في رأيه كمال الدولة. وإذا كانت النفس التي تحسن أداء وظيفتها هي النفس العادلة، فكذلك تكمن العدالة في الدولة التي يقوم كل فرد فيها بأداء وظيفته على الوجه الأكمل.
إنّ القارئ للكتاب الثاني من «الجمهورية» يرى بوضوح تلك الموازنة الدقيقة التي يقيمها أفلاطون بين الدولة والفرد، والتى يعرّف من خلالها العدالة بأنّها «قيام كلّ فرد بوظيفته على الوجه الأكمل» في الوقت الذي «تحافظ له الدولة على هذه الوظيفة بحسب المواهب والمؤهلات الطبيعية الكامنة فيه». وها هو في الكتاب الرابع يؤكّد هذا التعريف حينما يقول: «إنّ على كلّ فرد أن يؤدّي وظيفة واحدة في المجتمع هي التي وهبته الطبيعة خير قدرة على أدائها»، فمن «العدل أن ينصرف المرء إلى شؤونه دون أن يتدخل في شؤون غيره»[19].

ب- أصل الدولة:
وإذا ما تساءلنا عن الأسباب التي دعت أفلاطون إلى تقديم تعريفه السابق للعدالة مقترنًا بفكرة الوظيفة؟! فإنّ إجابته تكمن في تحليله لأصل تكوّن الدولة ونشأة المجتمع السياسي.

فالدولة في رأيه «من عجز الفرد عن الاكتفاء بذاته وحاجته إلى أشياء لا حصر لها[20]». ولما كانت حاجات الفرد عديدة وهو لا يستطيع القيام بها وحده، فهو إذن في حاجة إلى مساعدة الآخرين، وكذلك فإنّ الآخرين في حاجة إلى مساعدته، ولذلك كان لا بدّ أن يتجمع هؤلاء ليحقّقوا حاجاتهم المشتركة «وعندما يتجمّع أولئك الشركاء الذين يساعد بعضهم بعضًا في إقليم واحد، نسمي مجموع السكان دولة[21]».
وهنا تلاحظ مدى إدراك أفلاطون للضرورة الطبيعية للاجتماع البشري كأصلٍ لنشأة المجتمعات السياسية أو كأصل الدولة. فالدولة لا تنشأ إلا تلبية لتلك الحاجات الفطرية للإنسان الفرد. ومن ثم كان اجتماعه بغيره من البشر مسألة تفرضها ضرورة تلبية هذه الحاجات المادية والمعنوية التي لا يستطيع أن يلبيها بنفسه لنفسه!

جـ - تقسيم العمل والنظام الطبقي:
إنّ الدول المثالية إذن عند أفلاطون ينبغي أن تقوم على مبدأ تقسيم العمل بين أفرادها، الذين يتوزعون عنده على طبقات ثلاث أساسية، هي: طبقة المنتجين من زرّاع ورعاة وصنّاع وخلافه، وطبقة الجنود، وطبقة الحكام. وكلّ طبقة من هذه الطبقات ينبغي أن تؤدي وظيفتها على الوجه الأكمل متحليةً بفضيلتها وبدون أن تتدخل أي طبقة في عمل الأخرى؛ «إذ من الخطر الوبيل على الدولة أن يتبادل النجار والحذاء حرفتيهما أو أن يتبادلا أدواتهما وأجورهما أو أن يصر شخص واحد على القيام بالحرفتين معًا[22]». وكذلك فإنّ من الخطر أن يتبادل الصانع والمحارب والحاكم الوظائف فيصبح الصانع محاربًا أو يصبح المحارب حاكمًا.. إلخ؛ «فالتعدي على وظائف الغير والخلط بين الطبقات الثلاثة يجر على الدولة أوخم العواقب بحيث أن المرء لا يعدو الصواب إذا عد ذلك جريمة[23]»، أي أمرًا مخالفًا للعدالة.

وبهذا المنطق المثالي ينظر أفلاطون إلى ضرورة وجود الطبقات الثلاث حتى تكتمل صورة الدولة المثاليّة التي يتحقّق في إطارها الخير للجميع.
والحقيقة أنّ هذا النظام الطبقي عند أفلاطون وهو أساس تحقّق العدالة في بناء الدولة المثالية، قد واجه انتقادات عديدة من بعض المؤرخين وفلاسفة السياسة خاصة من المحدثين؛ حيث اعتبروا أنّ هذا التقسيم الطبقي القائم على أساس التزام كل طبقة حدودها الخاصة، وألّا تنظر إلى غيرها، إنّما هو «دفاع عن الجمود والتحجر الطبقي[24]».
ومع ذلك فإنّني أعتقد أنّ أفلاطون حينما قال بهذا التقسيم الطبقي لم يقصد وضع نظام طبقي صارم متحجّر كما قال نقّاده بقدر ما كان يحاول بناء دولته المثاليّة على أساسٍ اقتصاديٍّ سليمٍ ومتوازنٍ يقوم على تبادل المنافع بين طبقات الدولة وأفرادها، بحيث يحلّ هذا التبادل للمنافع –مادية كانت أو معنوية- محل الفرديّة الأنانيّة التي يريد كلّ فرد في إطارها أن يقوم بعمل كلّ شيء دون أن يتخصّص في شيء بعينه فيتقنه.

إنّ من مزايا التخصّص الوظيفي المقرون بهذا النظام الطبقي، أنّه من شأنه أن يخلق الانسجام بين جميع الأفراد وأن يبعد عنهم روح المنافسة اللّا محدودة التي تقوم في معظم الأحيان على الأنانيّة المفرطة للفرد[25].
ومن جانب آخر فإنّ فيلسوفنا حينما وضع هذا النظام لم يضعه مغلقًا جامدًا كما قال بعض نقّاده، بل وضعه نظامًا مفتوحًا[26]، أي أنّه أباح الاستثناءات؛ إذ يمكن لابن الصائغ أن يصبح جنديًا إذا أهلته مواهبه وقدراته الطبيعية لذلك، وإذا ما نجح في اجتياز المراحل التعليميّة التي تؤهله بصورةٍ لائقةٍ ليصبح أحد أفراد الطبقات الأعلى.

د- نظرية التربية ووظيفة الفنون والآداب التعليميّة
إنّ الناظر في التقسيم الطبقي السابق يلاحظ أنّ الدولة إنّما تقوم في جانبها المادي على طبقة المنتجين من زرّاع وصنّاع وغيرهم، وتقوم في جانبها المعنوي على ما يُسميهم أفلاطون «حراس الدولة» (أي الجند والحكام). ورغم أنّه أولى عناية خاصّة بتربية الجند باعتبارهم الحراس الأشدّاء الذين ينبغي أن يكتسبوا قدرًا معقولًا من المعرفة حتى يستطيعون التمييز بين المواطن والعدو، أقول إنّه رغم تلك العناية، إلّا أنّ عنايته الأكبر في الحقيقة كانت بتخريج من أسماهم «الحكام الفلاسفة»؛ لأنّ العقل – حسب التعبير الأفلاطوني – لا يتوافر الاكتمال إلّا لدى «الحارس الكامل» أي لدى طبقة الحكام[27].
ولذلك فإنّ النظريّة التي يقدّمها أفلاطون في التربية إنّما تستهدف في المقام الأوّل تربية هؤلاء الحكام الفلاسفة (الحراس الفلاسفة) ومساعديهم (الحراس العسكريون). ومع ذلك فهي ليست كما قال د.فؤاد زكريا مجرد «منهاج لتربية فئة مختارة من المواطنين[28]»؛ إذ إنّ تربية هذه الفئة المختارة لا يتم إلا عبر مراحل تربوية تعليمية عدة تستهدف التربية البدنية والنفسية السليمة لكافة أبناء الدولة، وإذا كانت قدرات بعضهم لا تؤهلهم لأن يكونوا حراسًا، فإنّهم قد تلقوا القدر المناسب والضروري من الثقافة والتعليم الذي يساعدهم على إتقان مهنهم التي هم مؤهلين لها بالطبيعة بعد أن اكتسبوا بعض المهارات الخاصة بها بالخبرة والوراثة.

يبدأ النظام التربوي بأن يميز القائمون على بناء المجتمع المثالي المنشود بين الأطفال، فيختارون من بينهم الأصحاء القادرون على تحمّل التمرينات الرياضيّة ثم التدريبات العسكرية بعد ذلك، ويخضع جميع هؤلاء الأطفال دون أيّ تمييز طبقيّ بينهم إلى نظام تعليمي موحّد لا فرق بين صبي وفتاة. فللجنسان -عنده- القدرات الجسميّة والنفسيّة والعقليّة نفسها.
وتبدأ المرحلة الأولى منذ حداثة الطفل إلى سن الثامنة عشرة، ويركز فيها على التنشئة البدنيّة والنفسيّة بهؤلاء الأبناء. أمّا التنشئة البدنيّة فتقوم على نظام غذائيّ سليم ومتكامل مع ممارسة التمرينات الرياضيّة. ومن شأن هذا وذاك أن يتمتّع الأبناء بصحّة جيّدة وببنيةٍ جسمانيّةٍ قويّة. أما التنشئة النفسيّة فتقوم على تغذية نفوس الأبناء بالآداب الراقية والموسيقى الهادئة.
وقد اشترط أفلاطون في تلك الآداب والفنون التي يتلقاها هؤلاء الأبناء شروطًا عدّة؛ حتى لا يقعوا أسرى لأشعار أمثال هوميروس وهزيود، الذين طالب بطردهم من المدينة الفاضلة؛ نظرًا لأنّ أشعارهم «تفتقر إلى الجمال الشعري»، كما أنّها ليست صالحة لأن يسمعها الأطفال والرجال[29]! إنّ الشعر الذي يُسمح به هو الشعر التعليمي الذي يهذّب النّفس ويعودها على ممارسة الفضيلة. ولذلك فشعراء المدينة الفاضلة ينبغي أن يكونوا «أكثر خشونة وصرامة، لا يحاكون إلا أسلوب الفضلاء[30]».

