البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

المرجعيّة الأخلاقيّة للفكر الإسلاميّ

الباحث :  محمد علي ميرزائي
اسم المجلة :  الاستغراب
العدد :  21
السنة :  السنة الخامسة - خريف 2021م / 1442هـ
تاريخ إضافة البحث :  January / 10 / 2021
عدد زيارات البحث :  247
تحميل  ( 516.655 KB )
المرجعيّة الأخلاقيّة للفكر الإسلاميّ

تحدّيات التأصيل والمعاصرة



محمد علي ميرزائي[*][1]

يسعى هذا البحث إلى بيان المرتكزات الكبرى للمرجعيّة الأخلاقيّة في الفكر الإسلامي؛ ليُؤكّد على ثوابت عقائديّة ترى إلى الأخلاق كركنٍ أساسيٍّ في الإسلام. وانطلاقًا من قيام أصل البعثة النبويّة الشريفة على مكارم الأخلاق، يعمل الباحث الشيخ الدكتور محمد علي ميرزائي على تأصيل هذه القاعدة التأسيسيّة في إطار التحديات المعرفيّة التي تفترضها النسبيّة الأخلاقيّة في الفكر الغربي الحديث. وما يترتّب عليها من آثارٍ وتداعياتٍ على مجمل القيم الإنسانيّة المعاصرة.

المحرّر              
------------------------------------------
باتت الحسّاسية البالغة لِتأطير المفاهيم وتحديد الدّلالات لها، ودورها في مسار البحوث، وكذلك الالتباسات المفهوميّة التي توجب عادةً نزاعاتٍ عبثيّةً غير منطقيّةٍ، تفرض علينا هنا، وقبل البدأ في النقاش، أن نذكر نقاط عدّة نظنّها مؤثّرةً في طبيعة الموضوع ومَنحاه:
أوّلاً: إنّ كلمة القيمة (ج = القيم)، هنا في الاصطلاح مع أنّها عربية واضحة، ولكنّ استخدامها في هذه المعاني الأخلاقيّة أصلها يرجع إلى مصطلح القيم (Values) بالانكليزية. وفي اهتمامي الشّخصيّ لم ألاحظ في الدّراسات الإسلاميّة الأصيلة أنّ الأخلاق بالمعنى المتداول بيننا نحن المسلمين قد عُبّر عنها بِلفظ القيم. ما يعني أنّ هناك بعضَ التفاعل الإيجابيّ أو السلبيّ في منهجيّة البحث عن القيم. وأغلب الظنّ أنّ كلمة الأخلاق عندنا تعكس كلّ مخزون القيم، وإن بطريقةٍ مختلفةٍ وبتعاريفَ أخرى ومن جذور وأصول تختلف عن مناشئ القيم ومصادرها في الفكر المعاصر[2].
عليه، هنا نستخدم القيم؛ لأجل بناء المنطق التَواصُليّ فحسب، فلا نتبنّى الدلالات التفصيليّة للكلمة ولا جذورها التاريخيّة، أو تعاريف الغربيين لها بالضرورة، ولكنّنا نرغب في تأكيد مصطلح الأخلاق وترسيخه، والحثّ على استخدامها وبناء التنظيرات المعاصرة عليها، دون الإصرار على إقصاء المصطلحات الإيجابيّة الأخرى؛ لأنّها كلمة معبّرة وشاملة، وفي جانب من دلالاتها أغنى من القيم (Values). وفي الإطار نفسه يصعب جدًّا أن نفصل بين المفاهيم والمصطلحات وجذورها المتّصلة بالسّياقات الحضاريّة الثقافية التي تنتمي إليها هذه المصطلحات. وهو ما يفرض علينا أن نأخذ كلّ تدابير الحذر في استعمال المفاهيم الوافدة من خارج السياق الفكري الإسلاميّ.
ثانيًا: إنّ كلمات أخرى تُستخدم في اللغة الإنجليزية هي مترادفة أو متقاربة جدًا مع مفهوم القيم (Values)، كأمثال: (Ethics) و(Morals) و(principles)، فهذه المصطلحات رغم أنّها قريبة جدًّا من مفهوم القيم (Values)، غير أنّها تختلف في بعض الدلالات التفصيليّة في المنهجيّة الغربيّة. ونحن هنا، عندما نستخدم مصطلح القيم لا نقصد بها ما يقع في موقع التّبايُن مع كلّ هذه المفردات؛ لأنّ الفوارق تلك صيغت على أساس المنظومة المعرفيّة الغربية، وقد لا تَصْدق على المخزون المعرفيّ الأخلاقيّ الإسلاميّ. وهذه المقالة رغم تبنّي الكلمة، إلاّ أنّ الخصائص الّتي تُذكر للقيم في الثقافة الغربيّة قد لا تكون هنا في التوجّه الإسلاميّ مؤَكّدةً.

فعلى سبيل المثال، لا يمكن قبولُ مبدأ النسبيّة[3] في القيم والأخلاق في الإسلام؛ باعتباره مبدأً ثابتًا في الفكر الغربي أن يُعدّ القيم من الأطر النسبية التي تختلف من قوم إلى قوم ومن ثقافة إلى ثقافة. فعليه ما يقبل بالتحوّل لا يمكن عندنا في الفكر الإسلاميّ أن نعتبره من القيم؛ لأنّ المنهجيّة البحثيّة في المعرفة الدينيّة تختلف كلّيًّا عن تلك المتبنّاة في الفلسفات الوضعيّة التي لا تُعطي للحقل القيمي والأخلاقيّ أيّ اعتبار علميّ.

ثالثًا: هناك خصوصيّة للقيم بالمقارنة مع النّمط التقليديّ في الأبحاث الأخلاقيّة، وهي: إنّ القيم لها أبعادٌ موضوعيّة ترتبط بحقائق الحياة ومسارات واقعها أكثر من الطريقة الفلسفية شبه المجرّدة لصياغة الأبحاث الأخلاقيّة التقليديّة. لا نقصد القول إنّ الأخلاق في الفكر الإسلاميّ متسّمة بهذه الخصوصيّة ونحن نلاحظ أنّ الأخلاقيّة الإسلاميّة في منتهى الترابط والتخالط مع كلّ حيثيّات الحياة البشرية بكلّ ساحاتها، على الصعيد النفسي والاجتماعي العامّ.
ونحن أصلاً في كتابات، كهذه المقالة، نرمي إلى تشجيع أهل الاختصاص الأخلاقي في المؤسّسات الدينيّة، وبالذات الحوزويّة؛ ليعملوا على إعادة بناء علم الأخلاق؛ ليكون معنيًّا بالقيم والأخلاق في عمق مسارات ومناحي العيش والواقع. رغم ذلك فإنّنا نلاحظ أنّ الأخلاق تميّزت عن القيم بانخراط الثاني في الواقع وسلوكيات الإنسان المعاصرة بالمقارنة مع الأوّل. وعلى كلّ حال، فرغم أنّنا هنا لسنا بصدد توجيه النّقد الجادّ المنهجيّ لأنماط علماء الأخلاق وأنساقهم في الكتابات الأخلاقيّة، غير أنّه كان من الضروري الإشارة إلى ضرورات العمل على التصنيف الجديد للكتابة الأخلاقيّة[4].

لا شكّ في أنّ السعادة والشعور بالرضا في الحياة يُعدّ الغائب الأكبر في حياة الإنسان المعاصر. ولم تستطع كلّ التطوّرات المادّيّة والتنمية التقنيّة الهائلة التي أراحت الإنسانَ من أعباء كثيرة أن تُشعره بذلك الإحساسِ الحيويّ والمصيريّ والغائب؛ حيث نشهد أنّ الإنسان بقدر ما توغّل في هذه الإمكانيّات واستغرق في هذه الأسباب المادّيّة والرّفاهية الكبيرة؛ بالقدر نفسه شَعَر بالضّياع والألم؛ لأنّ الخطأ في تشخيص سُبُل السعادة وطرق الراحة قاتل وجسيم؛ فيصيّره كالمتعطّش المُدمن على شرب ماء البحر المالح، فلا يزيده إلّا تعطّشًا ومعاناة.
إنّ نظرة عابرة إلى حركة النّقد الفلسفيّ[5] والاجتماعيّ الحضاريّ في الغرب، تكشف بوضوح عن الوجه القبيح المنفّر المدمّر للفلسفات الغربية الحداثيّة، وتُثبت أنّها بالفعل، أحدثت كوارثَ بشريّةً وطبيعيّةً من كلّ نوع، وهذه الجروح النازفة والتشقّقات الحضاريّة شكّلت وَقودًا هائلاً لإشعال حركة فكريّة انتقاديّة جديدة تبحث عن البديل الحضاريّ لهذه الفلسفات الحداثيّة[6]. وهذه الجهود التي أميل إلى اعتبارها مجرّد توجيه ملاحظات وانتقادات منهجيّة ومعرفيّة واجتماعيّة وهي لحدّ الآن لا تعدو كونها محاولات البحث عن البديل، وليست البديل نفسه، وهي الّتي تُدعى اليوم بـ «فلسفات ما بعد الحداثة»[7]. لكنّ الحقيقة، أنّها لا تملك الطاقات الفكريّة والفلسفيّة التي تؤهِّلُها لتأسيس البديل رغم أهمّيّة هذه الحركة النقدّيّة في إثبات أنّ المصدر الأساس في البُعد التدميري في الحداثة يتموقع في منطقة قيم العدالة والفضائل الإنسانيّة، وتهميش الإنسان الوجدانيّ المسؤول الملتزم بالأخلاق والروحانيّة النفسيّة. هنا نلاحظ أنّ الفرصة الإسلاميّة مؤاتية للمساهمة الفعّالة في وضع البديل. وأغلب الظنّ، أنّ البعدَ الأخلاقي الإيماني الإسلاميّ سيساهم في تبديل مبدأ « الاقتناع العلمي» كأساس المعرفة الحداثية إلى مبدأ اليقين والإيمان وترشيد النفس وفضائلها في السلوك البشري؛ لأنّ الإسلام فيه هذه المنظومة الرائعة.

في المضمار نفسه، لو قارنّا مشاعر الإنسان المعاصر وطبيعة معاناة المجتمعات المعاصرة مع كلّ أدوار حياة البشر لَوَجدنا أنّ الإنسانَ لم يتجرّع أزمةً نفسيّةً ومأزقًا في كلّ أبعاد حياته كما اليوم. ومن جملة هذه الانهيارات والتداعيات الخطيرة الّتي نتجت عن الفلسفات الحَداثيّة (Modern philosophies) الرّافضة للفضائل الإنسانيّة المقتصرة على الأهواء والغرائز، يمكن أن نلمّح إلى العناوين التالية:
1 - على المستوى العلمي المعرفيّ المنهجيّ: تدمير أدوات تقييم المعرفة، وحصرها في التّجربة والحسّ المادّيّين، مِمّا جعل من الإنسان تراكمًا مادّيًا محضًا، ومن معرفته بما وراء المادّة معرفةً خُرافيّة لا يُمكن البناء عليها! فتولّدت الفلسفةُ الوضعيّة التجريبيّة[8] والفلسفة الوضعيّة المنطقيّة[9]، فاستُبعِدت كلّ المعايير الأخلاقيّة والدّينيّة[10] ومصادرها الّتي تأتي من خارج الإنسان. وهذا هو أساس تفكيك العلوم، ورواج التخصّصيّة السلبيّة على حياة المجتمعات البشريّة، وتشتّت مسارات العلوم الإنسانية كلّها. ثمّ تمّ إحكام القبض على العقل البشريّ؛ ليكونَ عقلاً ماديًّا محضًا لا يملك إلّا القدرة على إدارة شهوة الفرج والبطن وإشباع غريزة السيطرة والتسلّط. بالطبع، هي أزمات انعكست في جميع مناحي الحياة الفرديّة والاجتماعيّة، وعلى مستوى الأنظمة والمواقع السياسيّة العليا أيضًا.