إنّ الموسيقى ذات أهميّة قصوى في التعليم على اعتبار أنّ «الإيقاع والانسجام قادران على التغلغل في النفس والتأثير فيها بعمق.. إنّ التعليم الموسيقي إذا ما أحسن أداؤه يتيح للنّفس أن تكشف مظاهر النقص والقبح فيما يبتدعه الفن وتخلقه الطبيعة فيتأثر المتعلم بهذا الكشف، بحيث يشيد بما يراه من مظاهر الجمال ويتقبّلها في نفسه مسرورًا، فيجعل منها غذاءه ويغدو رجلاً خيرًا ويحمل من جهة أخرى على الرذائل ويمقتها قبل أن يستطيع التفكير فيها بعقله[31]».
على هذا النحو صور أفلاطون أثر الموسيقى في النفس الإنسانيّة، وأوضح الهدف الأخلاقي منها، وبيّن كيف يمكن توظيفها لخدمة النظام التربوي والتعليمي الأمثل.

أمّا عن طريقة التعليم في هذه المرحلة الأولى، فهي مراعاة حريّة الأبناء والحرص على عدم القسوة معهم، فيقول: إنّ «تعليم الحر ينبغي ألا يتضمّن شيئًا من العبودية؛ فالتدريبات البدنيّة التي تؤدى قهرًا لا تؤذي البدن في شيء. أما العلوم التي تقحم في النفس قسرًا فإنّها لا تظلّ عالقة في الذهن[32]». إنّ على المعلمين أن يجعلوا «التعليم يبدو لهوًا بالنسبة للأطفال حتى يتمكنوا من اكتشاف ميولهم الطبيعية ويركزوا على تنميتها[33]».
أما المرحلة الثانية فتبدأ حينما يجتاز الأبناء المرحلة الأولى بنجاح، ومن ثم يتحوّلون في حوالي الثامنة عشرة إلى «التدريب العسكري الإجباري الذي يدوم ما بين سنتين وثلاث سنوات[34]».

ويرى أفلاطون أن تقتصر هذه السنوات من الثامنة عشر إلى العشرين على هذه التدريبات العسكرية البدنية الشاقة فقط؛ لأنّه من المستحيل عليهم أن يفعلوا معها شيئًا آخر. وإذا ما اجتازوا هذه التدريبات بنجاح يُكرّمون ويبدأون من العشرين وحتى بلوغ الثلاثين في تلقي العلوم، وخاصّة العلوم الرياضيّة التي تستهدف في المقام الأوّل تدريبهم على التفكير المجرّد وعلى إدراك العلاقات المجردة بين الأشياء. وبالجملة فإنّ دراسة هذه العلوم يعتبر خير معيار تميز به المواهب القادرة على دراسة الديالكتيك (أي الفلسفة)؛ إذ إنّ الذهن قادر على النظر إلى الأمور نظرة شاملة هو الأصلح للديالكتيك[35].
وهنا ننتقل مع أفلاطون إلى المرحلة الثالثة من نظامه التعليمي والتي خصّص لها «خمس سنوات[36]»؛ من بلوغ الأبناء سن الثلاثين حتى بلوغهم سن الخامسة والثلاثين، وهي المرحلة التي خصّصها لدراسة الديالكتيك (أي الفلسفة)، تلك الدراسة التي يتمكنون فيها من «الارتقاء إلى الوجود الخالص سعيًا وراء الحقيقة دون معونة العين أو أية حاسة أخرى[37]».

وقد طالب فيلسوفنا هنا بضرورة أخذ الحيطة والحذر من أن يمارس الأبناء الديالكتيك وهم لا يزالون في حداثتهم؛ إذ يرى «أنّ المراهقين الذين يتذوّقون الديالكتيك لأوّل مرّة يسيئون استعماله ويتّخذونه ملهاة ولا يستخدمونه إلا للمغالطة، فإذا ما قام أحد بتفنيد حججهم فإنّهم يحاكونه ويفنّدون حجج الآخرين على نفس النحو شأنهم في ذلك شأن الجرو الذي يجد لذّة في جذب كل من يقترب منه وتمزيق ملابسه [38]».
وليس من شكّ أنّ هذا التحذير ينطبق على أولئك الفتيان المراهقين المبتدئين في دراسة الفلسفة فهم ما إن يبدأوا في دراستها حتى يتصوّروا أنّهم قد امتلكوا الحكمة كلها فيتلاعبون بأقرانهم وبأهليهم ويوقعونهم في مغالطات لفظية وفلسفية من شأنها الإساءة إلى سمعة الفلسفة والفلاسفة[39].

أما المرحلة الرابعة والأخيرة من هذه المراحل التعليميّة عند أفلاطون فهي تستمر خمس عشرة سنة بعد المرحلة السابقة، أي أنها تستمر حتى سن الخمسين، وهي مرحلة خصّصت للتدريب العملي على ممارسة الوظائف العليا وتولي المهام العسكرية الفعلية. والغرض من هذه المرحلة هو اختبار قدرة هؤلاء الأبناء على «الصمود أمام المغريات التي تتجاذبهم من جميع الاتجاهات[40]»، فضلاً عن أن هذه التدريبات العملية على ممارسة تلك الوظائف تجعلهم «يتميزون عن كل من عداهم في الشؤون العملية وفي المعرفة[41]».
وهنا يتضح مدى حرص أفلاطون على أن يتوافر في حكام المدينة الفاضلة وهم الحكام الفلاسفة الخبرة العملية بالإضافة إلى المعرفة النظرية. فقد خصّص لفترة التدريبات العملية على فنون الحكم مدة تساوى المدة التي قضاها هؤلاء في تلقي العلوم النظرية في المرحلتين الثانية والثالثة.

إن الحكام من هذا الطراز إنما «يكرسون للفلسفة أكثر قدر من وقتهم ولكن إذا ما جاء دورهم فإنهم يتولون زمام السياسة ويتناوبون الحكم من أجل الصالح العام وحده، ويرون في الحكم ذاته واجبًا لا مفرّ منه أكثر من كونه شرفًا[42]».

هـ- نظرية الشيوعية:
1 - شيوعيّة النساء ومكانة المرأة في الدولة:
لقد اقترن الحديث عن الشيوعيّة بالحديث عن التربية الصالحة عند أفلاطون؛ حيث نجده يعلن في «الجمهورية» أنّ التربية الصالحة لو أثارت نفوس مواطنينا لأمكنهم أن يحلوا بسهولة كل المشاكل. كمشكلة اقتناء النساء والزواج وإنجاب الأطفال بحيث نتبع في هذه الأمور القاعدة القائلة إنّ كلّ شيء مشاع بين الأصدقاء[43]». فلقد ربط أفلاطون هنا بين التربية الصالحة لحراس الدولة وبين إدراكهم أن حلول المشكلات الاجتماعية إنما يكمن في الشيوعية!!
والحقيقة أنّ هذا الربط الذي أكده أفلاطون يقوم على مبدأ هام آمن به هو المساواة بين المرأة والرجل في كل شيء؛ إذ إنّه يرى «أنّ على الجنسين معًا أن يقوما بكلّ شيء سويًا»، فيتعلم النساء تعليم الرجال نفسه، ومن ثم يقومون بالمهام نفسها التي يقوم بها الرجال، وليس هذا بغريب في نظره؛ لأنّه موجود في عالم الحيوان «فإناث كلاب الحراسة تسهر كالذكور على حراسة القطيع وتصطاد معهم وتسهم في كل ما يفعلون[44]».

وبالطبع فإنّ هذه النّظرة الأفلاطونيّة التي تساوي بين المرأة والرجل رغم إدراكها «ضعف أحدهما وقوة الآخر[45]»، ليس مردّها فقط إلى التشبّه بما يجري في عالم الحيوان، بل كانت قياسًا على تلك النظرة التي سادت المجتمع الأسبرطي الذي كان فيلسوفنا شديد الإعجاب به؛ فقد أسقط الأسبرطيون عن المرأة كل مظاهر الأنوثة وعلموها الخشونة والقسوة حتى مع أبنائها وزوجها، وكان نظامهم السياسي والاجتماعي لا يفرق بين رجل وامرأة فقد كان كل شيء فعلا لديهم مشاعًا بين الأصدقاء[46].
وهكذا فقد استلهم أفلاطون هذه النظرة الأسبرطية للمرأة، وأراد أن تكون عضوًا كامل العضويّة في طبقة الحراس، ودافع عن ذلك قائلاً «إنّ المرأة قادرة بطبيعتها على كلّ الوظائف وكذلك الرجل وإن تكن المرأة في كل شيء أدنى قدرة من الرجل»[47].

وبالطبع فالحديث هنا عن المساواة بين الرجل والمرأة في تولي الوظائف العامّة لا ينسحب على كلّ النساء، كما لا ينسحب على كل الرجال، فالأمر كلّه مرهون بالقدرات البدنيّة والعقليّة العالية التي ينبغي أن تتوافر في كلا الجنسين، بشرط «أن نعهد إليهن بأسهل هذه الأعمال بالقياس إلى ما يقوم به الرجال وذلك نظرًا لضعف جنسهن[48]».
إنّ الهدف إذن من هذا التحليل الأفلاطوني لطبيعة المرأة ومحاولته التأكيد على ضرورة مساواتها بالرجل في كل الأمور من حق التعليم إلى حقّ تولي الوظائف العليا في الدولة؛ إنّ الهدف هنا ليس الدعوة إلى تحرير المرأة كما يظن البعض[49]، بل هو الاستفادة بأقصى قدر من الإمكانيات البشريّة المتاحة في دولة المدينة الفاضلة، فضلًا عن أنّه بهذا معدّ لعرض نظريّته في شيوعيّة النساء والأطفال، تلك الدعوة التي قال فيها بوضوح «إنّ نساء محاربينا يجب أن يكن مشاعًا للجميع، فليس لواحدة منهن أن تقيم تحت سقف واحد مع رجل بعينه.. وليكن الأطفال أيضًا مشاعًا بحيث لا يعرف الأب ابنه ولا الابن أباه[50]».

وإذا تساءلنا عن الكيفية التي تتم بها هذه المشاعية؟! أتتم اتّفاقا وبدون نظام أم تتم تحت إشراف الدولة؟! لأجابنا أفلاطون بأنّ الزيجات ينبغي أن تتم وفق نظام دقيق يراعي «الضرورة الهندسية» ويقدّم «أفضل النتائج»؛ فكما نحرص على أن تتناسل أفضل السلالات في عالم الحيوان كذلك ينبغي للمشرع في المدينة الفاضلة أن يحرص على «أن يتزاوج النّوع الرفيع من الجنسين على أوسع نطاق ممكن، وأن يتزاوج النّوع الأدنى على أضيق نطاق ممكن ولا بدّ من تربية أطفال الأولين لا الآخرين إن كنا نود أن نحتفظ للقطيع بأصالته[51]».
ومن جانب آخر فإنّ هذا التزاوج لا ينبغي أن يتم في أي وقت كيفما اتّفق، بل لا بدّ أن يتم في مواسم محدّدة يحدّدها الحكام والقائمون على هذا النظام، وذلك حتى يستطيعوا الحفاظ بعدد ثابت من السكان بقدر الإمكان مع حساب ما يمكن أن تستتبعه الحروب والأمراض وغيرها من الحوادث من خسائر[52]».
ويبدو أن أفلاطون هنا قد فاته أنّ الحفاظ على هذا العدد المحدود من السكان غير ممكن نظرًا لأنّه قصر قواعد الزواج المشاعي هذه على الحراس فقط (أي الحكام والجند) دون طبقة المنتجين التي تشكل بالطبع غالبية سكان الدولة!

الحق أنّ شيوعيّة النساء والأطفال وإلغاء النّظام الأسري في طبقة الحراس هي أضعف ما في البناء المثالى لنظام المدينة الفاضلة الأفلاطونيّة. وربما يكون أفلاطون قد اضطرّ إلى ذلك نتيجة لمطالبته بإلغاء الملكية وتحريمها على أفراد تلك الطبقة؛ لأنّه إذا ما حرمت الملكية الخاصة للأموال والعقارات فإنّ النتيجة الحتمية المترتبة على ذلك في نظر البعض هي إلغاء النظام الأسري أيضًا على اعتبار أنّ الأسرة تتطلّب الملكيّة حتى تحتفظ بكيانها[53].

2 - إلغاء الملكية والدور الحقيقي للحكام:
علينا أن نتعرّف على الصورة الثانية للشيوعيّة التي قصرها أفلاطون أيضًا على طبقة الحراس، وهي شيوعيّة الملكية، فقد أكد فيلسوفنا على «أنّ من الواجب ألّا يكون لأي منهم (أي لأفراد طبقة الحراس) شيء يمتلكه هو وحده[54]». وإذا ما تساءلنا عن كيف سيعيش هؤلاء وكيف يوفرون احتياجاتهم المادية بدون أن يمتلكوا شيئًا؟!

لأجابنا بقوله: «إنّ الغذاء الضروري سوف يمدّهم به مواطنوهم»، أمّا «الذهب والفضة.. فهم ليسوا بحاجة إليه.. لأنّه من العار أن يفسدوا ما يمتلكون من الذهب الإلهي[55] بإضافة الذهب الأرضي إليه؛ إذ إنّ الذهب الذي يتنافس عليه العامة كان مبعثًا لشرور لا حصر لها[56]».

على هذا النحو أوضح أفلاطون أنّه لا ضرورة لأن يمتلك الحكام والجند شيئًا خاصًا، وعلى الدولة بمواطنيها من المنتجين أن يوفروا لهم كلّ ما يحتاجونه من غذاء وملبس ومسكن.. الخ. وقد كانت حجته القوية في تبرير ذلك التحريم للملكية الخاصة «أنهم لو تملكوا كالآخرين حقولًا وبيوتًا وأموالًا، لتحوّلوا من حراس إلى تجار وزراع، ومن حماة للمدينة إلى طغاة وأعداء لها، ولقضوا حياتهم مبُغضين ومبَغضين، خادعي ومخدوعين، ولرهبوا أعداءهم في الداخل أكثر مما يخشون أعداءهم في الخارج، وبذلك يسرعون بأنفسهم وبلدهم إلى حافة الهاوية[57]».

أدرك أفلاطون أهمية تفرغ هؤلاء لأداء مهام الحكم والانشغال بقضايا الناس والمجتمع. كما أدرك أنّ علّة كلّ الأمراض السياسية والاجتماعية في الدولة واستشراء الفساد فيها إنّما مردّه إلى فساد حراسها (الحكام والجند). ومن هنا كانت محاولته إزالة الأسباب المؤدّية إلى فسادهم والصراع فيما بينهم والانشغال بتحقيق مصالحهم الشخصيّة الأنانيّة، إزالة كلّ ذلك من خلال نظريّته عن الشيوعيّة بشقّيها؛ شيوعيّة الملكية وشيوعيّة النساء والأطفال.

و- حكومة الفلاسفة هي الحكومة المثلى:
إنّ حكومة الفلاسفة إذن هي الحكومة المثاليّة للدولة القائمة على «مثال العدالة»؛ لأنّ الفلاسفة الذين تربوا وتعلموا على النحو الذي عرضناه لن يكون لهم من هدف يسعون إلى تحقيقه إلا تحقيق العدالة بين المواطنين في الدولة، وتكريس كل وقتهم وجهدهم في خدمة هؤلاء المواطنين.

على هذا النحو برّر أفلاطون رؤيته لضرورة أن يكون الحكام فلاسفة في الدولة المثالية سواء تناوبوا الحكم فيما بينهم واحدًا بعد الآخر فصار الحكم ملكيًا أو تناوبوه مجموعة بعد أخرى فصار الحكم أرستقراطيا[58].

ثانيًا: نقد أرسطو لجمهورية أفلاطون
اهتم أرسطو بنقد صور الحكم الشائعة سواء في الواقع السياسي المعاش أو في الدساتير وصور الحكومات التي تصوّرها مفكّروا عصره. وقد شغل نقده لصورة الدولة المثالية عند أفلاطون سواء في الجمهورية أو في القوانين ثلاثة أبواب كاملة من الكتاب الثاني لكتاب السياسة.

بنى أفلاطون تصوّره للدولة المثالية على فكرة محوريّة وهي فكرة وحدة الدولة وفي سبيل الحفاظ على وحدة الدولة كانت نظريته الشهيرة في الشيوعية بشقيها؛ شيوعية النساء والأولاد وشيوعية الملكية.

ورغم موافقة أرسطو لأفلاطون عمومًا على ضرورة الحفاظ على وحدة الدولة، إلّا أنّه وجد أنّ الإجراءات التي اتّخذها أفلاطون ليست إلا إجراءات قد تفسد هذه الوحدة أكثر مما تحافظ عليها؛ فمن جهة الدعوة إلى شيوعيّة النساء أكّد أرسطو أن ستؤدّي حتمًا إلى حدوث صراعات وشقاقات أكثر مما تؤدّي إلى نفع؛ فهذه الشيوعية سيترتّب عليها أنّ الأبناء هم أبناء الكل، وكل واحد منهم لا يعرف من هو أباه ولا من هي أمه. ولما كان وجه الشبه بين الآباء والأبناء مسألة طبيعيّة، فثمة صراع سينشب حينما يبحث الآباء عن أبنائهم، وبين الأبناء في محاولة للبحث عن والديهم[59].
ومن جهة أخرى فإنّ الجهل بالروابط الأسريّة والقانونيّة لدى الآباء والأبناء سيترتب عليها أصناف من المفاسد، أبرزها شيوع انتهاك الحرمات، وشيوع المشاجرات، كما أنّ الفاحشة وممارسة الشهوات الجسدية بين العشاق ستكون مباحة في غياب الروابط الأسرية التي ربما تكبح جماح هذه الشهوات بين الأخوة والأخوات والأباء والأمهات. إن كلّ تلك الموبقات ستشيع في ظل انعدام الرعاية المتبادلة وفي ظلّ انعدام روابط القرابة وقيود الأسرة[60].