بالطّبع، فإنّ خلوّ المناهج الحديثة من القيم الأخلاقيّة الدينيّة، بل من المبادئ العقليّة، واقتصارها على المنهجيّة الحسّيّة التجريبيّة يرجع في بعض أطرافه إلى قصور النُّخَب والمثقّفين والعُلماء المسلمين في تفسير الجانب العلميّ المنطقيّ والعقلانيّ من الدّين.
إنّ إعطاء صورة مُشوّهة وغير عقلانيّة عن المعرفة الدينيّة، وتصوير النّص الدّينيّ وكأنّه نصّ عاطفيّ وعظيّ يخلو من مقوّمات البَرْهَنَة والاستدلال، واقتصاره على أدبيات الخطابة، وإِلْهابِ مَشاعرِ المُخاطبين؛ هو أحد أسباب هذا الانطباع الخاطئ عن النصّ المؤسّس الدينيّ. وينصّ على هذه العقليّة الخاطئة عن الدّين الدكتور محمّد عابد الجابريّ، فيقول:

يعتمد الدّين على الإيمان كمنطلق وأساس، كما يعتمد الخطابة كمنهج... والأسلوب الجدلي والخطابيّ في الإقناع، هو نوع من المُشادّات الكلاميّة مع الخصم تستهدف إفحامه وإلزامه، وذلك بالعمل على إفساد براهينه، وهو يستهدف الهدم أكثر ممّا يستهدف البناء. ويلجأ التفكير الدينيّ إلى الخيال لكسب وجدان الشخص، ولذلك كانت الخطابة تعتمد الخيال أكثر من العقل وتتّجه إلى إثارة الوجدان وإلهاب العواطف أكثر ممّا تعمل على إستثارة العقل، وصيلتها في ذلك صور خيالية وتعابير فنّيّة بلاغيّة وأمثال مُحكمة، فيها بلاغة وسحر وجمال وفنّ. انتهى كلام الجابريّ.[11]

وما لم يُصّرح به الجابري في كلامه الآنف الذكر يعلنه أركون دون مواربة وخجل، قائلاً: يَحصُر الفكرُ الأصوليّ النّشاطَ العقليّ في حدود العَقل المؤَطَّر والموجَّه الّذي لا يمكنه أن ينموَ إلّا داخلَ مجموعة نصّيّة ناجزة مُغلقة على ذاتها، أي نصوص القرآن والحديث.[12]
والأكثر وضوحًا في خروج بعض المفكّرين عن الإيمان بانسجام النصّ الدينيّ مع المعرفة وطاقاته البرهانيّة والعلميّة. الغريب هو ما يطالعنا به قول الجابريّ في نقد المنهجيّة الفقهيّة لأنّها تعتمد على النّص، وتعترف بسلطته:

«إن كان العقل العربيّ كان ولا يزال عقلاً فقهيًّا؛ أي عقلاً تكاد تقتصر عبقريّته في البحث لكلّ فرعٍ عن أصل، وبالتالي لكل جديدٍ عن قديم يُقاس عليه، وذلك بالاعتماد أساسًا على النصّ، حتى غدا النصّ هو السلطة المرجعيّة الأساسيّة للعقل العربيّ وفاعليّته. وواضح أنّ العقل في مثل هذه الحال لا يُمكن أن يُنتجَ إلاّ من خلال إنتاج آخر».[13]

على المستوى النفسي الروحيّ: انتشارُ حالة الضياع النفسي والخواء الباطني، وفقدان الوجهة الواضحة والغاية المفهومة للإنسان. وبالتّالي، توسّعُ حالات الكآبة النفسيّة، والسعي للتخلّص من الحياة، وكثرة ظواهر الانتحار. وجزء أساس من هذه المعضلات النفسيّة يرجع إلى فقدان الأجوبة على الأسئلة المعمّقة والمصيريّة (Basic Beliefs)، وهي اليوم بدلاً من أن تلقى إجابات، تُواجَه بسلوكٍ عنيفٍ وصارمٍ؛ لإقصاءها من حياة الفرد، والشطب عليها نهائيًا؛ ممّا تتحوّل إلى أرضيّة ملائمة لتكوين اضطرابات وحالات قلق مكبوتة داخل الإنسان تنتهي بأمر الإنسان إلى الإحساس بالخواء والشعور باللّا قيمة في الحياة. ومن الواضح البديهيّ أنّ تنمية الأوضاع المادّية وظروف العمل وتطويرهما، وتأمين المقومّات الحسّيّة المادّيّة للإنسان لا تزيل هذه الإشكالية، بل تزيدها عمقًا، وتطوّر عنفيّتها وخطورتها أحيانًا. ومن المعلوم أنّ حالات القلق والأرق والكآبة النفسيّة في البلدان المتطوّرة أكثر من البلدان النامية أو المتخلّفة. وفي المضمار نفسه، لوحظَ في الدول الإسكاندينافية، وكذلك اليابان، أنّ نسبة القلق النفسي والكآبة هي أكثر بالمقارنة مع الدول الأخرى؛ لأنّ الرفاهيّة المادّيّة لا تعالج المشكلة. والحقّ أن يُقال: إنّ اتّصال الإنسان بالمطلق والحقيقة المتعالية والمعتقدات الخالدة الإلهيّة وحدها ستربط على قلب الإنسان،[14]وتمنحه المقاومة والصمود أمام الأزمات والمآزق في الحياة، ويطمئنّ بها قلبُ الإنسان.[15]
على الصّعيد العائليّ والعلاقات الاجتماعيّة : تزلزلُ أركان الحياة الزوجيّة، وتلاشي العلاقات العاطفية الودوة[16] المستمرّة والطويلة، وانهيار مفهوم السعادة الأسرية، وموت فكرة العائلة، وفقدان أواصر العلاقة بين أفرادها، كلّها تشكّل وضعًا مأساويًّا يؤدّي بالإنسان إلى أن يُصبح فاقدًا للأمل؛ بمجرّد التفكير في النصف الثاني من العمر، وعذابات التهميش، والقطيعة مع الأهل والأولاد؛ لأنّ المساكنة والشراكة الجنسية[17] لا يُمكن أن تضمن للرجل أو المرأة أيّ مستقبل سعيد لهما في أحرج لحظات الحياة.

من النّاحية الطبيعية: تدميرُ الطبيعة، واستهلاك مصادرها بطريقةٍ جنونيّةٍ غير منضبطةٍ، وسحقها؛ عبرَ التّصنيع، وتخريب الحياة الصحيّة المرتكزة إلى الزراعة والطبيعة.

على الجانب الفكري العقليّ: انتشارُ المدارس الفكريّة التي تدعو الإنسان إلى الإباحيّة الفكريّة والعمليّة أيضًا، وهي ظاهرة طبيعيّة في ضوء معاداة الفكر الديني وتدميره بكلّ الوسائل، والسعي لاعتباره مجموعة خرافات اخترعتها الكنيسة وملوكها للسيطرة على مصائر البشرية طيلة القرون الماضية. وهو مسار خطير من العلمانيّة أدّى إلى الجرأة على كلّ المقدّسات، وتمّ تتويجها بإعلان ما سمّوه والعياذ بالله موت الله! تعالى الله عمّا يقولونَ علوًّا كبيرًا. فانقطع الإنسان عن السماء، وبات أسير النّفس، موغلاً في ملذّات الدنيا وأهوائها.
على المستوى التنظيميّ الاجتماعيّ والتشريعيّ: تسلّط أصحاب الثروات والأموال على الناس من خلال أنظمة سياسيّة ليبراليّة رفضت الأخلاق والقيم من أن تكون لها مكانةً في أيّ مجال من نواحي الحياة؛ تنظيرًا (تشريعًا)، وتطبيقًا (تنفيذًا)، وتقييمًا (قضاءً) بعدَ ما عدّوها من إفرازات الحالات الشخصيّة الناتجة عن الخلل في طريقة التفكير، أو مشكلة في طبيعة النفس، أو أدوات تخدير المجتمع؛ لأغراض الشغوفين بالسّلطة من رجال الدين!
من النّاحية السوسيولوجيّة: تفكّك بنيةِ المجتمعات البشريّة وتحويلها إلى مجموعات متباينة في التوجّهات، ومتناقضة في القيم، تجمعها كذبة العقد الاجتماعي وفريةُ الديمقراطيّة التي في حقيقتها تأمين المزيد من الفرص؛ ليستمرّ الرأسماليّون العالميّون عبر شركاتهم المتعدّدة الجنسيّة؛ بامتلاك المزيد من النّاس! وإكمال حلقات حضارة الجنس، ومَسخ القيم، ومن ثمّ، مُراكمة الأموال والممتلكات في البنوك، وخزنها وتكديسها في أيدي أقلّيّة قليلة[18] من الشعوب لا تتجاوز 1% من مجمل سكّان العالم. وكلّ ذلك في غياب القيميّة الأخلاقيّة، وبالذّات المبدأ الذّهبي العامّ؛ أي العدالة في كلّ أبعادها الفرديّة والاجتماعيّة.

من الناحيّة الاقتصاديّة: انتشار المدارس النفعيّة المصلحيّة (Pragmatism)، وشيوع الفقر والمجاعة بين الملايين من البشر، واحتكار كلّ الثروات والطاقات الاقتصاديّة بيد عدد قليل من الأغنياء. وهي ظواهر خطيرة نشأت عن فقدان العدالة والقيم الإنسانيّة الحقيقيّة في طبيعة العلاقة الاقتصاديّة بين الدّول المتطوّرة اقتصاديًّا وغيرها، أو بين طبقات المجتمع الواحد. هذه المعضلات وعناصر الاختلال الاقتصادي (Economic Disorders) بدورها أدّت إلى ذيوع أعلى نِسَب الفساد الخُلقي والتَحَلّل القِيميّ في أكثر المجتمعات تطوّرًا؛ لأنّ العلاقة القيميّة بين الحقل الاقتصاديّ والأخلاقيّ الإنسانيّ في التعاملات الاقتصاديّة انهارت على كلّ الصُّعُد بطريقةٍ فاضحةٍ ومُدويّةٍ؛ حقيقة واضحة قام الغرب والشركات الرأسماليّة عبر أمبراطورياتهم الإعلاميّة العملاقة طوالَ القرن الماضي على إخفائها، إلاّ أنّ هذه الفُقاعة قد تفجّرت مؤخّرًا من خلال الأزمات الاقتصاديّة، وانهيار وشيك لأنظمتها، وبالتّحديد تلك الّتي كشفتها حركةُ احتلّوا ول ستريت(occupy wall street).

في الحقيقة، لا يُمكن التشكيك في أنّ العالم اليوم أمام مآزقَ خطيرةٍ في كافّة النّواحي الحياتيّة. والإنسان فيه متحيّر في أمره، لا يعرف المسارَ الصّحيح، ولا يستقرّ له بالٌ في شيء. وأحوال العالم في توتّر مستمرّ واضطراب خطير يُنذر بمزيد من الكوارث والمنازعات والتناحرات القاتلة، وكلّ ذلك في غياب ملفت لأيّ مبادئ أخلاقيّة ترتكز إلى العدالة الاجتماعيّة والمبادئ الخُلُقيّة الأخرى.
ولهذه الحالة المرعبة أسباب كثيرة؛ لكنّ ضعف القيم الأخلاقيّة بالنّسبة لِموقفِ صاحب المقالة يشكلّ الأهمّ من بين عناصر التأزيم العالميّ؛ فرغمَ أنّ توتّرات كثيرة نتجت عن عناصر متنوّعة؛ غير أنّ الجانب القيميّ المنهار أو النوع المادّيّ النسبيّ الشخصيّ منه والّذي أفقدت الأزمةُ فيه الأممَ والمجتمعاتِ في علاقاتها الداخلية بين أبنائها أو مع من خارجها، كلَّ فرص التلاقح والتلاقي الثقافي والحضاري، وسبّبت هذه الأزمة القيميّة تشقّقاتٍ وتصدّعاتٍ هائلةً في التّدمير الفرديّ والإجتماعيّ الإنسانيّ.