وقد كان أرسطو على حق تمامًا حينما أعلن في ثنايا نقده لأراء أفلاطون حول الشيوعيّة بشقيها «للإنسان باعثان كبيران للرحمة والمحبة، وهما الملكية والعواطف. وإنّه لا محل لأحد هذين الإحساسين وللآخر في جمهورية أفلاطون»[61].

أما بخصوص شيوعية الملكية فإنّ أرسطو يرى أنّ النتائج المترتبة على إلغاء الملكية لن تقضي على فساد أخلاق الناس كما تصور أفلاطون، بل ستزيد المشاحنات والخصومات بينهم؛ فقد تساءل أرسطو بحق «أليس يرى في الواقع أن بين الشركاء والملاك على الشيوع في أكثر أحوالهم من الخصومات أكثر مما بين ملاك الأموال على الانفراد»[62].

ومن جانب آخر فإنّه في ظلّ تطبيق الشيوعيّة «لا تطاق المعيشة»[63] على حد تعبير أرسطو؛ وذلك لأنّ الملكيّة فطرة فطر الناس عليها.
على هذا النحو القاطع رفض أرسطو إجراءات أفلاطون التي كان ظاهرها الحفاظ على وحدة الدولة واتّضح أنّها ربما تؤدّي إلى مزيد من التفسخ والصراعات نظرًا لأنّها في الواقع إجراءات مضادة للطبيعة البشرية.
ولم يتوقف نقد أرسطو لأفلاطون عند نقده لنظرية شيوعية النساء والملكية في الجمهورية بل انتقده أيضًا حينما أباح الملكية والزواج في القوانين واعتبر أنّ الشروط التي حدّدها للاثنين غير محقّقة للعدالة وحفلت بالكثير من الأخطاء[64].

ثالثًا: المدينة الفاضلة عند أرسطو
هل كان من الضروري أن يتحدّث أرسطو عن دولة مدينة فاضلة جديدة بعدما انتقد أفلاطون في ذلك؟! وبعدما قدم تلك النظريات السياسية التي تتحدث عن معنى وصورة الدولة وأساسها وعناصرها الأساسية ونظام السلطات فيها...إلخ؟!

الحقيقة أنني أعجب من أن أرسطو لم يلتفت إلى هذا التساؤل، وتحدّث عن دولة مدينة فاضلة، وكأن قد أصبح قدرًا مقدورًا أن يتحدّث عن ذلك رغم أنّه قد فات فعلاً أوانه؛ ذلك أنّ أرسطو قد شهد بالفعل سقوط نظام دول المدن تحت وطأة التوسع الإمبراطوري الذي قامت به مقدونيا مجتاحةً كل تلك الدول، بل وشهد من سيطرتها بقيادة تلميذه الإسكندر على مناطق كثيرة من بينها مناطق شهدت إمبراطوريات ضخمة في التاريخ القديم مثل فارس ومصر. فما هو مبرّره في التحدث عن دولة مدينة فاضلة! وهل كان بإمكان أي دولة مدينة مهما كانت فاضلة أن تقف أمام الزحف الإمبراطوري لمقدونيا وفتاها الذهبي: الإسكندر؟!

الحق أنّه لم يعد ثمة مبرّر إلا أنّه قد تحدّث عن معالم تلك الدولة الفاضلة كمجرد تقليد غرسه في نفسه دون أن يشعر حب أفلاطون وضرورة أن يقلده! ومن ثم جاءت مدينته هو باهته المعالم ليس فيها حرارة الإبداع ولا دفقة التأمل لصالح مستقبل أفضل كما كان الشأن عند أفلاطون.

لقد دخل أرسطو في إيراد تفاصيل عناصر مثل هذه الدولة الفاضلة ووضع شروطًا قاسيةً مفرطةً في المثاليّة لكلّ عنصر منها وإلى بعض هذه التفاصيل:
أوّلاً: فمن حيث سعة المدينة وعدد سكّانها ينتقد أرسطو أولئك الذين يتصوّرون أنّ الدّولة السعيدة ينبغي أن تكون فسيحة الأرجاء، ويؤكّد أنّ لكلّ دولة مهمّة تقوم بها، وأن أكبر دولة هي التي تستطيع على خير وجه أن تقوم بمهمتها «وليس مهمًّا في أداء الدولة لمهمتها مدى سعة مساحتها أو كثرة عدد سكانها؛ لأنّه ينبغي أيضًا التمييز بين دولة عظيمة ودولة كثيرة السكان. إن الشواهد تثبت في رأيه» أن من العسر، بل ربما من المحال أن يحسن تنظيم مدينة سكانها أكبر عددًا مما ينبغي، والقوانين الصالحة تنتج بالضرورة النظام الحسن غير أنّ النظام ليس ممكنًا في جمع أكبر مما يلزم، فالقدرة الإلهية التي تشمل العالم بأثره هي وحدها القادرة على إقرار النظام فيه[65].
إنّ المدينة المثاليّة عنده ينبغي أن تتكون إذن من مساحة تُمكّن الكتلة السكانيّة المجتمعة فيها سياسيًّا أن تقوم بتدبير أمور معيشتها ولا ينبغي أن تنمو مساحتها فتزيد عن هذه الحدود، وكذلك لا ينبغي أن تقل مساحتها فلا تكفي لحاجة كتلتها السكانية.
ثانيًا: أما من حيث موقع هذه المدينة؛ فأرسطو يفترض ضرورة وجود شروط استراتيجيّة عدّة منها أن يكون موقعها على أرض خصبة تكفي حاجة مواطنيها، وأن يكون هذا الموقع سهل المراقبة حتى يسهل الدفاع عنها وقت الحرب، وأن يكون هذا الموقع صالحاً سواء من جهة البر أو من جهة البحر حتى يسهل تلقيها الإمدادات الغذائيّة ونقل ما يزيد عن حاجتها من البقول والأخشاب وسائر الحاصلات[66].
ثالثًا: أما بخصوص توافر عناصرها الضروريّة للحياة، فيشترط أرسطو أن تكون كلّ عناصر الحياة طبيعيّة وبشريّة موجودة ومؤهلة لإسعاد أهل هذه المدينة. وقد حصر هذه العناصر في ضرورة توافر المواد الغذائيّة الضروريّة، ثم الصنائع والفنون المختلفة وتوافر الأدوات التي لا غنى عنها في الحياة، كذلك توافر الأسلحة. والمرافق العامة، وكهنة يقومون على أمر العبادة، وقضاة وكذلك الصناع والزراع والجنود...إلخ[67].
رابعًا: أما بخصوص توزيع الثروات والملكيات، فقد ألمح أرسطو هنا إلى ضرورة الاستفادة من القوانين المنظمة لذلك في الدول القديمة ذات الخبرة الطويلة في ذلك ومنها مصر[68]. وربما تكون هذه المرة من الاستثناءات القليلة التي يذكر فيها أرسطو مصر كمصدر من مصادر فكره.
خامسًا: أما بخصوص شروط الزواج والتناسل فقد خاض فيها أرسطو كما خاض فيها أفلاطون تمامًا في محاورة القوانين وإن اختلفا في التفاصيل، وبالنسبة لأرسطو فقد شدّد على ضرورة توافق الطباع بين الزوجين، وأن يتزوّجا في السنّ المناسبة للزواج، وبعد تحليل وافٍ قرّر أنّ السن المناسبة لزواج الفتاة بلوغها ثماني عشرة سنة، وبالنسبة للرجال سبع وثلاثين أو أقل قليلاً وهذه السن هي الأنسب للطرفين لكي يكون النسل قويًا، أما بخصوص الوقت المناسب لإتمام الزواج فينبغي الرجوع فيه للأطباء وعلماء الطبيعة؛ إذ يستطيع الأوّلون أن يعينوا الصفات لصحّة الزوجين ويستطيع الآخرون أن يخبروا بأي الرياح يحسن اختيارها وإن كانت ريح الشمال في رأيه خير من ريح الجنوب. وطالب أرسطو الأمهات بأن يعنوا طوال مدة الحمل بالتزام نظام معين ويتجنبن الكسل ويخفضن من الغذاء، كما ينبغي تحديد عدد الأطفال وإن كانت الزوجات خصبة إلى ما وراء الحد المفروض فينبغي الإيعاز بالإجهاض. كما لا ينبغي بموجب القانون العناية بأولئك الذين يولدون مشوهي الخلقة[69].
سادسًا: أما بخصوص تربية الأطفال والعناية بهم؛ فقد حرص أرسطو على التأكيد على أهمية التغذية السليمة لهم منذ ولادتهم. وعلى ضرورة أن نجنّب أبصارهم وأسماعهم كلّ مشهد وكلّ قول لا يليق بالرجل الحر. وإن بلغوا سن الشباب ينبغي أن يحرّم القانون عليهم مشاهدة القطع التمثيلية البذيئة والمضحكة إلى أن يبلغوا السن التي يمكنهم فيها فعل كل شيء بعد أن يكونوا بالتربية السليمة قد تحصنوا من تلك الأخطاء[70].

ثم تحدث عن المبدأ العام للتربية وهو مبدأ سياسي؛ حيث إنّ أخلاق الأفراد وعاداتهم في كل مدينة هي الكفيلة بقوام الدولة «ومن ثم فإنّ القوانين يجب أن تكون دائمًا مناسبة لمبدأ الدستور أي تعلم الأخلاق الديمقراطية يحفظ الديمقراطية، والإوليجارشية تحفظ النظام الأوليجارشي وهكذا»[71]. وهذا المبدأ السياسي للتربية يترتب عليه مبدأ آخر هو ضرورة أن تكون التربية في الدولة واحدة متماثلة لجميع أعضائها[72]، وألا يترك أمر التربية لكل مواطن يربى أولاده على هواه!

وهكذا تمت معالم المدينة الفاضلة عند أرسطو بما يلزمها من شروط تبدأ بالمساحة وعدد السكان وتنتهي بشروط خاصة بالتربية الفاضلة داخل هذه الدولة  ـ المدينة الفاضلة. لكن السؤال الذي لا يزال يحتاج إلى إجابة شافية: ماذا في هذه المدينة الفاضلة يختلف بوضوح عما قدمه أستاذه أفلاطون؟

رابعًا: انهيار الدولة المثالية لدى أفلاطون وأرسطو
لقد أعلن أفلاطون بعد أن انتهى من رسمه لتلك الصورة المثاليّة للدولة ولنظام الحكم فيها، أعلن أنّها رغم روعتها قد تزول يومًا ما وأن الكمال يمكن أن يتحول شيئًا فشيئًا فيصير إلى فساد، وحذا حذوه تلميذه أرسطو وهو ما سنعرض له فيما يلي.

1) انهيار الدولة المثاليّة عند أفلاطون والدعوة إلى دولة مثاليّة جديدة:
لقد تحدّث أفلاطون عن ذلك في «الجمهورية» وبيّن كيف تتحوّل دولة الحاكم الفيلسوف إلى نقائضها الفاسدة، ومن ثم حرص في «القوانين» على الحديث عن نموذج آخر للدولة المثاليّة يحكمه القانون وليس الفرد.

لقد واصل أفلاطون في «القوانين» التأكيد على أنّ الدولة توجد ليس لتحقيق الخير والمصلحة لفرد أو لطبقة معينة من الناس، بل توجد لتحقق للجميع الحياة الأفضل[73].
ومن ثم فإنّ كلّ ما فعله أفلاطون في «القوانين»، هو أنّه قدم لنا خيارًا ثانيًا يمكن اللجوء إليه حين لا نستطيع تحقيق الخيار الأوّل وهو في نظره الأكثر كمالًا والأكثر صحّةً، وفي هذا الخيار الثاني لا ينبغي أن يغفل المشرع (وهو أفلاطون نفسه) عن أي شيء مما يجعل حياتنا أكثر كمالًا وأتم سعادة. كل ما هنالك أنه يلتزم هنا بمنهج أكثر واقعيّةً في التعامل مع المشكلات السياسية ويطوّر من بعض آرائه التي وردت في «الجمهورية» فيما يتعلق بالشروط الواجب توافرها في المدينة الفاضلة؛ فقد أصبح على سبيل المثال أقلّ تقديرًا للنظام الأسبرطي ـ الذي أعطى الشجاعة والنجاح العسكري الأولويّة على بقية الفضائل الأخرى ـ مما كان عليه الحال في «الجمهورية»، واعتبر أنّ غاية الدولة هي الانسجام والائتلاف في كل العلاقات سواء الأسرية في داخل الدولة، أو العلاقات الخارجية مع الدول الأخرى[74].

إنّ القانون هنا في دولة القوانين هو ممثل العقل الذي جعله أفلاطون أسمى ما في الدولة المثاليّة الأولى. فما هي تلك الشروط التي ينبغي أن تتوافر لوجود تلك الدولة التالية في الأفضلية وما هي القوانين التي يجب أن تحكمها؟!

شروط الموقع الجغرافي وعدد السكان:
يفتتح أفلاطون الكتاب الرابع من «القوانين» بالحديث عن خصائص المكان الذي ينبغي أن تقع فيه هذه الدولة، فيؤكّد بداية على أهميّة هذا الأمر، نظرا لأن النّظم الدستورية أو القوانين ينبغي أن تكون متوافقةً مع بيئتها الطبيعية ومواردها الاقتصادية وكذلك مع تكوين الشعب نفسه [75].

ولذلك فلا بدّ أن تكون المدينة على موقع يعطي كل الحاصلات الزراعية الرئيسية الضرورية للاكتفاء الذاتى وبحيث تعتمد المدينة على ذاتها[76]. كما يجب أن تبتعد المدينة في موقعها عن البحر لأن قرب المدينة من البحر هدام يصيب النفوس بعدوى التجارة والتهريب الحقير كما يزرع فيها الأخلاق غير المستقرة وغير الشريفة[77].
وبالطبع فإنّ المقصود من هذين الشرطين أن يتوافر للدولة موقع جغرافي يمكنها من بناء اقتصاد يقوم في على الزراعة وليس على الصناعة أو التجارة.

أما بخصوص سكان هذه المدينة فينبغي أن يكونوا ملائمين للمساحة التي تقع عليها فيتمتعون بالرخاء اللازم لحياة سعيدة، فعدد المواطنين ينبغي ألا يتجاوز خمسة آلاف مواطن، وبالتحديد 5040 مواطن[78]. إن كل مواطن من هؤلاء سيتاح له ملكيّة قطعة أرض، وسيتاح له أن يتزوج وأن ينجب أطفالًا. ولكن هذا الزواج وتلك الملكية تحدّدها الشروط والقوانين الملائمة للمواطنين؛ فلا تكون الملكية مشاعًا أو نصف مشاع كما كان الحال في «الجمهورية».

ب- النظم الاجتماعيّة والاقتصاديّة:
إنّ أفلاطون لا يخفي في «القوانين» أنه لا يزال يؤمن بأن النظام الشيوعي الذي تكون الملكية فيه مشاعًا بين الأصدقاء هو النظام المثل[79]. كما أنّه لا يزال يحتفظ بالعديد من آرائه حول المساواة بين المرأة والرجل[80]»، ومن ثم فإنّه لا يزال يرى «أن يتلقى البنات التدريب نفسه الذي يتلقاه البنين بدون أي تحفظ – فالتمرينات الرياضية البدنية وركوب الخيل مناسبة للمرأة مثلما هي مناسبة للرجل تمامًا[81]».
ومع ذلك فإنّ اختلاف صورة النظام السياسي من «الجمهورية» إلى «القوانين» أتاح لأفلاطون أن يطور من آرائه في النظم الاجتماعيّة السائدة في دولة «القوانين»؛ حيث أباح هنا نظام الزواج الفردي؛ إذ «على الرجل أن يتزوج عندما يصل إلى سن الثلاثين وقبل أن يصل إلى الخامسة والثلاثين[82]»، وهذا قانون لا يجب مخالفته إذ إنّ من يخالفه «يجب أن يدفع غرامة سنوية [83]».

أما اختيار الزوجة أو الزوج فإنّه ينبغي أن يتمّ على أساس تحقيق المصلحة العامة وليس فقط المصلحة الخاصة؛ إذ إنّ على كل رجل أن يبحث لا عن الزوجة التي تسرّه وتسعد قلبه، بل عن الزواج الذي يتحقّق بمقتضاه الخير للدولة ككل. وهكذا ينبغي أن يحدث في أي زيجة نوع من أنواع التوافق النفسي والاجتماعي بين الزوجين وأن يحرص الزوج على هذا الأمر بقدر استطاعته حتى يحقّق الغرض الاجتماعي من الزواج ويضمن له النجاح. كما أنّ من الضروري لمصلحة الدولة أن يسجل عقد الزواج في المحكمة[84].

ويبدو أنّ أفلاطون كان معنيًا بضرورة الربط بين إباحة نظام الزواج وقيام الأسرة في دولة «القوانين»، وبين بعض التشريعات الاقتصاديّة الخاصة بإباحة الملكيّة الخاصّة حتى تتحقّق العدالة الاجتماعيّة بين أفراد المجتمع.

فقد أباح أفلاطون الملكية الشخصيّة بشرط أن يكون مقدارها محدودًا. وقد قيّد حقّ الانتفاع بالممتلكات الشخصيّة بحدود تشبه الحدود المقيدة لمقدارها. فالمواطنون لا ينبغي لهم مثلا الاشتغال بالصناعة أو التجارة أو أن يكون لأحدهم حرفة أو مهنة. ولأن جميع هذه النشاطات لا غنى عنها ينبغي أن يقوم بها الأغراب الذين يقيمون في المدينة من الأحرار الذين ليس لهم صفة المواطنين. وقد بلغ أفلاطون في تحديده وتقييده للأنشطة الاقتصادية أو التجارية للمواطنين حد تحريم حيازة الذهب والفضة وأخذ فوائد على القروض[85].

جـ- النظام السياسي:
إنّ النظام السياسي الذي اختاره أفلاطون لهذه الدولة يقوم على التأليف بين الملكية والديمقراطية، وإن كان نصيب الديمقراطية فيه ضئيل جدًا نظرًا لأنّ الأساس الذي يقوم عليه هذا النظام هو على الصعيد العملي التقسيم الطبقي والتمثيل المتساوي للطبقات الأربع في المدينة، وهذه الطبقات تُقّوم على أساس الملكية. ولما كانت الملكية الشخصية لا ينبغي أن تتجاوز أربعة أمثال قيمة قطعة من الأرض، فقد تحدث أفلاطون عن أربع طبقات من هؤلاء الملاك؛ أولها وأدناها أولئك الذين لا تزيد ممتلكاتهم الشخصية على قيمة حصتهم من الأرض والثانية تتكون من أولئك الذين تزيد ممتلكاتهم الشخصيّة على قيمة حصّة الأرض ولا تزيد على قيمة حصتين اثنتين.. وهكذا فالطبقة العليا تكون هي الأقل عددًا والأكثر امتلاكًا.