وهو أمر يستدعي المزيدَ من الجهود من قِبلِ الجميع للتّفكير الجادّ نحوَ البدائل القيميّة والمراجعات الجريئة في اتّجاه المناحي البنّاءة لها. ولأنّه ليس هناك أقوى من النوايا والطباع والأنفس البشريّة في صياغة الحضارات والثقافات والأنظمة الاجتماعيّة والسياسية، فهي كلّها تدخل في إطار الأعمال الّتي قال الرّسول: «إنّما الأعمال بالنّيّات[19]». أي إنّ الدافع الداخلي الباطني في نفس الإنسان هو الذي سيحسم الأفعال شرًّا أو خيرًا. ومشروع بناء الإنسان وتهذيبه من الداخل وحده سيكون ناجعًا، وسيجنّب الحياة كثيرًا من هذه الكوارث، وهو أمر سيطوّر المعارف النفسيّة البشريّة؛ في حال أخذناه بالجدّ.

كلّ هذه المشاكل الحقيقيّة والوضع المأزوم البشريّ في كلّ جانب تقع ونحن نرى أنّ الكثيرين في العالم، وتحت قبّة المؤسّسات العالميّة وما يسمّى بالشرعيّة الدوليّة وحقوق الإنسان، يمارسون الضغوط على العالم ليقدّم مزيدًا من التنازلات السياسيّة والاقتصاديّة والثقافيّة لصالح اللصوص، لصوص الإيمان، وقراصنة الأخلاق، وسرّاق السعادة. ففي غياب المنهاج الأخلاقيّة يُصبح الحامي هو الحرامي بعينه، كما يُقال في المثل الشّعبيّ. واللصّ يُفلسف لأهدافه من السّرقة! والمنتهكون مشغولون بالتنظير والتفلسف لتبرير انتهاكاتهم في حقّ الشعوب والدول المستضعفة! هي حضارة الفساد والإفساد في غياب القيم والأخلاق.

المشروع الإسلاميّ في تَخليقِ الحضارةِ والقيم[20] العالميّة وأَنْسَنَتها[21] الفطريّة:
لم أشعر بتأثّر هائل في داخلي في مطالعتي للتّأثير الأخلاقيّ على مصير الحضارات كما اهتزّ ضميري على أثر المقولة الشّهيرة لأرنولد توينبي البريطاني عندما لخّص دراساته الحضاريّة الّتي احتلّت الجزء الأكبر من حياته فقال: الحضارات لا تموت قتلاً، وإنّما تموت انتحارًا. ويؤكّد في مكان آخر: أنّ الانهيار الحضاريّ يحصل على أثر العجز الأخلاقيّ والدينيّ.

 في ضوء ما مرّ إلى الآن، يُمكننا القول إنّ ما يعطي لمراجعة النّظام القيميّ ودوره في ظهور الحضارات وانهيارها أهمّيّةً بالغة ومصيريّة هو أنّ للقيم علاقةً عضويّةً منطقيّةً مباشرة مع السّلوك الإنسانيّ في أبعاده الحياتيّة كلّها[22]، ومن جهة ثانية؛ لها صلات قويّة جدًّا مع طبيعة الأنظمة النظريّة والتشريعيّة جميعًا؛ بحيث تشكّل حقيقة مُذهلة لا تدع شكًّا في أنّ تحييد الأخلاق والقيم (الخير والشرّ أو ما ينبغي وما لا ينبغي[23]) من مسار العلوم، بعد اعتبارها أمرًا غير معرفيّ وغير علميّ[24]، أحدثَ فجوة خطيرة داخل العلوم، وأخلّ في المنهجيّة المعرفيّة عمومًا ومناهج الحقول المعرفيّة الإنسانيّة خصوصًا، كما أنّ الفقر القيميّ في هذه العلوم انتهى إلى إخلاء الحياة من القيم والأخلاق؛ حيث نرى أنّ هذه العلوم لا تعترف بالأخلاق والقيم كجزء من العلوم المنطقيّة[25]، وتعتقد منهجيًّا أن لا يمكن إقحام القيم في القوانين والبرامج الحياتيّة، حتى باتت ميادين التربية وعلم النفس أيضًا لا تعطي لها أيّ وزن؛ فبالتالي لا يُولى لها في ميادين الحياة ومجالات التربية وأنظمة التعليم أيّ عناية ودور. إنّ النتيجة واضحة، حيث أصبحت حياة الإنسان، ومنظومات المجتمع البشريّ تخلو من الأخلاق، فلَمْ يعد بإمكان الإنسان أن يجد تفاعلاً أخلاقيًّا في علاقاته مع الآخرين، بما في ذلك أكثر العلاقات حميميّة في مناخ العائلة والعلاقات الأسريّة.
و قد يكون من النّافع تأكيدُ أمرٍ وهو أنّ التمييز بين ما هو نافع وصالح وخير، وما هو ضارّ وطالح وشرّ من المنظار الإسلاميّ هو:«إلهام داخليّ[26] مركوز في النّفس الإنسانيّة، قبل أن يكون شرعة سماويّة؛ وبأنّ الفضيلة- في نهاية المطاف- إنّما تتّخذ مرقاتها من طبيعتها الخاصّة، ومن قيمتها الذّاتيّة وأنّ العقل والوحي على هذا ليسا سوى ضوء هادٍ، مزدوج، لموضوع واحد وترجمة مزدوجة لواقع واحد أصيل، تمتدّ جذوره في أعماق الأشياء».[27]

وهذا هو ما يدفعنا لنؤكّد الانسجام المطلق الطبيعيّ بين الإنسان وهذه القيم الأخلاقيّة في الفكر الإسلاميّ؛ مما يجعل من عمليّة العولمة للنّظام الأخلاقيّ القيميّ الإسلاميّ أمرًا ميسورًا لو اتّبعنا هذا المبدأ، وإلى جانب البراهين النّصّية الداخلية للدّين قمنا بأبحاث واقعيّة تثبت هذا الانسجام الذاتي بين منظومة القيم الإسلاميّة وطبيعة الإنسان.
هنا، وبالمناسبة، ينبغي ذكر أهمّيّة دور الأخلاق وقيمها في الفكر الإسلامي؛ ليكون الفارق بين التوجّه الإسلامي في منح الأخلاق المكانةَ المركزيّة وموقعيّة الأساس، وبين الحضارة العلمانيّة الّتي تستبعدها عن مسارات المعرفة والتطبيق نهائيًّا؛ باعتبارها قضايا شخصيّةً لا توصف بالعلميّة، فلا تؤثّر في منطقيّة الأنظمة الحياتيّة!. إنّ الفهمَ الصّحيح والشّامل المستوعبَ لمناهج المعرفة الإسلاميّة ومضامينها في ضوء مرجعيّة القرآن الكريم، يكشف حقيقةَ أنّ الأخلاق في الفكر الإسلاميّ أكثر أهمّيّةً من النّظام الفقهيّ وبرامج الحياة، وبالتّالي متقدّمة عليها.

و من جهة أخرى، نستطيع الجزم بأنّ أصولَ الأخلاق والقيم هي أساس الفقه والفلسفة الحقيقيّة للشريعة؛ لأنّ الفقيه يمارس الاجتهاد لفهم ما ينبغي فعله على المُكَلَّف وصولاً إلى تنجيز مواصفات معيّنة في نفس الإنسان؛ أي، تحقيق الأخلاق[28] في داخل الإنسان، وتقديم مبدأ تهذيب النّفس على تنمية الخارج، وترشيد العمل. نلاحظُ أنّ العبادات كلّها تهدف إلى تهذيب النفس وتزكيتها، وإنّ فلسفة بعثة الأنبياء وإنزال الكتب السماويّة في الأساس هي ترجع إلى الترقّي بالطبع الإنساني[29] ونفسه إلى مستوى الخلافة الإلهيّة، وتظهير الأسماء والصفات الإلهيّة، وتجسيدها في النفس.

قبل ذكر بعض الشّواهد الإسلاميّة على مركزية دور القيم، ينبغي تأكيد نقطة هامّة وهي أنّ الغربيين الذين قتلوا قيمة القيم، وأقصوها عن مدار المعرفة، ومن ثمّ الحياة نهائيًّا، يتحدّثون بكثرةٍ عن فلسفة الأخلاق وكذلك فلسفة الدين؛ وهكذا بسبب أنّ هذه المقولات لا يمكن درس مضامينها وأحكامها للسبب نفسه، ولكن يرون من الضروري أن يسلّطوا الضوء على أسسها الكليّة الخارجة عن مسائلها وموضوعاتها الداخلية.
إنّ روّاد الفلسفات المعرفيّة الغربيّة لا يعترفون بعلميّة مضامين هذا الدّين والقيم الدينيّة ومنطقيّتها، يؤكّدون ذلك من خلال خصائص مناهجهم المعرفيّة، واضعين لها ضمنَ المشاعر والأحاسيس وأحيانًا أدوات نفسيّة يلتجئ إليها الإنسان كآليّة طبيعيّة نفسيّة للحماية[30]. عليه، فإنّهم يدرسون في الجامعات فلسفة الأخلاق وفلسفة الدّين وفلسفة الوحي وهكذا! والذي يثير الغرابة والأسف، نحن المسلمين فبدلاً من أن نغيّر المعادلة العلمانيّة في منهجيّة صناعة المعرفة على أساس صناعة المسألة وصياغتها فنحوّل الوجهة من دراسة فلسفة الأخلاق والدين إلى فلسفة الحياة الاجتماعية الأخلاقيّة، ودرس خصائص المجتمع القائم على القيم والأخلاق الدينيّة، وقعنا في فخّهم المنهجيّ، وصارت أنظمتنا ونخبنا أسرى مناهجهم ومسائلهم.

التأسيس النظري للأخلاق الدينية:
ثمة ضرورة أكيدة من أجل التّأسيس النّظري لمنهجيّة تفاعل بين الأخلاق والدّين وساحات الحياة كلّها. قام فلاسفة الغرب بإسقاط منهجيّتهم المعرفيّة الرّافضة للقيم والأخلاق، لتكون جزءًا من المنظومة المعرفيّة الإنسانيّة، ونحن علينا أن نخوض معركة نثبت من خلالها علاقة القيم في استعمار[31] الأرض، وتحقيق الواقع الإلهي الرّشيد والإنساني الفطري على الأرض، من خلال الكشف عن الخيوط المسكوت عنها في مناهجنا أيضًا في العلاقة النظاميّة المنهجيّة بين هذه القيم الأخلاقيّة وبين كلّ مفردات العيش ومخطّطات الحياة، لا أن نخوض معركة إثبات الوجود الإلهيّ وإقامة البراهين على أنّ القيم الإسلاميّة هي يمكن أن تُطرح إلى جانب القيم الغربيّة! ينبغي ذكر هذه الملاحظة وهي: أنَّ النُّخَب الفلسفيّة والدينيّة في الغرب نجحت نسبيًّا في جرّ طاقاتنا الإسلاميّة إلى جامعاتهم؛ لِتصدير المسائل الفلسفيّة الدينيّة أو الفلسفيّة الأخلاقيّة القيميّة إلى عمق أنظمتنا، ومدارسنا، وجامعاتنا، بل حوزاتنا العلميّة، في حين أنّ مسائلهم التي شيّدوا عليها صروحَ هذه الفلسفات لا مبرّر لوجودها بالخصائص نفسها في بنية النص الإسلامي، ودلالات التجربة المعصومة، والتطبيق النبويّ والمعصوم لها.