وتقوم هذه الطبقات باختيار ممثليها في المجالس المختلفة على أساس التساوي في التمثيل بين الطبقات الأربع. وعلى رأس هذه المجالس مجلس «حراس الدستور» أو «حراس القانون» وهو يتكون من سبعة وثلاثين عضوا ينتخبون على ثلاث مراحل تبدأ باختيار يمنح كل الطبقات المالكة تمثيلا متساويًا يتجنّب من خلاله أي نزاع طبقي؛ إذ يختار هذا العدد المتساوي من الأعضاء من كل الطبقات الأربعة وذلك بشرط أن يكون هناك عقوبة ترغم أعضاء الطبقتين الغنيتين على أن يصوتوا في انتخابات ممثلي الطبقات الأربعة، بينما تستطيع الطبقتان الأفقر إذ أرادتا أن تكونا حرتين في تجنب انتخاب الممثلين الذين يخصونهما. والنتيجة التي يرجوها أفلاطون لذلك هي أن تصبح أصوات الأغنياء ذات أثر مماثل في اختيار ممثلي الفقراء[86].

المهم أن نصل في النهاية إلى تكوين ذلك المجلس المسمى بمجلس حراس الدستور الذي ينبغي أن يكون سنّ أعضائه فوق الخمسين وتحت السبعين ومتمتعين بخلق رفيه وذهن صافي؛ حيث إنّ عملهم الأساسي سيكون هو مراقبة ما فيه صالح القوانين وتنفيذها على خير وجه [87]. وهكذا يتحدث أفلاطون عن باقي الطبقات.
وإذا تساءلنا عن صورة الحكومة في ظلّ هذا النظام السياسي الخليط من الملكية والديمقراطية، لما وجدنا إجابة واضحة عند أفلاطون. فهو نظام الدولة المختلطة التي تجمع –على حد تعبير سباين – بين مبدأ الحكمة في النظام الملكي ومبدأ الحرية في النظام الديمقراطي، وإن كانت معالم هذا الاختلاط غير واضحة فقد جاء اتجاه أفلاطون مشتّتا على وجه لا رجاء فيه حتى جنح في النهاية إلى ذلك الإتجاه الأكثر ملائمةً لما بسطه من قبل في الجمهورية[88]. فقد مال كما رأينا في النظام الطبقي القائم على الملكية إلى أرستقراطية الحكم وقد تمثل ذلك في طريقة انتخاب مجلس الشيوخ (مجلس الثلاثمائة وستين عضوًا)، وفي مجلس حراس الدستور، وكذلك في اختيار القائمين على الوظائف والسلطات السياسية والعسكرية العليا في المدينة.

د- النّظم التعليميّة الدينيّة:
لقد اهتم أفلاطون في «القوانين» مثل ما اهتم في «الجمهورية» بالتربية والنظام التعليمي وإن كان قد مال هنا إلى اتخاذ النظام التربوي –التعليمي في مصر القديمة كنموذج يحتذى[89]. حيث يفرض نظامًا دقيقًا للمراقبة الأكثر صرامةً لكلّ ما يلقى على أسماع الأبناء من شعر وفنون مختلفة.

وعلى أي حال فلا تزال المعالم الكبرى للنظام التعليمى واحدة؛ فلا يزال أفلاطون حذرًا من الشعر والشعراء، وتجلى ذلك في تلك الرقابة الشديدة التي طالب بفرضها عليهم، ولا يزال يصر على أن يتعلم النساء جنبا إلى جنب مع الرجال وعلى قدم المساواة كما لا يزال يرى أن تعليم المواطنين جميعا يجب أن يكون إجباريًا[90].
أما الجديد هنا فهو بالطبع مراعاة وجود الأسرة كأساس في مجتمع دولة «القوانين»، وقد ترتب على ذلك ضرورة وجود إشراف عام من الدولة على التربية بحيث لا يترك شيء لنزوات الأفراد من ربات البيوت.
ويشدّد أفلاطون في التربية على توفير المباني المدرسية المناسبة المزودة بمساحات كافية وأساتذة مهرة أكفاء مزودين بكل ما يلزمهم من وسائل تعليمية. أما من حيث موضوعات الدراسة فيجب أن يعطى هؤلاء التلاميذ قدرًا كافيًا من الحساب من أجل أعمال الحياة اليوميّة العادية، وقدرا من أوليات الفلك لفهم التقويم، وقدرا من الموسيقي لكي يعرف الفرد كيف يعزف النغمات على قيثارته الخاصة، وستكفي هذه الدراسات حتى بلوغ هؤلاء التلاميذ سن السادسة عشرة[91].

وقد تحدّث أفلاطون بعد ذلك عن ثلاثة موضوعات تبقى للتعليم الأعلى الذي ينبغي على أحرار الرجال أن يحرزوا فيه التقدّم وهي الحساب والهندسة والفلك بقدر أبعد من تلك المعرفة البسيطة المشار إليها سابقًا والخاصة بمجرّد معرفة التقويم. وقد استشهد أفلاطون هنا بما يدرسه الطلاب في مصر في ذلك المستوى المتقدم تحت إشراف ورقابة أخلاقية من الدولة[92].

ولعلّ أطرف ما في القوانين هو الربط بين الموضوعات التعليمية والدينية، فقد كان الهاجس الأساسىي عند أفلاطون في كلّ ما قاله عن التعليم هو ألا يتعارض أي شيء فيه مع القيم الأخلاقية والدينية الصحيحة.
ولعل ذلك هو ما حدا أفلاطون أن يهتم كثيرًا بالدين وبضوابط العقيدة الدينيّة وضرورة الرقابة على ممارسة الشعائر الدينيّة؛ فالدين يجب أن يخضع عمومًا لتنظيم الدولة ورقابتها، وعلى ذلك يحرم أفلاطون أي نوع من العبادات الدينية الخاصة وكذلك تحريم إقامة الشعائر إلا في معابد عامة على أيدي الكهنة الرسميين المرخص لهم بذلك. وقد انتهى هذا التشدّد بشأن ضرورة الإيمان بالله وممارسة الشعائر الدينية تحت إشراف الدولة، انتهى بأفلاطون إلى تزويد الدولة بقانون للهرطقة لعقاب الملحدين الذي عدد أفلاطون ثلاث صور لهرطقتهم وإلحادهم أولها: إنكار وجود الآلهة من أي نوع. وثانيهما: إنكار أن الآلهة تعنى بشؤون البشر، وثالثها: أن الآلهة ترضى بسهولة عمن يرتكبون الذنوب وأنهم يستطيعون الإفلات من العقاب الإلهي بالصلوات وتقديم القرابين[93]!

وقد حدّد أفلاطون العقوبات التي ينبغي أن تلحق بأولئك الملحدين والهراطقة وتتراوح بين السجن لمدة خمس سنوات وبين الموت. والحقيقة أنّ هذه القوانين الخاصة بمحاربة الهرطقة والإلحاد تتنافى مع ما اعتاده اليونان من حرية الفكر والعقيدة، وهي على حدّ تعبير سباين وصمة عار لكونه أوّل دفاع عقلي عن الاضطهاد الديني[94].

هـ- المجلس الساهر (Nocturnal Council)
أنهى أفلاطون دولة القوانين بالحديث عن ما أسماه “المجلس الساهر” وهو مجلس يتشكّل من جماعة تتكون من العشرة الأكبر سنًّا من بين السبعة والثلاثين الذين يتألف منهم مجلس الحراس ومن الرئيس المشرف على التعليم (وزير التعليم) ومن عدد معين من الكهنة يختارون وسابقيهم لما هم عليه من فضيلة من قبل جميع المواطنين في جوّ من المهابة.

وقد حدّد أفلاطون وظيفة هذا المجلس بأنّه المنوط به مراقبة وإدارة جميع المنظمات القانونية في الدولة. كما أنّ واجباته تسلم تقارير من المسافرين العائدين واستعمال حصافته في إدخال النظم الاجتماعية وفروع البحث التي يكون تقريرهم عنها مشجعًا[95].

لقد صور أفلاطون في ختام دولة القوانين المدينة المرتقبة في عمومها بأنها “جذع الجسم” والحراس الذي يستقرون على قمتها وتمتد رؤيتهم إلى كل محيطها بأنهم “العقل” نظرًا لحكمتهم الخاصّة في الشؤون العامة[96]. وأنهى الحوار بعبارة ذات مغزى يقول فيها: “... ولكن إذا استطعنا مرة أن نخلق ذلك المجلس المدهش فإننا يجب يا أصدقائي وزملائي الطيبين أن نجعل الدولة في حفظه وصيانته، وسيكون من الصعب ألاَّ يوافقنا مشرع حديث على ذلك[97]”.

وهذه العبارة تكشف بأوضح صورة ممكنة عن أن أفلاطون لم يتنازل في “القوانين” عن شيء مما أورده في “الجمهورية” وخاصة فيما يتعلق بالحاكم الفيلسوف.

وهكذا نجد أفلاطون في ختام “القوانين” يسلب دولة القوانين أهم ما يميّزها، وهو الخضوع للقوانين؛ فوجود هذا المجلس كمراقب للقانون والهيئات القضائية وتجديده للقوانين، إنما يعني بكلّ بساطة أنّه بالفعل يقوم مقام الحاكم الفيلسوف الذي يحكم بمقتضى حكمته وقدرته ودون الرجوع إلى أي شيء خارج عقله أو بدون الاستناد على أي قوانين مسبقة!

2) انهيار الدولة المثاليّة لدى أرسطو:
 استقر في يقين أرسطو أن دولته المثالية لا سبيل إلى تحقيقها!! فبدأ تساؤله حول أفضل الأنظمة الواقعية للحكم.. ومن جانب آخر كيف يمكن لهذه الحكومة أن تحكم بصورة تحقّق الاستقرار للدولة ككل؟!

لقد تساءل أرسطو نفسه هذه التساؤلات عن خير أنواع الدساتير وأنواع الحكومات، واتساقًا مع نظريته الأخلاقيّة في أنّ الفضيلة ليست دائمًا إلا وسطًا بين طرفين، فإنّه وجد أنّ كلّ دولة تشمل ثلاث طبقات متميزة؛ المواطنون الأغنياء جد الغنى، والمواطنون الفقراء جد الفقر، والمواطنون الموسرون الذين يشغل وضعهم الوسط بين هذين الطرفين[98]، ومن ثم استنتج أنّ الإجماع السياسي هو على الخصوص أحسن ما يكون متى تكون من مواطنين ذوي ثروة متوسطة، وأن الدول حسنة الإدارة هي تلك التي فيها الطبقة الوسطى أكثر عددًا وأشد قوّةً من مجموع الطبقتين الأخريين. وقد أكّد ذلك من خلال الاستشهاد بأنّ «المشرعين الأخيار ظهروا من هذه الطبقة الوسطى، فقد كان منها صولون»[99]. وهو أكبر وأعظم مشرع عرفته بلاد اليونان.

ومن هنا فقد رجح أرسطو أن تكون حكومة مشكلة من أفراد هذه الطبقة هي أفضل حكومة، وأنّ نظامًا سياسيًا قادر على التكيف أفضل من غيره مع كل الأجسام السياسية بصفة عامة ويكون بإمكانها جميعًا أن تحقّقه ولا يتطلب فضيلة ليست في متناول الإنسان العادي، إنّما هو النظام الدستوري Politeia بالمعنى الضيق للكلمة.[100]. إنّه إذن نظام وسط في كل شيء في التشكيل الطبقي للدولة التي يحكمها، وفي التوسط بين طبقتي الأغنياء والفقراء بما يترتب على كلّ منهما من خصائص وعيوب قد تمثل خطرًا على الدولة وسببًا في إثارة الثورات فيها، ويحكمها فئة من تلك الطبقة الوسطى التي لا تطمع في ثروة ولا تعاني من فقر.
إن مثل هذه الحكومة التي تمثل الوسط العدل حسب تصوّر أرسطو بين أنواع الحكومات لا تحكم بشكل دكتاتوري أو مطلق؛ لأنّها حكومة في دولة يفترض أنّ نظامها السياسي هو النظام الأمثل والنظام السياسي الأفضل هو ما ينص المشرع فيه على أن ثمة سلطات ثلاثة: الجمعيّة العموميّة، السلطة التنفيذيّة، السلطة القضائيّة. ولا تختلف الدول في الحقيقة إلا باختلاف هذه العناصر التي حدّد أرسطو مهامها بدقّة فقد أشار إليها عمومًا بقوله: «إنّ الجمعية العمومية التي تتداول في الشئون العامة، وأن هيئة الحكام يلزم تنظيم طبيعتها واختصاصها وطريقة التعبير فيها، والهيئة القضائية»[101] التي من شأنها بمحاكمها المتنوعة الفصل في المنازعات.

لا شكّ أنّ هذه النظرية التي أدرك فيها أرسطو بهذا الشكل سلطات الدولة الثلاث والفصل بينها على أساس أن كل واحدة منها مستقلة بوظائف وموظفين ومهام محدّدة، لا شكّ أنّها قد ألهمت فلاسفة السياسة الليبراليين المحدثين. فقد كان أرسطو أوّل من أدرك فيما يبدو الفرق بين الدولة والحكومة على اعتبار أنّ الدولة هي مجموع المواطنين وكل هذه السلطات، وأنّ الحكومة هي فقط إحدى سلطات الدولة هي السلطة التنفيذية وأن السيد الحق للدولة ليس هي وإنّما هو السلطة التشريعيّة (الجمعية العمومية) وأن هاتين السلطتين لا يمنعان وجود سلطة قضائيّة مستقلّة بمحاكمها المختلفة للفصل بين الأفراد في منازعاتهم وجرائمهم، إنّها حقًّا من النظريات المشرقة والأكثر معاصرةً من بين نظرياته السياسية الأخرى.

خامسًا: الدولتان في ميزان النقد:
لم يفلح أفلاطون وتلميذه أرسطو في تقديم دولة مثالية حقيقية تصبو إليها النفوس وتجعلها مثلاً أعلى يمكن تحقيقه في فترةٍ من عمر الزمن، حين ميلاد مؤمنين بتلك الدولة، ولكن دولة أفلاطون خصيصًا صدمت شعور الإنسان بإنسانيّته، صدمته ثلاث مرات، الأولى حين القول بشيوعيّة النساء ومن ثمَّ الأولاد، وهو ما أفاض أرسطو في نقده فلسفيًا، ولكنه لم ينقده من ناحية الفطرة أو المعتقد؛ إذ لم تكن شمس الإسلام قد أشرقت بعد، لتكون تلك الفكرة بمثابة هدم لقوانين الفطرة التي تأبى تلك الشيوعية، بشقيها ـ النساء والأولاد ـ فبالإضافة إلى كونها تؤدي إلى تبلّد المشاعر الوالديّة وانعدام الرحمة والسكن للأبناء وللزوجة، فإنّها مخالفة أيضًا للعقيدة الإسلامية التي جعلت الأسرة مركزًا رئيسًا للحياة ولتنظيم المجتمعات، ووضعت ضوابط لتكوين الأسرة تبدأ بالزواج (وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً) (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا ) (وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا)، ومن ثمَّ فإنّ شيوعية أفلاطون أشبه بصدام حتمي للفطرة وللدين في آنٍ واحدٍ.

ثم صدم أفلاطون الفطرة الإنسانيّة مرة أخرى؛ إذ تحدث عن شيوعيّة الأموال؛ ليفتح أبوابًا جديدة للصراع من حيث أراد إغلاقها، وليصطدم مع المطالب الإنسانيّة من حيث أراد الترفع فوقها، ثم ليصطدم مع الدين أيضًا حين ظهوره بعد، إذ يقرّ الملكية الخاصّة وحرية التصرّف فيها، ولكنّه يطالب أبناءه بعدم التصارع لأجل ماديات الحياة، فالجانب الروحي أهم كثيرًا من الجانب المادي، لذا كان الحديث عن الدنيا دومًا بالإنتقاص (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا) (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ) ثم أعلى من شأن الروح ومطلب الآخرة  (وَإِنَّ الدَّارَ الْآَخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) (وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ وَلَأَجْرُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ)... وهكذا تسير النصوص القرآنية في تنقية النفس وتهذيبها.

ثم صدم أفلاطون إنسانية الإنسان مرة ثالثة إذ أقام نظامًا تربويًا جافًا لم يراع فيه البعد الروحي، ولم يراع فيه الموازنة بين النفس والبدن تلك التي أمر بها الدين الحنيف في غير مرّة، وغير مناسبة، وكان ابتهال أهل العلم إلى ربّهم (رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا) ثم كان خطأ الرجلين في دولتيهما اللتين ادعيا لهما المثالية حيث لم يكن نظام العدالة المطروح هو أسمى النظم، بل كان تقسيم العمل الذي جاء به أفلاطون مبدءًا إسلاميًا خالصًا، وكان الأمر بإتقان كل عاملٍ لعمله، ثم كانت العدالة التوزيعية القائمة على الحرية والشورى وعدالة توزيع الثروات مما يُشيد به الإسلام بنيانًا رفيعًا لا تسابقه بناية، ولا تسمو إليه فضيلة ولا يضارعه دعاة قيم.