إنّه من بديهيّات مضامين ديننا وواضحاتها أن نعتبر الأخلاق والقيم أساسَ صعود الحضارات أو سقوطها، وتقلّبات الثقافات والمجتمعات. وواجب العلماء المسلمين أن يميطوا اللثام عن هذه العلاقات ويفسّروا الأواصر المعرفيّة والمنطقيّة فيها.[32] والأهمّ من نقاش المنهج وتبيين الضرورة لتحديد مقام القيم فيها وأيضًا ما لو أمكن تحوّل القيم إلى عناصرَ منهجيّة، يتمّ عرض العلوم الإنسانيّة عليها؛ وهذه خطوة جبّارة، ولكنّني متأكّد من أنّ الأنظمة التربوية والاقتصاديّة والسياسية والثقافيّة عمومًا وبشكل محدّد في الحضارة الغربية وصلت إلى هذه المآزق والأزمات الخطيرة بسبب خلوّها من القيم والتبرير الأخلاقيّ وتداعيات علمنة الإنسان وعقله قبل المجتمع وأنظمته.
من المنطلق الإسلاميّ والقرآنيّ بالتحديد، فإنّ الأمم والأقوام تتأثّر في وجودها، وظهورها، وتطوّرها، وفتورها، وضعفها، وخلودها أو سقوطها، تأثّرًا مباشرًا وقويًّا بنوعيّة تفاعلها وتعاملها مع القيم والأخلاق والمناحي البنيوية المتّصلة بالمسائل الأساسيّة حول الإنسان، والتاريخ، والدّين، والثقافة، والقيم، والعلاقة الإنسانية الإلهيّة وما يشبهها.[33]

أشار ابن خلدون في مقدّمته إلى مراحل خمس، تمرّ عليها الحضارات من البدء إلى الختم:

الطّور الأوّل: طور القيام والنشأة. حيث: إنّ مجموعة من النّاس أصحاب عَصبيّة جاهدت وقاتلت حتى حصلت على الملك تجد أنّهم في المرحلة الأولى مجتمعين؛ لأنّ الملك حصل لهم جميعًا؛ فبينهم تعاون، وتضافر، وتلاحم.
الطّور الثاني: هو ما يسمّيه طور الاستبداد والاستئثار بالسلطة والسلطان.
الطّور الثالث: طور الفراغ والدعة؛ لتحصيل ثمرات الملك.
الطّور الرابع: طور الخنوع والمسالمة والتقليد للسابقين، بحيث «يقول الإنسان إن ما كان عليه آباؤه وأجداده هو السليم».
الطور الخامس: هو الإسراف، والتبذير، واصطناع قُرَناء السُّوء، وإبعاد الصالحين الناصحين[34].

كما تلاحظون أنّ الأطوار الخمسة التي تنتهي في آخر المطاف إلى انهيار الدولة وسقوط الحضارة كلّها تأتي من المأزق الأخلاقيّ والتخلّف القيميّ. التفتوا إلى مفردات: الاستبداد، والاستئثار بالسلطة والسلطان، والفراغ والدّعة لتحصيل ثمرات الملك، والخنوع، والمسالمة، والتقليد للسابقين، بحيث: يقول الإنسانُ إنّ ما كان عليه آباؤه وأجداده هو السّليم، والإسراف، والتّبذير، واصطناع قُرَناء السّوء، وإبعاد الصّالحين النّاصحين؛ هي كلمات تحكي الانهيار الخلقيّ والسقوط الأخلاقيّ بجميع تجلّيّاته في السلطة والدولة. عليه، فإنّ الحضارات والأمم في الرؤية الخلدونيّة في أطواره الخمسة للحضارات والدول تسقط بسقوطهم الأخلاقي. ويُمكننا القول صريحًا إنّ هذه الأوصاف كلّما تأخّرت حالات وقوعها؛ كلمّا تأخّر الانهيار.

 وهذه القراءة الخلدونيّة في كيفيّة الانهيار الحضاريّ وبعض تعابير عبد الرحمن في مقدّمته، أثارت احتجاجات من بعض المحلّلين بأنّ ابن خلدون يقول بحتميّة الانهيار ولا إراديّته في الأمم، غير أنّنا بوضوح رأينا أنّ ابن خلدون يتحدّث عن ظروف موضوعيّة إراديّة في مصير الأمم والدول والحضارات، فإن سعت لعدم الوقوع في تلك الظروف اللا أخلاقيّة واللا قيميّة؛ سيتأخر ما ترَتّبَ عليها من سقوط الحضارة. وأغلب الظنّ، أنّ مركزيّة السبب الأخلاقيّ والقيميّ في انهيار الحضارات في فكر ابن خلدون أثّر بقوّة في أفكار روّاد النظريّات الحضاريّة. ومن جملة هؤلاء الذين صرّحوا بأنّ التلاشي الأخلاقيّ هو السبب الأقوى والأَحْسَم في مصير الحضارات تعزيزًا وتدميرًا، ترقّيًا وتلاشيًا هو أرنولد توينبي المؤرّخ البريطانيّ الشهير؛ حيثُ يعتقد توينبي أنّ موتَ الحضارات ليس أمرًا حتميًا لا مفرّ منه، ويقول في بعض مؤشّرات نظريّته المعروفة بالتّحدّي والاستجابة[35] عن الحضارات:

إنّ الحضارة إذا تغلّبت على التّحدي، يمكن أن تمضي في الطّريق من جديد، ويمكن أن تنسحب وتعود مرّة ثانية، أو يمكن أن تتجمّد إلى أن يشاء الله لها الحياة أو السّكون أو الموت؛ ولكنّ الموت ليس حتميًا[36].
بالمناسبة قد ينفعكم أن تعرفوا أنّ أشهر ما قاله أرنولد عن الحضارات هو نظريّة التحدّي والاستجابة، بالنسبة له فإنّ الحضارات تقوم وتصعد استجابةً لتحدّيات مُعَيّنة؛ سواء أكانت مادّيّة أم اجتماعيّة. وفي تحليله، أنّ الحضارة، عندما تصل إلى مرحلة تعجز فيها عن الاستجابة للتحدّيات الّتي تجابهها، فإنّها تدخل في مرحلة الانهيار، لكنّ سؤالاً كبيرًا يطرح نفسَه هنا بقوّة، ألا وهو: ما الّذي يجعل حضارةً تعجز عن الاستجابة للتّحدّيات؟
في رأي أرنولد توينبي، أنّ السبب الأساس لهذا العجز عن الاستجابة هو عندما تفقد الحضارة قوّتها الأخلاقيّة والقيميّة والرّوحيّة؛ أي عندما تشهد انهيارًا قيميًا وأخلاقيًّا ودينيًّا. في تحليل توينبي إنّ هذا الانهيار القيميّ والأخلاقيّ والدينيّ يقود إلى الجمود وإلى العجز عن الابتكار والتجديد والإبداع، ومن ثمّ العجز عن مواجهة التّحدّيات. حين يحدث هذا تشهد الأمّة أو الحضارة ما يسمّيه توينبي شرخ في الرّوح يقود إلى موت القدرة الرّوحيّة والأخلاقيّة على الإبداع والتجديد ومجابهة التحدّيات.

وهو بناء على نظريّته هذه، يقسّم مراحل تطوّر الحضارات إلى خمس مراحل. ونلاحظ تأثّره الشّديد هنا بالتّقسيم الّذي قدّمه ابن خلدون في مقدّمته:
1 - مرحلة الميلاد والنشأة.
2 - مرحلة الازدهار والتوسّع السريع.
3 - مرحلة الجمود والعجز عن التّطوّر والإبداع والتجديد.
4 - مرحلة الانحلال والتدهور الأخلاقيّ.
5 - مرحلة السّقوط والإنهيار.

إذًا، جوهر نظريّة توينبي يقوم على أنّ الأمم والحضارات تموت أساسًا بسبب عوامل داخليّة. وفي القلب من هذه العوامل الداخليّة انهيار القيم والقوّة الأخلاقيّة. ولقد لخّص هو بنفسه القضيّة برّمتها في عبارة بليغة حقًّا، عندما قال: الحضارات لا تموت قتلاً، وإنّما تموت انتحارًا[37].

هذا، ومن جهة أخرى نلاحظ أنّ القيم الطبيعيّة لها طابع إنسانيّ وفطريّ، وهذه الخصوصيّة هي الّتي تؤهّلها لتلعب دورًا إنقاذيًّا للحضارات. وأغلب الظنّ، أنّ السعي لأنسنة القيم[38] الإسلاميّة الإلهيّة وعَقْلَنَتها ستنفعنا أكثر بكثير من أن نحاول أَسْلَمَة القيم القائمة والتماس النصوص الإسلاميّة لها؛ لأنّ الإسلام حقيقة إلهيّة نازلة من السّماء عبر الوحي إلى الإنسان والأرض. عليه، في الحقيقة إنّ القيم الوحيانية الربّانيّة تنزّلت، فباتت قابلةً ليعيها الإنسانُ ويُدركها في حياته، ويتعقّلها نحو تطبيقها. فلا يمكن لأيّ حقيقة دينيّة أن تتحقّق على الأرض إلاّ إذا صارت ممّا يصطاده الإنسان بفهمه وعقله، مُدركًا أنّها نزلت لتحقيق مصالحه.

وفي ضوء ذلك، فبدلاً من أن ننقل المنهجيّة القيميّة الغربيّة إلى داخل عقولنا ومجتمعاتنا، ومن ثمّ نسعى لإضفاء الغطاء الشرعي الإسلاميّ عليها - وهي أصلاً نشأت في ظروف حضاريّة وثقافية ومجتمعيّة متباينة مع أوضاعنا - ثمّ نسمّي عملنا هذا بالأَسْلَمَة! علينا أن نعيد صياغة نظامنا القيميّ المتطابق مع مبادئنا الفلسفيّة الدينيّة، والمتلائمة مع مقاصد شريعتنا، وفي الوقت نفسه دعوها لتكون عمليّة في منتهى المرونة وغلبة البعد الإنساني الموضوعيّ ورامية إلى معالجة الحياة وواقع الإنسان والعالم المعاصر.

غير أنّنا نستطيع القول جزمًا، إنّه من الممكن أن نفكّر في استحضار القيم الإسلاميّة بمواصفاتها وخصائصها التي سنذكر بعضها بعد قليل إلى خضمّ الحياة المتفاقمة اليوم، وندرس خيوطَ العلاقة بينها وبين العقل والواقع، ونثبت بالأدلّة البحثيّة أنّ العلوم الإنسانيّة لو اندمجت منهجيّاتها مع الأخلاق والقيم بالمعنى الّذي يُراد في منظوماتنا المعرفيّة الإسلاميّة؛ ستكون النتائج على الواقع كبيرة جدًّا.

عليه، فعندئذٍ ستشهد المجتمعات المعاصرة نموذجًا آخر للتنمية والتطوّر الحضاريّ في الصُّعُد كافّة، دون أن تستمرّ الكوارث هذه على الحياة. وهذا هو ما أسمّيه هنا بعمليّة تَخْليق الواقع وأَنْسَنَة الأخلاق الإسلامية. وكلتا المهمّتين لهما أهمّيّة بالغة؛ لأنّ الواقع اليوم غيرُ أخلاقيّ أو غير متخلّق، والإنسان اليوم لا يبحث عن تنمية النفس وتهذيبها من التلوّثات والانحرافات والاعوجاجات المدمّرة والساحقة.

بناءً عليه، فيجب العمل على جعل المسار الواقعي للحياة مسارًا متخلّقًا.

ولكنّنا من جهة ثانية، لا نشعر أنّ هناك تطويرًا حقيقيًّا في علم الأخلاق عندنا؛ لأنّ الدرس الأخلاقيّ الحوزويّ مثلاً، درس لا يخضع لاعتبارات الاجتهاد العلميّ الجادّ، ولا يقع فيه شيء يُذكر من الإبداع والتطوير في مفاهيمه ونظامه المعرفيّ؛ ليصبح درسًا يُعالج حياة الإنسان المعاصر، ويسعى لتخفيف آلامه من التداعيات والانهيارات المتنوّعة في المجتمعات الحديثة.

في الحقيقة، إنّ الدرس الأخلاقيّ الإسلاميّ؛ ليُصبح درسًا جادًّا قادرًا على التأثير في حياتنا اليوميّة، ينبغي له أن يلقى شيئًا ممّا يحظى به الدّرس الفقهي من الاهتمام والتركيز. والمطلوب أن تتداخل المسألة الأخلاقيّة مع إشكاليات المعرفة والعيش والواقع، وأن يتحوّل هذا الحقلُ سؤالاً ملحًّا عصريًّا حسبَ تعبير الدّكتور طه عبدالرّحمن الفيلسوف المغربيّ في كتابه الهامّ «سؤال الأخلاق».

إنّ الأخلاق بالطريقة التقليديّة الموجودة في بعض مصادرنا ينقصها الكثير لتصلح أن تكون أساس العمليّة، وليست مضاميننا الأخلاقيّة ومنهجيّة التفسير والعرض تفي بهذا الغرض النبيل الهامّ. من هنا، ولكي تكون الموادّ القيميّة الإسلاميّة صالحة لإقحامها في عمليّة صياغة المعرفة بطريقة منهجيّة، ولأجلِ أن تكون ملائمة لتُعْتَبر أساس السلوك الإنسانيّ الفردي والاجتماعيّ الشامل، يجب القيام بتطويرها، والكشف عن مقاصدها، وتفسيرها تفسيرًا عصريًّا، وإعادة صياغة مسائلها وتنظيمها من جديد؛ من منطلق المسائل المعاصرة؛ وطبيعة متطلّبات الزمان والمكان.

 كما أنّ تطوّرات هائلة ينبغي لها أن تقع في نَسَق العلاقة بينها وبين غيرها من الحقول المعرفيّة الدينيّة، كالفقه بكلّ شعبه الفردية والاجتماعيّة، العباديّة والسياسيّة، وغيرها، أيضًا في علاقتها مع علم الكلام والعقيدة؛ لأنّه لا يمكن التوخّي من القيم الإسلاميّة أن تحدث معجزة لولا أن يتمّ هَيْكَلَتها وإعادة بنائها وفقًا لمسائل عصرنا. ولا يُمكن أن نتوقّع منها معالجةَ أَزَماتنا قبل أن ترجع إلى مكانتها الطبيعيّة داخل المنظومة المعرفيّة الإسلامية. كيف يُمكننا أن نعرض القيم هذه على العالم وهي في داخل المنهجيّة الإسلاميّة أيضًا (مع الأسف كما في مناهج الغربيين) علم الأخلاق غريب ومهمّش؟

أليس من المشروع أن نتساءل، كيف أنّ فرعًا فقهيًّا يستنفد الطّاقة الهائلة من المجتهد المسلم درسًا وتنقيبًا وبحثًا مستخدمًا كلّ أدوات النّظر والتّحقيق ومستنفدًا الجهود الجبّارة في الوصول إلى الحكم الشرعيّ، ولكنّ الأخلاق، رغم أنّها ينبغي أن يُعترف بها غايةً للفقه نفسه، وفلسفةً لِبَعثة النبّي كما نعلم جميعًا، غير أنّها لا يتمّ درسها بالطّريقة المنهجيّة والاجتهاديّة في الحوزات العلميّة؟ وما الدّاعي إلى حكر الاجتهاد في الفروع الدينيّة؟ أليست الحاجة إلى تفسير الحكم الشرعيّ هو سبّب توسيع رقعة العمل الإجتهادي الفقهي في الظروف المستجدة والمستحدثات؟ وهل نشكّ في أنّ إشكاليّات العالم اليوم وأزمات إنسان عصر النّهضة والتقنيات وتعقيداته، واقع في مستنقع الفساد الأخلاقيّ والفقر الإيمانيّ والروحانيّ أكثر من أي موضوع آخر؟ يبدو لي أنّنا لا نزال متردّدين في أنّ الأخلاق في أهمّيّتها وتأثيرها متقدّمة على الفقه. وأنّ الأخير هو أساس لِتحقيق الأوّل، ولا قيمة له لولا يكون ضمنَ نطاق تهذيب النفس، وتربية الباطن، وتوسيع الفضائل.

إذًا، نقول بصراحةٍ كاملةٍ: إنّ الظروف هذه تقتضي أن نعلم بدقّة علميّة واجتهاديّة أيضًا دورَ القيم والأخلاق في التشريع الإسلاميّ بطريقةٍ منهجيّةٍ أوّلاً، ومن ثمّ نتعرّف على السُّبُل العلميّة للتعامل الطبيعيّ العلميّ مع الأبعاد الواقعيّة العقليّة الإنسانيّة في الحياة.

و يصحّ التّأكيد هنا للقول: إنّ تفعيل الأخلاق والقيم الإسلاميّة في ساحات الواقع وأنظمة الحياة تستدعي إعادة بناء الاجتهاد الإسلاميّ أوّلًا؛ لأنّ مشكلة تهميش الأخلاق في العمليّة الفقهيّة التقليديّة أمر مُؤكّد وتَخليقُ الفقه أيضًا أمر لا بدّ منه. ولولا نبادر إلى هذه العمليّة فلا الأخلاق ستدخل في حياتنا من بوّابة الشريعة وستظلّ في الهامش، ولا الفقه سيكون قادرًا على تحقيق أهداف أبوابه وأحكامه تكليفًا ووضعًا[39].

 وفي ضوء ذلك، -ولله الحمد- نجح بعضُ العلماء المعاصرين في وضع التنظيرات الأوّليّة في السّياسة الإسلاميّة وتطوّر الفقه السياسيّ، إلّا أنّ سؤالاً مُلحًّا يطرح نفسه هنا وهو: هل الفقه السياسيّ الّذي قمنا بالمقاربة نحوه، فيه العناصر القيميّة الأخلاقية الكافية ضمانًا لأخلاقيّة التجربة السياسيّة الدّينيّة وحتى لا تقع التجربة السياسية الدينيّة في ضوء الثورات العربية المباركة هذه في أزمات التجربة الغربية نفسها الفاقدة للمشروعيّة الأخلاقيّة والقيميّة؟

 أقول هذا لأنّي أشعر أحيانًا أنّ العقل الإسلاميّ السياسيّ المعاصر يهتمّ بالجانب الحضاريّ والأسباب المادّيّة أكثر بكثير بالجانب الأخلاقيّ والقيميّ للتجربة الإسلاميّة، وهذا بالفعل مخيف أن نلاحظ تربية أجيال مسلمة تفهم السياسة أكثر من الأخلاق، وتقرأ الدين من نافذة السياسة فحسب، مع أنّ الفلسفة الحقيقيّة للحضارة والدولة في الفكر الإسلاميّ ترجع إلى بسط العدالة، ونشر القيم، وتوطيد الأخلاق في النفوس، كما أنّ النبيّ الكريم أُرسلَ ليُتَمّمَ مكارم الأخلاق. وأيّ قيمة للسياسة الإسلاميّة لو لا يكون أخلاقيّ المضمون، وقيميَّ المحتوى، وربّانيَّ المقصد؟

الخصائص العامّة للنّظام الأخلاقيّ القيميّ البديل في الإسلام:

رغمَ أنّنا نلاحظ عددًا كبيرًا من المدارس والمذاهب الأخلاقيّة وفلسفات مختلفة، بل متباينة أحيانًا، غير أنّنا في الوقت نفسه ومن خلال دراسة مقارنة في المبادئ النّظريّة الفلسفيّة بين الفكر الأخلاقيّ الإسلاميّ ومصادره، وأدوات تقييمه، ومَعْيَرَته، وكذلك نوعيّة الإلزامات الأخلاقيّة فيه، نجد أنّ المدرسة الأخلاقيّة الإسلاميّة تتّسم بسمات وصفات مُعَيَّنة تميّزها عن غيرها.

هذه الميّزات الدينيّة تتغذّى من اختلاف تفسير الوحي الإلهي والفلسفة الإسلاميّة للّه، وللإنسان ونفسه، وللمعرفة ومنهجيّتها، وللمجتمع وطبيعة أنظمته وأجهزته، وهي وليدة المعنى الّذي يعتمدون عليه للحياة والوجود.

عليه، فهذه العناصر جميعها ساهمت في إحداث فوارق واضحة بين المدرسة الأخلاقيّة الإسلاميّة، وغيرها من المدارس المتأسّسة على أصالة اللّذة[40]، أو أصالة المصلحة[41]، أو أصالة الواقع[42]، أو أصالة الفرد، أو أصالة المجتمع، أو أصالة الحسّ والتجربة، وهكذا بإمكاني أن أؤكّد، أنّنا نملك بِعَدَد الفلسفات البشريّة كلّها، مدارسَ ومذاهبَ وتفاسيرَ أخلاقيّة، فبالتالي، أنظمةً أخلاقية هنا، وباختصار شديد نستعرض بعض هذه الخصائص:

المقاصد التوحيديّة الإلهيّة[43] والتعالي الوجوديّ أساس النظام القيميّ في الإسلام:

من أعظم ما ابتليت به الحضارة الغربيّة والمفاهيم القيميّة فيها أنّها ليست لها وُجهة غير مادّيّة ولا ترتكز إلاّ على المقاصد المادّيّة، والّتي ترجع في آخر المطاف إلى الغرائز الإنسانيّة؛ لأنّ الفكر التربويّ والاجتماعيّ لا يعترف بالخير والشرّ إلّا ضمنَ المنظومة الحسّيّة البراجماتيّة.

بناءً على ذلك، فإنّ القيمة لا تتّسم بالوجهة والمقصد المتعالي عن الحياة المادّيّة.

 إلى هنا فإنّ الأمر طبيعيّ بالنظر إلى الفلسفة الوضعيّة في الغرب (وفيما بعد في أغلب الأنظمة الاجتماعيّة في العالم) غير أنّ المشكلة لها أبعاد أعمق من هذا بكثير؛ لأنّ النّظام الأخلاقيّ الشّخصيّ لن يقدر على التحكّم بالوضع الاجتماعيّ ولن تساهم بقوّة في ضبط السلوك الاجتماعيّ والسياسيّ. عليه، فينتشر في المجتمع النزعةُ الماكيافيليّة التبريريّة البراجماتيّة. فلا يفكّر أيّ نظام سياسيّ واجتماعيّ في انتهاج سياسات أو مخطّطات تهدف إلى تعزيز القيميّة والأخلاقيّة في السلوك الإنسانيّ الفرديّ أو الاجتماعيّ.

والقيمة عندهم أمر حسّيّ مادّيّ نسبيّ، وفي حال القبول بوجود مستوى معيّن من القيم الأخلاقيّة غير المادّيّة إلّا أنّها لا ترتبط بمبادئ علياء في منظومتهم المعرفيّة والعلميّة، ومن ناحية أخرى فإنّها تذبل في الحياة على أثر مركزيّة الأنظمة الوضعيّة المادّيّة في المجتمع، وهو ما يُضعف التوجّه الدينيّ المسيحيّ أيضًا، كما أنّ التناقضات القائمة بين القيم الدينيّة والمنهجيات الوضعيّة من جهة وتكريس العلمانيّة المعترف بها في الفكر المسيحيّ من جهة ثانية، أحدثَ فَجَوات خطيرة بين النظامين فانهارت منظومة القيم المتعالية (المترابطة مع التفسير الدينيّ المسيحيّ للقيم) في صراع القيم الماديّة والدينيّة.

ولكنّ المقاصد الإلهيّة هي المستوى الأعلى في تحفيز الإنسان نحو العمل، وهي الأساس في تشكيل السلوك ومنحها الخصائص. إنّنا في الفهم الإسلاميّ نسير نحو الله والمقصد هو اللقاء معه، أيضًا إنّ ألفاظًا مثل: وجه الله، سبيل الله، لله، في الله، الاحتساب عند الله، رضى الله، قربةً إلى الله، وما إلى ذلك من مفردات كثيرة جدًّا كلّها تتحدّث عن ضرورة تحديد وجهة العمل الإنسانيّ. وهذا مبدأ ثابت ومحسوم في القيم الإسلاميّة. وهو أمر نلاحظه في الآيات القرآنيّة والنّصوص الروائيّة بكثافة:

(إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ)[44].

(قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ)[45].

(قُلْ إِنَّ صلاتى ونُسكِى ومحْيَاى ومَمَاتى للَّهِ رَب الْعَلَمِينَ)[46].

(قُلْ أَ غَيرَ اللَّهِ أَبْغِى رَبًّا وهُوَ رَب كلِّ شىْءٍ ولا تَكْسِب كلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيهَا ولا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلى رَبِّكم مَّرْجِعُكمْ فَيُنَبِّئُكم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تخْتَلِفُونَ)[47].

(قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ)[48].

(وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً)[49].

(قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً)[50].

(تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ)[51].

(الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَاأَنفَقُواُ مَنّاً وَلاَ أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌعَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ)[52].