-------------------------------------------
[1]*ـ أستاذ الفلسفة اليونانية بكلية الآداب / جامعة القاهرة.
[2]. ولتر ستيس: تاريخ الفلسفة اليونانية، ترجمة مجاهد عبد المنعم مجاهد، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت 1987م، ص 149.
[3]. أفلاطون : ثياتيتوس، ترجمة د. أميرة حملى مطر، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 1973م.، صـ90-92.
[4]. Crombie : An. Examination of Plato’s Doctrines, I-plato.on man and society, p.295.
[5]. أرسطوطاليس: علم الأخلاق إلى نيقوماخوس (ك10، ب10، ف10) الجزء الثانى من الترجمة العربية ص369.
[6]. م.ن، ك10، ف10 (فـ11-22) ص370-376.
[7]. برتراندرسل: تاريخ الفلسفة الغربية، الجزء الأول (الفلسفة اليونانية)، ترجمة د. زكى نجيب محمود، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة 1967م، الطبعة الثالثة 1978م.
[8]. انظر: ما كتبناه عن كل من أختاتون وكونفوشيوس في كتابنا: فلاسفة أيقظوا العالم.
[9]. Matson W.I.A New History of Philosophy-Vol.I,Harcourt Brace Jovanovich Inc,U.S.A 1987,p.98.
[10]. أفلاطون: الجمهورية، ترجمة ودراسة د.فؤاد زكريا، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 1985م، (331-332)، الترجمة العربية ص 179-180.
[11]. م.ن، (332-335)، ص 180-187؛ انظر أيضًا: باركر: النظرية السياسية عند اليونان، الجزء الأول والثانى، ترجمة لويس إسكندر ومراجعة د. محمد سليم سالم، سلسلة الألف كتاب (566)، مؤسسة سجل العرب، القاهرة 1966م. ص270.
[12]. أفلاطون، الجمهورية، الترجمة العربية، م.س، ص 187.
[13]. م.ن، (338-339)، ص191.
[14]. م.ن، (347)، ص200.
[15]. أفلاطون، الجمهورية، الترجمة العربية، م.س، (357-359)، ص214-216.
[16]. م.ن، (352-353)، ص 210-211.
[17]. م.ن، (354)، ص 212.
[18]. م.ن، (367)، ص224.
[19]. م.ن، (433)، ص313.
[20]. أفلاطون، الجمهورية، الترجمة العربية، م.س، (369)، ص 227.
[21]. م.ن، ص،227.
[22]. أفلاطون، الجمهورية، الترجمة العربية، م.س، (434)، ص314.
[23]. م.ن، ص 315.
[24]. د. فؤاد زكريا: الدراسة التي تقدم بها لمحاورة الجمهورية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 1985م. ص 84.
[25]. يشاركنا هذا الرأى: ارنست باركر: نفس المرجع السابق، ص287.
[26]. انظر: Tyalor : Plato- The Man and his works,P.275.
[27]. انظر: هزيود: الأعمال والأيام (109-201).  نقلاً عن: د. فؤاد زكريا، نفس المرجع السابق، هامش ص 291.
[28]. أنظر: أفلاطون: الجمهورية (414)، ص 289-298؛ باركر، النظرية السياسية عند اليونان، م.س، ص291.
[29]. د. فؤاد زكريا، الدراسة التي تقدم بها لمحاورة الجمهورية، م.س، ص126.
[30]. أفلاطون، الجمهورية، م.س، (387) ص251.
[31].  أفلاطون، الجمهورية، م.س، ص 268.
[32]. م.ن، (401-402)، ص 272.
[33]. م.ن، (536)، ص449.
[34]. أفلاطون، الجمهورية، م.س، (536)، ص449.
[35]. م.ن، (537)، ص449-450.
[36]. أفلاطون، الجمهورية، م.س، ص405.
[37]. م.ن، (540)، ص 453.
[38]. م.ن، (537)، ص450.
[39]. م.ن، (539)، ص 452-453.
[40]. م.ن، (539)، ص453.
[41]. م.ن، (540)، ص 453.
[42]. أفلاطون، الجمهورية، (540)، ص 453.
[43]. م.ن.
[44]. م.ن، (424)، ص299.
[45]. م.ن، (451)، ص325.
[46]. م.ن، (451)، ص325
[47]. انظر: د. إمام عبد الفتاح إمام: أفلاطون والمرأة، حوليات كلية الآداب – جامعة الكويت، الحولية (12)، الرسالة الخامسة والسبعون، 1992م، ص38-48.
[48]. أفلاطون، الجمهورية، م.س، (455)، ص340؛ وانظر أيضا: ص341.
[49]. م.ن، (457)، ص343.
[50]. انظر: ما كتبناه عن هذا الموضوع في كتابنا: مكانة المرأة في فلسفة أفلاطون – قراءة في محاورتى الجمهورية والقوانين، دار قباء للطباعة والنشر، القاهرة  997م، ص46-48.
[51]. أفلاطون، الجمهورية، م.س، (457)، ص344.
[52]. أفلاطون، الجمهورية، م.س، (459)، ص 347.
[53]. انظر: م.ن، (462)، ص 350-351.
[54]. انظر: باركر، النظرية السياسية عند اليونان، م.س، ج2، ص74.
[55]. أفلاطون، الجمهورية، م.س، (416)، ص293.
[56]. م.ن، (416-417)، ص293.
[57]. أفلاطون، الجمهورية، م.س، (417)، ص293.
[58]. أفلاطون، الجمهورية، م.س، (445)، ص 331 ؛ انظر:  شوفالييه، م.س، ص48.
[59].  أرسطو طاليس: كتاب السياسة، ترجمة أحمد لطفي السيد، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 1979 (ك2- ب1-ف 11-12-13)، ص130-131.
[60].  م. ن، (ك2- ب1- ب14-15-16-17)، ص131-133.
[61]. م.ن، (ك1-ب1-ف17)، ص133.
[62]. م.ن، ك2-ب2—ف9)، ص136-137.
[63]. م.ن، ص137
[64]. أرسطو طاليس: كتاب السياسة، ترجمة أحمد لطفي السيد، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 1979، (ك2-ب3)، ص141-147.
[65]. أرسطو طاليس: كتاب السياسة، ترجمة أحمد لطفي السيد، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 1979: (ك4-ب4-ف3-4-5)، ص247-249.
[66]. م.ن، ص251-253.
[67]. م.ن، (ك4 -ب7 - (ف1 -ف 5)، ص257-258.
[68]. م.ن، (ك4 -ب9 (ف4 - ف5)، ص263.
[69]. أرسطو طاليس، كتاب السياسة، م.س، (ك4 - ب14 - (ف1 - ف12)، ص281-285.
[70]. م.ن، (ك4 - 15 (ق1 - ف11)، ص286-289.
[71]. م.ن، (ك5 - ب1 - ف1)، ص290
[72]. م.ن، (ف2)، ص290.
[73]. Copleston : Op.Cit,P.261.
[74]. انظر : جورج سباين: تطور الفكر السياسي، جـ1، الترجمة العربية لحسن جلال العروسى، دار المعارف بمصر، ط4، 1971، ص95.
[75]. انظر : مقدمة تيلور لترجمته الإنجليزية للقوانين، نقلها إلى العربية محمد حسن ظاظا مع ترجمته للمحاورة نفسها، الهيئة المصرية العامة للكتاب 1986م، ص39.
[76]. م.ن؛ انظر أيضًا: أفلاطون، القوانين، (ك4)، ص208 من الترجمة العربية.
[77]. جاك شوفالييه، م.س، ص56.
[78]. جاك شوفالييه، م.س، ص 56؛ سباين، تطور الفكر السياسي، م.س، ص100؛ راجع: أفلاطون، القوانين، (ك4)، الترجمة العربية ص251، حيث يوضح أفلاطون أسباب اختياره لهذا العدد بالذات.
[79]. انظر: أفلاطون، القوانين، م.س، (ك5)، ص253.
[80]. Plato : The Laws (B.VII-805), Eng. Trans, By Jowett B, The Dialogues of Plato,Vol.V.Third Ed, Oxford University Press, London 1931,p.187.
[81]. Ibid.,B.VII-804, Eng. Trans, P.186.
[82]. أفلاطون، القوانين، م.س، (ك5)، الترجمة العربية، ص 231.
[83]. م.ن، (ك5)، ص232.
[84]. انظر: كتابنا: مكانة المرأة في فلسفة أفلاطون، ص67.
[85].  أنظر: جورح سباين، م.س، ص 100-101.
[86]. انظر: جورج سباين، م.س، ص102-103؛ تيلور: مقدمة "القوانين" في الترجمة العربية، ص48-49؛ راجع: أفلاطون، القوانين، (ك6)، الترجمة العربية، م.س، ص274، وما بعدها..
[87]. م.ن. ص274
[88]. سباين، م.س، ص96.
[89]. انظر: شوفالييه، م.س، ص57.
[90]. انظر: سباين، م.س، ص 104-105.
[91]. سباين، تطور الفكر السياسي، م.س، ص 55،54 ؛ راجع: أفلاطون، القوانين، م.س.
[92]. سباين، تطور الفكر السياسي، م.س، ص 56-57؛ راجع: أفلاطون، القوانين، م.س، (ك7)، ص 332-333.
[93]. انظر: سباين، تطور الفكر السياسي، م.س، ص106؛ راجع الكتاب العاشر من القوانين، الترجمة العربية ص 447 وما بعدها.
[94]. سباين، تطور الفكر السياسي، م.س، ص106.
[95]. انظر: سباين، تطور الفكر السياسي، م.س، ص106؛ تيلور، مقدمة القوانين، م.س، ص70؛ راجع: أفلاطون، القوانين، م.س، (ك12)، ص527 وما بعدها.
[96]. أفلاطون، القوانين، م.س، ص560.
[97]. م.ن، ص566.
[98]. أرسطو، السياسة، م.س، (ك6-ب8- ف3)، ص338-339.
[99]. م.ن، (ب8-ف9، ف10)، ص340-341.
[100]. انظر: شوفالييه، م.س، ص110-111.
[101]. أرسطو طاليس، السياسة، م.س، (ب11-ف1)، ص348.