(إِنَّمَا نُطْعِمكُمْ إِذَا هُمْ أَطْعَمُوهُمْ لِوَجْهِ اللَّه يَعْنُونَ طَلَب رِضَا اللَّه وَالْقُرْبَة إِلَيْهِ)[53].

التدبّر في هذه الآيات وهي قليل من كثير، يفتح آفاقًا واسعة أمامنا لنعيَ كيف أنّ النوايا والقصد ستؤثّر في شخصيّة العامل، وفي نوعيّة العمل وما يترتّب عليه من آثار جسيمة. في الحقيقة، إنّ الأعمال بقدر بُعدِ مقاصدها وعُلُوّ همّة فاعلها، ستكون في الواقع وتتجسّد في الحياة. وإنّ الأعمال تتسّم بسمات القصد الّذي وراءها. ومن الطبيعيّ ألّا يبلغ العمل المادّي مع مقاصد حسّيّة دنيويّة محدودة، كلَّ مَدَياته، ولا يقدر على أن يستنفد كلَّ طاقات الإنسان؛ لأنّ المرء في الغالب، يبذل جهدَه بقدر العزيمة وبالتناسب مع النيّة. فبقدر النيّة يرتفع مقام العمل، إن كان الله أو المطلقُ المتعالي صاحبُ الصفات الجماليّة والجلاليّة هو الهدفَ والمبتغى وهو القصدَ النّهائيَ ورضاه هو الأصلَ، فلا بدّ للعمل أن يأتي بأقصى ما يمكن أن يمنحه الفاعل من جهد وطاقة وأن النّجاح فيه يقوى. وإنّ المقاصد الآنيّة المادّيّة العاجلة لن تفرز إلاّ ما يصلح للاستهلاك في الأمد القريب. ولن تحظى بنوعيّة عالية. إذًا، إنّ القيم ومن جملتها هذه القصديّة المتعالية ليست عناصر بعيدة عن الواقع والأمر الموضوعيّ. وهو على خلاف المنهجيّة الغربيّة التي استبعدت القيم باعتبارها خصائص الشخص وغير فعّال في بنية العمل الاجتماعيّ أو مصير الأمور. والقصديّة الإلهيّة في الفكر الإسلاميّ يصل مستوىً يقول فيه النبي الأكرم: [إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَإِنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى][54]. أي أنّ قيمة الإنسان هي بقدر ما ينويه وليس بقدر ما يصدر منه من أفعال. قيمةُ الإنسانِ في فعل قلبه لا في عمل أركانه وجوارحه.

بناءً عليه، فإنّ النيّة الحسنة والإخلاص لله في العمل ليس حسنة تنفع المؤمنين في يوم القيامة فحسب، وإنّما عنصر أساس سيساهم بقوّة في تعزيز العمل ورفع مستوى نوعيّته في الدنيا أيضًا. وفي ضوء ذلك، علينا أن نعزّز الواقع الإنسانيّ في كلّ أبعاده وجوانبه من خلال تحسين النوايا وتمتين المقاصد وتوجيهها نحو آفاق غير مادّيّة بحتة.

 والقيم التي تتفاعل مع النفس والضمير أوّلاً هي عامل حاسم في طبيعة الحياة التي يصنعها الإنسان. وهي ينبغي أن تكون من مقوّمات الفعل الاجتماعيّ ومن أركان المعرفة الإنسانية في جميع الأنظمة البشرية.

من هنا، يجب الالتفات إلى أهمّيّة أن يعيش الإنسان ذكر المعاد والموت[55]؛ لأنّه أمر يُحدث في النفس اعتدالاً في الحياة[56]، ويمنعه من أن يَطغى[57] ويفجر[58] فيسحق نفسه ويُهلكَ محيطَه أو يقع فريسة الشهوات[59] وهي أساس عدد كبير من الاضطرابات النفسيّة والاجتماعيّة. كما أنّه من الثابت في الفكر الإسلامي، أنّ الإنسانَ الذّاكر للموت هو أقلّ خطرًا على نفسه ومن حوله وما يحيط به، وإنّ الإنسان المتذكّر ليوم الحساب والذي يرى أنّ ما يفعله من ذرّة خير أو من ذرّة شرّ فإنّه سيلقاه يوم الحساب، وأنّه مسؤول أمام ربّ العالمين لما يصدر منه وإنّه تعالى يكتب ما يفعل وآثار أفعاله.

ومن المؤكّد أنّ التقوى والزهد الحقيقيّ، وصدق النيّة والوجهة الإلهيّة في حركات الإنسان والمجتمع سيكون فعّالاً جدًّا في عرقلة بل منع أيّ عمل إفساديّ وساحق للمجتمع. إنّ التأثير الردعيّ لحسن السيرة وسلامة الباطن عن خراب المجتمع وفساد الاقتصاد، وهلاك الإنسان هو تأثير محسوم وحتميّ تمّ اختباره في أرض الواقع. علمًا أنّه لم تندلع حرب في أيّ نقطة في العالم وفي أيّ حقبة من التاريخ على يد إنسان زاهد وطاهر وصاحب مقاصد إلهيّة حقيقيّة. وأغلب الحروب المدمّرة في القرون الماضية اندلعت على أثر شهوة في السلطة، أو رغبة في المال أو نزعة شيطانيّة نحو إسقاط الآخر وسَحْقه.

في الحقيقة، لو نظرنا إلى بنية الفكر الأخلاقيّ والنظام القيميّ الإسلامي، لوجدنا أنّ الإسلام في مشروعه الإصلاحي يكرّس مبدأ حاكميّة الأخلاق على الميادين الأخرى. ما يعني أنّ تخليق المجتمع والفرد هو الهدف الأسمى بين مقاصد الشريعة. وهذا لا يمكن أن يتحقّق في غياب الإخلاص والنيّة؛ لأنّ الترشيد الأخلاقيّ ليس من مقولات الكمّ وإنّما من قضايا تخصّ الطبيعة والباطن الإنسانيّ وهو أمر يبلغ التشخّص الحقيقيّ عبر التهذيب والتزكية وتحلية النفس بالقيم والأخلاق.

وباختصار، يمكننا القول إنّ المقصد التوحيديّ سيوجّه الإنسان في نظام أخلاقيّ منسجم تنتهي جميع أبعاده إلى الله الواحد القهّار. وهي ميّزة هائلة الدلالات تنقذ النظام الوجودي البشري وحياته الفردية والاجتماعية من أن تقع فريسة مصالح الأرباب المتفرقين! لأنّ المنظمات الّتي لا تتمركز حول محور موحّد ستتحول إلى عنصر تدمير من الداخل يومًا ما من خلال تكاثر التناقضات والتباينات. ولعلّ الآية تشير إلى هذا المعنى: (يَـٰصَـٰحِبَيِ السِّجْنِ ءَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْوَحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِن‌دُونِهِ إِلآ أَسْمَآءً سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وءَابَآؤُكُم ‌مَّآ أَنزَلَ اللَهُ بِهَا مِن‌سُلْطَـٰنٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لله أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوٓا إِلآ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)[60].

والآية : (أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا)[61].

هذه الآيات وعشرات من أمثالها تؤسّس لمركزية الله سبحانه وتعالى في التوجّه المقصدي في الأخلاق، أي ليس يجب أن يكون المقصد هو غير مادّيّ وغير ذاتيّ، بل ينبغي أن يكون المقصد هو الله بإخلاص دون أن يكون لأي شيء آخر أيّ مدخليّة (شِرْكيّة) في العبادة والقصد، أي، يجب أن يكون الإنسان مخلصًا له في حياته. هنا تقع الآثار الهائلة على هذا التوجّه نحو الله[62]، والفرار إليه[63]، والاستعاذة به[64]، الانقطاع إليه[65]، والتوكّل عليه وحده، ورفض الشرك به، وإنّ هذه الآثار ستنعكس على نوعيّة سلوك الإنسان ومقاومته أمام الأهواء وممانعته من أن يقع في سلوكيّات غير أخلاقيّة ومعاكسة للقيم؛ لأنّ مصدر الإلزام هو الله تعالى ولأنّ النفس الإنسانيّة ستنتفع من جرّاء هذا الإخلاص لله أكثر من أيّ ثمار مادّيّة في الفلسفات المادّيّة.

أرقى نظريات الإلزام (obligation) وأكثرها فعّاليّة في الردع وتكريس المسؤوليّة:
من القضايا الهامّة جدًّا في الفكر الأخلاقيّ الدينيّ هو أهمّيّة بل مركزيّة الإلزام والتعهّد في المنظومة الحقوقيّة والقانونيّة، ولكنّ هذه الحالة والقدرة تنشأ من النفس والقدرة الباطنيّة على الارتداع والامتناع قبل أن يتحقّق تحت وطأة القانون والشرطة من الخارج.

مع أنّ الأنظمة والمذاهب الأخلاقيّة جميعًا؛ تستند في نهاية الأمر إلى فكرة الإلزام وحسب قول الدكتور درّاز[66]:
«وهو القاعدة الأساسيّة والمدار، والعنصر النووي الّذي يدور حوله كلّ نظام أخلاقيّ، وبدونه لا معنى لجوهر الحكمة العمليّة ذاته وفناء ماهيّتها، ذلك أنّه إذا لم يكن هناك إلزام فلن تكون هناك أيّ مسؤوليّة، وإذا عدمت المسؤوليّة، فلا يمكن أن تعود العدالة؛ وحينئذٍ تتفشّى الفوضى، ويفسد النظام، وتعمّ الهَمَجيّة، لا في مجال الواقع فحسب، بل في مجال القانون أيضًا، وطبقًا لما يُسمّى بالمبدأ الأخلاقيّ»[67].

والغريب، أن يسعى البعض لطرح فكرة أخلاقيّة أو نظام قيميّ بلا إلزام! مع أنّ النظام الأخلاقيّ والقيميّ لو يخلو من أيّ إلزام فهو يناقض نفسه ولا يمكن أن يشكّل في الإنسان عامل ردعٍ على الإطلاق. لكنّه وبغضّ النظر عن أصل الإلزام وهو الأساس في إيجاب روح المسؤوليّة والشعور به أمام الآخر وبل أمام النفس وأمام الله، غير أنّ هذه الإلزاميّة النفسيّة قد تتحوّل في بعض مراتبه إلى التصنيف الثلاثيّ المعروف للنّفس: اللوّامة، والمطمئنّة، الأمّارة؛ وهي كلّها تنشأ عن وجود شعور داخليّ في الإنسان تجاه الخير والشرّ سواء كان هناك قوانين وروادع ونواهي وأوامر خارجيّة أم لا. فهناك عشرات الآيات تؤكّد هذه الحقيقة بأنّ الإنسان كائن مختار، فيأخذ الحق أو يذره عن وعي ومعرفة وشعور وإرادة.
وعليه، فقيام الإنسان بفعل قيميّ أخلاقيّ في الفكر الإسلاميّ يعني أنّه يُحقّق نفسه وذاته ويتحرّك ضمن عناصر الانسجام مع نفسه، كما أنّ ارتكاب السوء يأتي مناقضًا للنفس وفاعله يشعر أنّه يعادي ويخاصم ذاته وينقلب عليها، لذلك ينشأ حالة وخز الضمير ولوم الذات (اللوّامة)، في بعض الحالات وهي أقوى حالة الرّدع والمنع للإنسان؛ لأنّ أثر الواعظ النفسي أقوى من الناصح الخارجي والرادع القانوني مثلاً. إذًا، ليس الميزة الأساسيّة هي تواجد الإلزام هذا، وإنّما نوعيّته الفعّالة والمتميّزة عن مفهوم الإلزام في المدارس الأخلاقيّة الأخرى[68].


----------------------------------
[1]*ـ باحث في الفكر الإسلامي والمستشار الأعلى لرئيس جامعة المصطفى العالميّة، وعضو الهيئة العلميّة في الجامعة ـ إيران.
[2]- يُلاحظ نوع من العفويّة وعدم الدقّة في استخدام المفاهيم والمصطلحات في أوساط الباحثين والكتّاب. وهو يرجع إلى ضَآلة المعلومات والثّقافات المرتبطة بتاريخ تكوّنها والحدود المفهوميّة الدقيقة لِكلّ مفهومٍ ولكلّ مصطلح. فلا شكّ في أنّ الدلالات الحقيقيّة للمصطلحات في فهمها وتفسيرها وبالتالي استخدامها، لها ارتباط وثيق بمدى إلمامنا بِمناشئها وجذورها الحضاريّة والثقافيّة. عليه، فإنّ الجهل بهذه الظروف ومُلابسات التأسيس أو استعمالها في إطار عامّ من الدلالة سَيُحدث حالات سوء فهم وارتباك التفاهم بين الأطراف. لذلك، كلّما حرصنا على الرؤية المنظومَويّة النظريّة الشاملة؛ القدر نفسه، علينا أن نضع لمفاهيمنا أنظمةً وشبكاتٍ معنويةً دلاليّةً دقيقةً عبرها نستطيع فهمَ الوجوه المعنويّة الدلاليّة المميّزة ووجوهَ الفوارق بين مدرستنا الفكريّة وغيرها؛ لأنّ المدارس الفكرية الفلسفيّة والدينيّة المختلفة لا تختلف كثيراً وبشكل جوهريّ على المعاني العامّة للمفاهيم والمصطلحات، وإنّما الفرق الحقيقي يظهر في المناطق البعيدة عن الدلالات المركزية والمعاني الفِطريّة اللغويّة لها. فعلى سبيل المثال، نلاحظ أنّ الكثيرين يستخدمون الليبراليّة أو العلمانيّة أو الديمقراطيّة ظنّاً منهم بأنّ لها معاني مشتركة متطابقة، والحال، أنّ الاختلافات الدقيقة في البنية الفلسفيّة الفكريّة التي بُنيت عليها هذه المصطلحات هي الّتي تحتملها هذه المصطلحات في طبقات دلاليّة خافية، فعلى سبيل المثال، دلالات فلسفة الأنسنة أو الإناسة الغربيّة التجريبيّة الوضعيّة هي من العناصر البنيويّة المشَكِّلة لها. عليه، فإن أحببنا أن نستخدم مصطلحاً معيّناً للتدليل على الحريّة ومركزيّة مفهومها في مدرستنا الفكريّة الإسلاميّة، علينا أن نتجنّب لفظة الليبراليّة للدلالة عليها وإنّما الأفضل أن نستعمل كلمة الحريّة نفسها. على كلّ حال، إنّ حروباً فتّاكة قد حصلت في التاريخ على تفسير بعض هذه المصطلحات وتحديد نطاقها المفهومي والنزاع العنيف على النطاقات المعنوية لها. فينبغي لنا في مقام التنظير أن نلتفت إلى هذه المعضلة والإشكاليّة، ونبني النظريّات على الشباكات المعنوية والدلالية الراجعة إلى مدرسة الذّات وليس الغير.
[3]- relativism
[4]- العقل الأخلاقي العربي، محمد عابد الجابريّ، ص11. من الملفت نوعية النقد المنهجيّ الذي يقوم به في الكتاب على المصادر الأخلاقيّة الأساسيّة، حيث يعتبرها غير مؤهّلة لتقديم المناهج والأنظمة (النّظم) الأخلاقية القيميّة المعاصرة. من جملة ما يثيره عليها أنّ بعض هذه المصادر تتبع المنهجية الفلسفيّة وعلى طريقة مسكويه. على كلّ حال، وليس المجال هنا لإثارة الملاحظات على المصدر هذا؛ لأنّ ما يقدّمه الجابري هنا من شأنه أن يستفزّ الكثيرين ويُثير عواصفَ من النقد المعاكس. ولكنه في كل الأحوال، مصدر هامّ يساعد الباحث عن إشكاليات المنظومة الأخلاقيّة الإسلاميّة في الطرح المعاصر.
[5]- Philosophical Critical Movement
[6]-  فيما بعد أخذت هذه الحركة النقديّة طابعاً أكثر انتظاماً وانسجاماً تحت عنوان عامّ هو «فلسفة ما بعد الحداثة» وطالت هذه الفلسفة كل أبعاد الحداثة، فسعى أصحابها والموالون لها لِبِناء اقتصاد ما بعد حداثيّ، وثقافة ما بعد حداثيّة، وفلسفة ما بعد حداثيّة، وفنّ ما بعد حداثيّ، وما إلى ذلك من فروع التفكير ما بعد الحداثيّ.و اليوم بعد التداعيات الخطيرة على العالم من جرّاء الفكر الحداثيّ نلاحظ ما يشبه نهضة ما بعد حداثية عالميّة يساهم فيها المسلمون بقوّة تمثّل الدعوة إلى تخليق الحياة و الالتزام القيميّ والأخلاقيّ بالفضائل والعدالة والمساواة مركزاً لها.
[7]- Post Modern Philosophies
[8]- positivism
[9]- Logical Positivism
[10]-  إقصاء التوجّه المعياريّ في المعرفة الإنسانيّة فتح الطريق أمام إباحيّة سلوكيّة في حياة الإنسان؛ لسبب أنّ علوم الإنسان خلت كليّاً من أيّ توجه معياري وتَوْصَويّ، واكتفت مناهج العلوم الإنسانية (الاجتماعية) بتوصيف الظواهر والوقائع، ولم تعترف أصلاً بصلاحيّة مطلق العلم والمعرفة  في توجيه الينبغيّات (ما ينبغي للإنسان في مجال من مجالات الحياة)، عليه فاقتصرت مهامّ هذه العلوم بدرس الظواهر والسلوك وجذورهما وآثارهما في واقع الحياة وكلّ ذلك بالاستعانة من المنهج الطبيعيّ الحسّيّ التجريبيّ!. لمزيد من التفصيل في إشكاليّات إهمال التقييم والمَعْيَرة في المناهج البحثية في الغرب بإمكانكم الرجوع إلى: أمزيان، محمّد، تلازم  الموضوعيّة والمعياريّة في المثودولوجيا الإسلاميّة، مجلّة المسلم المعاصر، العدد 59، ص 57.كذلك راجع: منهج البحث الاجتماعيّ بين الوضعيّة والمعياريّة، أمزيان، محمّد، المعهد العالميّ للفكر الإسلامي،2008 م، ط 1، الولايات المتحدة الأميركيّة.يبدو لي أنّ هذا الكتاب الأخير من أحسن ما كتب بالعربيّة في النقد الإسلاميّ للمناهج المعرفيّة الغربيّة للعلوم الإنسانيّة وبالذّات فإنّ الباب الثالث منه ينطوي على موضوع: إسلاميّة العلوم الاجتماعيّة والضوابط المنهجيّة للبحث الاجتماعيّ، وهو ما نحن بصدد تأكيده في هذه المقالة.
[11]- الجابري، محمّد عابد وآخرون: دروس في الفلسفة لطُلّاب البكالوريا المغربيّة، لا ط، الدار البيضاء، دار النشر المغربيّة، 1971، ص36. وهذا النصّ من الجابري كلام خطير جدّاً لا يمكن الدفاع عنه في تشويهه لصورة النصوص الدينيّة وهنا ليس المقام ملائماً للردّ عليه وتأكيد الثراء العقليّ والمنطقي البرهانيّ للنصّ القرآنيّ حتى مع تحكيم المنهجيات الحديثة. لكنّنا هنا أتينا بهذا النّص ليُعلم أنّ المسلمين أنفسهم لم يعملوا على صياغة منهجيّة علميّة تثبت البعد المعرفيّ في النّص الديني دون أن يعني ذلك نفي الأبعاد الإيمانيّة والرغبة في عقلنة النص، وتجميد دلالاته في البعد العلميّ المحض. بيدَ أنّ نفي المعرفيّة عن النصوص الدينيّة أمر غريب مدهش بالتحديد عند انطلاقه من هؤلاء المفكّرين من أمثال الجابري.
[12]- أركون، محمّد: تاريخيّة الفكر العربيّ الإسلاميّ، ط1، بيروت، منشورات مركز الإنماء العربي، 1986، ص69.
[13]- الجابريّ، محمّد عابد: الخطاب العربيّ المعاصر، ط1، بيروت، دار الطليعة، ص36.
[14]- إشارة إلى الآية: (وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا) سورة الكهف، الآية 14 وإلى الآية : (وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ). (سورة القصص، الآية) 10.
[15]-(الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِاللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ). (سورة الرعد، الآية 28).
[16]- (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُواإِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍلِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ). (سورة الرّوم. الآية 21).
[17]- هي كلمات ومفاهيم جديدة يطرحها رُوّاد النّظام الأسري الحداثويّ! بديلاً للنظام التقليدي العائليّ كما يسمّونها!
[18]-(مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأغْنِيَاءِ مِنْكُمْ). (سورة الحشر، الآية 6).
[19]-الحر العاملي، وسائل الشيعة،ج1،، مؤسسة آل البيت لإحياء التراث،ط:2:قم، 1414 هـ، باب وجوب النية في العبادات الواجبة،ص 48 
[20]- Moralization Of Valueses
[21]- ليس المقصود من مفهوم الأنسنة هو بالتحديد ما يختزنه المعادل اللفظي في الفلسفة الغربية أي humanism أو  humanization ولكنّنا نقصد  منها هنا عمليّة مقاربة فهم الشريعة وصياغة الفكر الدّينيّ عموماً، حيث الإنسان وقضاياه وحيث متطلّبات الزمان والمكان، كما كان الإمام الخمينيّ (قده) يؤكّدها في منهاجه الاجتهاديّ باستمرار. وخلاصة الفكرة هي أنّ الأحكام الإلهيّة تنسجم بالضّرورة مع طبيعة الإنسان، وبل هي سبب تأمين حاجياته، وترشيد نفسه وإسعاد واقعه الحياتيّ، فعليه ينبغي للفكر أن ينطلق من فهمين عميقين للإنسان وللدّين معاً، وأن تبدأ العمليّة الاجتهاديّة من الواقع إلى النّص حسب تعبير السيّد الشهيد الصّدر(قده).
وكما جاء في الرّوايات الإسلاميّة :> من عَرَفَ نَفْسه فَقَد عَرَفَ رَبّه< (شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد،ج20،ص، 292،مؤسسة اسماعيليان،لا. ت) فلا يُقبل أن يتباين أيّ حكم إسلاميّ مع طبيعة الإنسان وفطرته. لكنّهم في فلسفاتهم الغربيّة المُؤَنْسَنَة يرون أنّ الإنسان هو الأساس والمحور،  وهو السقف الأرفع في إمكانيّة الفهم والمعرفة، وما يأتيه من مصادر أخرى ثمّ لا يمكن اختباره في المختبرات الحسّيّة التجريبيّة، فهو باطل لا أساس من المعرفة له!. هذا بالتأكيد كفر صريح بالله وإلحاد حقيقيّ
غير أنّ الأَنسَنَةْ إسلاميّاً نستخدمها لإلزام الخصم، وإشعاره بأنّنا في فلسفتنا الدّينيّة الإسلاميّة لا نؤمن بتشريعات غير معقولة أو غير منصبّة في صالح الإنسان وأنّ الأحكام الإلهيّة تتبع المصالح والمفاسد كلها ترجع إلى الإنسان (غير أنّ هذه الرؤية في مصلحة الإنسان تختلف جوهريّاً عن المصلحيّة والنفعيّة Pragmatism)، عليه فإنّ هذه الأنسنة الإسلاميّة) (Islamic Humanism رغمَ أنّها تؤكّد مركزيّة الإنسان أيضاً، وهي تأكيد على أنّ الإنسان هو أشرف المخلوقات وأعزّ الكائنات والله عزّ وجلّ أرسل الأنبياء(عله) وأنزل معهم الكتاب لإسعاده في الدنيا والآخرة، وهو سخّر له ما في السماوات وما في الأرض؛ إلاّ أنّ الإنسانَ ليس المصدر الأوّل والأخير  في التشريع وتنظيم الحياة، وأنّ المصلحيّة المنفعيّة المادّيّة ليست الغاية الحقيقيّة، وأنّه هو مسؤول أمام الله عن كلّ ما علاقاته الثلاث مع ربّه ومع نفسِه ومع غيره.
[22]- والسبب في هذا الحكم الشامل الواسع هو أنّ الإنسان وما يفعله خاضع للنفسية الإنسانية وتابع لها. وفي الحقيقة أنّ أكثر أحداث التاريخ خطورة تتغذّى من إرادة إنسان أو مجموعة خيراً أو شرّاً؛ لأنّ القرارت المصيريّة التي حسمت خرائط العالم والمجتمعات تأتي بالغالب ضمن رغبة شخص أو أشخاص معيّنين إن كانوا صالحين؛ فإنّ الثمار ستكون مباركة، وإلا ستكون كارثيّة. حول أهمّية البعد الفردانيّ في المنظومة القيميّة القرآنية، راجع: باب شروط المسؤوليّة الأخلاقيّة والدينيّة، الباب الأوّل: الطابع الشخصيّ للمسؤوليّة من دستور الأخلاق في القرآن، ج1، ص 148؛ لأنّ الباب يفصّل كيف أنّ الإنسان الفرد هو مسؤول عن فعله  وأنّ « النفس» لها مكانة مركزية في النظم الأخلاقيّة القرآنية.
[23]- أصرّ روّاد العلوم الاجتماعيّة (الإنسانيّة) الحداثية على أن لا وجود حقيقاً للخير والشرّ، وكلّ الخيرات والشرور هي نسبيّة، فلا يمكن إقحامهما في موضوع العلم. انظر على سبيل المثال : دوركايم، إميل: قواعد المنهج في علم الإجتماع، ترجمة: محمود قاسم، ط2، مصر، مكتبة النّهضة المصريّة، ص93-105.
[24]- النسبيّة القيميّة، الشخصانيّة الأخلاقيّة وخصوصيّتها الفردانيّة، والطابع الذوقي والإحساسي غير العلميّ والمعرفيّ قضايا وأحكام باتت محسومة بالنسبة لقادة المنهجيّة المعرفيّة في الغرب، لكنّ المشكلة في الحقيقة تكمن في أمرين: الأوّل هو أنّ القيمّ العرفيّة الاجتماعيّ في أغلبها غير مرتكزة إلى العلميّة والعقلانيّة، فكان من الطبيعيّ أن لا يستثني صنّاع التنوير العلميّ الغربي وحركة النّهضة وقادتهم هناك من إخضاع ميدان القيم أيضاً للمعايير العلميّة، وبخاصّة أنّ الفكر الدينيّ المسيحي في الغرب لم يقدر على تقديم صورة معقولة وعلميّة عن الإيمان والأخلاق يمكن للعالم المنطقيّ أن يعتبرها حقلاً آخر للتفكير والتعقّلن غير أنّ الفكر الدينيّ الإسلاميّ فيه الطاقات اللافتة في تقديم صورة عمليّة عن النظام الأخلاقيّ عليه فاقتصار العمل الإسلاميّ في توجيه النقد إلى المنهجيّة الغربيّة في العلوم الاجتماعيّة أو غيرها، باعتبارها فاقدة للبعد القيميّ والتقييمي، والمعياريّ هو أمر لا يفي بالغرض، ولا يصنع بديلاً. يبدو لي أنّ الغربيين أنفسهم قد التفتوا إلى إشكالية القيم وأهمّيّتها وكذلك إلى إشكاليات تعميم المنهاجيّة البحثية  المعتمدة في العلوم الطبيعيّة والتجريبيّة على العلوم الإنسانيّة. إذاً فالحاجة الملحّة اليوم هو الذهاب إلى تقديم البديل الإسلاميّ.
أنظر:Feigl,M. Reading in the philosophy of scice, P.528 أيضاً للتعرف على الاتجاه المعارض لتوحيد المنهجية المعرفيّة وأدوات صناعة العلم في الحقل الطبيعي والإنسانيّ أنظر:
Natanson,M.(ed) philosophy of the social SscinceA.Reader.,  op,cit.,p.186.
[25]- Logical Sciences
[26]- (ونَفْسٍ ومَا سوَّاهَا، فَأَلهَمَهَا فجُورَهَا وتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا، وقَدْ خَاب مَن دَسّاهَا).(سورة الشّمس، الآية 6-9 ). علينا أن نفهم معاني هذه الآيات ضمن النطاق الإجتماعيّ الواسع،عليه،فإنّ مفهوم الفلاح والفجور والتقوى والتزكية وعناصر تكوينها وآثارها كلّها تتمظهر في الأبعاد الفرديّة والإجتماعيّة.
[27]-  درّاز، محمّد عبد الله: دستور الأخلاق في القرآن، ترجمة: عبد الصبور شاهين، ج1، ص16.
[28]- فيما تابعت من الأبحاث الأخلاقية الإسلاميّة الحديثة لاحظت أنّ النقاش الذي أتى به الدكتور محمّد درّاز  في الفصل الأوّل من كتابه تحت عنوان [النظرية الأخلاقية في الإسلام] (باب الإلزام)، ومن ثمّ بحثه عن تشكّل حالة المسؤوليّة الداخليّة والخارجيّة؛ باعتبارها ثمرة حالة الإلزام، هو من أغنى الأبحاث في ما يتّصل ببناء الجوهر الأخلاقي الإسلامي على زرع الدافع النفسيّ، وتكوين الإلزام المبني على التقوى. أنصح  المتابع لهذه المباحث مراجعة هذه الصفحات من الكتاب.
[29]- (لَقَد اَرْسَلْنا رُسَلَنا بِالْبَيِّناتِ واَنْزَلْنا مَعَهُم الْكِتابَ والْميزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالْقِسْط)، سورة، الآية 25.
(كَما اَرْسَلْنا فيكُمْ رَسولا مِنْكُم يَتْلُوا عَلَيْكُم آياتِنا ويِزَكّيكُم ويُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ والْحِكمَةَ ويِعَلِّمُكُمْ ما لَم تَكُونُوا تَعْلَمُون). سورة البقرة، الآية 151.
(هُوَ الَّذى بَعَثَ فِى الاُميِّيّنَ رَسُولا مِنْهُم يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ ويُزَكّيهِمْ ويُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ والْحِكمَةَ واِنْ كانوا مِنْ قَبْلُ لَفِى ضَلال مُبِين). سورة الجمعة، الآية 2.
(يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ). سورة الأعراف، الآية 157.
(كَتابٌ اَنْزَلْناهُ اِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ اِلَى النُّورِ بِاِذْنِ رَبِّهِمْ اِلى صِراطِ الْعَزيزِ الْحَميد). سورة ابراهيم، الآية 1.
وعشرات الآيات الواضحات الأخرى الّتي تتحدّث عن المناخ القيميّ والفضاء الأخلاقيّ باعتباره الفلسفة الحقيقيّة لتشريع الدين وإرسال الرّسل وإنزال الكتب.
[30]- هذا هو الرّأي الغالب والتفسير السائد بين فلاسفة نفس الدين وعلمائه لما هم يسمّونه الظاهرة الدينيّة وفقاً للتفسير الفلسفيّ النفسيّ الدينيّ. وبعضهم رغم أنهم يؤكّدون أهمّيّة وبل حيويّة الدّين لحماية النّفس ولكنّهم يصرّون على أنّه أمر متافيزيقيّ لا يمكن القول بأنّه حقيقة، ولكنّهم يرون في الاعتقاد به منفعة نفسيّة للمتديّن به وللمعتنق له!
[31]-  إشارة إلى الآية الشريفة : (وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ)سورة هود – 61.
[32]- رغمَ أهمّيّة تنظيم القيم الإسلاميّة وبالتحديد في ضوء الدرس القرآني، إلا أنّنا لا نرى في أعمال العلماء المسلمين مشروعاً شاملاً جامعاً عن الشريعة الأخلاقية من القرآن، كما يؤكّد هذه الحقيقة، الدكتور محمّد درّاز – رحمه الله - في عمله الخالد : دستور الأخلاق في القرآن، م.س، ج1، ص8، من المقدّمة.
[33]-  تشير إلى هذه الحقيقة في علاقة مصير الأمم والحضارات بالمسألة الأخلاقيّة، مجموعة كبيرة جدّاً من الآيات، وأغلبها هي تندرج ضمن آيات السّنن الاجتماعيّة. من جملة هذه الآيات يمكن الإشارة إلى:
(إنّ الله لا يُغيّر ما بقوم حتّى يغيّروا ما بأنفسهم). (سورة الرعد، الآية11)، يبدو لي من فهمي للآية، أنّ مآل الأمم والأقوام ومصير هما مرتبط بما في أنفسهم وليس بما في خارج أنفسهم بالأساس. عليه، فإنّ التغيير الحقيقيّ تبدأ جولته الحقيقيّة من النفس وما تتّسم به من أخلاقيّات وقيم.
(وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ). سورة يونس، الآية 12.
(وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِن بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً َّعَلَّهُمْ َتَذَكَّرُونَ). سورة القصص، الآية 43.
(أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَمِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً ). سورة الفاطر، الآية 44.
(وَإِذَا أَرَدْنَاأَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَافَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقّ َعَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً). سورة الإسراء، الآية 16.
[34]-- المقدّمة (لتاريخ ابن خلدون)، الفصل السابع عشر(في أطوار الدّولة)، ص 172.
[35]-  النّجم، زياد عبدالكريم: توينبي ونظريّته.. التحدّي والاستجابة، الحضارة الإسلاميّة نموذجاً، الهيئة العامّة السوريّة للكتاب، 2011. كان من الضروريّ أن أنوّه إلى أنّني في توضيح فكرة التحدّي والاستجابة الحضارية لأرنولد بالأساس عوّلت على هذا المصدر الهامّ والمفيد.
[36]-  توينبي، أرنولد: الفكر التاريخيّ عند الإغريق، ترجمة: لمعي المطيعي، ط 3، القاهرة، الهيئة المصرية العامّة للكتاب، 1990 م، ص14.
[37]- زياد عبد الكريم النجم، تويبني ونظريته...التحدّي والاستجابة، م.س، ص34.
[38]- Humanization of Values.
[39]- أعني هنا، ضرورة العمل على إعادة مَوْقَعَة الأخلاق في الأحكام التكليفيّة ولزوم اعتبار القضايا الأخلاقيّة ضمن الفقه، لأنّها تمثّل من أسس التكليف والسلوك الإنساني، شأنه شأن العمل الجوارحي،  ولأنّ مجرّد كون عمل هو من أعمال الجوانح ليس مبرّراً كافياً لإقصاءه من الفقه الإسلاميّ، أيضاً يجب أن تكون الأخلاق مؤثّرة في الأحكام الوضعيّة أحياناً، فعلى سبيل المثال في صحّة العبادات لا يجوز استبعاد الأخلاق؛ باعتبارها شأناً غير فقهيّ، واقتصار الفقه في الدرس في الصحّة بالمعنى الجوارحي! وليس القلبيّ الجوانحيّ.
[40]- نظريّة اللذّة الأخلاقيّة (HedonismMoral).
[41]- البراجماتية الأخلاقيّة(Moral Pragmatism)
[42]- الواقعيّة الأخلاقيّة (Moral Realism).
[43]- في الفكر الإسلاميّ تحظى كلمة التوحيد بمركزية مطلقة في جميع مناحي الإسلام، وفلسفات النّظر،  وأنظمة العمل. بدأت هذهالقيمة (التوحيد) من خلال آيات التوحيد في القرآن الكريم، وهي تربو على  أكثر من ألفي آية من محكمات القرآن تُلمّح إلى هذا المبدأ الرّكن مباشرةً أو غير مباشرة. في ضوء ذلك، فإنّ التوحيد اعتقاداً وتطبيقاً في أرض الواقع، هو بمثابة عمود الإسلام والإيمان وركنهما. بدأ الرّسول الكريم حِراكَه في مواجهة الشّرك والجهل، وعبادة الأصنام بالتأكيد على هذه القيمة المحوريّة  قائلاً: >قولوا لا إله إلاّ الله تُفلحوا